النظام السياسي
كاتب الموضوع الأصلي: محمد المعجل
تعريف النظام السياسي
يُعرَّف النظام السياسي إما باعتباره لقباً، وإما باعتبار الألفاظ المكوَّن منها.
تعريفه باعتبار ألفاظه:
السياسة (لغة) القيام على الشيء بما يصلحه، وسست الرعية سياسة: أمرتها ونهيتها، وسُوِّس الرجل: إذا مُلِّك أمرهم، والسُّوس: الرياسة، يقال: ساسوهم سوساً، وإذا رأَّسوه قيل: سوَّسوه وأساسوه، والسياسة فعل السائس، يقال: هو يسوس الدواب: إذا قام عليها وراضها، والوالي يسوس رعيته( ).
والسياسة بهذا البيان لفظة عربية أصيلة( )، والسياسة لغة لا تنحصر فيما يتعلق بالدولة وأمور الحكم، وإنما هي القيام على الشيء ـ بما يحمله لفظ الشيء من العموم والشمول ـ بما يصلحه فيجلب له المنافع أو الأمور الملائمة، ويدفع عنه المضار أو الأمور المنافية، ويتحدد لفظ السياسة بما يضاف إليه، فإذا أضفنا السياسة إلى الرعيَّة كان معنى ذلك القيام على شؤون الرعيَّة ـ من قِبَل ولاتها ـ بما يُصلح تلك الشؤون، ووسيلة ذلك الأمر والنهي والإرشاد، إضافة إلى الترتيبات الإدارية والنظامية التي تؤدي إلى تحقيق مصالح الرعية وجلب المنافع لهم ودفع المضار عنهم، يقول ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن «العلم بالسياسة»: «علم بما يدفع المضرة عن الدنيا ويجلب منفعتها»( ).
والسياسة نوعان: سياسة عقلية؛ يكون تدبير مصالح الرعية فيها موكولاً إلى العقل البشري، وتُسمّى أيضاً سياسة مدنية. وسياسة شـــرعية؛ يكون تدبير مصالح العباد فيها بمقتضــى النصوص الشــرعية، وبما دلت عليه أو أرشدت إليه، أو استنبطه العقل البشري مما يحقق مقاصد الشريعة( ).
وقد استخدم الفقهاء لفظ «السياسة» في مصنفاتهم وأرادوا منها عدة معان:
1 ـ الأحكام الشرعية المتعلقة بأداء الأمانات في الولايات والأموال، والحكم بالعدل في حدود الله وحقوقه، وفي حقوق الآدميين( ).
2 ـ ما يسنّه ولاة الأمر مجتهدين فيه ـ من الأمور التي تكون الرعيَّة معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يرد بذلك نص ما دام أنه يحقق المقاصد الشرعية، ولا يخالف أدلة الشرع التفصيلية( )، وهو ما يعني العمل بالمصالح المرسلة.
3 ـ التعزيز والزجر والتأديب( ).
ونخلص من كل ما تقدم إلى أن السياسة كلمة يدخل تحتها ـ في اصطلاح علماء الإسلام ـ مجموعة من الأحكام الشرعية، سواء منها ما يثبت بدليل خاص أو باجتهاد، يؤدي العمل بها إلى جلب الخير والصلاح لجماعة المسلمين وإلى دفع الشر والفساد عنهم، ولم تكن تعني الاقتصار على الأحكام المتعلقة بالدولة الإسلامية؛ من حيث شكل الدولة أو نوعها أو طبيعة السلطة فيها ومصدرها وكيفية ثبوتها وانتقالها، وشروط القائمين على رأس الدولة والجهة التي لها حق تعيينهم أو عزلهم، والحقوق والواجبات المتبادلة بين الحكام والمحكومين، وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالدولة.
لكنه حدث في العصر الحديث نوع من التخصيص لمدلول لفظ «السياسة»، ولم يعد يُفهم منه اصطلاحاً ما قدمناه سابقاً، وإنما صار يُفهم منه ما يتعلق بحكم الدول، وقد وردت عدة تعريفات للسياسة في الاصطلاح المعاصر؛ منها: «السياسة: معرفة كل ما يتعلق بفن حكم دولة وإدارة علاقاتها الخارجية»( ).
«السياسة: علم الدولة..، وتشمل دراسة نظام الدولة، وقانونها الأساسي، ونظام الحكم فيها، ونظامها التشريعي .. كما تشمل هذه الدراسة النظام الداخلي في الدولة، والأساليب التي تستخدمها التنظيمات الداخلية ـ كالأحزاب السياسية ـ في إدارة شؤون البلاد أو للوصول إلى مقاعد الحكم»( ).
