النقد الماركسي للدولة الهيجلية
كاتب الموضوع الأصلي: عمر عبدالله البطاح
النقد الماركسي للدولة الهيجلية
يرى ماركس بأن التعريف الذي يقدمه هيجل للدولة هو تعريف عقلاني آية في التجريد. ذلك لأنها في نظره تجسّد الإرادة العامة الجوهرية، هي العقل في ذاته ولذاته. ثم يحاول بعد ذلك أن يبحث عن واقع خاص يبرر به تلك الدولة العقلية. غير أن تجسيد العام في الخاص يتجسّد لديه بالعفوية، والنتيجة هي – حسب ماركس- الانتقال من المثل الأعلى إلى الملموس بدون مبرر معقول، مما يجعله يضفي على الملموس حلّة زائفة من العقلانية.
إنّ النظرية الهيجلية في الدولة مبنية كلها على نقد نظرية التعاقد التي هي أساس فلسفة الأنوار، وإليها يرجع ماركس في نقده للدولة الهيجلية.
نقطة التحول الأساسية في التصور الماركسي هو إدراكه الواضح أن حادث انسلاخ الدولة اتلسياسية (الصورة) عن دولة المجتمع الإنتاجي (الاقتصاد) يشكّل حادثا مستجدا في التطور التاريخي للإنسان. وأنّ التناقض بين الفرد المنتج والدولة السياسية- المطلقة عند هيجل- واقع تاريخي محدد وليس ضرورة منطقية كما يرى هيجل. إنّ هذا التناقض حادث لأنه لم يكن موجودا مند الأزل حيث الدولة الجوهرية الموضوعية تعبّر بكيفية مباشرة عن الأسرة والمجتمع المدني. بل إنّ ماركس يؤكد على أنه قبل الثورة الفرنسية لم تكن هناك سياسة بالمعنى الدقيق للفظ، بل كان المجتمع الإنتاجي يكوّن مباشرة الدولة. لهذا يستنتج ماركس بأن هناك حنين هيجلي إلى التاريخ القديم والوسيط، ورفض للتحولات الجذرية التي نتجت عن الثورة الفرنسية. لهذا لم يفهم هيجل “فلسفة الأنوار” التي جاءت كتعبير عن الحقيقة التاريخية. ويرى ماركس أنّ استبدال التاريخ بالمنطق هو السبب الكامن وراء وضع هيجل للجوهر والشكل في غير موضعهما. فعوضا من أن يستشفّ المستقبل يتقهقر إلى الماضي نحو التنظيمات القروسطية التي قضت عليها الثورة الفرنسية لعدم ملاءمتها مع متطلبات الإنتاج والتطور.
إنّ قيمة نظرية الدولة الهيجلية تتمثّل في نظر ماركس في إدراكها للتناقض الذي وقعت فيه نظرية الأنوار بين المجتمع المدني(الإنتاج) والدولة(السياسة)، لكن خطأه تمثّل في اعتبار هذا التناقض تناقضا منطقيا وليس واقعيا كنتاج للتطور التاريخي. فحينما نستقرئ الوقائع نجد بأنه في القديم لم يكن هناك تناقض ولا انفصام بين المجتمع والدولة، بحيث كان التنظيم الاجتماعي هو في الوقت ذاته تنظيما سياسيا، حيث كانت الملكية والنفوذ والسلطان مظاهر واقع واحد، ولم تكن هناك سياسة ولا دولة بالمعنى الدقيق المتداول. ولم يحصل الانفصام إلا في العصر الحديث. لم تبق الدولة موازية للمجتمع، حيث نشأت إدارة خاصة بالمجتمع، وتعالت الدولة حتى أصبحت تشكّل إيديولوجيا قائمة بذاتها. لكن تجاوز واقع الانفصام لا يتم، في نظر الماركسية، بإحياء الوضع القديم(الدولة الجوهرية) بل بتغيير الوضع الذي تسبب في الانفصام، والذي يتمثّل في نظام الملكية. هكذا يستنتج ماركس بأن هيجل ينتهي إلى حقيقة لا يهتدي إلى حلّها: حقيقة وجود انفصام بين المجتمع والدولة. هذا هو جوهر مشكل الإنسان المعاصر. بيد أن الحل الوحيد الممكن يكمن في نظر ماركس في تغيير نظام الملكية. يتعلق الأمر بالقضاء على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وإحلال محلّها الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج.