أ.د. أحمد محمد وهبان

فرضية صِدام الحضارات: قراءة في أواليات الفكر السياسي الغربي

كاتب الموضوع الأصلي: فهد صالح ابو مهيد 5

فوكوياما ونهاية التاريخ :

أدت التغيرات الكبرى في ميزان القوى الدولية في مطلع التسعينيات من القرن الماضي بدوافع موضوعية وتاريخية، والانعطافة التي أحدثتها (البيروسترويكا) التي أطلقها ميخائيل غورباتشوف في الاتحاد السوفيتي السابق، أدت دوراً كبيراً في ظهور أطروحات فكرية أصبحت مثار اهتمام التفكير الإستراتيجي الغربي، لأهميتها القصوى في عالم ما بعد الحرب الباردة و أهمها فرضية ( نهاية التاريخ) للاقتصادي فرانسيس فوكوياما التي صدرت في العام 1989م.
ولذلك، لابد من التعرض ابتداء إلى بعض من المرتكزات الحداثية في الفكر الغربي، فلقد عُرف عن الفكر السياسي الغربي منذ بيكون وديكارت اهتمامه الواضح بتطبيق معرفياته، من خلال إعادة قراءة تاريخه، قراءة قائمة على أساس الانفصال والاتصال، والنظر وإعادة النظر، والنقد ونقد النقد، لتجاوز جل أزماته الحادثة، التي أصبحت مصاديقا للغرب، فهي التي أسهمت في تأسيس مدركاته الجماعية، وهي التي حفظته من الوقوع في فخاخ (الاطلاقية) و(الأسطورية) واللاعقلانية، كما إنها هي التي جنبت التاريخ الحضاري الغربي الوصول إلى حافة الانهيار والترديوهناك من يؤكد ـ مجانبة لهذا المنظور ـ أن الربط الميكانيكي المطلق بين أجزاء الواقع الفعلي والصورة التي يعكسها الفكر عنه عملية يكاد يكون جانبا منها مضللاً والنتائج التي تترتب عنها نتائج فاسدة، ولذلك يؤكد فوكوياما على مفهوم الوعي ـ كمقدمة تسبق القرار في العالم المادي ـ اعتقاداً منه بوجود قوة مستقلة للأفكار تتعدى قوانين الواقع المادي الموضوعي، وهي في تصوره المصدر الوحيد للقوة، وأن كل حججه تستند إلى الظفر الذي تحقق لبعض الأفكار في معزل عن حركة التاريخ.
وهذا ما يجعل الواقع ـ في تصوره ـ يعكس صوراً متموجة ومتداخلة الأجزاء كالصورة التي تعكسها المرآة المهشمة.(*) وعلى سبيل المثال يقول غراهام فولر: إن تركة ما يقرب من نصف قرن من الحرب الباردة قادت الولايات المتحدة إلى وضع هدف الاستقرار فوق أي اعتبار في سياستها تجاه العالم الثالث، حيث كان يُنظر إلى عدم الاستقرار بوصفه عاملاً يلعب لصالح السوفيت آنذاك، وإن ثمن الاستقرار، هو ديمومة الحفاظ على أنظمة حكم استبدادية، وتنفيذ سياسات قمعية غير ديمقراطية باسم الحفاظ على الاستقرار.
لا أن الوضع تغير منذ نهاية الثمانينيات حيث شهد العالم من خلال ما سُمي بالنظام العالمي الجديد، الدعوة إلى تبني (الديمقراطية) كنظام سياسي (يحكم) دول العالم، وبحسب هذا الزعم عمل فوكوياما على تسقيط البدائل التاريخية عموماً، وأحل محلها نظاماً اقتصادياً اجتماعياً سياسياً ثقافياً يحاول أن يجيب عن ما ينشأ فيه من مشكلات.
بمعنى آخر أن المعادلة القديمة بين الأمن والحرية لم تعد ضرورية بالنسبة للغرب، ولا مبرر للضغط والتركيز على الضبط والتحكم، فقد حُسم الأمر لصالح الحرية ووصل التاريخ إلى نهايته. ولابد أن يبدأ التحول من الضبط والسيطرة إلى تطبيق التعددية السياسية والاقتصادية. ولم يعد مقبولاً من دول العالم الثالث أن ترجئ هذا المطلب، بسبب المشكلات والاضطرابات الأمنية الداخلية فيها، لتقلل من هامش الحرية.
لذلك يغدو التاريخ هنا مشطوراً ـ بتعبير فوكوياما ـ ومتاحاً من داخل هذا النظام وممنوعاً من خارجه، بحيث يمكن عد هذا الشطر من قبيل الحتم والضرورة. إن فوكوياما يحاول فلسفة انهيار الكتلة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة تاريخياً، وإعلان انتصار الديمقراطية والمشروع الحر بأنه نهاية التاريخ. وان سيادة الغرب الديمقراطي الليبرالي باتت نهائية ولا مجال لتغييرات جذرية عميقة في التاريخ القادم للإنسان.
إن التغييرات القادمة لن تعدو أن تكون إلا تفاصيل أو فرصة الشعوب الأخرى للاستجابة والتمثل للنموذج النهائي ـ أي النموذج الغربي ـ ولم يكن المقصود من وراء ذلك توقف الأحداث الهامة في التاريخ، بل: “لن يكون هناك أي تقدم أو تطور بعد ذلك فيما يتعلق بالمبادئ والعقائد والمؤسسات، بقدر ما تم فيه بلوغ الديمقراطية الليبرالية.

