دوافع التحركات الفرنسية من مالي إلى سوريا
كاتب الموضوع الأصلي: ناصر الخريجي 380
سعت القيادة الفرنسية إلى استغلال التطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لاستعادة دور فرنسا وتواجدها في مناطق نفوذها التاريخي على الضفة الجنوبية والشرقية للبحر المتوسط، وفي منطقة الساحل الإفريقي، وذلك على الرغم من الأزمة المالية التي تواجهها فرنسا، فجميع وزارات الدولة مطلوب منها أن تخفض نفقاتها، بما فيها وزارة الدفاع. غير أن ذلك لم يَحُلْ دون مشاركة باريس -وبقوة- في عمليات حلف الناتو بليبيا؛ إذ قامت الطائرات الفرنسية بأكثر من 25% من الطلعات الجوية في الأجواء الليبية، وكانت أول من نفذ الضربات الجوية على قوافل القذافي.
ومع وصول اليساري فرانسوا هولاند إلى سدة الرئاسة، فإنه لم يتوانَ عن استكمال ما بدأه سلفه نيكولا ساركوزي، فلم يتردد في دفع الجيش الفرنسي للمشاركة في عمليات القتال في مالي فور صدور قرار مجلس الأمن في 10 يناير 2013، ومطالبة مالي بالتدخل الدولي في مواجهة المقاتلين الإسلاميين، وقد بلغت القوات الفرنسية في مالي في ذروة عملياتها هناك 4500 جندي، وذلك في فبراير 2013.
وإذا كانت فرنسا في عهد ساركوزي، أول من اعتبرت الرئيس السوري بشار الأسد فاقدًا للشرعية، وعليه التنحي، وحرصت منذ بداية الأزمة السورية على دعم ومساندة المعارضة السورية إنسانيًّا ودبلوماسيًّا واقتصاديًّا؛ فإن هولاند كان أول من اعترف بالائتلاف الوطني للمعارضة السورية ممثلا شرعيًّا وحيدًا للشعب السوري، وأول من حثّه على تشكيل حكومة انتقالية تعود إليها صلاحيات الدولة السورية.
الأهداف الفرنسية على الساحة الإقليمية:
في إطار الدور الذي تضطلع به فرنسا على الساحة الإقليمية، فإنها سعت إلى تحقيق عدد من الأهداف، وذلك على النحو التالي:
– ترى فرنسا أنها تمثل عنصرًا فاعلا ومهمًّا على الساحة الدولية في مجال مكافحة الإرهاب، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، وبالتالي كان تدخلها في مالي لمواجهة التنظيمات الإسلامية المسلحة التي كانت قد تمكنت من السيطرة على جنوب مالي وحتى بلدة “كونا” الاستراتيجية في وسط البلاد، مهدِّدَةً بالسيطرة على العاصمة “باماكو”، فيما تُشدد فرنسا على أهمية توجيه رسالة قوية إلى سوريا من أجل ردع أي استخدام مستقبلي للأسلحة الكيميائية، وذلك مع القلق من احتمال وقوع الأسلحة غير التقليدية التي يملكها النظام السوري في أيدي الجماعات المتطرفة، الأمر الذي من شأنه تهديد الأمن في المنطقة والعالم.
وقد طالبت مسودة قرار طرحتها فرنسا في مجلس الأمن الدولي في 11 سبتمبر 2013، بأن تصدر سوريا إعلانًا كاملا بشأن برنامجها للأسلحة الكيميائية في غضون 15 يومًا، وأن تفتح على الفور جميع المواقع المرتبطة به أمام مفتشي الأمم المتحدة، وإلا فإنها ستواجه إجراءات عقابية محتملة.
– تسعى فرنسا إلى ترميم مصداقيتها في العمل كقوة عظمى في منطقة نفوذها التقليدي تاريخيًّا، سواء بمقترحات عسكرية أو إنسانية، خاصة في ظل أزمتها الاقتصادية الداخلية، وتراجع مكانتها الأوروبية لصالح غريمتها التاريخية ألمانيا. وفي الإطار الإنساني فقد استقبلت فرنسا أكثر من ثلاثة آلاف سوري منذ عام 2011، وفق أرقام الخارجية الفرنسية، مع تعهد الرئيس هولاند باستقبال 500 لاجئ سوري خلال الأشهر المقبلة استجابة لطلب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين.
