انظمه الاستبداد العربي
كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الشيباني 1-4
كيف نجحت أنظمة الاستبداد العربي
”
المطلوب للخروج من الاستبداد والعجز الوطني وانعدام السيادة هو معاهدة بضبط العمل من أجل كسر حلقة التحالف الموضوعي القائم بين الاستبداد والاستعمار معا، وهو التحالف الذي يجعل ماهيتهما واحدة أيضا
”
يقول أرسطو إن الغاية النهائية للطاغية كي يحتفظ بعرشه هي تدمير روح المواطنين وجعلهم عاجزين عن فعل أي شيء إيجابي، وفي سبيل تحقيق ذلك فهو يلجأ إلى القضاء –بوسائل مختلفة– على الطبقة المثقفة التي قد تشكل خطرا على حكمه.
كما أنه يلجأ إلى منع الاجتماعات ويعمل ما في وسعه لعزل كل من يساهم في تعليم الناس وتعزيز ثقتهم بأنفسهم وتنمية روح الاغتراب لدى المواطن العادي ومحاولة قطع الصلة بين المواطن ووطنه.
كما أنه كثيرا ما يلجأ إلى تقييد حرية المواطنين وعدم السماح لهم بتجاوز أبواب مدينتهم (أي تقييد حرية الحركة والسفر لمواطنيه في المفهوم العصري). كما أنه يبث جواسيسه في كل مكان ليكون على اطلاع مستمر ودائم على كل ما يقوله ويفعله رعاياه خشية تآمرهم عليه.
ومن الوسائل الأخرى التي يلجأ إليها الطاغية المستبد إفقار رعاياه كي ينشغلوا عنه في تدبير قوت يومهم. وكمثال على ذلك يقول أرسطو إن الطغاة كثيرا ما يلجؤون إلى بناء المنشآت الضخمة لشغل فراغهم لئلا يجدوا وقتا لشيء آخر.
أما في العصر الحالي فكثيرا ما يلجأ المستبد إلى إشعال الحروب الخارجية لإلهاء شعبه وعدم تمكنه من التفكير في شيء آخر. والتاريخ الحديث مليء بمثل هذه الحروب التي قامت لا لشيء إلا لإلهاء الشعب وإفقاره.
وحول الموضوع نفسه يقول الكواكبي “ما أشبه المستبد في نسبته إلى رعيته بالوصي الخائن على أيتام يتصرف بأموالهم كما يهوى ما داموا قاصرين، فكما أنه ليس من صالح الوصي أن يبلغ الأيتام رشدهم كذلك ليس من مصلحة المستبد أن تتنور الرعية بالعلم”(8).
إن المسؤولية الأولى والكبرى في كل الكوارث التي لحقت بالأمة وقضاياها من بداية عهود الاستقلال إنما تقع على عاتق أنظمة الحكم العربية السلطوية والمستبدة دون تجاهل بالطبع للطبيعة الاستثنائية للتحديات الهائلة التي واجهت الأمة في الداخل والخارج خلال نصف القرن الأخير، أو للقصور الذاتي الذي اعتور الحركات والأحزاب السياسية والأخطاء التي ارتكبت خلال الفترة المذكورة.
أما كيف نجحت أنظمة الاستبداد السياسي العربية في تدجين وتطويع المواطن العربي وأبعدته عن هموم أمته القومية، فإن ذلك عائد إلى اتباع هذه الأنظمة أساليب مدروسة ومتطورة في تطبيق سياسة تطويع المواطن العربي.
وقد كان لثورة عبد الناصر ببعدها القومي الأثر الكبير في التصدي للقضايا القومية العربية الكبرى لم يشهد العالم العربي مثيلا له منذ بداية عهود الاستقلال حتى اليوم. هذا رغم ما يؤخذ على الثورة من تقييد للممارسة الديمقراطية وتوجيه للمشاركة السياسية وتعامل أمني مع المعارضة، وقد كانت الغالبية العظمى من الأنظمة توافقه –على الأقل ظاهريا– في معظم مواقفه من القضايا القومية، ولكنها في الواقع اتبعت سياسة القمع والإرهاب والسجن للدفاع عن الأمر الواقع الذي أرادت المحافظة عليه وحمايته.
وقد جاءت وفاة عبد الناصر المبكرة لتمنح تلك الأنظمة فرصتها للتفكير فيما يمكن أن تفعله لتطويع مواطنيها واحتواء طموحاتهم الوطنية والقومية والتي كانت تشكل خطرا كبيرا على مصالحها الذاتية. يقول المرحوم منذر عنبتاوي إن الأنظمة العربية وفي سبيل المحافظة على مصالحها الضيقة قد اتبعت عدة وسائل لتدجين المواطن العربي الذي فجرت ثورة عبد الناصر فيه شعورا بالاعتزاز القومي لم يشهد مثله من قبل.
ومن هذه الأساليب ما يلي:
أسلوب الإلهاء: وقد ساعد احتكار الأنظمة لوسائل الإعلام المسموعة والمرئية في غسل دماغ الشباب العربي وذلك بسبب الانتشار الواسع للتلفزيون وتنويع برامجه التي كانت كلها تركز على إبراز النزعات الفردية وبالتالي إضعاف الروابط الاجتماعية. وكانت معظم البرامج تركز على تشجيع النشاطات الرياضية والفنية. وقد نجحت وسائل الإعلام هذه في إبعاد المواطن العربي عن التفكير، ناهيك عن المشاركة في الأحداث القومية الجسام التي بدأت تفعل فعلها في الواقع العربي.
