أ.د. أحمد محمد وهبان

في التنظيمات الإدارية في النظام السياسي الإسلامي

كاتب الموضوع الأصلي: محمد المعجل

في التنظيمات الإدارية في النظام السياسي الإسلامي

التشريع في الإسلام ـ تحليلاً وتحريماً، تصحيحاً وإبطالاً، في أفعال الناس وأقوالهم واعتقاداتهم ـ إنما هو لربِّ الناس الذي خلقهم ورزقهم، والذي يبعثهم من بعد موتهم ليحاسبهم عما قدَّموا في حياتهم الدنيا، والناس بمعزل عن التشريع، سواء كانوا جماعة أو هيئة أو حتى أمة ودولة، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة جداً، وأقوال العلماء في ذلك واضحة جداً( ).

وهناك أمور ليست من التشريع، وإنما هي من التنظيم والترتيب الذي بها ينتظم العمل ويحقق الأهداف المرجوة منه، فهذه لا حرج فيها ما دام أنها لا تخالف الشريعة في شيء( )، وهذا النوع من الترتيب والتنظيم أو التنظيم الإداري لا تستغني عنه أمة من الأمم، سواء كان ذلك في عصر التقنية المتقدمة، أو في الأعصر التي سلفت.

لكن هذه التنظيمات والترتيبات الإدارية قد لا يظهر الاحتياج إليها دفعة واحدة، بل قد يظهر في زمن دون زمن؛ ارتباطاً بكثير من العوامل التي تؤثر في ذلك إيجاداً وعدماً، ولذلك فإن النظام السياسي الإسلامي لم يعتن بإيجاد تلك التنظيمات قبل الحاجة إليها، في الوقت الذي يعمل على إيجادها كلما حدث ما يستوجب وجودها، وهذه التنظيمات الإدارية أو المرافق يدل عليها الشرع؛ إما بالدلالة المباشرة عليها، وإما بالدلالة على أصل ترجع إليه، وإما بالبراءة الأصلية التي تقتضي أن الأصل في المنافع الإباحة إلا ما منع منه الدليل، فمثلاً قد تكون الدولة صغيرة، كدولة المدينة المنورة في أول أمرها، ثم تتسع الدولة وتكبر بالفتح، فتحتاج حينئذ أن تُقسَّم إلى وحدات إدارية ليسهل ضبطها وإدارتها، ويستتبع هذا التقسيم وجود ولاة وقضاة وأئمة وشرطة لكل قسم من الأقسام، ويحتاج ذلك إلى تنظيم وترتيب لم تكن إليه حاجة من قبل التقسيم.

وكذلك أمور الجيش، فالجيش قديماً كان لكل مقاتل فيه سلاحه الخاص به، وكان مقدوراً على إحضار السلاح وصناعته بمجهود يسير، ومع التطور المذهل في أنواع الأسلحة وتقنيتها والاحتياج إلى التدريب عليها قبل استعمالها، إضافة إلى استحالة قدرة الأفراد على صناعتها أو حتى شرائها، ثم الاحتياج إلى صيانتها وتحديثها، يصبح وجود جيش ثابت منظم ومدرب من الأمور التي لا غنى عنها للقيام بفريضة الجهاد طلباً ودفعاً، ومع وجود الجيش الثابت تظهر الحاجة إلى التنظيم؛ كتقسيم الجيش إلى وحدات أو أفرع، كل فرع له سلاح يستخدمه، ثم وجود هيئة مسؤولة عن التدريب وأخرى عن الصيانة،وقس على ذلك أموراً كثيرة.

