أ.د. أحمد محمد وهبان

اتفاقية كامب ديفيد

كاتب الموضوع الأصلي: محمد القديري333

اتفاقية كامب ديفيد عبارة عن اتفاقية تم التوقيع عليها في 17 سبتمبر 1978 بين الرئيس المصري محمد أنور السادات ورئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيغن بعد 12 يوما من المفاوضات في المنتجع الرئاسي كامب ديفيد في ولاية ميريلاند القريب من عاصمة الولايات المتحدة واشنطن. حيث كانت المفاوضات والتوقيع على الاتفاقية تحت إشراف الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر. ونتج عن هذه الاتفاقية حدوث تغييرات على سياسة العديد من الدول العربية تجاه مصر، وتم تعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية من عام 1979 إلى عام 1989 نتيجة التوقيع على هذه الاتفاقية ومن جهة أخرى حصل الزعيمان مناصفة على جائزة نوبل للسلام عام 1978 بعد الاتفاقية حسب ما جاء في مبرر المنح للجهود الحثيثة في تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط. وتوجد مطالب بالإفصاح عن تفاصيلها التي تبقى سرية حتى اليوم، كما أنّها لم تُعرض على البرلمان المصري.

أثارت اتفاقيات “كامب ديفيد” ردود فعل معارضة في مصر ومعظم الدول العربية، ففي مصر. استقال وزير الخارجية محمد إبراهيم كامل لمعارضته الاتفاقية وسماها مذبحة التنازلات، وكتب مقال كامل في كتابه “السلام الضائع في اتفاقات كامب ديفيد” المنشور في بداية الثمانينيات أن “ما قبل به السادات بعيد جداً عن السلام العادل”، وانتقد كل اتفاقات كامب ديفد لكونها لم تشر بصراحة إلى انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة والضفة الغربية ولعدم تضمينها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.[3]

وعقدت هذه الدول العربية مؤتمر قمة رفضت فيه كل ما صدر. ولاحقاً اتخذت جامعة الدول العربية قراراً بنقل مقرها من القاهرة إلى تونس احتجاجاً على الخطوة المصرية.

على الصعيد العربي كان هناك جو من الإحباط والغضب لأن الشارع العربي كان آنذاك لايزال تحت تأثير افكار الوحدة العربية وافكار جمال عبد الناصر وخاصة في مصر والعراق وسوريا وليبيا والجزائر واليمن.

يرى البعض أن الاتفاقية أدت إلى نشوء نوازع الزعامة الأقليمية والشخصية في العالم العربي لسد الفراغ الذي خلفته مصر وكانت هذه البوادر واضحة لدى القيادات في العراق وسوريا فحاولت الدولتان تشكيل وحدة في عام 1979 ولكنها انهارت بعد اسابيع قليلة وقام العراق على وجه السرعة بعقد قمة لجامعة الدول العربية في بغداد في 2 نوفمبر 1978 ورفضت اتفاقية كامب ديفيد وقررت نقل مقر الجامعة العربية من مصر وتعليق عضوية مصر ومقاطعتها وشاركت بهذه القمة 10 دول عربية ومنظمة التحرير الفلسطينية وعرفت هذه القمة باسم ” جبهة الرفض “. وفي 20 نوفمبر 1979 عقدت قمة تونس العادية وأكدت على تطبيق المقاطعة على مصر. وازداد التشتت في الموقف بعد حرب الخليج الأولى إذ انضمت سوريا وليبيا إلى صف إيران وحدث أثناء هذا التشتت غزو إسرائيل للبنان في عام 1982 بحجة إزالة منظمة التحرير الفلسطينية من جنوب لبنان وتمت محاصرة للعاصمة اللبنانية لعدة شهور ونشات فكرة “الإتحاد المغاربي” الذي كان مستنداً على أساس الانتماء لأفريقيا وليس الانتماء للقومية العربية.

معاهدة الطائف بين السعودية واليمن

كاتب الموضوع الأصلي: محمد القديري333

معاهدة الطائف هي معاهدة تمت عام 1934 م بين المملكة المتوكلية اليمنية والمملكة العربية السعودية ، عقب مفاوضات بين الجانبين تمت في 18، و19 مايو 1934، بوساطة المجلس الإسلامي الأعلى. أعلن الاتفاق نهاية الحرب السعودية اليمنية التي أشتعلت في الثلاثينات من القرن العشرين ، وإقامة علاقات سلمية بين الدولتين.

