الصراع على الرموز السياسية بين السلطة والشارع المصرى
كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريجي 380
د.أمل حماده
ترتبط الثورات بنخب جديدة تزيح النخب القديمة، وتحاول إقامة عدد من المؤسسات الجديدة التي ترتبط بقيم الثورة وأفكارها. جزء هام من هذه العملية هو قدرة الثورة على إنتاج رموز جديدة في المجال العام، تصبح مرتبطة بها، ومعبرة عنها، ومرتبطة بقيم الضبط الاجتماعي الجديد؛ ومن هنا نفهم رغبة الثوار في أن يكون للدولة علم جديد، أو نشيد قومي جديد، وعيد قومي جديد.
ومنذ أن بدأت الموجة الأولى للثورة المصرية في 25 يناير والصراع مستمر حول هذه المساحة الرمزية؛ الدولة القديمة بنخبتها ومؤسساتها وآلتها الإعلامية في مواجهة جماعات منفردة لا تطرح نفسها بديلا للسلطة الحاكمة (لعدم قدرة أو عدم رغبة) ولكنها بالتأكيد تطرح نفسها كجماعات مقاومة على المستوى الرمزي، ومن هنا شهدت مصر مع كل مرحلة سياسية مجموعة من الرموز تعبر عن الصراع بين الجانبين، سواء رمزية ميدان التحرير أو علم مينا دانيال الذي يستدعي أحداث ماسبيرو إبان المجلس العسكري أو “كف رابعة” الذي يرفعه أنصار الاخوان المسلمين كدلالة على فض اعتصامات رابعة العدوية بالقوة بعد عزل الرئيس مرسي.
الدولة وعلاقتها بالمساحة الرمزية
تعتبر العلوم السياسية أن الدولة بشكلها الحديث تحتكر العديد من الوظائف، وعلى رأسها احتكار امتلاك واستخدام القوة المسلحة. ويختلف دور الدولة في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي على حسب الأيديولوجية التي تحكم النخبة السياسية، والتي تنعكس على شكل النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقوانين التي تحكم مجمل هذه العلاقات. لكنّ هناك مجالا هامًّا خارج ما سبق، ولكنه قادر على تحقيق سيطرة أكبر للدولة (وليس بالضرورة احتكارًا أكبر) وهو المساحة الرمزية.
ونعني بالمساحة الرمزية قدرة الدولة على إنتاج رموز سياسية وثقافية واجتماعية تجسد وتبلور توجهاتها، كاختيارها لعلم، أو نشيد وطني، أو تبنيها خطابًا تتقاطع مفرداته مع الثقافة التقليدية، أو تتطابق معها، أو في بعض الأحيان تتصادم معها بهدف تغييرها أو تحديثها. في هذا الإطار يمكننا أن نفهم رغبة الملوك القدامى في صك صورهم على قطع العملة، والدعاء لهم على المنابر، وكيف أن استبدال صورة الملك من على العملة المعدنية بصورة قائد جديد كانت تعتبر إشارة على انفصال هذا الجزء، أو سقوط هذه الدولة.
وبطبيعة الحال لا يمكن القول إن صورة الحاكم على النقود وعلاقتها بتدعيم الدولة رمزيًّا ما زالت وسيلة قابلة للتطبيق والاستخدام في الدولة الحديثة، فالدولة موجودة بأشكال مختلفة، ولكن ما زالت عملات الدولة تحمل إشارات ورسائل معينة، البعض منها يتعلق -بالتأكيد- بخلق إدراكات في المخيلة الجمعية تؤصل العلاقة بين المواطن والدولة بشكل معين.
هذه القدرة على إنتاج الرموز وتوظيفها لا يمكن للدول أن تدعي احتكارًا لها، فقديمًا عملت الأساطير والحكايات الشعبية على خلق مساحات رمزية جديدة تساهم في تكييف العلاقة بين المجتمع والدولة، وبين المواطن والدولة. وجميعنا يتذكر حكايات الفلاح الفصيح الذي رمز للمقاومة في مصر القديمة ضد استغلال السلطة له، ولا تخلو حضارة أو تاريخ دولة من نماذج مشابهة.
