الماوردي الفقيه المشرع
كاتب الموضوع الأصلي: عادل العتيبي1
يقول الأستاذ المرحوم هنري لاوست، في دراسة قيمة له في ” فكر الماوردي وعمله السياسيين” ” إننا وإن كنا نجعل التاريخ الذي كتب فيه أبو الحسن” الأحكام السلطانية” إلا أننا نستطيع الجزم بأن هذا المؤلف، من حيث إحكام بنائه ودقة تعابيره، هو ثمرة تجربة وحنكة لا يبلغهما صاحبهما إلا في مرحلة من العمر جد متقدمة “(19) . والحق أن هذا المؤلف، الذي اقترن باسم الماوردي أكثر من غيره من مؤلفاته الأخرى، هو كما ذكر “لاوست” فلولا أنه كان عصارة تفكير عميق، وحصيلة نظر طويل في السياسة والأخلاق، وثمرة فكر ثاقب في الفقه ( أصولا وفروعا معا) لما أمكنه أن يكون على الصورة التي هو عليها الآن، ولما أمكنه أن يكون النموذج الأمثل للخطاب السياسي الفقعي. وبديهي أنه ليس لنا أن نعرض لمضا مين أبوابه العشرين، في الإمامة، والوزارة ( بنوعيها : التفويض والتنفيذ) : وفي الإمارة، بأنواعها المختلفة ( البلاد، الجهاد، الجيش، … )، وفي الولاية، بأشكالها ( القضاء، المظالم، النقابة، …)، وفي الأرض وأحكامها ( الخراج، الإقطاع، الأحياء، …)، ثم في أحكام الجرائم، وأمور الحسبة… ففضلا عما يستدعيه ذلك كله من تطويل يعني ولوج أبواب الفقه والدخول في دروب الخلافة بين المذاهب والأئمة، وفضلا عما يسلم إليهمن تطويل يبلغ خروج الحدود عن القصد فإنه يبعدنا عن غرض استخلاص مظاهر المفكر السياسي إذ ” يسجننا ” في محيط الفقه ويغلنا بمنطقه وآلياته. وإذن فلا سبيل لنا آخر سوى سبوك الإختيار والأنتقاء :اختيار الأمثلة والشواهد، وانتقاء الأدلة والصور التي تمكننا من المكوث في حال اليقضة والحذر . فأما اليقضة فهي الانتباه إلى الكيفية التي يعمل بها الفقيه المشرع عقله الفقهي، وانتباه الأشعري، في الوقائع التاريخية فيصير منها إلى ” قواعد سياسية ” وأحكام ” سلطانية “، وأما الحذر، فهو مما يخشى منه من وقوع في مخالب هذا المعجم التقني في أحكام الحكومة، وقوانين الأرض، وواجبات الإدارة (إدارة شؤون المدينة الإسلامية) .وحقوق الأمة والجماعة. وإذن فلابد، في ” الأحكام السلطانية” من قراءة تنظر في الأحكام والتشريعات بغية الوقوع على الفكرة السياسية الموجهة، والخلفية العقائدية المذهبية الحاكمة والمرشدة معا. وهذه المحاولة العسيرة هي ما ندعو القارئ الكريم إلى الخوض فيه في الفقرات اللاحقة.
تحكم الرؤية الأشعرية عمل الفقيه المشرع في كتاب ” الأحكام السلطانية ” على نحو يتوضح به هذا الأمر منذ الفقرات الأولى من الكتاب، بل ابتداء من مستهل الحديث في ” الإمام”، الباب الأول من الكتاب. فإذا تقرر أن عقد الإمامة واجب الإجماع، إلا ما كان من شذوذ ” الأصم” من المعتزلة، فإن مدرك الوجوب يكون هو الشرع إذ الإمام ” يقوم بأمور شرعية قد كان مجوزا في العقل أو لا يرد التعبد بها فلم يكن العقل موجبا لها” والقول بتقدم المنقول، ( أي ما قضت به الشريه) على المعقول ( أي ما تقرر عند الحكماء في العقل) قول أشعري شأنه في ذلك شأن القول بمبدأ ” التجويز” كما أسلفنا الإشارة إلى ذلك. ثم إنه يثبت بعد ذلك أنه يكون في الإمامة فريقان أو طرفان اثنان يعنيهما أمرها، على نحو متغاير. الطرف الأول هم ” اهل الاختيار” أو ” أهل العقد الحل”، أي أولئك الذين يكونون لهم، بل يلزمهم، أن يختاروا للأنة إماما. والفريق الثاني هم ” أهل الإمامة” الذين يكون الإمام، بالضرورة، أحدهم فهو يقدم ويختار لذلك ، وفي كلا الطرفين لابد من اجتماع شروط معلومة . والحق أن هذا التقنين الفقهي لا يفهم على وجهه الكامل إلا نتى استحضر القارئما أسلفنا الإشارة إليه من الاختلاف الجوهري بين الشيعة الباطنية والسنة الأشاعرة في مسألة نصبة الإمام، وما نتج عنه من قول بالعهد والوصية عند الأولين، وذهاب إلى الأخد