واعتراف كل طرف باستقلال وسيادة الطرف الآخر. وأعادت المملكة العربية السعودية إلى اليمن بعض الأراضي، التي احتلتها إبان الحرب بينهما، كما أبدى الاتفاق اهتماماً خاصاً بتعاون الطرفين في كشف العناصر المعادية لنظاميهما.

كما أبدى الاتفاق اهتماماً خاصاً بتعاون الطرفين في كشف العناصر المعادية لنظاميهما. حددت الرسائل المتبادلة الملحقة بالاتفاق، شروط تسليم الأدارسة اللاجئين في اليمن إلى المملكة العربية السعودية، وفي 26 يونيو 1934 الموافق 14 ربيع الأول 1353 هـ تسلَّم السلطان عبد العزيز أفراد أسرة الأدارسة من إمام اليمن الذي ضمن شروط الصلح بينهما.

نص المعاهدة:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نحن الإمام يحيى بن محمد حميد الدين ملك المملكة اليمانية، بما إنه قد عقدت بيننا وبين الملك الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة السعودية، معاهدة صداقة إسلامية وأخوة عربية لإنهاء حالة الحرب الواقعة لسوء الحظ بيننا وبين جلالته ولتأسيس علاقات الصداقة الإسلامية بين بلاديهما، ووقعها مندوب مفوض من قبلنا ومندوب مفوض من قبل جلالته وكلاهما حائزان للصلاحية التامة المتقابلة وذلك في مدينة جدة في اليوم السادس من شهر صفر سنة ثلاث وخمسين بعد الثلاثمائة والألف وهي مدرجة مع عهد التحكيم والكتب الملحقة بها فيما يلي:

معاهدة صداقة إسلامية وأخوة عربية بين المملكة اليمانية وبين المملكة العربية السعودية

الإمام يحيى بن محمد حميد الدين ملك اليمن من جهة.

والإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية من جهة أخرى.

رغبة منهما في إنهاء حالة الحرب التي كانت قائمة لسوء الحظ فيما بينهما وبين حكومتيهما وشعبيهما، ورغبة في جمع كلمة الأمة الإسلامية العربية ورفع شأنها وحفظ كرامتها واستقلالها.

ونظرًا لضرورة تأسيس علاقات عهدية ثابتة بينهما وبين حكومتيهما وبلاديهما على أساس المنافع المشتركة والمصالح المتبادلة.

وحبًا في تثبيت الحدود بين بلاديهما وإنشاء علاقات حسن الجوار وربط الصداقة الإسلامية فيما بينهما وتقوية دعائم السلم والسكينة بين بلاديهما وشعبيهما.

ورغبة في أن يكون عضوًا واحدًا أمام الملمات المفاجئة وبنيانًا متراصًا للمحافظة على سلامة الجزيرة العربية قررا عقد معاهدة صداقة إسلامية وأخوة عربية فيما بينهما، وانتدبا لذلك الغرض مندوبين مفوضين عنهما وهما:

عن ملك اليمن حضرة صاحب السيادة السيد عبد الله بن أحمد الوزير.

وعن ملك المملكة العربية السعودية حضرة الأمير خالد بن عبد العزيز نجل جلالته ونائب رئيس مجلس الوكلاء.

وقد منح الملكين لمندوبيهما الآنفي الذكر الصلاحية التامة والتفويض المطلق. وبعد أن اطلع المندوبان المذكوران على أوراق التفويض التي بيد كل منهما فوجداها موافقة للأصول، قررا باسم ملكيهما الاتفاق على المواد الآتية:

المادة الأولى:

تنتهي حالة الحرب القائمة بين مملكة اليمن والمملكة العربية السعودية بمجرد التوقيع على هذه المعاهدة، وتنشأ فورًا بين الملكين وبلاديهما وشعبيهما حالة سلم دائم وصداقة وطيدة، وأخوة إسلامية عربية دائمة لا يمكن الإخلال بها جميعها أو بعضها. ويتعهد الفريقان الساميان المتعاقدان بأن يحلا بروح الود والصداقة جميع المنازعات والاختلافات التي قد تقع بينهما، وبأن يسود علاقتهما روح الإخاء الإسلامي العربي في سائر المواقف والحالات، ويشهدان الله على حسن نواياهما ورغبتهما الصادقة في الوفاق، والاتفاق سرًا وعلنًا، ويرجوان منه سبحانه وتعالى أن يوفقهما وخلفاءهما وورثاءهما وحكومتيهما إلى السير على هذه الخطة القويمة التي فيها رضا الخالق وعز قومهما ودينهما.