فهذه أمور لم ينظِّم الإسلام الجانب الإداري منها المتعلق بالخبرة البشرية وبتطورات الحياة وتقدُّم الإنسانية في معارفها؛ لأن هذا الجانب هو بطبيعته متغير متطور بتطور البشرية، وإنما بيَّن الشرع ما يتعلق بذلك من الحلال والحرام والصحيح والباطل، وأطلق في كيفيات التحقيق والتنظيم والترتيب وإنشاء المرافق المتخصصة التي تخدم تلك المجالات مع الالتزام بأحكام الشريعة وقواعدها ومقاصدها، وهذا لا شك أنه من طبيعة الدين الصالح لكل زمان ومكان، المُصلح لكل زمان ومكان؛ أن لا يُلزمهم بكيفيات تنفيذية يرتبط صلاحها أصلاً بالبيئة التي يُطَّبق فيها، وإذا كانت الشريعة قد أطلقت الكيفيات في مثل تلك الأمور؛ فإن وضع كيفية لذلك ومحاولة جعلها كيفية عامة غير مرتبطة بالزمان والمكان؛ هو أمر مخالف للإطلاق الذي جاءت به الشريعة وقامت عليه تلك الكيفية، وذلك أن غالب الكيفيات إنما هي نتيجة اجتهاد قائم على تحقيق المصلحة في زمان محدَّد ومكان محدَّد، فلا يمكن عدُّه اجتهاداً ملزماً لجميع الأعصار والأمصار، ولكن هذا لا يمنع من وضع نظام يكون محقِّقاً للمصلحة؛ على أن يرتبط دوام ذلك النظام بتحقيق المصلحة، فإذا تغيرت الظروف أو الأحوال التي بني عليها ذلك الاجتهاد؛ أمكن تغيير تلك التنظيمات أو الكيفيات إلى أخرى جديدة تحقق المصلحة نفسها، ونؤكد في هذا الخصوص أن هذا تغيير في الكيفيات والتنظيمات المبنية على تحقيق المصلحة، وليس تغييراً في الأحكام الشرعية، فإن الحكم الشرعي ثابت لا يتغير( )، وإنما الذي يتغير في هذه الحالة هو الطريق إلى تحقيقه في الواقع، يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «والله ـ تعالى ـ لم يحصر طرق العدل وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدلُّ وأظهر، بل بيّن بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وقيام الناس بالقسط؛ وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقصد»( ).

ضوابط التنظيم الإداري أو كيفيات التنفيذ:

كيفيات التنفيذ أو تنظيم العمل لا تجري هكذا مطلقاً من القيود، بل نحن هنا أمام أحكام شرعية ثابتة يجب أن تكون حاكمة وحاصرة لكيفيات التنفيذ، وهناك ضوابط شرعية لا بد من مراعاتها في اعتماد الكيفيات أو التنظيمات، وهي:

1 ـ أن تكون محقِّقة للمقصود الذي من أجله وُضعت.

2 ـ أن لا تخالف قاعدة من القواعد الشرعية أو مقصداً من مقاصد الشريعة.

3 ـ أن لا تخالف دليلاً من أدلة الشرع التفصيلية.

4 ـ أن لا يترتب عليها مفسدة تربو على المصلحة التي تحققها( ).

القسم الأول
مـن أحـكام الخـلافـة وما يتعلق بها

المبحث الأول: من أحكام الخلافة:

1 ـ تعريف الخلافة وأهميتها:
الخلافة هي أهم مؤسسة في النظام السياسي الإسلامي، فكل المؤسسات الأخرى أو الهيئات فيه تابعة لها، وقد بلغ من أهميتها أن النظام السياسي الإسلامي نفسه سُمِّي بها، فنقول: النظام السياسي الإسلامي، أو نقول اختصاراً الخلافة، وهذا الاسم قد جاء به النص الشرعي، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «تكون النبوّة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً ..» الحديث( ). وقال صلى الله عليه وسلم : «خلافة النبوّة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك، أو ملكه، من يشاء»( ).فقد سمَّى الرسول صلى الله عليه وسلم النظام السياسي الذي قام بعده باسم «الخلافة».
والخلافة نظام سياسي تتحقق فيه أحكام كثيرة، أبرزها:
1 ـ أن يكون القائم عليه (الخليفة) مستوفياً للشروط الشرعية فيمن يسند إليه.
2 ـ أن يُسند إليه ذلك المنصب بطريقة شرعية (كما سنذكر لاحقاً).
3 ـ أن يقيم الشريعة بين الرعية، ويحرس الدين من الزيادة فيه أو النقص منه.
4 ـ أن يقوم بسياسة دنيا المسلمين وتحقيق مصالحهم ملتزماً في ذلك بأحكام الشريعة.
وقد عرف أهل العلم هذا المنصب الجليل، فقال الماوردي: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا»( )، وقال إمام الحرمين: «الإمامة: رياسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا»( ).«وكلام سائر علماء العقائد والفقهاء من جميع مذاهب أهل السنّة لا يخرج عن هذا المعنى»( ). ومن هذه التعاريف يتبين أن الخلافة تجمع بين الدين وسياسة الدنيا، ولا تفصل بينهما كما هو الحال في الأنظمة الديمقراطية المعاصرة، وعقد الخلافة لمن يقوم بها في الأمة ممن استوفى شروطها واجب بالإجماع( ).
وقد ذكر أهل العلم الشروط التي ينبغي أن تتوافر في الخليفة، وهي ـ كما ذكرها الماوردي ـ: «الشروط المعتبرة فيهم سبعة: أحدها: العدالة على شروطها الجامعة، والثانية: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، والثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها، والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض، والخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، والسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو، والسابع: النسب، وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه»( )، وهي شروط متفق عليها في الجملة بين أهل العلم، وإن كان بعضهم يُعبِّر بألفاظ مختلفة لكنها تحمل المضمون المتقدم نفسه( )، وهذه الشروط المتقدمة إنما هي شرط استحقاق المنصب، وأما تولي المنصب فيضاف له شرط آخر، وهو الموافقة عليه واختياره من أهل الاختيار( ).

2 ـ ألقاب القائم على رأس النظام ودلالتها:
يُلقَّب القائم على رأس النظام السياسي في الإسلام بعدة ألقاب؛ منها «الخليفة»، «الإمام»، «الأمير»، وقد جاءت النصوص الشرعية بكل ذلك( ).

دلالات الألقاب:
لقد اختار الإسلام لرأس النظام السياسي ألقاباً تعبر عن توجهات النظام، وتكشف عن حقيقته وأهدافه، فلفظ «الخليفة» يعني أنه ليس ملكاً مطلق المشيئة والإرادة في إدارة الدولة كيف شاء أو أنه يُخلد في منصبه، أو أنه ورثه وراثة، بل هو خليفة خلف من سبقه في قيادة الأمة كما سيخلفه من يأتي بعده، كما يعني أنه يعمل فيما استخلف فيه وفق الغاية والمقصد من نصبه واستخلافه، واللفظ بعد ذلك يشع منه التواضع ولين الجانب وترك التكبر والتعالي على الناس. ولفظ «الإمام» يعني القيادة والقدرة، كما يعني المبادرة، فالإمام قدوة لغيره في العمل بالشريعة والتمسك بها والدعوة إليها، والإمام قائد، فإن الناس تؤمّه وتقصده وهي له متابعة، كما أن الإمام يبادر ويتقدم على غيره فيكون أولهم ولا يكون آخرهم؛ لأن حق الإمام التقدُّم وليس التأخر، والإمامة تعني أن السلطة والقيادة ليست مقسَّمة بينه وبين آخرين بحيث يُستقل بها عنه، ســواءً كانوا أفـراداً أو جماعات أو هيئات، واللفظ يشع منه بعد ذلك معاني الهيبة والجلال والتوقير. ولفظ «الأمير» يُبرز الجانب الوظيفي في العمل، فهو أمير يأمر وينهى ويُلزم، وعلى الرعية الطاعة والموافقة في الإطار المشروع.
وهكذا فإن الألفاظ الثلاثة تتعاون وتتآزر فيما بينها لتعطي الصورة الكاملة لهذا المنصب العالي والمكانة الجليلة للقائم على رأس النظام السياسي. فكلمة الإمام تُبرز وتوضح حصر القيادة العليا للأمة كلها في الإمام، بينما كلمة الخليفة تُبرز بقوة جانب الاتباع للشريعة في إدارة شؤون الأمة، وكلمة الأمير تُبرز الجد والحزم والهمة في مباشرة الأمور، وهكذا تتعاون هذه الألفاظ لتبين أن منصب رئاسة النظام السياسي في الإسلام منصب كبير، تجتمع فيه القيادة العليا للأمة مع الهيبة والجلال والاحترام والوقار المصحوب بالجد والحزم، وهي قيادة ليست مطلقة بمقتضى نظر الخليفة المجرد مما يظهر له أنه يحقق المصلحة، بل هو مقيد في ذلك باتباع الشرع؛ يدور معه حيث دار، كما أن الهيبة والحزم ليست مع الرعب والفزع ولكن مع التواضع ولين الجانب.

3 ـ نشأة الخلافة:
الخلافة لم تنشأ في الإسلام نتيجة لعقد اجتماعي بين أفراد الشعب؛ يعبِّر عن الإرادة الشعبية في إقامة سلطة تحكم المجتمع وتحقق مصالحه( )، وإنما نشأت الخلافة نشأة شرعية تستمد سلطانها وأحكامها من الشريعة التي أنشأتها، والدليل على ذلك أمور، منها:
الأول: الأدلة الكثيرة التي تتحدث عن الخليفة والخلافة وحقوقه وواجباته، والتي سقنا بعضاً منها في هذا البحث، ما يبين أن الشرع هو الذي أنشأ الخلافة وأعطاها مصطلحاتها الخاصة بها، وبين حقوقها والتزاماتها.
الثاني: أن المسلمين لم يسبق لهم عهد بهذا النوع من الحكومات، كما أنه لم يكن موجوداً في حواضر المدنيات المعاصرة كفارس والروم حتى يُقال قلَّدوا غيرهم في ذلك، فإذا لم يكـن عند المسلمين ســابقة في ذلك لا مـن داخلهم ولا من خارجهم؛ فما بقي إلا أن يكونوا أخذوا ذلك من دينهم.
الثالث: مبادرة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم، وهم أعلم الأمة بدين ربها وأفقههم فيه، إلى اختيار من يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيادة الأمة بعد وفاته، حتى إنهم قاموا بذلك والرسول صلى الله عليه وسلم بعدُ لم يدفن، وهذا دليل على أن ضرورة إقامة الخلافة كانت أمراً معلوماً سابقاً لم يحتج منهم إلى تفكير ودراسة وتشاور. والحوار في سقيفة بني ساعدة بين الصحابة غداة اجتمعوا هناك لم يكن حول أصل الموضوع، وإنما كان حول: مَنْ أحق الناس بهذا المنصب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ولم يُؤْثر عن واحد منهم كلمة في مناقشة أصل الموضوع؛ مما يعني أن ذلك كان عندهم معلوماً.
الرابع: أن العباس ـ رضي الله عنه ـ عمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ طلب من علي بن أبي طالب أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وهو في مرض الموت بأبي هو وأمي ـ: فيمن يكون الأمر ـ الخلافة ـ بعد وفاته؟( ) وهذا وأمثاله يبين أن ضرورة قيام الخلافة كان معلوماً فاشياً بين الصحابة، ومن الذي يكون أعلمهم بذلك غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!
ويتبين مما تقدم أن الخلافة نشأت مباشرة عقب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدون انقطاع، وأن الشرع هو الذي أنشأها بالدلالة عليها والأمر بها، ولم يُقمها الناس من تلقاء أنفسهم لجلب المصالح ودرء المفاسد.