وفي ظل ثورة المعلومات التي نعيشها منذ العقود الأخيرة من القرن العشرين والتي زادت في حجمها وكثافتها في العقد الأول من القرن العشرين؛ ظهر العديد من القوى المنافسة للدولة في إنتاج الرموز التي يمكن أن نطلق عليها “الرموز المضادة”، فالمساحة الرمزية التي تتعامل فيها الدولة تؤكد على الانتماء الوطني، وما يرتبط بها من قيم ضبط اجتماعي معين. بينما تحاول هذه المساحات البديلة إنتاج رموز جديدة تتحدى أحيانًا -وتساند أحيانًا أخرى- الرموز التقليدية القديمة، وتعمل في أحيان ثالثة على إدخال هذه الرموز الجديدة إلى المخيلة المجتمعية.
ثورة 25 يناير.. وتحولات في انتاج الرموز
مثلت ثورة الـ25 من يناير تحولا في الصراع على الرموز السياسية ، إذ بدا أن الشارع يستخدم هذه الرموز للضغط والحشد ضد السلطة. وأول ما أنتجته الموجة الأولى من ثورة 25 يناير ، هو رمزية ميدان التحرير الذي تحول إلى أيقونة لفكرة التحرر في حد ذاتها؛ فالوافدون إلى الميدان خلال الثمانية عشر يومًا الأولى كان أول ما يقابلهم عند المداخل كتابات على الجدران أو على التحصينات المعدنية ترحب بهم في “دولة التحرير الحرة”، وامتلأ الفضاء الإلكتروني بمقالات وكتابات على الوسائط الاجتماعية ترى في الميدان عناصر للدولة، من حيث المؤسسات والممارسات وقواعد العمل، والأهم من ذلك الرموز. فامتلأت المليونيات المتتالية بصور “الورد اللي فتح في جناين مصر” للإشارة إلى الشهداء الذين قدموا حياتهم من أجل الحرية في خلال المواجهات الأولى مع الداخلية أو البلطجية.
وساهمت قصص حياتهم وطرق استشهادهم في نسج الصورة الرمزية الأولى لهذه الثورة “ثورة الشباب”، “ثورة الطبقة الوسطى بشرائحها المختلفة”. واستمر الميدان برمزيته مجالا للصراع بين الدولة القديمة التي استمرت حتى بعد تنحي مبارك عن الحكم، وتولي المجلس العسكري لإدارة شئون البلاد، وجماعات الثوار المختلفة.
فقد اعتبر الثوار أن قدرتهم على التواجد في الميدان والحفاظ عليه بعيدًا عن سيطرة الدولة هو ضمان لاستمرار جذوة الثورة في الشارع. في الوقت نفسه تعاملت الدولة مع هذه المسألة على أساس أنها تهديد مباشر “لهيبتها”، ومن ثم حاولت السيطرة الأمنية في أكثر من مناسبة على الميدان من خلال الفض العنيف للاعتصامات المتتالية خلال صيف وخريف 2011. ثم استبدلت هذه السياسة بخلخلة الميدان من الداخل؛ فاخترقت الاعتصامات أمنيًّا، وتركته للعديد من الخارجين على القانون لكي يتواجدوا فيه، ولم تحاول فرض القانون عليهم، أو على المكان، وتحول تدريجيًّا ميدان التحرير من ميدان الحرية والثورة المدافع عن مطالب الثورة “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” إلى ميدان خالٍ تمامًا من هذه القيم، وخالٍ من أي شكل من أشكال فرض القانون. وتحول تدريجيًّا في المخيلة الشعبية إلى مكان خطر يعج بالخارجين عن القانون (وتساوى في هذا الثوار المعارضون لسياسات الدولة الجائرة والبلطجية المعارضون لفكرة القانون).
بقي في الميدان “شارع محمد محمود” والجدران الإسمنتية التي أحاطت بالميدان من ناحية القصر العيني، وسدت المداخل إلى وزارة الداخلية، لتنتج رموزًا وتحيي رموزًا حول استمرار الصراع بين الدولة بمؤسساتها والثورة بأفكارها. وغُطي الميدان برسوم الجرافيتي التي ترسم صورًا للشهداء الذين سقطوا في مواجهات متتالية مع الداخلية، أو المجلس العسكري، أو حتى الإخوان بعد وصول محمد مرسي إلى الرئاسة في صيف 2012، أو ترسم صورًا تربط فيها بين مبارك وغيره ممن على مقعد الحكم، أو من ينافس عليه.
فالرسم الأشهر على مدخل شارع محمد محمود كان صورة مبارك، ويخرج منها بشكل يكاد يكون متطابقًا صورة للمشير طنطاوي. حل محلها بعد اشتداد التنافس السياسي بين الإخوان المسلمين وفصائل المعارضة المختلفة صورة شبيهة تجمع بين المرشد العام للإخوان المسلمين ومحمد مرسي مرشح الجماعة (الرئيس فيما بعد).
