صكّ الانتداب – صادقت عليه عصبة الأمم يوم 24/7/1922
كاتب الموضوع الأصلي: كايد السهلي
صكّ الانتداب
أعلن مشروعه من قبل عصبة الأمم المتحدة بتاريخ 6 يوليو 1921
وصودق عليه في 24 يوليو سنة 1922 ووضع موضع التنفيذ في 29 سبتمبر
ما أن صدر قرار مؤتمر سان ريمو لدول الحلفاء “1920” الموافقة على تصريح بلفور وانتداب بريطانيا على فلسطين حتى سارعت الدبلوماسيتان البريطانية والصهيونية إلى العمل في عصبة الأمم المتحدة للحصول على صك الانتداب البريطاني، يكون بمثابة تصديق رسمي لذلك القرار، ويتضمن الخطوات الكفيلة بتنفيذ تصريح بلفور، أي: بناء الوطن اليهودي بإشراف الانتداب البريطاني. وقد وُضعت مسوّدات صك الانتداب، كتصريح بلفور، بالتشاور السري بين الحكومة البريطانية والمنظمة الصهيونية العالمية، وبمعزل تام عن عرب فلسطين. وكان الوفد البريطاني إلى مؤتمر الصلح في باريس قد طلب من المنظمة الصهيونية العالمية صوغ مقترحاتها بشان الانتداب على فلسطين في مشروع متكامل، فوضعته وقدمته إلى الحكومة البريطانية في 15 تموز (يوليو) 1919، فأدخلت هذه فيه بعض تعديلات وقدمته إلى عصبة الأمم في 6 كانون الأول (ديسمبر) 1920. وفي آب (أغسطس) 1921، قدمته الحكومة البريطانية إلى البرلمان البريطاني، فادخل فيه تعديلات أخرى، وجوبه بمعارضة داخلية قوية، ورفضه مجلس اللوردات في حزيران (يوينو) 1922، كما ورد ذكره. ولكن الحكومة إحالته على مجلس العموم، الذي وافق عليه. وفي 24 تموز (يوليو) 1922، صادق عليه مجلس عصبة الأمم، ووضع موضع التنفيذ في 29 أيلول (سبتمبر) 1923،
وكان من أسباب التأخير في إقرار صك الانتداب أيضا، محاولة تسوية المسائل السياسية العالقة في نطاق المصالح الاستعمارية المتنافسة لدول الحلفاء: فسويت مشكلة الحدود السورية الجنوبية بين بريطانيا وفرنسا، وتقرر فصل شرقي الأردن في إمارة خاصة، كما سوي الموقف مع أميركا على أساس اعتراف بريطانيا بمصالحها الاقتصادية والثقافية في المنطقة، وضمن صك الانتداب في المعاهدة الإنكلو- أميركية بهذا الخصوص.
تألف صك الانتداب من مقدمه و28 مادة، وكان هو الدستور الاستعماري الصهيوني الذي حكمت بموجبه فلسطين طوال فترة الانتداب البريطاني، وقد تضمنت المقدمة نص تصريح بلفور، ومصادقة عصبة الأمم على انتداب بريطانيا على فلسطين مع تخويلها مسؤولية تنفيذ التصريح، وتأكيد “الصلة التاريخية التي تربط الشعب اليهودي بفلسطين، والأسباب التي تدعو إلى إعادة إنشاء وطنهم القومي في تلك البلاد”، وقد اختصت المواد 2 و 4 و 6 و 7 و 11 و 22 بإنشاء الوطن القومي اليهودي، وشكلت مخططا متكاملا لتحقيق ذلك من النواحي السياسية والإدارية والاقتصادية والثقافية.
فقد نصت المادة 2 على إعطاء المنتدبة السلطة التامة في الاشتراك والإدارة، واعتبرتها مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي… وصيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين “.
ونصت المادة 4 على إنشاء وكالة يهودية معترف بها “لإسداء المشورة إلى إدارة فلسطين والتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من الأمور التي تؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي”.
ونصت المادة 6 على أن “على إدارة فلسطين ، مع ضمان عدم إلحاق الضرر بحقوق ووضع الفئات الأخرى من السكان، أن تسهل هجرة اليهود..وأن تشجع حشدهم في الأراضي الأميرية والأراضي الموات”.
ونصت المادة 7 على أن تشمل قانون الجنسية” على نصوص تسهيل اكتساب اليهود للجنسية الفلسطينية”.
والمادة 11 على أنه يمكن للإدارة البريطانية أن تتفق مع الوكالة اليهودية على أن تقوم الوكالة ” بإنشاء أو تسيير الأشغال والمصالح والمنافع العمومية وتطوير مرافق البلاد الطبيعية”.
والمادة 22 على أن “تكون الإنكليزية والعربية والعبرية اللغات الرسمية لفلسطين”.
