أ.د. أحمد محمد وهبان

الفكر الغربي: مشروع رؤية نقدية

كاتب الموضوع الأصلي: فهد صالح ابو مهيد 5

مكن أن نقرر ابتداءاً أن العقل العربي الإسلامي في العصر الحديث قد دخل -نتيجة لظروف عديدة- حلقة مفرغة ستزيد من تفككه وتآكله وتقويض ثقته بنفسه وضمور إبداعه. فالنهضة أصبحت تعنى -بالنسبة للكثيرين- اللحاق بالآخر (الغرب) والابتعاد عن الذات والتراث، بل وإعادة صياغتهما مما يتفق مع المقاييس الغربية. والجهد المعرفي الوحيد للمشروع هو نقل ما يقوله الآخر إما دون اجتهاد أو بقليل من التعديل والتحوير. وهذا يؤدي إلى مزيد من الاعتماد المعرفي على الآخر والتبعية المعرفية له والركض وراءه.
ولذا لا غرو أن الإنسان العربي المسلم لم يأت بمعرفة جديدة في العصر الحديث، ولم يؤسس علوماً ذات بال، ولم يسهم في إثراء الفكر الإنساني. ولا يمكن للإنسان المسلم أن يبدع ويولد معارف حديثة من تراثه ونماذجه المعرفية إلا بعد أن يتحرر من قبضة الغرب عن طريق ما نسميه بالمحور النقدي للمشروع الحضاري الإسلامي.
وأعتقد أن كل من يود أن يطور مشروعاً معرفياً حضارياً مستقلاً عليه أن يبدأ –شاء أم أبى- بنقد المشروع الغربي نظراً لذيوعه وهيمنته.
ويمكن لهذه العملية النقدية أن تنجز ما يلي:
1- تأكيد نسبية الغرب:
إذا كان الغرب قد تحول إلى مطلق فيجب أن يستعيد نسبيته وتاريخيته وزمنيته، وإذا كان يشغل المركز، فيجب أن يصبح مرة أخرى عنصراً واحداً ضمن عناصر أخرى تُكوّن عالم الإنسان، وإذا كان يعتبر نفسه عالمياً وعاماً فيجب أن نبين خصوصيته ومحليته… أي: أن الغرب يجب أن يصبح “غربياً” مرة أخرى لا “عالمياً”، وهذا لا يمكن أن يتم إلا باستعادة المنظور العالمي المقارن، بحيث يصبح التشكيل الحضاري الغربي تشكيلاً حضارياً واحداً له خصوصيته وسماته، تماماً مثلما لكل التشكيلات الأخرى خصوصيتها وسماتها.
والمنظور المقارن لا يعني علاقة التأثير والتأثر الشائعة في الدراسات الجامعية، وإنما يعني محاولة الوصول إلى رؤية عالمية حق من خلال مقارنة البنى والأشكال الحضارية المختلفة التي تَعاَمَلَ الإنسان من خلالها مع العالم، فأبدع أشكالاً حضارية خاصة متنوعة، لها قوانينها الداخلية، وتنبع إنسانيتها من خصوصيتها لا من اتساقها مع قانون عالمي عام وهمي هو في نهاية الأمر “قانون غربي”.
2- تراجع المركزية الغربية:
ومما يساعد على هذا الأمر أن الحضارة الغربية قد فقدت مركزيتها المزعومة حتى على المستوى المادي، إذ ظهرت مراكز حضارية أخرى ناجحة حتى بالمعايير المادية المقبولة لدى الحضارة العلمانية (مثل اليابان والصين وشرق آسيا). وعملية تحول الغرب من مركز مطلق إلى أحد التشكيلات الحضارية تجعل من الممكن لنا أن ننظر إليه براحة دون قلق، إذ ليس علينا قبوله بخيره وشره (كما يفعل دعاة التغريب)، أو رفضه بقضه وقضيضه (كما يفعل بعض السلفيين)، وإنما يمكننا دراسته كمتتالية حضارية تتسم بما تتسم به من سلبيات وإيجابيات.
3- أزمة الغرب:
وإذا كان الغرب قد حقق إطلاقه ومركزيته من خلال الانتصارات المعرفية والمادية التي حققها في المراحل الأولى من ظهور النموذج العقلاني المادي، فقد حان الوقت لأن نعيد النظر في هذه الانتصارات والنجاحات، ونبين نقط القصور التي ظهرت من خلال التطبيقات المختلفة لنموذجه المعرفي، خاصة ابتداءاً من منتصف القرن التاسع عشر.
ومن المفارقات التي تستحق التسجيل أن دعاة التغريب واللحاق بالغرب لا يزالون يدورون في إطار عقلانية القرن الثامن عشر وعلوم القرن التاسع عشر، ويكررون تفاؤل الغرب بخصوص مستقبله، في الوقت الذي سقطت فيه عقلانية القرن الثامن عشر، وظهر مدى قصورها، وتآكلت السببية البسيطة التي تسند إليها علوم القرن التاسع عشر، وتخلّى كثير من المفكرين الغربيين عن تفاؤلهم بخصوص حضارتهم التي لم تعد تشعر بالثقة الكاملة بنفسها كما كانت تفعل حتى نهاية القرن التاسع عشر، وفقدت كثيراً من إحساسها بمكانتها الخاصة في التاريخ ومركزيتها وعالميتها.