4 ـ طرق إسناد الخلافة لمن يستحقها:
الشخص الصالح لتولي الخلافة هو من تتوافر فيه شروط الصلاح لذلك ـ كما أسلفنا ـ، ولا بد من التأكد من توفر هذه الشروط قبل إسناد الخلافة إليه، فتحقق الشروط مناط استحقاق الخلافة، وعملية التأكد من توفر هذه الشروط في الشخص تُسمَّى تحقيق المناط، وعلى ذلك فدَوْر أهل الاختيار الذين يختارون الخليفة هو تحقيق المناط في الشخص، وإذا وجد أكثر من شخص تتحقق فيه تلك الشروط فتكون هنا المفاضلة بينهم على أساس مَنْ منهم تتحقق فيه الشروط بصورة أكثر من الآخرين، ويكون في الوقت نفسه أكثر مناسبة من غيره لظروف العصر، وبالتالي تُعقد له البيعة ويولى أمر الخلافة، وعلى ذلك فتحقيق المناط يُتطلب فيه أمران:
الأول: النظر في الشروط التي ينبغي توافرها فيمن يراد جعله خليفة، وهذه مرجعها إلى الشرع؛ إذ هو الذي يحددها.
الثاني: النظر في وجود هذه الشروط وتحققها في آحاد الناس، وهذه تُعلم من المعرفة بالشخص وأحواله، فذلك نوع من الاجتهاد في التحقق من وجود المناط في آحاد الأشخاص( ). ومن البيّن أن طرق الكشف عن وجود المناط في آحاد الأشخاص قد تتعدد وتتباين وتكون كلها صالحة محققة للمقصود، ولا يمكن لأحد أن يدَّعي أنه لا يوجد إلا طريق واحد لتحقيق المناط، فإن تحقيق المناط تؤثر فيه عوامل كثيرة، منها طبيعة المناط نفسه من حيث الوضوح أو الخفاء، ومنها طبيعة الباحث نفسه من حيث العلم والخبرة، ومنها طبيعة الظروف المحيطة بالموضوع، لهذا كله فقد يختلف تحقيق المناط من بيئة إلى بيئة ثانية، ومن زمن إلى زمن آخر، بل قد يختلف في الزمن الواحد باختلاف الظروف المحيطة، من غير أن يؤثر ذلك على الحكم الأصلي؛ لأن الذي يتغير هو جهد الإنسان في الكشف عن المناط، أما وجود المناط نفسه فلا بد من تحققه في جميع الحالات، وهذا يفسر تعدد طرق التولية التي حدثت في فترة الخلافة الراشدة.