وهناك اختلاف في تعريف السياسة في الاصطلاح المعاصر، حتى إنه ليصعب صياغة تعريف واحد يوافق عليه الجميع، إلا «أن هناك قدراً متيقناً متفقاً عليه لتحديد مدلول السياسة، ألا وهو أنها تتعلق بالسلطة في الدولة»( ).
تعريف النظام:
النظام لغة: الخيط الذي يُنظم به اللؤلؤ، وكل خيط يُنظم به لؤلؤ أو غيره فهو نظام، ونظام كل أمر ملاكه، والنَّظْم: نظمك الخرز بعضه إلى بعض في نظام واحد، كذلك هو في كل شيء حتى يقال: ليس لأمره نظام؛ أي لا تستقيم طريقته، وكل شيء قرنته بآخر أو ضممت بعضه إلى بعض فقد نظمته، والنظام: العقد من الجوهر والخـرز ونحــــوهما، والنظام: الهدي والســيرة، وليس لأمرهم نظام؛ أي ليس لهم هـــدي ولا متعلــق ولا استقامة، وما زال على نظام واحد؛ أي عادة( ).
يتبين بما تقدم أن لفظ «النظام» يُطلق لغة على الأشياء المضموم بعضها إلى بعض، كما يطلق على الشيء الجامع لتلك الأشياء؛ على أن يراعى في ذلك الضم: الترابط الذي ليس فيه تنافر، والاستقامة التي لا يصحبها عوج، والاطراد الذي لا يعتريه خُلْف، وبذلك يمكننا القول بأن النظام: هو مجموع الأشياء المترابطة المتناسقة المتآلفة التي يكون لها ثبات واطراد.
فإذا أردنا تعريف النظام السياسي بالنظر إلى لفظه؛ قلنا: هو مجموعة الخطوات أو الإجراءات المتناسقة التي يتم من خلالها تدبير الأمور وتسييرها بطريقة صالحة. وإذا أردنا تعريفه بالنظر إلى أنه لقب على كيفية حكم الدولة؛ قلنا: هو مجموعة الأحكام وما ينتج عنها من هيئات أو مؤسسات وتنظيمات متعلقة بالدولة الإسلامية من حيث إقامة الدولة وإدارتها والمحافظة عليها وتحقيق غايتها( ).
فيدخل في إقامة الدولة الأحكام المتعلقة بنَصْب الخليفة؛ من حيث حكم توليته وشروطه وواجباته وحقوقه وكيفية اختياره، وصفات من يختاره، وكيفية انتقال السلطة وموجبات ذلك، وحدود صلاحياته.
كما يدخل في إدارتها: الأحكام المتعلقة بالسلطة؛ من حيث أنواعها، ومصدرها،والقيود التي ترد عليها، وأحكام الوزارة و الولايات وتقسيم البلدان، وإنشاء المرافق العامة، وأحكام الشورى، وصفات من يتولون المناصب العامة، ويدخل في ذلك الحديث عن وضع أهل الذمة في النظام السياسي، وكذلك وضع المرأة.
كما يدخل في المحافظة عليها وتحقيق غايتها الأحكام المتعلقة بالعمران والتنمية، وحقوق الرعية وواجباتها، كما يدخل في ذلك الأحكام المتعلقة بأمن المجتمع؛ من حيث الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصب القضاة وإقامة الحدود، والرقابة والمتابعة (الحسبة)، كما يدخل في ذلك أحكام العلاقات الخارجية، وكل ذلك يتضافر معاً ليكون وحدة واحدة هي النظام السياسي الإسلامي.
وهذا التقسيم الذي أوردته إنما هو تقسيم اجتهادي، وإلا فقد يدخل شيء مما ذكرته في موضع ما، تحت موضع آخر، أو يدخل في أكثر من موضع لارتباطه وتشعبه، ويدخل تحت ما تقدم جزئيات وفرعيات كثيرة تمثِّل في مجموعها أحكام النظام السياسي في الإسلام، وهذه الأحكام وما تعلق بها من تنظيمات أو هيئات مبثوثة في الكتب الشرعية، سواء منها ما يقتصر على الأحكام الخاصة بالنظام السياسي والتي عُرفت باسم «الأحكام السلطانية»( )، أو ما يتعرض للأحكام الشرعية كلها؛ مثل كتب الفقه والتفسير وشروح الحديث النبوي الشريف، وهناك طائفة كبيرة من هذه الأحكام في الكتب التي تقدم وصايا خُلقية أو إدارية للوزراء والأمراء، وكذلك كتب الخراج.