المادة الثانية:

يعترف كل من الفريقين الساميين المتعاقدين للآخر باستقلال كل من المملكتين استقلا ً لا تامًا مطلقًا وبملكيته عليها، فيعترف الإمام يحيى بن محمد حميد الدين ملك اليمن لالإمام عبد العزيز ولخلفائه الشرعيين، باستقلال المملكة العربية السعودية استقلا ً لا تامًا مطلقًا، وبالملكية على المملكة العربية السعودية، ويعترف الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية لالإمام يحيى ولخلفائه الشرعيين باستقلال مملكة اليمن استقلا ً لا تامًا مطلقًا، وبالملكية على مملكة اليمن. ويسقط كل منهما أي حق يدعيه في قسم أو أقسام من بلاد آخر خارج الحدود القطعية المبينة في صلب هذه المعاهدة. إن الإمام الملك يحيى يتنازل بهذه المعاهدة عن أي حق يدعيه باسم الوحدة اليمانية أو غيرها في البلاد التي هي بموجب هذه المعاهدة تابعة للمملكة العربية السعودية من البلاد التي كانت بيد الأدارسة أو آل عايض أو في نجران وبلاد يام، كما أن الإمام عبد العزيز يتنازل بهذه المعاهدة عن أي حق يدعيه من حماية واحتلال أو غيرهما في البلاد التي هي بموجب هذه المعاهدة تابعة لليمن من البلاد التي كانت بيد الأدارسة أو غيرها.

المادة الثالثة:

يتفق الفريقان الساميان المتعاقدان على الطريقة التي تكون بها الصلات والمراجعات بما فيها حفظ مصالح الطرفين وبما لا ضرر فيه على أيهما، على أن لا يكون ما يمنحه أحد الفريقين الساميين المتعاقدين للآخر أقل مما يمنحه لفريق ثالث ولا يوجب هذا على أي الفريقين أن يمنح الآخر أكثر مما يقابله بمثله.

المادة الرابعة:

خط الحدود الذي يفصل بين بلاد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين موضح بالتفصيل الكافي فيما يلي، ويعتبر هذا الخط حدًا فاص ً لا قطعيًا بين البلاد التي تخضع لكل منهما. يبدأ خط الحدود بين المملكتين اعتبارًا من النقطة الفاصلة بين (ميدي) و(الموسم) على ساحل البحر الأحمر إلى جبال تهامة في الجهة الشرقية، ثم يرجع شما ً لا إلى أن ينتهي إلى الحدود الغربية الشمالية التي بين (بني جماعة) ومن يقابلهم من جهة الغرب والشمال ثم ينحرف إلى جهة الشرق إلى أن ينتهي إلى ما بين حدود (نقعه) و(عار) التابعتين لقبيلة (وائلة) وبين حدود يام ثم ينحرف إلى أن يبلغ مضيق (مروان) و(عقبة رفادة)، ثم ينحرف إلى جهة الشرق حتى ينتهي من جهة الشرق إلى أطراف الحدود بين من عدا (يام) من (همدان بن زيد وائلي) وغيره وبين (يام) فكل ما عن يمين الخط المذكور الصاعد من النقطة المذكورة التي على ساحل البحر إلى منتهى الحدود في جميع جهات الجبال المذكورة فهو من المملكة العربية السعودية، فما هو من جهة اليمن المذكورة هو / ميدي / و/ حرض/ وبعض قبيلة / الحراث / و/ المير / وجبال / الظاهر / و/ شذا / و/ الضيعة / وبعض / العبادل / وجميع بلاد وجبال / رازح / و/ منبه / مع / عرو آل مشيخ / وجميع بلاد وجبال / بني جماعة / و/ سحار الشام يباد / وما يليها ومحل / مريصعه وعموم / سحار / و/ نقعة / و/ دعار / وعموم / وائلة / وكذا الفرغ مع / عقبة نهوقة / وعموم من عدا / يام / و/ وادعة ظهران / من / همدان بن زيد / هؤلاء المذكورون وبلادهم بحدودها المعلومة، وكل ما هو بين الجهات المذكورة وما يليها مما لم يذكر اسمه، مما كان مرتبطًا ارتباطًا فعليًا أو تحت ثبوت يد المملكة اليمانية قبل سنة 1352 هـ، كل ذلك هو في جهة اليمين فهو من المملكة اليمانية، وما هو في جهة اليسار المذكورة وهو / الموسم / و/ وعلان / وأكثر / الحرشا / و/ الخوبة / و/ الجابري / وأثر / العبادل / وجميع / خيفا / و/ بني مالك / و/ بني حريص / / وآل تليد / و/ قحطان / و/ ظهران وادعة / وجميع / وادعة ظهران / مع مضيق / مروان / و/ عقبة رفادة / وما خلفهما من جهة الشرق والشمال من / يام / و/ نجران / و/ وائلة / وكل ما هو تحت / عقبة نهوقة / إلى أطراف نجران ويام من جهة الشرق، هؤلاء المذكورون وبلادهم بحدودها المعلومة، وكل ما هو بين الجهات المذكورة وما يليها مما لم يذكر اسمه مما كان مرتبطًا ارتباطًا فعليًا أو تحت ثبوت يد المملكة العربية السعودية قبل سنة 1352 هـ، كل ذلك هو في جهة يسار الخط المذكور فهو من المملكة العربية السعودية، وما ذكر من يام ونجران و/ الحضن / و/ زور وادعة / وسائر من هو في نجران من وائلة، فهو بناء على كل ما كان من تحكيم الإمام يحيى لالملك عبد العزيز في / يام / والحكم من الملك عبد العزيز بأن جميعها تتبع المملكة العربية السعودية، وحيث إن / الحضن / و/ زور وادعة / ومن هو من وائلة في نجران هم من وائلة، ولم يكن دخولهم في المملكة العربية السعودية إ ّ لا لما ذكر، فذلك لا يمنعهم ولا يمنع إخوانهم وائلة من التمتع بالصلاة والمواصلات والتعاون المعتاد والمتعارف به.

