قضية حزب الله بمصر.. جنائية أم سياسيَّة؟
كاتب الموضوع الأصلي: يزيد الدريهم 1,3,4
قضية حزب الله بمصر.. جنائية أم سياسيَّة؟
رَغْم إسدال الستار على قضية خلية حزب الله في مصر، والتي حكم فيها بأحكام وصلت للمؤبد بدعوى التخطيط لأعمال “إرهابية”، إلا أن أصداءها لا زالت قائمة بسبب تباين الآراء بين الحكومة المصرية التي تعتبرها جنائية بحتة، فيما يصفها حزب الله بلبنان بأنها سياسية وتأتي ردًّا على دور الحزب في مساعدة المقاومة بغزة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلية.
ترجع أحداث القضية إلى يوليو 2009 حين أمرت نيابة أمن الدولة العليا بإحالة 26 متهمًا في قضية “خلية حزب الله” إلى محكمة جنايات أمن دولة عليا طوارئ، ونسبت النيابة إلى المتهمين تهمة التخابر مع “حزب الله” خلال الفترة من عام 2005 وحتى 2008 والاتفاق مع القياديين بالحزب محمد قبلان ومحمد يوسف منصور على تنفيذ أعمال “إرهابية” ضد السفن والبوارج العابرة بقناة السويس والسائحين الأجانب والمنشآت السياحية.
وقالت النيابة: إن المتهمين قاموا بإمداد قياديي حزب الله قبلان ومنصور بمعلومات تتعلق بإجراءات تأمين عبور السفن والبوارج بالقناة، ومواعيد تردد سفن نقل الركاب والحاويات على ميناء بورسعيد، وأماكن الخدمات الأمنية الثابتة والمتحركة على طريق المرشدين الموازي لقناة السويس، كما أمدوهما بمعلومات عن الأوضاع الأمنية والسكانية ببعض المدن والمناطق بمحافظتي جنوب سيناء وشمال سيناء، ورصد الطرق الرئيسية والفرعية بها، وأماكن تردد السائحين الأجانب بمدينة نويبع.
مفاجآت خطيرة
مع استمرار القضية واشتعال الأمر، خاصةً بعد الاتهامات التي طالت النظام المصري بالقيام بدور سلبي خلال العدوان الصهيوني الإجرامي على غزة -ديسمبر 2008 لـ يناير 2009- انقسم الجمهور العربي بين متعاطف مع ما أعلنه حزب الله بأن عناصره تعمل على مساعدة المقاومة، وبين من صدّق النظام المصري بأن الحزب يسعى لنشر التشيع في مصر عن طريق استغلال موجة التعاطف التي لاقاها الحزب بعد حرب يوليو، وأيضًا الحرب على غزة وموقفه منها، ثم الموقف المصري الرسمي السلبي منها.
في الأثناء، كشف مجلس الشورى المصري عن معلومات تفيد بقيام قيادات تنظيم حزب الله بلبنان بدفع كل من اللبناني القيادي محمد قبلان ومعاونه اللبناني محمد يوسف أحمد منصور عضوَيْ ما يسمى بوحدة الطوق، وهي إحدى وحدات الحزب المعنية بالعمل بدول الطوق، وهي مصر وسوريا والأردن ولبنان، لتنفيذ توجيهات التنظيم بتلك الدول حيث أعدا لذلك برنامجًا حركيًّا وتنظيميًّا اعتمد على السعي لاستقطاب عناصر على الساحة المصرية، وتلقينهم بمعتقدات الحزب وتدريبهم تدريبات أولية بالبلاد وتسفيرهم عقب ذلك إلى دولة لبنان؛ لتلقي تدريبات عسكرية بمعسكرات حزب الله هناك، تمهيدًا لتنفيذ عمليات عدائية بالداخل.
وبحسب لائحة الاتهام، فقد اعتمد التنظيم أيضًا على الامتداد بعمليات الاستقطاب إلى بعض المحافظات مع تلقين العناصر التي تم استقطابها بالإجراءات الأمنية خلال لقاءاتهم واتصالاتهم بهم لعمل الآتي:
– تأسيس عدة مشروعات تجارية بأسماء العناصر المستقطبة لاتخاذها ساترًا لتنفيذ المهام المكلفين بها من جانب التنظيم.
– إعداد حصر ديموغرافي ورفع لمدن وقرى منطقة سيناء “الشوارع الرئيسية ـ المستشفيات ـ المدارس ـ المنشآت العسكرية والشرطية ـ المنشآت السياحية ـ المرافق الحيوية ـ النقاط الأمنية بالطرق وإرسال النتائج إلى قيادة التنظيم بلبنان عبر الإنترنت عقب تشفير تلك المعلومات”.
