من يصنع الثورات العربية ?:
كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز ال حوشان8
من يصنع الثورات العربية ?:
سيظل السؤال حول من أشعل فتيل الثورات العربية المطالبة بالديمقراطية والحريات عصيا علي الإجابة، خاصة إذا ما كان المقصود هنا هو تحديد هوية الطرف القابع خلف ديناميات الثورة ومحركها. فثمة عوامل كثيرة متقاطعة ومتداخلة ما بين مظالم سياسية واقتصادية واجتماعية، إلي ثورة تكنولوجية ولوجيستية عبأت ونظمت وسهلت انتشار الحالة الثورية وهيمنة المزاج الثوري علي الشعوب العربية وانتقاله من دولة لأخري. ولعل عدم معرفة هوية الطرف المحرك لهذه الحالة الثورية، والتي تختلف من بلد لآخر، هو سبب نجاحها وديمومتها.
بيد أن طرح السؤال علي هذا النحو لا يخلو من أهمية، إذا كان الهدف هو استكشاف واختبار طبيعة الأوزان السياسية والمجتمعية للقوي المحركة للثورة ومستقبلها في مرحلة ما بعد السلطوية، خاصة إذا قدر لهذه البلدان أن تشهد انتقالا ديمقراطيا حقيقيا.
هنا، يمكن القول بدون مبالغة إن المجتمع، كوحدة سوسيولوجية تحليلية، كان بمثابة الحاضنة الرئيسية للثورات العربية، والمغذي لديمومتها، والموجه لبوصلتها. والمقصود بمفهوم المجتمع هنا ليس تلك البنية التقليدية التي تجمع بين أفراد وجماعات وطبقات وفئات لا يربط بينها سوي الانتماء المكاني لبقعة جغرافية بعينها، وإنما يقصد به أساسا مفهوم الجماعة Community المتناغمة فكرا وعقلا ومنهجا. وهو هنا يتجاوز النظر للأفراد، باعتبارهم مجرد كتلة سكانية أو بشرية صماء، وإنما كوحدة إنسانية متفاعلة مع بعضها وفاعلة في محيطها، استنادا إما إلي منظومة قيمية وأخلاقية، أو تستهدف تحقيق مصالح وأهداف مشتركة. وهنا، قد ينقسم المجتمع إلي عدة جماعات فاعلة تتداخل مع بعضها بعضا بشكل أفقي، وتتقاطع منظوماتها القيمية، وتتشابه مطالبها وطموحاتها، في حين تحاول الدولة ونظامها السياسي إشعال الصراع بين هذه الجماعات من أجل ضمان السيطرة عليها.
ويصبح منطقيا أنه إذا ما زادت مساحات الالتقاء والتناغم بين هذه الجماعات، مقابل انحسار أو تآكل مساحات التعارض والصراع بينها ولو بشكل مؤقت، فإن دوائرها وحلقاتها المجتمعية تزداد ارتباطا واتساعا، في حين تصبح حركتها الجماعية أكثر فاعلية وتأثيرا. وبمرور الوقت، يتحول المجتمع بصيغته التقليدية الساكنة من Society إلي Community في شكل جماعة كبيرة فاعلة تتحرك بقوة وثقة وتصبح فجأة أشبه بديناصور كبير يصعب إيقافه.
بيد أن هذه الكتلة الجماعية لا تعمل في فراغ، وهنا ننتقل إلي المستوي الكلي للتحليل، والمتعلق بالدولة كوحدة سياسية حولتها الأنظمة السلطوية إلي أداة قمع وبطش وهدف تسعي الكتلة الجماعية لاسترداده وتحريره من قبضة الأوتوقراطية. ويصبح الصدام بين الطرفين واقعا لا محالة، إذا توافر شرطان، الأول: اتساع دوائر الكتلة الجماعية بحيث تغطي المجتمع أفقيا ورأسيا، فيحدث التشبيك Net Working والانصهار Fusion بشكل تلقائي ربما لا تتوقعه الجماعات المنشئة لهذه الكتلة ذاتها. والثاني: خشونة الفعل الدولتي، وانعدام المسئولية المجتمعية والإنسانية والأخلاقية للنخبة الحاكمة، مما يؤدي إلي ضعف وأحيانا انعدام مناعة النظام السياسي، بحيث يصبح معرضا للانتكاس وربما الانهيار. وتصبح حصيلة المواجهة بين الطرفين بمثابة مقدمة للفعل الثوري الذي تتوقف نتائجه اللاحقة علي معطيات كثيرة لا مجال للخوض فيها الآن.
إذا ما حاولنا تطبيق هذا النموذج التحليلي علي الثورتين التونسية والمصرية، فسوف يتضح ما يلي:
أولا- لا توجد بؤرة سياسية معينة للثورة، سواء تخطيطا كان أو تنفيذا، نقصد أن الثورة لم تكن من صنع حركة سياسية بعينها أو تيار أيديولوجي محدد، وإنما كانت نتيجة لفعل جماعي (التقاء الكتل الجماعية السابق الإشارة إليها) في لحظة زمنية معينة أشعلت اللحظة الثورية فانتفض المجتمع خلفها والتف حولها، وذلك من أجل تحقيق هدف محدد.
ثانيا- كانت القوي الحية الجديدة هي المحرك الرئيسي في الثورتين التونسية والمصرية، وهي قوي متجاوزة للأطر الأيديولوجية والسياسية وبنيتها التنظيمية التقليدية. لذا، فقد كانت إسهامات القوي الحزبية والدينية في هذه الثورات إما شبه منعدمة، كما كانت الحال في تونس، أو غير مهيمنة، كما كانت في الحال المصرية. ولعل ذلك أحد أسباب نجاح الثورتين، وهو ما ازداد وضوحا في الحالة الليبية التي لم تعرف أية تنظيمات سياسية أو أيديولوجية مستقرة. ومن المدهش أن المجتمع الليبي (وهو المعروف بانقساماته العمودية علي أساس قبلي) هو الذي يدير الثورة وينقلها من منطقة لأخري. وعليه، فإن الخطاب السياسي لهذه القوي الجديدة لم يكن فقط متجاوزا في مفرداته ومعادلاته ومطالبه لخطاب قوي المعارضة التقليدية، وإنما أيضا كان بمثابة خطاب جامع يتحدث باسم الجميع في حالة غير معتادة من التوحد العفوي بين مكونات الأمة.
ثالثا- كان المجتمع (في حالته الجديدة بعد الانتقال من السكون إلي الحركة) بمثابة الراعي الرئيسي للثورات والمغذي لها، سواء بإدامة الحالة المعنوية المرتفعة لدي الثوار من خلال التوحد والتوافق حول مطالب الثورة، أو من خلال توفير الدعم المادي والبشري لها. ومن هنا، تأتي الشرعية الثورية التي من المفترض أن تصبح فيما بعد إرثا مشتركا للجميع.
رابعا- تبدو إسهامات القوي الحزبية والدينية التقليدية في هذه الثورات، وإن جاءت متأخرة، فإنها أيضا اضطرت للالتزام (كما في الحالة التونسية، أو أجبرت عليه كما كان في الحالة المصرية) بالسقف السياسي والمطلبي للقوي الحية التي أشعلت الثورة. صحيح أن ثمة قدرا من الذكاء قد بدا علي خطاب وسلوك الإسلاميين من أجل تفويت الفرصة علي المتربصين بالثورات العربية داخليا وخارجيا، إلا أن ترددهم في اللحاق بالثورات في بداياتها أضعف من موقفهم السياسي والمجتمعي لاحقا.