ثم يمتد هذا الخط من نهاية الحدود المذكورة آنفًا بين أطراف قبائل المملكة العربية السعودية وأطراف من عدا / يام / من / همدان بن زيد / وسائر قبائل اليمن، فللمملكة اليمانية كل الأطراف والبلاد اليمانية إلى منتهى حدود اليمن من جميع الجهات وللمملكة العربية السعودية كل الأطراف والبلاد إلى منتهى حدودها من جميع الجهات، وكل ما ذكر في هذه المادة من نقط شمال وجنوب وشرق وغرب فهو باعتبار كثرة إتجاه ميل خط الحدود في إتجاه الجهات المذكورة، وكثيرًا ما تميل لتداخل ما إلى كل من المملكتين.

أما تعيين وتثبيت الخط المذكور وتمييز القبائل وتحديد ديارها على أكمل الوجوه فيكون إجراؤه بواسطة هيئة مؤلفة من عدد متساوٍ من الفريقين بصورة ودية أخوية بدون حيف بحسب العرف والعادة الثابتة عند القبائل.

المادة الخامسة:

نظرًا لرغبة كل من الفريقين الساميين المتعاقدين في دوام السلم والطمأنينة والسكون وعدم إيجاد أي شيء يشوش الأفكار بين المملكتين فإنهما يتعهدان تعهدًا متقاب ً لا بعدم إحداث أي بناء محصن في مساحة خمسة كيلومترات في كل جانب من جانبي الحدود في كل المواقع والجهات على طول خط الحدود.

المادة السادسة:

يتعهد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين بأن يسحب جنده فورًا عن البلاد التي أصبحت بموجب هذه المعاهدة تابعة للفريق الآخر مع صون الأهلين والجند عن كل ضرر.

المادة السابعة:

يتعهد الفريقان الساميان المتعاقدان بأن يمنع كل منهما أهالي مملكته عن كل ضرر وعدوان على أهالي المملكة الأخرى في كل جهة وطريق، وبأن يمنع الغزو بين أهل البوادي من الطرفين، ويرد كل ما ثبت أخذه بالتحقيق الشرعي من بعد إبرام هذه المعاهدة وضمان ما تلف وبما يلزم بالشرع فيما وقع من جناية قتل أو جرح، بالعقوبة الحاسمة على من ثبت منهم العدوان. ويظل العمل بهذه المادة ساريًا إلى أن يوضع بين الفريقين اتفاق آخر لكيفية التحقيق وتقدير الضرر والخسائر.