وغطت الجدرانَ الإسمنتية صورٌ لمبادرة “بدون جدران” حاولت تجاوز حصار الميدان والثورة من خلال استخدام تقنية ثلاثية الأبعاد لرسم مناظر طبيعية توحي بغياب الجدران، وباستمرار فكرة المقاومة. وانتشرت هذه الطريقة في التعبير على حوائط المدن الكبرى في أنحاء الجمهورية؛ فهي طريقة غير مكلفة ماليًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا، فلا يحتاج القائم بها سوى مجموعة من الألوان، وقدر من الخيال، وبعض من الجرأة للكتابة أو الرسم لتوصيل رسائل معينة. وتنوعت مطالب هذه الكتابات ما بين المطالبات الاقتصادية كالشكوى من غلاء الأسعار، أو الدعوة لحشد جماهيري للاحتفاء بذكرى معينة، أو التذكير بواحد من الشهداء، أو مهاجمة السلطة الحاكمة.
واستمرت حرب الجدران بين السلطة الحاكمة وجماعات المعارضين مع اختلافهم (!) في أسفل الكباري، أو على جدران أسوار مؤسسات الدولة كوزارات الداخلية والدفاع، وقصور الحكم، والجامعة، وغيرها، أو على حوائط البنايات الخاصة. ويقوم المعارضون بالرسم أو بالكتابة، فتأتي الدولة من خلال البلدية أو المحافظة لدهان الحوائط بشكل بدائي ورديء، فيعود المعارضون ليهنئوا السلطة على “البوية الجديدة” ويعاودوا الكرة بمزيد من الكتابة والرسم. كان هذا حال العلاقة بين المجلس العسكري ومعارضيه، وحكم محمد مرسي ومعارضيه، وهو أيضًا حال العلاقة بين السلطة الحاكمة الحالية ومعارضيها.
ولم يقتصر الأمر على الحرب على الجدران؛ ولكن في مقابل حرص الدولة على تأكيد وجودها وسيطرتها من خلال الإصرار على كل ما له علاقة “بهيبة الدولة” بشكل رمزي، كرفع العلم على أعلى سارية في العالم إبان فترة ولاية المجلس العسكري ، أو الحديث الحالي عن قانون يجرم عدم الوقوف لتحية العلم أو السلام الوطني . وأصر المعارضون على إما منازعة الدولة في ملكية العلم، أو خلق أيقونات تخصهم وتتبنى قضاياهم.
فصار العلم في يد الجميع محمولا ومرسومًا على الأوجه، بعد أن كان مرفوعًا -فقط- سنوات طويلة على واجهة المباني الحكومية، وفي أفنية المدارس. وتنوعت التيارات السياسية في توجهاتها، وأيديولوجياتها، وفي مطالبها، ولكن ظل العلم المصري هو السمة الغالبة على كل التظاهرات، مع بعض التواجد لأعلام أخرى تمثل بلادًا أو أفكارًا أخرى.
علم “مينا دانيال” و” كف رابعة”.. ومأزق الحشد
من ناحية أخرى، سجل المعارضون وجوه شهدائهم ومصابيهم على لافتات تجوب المسيرات والمظاهرات، وتزين مداخل الاعتصامات، وتذكر القطاعات الأعرض من الشعب بمطالب الثورة “عيش، حرية، كرامة إنسانية”. في هذا السياق طور أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي في إطار صراعهم مع السلطة بعد 30 يونيو، أيقونة “كف رابعة” لتصبح رمزًا للدفاع عن الشرعية، كما طور ثوار محمد محمود “علم مينا دانيال” ليصبح رمزًا على الانتهاكات في مرحلة المجلس العسكري. وراهن الاثنان على أن هاتين الأيقونتين قادرتان على نقل الصراع مع السلطة الحاكمة إلى مستوى جديد قادر على حشد المزيد من المواطنين لكل من القضيتين.
