أ.د. أحمد محمد وهبان

نقد فلسفة التأريخ الغربية

كاتب الموضوع الأصلي: فهد صالح ابو مهيد 5

كثيرون ينادون بنقد الفكر الغربي وأكثرهم من يتحرك من موقع المنافح عن مذهبه بلا موضوعية ، والمهاجم الرافض للفكر الغربي بلا اعتماد عقلي نقدي بّين وممنهج، ونري أنه وإذا أردنا نقد الفكر الغربي عموما وفلسفة التاريخ عند الفلاسفة الغربيين نحتاج إلى أن نتناول بموضوعية ذات الطرح المعرفي الذي ينطلق منه المفكر الغربي أو الفيلسوف الغربي، أي أن ندرس المناهج التي يعتمد عليها الفكر الغربي والنسق المفاهيمي الذي يتحرك فيه باطروحاته ونظرياته، ولأن الرؤية الإسلامية إلى التأريخ وما تتضمنه من مشروع حضاري بديل لا يمكن أن تتمّ صياغتها إلا عن طريق نقد فلسفات التأريخ الغربية. وقد تمّ هذا النقد بالفعل، وهو نقد له نوعيته، لأنه تمّ خارج النموذج المعرفي الغربي، وبصورة متحررة من ثقل الواقع الذي تعيشه الأمة (واقع التبعية والتخلف وسيادة العقلانية الغربية) ، فالفكر الغربي، له هوية واحدة وأساس واحد إنّه فكر منقطع عن الله.

خطأ هيجل

هيجل يتسرع في الاستنتاج، ويتسرع في التعميم وفي صياغة مذهبه الفلسفي. فهيجل، من هذا المنظور يحلّ المشاكل بكلّ بساطة وبكلّ سهولة: فالعقل الكوني يسيّر العالم وكلّ واقعي معقول وكل معقول واقعي، ونابليون هو الروح على جواد.. الخ. فهيجل يبني رؤيته الفلسفية إلى التأريخ على أسس لم يختبر صحتها.

إنّ هيجل عندما جعل التأريخ هو المرجعية التي تكفي نفسها بنفسها كان أمام خيارين:

الخيار الأول: إما أنّ يترك التأريخ مفتوحاً وعدم اعتباره كمرجعية مطلقة، لأنّ النظر إلى أن التأريخ مفتوح يعني أنّ فيلسوف التأريخ لا يعرف من التأريخ إلا جزءاً صغيراً لا يسمح له بإعطاء معنى لحركة التأريخ ككلّ، ويتوقع معالم هذه الحركة.

والخيار الثاني: هو أن يختم هيجل التأريخ بظهور نابليون، الأمر الذي يجعله يقول بنهاية مصطنعة للتاريخ. ، إنّ هيجل لم يتردّد تجاه مشكلة الاختيار هذه، فلجأ إلى ختم التأريخ بدلا من فتحه للمجهول ولحركة لا نهاية لها.

كما أنّ القول بنهاية التأريخ بهذه الطريقة جعل هيجل يقدّس الحادثة التأريخية ويستسلم لها. وهذا ما أدى إلى استحالة أية نظرة معيارية إلى التأريخ، لأنّ التأريخ هو المعيار الوحيد ولا معيار غيره. إنّ المعيار (القيمة) لا يتحكم في مسار الحوادث، بل مسار التأريخ هو القيمة العليا. فليس المؤرخ هو الذي يحكم على التأريخ ويقيّمه، بل التأريخ هو الذي يحكم على المؤرخ باستثناء هيجل في نظر هيجل .

إنّ الإسلام ينير طريق البحث عن طريق القيم والمفاهيم كأدوات استكشافية. وهذه هي نقطة الاختلاف الجذرية بين الفهم الإسلامي وفلاسفة التأريخ الغربيين الذين لا تتجاوز نظرياتهم معطيات المرحلة التأريخية ، أما المنهج الإسلامي فيتجاوز هذه المعطيات نحو نظرة مستقبلية تنير مسيرة الأمة نحو المثل الأعلى، وذلك من خلال ربط التأريخ بالتعالي.