المادة الثامنة:

يتعهد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين تعهدًا متقاب ً لا بأن يمتنعا عن الرجوع للقوة لحل المشكلات بينهما وبأن يعملا جهدهما لحل ما يمكن أن ينشأ بينهما من الاختلاف، سواء كانت سببه ومنشؤه هذه المعاهدة أو تفسير كل أو بعض موادها، أم كان ناشئًا عن أي سبب آخر بالمراجعات الودية، وفي حالة عدم إمكان التوفيق بهذه الطريقة، يتعهد كل منهما بأن يلجأ إلى التحكيم الذي توضح شروطه وكيفية طلبه وحصوله في ملحق مرفق بهذه المعاهدة، ولهذا الملحق نفس القوة والنفوذ الذين لهذه المعاهدة ويحسب جزءًا منها أو بعضها متممًا للكل فيها.

المادة التاسعة:

يتعهد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين بأن يمنع بكل ما لديه من الوسائل المادية والمعنوية، استعمال بلاده قاعدة ومركزًا لأي عمل عدواني أو شروع فيه أو استعداد له ضد بلاد الفريق الآخر، كما أنه يتعهد باتخاذ التدابير الآتية بمجرد وصول طلب خطي من حكومة الفريق الآخر وهي:

1 – إذا كان الساعي في عمل الفساد من رعايا الحكومة المطلوب منها اتخاذ التدابير، فبعد التحقيق الشرعي وثبوت ذلك يؤدب فورًا من قبل حكومته بالأدب الرادع الذي يقضي على فعله ويمنع وقوع أمثاله.

٢ – إن كان الساعي في عمل الفساد من رعايا الحكومة الطالبة اتخاذ التدابير، فإنه يلقى القبض عليه فورًا من قبل الحكومة المطلوب منها ويسلم إلى حكومته الطالبة، وليس للحكومة المطلوب منها التسليم عذر عن إنفاذ الطلب، وعليها إتخاذ كافة الإجراءات لمنع فرار الشخص المطلوب أو تمكينه من الهرب وفي الأحوال التي يتمكن فيها الشخص المطلوب من الفرار فإن الحكومة التي فر من أراضيها تتعهد بعدم السماح له بالعودة إلى أراضيها مرة أخرى، وان تمكن من العودة إليها يلقى القبض عليه ويسلم إلى حكومته.

٣ – وإن كان الساعي في عمل الفساد من رعايا حكومة ثالثة، فإن الحكومة المطلوب منها والتي يوجد الشخص على أراضيها، تقوم فورًا وبمجرد تلقيها الطلب من الحكومة الأخرى بطرده من بلادها، وعده شخصًا غير مرغوب فيه، ويمنع من العودة إليها في المستقبل.

المادة العاشرة:

يتعهد كل من الفريقين الساميين بعدم قبول من يفر عن طاعة دولته كبيرًا كان أم صغيرًا، موظفًا كان أم غير موظف، فردًا كان أم جماعة، ويتخذ كل من الفريقين الساميين المتعاقدين كافة التدابير الفعالة من إدارية وعسكرية وغيرها لمنع دخول هؤلاء الفارين إلى حدود بلاده فإن تمكن أحدهم أو كلهم من اجتياز خط الحدود بالدخول في أراضيه فيكون عليه واجب نزع السلاح من الملتجئ وإلقاء القبض عليه، وتسليمه إلى حكومة بلاد الفار منها، وفي حالة عدم إمكان القبض عليه تتخذ كافة الوسائل لطرده من البلاد التي لجأ إليها إلى بلاد الحكومة التي يتبعها.

المادة الحادية عشرة:

يتعهد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين بمنع الأفراد والعمال والموظفين التابعين له من المداخلة بأي وجه كان مع رعايا الفريق الآخر بالذات أو بالواسطة، ويتعهد باتخاذ كامل التدابير التي تمنع حدوث القلق أو توقع سوء التفاهم بسبب الأعمال المذكورة.

المادة الثانية عشرة:

يعترف كل من الفريقين الساميين المتعاقدين بأن أهل كل جهة من الجهات الصائرة إلى الفريق الآخر بموجب هذه المعاهدة رعية لذلك الفريق الآخر. ويتعهد كل منهما بعدم قبول أي شخص أو أشخاص من رعايا الفريق الآخر رعية له إ ّ لا بموافقة ذلك الفريق، وبأن تكون معاملة رعايا كل من الفريقين في بلاد الفريق الآخر طبقًا للأحكام الشرعية المحلية.

