أ.د. أحمد محمد وهبان

الوطن و الوطنية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الزامل



الوطن

ليس الوطن هو الأرض الصماء التي يعيش فوقها الناس بل أكثر من ذلك انه الأرض النابضة بالحياة في وسط اجتماعي و ثقافي و سياسي معين.
الوطن هو البيئة السياسية و الاجتماعية و الثقافية التي يحيا و يعمل فيها الشعب و هو ظاهرة اجتماعية معقدة مقولة تشمل محصلة جوانب متنوعة من حياة المجتمع و نشاطه – العلاقات الاجتماعية و منظومة العلاقات و المنظمات السياسية و أشكال و أنماط الثقافة الشائعة في المجتمع و القيم الروحية التي اعتادت عليها الجماعير الشعبية و من مواصفات الوطن أيضاً الأرض و اللغة و الشعب.
الوطن ليس حدود جغرافية فقط و انما له حدود نفسية و حضارية، ان الطبيعة الاجتماعية و السياسية للوطن تتحدد الى درجة كبيرة بماهية العلاقات الاجتماعية السائدة في المجتمع و ماهية الطبقة الحاملة لهذه العلاقات و تبعاً لذلك يمكن الحديث عن وطن رأسمالي و وطن اشتراكي.
ان للوطن جذور موغلة في القدم، تضرب بعيداً في اعماق التاريخ و تمتد الى نظام المشاعة البدائية القائمة على أساس الملكية المشاعية لوسائل الانتاج و الروابط البيولوجية و لقد تبلورت مقولة الوطن بشكلها النهائي عندما ظهرت الطبقات بعد تقسيم العمل و نشأت الدولة و غدا مفهوم الوطن مرتبطاً بشدة بمفهوم كيان الدولة ثم بمفهوم الأمة.
ان ما يربط الانسان بوطنه هو امتلاكه لحريته و شعوره بالعزة القومية المتمثلة باللغة و التاريخ و المشاعر المشتركة و المصير الواحد … الخ، ثمة علاقة جدلية بين الوطن و بين الانسان و علاقة الانسان بالانسان الذي يعيش فوق الارض ان من لا يحب شعبه لا يحب وطنه و على الذين يعيشون فوق أرض واحدة و اجبات أنهم عليهم ان يحافظوا على وحدة أرضه و على وحدته الوطنية و أن يكونوا يداً واحدة و قلباً واحداً


الوطنية (نقد)

شعار معاصر حاول مروجوه بين المسلمين توجيه ولاء سكان أو أصحاب الوطن الواحد بصفة جماعية مشتركة لأرض وطنهم ذات الحدود المعينة وشحنهم بالتعصب لها انتماءاً والدفاع عنها حتى درجة فدائها بالنفس ، مهما اختلفت عقائدهم ، ولغاتهم ، وأعراقهم ، وقومياتهم .
وقد يصعب رسم حدود الوطن بصورة ثابتة دواماً لأنها خاضعة للتبدل والتغير بتبدل الأحداث السياسية والعسكرية ، وتبدل المشاعر النفسية أحياناً.
آما حب الأرض فهو عاطفة إنسانية قديمة ، تولدها عدة مشاعر، يبرز لنا منها بوضوح عناصر أربعة :

العنصر الأول : التملك وحق الاستيطان التاريخي للفرد ولأسرته ، ولأجداده وقومه والآمة التي ينتمي إليها، وهو حق موروث أو حق الاستيطان المكتسب للفرد ولذريته .
وقد تعارف الناس علي أن من يملك حق المواطنة فهو عضو من الأمة مالكة الوطن ملكا عاما مشاعاً، ويتولى المفوضون منها بالإدارة السياسية ، إدارة هذا الملك العام المشاع .
بخلاف نزلاء الوطن وضيوفه والمقيمين فيه بعهد أو أمان أو ذمة ، فإنهم قد يملكون حق الإقامة ، لكنهم لا يملكون حق المواطنة .
فمن يملك حق المواطنة فهو أحد مالكي الوطن ، ولو لم يكن مالكاً ملكاً شخصياً شبراً واحداً.
ومن لا يملك حق المواطنة فلا ملك له في الوطن العام المشاع و لو كان له فيه ملك شخصي، كدار، أو حديقة أو أرض زراعية أو مصنع أو متجر أو نحو ذلك .

العنصر الثاني: ألارتباط بالأرض بدافع ديني ويكون ذلك إذا كان للأرض أهمية دينية في تصور الإنسان أو عقيدته .
كأن تكون الأرض قبلته في صلاته ، او محجه ، أو بلد الرسول الذي يؤمن به ويتبع شريعته آو مهبط الوحي الذي امن بما جاء به أو قاعدة انطلاق الأمة الدينية التي ينتمي إليها.

