أ.د. أحمد محمد وهبان

نظام الحكم في عصر النبوة

كاتب الموضوع الأصلي: مهند العامر0

نظام الحكم في عصر النبوة

إن النظريات السياسية التي صاغها مفكرو الإسلام تدور حول موضوع الإمامة، وقد اتجه أهل السنة والشيعة على السواء إلى حكم الرسول – صلى الله عليه وسلم – لكي يستمدوا من تجربة الماضي نظرياتهم.

وتتفق الفرقتان على أن النبي – صلى الله عليه وسلم – جمع بين السلطتين الدينية والسياسية، وبهذا أرسيت قواعد الحكومة الإسلامية، فالإسلام دين جامع للدنيا والدين، أو بعبارة أخرى، إنه جامعة كبرى تنظم علاقة الفرد بمجتمعه وتربطه بخالقه في آن واحد، فالحياة الدنيا دار انتقال يعيش فيها المؤمن وقتًا محددًا ينتقل بعدها إلى الحياة الآخرة وهي دار البقاء والخلود حيث الحساب والجزاء، ولا يتصور والأمر كذلك أن يترك نظام الحياة الأولى سدى وإنما أرسل الله تعالى الكتب وكلف الأنبياء والرسل لإبلاغ بني الإنسان التكاليف والعبادات لربط صلتهم بخالقهم، كما بين لهم أيضًا أحكام معاملاتهم. وتدرجت الرسالات السماوية حتى اكتملت بواسطة خاتم النبيين محمد – صلى الله عليه وسلم -.

وقد أصبح رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بهذا نبيًا مبلغًا لرسالة ربه مؤسسًا لدولة يتصرف في الدين بمقتضى التكاليف الشرعية التي أمره الله بتبليغها ويصرف سياسة الدنيا بمقتضى رعايته لمصالح الناس في العمران البشري على حد تعبير ابن خلدون.

هذا هو الاتجاه الذي ينعقد عليه الإجماع.

أما ما نادى به الشيخ علي عبد الرازق وأعلنه في كتابه (الإسلام وأصول الحكم 1344هـ- 1925م)[1] فقد أثار ضجة كبيرة لدى المسلمين بسبب خروجه على هذا الإجماع، إذ نزع عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قيامه بتأسيس دولة. ونفى عنه أداء هذا الدور بمثل قوله: (وإنما كانت ولاية محمد – صلى الله عليه وسلم – على المؤمنين ولاية الرسالة غير مشوبة بشيء من الحكم)[2] ، أو بعبارة أدق (جعل من الشريعة الإسلامية شريعة روحية محضة لا علاقة لها بالحكم والتنفيذ في الدنيا)[3] وهي نفس العبارة الواردة في صيغة الحكم الذي أصدرته هيئة كبار علماء الأزهر في ذلك الوقت.

واستند المعارضون في نقد الشيخ علي عبدالرازق على آيات من القرآن الكريم، وهي تنص صراحة على أمر الحكم بما جاء بالكتاب. سنختار منها الآيات البينة بذاتها على المعنى، يقول تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ﴾ [النساء: 105] و﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ [النحل: 89]، وآيات أخرى، منها قوله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 59]، وبقية الآية تحض على العمل بما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم – بأمر الله ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: 59].

وآيات أخرى كثيرة ظاهرة الدلالة على قيام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بإرشاد المسلمين إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأدائه لدور الرياسة المدنية في نواحيها العديدة من معاملات فردية واجتماعية وإقامة الحدود والعقوبات وقتال الأعداء وتحديد الموارد المالية، إلى غير ذلك من المهام التي أداها وقام بها كأحسن ما يقوم بها رجل الدولة (فمظاهر الدولة كلها متوفرة في نظام الشريعة الإسلامية وأعظمها الحرب والصلح والعهد والأسر وبيت المال والإمارة والقضاء وسن القوانين والعقوبات)[4].

وقد أقر المستشرقون في دراساتهم للإسلام بهذه الحقيقة فذهب أرنولد إلى أن الإسلام قد سن نظامًا سياسيًا بقدر ما هو نظام ديني[5].

ولا خلاف بين فرقتي الإسلام الكبيرتين كما قدمنا: أهل السنة والشيعة، على إعطاء الإسلام هذه الصفة الجامعة لحياتي الدنيا والآخرة. ولكن المشكلة تبدأ بين هاتين الفرقتين الكبيرتين عند تناول موضوع الخلافة – إذا تكلمنا بلغة أهل السنة – أو الإمامة، إذا استعرنا اصطلاح الشيعة.

ويعتقد أهل السنة والجماعة[6] أن الرسالة المحمدية أبلغت أهل الأرض كافة على يد محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن طريق الوحي المنزل الذي يضمه كتاب الإسلام إجمالًا، وفصله بأقواله وأفعاله صلوات الله عليه. وهو ما اصطلح على تعريفه بالسنة، مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].

يقول الشاطبي (790هـ- 1388م): وثبت أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا، وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة[7].

ولكن الشيعة الإثني عشرية – وهي أكبر فرقهم المعاصرة – تعتقد أنه لابد من النص على الإمام بواسطة النبي – صلى الله عليه وسلم – ليخلفه ويكون حجة الله على الأرض بعده، وجعلوا منصب الإمام قرينًا من مكانة النبوة ولكن الفرق بينهما أن الله تعالى يختار النبي ويوحي إليه بينما الإمام يبلغ عن النبي، فالإمامة (منصب إلهي كالنبوة فكما أن الله سبحانه يختار من يشاء من عباده للنبوة والرسالة ويؤيده بالمعجزة التي هي كنص من الله عليه، فكذلك يختار للإمامة من يشاء ويأمر نبيه بالنص عليه وأن ينصبه إمامًا للناس من بعده للقيام بالوظائف التي كان يقوم بها)[8].

ويعتبر الكليني – وهو أحد مصنفي كتب الحديث عند الشيعة – (228 أو 229هـ- 939 أو 940م) أن الفرق بين الرسول والنبي والإمام هو أن الأول يتلقى الوحي عن طريق جبريل فيراه ويسمع كلامه، وربما سمع النبي الكلام ورأى الشخص ولم يسمعه، أما الإمام فهو الذي لا يرى الشخص ولكنه يسمع الكلام، أي الوحي. والأئمة عنده لا يفعلوا شيئًا إلا بأمر من الله لا يتجاوزونه[9].

ويستمد الشيعة هذا التصور من الاعتقاد بأن الله لا يخلي الأرض من حجة على الناس من نبي أو وصي. لهذا تبرز معالم نظرية الحق الإلهي Doctrines Theocrotique لمحاولة تطبيقها على عصر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الأمر الذي يستتبع القول بتوارث الأئمة المنصوص عليهم لخلافته صلوات الله عليه في هذا المنصب الإلهي!!

ولقد حاول بعض الباحثين الغربيين نسبة نظام الحق الإلهي إلى عصر الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وانقلابه إلى حكم مطلق (أتوقراطي) تنتقل فيه السلطة إلى قبضة الخلفاء تأسيسًا على المبدأ الديني القائل بأن الحكم هبة من الله[10]، ويميل الشيعة إلى ترديد مثل هذا الرأي في كتاباتهم، كما يبرزها من تصدى لبحث نظرية الإمامة عندهم. يقول الأستاذ موسى جارالله: (لم تكن حكومة الإسلام أصلًا وأبدًا لا في عصر الرسالة ولا في عصر الخلافة الراشدة حكومة ثيوقراطية وإن توهم كثير من أهل العلم غربيون ومتغربون أنها ثيوقراطية)[11].

وسنعرض لنظام الحق الإلهي كنظام من أنظمة الحكم على بساط البحث، لنرى إلى أي مدى يصح معه القول بأن طبيعة الحكم وقت النبي – صلى الله عليه وسلم – كان كذلك.

مذاهب الحق الإلهي وحكم الرسول – صلى الله عليه وسلم -:
تعرف مذاهب الحق الإلهي- الثيوقراطية – اصطلاحًا بأنها: (المذاهب القائلة بأن السلطة مصدرها الله وأن الدولة إنما هي نظام إلهي أي نظام من صنع الله)، ويقول الأستاذ دوجي: أن هذه المذاهب تعمل على تفسير وتبرير السلطة السياسية وذلك عن طريق تدخل سلطة سماوية[12].

وقد مرت فكرة الحق الإلهي بأدوار ثلاثة: الدور الأول وكان يدعي الحاكم صفة الألوهية وأنه إله على الأرض أو يشترك مع الإله في ألوهيته كما ادعى ملوك الفراعنة قديمًا وما فعله أباطرة اليابان حتى العصور الحديثة، ثم ظهرت نظرية الحق الإلهي المباشر في القرنين السابع عشر والثامن عشر (يقابلها على وجه التقريب القرنان العاشر والحادي عشر من الهجرة) في فرنسا وخاصة في عصر لويس الرابع عشر، وظلت الفكرة باقية في ألمانيا حتى أوائل القرن العشرين، فقد جاء على لسان غليوم الثاني إمبراطور ألمانيا في عام 1910م (1328هـ) أنه يستمد سلطته من الله ولذلك لا يحفل بالرأي العام أو مشيئة البرلمان، ثم تطورت النظرية في الدور الثالث لها في شكل نظام الحق الإلهي الغير مباشر، فالمنادون بالحكم في ظلها يدعون بأن الله قد هيأ تهم الظروف الملائمة لكي يتولوا الحكم.