وهنا، يقع فوكوياما فيما يمكن أن يسمى “وهم النهاية” ـ بتعبير بودريارد ـ أي الخيال الذي ينسجه الإيمان، بأن التأريخ البشري يتحرك بخط مستقيم، بل يعود إلى الوراء، قاضياً بحركته هذه على بعض الملامح التي سادت المجتمع البشري في القرن العشرين.(2) حينما يشير إلى أن فكرة (نهاية التاريخ) لا تدل على نهاية الحرب الباردة فحسب، بل على نهاية التاريخ بوصفه تاريخاً، وتنبئ بالوصول إلى نقطة النهاية لخط التطور الأيديولوجي للبشرية. وهذه الفكرة ليست جديدة، فقد أعلن هيغل عن تصور مشابه لذلك على أثر معركة (ايينا) في العام 1806م. كما توسم كارل ماركس في الشيوعية على أنها( نهاية التاريخ).(3) ونلاحظ أن كليهما حاول أن يقدم صياغة نظرية لنهاية التاريخ بالاعتماد على أحداث سياسية معينة من مثل انتصار مبادئ الثورة الفرنسية، وتوسيع حق الانتخاب. وهذا التصور جعل هيغل يؤمن ويتأثر به، كما رأى ماركس أيضاً أن الرأسمالية قد وصلت إلى حالة الانفجار بفعل تناقضاتها الداخلية، خصوصاً بين نمطي الإنتاج الجماعي والملكية الفردية، وما سيؤدي إليه من انبثاق مملكة الإنسان: الشيوعية(4).
وقد أفاد فوكوياما من الرأيين فأتبع المنطق الجدلي لهيغل، لكنه، ابتعد به عن الماركسية التي استخدمت ذات المنطق ليرجح بأن العالم لن يشهد نهاية الحرب الباردة، وهو عندما يؤسس على ذلك، فانه مدرك تماماً أن معوقات التنمية كثيرة لدى دول العالم الثالث، وهذا ينسحب على أن كثيراً من دوله لن تتمثل لقيم الديمقراطية التي ينشدها الغرب، وعلى هذا الأساس فأنه يؤكد على رجحان حصول التقاطع وما يمكن تسميته بـ(الصِدام) بين الدول الرافضة من جهة، وسلوك الديمقراطيات الصناعية من جهة أخرى، وهذا بدوره سيؤدي إلى شطر التاريخ مما سيجعل من العالم الثالث عرضة لصراعات دينية وقومية وأيديولوجية ساخنة.[/size]

Leave a Comment