– استقدام خبراء في إعداد وتصنيع العبوات المتفجرة من قيادة الحزب بلبنان، وإعداد كميات من العبوات والأحزمة الناسفة والاحتفاظ بها لدى عناصر بسيناء لاستخدامها للقيام ببعض العمليات العدائية.
– رصد وتحديد الأفواج السياحية المترددة على منطقة جنوب سيناء وأماكن إقامتهم تمهيدًا لاستهدافهم بعمل عدائي.
– استئجار أحد العقارات المطلة على المجرى الملاحي لقناة السويس لاستغلالها في رصد البوارج والسفن التي تعبر القناة تمهيدًا لاستهدافها.
– تهريب الأسلحة والمتفجرات والصواريخ للبلاد عبر الحدود الجنوبية مع السودان، كما سعوا –بحسب لائحة الاتهام- إلى شراء مركب صيد واستخراج بطاقة استيرادية لاستغلاله في جلب الأسلحة والذخائر من اليمن والسودان والصومال وتهريبها للبلاد.
وقال مجلس الشورى: إن التنظيم استغلَّ رغبة أحد العناصر التي تم استقطابها في العمل بقناة المنار الفضائية التابعة لحزب الله، واستغلال درايته باللغة العبرية وتكليفه بالتواصل عبر شبكة المعلومات الدولية الإنترنت مع عناصر داخل إسرائيل، لجمع المعلومات عن الحركة السياحية المترددة على البلاد.
وأضاف: إن التنظيم ارتبط ببعض العناصر الجنائية المتخصصة في التزوير وتكليفهم بتزوير بعض جوازات السفر وأوراق تحقيق الشخصية لبعض عناصر التنظيم؛ تمهيدًا لتسفيرهم لتلقي دورات عسكرية بالخارج وإعادة دفعهم للبلاد للقيام بعمليات عدائية، كذا استخدام الأوراق المزوَّرة في استئجار الشقق والسيارات اللازمة لتحرك عناصر التنظيم.
ومع استمرار التحقيقات اعترف خمسة متهمين أمام جهات التحقيق بوجود علاقة بقيادات حزب الله اللبناني، وأنهم كانوا على اتصال بهم بشكل دائم في إطار مساعدة القضية الفلسطينية.
كما اعترفوا بإمداد زعيم التنظيم بالمعلومات والبيانات عن الأماكن الحدودية بين مصر وفلسطين، بينما أنكروا أنهم يقومون بالتخطيط لارتكاب عمليات إرهابية داخل مصر، وأن دورهم كان مقصورًا على جمع المعلومات عن الأماكن الحدودية مع فلسطين، وتوفير مأوى لأعضاء التنظيم بالقرب من رفح، ولا يعلمون بوجود أسلحة أو ذخائر.
وقالت مصادر مصرية: إنه عقب تكليف حسن نصر الله وجهاز مخابراته للمتهمين محمد قبلان ومحمد يوسف منصور “سامي شهاب” بالسفر إلى مصر بتأشيرة سياحية وبجواز سفر مزوَّر تم تجنيد مجموعة من الفلسطينيين، منهم نمر فهمي الطويل ونصار أبو عزير، وناصر أبو عمرة، وناصر محمد خليل، وتم اختيارهم من اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان، وتم تدريبهم على بعض العمليات، ثم الدفع بهم إلى مصر بجوازات سفر مزوَّرة وبتأشيرة لبنانية سياحية.
تعذيب وأحكام
إلا أنه ومع استمرار وقائع التحقيقات، أكد المتهمون أنهم لم يفعلوا شيئًا يعاقبون عليه، وإنهم تعرضوا للتعذيب للإدلاء باعترافات، وأن القضية سياسية.
وهتف المتهمون وأهاليهم بالتكبير مع انطلاق ثاني جلسات محاكمتهم في محكمة أمن الدولة بالتجمع الخامس شرقي القاهرة؛ ووجهوا نداءً للرئيس حسني مبارك بأنهم أبرياء، نافين انضمامهم لأي تنظيمات إرهابية أو تخطيطهم لأي عمليات تفجير.
وقال متهم مصري خلال الجلسة للصحفيين: إنه شارك في عدة حروب كانت الأخيرة فيها حرب أكتوبر للدفاع عن مصر، فكيف “يشارك في مؤامرات لإحداث تفجيرات في مصر؟!”.