ويتبين لنا من هذا التعريف أن النظرية في صورها المختلفة- وخاصة في المرحلة الثانية لها – اتخذت سلاحًا لتبرير السلطة المطلقة للملوك وتدعيم العسف والاستبداد، وبالرغم من المسيحية الكنسية كما صاغها (بولس) وقدمها لأوروبا فصلت ما بين الدين والدولة عملًا بقول المسيح: (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) إلا أنه قد نادى به البعض بعد انتشار المسيحية بعدة قرون.

فهو مذهب في حقيقته لا يستند إلى الدين المسيحي (الخالص) أيضًا، بل يصح أن يعد ضد هذا الدين[13]، فهل تنطبق هذه الظروف مع عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهل تتفق أوصاف هؤلاء الملوك مع صفات النبي – صلى الله عليه وسلم -؟.

قبل الإجابة على هذا السؤال يظهر للباحث لأول وهلة أنه من التعسف تطبيق مذهب نشأ في ظروف مغايرة وعصر له ملامحه وشخصياته ومقوماته وأحداثه، على عصر آخر يختلف تمامًا من كافة النواحي.

ويزداد الرأي القائل بتطبيق مذهب الحق الإلهي على نظام حكم الرسول – صلى الله عليه وسلم – ضعفًا إذا ما ناقشناه في ضوء الاعتبارات الآتية:
أولًا: ابتدعت نظرية الحق الإلهي المباشر كأسلوب من أساليب الحكم في زمن متأخر جدًا، أي يقرب من عشرة قرون بعد عصر الرسول – صلى الله عليه وسلم -، ويختلف كل الاختلاف كما قدمنا.

ونضيف بأنه يكفي لرفض هذه النظرية من جذورها أن نقول بأنها نشأت لتبرير حكم ملوك مسيحيين في أوروبا حتى يتبين لنا مدى التعارض الشديد بين وجهي المطابقة.

ثانيًا: تعارض فكرة فرض السلطة وتبريرها مع صفات الرسول – صلى الله عليه وسلم – كمؤسس دولة، وهى صفات بعيدة عما عرف عن شخصيته وطبيعته ومثاليته التي انعقد الإجماع على الاعتراف بها بواسطة من لم يقر بنبوته ولمن آمن بها على السواء. فمن رأي بندلي أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قد توافرت فيه الصفات الطيبة (كسرعة التأثر ولطف الطبيعة وبعد النظر وطيبة القلب، ومعرفة طبيعة الناس، وحسن السياسة، والاستعداد التام لتضحية مصالحه الشخصية بل روحه العزيزة في سبيل المصلحة العامة)[14]. ويذهب تولستوي إلى أن النبي – صلى الله عليه وسلم – هدى الوثنيين إلى معرفة الإله الواحد وأعلن تساوي جميع الناس أمام الله تعالى، ومع هذا لم يدع لنفسه النبوة وحده وإنما اعتقد أيضًا بنبوة موسى والمسيح عليهما السلام ولم يكره اليهود والنصارى على ترك دينهم[15]، فهو إن لم يدّع الانفراد بالنبوة فكيف يقال أنه فرض نفسه حاكمًا؟، ولا يغيب عن ذهن الباحث في هذا الصدد أن من أغراض رسالة النبي – صلى الله عليه وسلم – محاربة مثل نظام الحق الإلهي الذي يتمثل في تأليه الأشخاص في صوره المختلفة – ملوكًا كانوا أو أباطرة أو قساوسة، وأحبارًا ورهبانًا، وتخليص البشر من عبادة الأوثان، وتوجيه العقول إلى كشف أسرار الوجود وحقائقه للاهتداء إلى وجود الله الواحد الأحد[16].

ثالثًا: لم يرث الرسول – صلى الله عليه وسلم – حكمًا أو ادّعى لنفسه ملكًا، وإنما شق طريقه في سبيل نشر الرسالة بصعوبة بالغة وعانى من العذاب ألوانًا. لقد كان النظام الجاهلى العتيد والعبادات المتوارثة في قبائل العرب جيلًا عن جيل والمراكز المرموقة لرؤساء القبائل من الناحيتين السياسية والاقتصادية، كل هذه الظروف تكاتفت لتجعل من أداء الرسول – صلى الله عليه وسلم – لمهمته أمرًا شاقًا عسيرًا. فالخطأ في القول بتطبيق مذهب الحق الإلهى على الحكم في عصره عليه السلام كالخطأ الذي وقع فيه أصحاب السلطة من رؤساء القبائل حيث عرضوا عليه صلوات الله عليه الملك، فأطلق قوله الشهير: (والله لو وضعوا الشمس عن يميني والقمر عن يساري فلن أترك هذا الأمر حتى أهلك دونه). ولدينا من الوثائق أيضًا ما يؤيد رفضه – صلى الله عليه وسلم – لهذه الفكرة، فقد كتب إليه مسيلمة الكذاب يدعي الاشتراك معه في الأمر على أن ينتصفا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض الثاني، فرد عليه بقوله – صلى الله عليه وسلم -: (السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)[17].