واختصار الـ13 و14 و15 و16، بمسؤولية الدولة المنتدبة (بريطانيا) عن المحافظة على الأماكن المقدسة وضمان الوصول إليها، وكيفية الفصل في الحقوق الدينية، وكفالة الحرية الدينية للجميع.
أما المواد 1 و3 و21 و17، فقد تناولت المصالح البريطانية إذ جردت الأكثرية العربية الساحقة من حقوقها السياسية، وأعطت بريطانيا السلطة التامة في التشريع والإدارة، وتشجيع الحكم المحلي بقدر ما تراه هي موافقاً، والإشراف على العلاقات الخارجية لفلسطين، وتنظيم القوات اللازمة للمحافظة على السلام والدفاع عن البلاد، واستخدام طرق فلسطين وسككها الحديدية ومرافئها لتحركات القوات المسلحة.
أما المادة 25 فقد أعطت الدولة المنتدبة الحق، بموافقة عصبة الأمم، في أن ترجئ أو توقف تطبيق ما تراه غير قابل للتطبيق من هذه المواد على المنطقة الواقعة شرقي نهر الأردن ومن ثم وافق مجلس عصبة الأمم على استثناء منطقة شرقي الأردن من تطبيق مواد صك الانتداب المتعلقة بإنشاء الوطن القومي اليهودي، كما وافق على تخويل بريطانيا المسؤولية الكاملة عن الانتداب على شرقي الأردن، وقد تم هذا الإجراء على الرغم من أن شرقي الأردن كان جزءا من ولاية دمشق (أو سورية) إلى نهاية العهد العثماني، وجزءاً من سورية الداخلية إلى آخر العهد الفيصلي.
كان صك الانتداب وثيقة سياسية بالغة الخطورة، والمستند الذي برزت به بريطانيا سياستها الصهيونية، على أساس انه تعهد دولي ملزم فوضت عصبة الأمم إليها أمر تنفيذه، وقد تضمن هذا الصك مخططا مدروسا لإقامة الوطن القومي اليهودي الذي نص عليه تصريح بلفور وخصصت مواده الرئيسية لضمان المصالح الصهيونية والبريطانية، كما احتوى تصريح بلفور وتناقضاته نفسها:
1- فقد كان صك الانتداب تجاهلا صريحا لواقع فلسطين التاريخي والقومي، وقد أتضح من اللمحة التاريخية لهذا الكتاب بطلان ما أشارت إليه مقدمه الصك من ” تأكيد الصلة التاريخية التي تربط الشعب اليهودي بفلسطين”، واتخاذها أساسا لاعتبار فلسطين وطنا قوميا لليهود.
2- وكان صك الانتداب تجاهلا للأكثرية العربية الساحقة التي لم يأت على ذكر وضعها وحقوقها، إلا بشكل منقوص جدا وعرضي، هذا بينما كان عددها في فلسطين وقت صدور الصك يفوق 90% من مجموع السكان، واليهود دون 10% ولا تكاد ترتفع أملاكهم إلى 2% من الأراضي.
3- كان الصك خرقا لاتفاقية حسين-مكماهون التي تعهدت بريطانيا بموجبها باستقلال البلاد العربية بعد الحرب، على الرغم من الادعاء البريطاني بان فلسطين قد استثنيت من تلك الاتفاقية، وطعنا لكل التعهدات المتعددة الأخرى التي قطعتها بريطانيا والحلفاء للعرب في أثناء الحرب العالمية الأولي.
4- كذلك، كان الصك مخالفة لميثاق عصبة الأمم” بحسب ما جاء في المادة (22) الذي جعل لرغبة السكان الأصليين المقام الأول في اختيار الدول المنتدبة، فالعرب، وهم السكان الأصليون والأغلبية الساحقة، لم يختاروا بريطانيا، بل إن المنظمة الصهيونية العالمية هي التي اختارتها.
5- أما من وجهة نظر الحركة الصهيونية، فقد كان صك الانتداب تنفيذا لمطلبها المرحلي الأساسي أنذاك، وهو المصادقة الدولية على تصريح بلفور، وإنشاء الوطن القومي اليهودي بإشراف بريطانيا وحمايتها ذلك بان تصريح بلفور كان عطفا أو وعدا بريطانيا، أما صك الانتداب فقد اعتبر وثيقة ملزمة وهكذا، كان صك الانتداب وليد التآمر الاستعماري الصهيوني في إطار منظمة عصبة الأمم، تماما كما جاء قرار تقسيم فلسطين بعد ذلك بربع قرن (1947) وليد التآمر الاستعماري البريطاني والحركة الصهيونية يكملان العمل الذي بدأه الاحتلال البريطاني، ودخلت فلسطين مرحلة جديدة من الكفاح الدامي المستمر، مقاومة للتهويد ومحافظة على عروبة البلاد.