أسلوب التنفيس: وقد تمثل هذا الأسلوب في تمكين الصحافة من التعبير عن رأيها إزاء الأعداء الخارجيين والسماح لها بتوجيه النقد إلى الأنظمة العربية ولكن بشكل مدروس وعام وشريطة عدم الدخول في التفاصيل إلا ما يناسب منها مصلحة النظام فقط مع استمرار خطر التطرق إلى النظام نفسه.
أسلوب تشجيع الاستهلاك: وقد تمثل ذلك في فتح الأسواق المحلية لشتى أنواع البضائع المغرية التي فتحت شهية المواطن إلى اقتنائها بشتى السبل، وأدت هذه الرغبة بالتالي إلى فتح شهية المواطن إلى كسب المال مما أفقده بالتالي اهتمامه بقضاياه القومية وأبعده عن متابعة شؤون بلده وقضاياه الأساسية وتركت أثرا سلبيا على المعايير الأخلاقية في المجتمع.
توسيع القاعدة الاقتصادية ذات المصلحة في استقرار النظام واستمراره: وقد تمثل ذلك في استقطاب أعداد كبيرة من خريجي الجامعات للالتحاق بالخدمة الحكومية بغض النظر عن مدى الرغبة في الاستفادة من قدراتهم، كما قامت الأنظمة ببناء قوات مسلحة بأعداد هائلة تصل أحيانا إلى مئات الآلاف من المجندين دون تمكينها من أداء دورها في دعم قضايا أمتها، وذلك رغبة من هذه الأنظمة في استيعاب الشباب لإبعادهم عن العمل السياسي المنظم. وقد أصبحت القوات المسلحة في معظم البلاد العربية من المؤسسات الاقتصادية الكبرى غير المنتجة(9).
إن فشل التجربة الحزبية في العالم العربي قد أسهم في عملية تدجين المواطن العربي لأنها فشلت في تقديم البديل الأفضل للجماهير العربية. فقد انتهجت أنظمة الحكم الاستبدادية في العالم العربي مختلف أساليب القمع في سبيل ضرب وإجهاض أي تجربة حزبية كانت ترى فيها خطرا على مصالحها وامتيازاتها.
كما أن هذه الأحزاب قد شغلت نفسها بمحاولة حل أزمة الحكم من فوق، أي القفز إلى الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية وليس العمل الجماهيري المنظم. وقد استطاع الكثير من الأحزاب القومية الاستيلاء على السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية في أكثر من بلد عربي، إلا أنها فشلت في تقديم البديل الأفضل للجماهير بل إن الأمور في أحيان كثيرة سارت نحو الأسوأ، فقد باتت الجماهير في أحيان كثيرة تترحم على العهود السابقة.
لقد فشلت جميع تلك الأحزاب في خلق تيار جماهيري واع ويقظ في مرحلة ما بعد الانقلابات بسبب فشلها في وضع برامج عمل تصل بها إلى القاعدة الجماهيرية. كما فشلت هذه الأحزاب في إعطاء المثل على قدرتها على العمل الأجدر عندما فشلت في متابعة قضايا المواطن العادي الحياتية التي تبنتها وهي في المعارضة -السرية غالبا- سواء أكانت تلك القضايا ما يمس أمنه وسلامته أو حقوقه الاجتماعية والنقابية.
إن غياب حياة سياسية وحزبية صحيحة هي من الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه من وضع مأساوي وغياب للقدرة على منع الاستبداد ومحاربته، فنحن أعجز -والوضع على ما هو عليه- على حل أزمات وتعقيدات الوضع العربي الراهن.
إن أهم ما يحتاجه العالم العربي الآن هو حكومات تصل إلى السلطة والحكم عن طريق صناديق الاقتراع -وليس عن طريق الانقلابات والقهر والقمع- وإدخال الشعوب في صلب العملية التنموية وإشراكها في الحياة السياسية العامة. إن أسلوب القمع والقسوة والاضطهاد التي تعامل بها معظم الأنظمة العربية شعوبها هي التي شجعت الغرب -وبالأخص الولايات المتحدة- على زيادة الضغط على هذه الدول والحكومات كما هو حاصل حاليا مع أكثر من بلد عربي، الأمر الذي سيؤدي بدون شك إلى رفع سقف التنازلات أمامها للحصول على المزيد من التنازلات الاقتصادية والإستراتيجية.
وفي هذا السياق يقول د. برهان غليون “إن النظم الاستبدادية بحاجة –إذا أرادت البقاء والاستمرار– إلى دعم الدول الكبرى أو صرف نظرها عنها بمثل ما أن تلك الدول بحاجة إلى تلك النظم حتى تتمكن من ابتزاز الشعوب الفقيرة والضعيفة وتجميع ثرواتها وتوجيهها نحوها. والنتيجة هي ما نراه اليوم في عالمنا الراهن، أي دول كبرى تسيطر على القرار العالمي وتفرض على الدول الفقيرة والصغيرة سياستها وجدول أعمالها كما تشاء، بل تنزع أكثر فأكثر نحو صيغ استعمارية تقليدية، ودول صغيرة وفقيرة مستلبة الإرادة والقرار وخاضعة لنخب مستبدة وفاسدة ولاإنسانية”(10).
إن المطلوب للخروج من الاستبداد والعجز الوطني وانعدام السيادة هو معاهدة بضبط العمل من أجل كسر حلقة التحالف الموضوعي القائم بين الاستبداد والاستعمار معا، وهو التحالف الذي يجعل ماهيتهما واحدة أيضا. فليس المضمون الحقيقي للاستعمار أو السيطرة الخارجية المتفاقمة سوى الاستبداد الدولي بالقرار العالمي. وليس المضمون الحقيقي للاستبداد سوى الاستعمار الداخلي الذي يجعل فئة خاصة تنتزع سيادة شعب كامل وتحتل وعيه وإرادته