ولأن التاريخ هو كل متفاعل متجانس بفضل الفصل المنطقي بين النسق والعلامة أي لسنا بحاجة إلى ممارسة تفسير غائي للحالة التاريخية ، أو العمل بموجب أننا نبحث في التاريخ باعتباره مسار يتجه نحو تحقيق الوعي الذاتي ، وهيجل يتحرك في ذات الاتجاه الذي نسعى إليه ولكن ولاختلافات في النسق المعرفي بل وعلى مستوى المصطلح والدلالة تتبدى الاختلافات الجوهرية بين وعي (الذات) ووعي (الروح) ، والذي يجعل هيجل متفقا إلى حد كبير مع رؤيتنا التي نطرح هو “أن حركة التاريخ تبدأ بغاية عامة ضمنية تتحقق عن طريق الانفعالات والمصالح الجزئية ، فالمجوعة الهائلة من الإرادات والمصالح هي الأدوات والوسائل التي تستخدمها الروح لبلوغ هدفها ، وهذا ما يطلق عليه هيجل “دهاء العقل”” إذن هيجل يعتمد على العقل المطلق ، والتجربة الحسية المطلقة (مثالية موضوعية – و – مثالية مطلقة) ولأن هيجل يقول بوجود فكرة مطلقة (صوفية) سابقة للطبيعة والإنسان ، والتي هي أساس العالم وهي بحكم جوهرها مبدأ فاعل (أي في عملية الفكر والتفكير) ، و منهج المعرفة الإسلامي يرفض إسناد الجدل المطلق (الله تعالى) لأن التصور التنزيهي لله تعالى ينفي عنه الأضداد وهي أساس الجدل كما في المثالية.

لقد سارت كلّ من الماركسية وبعض الاتجاهات الوجودية في طريق هذا المذهب، الذي يرتكز على نزعة تاريخية (التاريخانية) لا أخلاقية لم تميز بين القيمة وحركة التأريخ. إنّ هذا الموقف يعتبر من أخطر المواقف في حياة الإنسان وحركة الشعوب لأنه ينتهي مباشرة (هيجل)، أو غير مباشرة (الفلاسفة الآخرون) إلى تبرير الواقع مهما كان فاسداً، والى غلق كلّ إمكانية للتطور أمام الشعوب المتخلفة.

أما في الرؤية الإسلامية فالمعيار يوجد خارج التأريخ، لأنه ذو مصدر متعالي يؤثر في التأريخ ولا يتأثر به.

إنّ التاريخانية أو فلسفة التاريخ كما تتجلّى عند هيجل تحلّل كلّ حوادث التأريخ ـ حتى الجرائم والحروب ـ وتعتبرها حوادث معقولة، لأنها واقعية يمكن البرهنة عليها عن طريق المنهج الجدلي. إنّ حكم القيمة ـ في هذا السياق ـ في ميدان التأريخ أمر مستحيل، لأنه لا يمكن وضع القيمة مقابل الواقع فما هو كائن هو واقع وهو القيمة: هو المعقول وهو القيمة.

ويمكن أن نتساءل!

باسم أي مبدأ علمي بنى هيجل ـ بصورة قبلية ـ العالم والتأريخ حسب قوانين ضرورية ومعروفة مسبقاً؟

فما بالذات لا يعلل ، فالأوليات الفطرية كل ما يدركه الإنسان تلقائياً بلا دليل ولا مقدمات، بل يؤمن به بمجرد التصور دون رؤية وتأمل ، والأمثلة على ذلك كثيرة من أن تحصى ، ” فعلى الجاهل بشيء أن يسأل العالم به ، وعلى المريض أن يراجع الطبيب وعلى صاحب الحاجة أن يسعى في قضاء حاجته” ومنهجنا في الحكم على القيمة في ميدان التأريخ ، وهى قيمة التعالي الموضوعي بإدراجنا الغيب ضمن منظومة فلسفة التاريخ ، لا نحتاج إلى قوانين ضرورية (فمن أين لنا بها؟) ، وذلك لأن دلالتها ذاتية ، أي يستدل بها على غيرها ولا يستدل بغيرها عليها ، وإذا كان هيجل يرى أن البديهيات والمعطيات الأولية لا تنحصر في العقل الفطري فقط ، بل وأن الحس أيضاً من هذه المعطيات؟

نقول : أن العقل الفطري شرط أساس لسلامة الحس وصحة التجربة حتى الوحي لا يكون حجة ملزمة ، ووسيلة للإثبات إلا أن يحكم العقل بإمكانه وصدقه…

إنّ رؤية هيجل إلى التأريخ لا تخضع لمبررات معرفية. فهذه الفلسفة لا تتمتع بمشروعية طالما تقوم على العقل النظري ، وهذه لخرافة أن نترك البديهيات وننتقل بالحس مباشرة من مجهول غائب إلى معلوم حاضر بل بالعكس.

تياران في الفكر الديني المستقبلي

المشكل الرئيسي الذي يطرح على كلّ فكر يتركز على مرجعية دينية هو كتالي: هل هذا الفكر مستقبلي؟

عندما يطرح هذا السؤال بالنسبة للفكر الإسلامي نلاحظ، على العموم وجود تيارين:

• تيار يرجع إلى الماضي والى أصول الإسلام بصورة غير واعية.

