أ.د. أحمد محمد وهبان

"السيطرة الصامتة: الرأسمالية العالمية وموت الديموقراطية"(1)

كاتب الموضوع الأصلي: صالح الشنيف 1

“السيطرة الصامتة: الرأسمالية العالمية وموت الديموقراطية”

نورينا هيرتس, عالم المعرفة (ترجمة. صدقي حطاب), العدد 336, فبراير 2007, 287 ص.

1- ولدت نورينا هيرتس بلندن في العام 1967, وتلقت تعليمها العالي بجامعات لندن وبنسلفانيا وكمبرج, حيث حصلت على شهادة الدكتوراه من بين ظهراني هذه الأخيرة.

عملت ببعثة للبنك الدولي بروسيا, وقدمت العديد من المشورات للحكومة الروسية فيما يتعلق بمشاريعها في الخوصصة. في العام 2006, عملت بجامعة كمبردج كزميلة, ثم كمديرة مشاركة في مجال إدارة الأعمال والاقتصاد.

من مؤلفاتها: “العلاقات الاقتصادية الروسية في أعقاب الإصلاح” (1997), و”تهديد المديونية: كيف تدمر الديون العالم النامي؟” (2005), و “أنا مدين لك: تهديد الدين ولماذا علينا أن نبطله؟” (2005). وتعتبر بهذه الكتب إحدى الخبيرات في اقتصاد العولمة.

2- تقول الكاتبة, في تمهيد هذا الكتاب: “إن الأساطير التي روجت في فترة الحرب الباردة, خوفا من أن يضعف وضعنا قد بدأت تسفه, فالثروة لا تترقرق دائما. فهناك حدود للنمو, والدولة لن تحمينا. إن مجتمعا لا تهديه سوى يد السوق غير المرئية ليس مجتمعا معيبا فحسب, وإنما هو أيضا مجتمع ظالم”.

إن ما تسميه المؤلفة ب”السلطة الصامتة” قد بدأ, بنظر الكاتبة, مع “صعود مارغريت تاتشر للسلطة. تلك السيدة الحديدية ذات القبعة والشعر المصفف, التي جاءت بنوع خاص من الرأسمالية, مع رفيقها رونالد ريغان, وضعت قوة غير عادية في أيدي الشركات, وربح السوق ليس على حساب السياسة وحدها, وإنما أيضا على حساب الديموقراطية. وكان هذا ناتجا معمرا, وقد سادت إيديولوجيتها في كثير من دول العالم مع بعض التعديلات المنمقة. لقد أصبحت السياسة في أعقاب الحرب الباردة وبشكل مطرد, بضاعة متجانسة ومنمطة”.

إن رجال السياسة لا يزالوا, بتصور الكاتبة, مستمرين في “تقديم حل واحد: وهو نظام قائم على الاقتصاد الحر, والثقافة الاستهلاكية وقوة المال والتجارة الحرة. وهم يجربونها ويبيعونها بألوان متباينة زرقاء أو حمراء أو صفراء, ولكنها تظل نظام الشركة فيه هي الملك, والدولة رعيتها, والمستهلكون هم المواطنون. إنه إلغاء صامت للعقد الاجتماعي”.

بالتالي, فإن الشقوق التي سادت خلف الإجماع العقائدي والانتصار المفترض للرأسمالية بدأت تظهر, وإلا فما معنى أن “يتجاهل الشعب صناديق الاقتراع ويخرجون إلى الشوارع أو إلى الأسواق الكبيرة؟ كم هو كبير معنى الديموقراطية, لو أن نصف الشعب فقط ذهبوا للتصويت, كما جرى في انتخابات بوش وغور الأمريكية…ما قيمة التمثيل إذا كان سياسيونا يقفزون الآن إلى قيادة الشركات, بدلا من قيادة مواطنيهم؟”.

وتزعم المؤلفة أن عالم اليوم, هو “عالم تتعادل فيه الاستهلاكية بالسياسة الاقتصادية, تسيطر فيه مصالح الشركة, وتنفث فيه الشركات التجارية والصناعية لغتها الخاصة بها على موجات الفضاء, وتخنق الشعوب بحكمها الأمبريالي…لقد حدث تغير في ميزان القوة, ساهمت في إحداثه السياسات الحكومية في الخصخصة, وتحرير التجارة, ورفع القيود والتطور في تقنيات الاتصالات خلال العشرين سنة الماضية”.

و”هناك الآن مائة شركة متعددة الجنسيات, هي أضخم الشركات, وتتحكم في نحو 20 بالمائة من الأصول المالية العالمية. وأكبر 51 مؤسسة مالية في العالم هي الآن شركات, مقابل 49 تمتلكها الدول. وتزيد مبيعات شركتي جنرال موتورز وفورد, على إجمالي الناتج المحلي لجميع دول ما وراء الصحراء الإفريقية, وتزيد الأصول المالية لشركات أي.ب.إم وبرتش بتروليوم وجنرال إلكتريك, على القدرات الاقتصادية لمعظم الأمم الصغيرة”.