وتم استدعاء خبرات تاريخية تحولت فيها صور لتشي جيفارا، ونلسون مانديلا، وغاندي، وغيرهم من رموز الكفاح ضد الظلم أو الاستعمار؛ قادرة على الحشد في مناسبات مختلفة. وما يتناساه البعض ممن يصرون على الربط بين كف رابعة الصغير والشرعية، أو بين علم مينا دانيال وأحداث ماسبيرو؛ هو عدم محاولة توسيع دائرة المخاطَبين ليضموا قطاعات أعرض من المواطنين قد لا يشتركون في المطالب السياسية لمعتصمي رابعة، أو المطالب الاجتماعية الدينية للمتظاهرين الأقباط، ولكنهم بالتأكيد يتشاركون في رغبتهم في أن يُعامَلوا معاملة كريمة من قبل الأجهزة السيادية والأمنية.
بعبارة أخرى، فإن الخطاب السياسي الذي تتبناه المظاهرات والمسيرات التي تحمل رمز “رابعة” قاصر عن توصيل فكرتهم للجماهير التي تشاهد هذه المسيرات فتتعاطف أحيانًا دون أن يصل التعاطف إلى مستوى المشاركة الفعلية، أو تغضب أحيانًا على اعتبار أن هذه المسيرات تعطل مسيرة البلاد، وتزيد من درجة الفوضى والعنف في الشارع، أو تشاهدها تمر أمامها دون انفعال حقيقي معها.
مواجهة السلطة للرموز.. فقر الخيال
ويتداول البعض اعتزام الحكومة المصرية إصدار قانون يجرم الرسم والكتابة على الجدران على أساس “أنها اعتداء على البيئة بأشكال مختلفة”، ويقرر عقوبة مالية تصل إلى مائة ألف جنيه، أو عقوبة بالسجن تصل إلى خمس سنوات. وتظهر الصحف كل يوم حاملة أنباء القبض على أشخاص بحوزتهم ملصقات كف رابعة، أو فتيات قمن بحمل “بلالين” صفراء عليها إشارة رابعة، أو حتى ما توارد في الصحافة عن ترحيل لاعب رياضي حصل على ميدالية ذهبية في إحدى المسابقات الدولية بعدما رفع يده ملوحًا بعلامة رابعة أمام الصحافة الدولية.
ويبدو أن الحكومة الحالية تمتلك “فقرًا في الخيال السياسي” لا يمكنها من رؤية وإدراك حقيقة ظاهرة الكتابة والرسم على الجدران، بشكل يجعلها لا تقدم على حل المشكلة، بل الاكتفاء بالتغطية عليها، ومعاقبة ضحاياها. فالرسم والكتابة على الجدران هي مظاهر وممارسات لفكرة المقاومة المدنية (السلمية) التي يحاول من خلالها المعارضون إيصال رسائل معينة لكل من الجمهور الأعرض والحكومة.
كما أن تطوير أيقونات معينة؛ كالأعلام أو الملصقات بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع مضمون رسائلها السياسية؛ يظل من صميم حق الأفراد في التعبير السلمي. وتجاهل مضمون هذه الرسائل والإصرار على تجريم الوسيلة يعكس إصرارًا على عدم الاعتداد بهذه المطالب، والإصرار على تبني الحلول الأمنية في مواجهتها، مما يهدد في حقيقة الأمر بانفجار الوضع بالكلية، وسقوط المجتمع والدولة في حلقة من العنف المادي التي لن تنتهي. كما أن فشل القوى السياسية المختلفة في توسيع دائرة المخاطَبين وزيادة قدرتهم على حشد مزيد من المؤيدين سوف يقضي على تواجد الفكرة في الشارع.
(*) قسم العلوم السياسية – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية
هوامش:
(1) يقصد بالمعارضين كل من ينتمي لتيار معارض للسلطة الحاكمة، سواء تبنى الموقف الثوري الراديكالي سبيلا للتغيير، أو المنهج الإصلاحي. وبالتالي يتسع هذا المعسكر ويضيق حسب سعة وضيق المشهد السياسي ليضم قوى ويخرج أخرى. بعبارة أخرى فإن تيار الإسلام السياسي كان السلطة الحاكمة خلال فترة وجود برلمان 2012 ورئاسة محمد مرسي 2012-2013، ثم تحول إلى معسكر المعارضة بعد 30 يونيو .
(2) هذا التعبير صكه الباحث الشاب علي الرجال في تحليله لأداء جماعة الإخوان المسلمين في مقالة حديثة له، وترى الباحثة أنه يمكن تطبيقه على كل الفاعلين السياسيين في المشهد المصري الحالي، سواء في صفوف الحكم أو المعارضة. انظر المقالة على الرابط التالي:
علي الرجال، “مصر عن أزمة الخيال السياسي”
http://arabi.assafir.com/article.asp?ai … one=slider