• وتيار آخر يستوعب متطلبات الحاضر وثوابت الإسلام من موقع وعي لحركة التأريخ.

فالتيار الأول ليست له نظرة مستقبلية. فهذه الأخيرة توجد في التيار الثاني. غير أنّ وجود النظرة المستقبلية في هذا التيار ما زال إلى أيامنا هذه ولدى كثير من المفكرين لم يصل بعد إلى مستوى الطرح الفلسفي.

وبذا فإن مثل القول بأن إسقاطات الفكر الغربي على عقلية المفكر المسلم هي استخدام مناهج (غربية) في قراءة أي حالة من حالات الوعي العربي والتأثير كاستلهام روح لفكرة وعجنها وتفنيد بقاءها ليؤسس المفكر منهج يقوم على روح منهج آخر ، وهذا يعتبر حديث تعوزه الدقة المنطقية ، لأن أدوات المنهج لا تعبر عن روح الفعل المنهجي ، فالأداة لا تعمل في غير محيط قابليتها.

وفي طرحنا لفلسفة تاريخ بوعي عالمي إسلامي نطرح قراءتين للحالة التاريخية:

• قراءة الحالة في سياق نشأتها ، وتكونها انطلاقاً من استقراءها استقراءاً من الجزئي إلى الكلي أي الانطلاق من البنية إلى الكيان.

• قراءة الظاهرة في موقعها بين الكيانات المختلفة والحالات المتشابهة ، وهنا يتم الانطلاق من الكلي للجزئي مما يعد محاولة فاشلة للاستقراء المنطقي أو الاستنتاج الموضوعي.

الفكر الإسلامي معصوم نسبياً ومرتبط بالغيب:

إنّ علاقة التأريخ بالتعالي تعصم الفكر الإسلامي ـ من الناحية المعرفية ـ من الوقوع في الأخطاء الكبيرة على أقل تقدير. فالفكر الإسلامي فكر معصوم نسبياً. وهذا ما يبينه لنا الواقع والتأريخ: فكل المفكرين المسلمين مثل جمال الدين الحسيني (الأفغاني) وسيد قطب وغيرهم لم يتراجعوا عن أسس الفكر الإسلامي ومعالمه الرئيسية في المجال الثقافي والاجتماعي والسياسي. فهم قد انتقدوا كلا من الماركسية والليبرالية من موقع ثوابت الفكر الإسلامي ومعالم مسار الأمة المستقبلي .

وعلى الصعيد الفردي يبين لنا التأريخ بأنّ رجال الإصلاح في الفكر الإسلامي كانوا قد ربطوا في وعيهم ومواقفهم التاريخية بالغيب إلى أقصى درجة، وهذا ما منحهم القدرة والقوة في الوقوف ضد محاولات التغريب والتزييف والاستعمار المادي الذي حاول الغرب أن يطوق به العالم الإسلامي ولا تزال آثاره باقية حتى الآن تحت مسميات مختلفة ( العلمانية – الليبرالية بشكلها الإسلامي – اليسار الإسلامي – اليمين الإسلامي ) فكل هذه إفرازات التعطيل الغربي للعقلية الإسلامية ، ولكنهم لم يرضخوا للأمر الواقع المتمثل في الفهم المنحرف والمحرف للعقيدة الإسلامية ، بل قاوموا خط الانحراف إلى أقصى حدّ من المقاومة والجهاد والرفض الجذري.

إنسان العالم الإسلامي – الوعي التاريخي :

لا يكفي أن نردّد مقولة الإسلام صالح لكلّ زمان ومكان كسائر المفكرين المسلمين من موقع تمجيدي، بل ربط هذه المقولة بمنهجية يتمّ التعامل عن طريقها مع الإسلام ومع التأريخ. وهذا ما سوف يدفعنا إلى تحليل ظروف العصر الحاضر، وتحديد مشكلاته من خلال متطلبات الإسلام وتوقعات المستقبل ، أي أن نفصل بين ما هو إلهي ثابت ومطلق وبين ما هو نسبي ومرحلي كالتطبيقات التي ظهرت بعد ( عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم). انطلاقاً من هذه النقطة نستطيع أن نقرأ مجالا آخر يتمثل في تحليل مشاكل العصر بأدوات اجتماعية تمت صياغتها من القرآن الكريم، وربط هذا التحليل بمشروع مستقبلي يسعى إلى طرح نفسه كبديل لكلّ المشاريع ذات المصدر الوضعي ، وهذا يستوجب الرجوع إلى الأصل !.