بالاختيار والإجماع، عند الآخرين. وفي هذه المسألة المبدئية الأولى لا ينحط الماوردي، في الجدل أبدا بل إنه يصدر عن موقف فكري، ضمني، قوانه أن ما ينتهي إليه عموم المتكلفين الأشاعرة عن قول في الإمامة هو عنده بمثابة المقدمات التي تلزم عنها نتائج جديدة هي تلك التي يملك الفقيه أن يصوفها في صور الأحكام أو القوانين. وإلى هذين الموقفين الأشعريين، المتضمنين في كلام الماوردي الفقيه المشرع، يلزم أن نذكر موقفا أشعريا ثالثا وأخيرا من بين المواقف الأشعرية الضمنية التي يمكن استخلاصها والتدليل عليها. ذلك هو صدور الماوردي عن قراءة أشعرية لتاريخ الإسلام، وللمسار الذي سلكه حكم الخلفاء المتقدمين وترتيبهم على النحو الجي ظهروا به . وخلاصة هذه الرؤية هي أن ذلك الحكم والترتيب معا إنما هما تعبير عما انعقد الإجماع عليه فهو سلسلة متصلة الحلقات ،وكل حلقة إنما يكفلها من الشرعية حظ عظيم. وإذن فإن كل ما فعله السابقون من خلفاء بني أمية وبني العباس (على السواء ) يصلح اعتماده مصدرا في التشريع ومادة في القياس، ومرجعا في المماثلة فهو، بالتالي، شاهد يصح الاستدلال به على غائب هو الحاضر الذي يشرع له .
يشرع الفقيه المجتهد في إعمال العقل الفقهي في ” نوازل” السياسة ومقتضيات التدبير والسلطان وقد تشبع إذن بمستلزمات العقيدة الأشعرية، وتشرب مقتضياتها في الحكم والسياسة كاملة . وعمل المجتهد هو، كما هو معلوم، إعمال للرأي والنظر وممارسة للقياس وآلياته. وليس القياس، عند الفقيه رالشافعي سوى تجريب وتطبيق لمبدأ ” الاِستدلال بالشاهد على الغائب”.
يختلف الأئمة على وجه المثال، في عدد من تنعقد بهم الإمامة فيلجأ الماوردي إلى البحث عن ” مقيس عليه” فيجده في التاريخ، تاريخ الخلفاء المتقدمين، من جهة أولى ويجده في عقد شرعي هو عقد النكاح، من جهة ثانية. والمشرع، في الجهة الأولى، مخير بين القياس على ما حصل في بيعة أبي بكر، وهذه ” انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس فيها”. أو اعتبار ما ارتاآه عمر من مجلس الشورى السداسي مقيسا عليه، فيكون ستة هو العدد المعتبر في عدد من تنعقد بهم الإمامة. كما أن له أن يقيس على ما فعله العباس عم النبي عليه السلام، إذ قال لعلي ” أمدد يدك أبايعك” . وللمشرع، في الجهة الثانية، أن يغتبر أن العدد الازم في انعقاد الإمامة هو ثلاثة قياسات على عقد النكاح ( شاهدان وولي ) – وذلك ما قالت به طائفة من ” علماء الكوفة”.
وعلى ممارسة القياس نجد أدلة أخرى في نفس القول في الإمامة، فبعد أن يعلن الفقيه أنه ” لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد” وأن بيعة أحدهما لابد ساقطة إن عقد لهما معا، ىيتساءل الفقيه : أي البيعتين يكون على شروط الصحة من الناحية الشرعية ؟ والجواب يكون، مرة أخرى، قياسا على ما يتم في عقد النكاح ” والصحيح في ذلك وما عليه الفقهاء المحققون أن الإمامة لأسبقهما بيعة وعقدا كالوليين في نكاح المرأة إذا زوجها باثنين كان النكاح لأسبقهما عقدا ” . ويتساءل الفقيه عما يحدث في الحالة التي ينتهي فيها ” أهل العقد والحل” إلى الإجماع على اختيار شخص بعينه إماما للأمة ولكن هذا الشخص لا يجيب لرأي القوم المجمعين وجوابه أن إجماع “أهل الاختيار” لا يلزم من كان موضوعا للاختيار، والمقيس عليه في هذه الحال هو ما يحدث في فقه المعاملات بالجملة، من حيث أحد شروط صحة العقود : ” وإن امتنع من الإمامة ولم يجد إليها لم يحبس عليها لأنها عقد مراضاة واختيار لا يدخله إكراه ول إجبار وعدل عنه إلى من سواه من مستحقيها “. ودليل وجوب مراعاة ما به تكون صحة العقود . يرد كذلك في الشروط اللازمة في وزارة التفويض : ” فصحة التقليد فيها معتبرة بلفظ الخلفية المستوزية لأنها ولاية تفتقر إلى عقد والعقود لا تصح إلا بالقول الصريح”.