وقد عرف التاريخ السياسي للخلافة الراشدة عدة طرق في اختيار الخلفاء الراشدين، وهي:
أ ـ الاختيار بواسطة أهل الاختيار (الحل والعقد): وهو أن يختار أهل الاختيار رجلاً ممن تتوفر فيه الشروط المطلوبة، وذلك بعد البحث وتقليب الآراء، ثم الاتفاق بعد التشاور فيما بينهم على الشخص المناسب ومن ثم مبايعته، ولا يضر ما يحدث من نقاش واختلاف في هذه الحالة في أول الأمر فذلك شيء لا بد منه، وإنما العبرة بالنهاية حتى يتفق أهل الاختيار، وقد حدث هذا في تولية أبي بكر رضي الله عنه، حيث اجتمع كبار الصحابة منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد بن عبادة، وبعد محاورات تخللتها بعض التباينات في وجهة النظر وقع الاتفاق على أبي بكر الصدِّيق ـ رضي الله عنه ـ وتمت بيعته، وهو والله حقيق بها، وكذلك كان الأمر في بيعة علي رضي الله عنه( ).
ب ـ الاستخلاف: وهو أن يحدد الخليفة العدل إذا حضرته مقدمات الوفاة شخصاً بعده للخلافة ممن تتوافر فيه شروطها، وممن يسرع الناس إلى قبوله وبيعته، وذلك بعد أن يستشير أهل الحل والعقد فيما رأى من ذلك، كما حدث ذلك في تولية عمر رضي الله عنه، حيث اختاره أبو بكر الصديق، وعمر هو عمر.. فضائله معروفة مشهورة، وهو أفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد أبي بكر، تتوفر فيه شروط الصلاح لمنصب الخليفة على أعلى درجاتها، ومع ذلك فإن أبا بكر – رضي الله عنه- لم يولِّه بمجرد ذلك، بل شاور في ذلك كبار الصحابة، واستمع لرأيهم، وقد أقر كل من استشارهم أبو بكر بفضل عمر – رضي الله عنه – وصلاحه لذلك، غير أن بعضهم أشار إلى ما في عمر من غلظة، وقد بيّن لهم أبو بكر – رضي الله عنه – أن عمر هو أفضل المسلمين الموجودين على الإطلاق، وأن شدته ستخفّ كثيراً بعد أن يصير الأمر إليه (وقد كان)، وعلى ذلك تمت البيعة لعمر رضي الله عنه ( ).
ج ـ أن يجعل الخليفة الأمر بين جماعة ممن يستحقونها: وهو أن يحدِّد الخليفة العدل إذا حضرته مقدمات الوفاة عدداً من الأشخاص الذين تتوفر فيهم صفات الخليفة وممن لهم مكانة ومنزلة عند الناس؛ بحيث يسرعون إلى الموافقة على أيٍّ منهم ومبايعته، على أن يختاروا من بينهم واحداً للخلافة، كما فعل عمر ـ رضي الله عنه ـ حين حضرته مقدمات الوفاة، حيث جعل الأمر في ستة أشخاص هم: عثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وهم الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض. وقد كان طلحة إذ ذاك غائباً، وعرض عليهم عبد الرحمن أن يخرج منها ويختار لهم منهم واحداً فرضوا، وقد اجتهد عبد الرحمن في ذلك، وأخذ يستشير في ذلك المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار وأمراء الأجناد، حتى يقول عبد الرحمن في ذلك: «إني قد نظرت في أمر الناس؛ فلم أرهم يعدلون بعثمان»، وحينئذ بايع عبد الرحمن عثمان بالخلافة، وبايعه المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون( )، قال النووي – رحمه الله -: «إن المسلمين أجمعوا على أن الخليفة إذا حضرته مقدمات الموت ـ وقبل ذلك ـ يجوز له الاستخلاف ويجوز له تركه، فإن تركه فقد اقتدى بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وإلا فقد اقتدى بأبي بكر، وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان إذا لم يستخلف الخليفة، وأجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين جماعة، كما فعل عمر بالستة، وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة»( ).

ففيما تقدم من الطرق السابقة نجد قاسماً مشتركاً بينها جميعاً، يتمثل في أمرين:
الأول: توافر شروط استحقاق الخلافة في الشخص المختار لذلك.
الثاني: موافقة أهل الاختيار (الحل والعقد) عليه.
وعلى ذلك فكل طريقة للاختيار يتحقق فيها هذان الأمران ـ من غير مخالفات شرعية ـ فهي طريق مقبول شرعاً، وليس يتحتم الأخذ بكل التفاصيل الواردة في الطرق السابقة دون غيرها مما يحقق الأمرين المشار إليهما، فقد كان يكفي في عصر الصحابة – رضي الله عنهم – مثلاً أن يدور عبد الرحمن بن عوف بنفسه على المهاجرين وأصحاب الفضل والسابقة في الإسلام من الأنصار وأمراء الأجناد؛ ليتعرف آراءهم فيمن يختارون ويقدمون، ويرون أنه أحق بالخلافة، لكن هذه الطريقة العملية التي اتبعها عبد الرحمن بن عـوف – رضـي الله عنه – وإن كانت محققة للمقصود في زمنه فليست واجبة وجوباً عاماً تشمل عموم الزمان والمكان؛ لأنه لم يأت نص يُلزم بها، وإن كانت اجتهاداً موفقاً ومسدداً من الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ في زمنه.

Leave a Comment