المساواة في الاسلام
كاتب الموضوع الأصلي: حسن الغشيان
المساواة في الاسلام
لقد شرع الاسلام مبدأ المساواة، ونشر ظلاله في ربوع المجتمع الاسلامي بأسلوب مثالي فريد، لم تستطع تحقيقه سائر الشرائع والمبادئ. فأفراد المجتمع ذكوراً وإناثاً، بيضاً وسوداً، عرباً وعجماً، أشرافاً وسوقة، أغنياء وفقراء. كلهم في شرعة الاسلام سواسية كأسنان المشط، لا يتفاضلون الا بالتقوى والعمل الصالح.
« يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند اللّه اتقاكم» (الحجرات: 13).
والقوانين الاسلامية والفرائض الشرعية نافذة عليهم جميعاً دون تمايز وتفريق بين الأجناس والطبقات. وما انفك النبي صلى اللّه عليه وآله عن تركيز مبدأ المساواة وتصعيده حتى استطاع تطويره والتسامي به الى المؤاخاة الروحية بين المؤمنين.
«انما المؤمنون اخوة» (الحجرات: 10).
حسبك في ذلك أن الملوك كانوا يحسبون أنهم فوق مستوى البشر، ويترفعون عنهم في ابراج عاجية يطلون منها زهواً وكبراً على الناس.
يأمر القرآن الكريم سيد المرسلين أن يعلن واقعه للناس:
«قل انما انا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد».
(الكهف:110)
{ 474 }
لذلك كان هو صلى اللّه عليه وآله، وذريته الاطهار: المثل الاعلى في تطبيق مبدأ المساواة والدعوة اليه قولاً وعملاً.
قال صلى اللّه عليه وآله: «إن اللّه تبارك وتعالى قد اذهب بالاسلام نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها، ألا إن الناس من آدم، وآدم من تراب، واكرمهم عند اللّه اتقاهم»(1).
ويحدثنا الرواة: انه صلى اللّه عليه وآله كان في سفر فأمر باصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول اللّه عليّ ذبحها، وقال آخر عليّ سلخها، وقال آخر عليّ طبخها، فقال صلى اللّه عليه وآله: وعليّ جمع الحطب. فقالوا يا رسول اللّه نحن نكفيك، فقال: قد علمت انكم تكفوني، ولكن اكره ان اتميز عليكم، فإن اللّه يكره من عبده ان يراه متميزاً بين أصحابه وقام فجمع الحطب(2).
ويحدث الرواة: أن سوادة بن قيس قال للنبي صلى اللّه عليه وآله في ايام مرضه: يا رسول اللّه انك لما اقبلت من الطائف استقبلتك، وانت على ناقتك العضباء، وبيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني، فأمره النبي صلى اللّه عليه وآله ان يقتص منه فقال: اكشف لي عن بطنك يا رسول اللّه، فكشف عن بطنه. فقال سوادة: أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك، فاذن له فقال: اعوذ بموضع القصاص من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله النار يوم النار، فقال
_____________________
(1) الوافي ج 14 في وصية النبي صلى اللّه عليه وآله لعلي عليه السلام.
(2) سفينة البحار ج 1 ص 415.
{ 475 }
صلى اللّه عليه وآله: يا سوادة بن قيس أتعفو أم تقتص؟ فقال: بل أعفو يا رسول اللّه، فقال: اللهم اعف عن سوادة بن قيس كما عفى عن نبيك محمد» (1).
وهكذا كان أمير المؤمنين عليه السلام:
قال الصادق عليه السلام: «لما وِليَ علي عليه السلام صعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال:
اني لا أرزؤكم من فيئكم درهماً ما قام لي عذق بيثرب، فلتصدقكم انفسكم، افتروني مانعاً نفسي ومعطيكم؟.
قال: فقام اليه عقيل كرّم اللّه وجهه فقال له: اللّه! لتجعلني واسود بالمدينة سواء. فقال عليه السلام: اجلس اما كان هنا أحد يتكلم غيرك؟ وما فضلك عليه الا بسابقة أو تقوى» (2).