– لا يمكن اختزال خلفيات الدور الفرنسي في الأبعاد الإنسانية ومواجهة الخطر الإرهابي وخطر أسلحة الدمار الشامل فقط، وإنما يقف وراءها أيضًا مصالح اقتصادية، مما يفسر دور فرنسا المحوري خلال عمليات حلف الناتو في ليبيا، الأمر الذي سمح للشركات الفرنسية بالاستثمار في قطاع النفط الليبي، لا سيما أن البحرية الفرنسية كانت أول من ساعد الموانئ الليبية على إعادة نشاطها الاقتصادي العادي. وأيضًا فإن التدخل العسكري في مالي يحقق منافع اقتصادية جمّة لفرنسا؛ إذ تمثل منطقة شمال غرب إفريقيا على نحو عام موردًا مهمًّا لليورانيوم والنفط والغاز والذهب واللؤلؤ والكوبالت، وتخشى فرنسا من أن تحول الجماعات الأصولية في شمال مالي دون الاستثمار الواسع في تلك المنطقة التي لم تُستغل كاملا بعد.
– في إطار اهتمام فرنسا بتعزيز وجودها في مناطق نفوذها التاريخية، فإن للحفاظ على مصالحها الحيوية في شرق المتوسط أهمية خاصة؛ فباريس قلقة بشكل كبير من تورط حزب الله في الحرب الأهلية السورية واحتمالات امتدادها إلى لبنان التي تُعرف على نحو خاص كمنطقة ذات أولوية عليا للمصالح الفرنسية، ويُشكل كذلك تورط إيران في الأزمة السورية وامتداد نفوذ طهران إلى شرق المتوسط مصدر قلق كبير لفرنسا، لا سيما أن باريس ترى في المشروع النووي الإيراني تهديدًا رئيسيًّا للأمن في العالم.
استراتيجية فرنسا لتحقيق أهدافها:
مع تدخل فرنسا عسكريًّا في مالي، ونجاحها في إطار ذلك في رعاية انتقال السلطة إلى حكومة مدنية، مع انتخاب رئيس جديد لمالي حرص هولاند على حضور حفل تنصيبه في 19 سبتمبر 2013؛ فإن باريس كانت على استعداد لاستخدام الأداة العسكرية مرة أخرى في سوريا، خصوصًا بعد استخدام السلاح الكيميائي في النزاع الدائر هناك، حيث أعلن الرئيس الفرنسي في أغسطس 2013، أن بلاده ستنضم إلى الولايات المتحدة الأمريكية في شنّ عملية عسكرية ضد نظام الأسد.
ولكن يبدو أن الدول الغربية دائمة العضوية في مجلس الأمن قد وصلت إلى قناعة مفادها أن استصدار قرار “قوي” بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يخول استخدام القوة العسكرية بحق النظام السوري، أصبح هدفًا بعيد المنال بسبب المعارضة الروسية القوية، والصعوبة في حمل موسكو على تغيير مواقفها بشأن استخدام القوة العسكرية بحق نظام الأسد.
ولذلك بعد أن توصلت الولايات المتحدة وروسيا إلى الاتفاق الخاص بتدمير الأسلحة الكيميائية السورية، فإن الاستراتيجيات التي طرحتها فرنسا لدعم المعارضة السورية في مواجهة نظام الأسد تمحورت حول ثلاثة بدائل رئيسية:
الأول: مواصلة الجهد لاستصدار قرار “قوي” من مجلس الأمن بحق سوريا. إذ لا تزال فرنسا تدعم استصدار ذلك القرار، حتى إن لم يتضمن ذكرًا صريحًا لمقررات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وأشارت مصادر رئاسية فرنسية أن الهدف الآن هو التوصل إلى قرار “يتضمن أكبر قدر ممكن من القيود والإجراءات” لحمل النظام السوري على تنفيذ التزاماته إزاء اتفاق جنيف في يونو 2012، أو حول القرار الذي سيصدر عن المنظمة الدولية لمنع استخدام الأسلحة الكيميائية بحيث يكون مرغمًا على تطبيق بنودهما كافة.
