أ.د. أحمد محمد وهبان

كيف احتل الانجليز "مصر"

كاتب الموضوع الأصلي: عامر العجمي411

اقرؤا التاريخ إذ فيه العِبَر *** ضلَّ قومٌ ليس يدرون الخَبَر

من قرأ تاريخ الاحتلال الإنجليزي للبلاد المصرية المسلمة في القرن الماضي وتابع خطواته، متأملاً ما تبين من سبيل المجرمين للوصول إلى هذا الأمر الجلل؛ وجد في ذلك الكثير من العِبَر التي تستحق التدوين، ويمكن الاستفادة منها لمنع تكرار ما حدث في دولٍ أخرى –لا قدّر الله-. لأن طرائق مكر الأعداء –على اختلاف دولهم- متشابهة؛ يبني اللاحق منهم على خطط السابق، وينسج على منواله، كما هو واضحٌ جداً الآن في العراق؛ حيث استفاد الأمريكيون كثيراً من الملف الإنجليزي القديم للإيقاع من جديد بهذا البلد المسلم.
وتاريخ الإنجليز مع الدول العربية والإسلامية – عامة – في هذا العصر مليئ بالخبث والحقد والمؤامرات المتنوعة في أماكن شتى من بلاد الإسلام . فمامن مصيبة تحل بهم إلا وتجد من ورائها كيد الإنجليز وتدبيرهم ، والشواهد على هذا كثيرة لاأظنها تخفى على متابع . حتى وصفهم شاعر العراق الرصافي زمن احتلالهم لبلاده بقوله في ديوانه ( 3/240-243) :

دع اللوم واسمع ما أقـول فإنـني *** قتلتُ طباع ” التيمسيين ” بالبحث
كأنهم والنـاس عُث وصــوفة *** وهل يستقيم الصوف في عثة العُث
فكم حرثوا في أرض مستعمراتهـم *** مظالم سودًا كن من أسوأ الحـرث
وكم أيقظوا والناس في الليل نُـوّم *** بها فتنًا كالدجن يهمي على الوعث
وهم يأكلون الزبد من منتجاتـها *** ويُلقون للأهــلين منهن للفرث
يقولون إنا عاملون لسعــدكم *** ولم يعملوا غير الكوارث والكرث
إذا مارأيت القوم في فخ مكـرهم *** رققت لهم تبكي على القوم أو ترثي
فلا ترجُ في الدنيا وفاء لعهــدهم *** فلا بد في الأيام للعــهد من نكث

لذا فقد أحببت أن ألقي الضوء –باختصار- على خطوات ذاك الاحتلال البغيض وما قاله المؤرخون عنه، وما يستفيده المسلمون والدول الإسلامية منه – لا سيما بلاد التوحيد – من عبر ومواعظ؛ كي يغلقوا الفرجات التي لا زال ينفذ منها شياطين الإنس.
مبتدئاً ذلك بموجز تسلسلي لما حدث، ثم بذكر أقوال المؤرخين، ثم أذكر العِبَر التي يُمكن الاستفادة منها .
سائلاً الله أن ينفع بما كتبت، وأن يهيئ له آذاناً صاغية، وعقولاً واعية، والله الموفق.

موجز تاريخي للأحداث :