«ومشى اليه ثلة من أصحابه عند تفرق الناس عنه، وفرار كثير منهم الى معاوية طلباً لما قي يديه من الدنيا، فقالوا: يا أمير المؤمنين أعط هذه الاموال وفضل هؤلاء الاشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم ومن تخاف عليه من الناس فراره الى معاوية.
فقال لهم امير المؤمنين عليه السلام: أتأمروني أن أطلب النصر بالجور لا واللّه ما أفعل، ما طلعت شمس ولاح في السماء نجم، واللّه لو كان مالهم
_____________________
(1) سفينة البحار ج 1 ص 671.
(2) البحار م 9 ص 359 عن الكافي.
{ 476 }
لي لواسيت بينهم، وكيف وانما هي أموالهم»(1).
«وقال عمر بن الخطاب للناس يوماً: ما قولكم لو أن أمير المؤمنين شاهد امرأة على معصية – يعني أتكفي شهادته في إقامة الحد عليها – ؟.
فقال له علي بن أبي طالب: يأتي بأربعة شهود أو يجلد حد القذف شأنه في ذلك شأن سائر المسلمين(2).
وفقد انبهر الكاتب الغربي – جب – بمبدأ المساواة في الاسلام، وراح يعرب عن اعجابه وإكباره لذلك، فقال في كتابه – مع الاسلام – :
ليس هناك أية هيئة سوى الاسلام يمكن ان تنجح مثله نجاحاً باهراً في تأليف هذه الأجناس البشرية المتنافرة في جبهة واحدة أساسها المساواة.
واذا وضعت منازعات دول الشرق والغرب العظمى موضع الدرس فلا بد من الالتجاء الى الاسلام لحزم النزاع.
وبتقرير مبدأ المساواة استشعر المسلمون مفاهيم العزة والكرامة، ومعاني الوئام والصفاء، وغدوا قادة الامم وروادها الى العدل والحرية والمساواة.
وفي الوقت الذي قرر الاسلام فيه المساواة، فانه قررها بأسلوب منطقي حكيم يلائم العقول النيرة والفطر السليمة ويساير مبادئه الخالدة في اشاعة العدل، وإتاحة فرص التكافؤ بين عامة المسلمين، وإناطة التفاضل
_____________________
(1) البحار م 9 ص 533 (بتصرف وتلخيص).
(2) عن كتاب حقوق الانسان بين تعاليم الاسلام واعلان الامم المتحدة ص 27 لمحمد الغزالي.
{ 477 }
والتمايز بينهم فيما هو مقدور لهم وداخل في امكاناتهم من أعمال الخير والصلاح دون ما كان خارجاً عن طاقتهم وإرادتهم من وفرة المال أو سعة الجاه.
«إن اكرمكم عند اللّه اتقاكم» (الحجرات: 13).
فهو يشرع المساواة تحقيقاً لمبادئه العادلة البنّاءة ويقرر التمايز كذلك نظراً لبعض القيم والكفاءات التي لا يجوز اغفالها وهدرها.
«قل هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون» (الزمر: 9).
لذلك فضل اللّه الانبياء بعضهم على بعض، لاختلاف كفاءتهم وجهادهم في سبيل اللّه تعالى، واصلاح البشر واسعادهم.
«تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض، منهم من كلّم اللّه، ورفع بعضهم درجات» (البقرة: 253).
وفضل العلماء على الجهال، والمؤمنين بعضهم على بعض، لتفاوتهم في مدارج العلم والتقى والصلاح.
«يرفع اللّه الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات».
(المجادلة: 11).
وهكذا فاضل بين الناس في الرزق، لاختلاف كفاءاتهم وطاقاتهم في اجادة الاعمال، ووفرة الانتاج، فليس من العدل مساواة الغبي بالذكي والكسول بالمجد والعالم المخترع بالعامل البسيط، اذ المساواة والحالة هذه مدعاة لخفق العبقريات والمواهب وهدر الطاقات والجهود.
«نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوقبعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون»