أ.د. أحمد محمد وهبان

كارل ماركس و الرأسماليه ..

كاتب الموضوع الأصلي: صالح الشنيف 1

بسم الله الرحمن الرحيم : ]ماركس الثوري الشيوعي هو أفضل من قدم تحليلا للإنجازات التاريخية للرأسمالية وذلك منذ وقت مبكر عندما بدأ النظام الرأسمالي ينتشر عالميا، أي سنة 1848 مع البيان الشيوعي. فنحن نجد في البيان الشيوعي أفضل مدح وثناء على البورجوازية لم تناله حتى من ممثليها الرسميين. فقبل أن يكتشف ماركس قدرة النظام الرأسمالي على البقاء في المجلدين الثاني والثالث من رأس المال في النصف الأول من ستينات القرن التاسع عشر، كان قد وضع يده على الإنجاز التاريخي الهام للبورجوازية ونظامها الرأسمالي منذ البيان الشيوعي. يقول ماركس في البيان الشيوعي: “لقد لعبت البورجوازية دورا في غاية الثورية. فحيثما كانت لها اليد العليا، وضعت نهاية لكل العلاقات الإقطاعية والأبوية. وقطعت بحزم كل الروابط التي تقيد الإنسان بأسياده الطبيعيين، ولم تترك أي صلة بين الإنسان وأخيه الإنسان سوى المصلحة الشخصية.. لقد أوضحت ما الذي يمكن أن يفعله النشاط الإنساني. فقد حققت عجائب تفوق بمراحل الأهرامات المصرية والجسور الرومانية والكنائس القوطية.. البورجوازية لا تستطيع أن تعيش دون تثوير مستمر لوسائل الإنتاج، ومعها علاقات الإنتاج وكل العلاقات الاجتماعية.. إن حاجتها إلى أسواق دائمة التوسع لمنتجاتها جعلتها تمتد إلى كل أنحاء الكوكب. إنها يجب أن تعشش في كل مكان، وتسكن في كل مكان، وتقيم علاقات في كل مكان.. والبورجوازية من خلال استغلالها للسوق العالمي قد أعطت طابعا كوزموبوليتانيا للإنتاج والاستهلاك في كل بلد.. وعن طريق التحسين المستمر لكل وسائل الإنتاج ووسائل الاتصال السهلة، أخرجت البورجوازية كل الأمم بما فيها الأكثر بدائية من الهمجية إلى الحضارة. والأسعار الرخيصة لسلعها هي المدفعية الثقيلة التي تقذف بها كل سور صين عظيم.. إنها تدفع كل الأمم (لأن تكون مثلها) وإلا تعرضوا للفناء.. إنها تخلق عالما على صورتها. لقد خلقت البورجوازية في القرن الذي تسيدت فيه قوى إنتاجية تفوق كل ما أنتجته البشرية حتى الآن..” .
إن هذا التقييم العالي للبورجوازية ونظامها الرأسمالي صادر عن عقلية علمية رفيعة المستوى. ألا تشعر عزيزي القارئ أن هذا التص لا يزال معاصرا لنا؟ ألا تشعر أنه يتكلم عما نحن فيه الآن؟ ألا يتكلم ماركس فيه عن الطابع الكوزموبوليتاني للإنتاج والاستهلاك؟ أليست هذه هي العولمة بعينها؟ إن مواجهة ماركس للنظام الرأسمالي لم تجعله يعمى عن إنجازاته التاريخية. فنظام اقتصادي واجتماعي مثل هذا ليس من السهل تجاوزه؛ إنه نظام قوي وسوف ُيقدَّر له البقاء لفترة طويلة، وهذا ما اكتشفه ماركس، لا في البيان الشيوعي بل في دراساته الاقتصادية اللاحقة خاصة في أواخر خمسينات القرن التاسع عشر. والحقيقة أن دراسات ماركس التالية على البيان الشيوعي سوف توضح له بمزيد من الدقة قدرة النظام الرأسمالي على البقاء، وما كان مجرد ملاحظات عامة في ثورية وتقدمية البورجوازية ورأسماليتها وإنجازاتها التاريخية في البيان الشيوعي، سوف يصبح دراسة اقتصادية دقيقة في “رأس المال” للكيفية التي يحافظ بها النظام الرأسمالي على نفسه ويتجاوز أزماته وتناقضاته ويعيد إنتاج ذاته باستمرار

Leave a Comment