هذا هو عالم السطرة الصامتة, تقول الكاتبة, “حيث أيدي الحكومات تبدو مقيدة, واعتمادنا على الشركات في ازدياد, والمؤسسات الصناعية والتجارية هي التي تتولى عملية القيادة, والشركات الكبرى هي التي تحدد قواعد اللعبة, وغدت الحكومات هي حكام هذه الألعاب الذين يطبقون قواعد وضعها آخرون, وأصبحت الشركات النقالة ولائم متحركة, وصارت الحكومات تمضي بعيدا في اجتذاب هذه الشركات إلى شواطئها, أو الاحتفاظ بها. وتعمى العيون عن ثغرات الضرائب, ويستخدم مغول التجارة والصناعة أساليب ذكية في التهرب من الضريبة, لإبقاء حصيلتهم المالية خارج البلاد…إنه عالم يركع فيه ممثلونا المنتخبون أمام رجال المال والأعمال, ولا يتورعون عن الرقص لهم, على الرغم من أننا رأينا أمارات تآكل القاعدة الضريبية, في خدماتنا المتهالكة وفي البنى الأساسية”.

وتتابع قائلة: “إن الحكومات التي حاربت في الماضي من أجل الأرض, صارت تناضل الآن بشكل عام من أجل مؤشرات السوق, وغدت إحدى وظائف هذه الحكومات الأولى إيجاد بيئة يمكن أن تزدهر فيها الشركات وتجتذبها. وأصبح دور الشعب, إلى حد كبير مجرد توفير البضائع الحكومية والبنى التحتية التي تحتاج إليها هذه الشركات وبأقل تكلفة, وحماية نظام حرية التجارة العالمية”. في الآن ذاته, “يلقى جانبا بالعدالة والإنصاف والحقوق والبيئة, وحتى قضايا الأمن الوطني”.

ولما بات تكوين الثروة أهم من توزيعها, فإنه من الطبيعي, تقول الكاتبة, أن تتعمق الهوة أكثر بين الفقراء والأغنياء, لتنتصر الرأسمالية, “لكن غنائمها لم تصل إلى الجميع”, بسبب تجاهل الحكومات لمواطن ضعف هذه الرأسمالية, وتزايد عجزها لمعالجة نتائج أنظمتها, بسبب إجراءات السياسة التي أدخلتها.

ليس معنى هذا, تؤكد المؤلفة, أن خطابها موجه ضد الرأسمالية, إذ هي “أفضل نظام لصنع الثروة. وقد عملت التجارة الحرة وأسواق رأس المال المفتوحة على إيجاد نمو اقتصادي غير مسبوق, استفاد منه معظم سكان العالم, إن لم يكن جميعهم…لكنه مصاغ, ليكون “نصيرا للشعب ونصيرا للديموقراطية ونصيرا للعدالة”.

إنني, تقول الكاتبة, “أريد أن أمتحن التبرير الأخلاقي لصنف من الرأسمالية, يشجع الحكومات على بيع مواطنيها بثمن بخس. وأريد أن أتحدى شرعية تخسر الأغلبية فيها وتربح الأقلية, وأن أظهر كيف أن السيطرة تعرض الديموقراطية للخطر, وأن أجادل في أن هناك تناقضا أساسيا في صميم الرأسمالية الحرة, وأن في تحول الدولة إلى أدنى صورها ووضع الشركات الكبرى في الصدارة, تعريضا لشرعية الدولة للخطر”, على اعتبار أن دولة السياسة أصبحت دولة الشركات, وأن الدولة تجازف “بتحطيم العقد الضمني بين الدولة والمواطن. هذا العقد الذي يقع في صميم المجتمع الديموقراطي”, قد بات في خطر لأن السياسة أصبحت ساحة تزداد عبثيتها واتجاهها نحو تحقيق المصلحة الخاصة.

وتخلص الكاتبة في تمهيدها, إلى “أن تآكل الحكومة والسياسة المطرد, خطر على الجميع بغض النظر عن المعتقدات السياسية. إن عالما فيه رئيس أمريكي يصدر القانون تلو القانون المحابي لمصالح الشركات الكبرى, ولروبيرت مردوخ سلطان أقوى من سلطان توني بلير, وتضع الشركات الكبرى فيه الأجندة السياسية, إنما هو عالم مخيف وغير ديموقراطي”.

إن السيطرة الصامتة تزحف, وهي أمر مقلق للغاية تستوجب أن نعمل شيئا لمواجهة سلطانها.

Leave a Comment