ومن المخارج المطروحة إمكانية الإشارة إلى الفصل السابع، ولكن إخراج الفقرة التي تنص على استخدام القوة منه، أو القبول بالفصل السادس مع التهديد باللجوء إلى الفصل السابع في حال التعطيل؛ إذ من المهم بالنسبة للدبلوماسية الفرنسية النظر في محتوى الفصل السابع، والتدابير التي ينص عليها للتأكد من أن النظام السوري سينفذ التزاماته كافة، وأن عملية نزع ترسانته من أسلحة الدمار الشامل ستنفذ على النحو المطلوب.
الثاني: النظر في إمكانية تسليح المعارضة السورية. فمع الصعوبات التي تواجه استصدار قرار من مجلس الأمن يجيز استخدام القوة العسكرية بحق النظام السوري؛ فإن القيادة الفرنسية بدّلت موقفها بشأن إمكانية تسليح المعارضة السورية، وهي قد أعلنت مع بريطانيا عن دعمهما لرفع حظر الأسلحة المفروض على المعارضة السورية المعتدلة، الأمر الذي كانت تعارضه من قبل من دون الحصول على تفويض رسمي من مجلس الأمن، وإن أبدت باريس تحفظها، مطالِبةً بضرورة توخي الحذر نتيجة وجود الجماعات المتطرفة في المعارضة المسلحة، مثل “جبهة النصرة” المؤيدة لتنظيم القاعدة.
كما أعلنت الرئاسة الفرنسية في 13 سبتمبر 2013، عن اتفاق باريس مع ثلاث دول عربية على تعزيز الدعم للمعارضة السورية، حيث عقد الرئيس الفرنسي في قصر الإليزيه جلسة مباحثات مشتركة مع وزراء خارجية كل من المملكة السعودية سعود الفيصل، والإمارات عبد الله بن زايد، والأردن ناصر جودة، تركزت في الأساس حول سوريا، وأعاد هولاند خلال ذلك طرح موضوع تسليح المعارضة في سوريا.
الثالث: محاولة القيام بالجهد الأكبر في جهود حل الأزمة السورية سياسيًّا. وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 24 سبتمبر 2013، قال الرئيس هولاند: “إن الحل في سوريا يجب أن يكون سياسيًّا. ضيعنا الكثير من الوقت. واستخدم النظام السوري هذه الفترة لتصعيد العنف، كما استغلت الجماعات الإرهابية في سوريا جمود المجتمع الدولي في الإضرار بالقوى الديمقراطية في الائتلاف الوطني السوري”، وواصل: “لهذا السبب يجب عقد مؤتمر “جنيف- 2” في أقرب وقت ممكن”، مؤكدًا: “إن “جنيف– 2″ بالنسبة لفرنسا ليس لقاء للحديث فقط، وإنما اجتماعًا لاتخاذ قرارات تتعلق بتشكيل حكومة انتقالية تتمتع بجميع الصلاحيات التنفيذية، وتكون مهمتها إعادة السلم الأهلي، وحماية كل الجماعات السورية، وتنظيم الانتخابات عندما يحين الوقت”.
وكشفت مصادر فرنسية مطلعة عن رغبة الدبلوماسية الفرنسية في توسيع الحلقة المشاركة في مؤتمر “جنيف- 2” للسلام بشأن سوريا المزمع عقدة في يناير 2014. وأوضحت أن باريس تريد دورًا خليجيًّا-عربيًّا في المؤتمر، بالإضافة إلى إشراك مجموعة الـ11 الضيقة من “أصدقاء الشعب السوري”، وأيضًا الصيغة الموسعة لهذه المجموعة، وذلك بجانب دعم فرنسا لفكرة إشراك إيران في مؤتمر جنيف المقبل شريطة قبولها بمقررات جنيف الأول في يونيو 2012، والتي تدعم تشكيل سلطة انتقالية في سوريا لا تشمل الرئيس الأسد.
وتعتبر فرنسا أن الفترة الفاصلة عن الموعد المبدئي لالتئام “جنيف- 2” يجب أن تخصص للتحضير الجيد للمؤتمر، ومعالجة المشكلات التي حالت إلى الآن دون الدعوة إليه، حيث إن المؤتمر كان مقررًا انعقاده في نهاية مايو الماضي.