وهذا أمر طبيعي ومتوقع مع تصاعد أزمات هذه الحضارة ابتداءاً من حربيها العالميتين (أي الغربيتين)، وانتهاءاً بمشاكلها المتنوعة الكثيرة، مثل: تآكل مؤسسة الأسرة، وانتشار (الإيدز) والمخدرات، وتزايد اغتراب الإنسان الغربي عن ذاته وعن بيئته.
أولاً: الفكر الغربي الاحتجاجي أو المضاد
يعود تاريخ الفكر الاحتجاجي إلى عصر النهضة في الغرب ذاته، أي مع ظهور النموذج العقلاني المادي، إلا أنه ظل متوارياً بسبب انتصارات الحضارة الغربية المادية والمعنوية المذهلة. ولكن مع دخول هذه الحضارة مرحلة الأزمة بدأ هذا الفكر الاحتجاجي يكتسب مزيداً من المركزية والمصداقية. وقد حاول هذا الفكر وصف الأزمة والتعبير عنها بل وتجاوزها. ولا بد من الاستفادة من هذا الفكر وأدبياته في محاولة استرداد المنظور النقدي تجاه الحضارة الغربية.
ولا بد أن نوفر للقارئ العربي أهم أدبيات هذا الفكر الذي يشمل كل فروع المعرفة: النقد الأدبي، واللغة، والفلسفة، وعلم البيئة، والعلوم الطبيعية، والتاريخ… الخ، وسنجد أن النموذج الكامن وراء هذا الفكر ينطوي على قدر من الرفض للنماذج العلمية الكمية العامة التي تهمل الكيف وما وراء الطبيعة والمطلق والخصوصية. ووجود هذه الأدبيات بالعربية سيجعل الحوار بخصوص المشروع الغربي أكثر ترتيباً وعمقاً.
فعلى سبيل المثال أثناء الاحتفال المئوي للثورة الفرنسية انبرى دعاة التغريب للتبشير المتكرر بمثاليات الثورة الفرنسية مثل: الحرية والإخاء والمساواة، وللحديث عن “دَيْننا” للثورة الفرنسية، وعن إعلان حقوق الإنسان وغيرها من الموضوعات المستهلكة التي لم تعد تجد من يدافع عنها في الغرب. بينما نجد أن الاحتفال بالعيد المئوي الثاني في فرنسا ذاتها كان يتسم بالتوتر الشديد والانقسام، فلو توافرت بعض النصوص “المراجِعة” بخصوص الثورة الفرنسية لارتفع مستوى الحوار.
ولذا نقترح توفير مجموعة من النصوص والأبحاث “المراجعة” و “الاحتجاجية” في الموضوعات التالية (ويمكننا الاستعانة ببعض الباحثين الأجانب الذين هم أكثر إلماماً منا بطبيعة الفكر الغربي الاحتجاجي وأدبياته نظراً لمتابعتهم ومعايشتهم له):
أ‌- الحداثة:
ظهرت في الغرب دراسات كثيرة للغاية عن انتهاء الحداثة، وفشلها وعدميتها، ولا إنسانيتها، وضرورة تجاوزها. وهناك دوريات متخصصة في نقد الحداثة، كما أن هناك دوريات فلسفية وأدبية ذات توجه ديني (مسيحي) تنشر دراسات نقدية معمقة في هذا الموضوع. وهناك نقد للحداثة داخل الفكر الماركسي في غاية الأهمية (لوكاش، وجراف، وجيمسون، وإيجلتون).
ب‌- نظريات التنمية (والتقدم):
ظهرت دراسات عديدة عن مفهوم التنمية تبيّن أنه مفهوم كَمِّي لا يتعامل مع الكيف، ومادي لا يتعامل مع الإنسان، وعام لا يتعامل مع الخاص والفردي، أي: أنه قاصر عن الإحاطة بكثير من جوانب الظاهرة الإنسانية. ومع تصاعد أزمة البيئة بدأ الكثيرون يتحدثون عن حدود التقدم والتنمية. كما أن فشل معظم التجارب التنموية في العالم الثالث التي تستند إلى مفاهيم التنمية الغربية بدأ هو الآخر ينتج أدبيات تطالب بفتح باب الاجتهاد بخصوص هذا المفهوم المحوري للتشكيل الحضاري الغربي. (ولفجانج ساكس: قاموس التنمية).
ج- فكر أحزاب الخضر والمدافعين عن البيئة:
وهو من أهم أنواع التفكير المضاد، فإذا كان الفكر الغربي العلماني مبيناً على التحكم في الأرض وغزوها، فهذا فكر يصدر عن فكرة التواؤم معها، ومن ثم فهو في أعماقه -ومن الناحية المعرفية- فكر ديني، إذ يفترض أن ثمة حدوداً وقيوداً عل الإرادة الإنسانية، وأن الإنسان ليس مجرد ظاهرة طبيعية، وإنما هو على علاقة بقوى كونية أخرى.

Leave a Comment