رابعًا: يبدو أن إطلاق مذهب الحق الإلهى جزافًا على عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم – جاء نتيجة الخلط بين فكرة الحق الإلهي المطلق- هذه النظرية التي وضعها فلاسفة السياسة – وبين الوحي الإلهى، وهو مجرد رسالة من الله للبشر عن طريق الأنبياء والرسل.

خامسًا: إننا لا نعثر فيما بين أيدينا من مصادر تتناول سيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم – مع كثرتها ودقتها على قول واحد للرسول – صلى الله عليه وسلم – يدل على ادعاء الملك بل العكس هو الصحيح، إنه كان يؤكد في مناسبات شئ صفته كإنسان وعبد لله إلى جانب كونه نبيًا، فمن أقواله الدالة على أنه ليس ملكًا له أبهة الملك وخيلاؤه وكبرياؤه ما طمأن به رجلًا أصابته رعدة حين رآه فقال له ليطمئنه: (هون عليك، فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد)[18]، كما عرف عنه أنه لم يكن يغضب لأذى يلحق بشخصه، فمن طبيعته التسامح والعفو والحلم لأنه ليس ملكًا يدافع عن عرض متوارث يفرض سلطانه على الناس بالقوة، وإنما ينفذ أمر ربه القائل له: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل: 125]، وقد أصابت السيدة عائشة حين وصفته بأنه ما نيل منه شيء فانتقمه من صاحبه، إلا أن تنتهك محارم الله، فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم الله[19].

سادسًا: هناك عامل جوهري على من يطابق بين نظام الحكم أيام النبي – صلى الله عليه وسلم – ونظام الحق الإلهي، وهو أن رسالته لم تنقض بموته بل ما زال واجب الطاعة شأنه أثناء حياته، أنه لم يكلف لزمن معين ولا لأمة خاصة من الأمم، وإنما كلف لجميع العصور وللأمم كافة، فالشريعة الإسلامية واجبة التطبيق في كل زمان ومكان وهي قائمة على كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم -.

ويهذه العقيدة التي يعتنقها أهل السنة عارضوا الشيعة الذين يذهبون إلى ضرورة وجود الإمام لأنه حجة على الخلق، وأن الزمن لا يخلو منه (ولذلك ارتكب بعضهم عند هذا الإلزام القول بإبطال التواتر.. وارتكب بعضهم إبطال الإجماع)[20]. وقد تنبه ابن تيمية (728هـ- 1327م) إلى هذا، وذهب إلى أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم تجب طاعته لكونه إمامًا بل لأنه رسول الله إلى الناس فإن هذا المعنى ثابت له حيًا وميتًا، وهو في إصداره الأحكام في أعيان معينة لم يخصها بل إنها ثابتة في النظائر والأمثال حتى يوم القيامة، وهو السبب الذي من أجله كان يقول: (ليبلغ الشاهد الغائب). فالاختلاف بينه وبين الإمام أن الإمام إما له أعوان وشوكة، أو تلقى العهد ممن سبقه أو غيرها من الأسباب التي توجب طاعته، ولكن طاعة النبي – صلى الله عليه وسلم – تختلف عن كل هذا فطاعته واجبة ولو كذبه الناس حميعًا، ولا تنقضي رسالته بموته كما ينقضي حكم الأئمة بموتهم[21].

إنه إذًا نظام نبوة تفرد بأركانه وطبيعته الخاصة عما سواه من أنظمة الحكم ومن الخطأ إخضاعه للتعريفات والمقاييس السياسية التي أسبغها فلاسفة السياسة لمد الملوك بسلاح السيطرة على شعوب لا تملك حق الشكوى. فشتان بين هذا وذاك.

نستطيع أن نستنتج أنه – صلى الله عليه وسلم – لم يفوض السلطة ولم يستبد، وأن أصحاب فكرة الحق الإلهي الذين يحاولون تطبيقها على حكم الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد جانبوا الصواب وسبب هذا هو تأثرهم بفكرتهم السابقة عنها فحاولوا تطبيقها بحذافيرها مما لا يتفق مع المنهج العلمي

Leave a Comment