– كانت مصر كغيرها من بلاد العالم الإسلامي تحكمها الدولة العثمانية . وكانت تُحكم بالشريعة الإسلامية ، وترتكز في أمورها على الإسلام بوجود الأزهر ، وهيئة كبار العلماء ، مع قصور وانحراف ، قلما يسلم منه أحد .
– قام الفرنسيون بقيادة نابليون بونابرت بحملتهم على مصر عام 1798م ، بعد أن مهدوا لذلك بإرسال الجواسيس الذين يدرسون وضع البلاد ومدى قابليته للاحتلال .
ولكنهم لم يفلحوا في البقاء فيها سوى 3 سنوات نظرًا لاتحاد أهل البلاد ضدهم، ووقوفهم صفًا واحدًا تجاه حملتهم –حكامًا ومحكومين- ؛ رغم تطمينات نابليون الكثيرة لهم بأنه لا يريد الإسلام بسوء !
– كرر الإنجليز ما قام به إخوانهم الفرنسيون؛ فأرسلوا حملة عسكرية بقيادة “فريزر” لاحتلال مصر؛ لكنها باءت بالفشل –أيضاً-؛ للأسباب نفسها.
– استمر العثمانيون يحكمون مصر من خلال الولاة الذين يعينونهم واحداً تلو الآخر، ولكن الشعب المصري لا يرتضيهم لظلمهم وتعسفهم.
– إلى أن تم تعيين (محمد علي باشا) والياً على مصر بعد أن اختاره الشعب والعلماء والوجهاء – بإذن مسبق من الدولة العثمانية- مشترطين عليه أن يحكم بالعدل!
– استغل (محمد علي باشا) الفرصة ولم يفوتها ، فحكم البلاد ، مفتتحًا حكمه بمذبحة شنيعة لبقايا “المماليك” ، الذين كانوا ينافسونه .
– انشغل (محمد علي باشا) بالأمور العسكرية التي كان من أهمها: حملته الظالمة على أهل الدعوة السلفية في الجزيرة العربية، وحملته على السودان، وغيرها من الحملات العسكرية.
– هلك محمد علي باشا عام (1849م ).
– تولى الحكم بعده حفيدة: عباس بن طوسون بن محمد علي ( من عام 1848م إلى 1854م ).
– ثم جاء بعده سعيد بن محمد علي ( من1854 إلى 1864). وفي عهده: تم منح امتياز شق قناة السويس لصديقه المهندس الفرنسي ” دي ليسابس ” بشروط مجحفة جرَّت على بلاد مصر الويلات فيما بعد.
وفي عهده أيضاً بدأت مشكلة الديون حيث بدأ يستدين من الغرب بفوائد ربوية لينجز قناة السويس وغيرها من الأعمال المرهقة لميزانية البلاد دون فائدة كبيرة تجنى منها .
– جاء بعده: الخديو إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي(من1863 إلى 1879م).
وفي عهده افتتحت قناة السويس، وتضخمت الديون التي كان يستدينها لينفقها بإسراف على أمور شكلية أولافائدة منها للبلاد ؛ مما اضطره لبيع نصيب مصر من القناة على الإنجليز !!
وفي عهده بدأ تدخل الدول الأوربية في البلاد بشكل سافر بدعوى حماية حقوقها المالية ؛ إلى أن وصل الحال إلى فرض وزيرين أوروبيين ضمن تشكيلة الوزراء ! إضافة إلى تدفق الأجانب في عهده على مصر ، وإقامة محاكم خاصة بهم .
– كان رئيس الوزراء في عهد إسماعيل : القبطي النصراني ! نوبار باشا الذي كانت ميوله وعواطفه إلىجانب بريطانيا.
– في عهد إسماعيل: قدم الرجل الغامض “جمال الدين الأفغاني” إلى مصر بدعوة من الوزير رياض باشا .( كان رياض من أصل يهودي، ادعت عائلته الإسلام).
– أخذ الأفغاني يبث أفكاره “الثورية” و”العصرية” بين أصناف المصريين الطامحين من مسلمين وغيرهم؛فتشكلت من حوله مجموعة من المتأثرين بأفكاره.
تركزت فكرة الأفغاني ومن معه على تكوين الصحف المتنوعة والمشاركة فيها، وتشويه صورة الحاكم والعلماء في أذهان الناس ، واستغلال أوضاع البلاد لتهييجهم ، إضافة إلى الإلحاح على المطالبة بالحكم النيابي، وتأسيس الأحزاب، والمشاركة الشعبية .. الخ. فعلى سبيل المثال: كان الأفغاني يهاجم الخديو إسماعيل علانية ويقول للمتجمهرين حوله: (أنت أيها الفلاح تشق الأرض لتستنبت ما تسد به الرمق، وتقوم بأود العيال، فلماذا لا تشق قلب ظالمك ؟! لماذا لا تشق قلب الذين يأكلون ثمرة أتعابك؟!) (دراسات في تاريخ العرب الحديث، للدكتور عمر عبد العزيز عمر، ص 297) ، وغيرها من الكلمات الثورية التهييجية.
– تم عزل الخديو إسماعيل من قبل الدولة العثمانية بعد ضغوط إنجليزية لأنه بدأ يعارض بعض قراراتها .
– تولى الحكم بعده ابنه الخديو توفيق (1879-1892م) الذي أحس بخطورة الأفغاني وما يبثه من أفكار، فنفاه خارج البلاد؛ لكن بعد أن بذر بذرته الخبيثة في البلاد.
– كان وزير الحربية في عهد توفيق : (عثمان رفقي)، وهو شركسي متعصب قام بعدة أعمال ظالمة ضد الجنود والضباط المصريين؛ كمنعهم من الترقيات وغيرها.
– مما دفع بأحمد عرابي (وهو أحد المتأثرين بدعوة الأفغاني ومحمد عبده) أن يثور ضد هذا الظلم ويطالب بإقالة عثمان رفقي . فاستجيبت مطالبه بعد عدة أحداث ومنازعات.
– لم يكتف عرابي بما تحقق ؛ إنما اغتر بمن حوله وظن أنه ممثل الشعب، مما أداه إلى الاستطالة على ولي أمره، والخروج بمظاهرة ضده.
– كان الإنجليز يشايعهم الفرنسيون يرقبون الأحداث بغبطة وسرور! وكانوا يوعزون من خلف ستار إلى عرابي أن امض في طريق “الإصلاح”، ولا تخش أحدًا! ومن ذلك ما ذكر محمد عبده في مذكراته عن الثورة العرابية –وهو أحد أقطابها- من أن قنصل فرنسا ( أرسل إلى أحمد عرابي وإخوانه يقول لهم: إنه يسره ما يراه من صلابتهم وعزيمتهم، واشتدادهم في المطالبة بالعدل، فعليهم أن يثبتوا في مطالبهم ولا يُضعفهم ما يُهَددون به) ! (الأعمال الكاملة لمحمد عبده، 1/528، 531) .

Leave a Comment