حدود الدور الفرنسي في المنطقة:
على الرغم من الدور الذي تسعى فرنسا للقيام به عالميًّا، وخصوصًا في منطقة البحر المتوسط والساحل الإفريقي، فالملاحظ أن ذلك الدور لفرنسا يرتبط بحدود الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في المنطقة، حيث سعت فرنسا -وعلى خلاف محاولاتها في السابق الاستقلال بدورها على الساحة الدولية- إلى تعزيز نفوذها العالمي بالتعاون مع واشنطن في الملفات الإقليمية، مستغلة في هذا الصدد خروج بريطانيا مبكرًا من التحالف الدولي ضد سوريا، وذلك بعد رفض مجلس العموم البريطاني خطط توجيه ضربة عسكرية لسوريا في 29 أغسطس 2013، وهو ما سعت فرنسا إلى استغلاله كفرصة تاريخية للعودة بقوة إلى دور الحليف الأول للولايات المتحدة في القارة الأوروبية.
غير أن الموقف الفرنسي بدا معزولا مع تراجع الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن قراره بتوجيه ضربة عسكرية لسوريا، وذلك بعد توصل وزيري خارجية موسكو وواشنطن في 14 سبتمبر 2013 إلى اتفاق يقضي بتدمير الترسانة السورية من الأسلحة الكيميائية في موعد لا يتعدى منتصف عام 2014، وبات من شبه المؤكد أن استخدام القوة ضد سوريا وفقًا لقرار دولي يتطلب العودة مرة أخرى إلى مجلس الأمن من أجل إصدار قرار آخر يشير بكل وضوح إلى إخلال دمشق بالتزاماتها الدولية بالنسبة لتدمير أسلحتها الكيميائية، وبضرورة استعمال القوة ضدها.
وذلك في حين راهنت فرنسا كثيرًا على الملف السوري في أفق استعادة نفوذها في الشرق الأوسط، ولعب دور بارز في حل هذه الأزمة، سواء بمقترحات عسكرية أو إنسانية، مما يفسر سعي فرنسا إلى تعزيز دورها في محادثات جنيف المقبلة، حيث ترغب في المحافظة على حضورها في الملف السوري رغم تعرضها لتهميش واضح في ضوء الاتفاق الروسي-الأمريكي، وإصرار الرئيس السوري بشار الأسد على استبعاد أي دور مستقبلي للاتحاد الأوروبي، لا سيما باريس في حل الأزمة السورية.
باحثة بالشئون العربية
نشرت في العلاقات الأقليمية
من أرشيف RCSS
سوريا
مالي
إيران
المزيد في هذه الفئة : « دلالات تزايد اهتمام موسكو بمنطقة الشرق الأوسط احتمالات التقارب بين إيران ودول الخليج بعد اتفاق جنيف »
رأيك في الموضوع
تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة
نص التعليق * أدخل رسالتك هنا… اسم * البريد الإلكتروني *
عد إلى الأعلى
مقالات
النظام السياسي العربي بين الركود والعشوائية! النظام السياسي العربي بين الركود والعشوائية!
السـيد يسين
مانديلا الذي تمنته منطقتنا مانديلا الذي تمنته منطقتنا
طارق الحميد
توجهات الرأي العام الإيراني توجهات الرأي العام الإيراني
جيمس زغبي
In Depth
دوافع التحركات الفرنسية من مالي إلى سوريا دوافع التحركات الفرنسية من مالي إلى سوريا
إيمان أحمد عبد الحليم
ملفات RCSS
العلاقات الأمريكية- الإيرانية من الصدام إلى الصفقة ( ملف) العلاقات الأمريكية- الإيرانية من الصدام إلى الصفقة ( ملف)
إعداد: عمرو عبد العاطي
Ads4
القضايا
التحولات الداخلية
العلاقات الأقليمية
القضايا الأقتصادية
الأمن الأقليمى
الرأى العام
التحليلات
التقديرات
التقارير
المقالات
الأصدارات
حالة الأقليم
دراسات الشرق الاوسط
حالة العالم
الأنشطة
الندوات العامة
حلقات النقاش
ورش العمل
المحاضرات العامة
اللقاءات الخاصة
المشروعات
مستقبل الثورة المصرية
حالة النظام الأقليمى
الرأى العام العربى
الخبراء
Copyright © 2012 . All Rights Reserved RCSS
Powered by Nile-Tech
Facebook