المادة الثالثة عشرة:

يتعهد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين بإعلان العفو الشامل الكامل عن سائر الإجرام والأعمال العدائية التي يكون قد ارتكبها فرد أو أفراد من رعايا الفريق الآخر المقيمين في بلاده (أي في بلاد الفريق الذي منه إصدار العفو) كما أنه يتعهد بإصدار عفو عام شامل كامل عن أفراد رعاياه الذين لجؤوا أو انحازوا أو بأي شكل من الأشكال انضموا إلى الفريق الآخر، من كل جناية، ومال أخذوا، منذ لجؤوا إلى الفريق الآخر إلى عددهم كائنًا ما كان ما بلغ، وبعدم السماح بإجراء أي نوع من الإيذاء، أو التعقيب أو التضييق بسبب ذلك الالتجاء، أو الانحياز أو الشكل الذي انضموا بموجبه، وإذا حصل ريب عند أي الفريقين بوقوع شيء مخالف لهذا العهد كان لمن حصل عنده الريب أو الشك من الفريقين مراجعة الفريق الآخر لأجل اجتماع المندوبين، الموقعين على هذه المعاهدة، وإن تعذر على أحدهما الحضور فينيب عنه آخر له كامل الصلاحية والإطلاع على تلك النواحي ممن له كامل الرغبة والعناية بصلاح ذات البين والوفاء بحقوق الطرفين بالحضور لتحقيق الأمر، حتى لا يحصل أي حيف ولا نزاع، وما يقرره المندوبان يكون نافذًا.

المادة الرابعة عشرة:

يتعهد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين برد وتسليم أملاك رعاياه الذين يعفى عنهم إليهم أو إلى ورثتهم، عند رجوعهم إلى وطنهم خاضعين لأحكام مملكتهم، وكذلك يتعهد الفريقان الساميان المتعاقدان بعدم حجز أي شيء من الحقوق والأملاك التي تكون لرعايا الفريق الآخر في بلاده ولا يعرقل استثماره أو أي نوع من أنواع التصرفات الشرعية فيها.

المادة الخامسة عشرة:

يتعهد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين بعدم المداخلة مع فريق ثالث سواء كان فردًا أم هيئة أم حكومة، أو الاتفاق معه على أي أمر يخل بمصلحة الفريق الآخر أو يضر ببلاده أو يكون من ورائه إحداث المشكلات والصعوبات له أو يعرض منافعها ومصالحها أو كيانها للأخطار.

المادة السادسة عشرة:

يعلن الفريقان الساميان المتعاقدان اللذان تجمعهما روابط الأخوة الإسلامية، والعنصرية العربية، أن أمتهما أمة واحدة، وأنهما لا يريدان بأحد شرًا وأنهما يعملان جهدهما لأجل ترقية شؤون أمتهما في ظل الطمأنينة والسكون وأن يبذلا وسعهما في سائر المواقف لما فيه الخير لبلاديهما وأمتهما غير قاصدين بهذا أية عداوة على أية أمة.

المادة السابعة عشرة:

في حالة الحصول اعتداء على بلاد أحد الفريقين الساميين المتعاقيدن يتحتم على الفريق الآخر أن ينفذ التعهدات الآتية:

أولاً : الوقوف على الحياد التام سرًا وعلنًا.

ثانيًا: المعاونة الأدبية والمعنوية الممكنة.

ثالثًا: الشروع في المذاكرة مع الفريق الآخرة لمعرفة أنجح الطرق لضمان وسلامة بلاد الفريق الآخر ومنع الضرر عنهما والوقوف في موقف لا يمكن تأويله بأنه تعضيد للمعتدي الخارجي.

المادة الثامنة عشرة:

في حالة حصول فتن واعتداءات داخلية في بلاد أحد الفريقين الساميين المتعاقدين يتعهد كل منهما تعهدًا متقاب ً لا بما يأتي:

أولاً : إتخاذ التدابير الفعالة اللازمة لعدم تمكين المعتدين أو الثائرين من الاستفادة من أراضيه.

ثانيًا: منع التجاء اللاجئين إلى بلاده، وتسليمهم أو طردهم إذا لجؤوا إليها كما هو موضح (في المادة التاسعة والعاشرة أعلاه).

ثالثًا: منع رعاياه من الاشتراك مع المعتدين أو الثائرين وعدم تشجيعهم أو تموينهم.

رابعًا: منع الإمدادات، والأرزاق، والمؤن والذخائر، عن المعتدين أو الثائرين.