وكما يقيس الفقيه على ما يحصل في فقه المعاملات من جهة أولى، وعلى ما ” جرت عليه العادة” في التاريخ الإسلامي من جهة ثانية، فإنه يقيس على ما أخبر الشارع عنه أنه كان في تاريخ الأنبياء المتقدمين. وقد نكتفي في ذلك بإيراد مثالين اثنين، يتعلق أولهما بالإمامة ويرجع ثانيهما إلى الوزارة، فالإمام يخرج عن الإمامة إما لجرح في عدالته وما لنقص في بدنه. وأحد أحوال النقص في البدن هي ” تمتمة اللسان وثقل السمع مع إدراك الصوت إذا كان عاليا”، والحكم فيهما أنه لا يخرج عن الإمامة ” وقيل لا يمنع [ من عقد الإمامة له] لأن نبي الله موسى عليه السلام لم تمنعه عقدة لسانه عن النبوة فأولى أن لا يمنع عن الإمامة”. ومن أحوال النقص في البدن أيضا فقد الأنثيين أو قطع الذكر، فقد كان نبي الله تعالى، يحبي بن زكريا، كذلك حسب ما ورد في ” شرح المفسرين” لقوله في القرآن الكريم { وسيدا وحصورا ونبيأ من الصالحين } ( آل عمران : 39 ) . والقياس عند الماوردي يكون على هذا جواز الوزارة في النبوة { واجعل لي من أهلي هرون أخي أشدد به أزري أشركه في أمري } ( طه: 31) ” كان في الإمامة أجوز”.
إن هذه القدرة على التنويع في طرق القياس ومجالات تطبيقه، مع التقيد بقوانين إجرائه وشروط صحته، هي ما يكسب عمل المجتهد قيمه فقهية كبيرة وما يضفي على الأحكام التشريعية قوة تستحيل بها إلى ” سلطة رابعة” بعد سلطات الكتاب والسنة والإجماع . وبموجب امتلاك هذه السلطة الرابعة يكون للمجتهد المشرع في الفقه السياسي أو يسلك في القياس طريقا آخر يكون المقيس عليه فيه هو ” التاريخ الوعضي”، أي تاريخ الشعوب والملل المتقدم . فكما صح كونه، عند الفقيه، مادة للاعتبار والاتعاظ فإنه يصح اتخاذه مقياسا في التشريع، في الأحوال التي لا يسعف فيها التاريخ الإسلامي ” المشرع” بشيء، ذلك ما فعله السلف الصالح نفسه : فالخليفة عمر بن الخطاب لم يتردد في الاقتاس عن الفرس والأخذ منهم في وضع ” الدين”، وبالتالي فإن ” أحكام الديوان”، في الإسلام، لم تتقرر في حقيقتها إلا باعتبار ما سلكه الفرس، في هذا الصدد، ” مقيسا عليه” متى تثبت المشرع المجتهد من مراعاة أحكام الشريعة واطمأن إلى توفر شروط الصحة في ذلك.
وأبو الحسن الماوردي استحق من كبار الفقهاء اللاحقين عليه لقب ” العمدة” حينا ولقب ” المجتهد” أحيانا عديدة لتوفره على تلك البراعة الكبيرة في إعمال القياس وفي إجادة ” الاستدلال بالشاهد على الغائب” . ولكن إن كان الماوردي فقيها مجتهدا في فقه المعاملات وكان كتابه الأشهر ” الأحكام السلطانية” يستدعي ” قراءة الفقيه” الذي يعرف مواطن الاجتهاد في الكتاب ويدرك دلالتها ومداها فإن مما يطيقهالكتاب أيضا، ويحمله الرجل كذلك هو القيام بقراءة مؤرخ الفكر السياسي المنشغل برصد الآليات الفكريةوالأسباب السياسية التي تحكم اجهاد الفقيه في ” الأحكام السلطانية” . ذلك ما نأمل أن نكون قد وقفنا، في الصفحات السابقة، إلى تهييء القارئ إلى الانتباه إليه في شرحنا لوجه ارتباط الفقه بالسياسة من جانب أول، ولموجهات الفكر الأشعري ودواعي نشأته من جانب ثان، وأخيرا لمغزى بلوغ النظر السياسي الأشعري طور التشريع الفقهي عند الماوردي . وبالجملة فإننا نخرج من قراءة الماوردي، على جهة النظر التأريخي الفكري، من ملاحظات ثلاث محورية يبدو أنها، من وجهة نظر مؤرخ الفكر هذه، هي ما كان يحكم عمل المشرع السياسي ( الفقيه الشافعي والمفكر الأشعري معا(20) .