وقال الفلسطيني محمد رمضان (18 عامًا): إنه دخل مصر كي يحاول الدخول منها مرة أخرى عبر سيناء إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 للقيام بعملية استشهادية، بعدما قتل الإسرائيليون عائلته، ولكن ألقي القبض عليه ووجهت له تهمة القيام بأعمال تخريب في مصر.
وأكد متهمون آخرون للإعلاميين أنهم تعرضوا للتعذيب، وأن بعضهم أصيب بعاهات، وقالوا: “إن الاعترافات كانت وليدة إكراه وتعذيب”، وذكروا اسم ضابط قالوا إنه أشرف على تعذيبهم، بيد أن مصادر أمنية مصرية نفت ذلك وقالت: “إنها محاولة للإفلات من العقاب”.
فيما أكد محامي المتهمين منتصر الزيات أن موكليه تعرضوا للتعذيب، وأن كل الاعترافات التي أُخذت منهم وليدة إكراه، وأضاف أن القضية سياسية بين مصر وحزب الله، وأنها في جوهرها مساعدة للمقاومة الفلسطينية إلا أن النيابة كيّفتها كتخابر لصالح مؤسسة خارج البلاد.
ويأتي الأربعاء الـ 28 إبريل ليسدل الستار على القضية، حيث أصدرت محكمة أمن الدولة العليا أحكامًا مشددة ضد المتهمين وحكمت عليهم بمدد تتراوح بين 6 أشهر و25 عامًا.
وقضت المحكمة غيابيًّا بالسجن المؤبد 25 عامًا لكل من محمد قبلان، وسالم عيد حمدان، ومدحت حسان السيد، وأحمد الحسيني، فيما قضت حضوريًّا بمعاقبة كل من محمد يوسف أحمد منصور وشهرته سامي شهاب، وناصر خليل معمر أبو عمرة، ونمر فهمي محمد الطويل، بالسجن المشدَّد 15 عامًا، ومعاقبة كل من إيهاب السيد محمد موسى، ونصار جبريل عبد اللطيف، وحسن السيد المنخلي، وعادل سلمان موسى أبو عمرة، ومحمد علي وافي عبد الحميد، ومسلم إسماعيل مسلم حسن، ومحمد عبد الفتاح مصطفى شلبي، وإيهاب عبد الهادي محمد القليوبي، وخاطر عبد الله مختار النور، وإبراهيم سعد محمد، وهاني السيد مطلق، ومسعد عبد الرحيم محمد الشريف، وإيهاب أحمد حسن إسماعيل، وشاهين محمد شاهين، وحسين محمد حسين خليفة، بالسجن المشدد 10 سنوات.
كما قضت المحكمة أيضًا بمعاقبة أيمن مصطفى خليل شتا بالسجن المشدَّد 10 سنوات والحبس مع الشغل لمدة سنة واحدة وتغريمه 100 جنيه، ومعاقبة سلمان كامل حمدان رضوان بالسجن 7 سنوات، ومعاقبة أحمد الحسيني حمدان فارس بالسجن 5 سنوات، كما قضت بمعاقبة نضال فتحي حسن جودة بالسجن مع الشغل 3 سنوات وتغريمه 5 آلاف جنيه، ومعاقبة محمد رمضان عبد الرءوف بالحبس 6 أشهر.
وحكمت المحكمة أيضًا بمصادرة المضبوطات وإلزام جميع المتهمين بالمصاريف الجنائية وعدم قبول الدعوى المدنية وإلزام رافعيها بالمصروفات.
وفور النطق بالحكم هتف المدانون الموجودون في قفص الاتهام عند النطق بالأحكام “الله أكبر”، “كلنا فدى الأقصى”، “حسبنا الله ونعم الوكيل”، فيما اعتبرها حسن نصر الله أحكامًا سياسية وغير عادلة.
وقال نصر الله: “الأحكام التي صدرت ضد المجاهدين الذين كانوا يقدِّمون الدعم للمجاهدين في قطاع غزة هي أحكام سياسية، وهي أحكام ظالمة بحق هؤلاء المجاهدين وهؤلاء الشرفاء”، مضيفًا: “القضية سيجري الآن معالجتها من خلال الطرق الدبلوماسية”.
وتابع نصر الله: “طبعًا الأمور مع مصر ليست مقفلة، ونحن لن نترك هؤلاء الأخوة في السجون بالتأكيد، سنتابع هذه القضية حتى بعد صدور الأحكام، وكما في الفترة السابقة، حرصنا على معالجة الأمور من خلال القنوات القضائية والقانونية”.