المادة التاسعة عشرة:

يعلن الفريقان الساميان المتعاقدان رغبتهما في عمل كل ممكن لتسهيل المواصلات البريدية والبرقية وتزييد الاتصال بين بلاديهما وتسهيل تبادل السلع والحاصلات الزراعية والتجارية بينهما. وفي إجراء مفاوضات تفصيلية، من أجل عقد اتفاق جمركي، يصون مصالح بلاديهما الاقتصادية بتوحيد الرسوم الجمركية في عموم البلدين، أو بنظام خاص بصورة كاملة لمصالح الطرفين، وليس في هذه المادة ما يقيد حرية أحد الفريقين الساميين المتعاقدين في أي شيء حتى يتم عقد الاتفاق المشار إليه.

المادة العشرون:

يعلن كل من الفريقين الساميين المتعاقدين استعداده لأن يأذن لممثليه ومندوبيه في الخارج إن وجدوا بالنيابة عن الفريق الآخر متى أراد الفريق الآخر ذلك في أي شيء، وفي أي وقت، ومن المفهوم أنه حينما يوجد في ذلك العمل شخص من كل من الطرفين، في مكان واحد فإنهما يتراجعان فيما بينهما لتوحيد خطتهما، للعمل العائد لمصلحة البلدين، التي هي كلمة واحدة، ومن المفهوم أن هذه الماة لا تقيد حرية أحد الجانبين بأية صورة كانت في أي حق له كما أنه لا يمكن أن تفسر بحجز حرية أحدهما أو إضراره لسلوك هذه الطريقة.

المادة الحادية والعشرون:

يلغى ما تتضمنه الاتفاقية الموقع عليها في 5 شعبان سنة 1350 هـ على كل حال اعتبارًا من تاريخ هذه المعاهدة.

المادة الثانية والعشرون:

تبرم هذه المعاهدة وتصدق من قبل حضرة صاحبي الالملكين في أقرب مدة ممكنة نظرًا لمصلحة الطرفين في ذلك، وتصبح نافذة المفعول من تاريخ تبادل قرارات إبرامها مع استثناء ما نص عليه في المادة الأولى من إنهاء حالة الحرب بمجرد التوقيع. وتظل سارية المفعول مدة عشرين سنة قمرية تامة، ويمكن تجديدها أو تعديلها خلال الستة الأشهر التي تسبق تاريخ انتهاء مفعولها، فإن لم تجدد أو تعدل في ذلك التاريخ تظل سارية المفعول إلى ما بعد ستة أشهر من إعلام أحد الفريقين المتعاقدين الفريق الآخر رغبته في التعديل.

المادة الثالثة والعشرون:

تسمى هذه المعاهدة بمعاهدة الطائف، وقد حررت من نسختين باللغة العربية الشريفة بيد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين نسخة، وإشهادًا بالواقع وضع كل من المندوبين المفوضين توقيعه. (6 صفر سنة 1353 هـ 1951934 م).

عن السعودية- – – – – – – – – – – – – – عن اليمن

الأمير خالد بن عبد العزيز – – – – -عبد الله بن أحمد الوزير

الملحق الثاني

عهد التحكيم بين المملكة العربية السعودية وبين مملكة اليمن

بما ان حضرة صاحبي الالإمامين الملك عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية والملك يحيى ملك اليمن قد اتفقا بموجب المادة الثامنة من معاهدة الصلح والصداقة وحسن التفاهم المسماة بمعاهدة الطائف والموقع عليها في السادس من شهر صفر سنة ثلاث وخمسين بعد الثلاثمائة والألف على أن يحيلا إلى التحكيم أي نزاع أو اختلاف ينشأ عن العلاقات بينهما وبين حكومتيهما وبلاديهما متى عجزت سائر المراجعات الودية عن حله فإن الفريقين الساميين المتعاقدين يتعهدان بإجراء التحكيم على الصورة المبنية في المواد الآتية:

المادة الأولى:

يتعهد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين بأن يقبل بإحالة القضية المتنازع فيها على التحكيم خلال شهر واحد من تاريخ استلام طلب إجراء التحكيم من الفريق الآخر إليه.