الرجوع إلى الأصل:

إنّ مبدأ الرجوع إلى الأصل الذي لا يكون الفكر الإسلامي فكراً إسلاميا إلا به والذي لا يمكن تصور معنى للتاريخ خارجه: هذا المبدأ واجب شرعي وعامل سوسيولوجي بفضله يصبح الفكر إسلاميا. إنّ هذا المبدأ له قيمة معرفية إضافة إلى قيمته الشرعية والأخلاقية والحضارية وكما يقول الإمام مالك: ” لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”. إنّ الرجوع إلى الأصل يعني في الرؤية الإسلامية تجاوز القطعيات للوصول إلى الاستمرارية التأريخية والحضارية، التي ينظر إليها الإسلام على أنها واجب شرعي، لأنّ الرجوع إلى الأصل يعني الرجوع إلى عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أي الرجوع إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة. إنّ الرجوع إلى الأصل هو المعيار الذي يسعى المسلمون عن طريقه إلى تحديد موقعهم من الماضي (عصر الوحي) ومن المستقبل (تصورهم للمستقبل) ، ويمكن القول في هذا السياق: إنّ منهجية العلوم الإنسانية الغربية قاصرة عن إدراك كلّ أبعاد هذه الأفكار السابقة. إنّ الرجوع إلى الأصل في نظر هذه المنهجية هو مجرّد نزعة ماضوية وهروب من الحاضر. في حين أنّ هذا المبدأ يعبر في الفكر الإسلامي عن مثالية، مثالية نوعية. فالرجوع إلى الأصل لا يؤدي إلى مثالية من أنواع مثاليات الفكر الغربي، التي هي بمثابة إسقاط فكري على مستقبل مجهول. أما المثالية في الفكر الإسلامي فهي مثالية تجسدت في الواقع وفي التأريخ: دولة المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كنموذج لكلّ الأجيال اللاحقة، لكنه نموذج يختلف عن النسق المغلق، الذي تتميز به فلسفات التأريخ في الفكر الغربي. فمنهجية تطبيق النموذج عبر التأريخ تعتمد على عناصر ثابتة وأخرى متحركة ومتغيرة لاستيعاب المستجدات أي استيعاب حركة التأريخ ، وفي التصور الإسلامي نتعامل مع التاريخ ككتالوج ، أو كسجل عقلاني ، وكتطور ، فهل ينبغي للحقيقة المجردة أن تقود التاريخ؟ ، ولتفسير ظاهرة الوعي التاريخي هل يكفينا علم الكلام؟ أم هي العقلانية في إطارها الإسلامي؟

المؤرخ الإسلامي – والحكم الذاتي:

هل المؤرخ الإسلامي يفسر التاريخ بحوادثه معتمداً على منهج علمي؟ أم هو حكم ذاتي؟

المؤرخ الإسلامي يجب ألا يقع تحت تأثير رغباته كإنسان وميوله ، فالحكم الذاتي ينبع من عقدة في النفس أو رغبة ملحة أملتها ظروفاً معينة أحاطت بفكره وأقامت له الحجة مما يرى ، وكما يقول “جون ستيورات مل : “أن بعض العلماء يهمل نصف ما يرى ، وبعضهم الآخر يضيف إلى ما يراه شيئاً من مخيلته ، فيخلط بين الحقيقة والخيال” ، فما لأحد منا أن يحكم على شيئاً إلا من خلال نفسه فيستحيل أن يتجرد الإنسان عن ذاته وينفصل عنها. ولذا لا توصف الآراء الذاتية بالصواب أو الخطأ لأنها تخص الشخص وحده ، وهذا لا يعد مقياساً ولا قاعدة ولهذا سمي هذا النوع بالحكم الشخصي أو الذوقي أو المزاجي.

فالتاريخ كما كتبه المسعودي ( 345 – 346 – 957) في كتابه القيم ( مروج الذهب ومعادن الجواهر ) ، والذي لقبه “فون كريمر” بـ( هيرودوتس العرب) ، ولقبه بن خلدون بـ(إمام المؤرخين) يحقق التاريخ معتمداً على الأسفار القديمة ، في وصف بداية الخليقة ونشأة الكون ، ويرى أدم شاعراً يبكي متأسف على فقد ولده كما يصوره سفر التكوين ، وما شاهده في رحلاته الكثيرة وفي بلدان مختلفة ، وبفعل انتماءه لبيئة ثقافية ونسق حضاري معين ، كان يسجل ما يراه هاماً…

Leave a Comment