أ.د. أحمد محمد وهبان

واقع الإسلام السياسي و آفاقه

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز ال حوشان8


إنّ بناء مشروع جيوسياسي عربي يتطلب قبل كلّ شيء الكفّ عن محاولات تغيير بنية المجتمع و هويته الحضارية و دراسة هذه البنية و الهوية كمعطى تاريخي حضاري منجز غير قابل للتحويل أو التبديل في المدى السياسي المنظور، و بالتالي بدء دراسة جدية لمكونات هذه الهوية كمعطى ثابت و الاستفادة إلى أكبر قدر ممكن ممّا تتيحه هذه المكوّنات في بناء رؤية واقعية معاصرة للحياة العربية.

لقد فشلت العقلية الأيديولوجية، بما فيها الإسلامية ، في تغيير الواقع العربي، وعلى الرغم من تراجع الأيديولوجيا القومية التقليدية و العلمانية، و الانتشار الأفقي للتيار الإسلامي الذي ينمو في ظل واقع الاشتباك المباشر و الميداني، فإن هذا التيار لم يتقدم على مستوى إنتاج الرّؤى و التصورات و المشاريع السياسية. إنّ استمرار الحركات الإسلامية و فاعليتها وبروزها – و هي مرشّحة أكثر من غيرها لذلك- مرتبط أشدّ الارتباط بحقيقة أن المجتمع العربي هو مجتمع مسلم، يتفاعل مع الإسلام و الخطاب الإسلامي، لكن هذا التفاعل والفاعلية و القدرة على الفوز في الانتخابات الديمقراطية ليست غطاء و لا مبرراً لفقدان هذا التيار الإسلامي لرؤيته الجيوسياسية و بالتالي عدم القدرة على تحقيق هذه الرؤية في الواقع.

إنّ قدرة هذا التيار على لعب دور مباشر و عملي في صنع مستقبل المنطقة مرهونة بقدرته على تقديم هذه التصورات السياسية لمستقبل المنطقة و مرهونة بقدرته على فكّ الترابط المتكلّف بينه و بين الدّين، فالإسلام هو دين المجتمع وهو شأن العلماء و الفقهاء و من ثَمَّ أفراد المسلمين، أمّا شأن الأحزاب فهو السياسة.

إننا نتفهم الظروف التاريخية التي أدّت إلى هذه الظاهرة -الإسلام السياسي – و نقدّر عالياً الدور الذي قامت به الحركات و الأحزاب الإسلامية في الحفاظ على هويّة الأمة، كما نقدّر التضحيات الجسام التي قدّمتها ، لكن فهمنا للمبرّرات التاريخية لهذه الظاهرة لا يبرّر استمرار عملها بالعقلية ذاتها و مستوى الأداء السياسي نفسه.

على القوى الإسلامية السياسية أن تحسم خياراتها بين كونها جماعة دينية أو حزباً سياسياً فالجماعة الدينية هي المجتمع المسلم و لا يمكن لفئة قليلة مهْما عظمت أن تستبدل نفسها بهذه الجماعة، خاصّة و أنّ ظاهرة العداء للدين قد تراجعت و لم يعد حتى ممثّلو التيارات الأيديولوجية الأخرى يجادلون في هوية المجتمع العربي، إنّما يكتفون بطرح بعض الإشكاليات الحقوقية و المدنية و الاجتماعية المترتّبة على ذلك في الظروف المعاصرة وعلى ممثلي التيار الإسلامي أن يقدّموا الأجوبة عن هذه الإشكاليات.

Leave a Comment