مستقبل النظام العربي
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز ال سعود
بدا “الربيع العربي” كما لو كان طوفانًا باغت النظام الإقليمي العربي، على نحو اعتبره نفر من الخبراء المسمار الأخير في نعش ذلك النظام، في حين ارتآه فريق آخر فرصة تاريخية لتفكيكه وإعادة تشكيله، أو حتى تدشين نظام إقليمي جديد ربما يختلف في الهيكل والأهداف. وفيما لم يضع الربيع العربي أوزاره بعدُ كما لم تتضح الحدود أو الأسقف التي ستتوقف عندها موجة التغيير والتحول المصاحبة له، يمكن وضع تصور مبدئي أو بلورة رؤية استشرافية، في ضوء ما هو متاح من أدوات ومعطيات، لتداعيات ذلك الربيع على مستقبل النظام الإقليمي العربي في صيغته التقليدية المتعارف عليها.
مرحلة سيولة بين عهدين
السياسات الخارجية للعديد من الدول العربية في ظل الربيع العربي لم تتبلور بشكل مستقر ونهائي بعدُ؛ ومن ثَمَّ لا يتعدى ما يصدر عنها من سلوكيات ومواقف كونه ردود أفعال آنية على أزمات أو استجابات مرحلية للتحديات
ربما يكون عصيًّا على أي باحث موضوعي التنبؤ بالشكل النهائي الذي سيكون عليه النظام الإقليمي العربي الجديد، في ظل حالة الصيرورة التي تخيم على مجمل تفاعلاته بمختلف مستوياتها واتجاهاتها، وما تستتبعه من ردود فعل مهمة ومتواصلة على الصعيدين الإقليمي والدولي؛ فعلى صعيد التحولات والتفاعلات القُطرية، هناك شعوب عربية نجحت في إسقاط أنظمتها الحاكمة بدرجات متفاوتة من العمق كتونس ومصر وليبيا، في حين يمضي فريق ثان على الدرب لتحقيق ذات المطلب كاليمن وسوريا، وقد تزامن ذلك مع نجاح بعض الأنظمة العربية في احتواء نصيبها من موجة الاحتجاجات الشعبية والإفلات، ولو مرحليًّا، من الاهتزاز والتداعي عبر تبني حزمة من الإصلاحات الشاملة لاسترضاء شعوبها.
وفي حين ألقت أجواء الحذر والترقب والبطء بظلالها على مواقف وسياسات الأنظمة التي تصارع من أجل البقاء، غرقت بدورها الدول التي قطعت شوطًا طويلاً على درب التغيير -كمصر وتونس وليبيا- في إعادة ترتيب أوضاعها الداخلية أمنيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا بما يتماشى وتطلعات شعوبها وأهداف ثوراتها. فكالمعتاد، غالبًا ما لا تتصدر قضايا السياسة الخارجية سُلَّم أولويات الأنظمة والحكومات الناجمة عن ثورات أو انتفاضات شعبية خلال المراحل الانتقالية؛ إذ تستأثر الشؤون الداخلية وإعادة بناء الدولة بالاهتمام الأكبر وذلك إلى حين الانتقال من حالة الثورة إلى مرحلة الدولة بعد الانتهاء من وضع الأطر الدستورية والقانونية والمؤسسية اللازمة.
وبناء عليه، يجوز القول: إن السياسات الخارجية للعديد من الدول العربية في ظل الربيع العربي لم تتبلور بشكل مستقر ونهائي بعدُ؛ ومن ثَمَّ لا يتعدى ما يصدر عنها من سلوكيات ومواقف كونه ردود أفعال آنية على أزمات أو استجابات مرحلية للتحديات. وقد وضح ذلك جليًّا في تعاطي المجلس العسكري والحكومة الانتقالية في مصر، على سبيل المثال، مع ملفين في غاية الأهمية، هما الموقف من إيران والعلاقة مع إسرائيل. فما كاد وزير الخارجية المصري بعد سقوط نظام مبارك -نبيل العربي- يستجيب لحماسه واندفاعه ويعلن أن مصر لا تعتبر إيران عدوًّا، ولا ترى موانع جوهرية لتطبيع العلاقات معها، حتى تراجع الرجل لاحقًا ورهن مثل هذه الخطوة باعتبارات أخرى مهمة كأمن الخليج، وعدم تدخل إيران في شؤون جيرانها، وتخليها عن إستراتيجية تصدير الثورة، وهو التحول الذي أرجعه خبراء إلى ضغوط خليجية وغربية وإسرائيلية انهالت على مصر الثورة لحملها على العدول عن أي تقارب “إستراتيجي” مع إيران.