العنصر الثالث: الذكريات الحلوة وإيلافها فمن عاش في أرض وكان له فيها ذكريات حلوة أحبها وتعلقت عاطفته بها وكان له انس بزيارتها من حين لآخر ويجد نفسه مدفوعة لحمايتها و الدفاع عنها.

العنصر الرابع : ما يكون في الأرض من آثار تاريخية وحضارية تتمثل بأمجاد الإنسان نفسه أو أمجاد أسرته ، أو قبيلته أو قومه أو الأمة التي ينتمي إليها.
فهذه الآثار تشد الإنسان الى الأرض، عن طريق الوشائج التي تشده إلى اسرته و قومه أو أمته التي يتمي إليها، وهي وشائج عاطفية لا عقلية ،فهي فرع من فروع الانتماء إلى القوم أو إلى الأمة .

وبالمفهوم المعاصر للوطنية الذي روجه الطامعون بسلخ المسلمين من حقوقهم في السيادة على الأوطان الإسلامية ، اتسع شعار الوطنية ، حتى صار في المفهوم الشائع يضم كل سكان الوطن الواحد، ولو كانوا في الأصل نزلاءه أو ضيوفه ، أو مقيمين فيه ، بعهد أو أمان أو ذمة .

وبهذا التوسيع المقصود الذي يراد به كيد المسلمين مالكي الأوطان الحقيقيين ، غدا هؤلاء النزلاء والضيوف المقيمون بعهد أو أمان أو ذمة لهم في الملكية العامة للوطن حقوق مساوية لحقوق مالكيه الأصليين .

وبمكر مدبر انطلقت عبارة : الدين لله والوطن للجميع. وأطلق مروجو شعار الوطنية بين المسلمين حديثاً لا أصل له ، نسبوه إلى النبي صلى الله عليه و سلم، وهو: حب الوطن من الإيمان.

وهذا التوسيع في حق الملكية العامة المشاعة للوطن ، جر إلى التسليم بحق الجميع في إدارته السياسية. ولما كان هؤلاء الجميع مختلفي الأديان والمبادئ والعقائد ، وقد صار لهم جميعاً الحق في الإدارة السياسية للوطن الواحد، بمقتضى مكيدة الزحف الانتقالي من فكرة إلى فكرة ، كان لا بد من اللجوء إلى مكيدة أخرى، هي المناداة بفصل الدين عن السياسة ، والمناداة بعلمانية الدولة

ثم إن الأخذ بعلمانية الدولة التي تتضمن إبعاد الدين عن الإدارة السياسية لبلاد المسلمين و أوطانهم ، قد مكن الطوائف غير المسلمة فيها من الوصول إلى مراكز الإدارة السياسية والقوة العسكرية ، حتى مستوى القمة .و قريباً منها.
وتدخلت ألاعيب كيدية كثيرة خارجية و داخلية معادية للاسلام و المسلمين في تهيئة الظروف السياسية، و تقبلت جماهير المسلمين ذلك ببراءة و غفلة و حسن نية و كان بعض قادتهم السياسيين و العسكريين و غيرهم عملاء و أجراء لأعدائهم.

ثم لما تمكنت هذه الطوائف غير المسلمة من القوى الفعالة داخل بعض بلاد المسلمين ، كشفت الأقنعة عن وجوهها التي كانت تخادع بها، وتدعي الإخاء الوطني، وصارت تدعي أن الوطن لها، وأخذت تنبش الدفائن لتستخرج مزاعم تاريخية قديمة ، سابقة للفتح الإسلامي، وهذه المزاعم لا اساس لها من الصحة .

ثم أخذت تفرض سلطانها بالقوة في هذه البلاد مؤيدة من الدول الكبرى المعادية للإسلام والمسلمين ، وحاربت الأكثرية المسلمة بضراوة وحقد، وأخذت تحرمها من حقوقها في أوطانها، حتى جعلتها بمثابة أقليات

ونسفت الطوائف غير المسلمة بعد تمكنها أفكار الحق الوطني القائم على العلمانية نسفاً، ونسفت الإخاء الوطني، وأظهرت تعصبها الطائفي المقيت ، القائم على الانتماء لأديانها و عقائدها التقليدية الموروثة . وكانت لعبة شعار الوطنية مكيدة انخدع بها جمع غفير من المسلمين ببراءة وسلامة صدر، حتى استل أعداؤهم منهم معظم حقوقهم ، ومعظم مقدراتهم.

Leave a Comment