المادة الثانية:

يجري التحكيم من قبل هيئة مؤلفة من عدد متساوٍ من المحكمين ينتخب كل فريق نصفهم ومن حكم وازع ينتخب باتفاق الفريقين الساميين المتعاقدين وإن لم يتفقا على ذلك يرشح كل منهما شخصًا فإن قبل أحد الفريقين بالمرشح الذي يقدمه الفريق الآخر فيصبح وازعًا وإن لم يمكن الاتفاق على ذلك تجرى القرعة على أيهما يكون وازعًا مع العلم بأن القرعة لا تجرى إلا على الأشخاص المقبولين من الطرفين. فمن وقعت القرعة عليه أصبح رئيسًا لهيئة التحكيم ووازعًا للفصل في القضية وإن لم يحصل الاتفاق على الأشخاص المقبولين من الطرفين تجري المراجعات فيما بعد إلى أن يحصل الاتفاق على ذلك.

المادة الثالثة:

يجب أن يتم اختيار هيئة التحكيم ورئيسها خلال شهر واحد من بعد انقضاء الشهر المعين لإجابة الفريقين المطلوب منه الموافقة على التحكيم لقبوله لطلب الفريق الآخر. وتجتمع هيئة المحكمين في المكان الذي يتم الاتفاق عليه في مدة لا تزيد عن شهر واحد بعد انقضاء الشهرين المعنيين في أول المادة. وعلى هيئة المحكمين أن تعطي حكمها خلال مدة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تزيد عن شهر واحد من بعد انقضاء المدة التي عينت للاجتماع كما هو مبين أعلاه. ويعطى حكم هيئة التحكيم بالأكثرية ويكون الحكم ملزمًا للفريقين ويصبح تنفيذه واجبًا بمجرد صدوره وتبليغه. ولكل من الفريقين الساميين المتعاقدين أن يعين الشخص أو الأشخاص الذين يريدهم للدفاع عن وجهة نظره أمام هيئة التحكيم وتقديم البيانات والحجج اللازمة لذلك.

المادة الرابعة:

أجور محكمي كل فريق عليه وأجور رئيس هيئة التحكيم مناصفة بينهما وكذلك الحكم في نفقات المحاكمة الأخرى.

المادة الخامسة:

يعتبر هذا العهد جزءًا متممًا لمعاهدة الطائف الموقع عليها في هذا اليوم السادس من شهر صفر سنة ثلاث وخمسين بعد الثلاثمائة والألف ويظل ساري المفعول مدة سريان المعاهدة المذكورة، وقد حرر هذا من نسختين باللغة العربية يكون بيد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين نسخة.

وقرارًا بذلك جرى توقيعه في اليوم السادس من شهر صفر سنة ثلاث وخمسين بعد الثلاثمائة والألف.

الملك خالد ين عبد العزيز عبد الرحمن الفيصل ال سعود وابن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل بن تركي ال سعود ملك المملكة العربية السعودية

معاهدة السلام الاردنية الأسرائيلية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد القديري333

معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية أو ما يشار إليه باسم معاهدة وادي عربة الاسم الكامل: معاهدة السلام بين دولة إسرائيل والمملكة الأردنية الهاشمية،هي معاهدة سلام وقعت بين إسرائيل والأردن على الحدود الفاصلة بين الدولتين والمارة بوادي عربة في 26 أكتوبر 1994 م. طبعت هذه المعاهدة العلاقات بين البلدين وتناولت النزاعات الحدودية بينهما. وترتبط هذه المعاهدة مباشرة بالجهود المبذولة في عملية السلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. بتوقيع هذه المعاهدة أصبحت الأردن ثاني دولة عربية -بعد مصر- تطبع علاقاتها مع إسرائيل. نظراً للظروف الصعبة التي كان يمر بها الأردن من النواحي الاقتصادية والسياسية والعسكرية كان عقد معاهدة السلام مع إسرائيل خياراً استراتيجياً لضمان عدم خسارة مزيد من أراضي المملكة.

نابليون بونبارت

كاتب الموضوع الأصلي: علاء الصفيان ٦/٨٠

هو قائد عسكري عبقري وإمبراطور فرنسي. كوّن إمبراطورية ضمت معظم غربي أوروبا ووسطها، ويعرف باسم نابليون الأوّل.

اصل نابليون

ولد نابليون بونابرت في 15 أغسطس 1769، في أجاكسيو Ajaccio، في جزيرة كورسيكا Corsica الإيطالية. وكان الطفل الرابع لكارلو بونابرت Carlo Buonaparte، وليتيزيا رامولينو Letizi Ramolino، وينتمي والده إلى عائلة إيطالية نبيلة. دخل نابليون، وهو في التاسعة من عمره، مدرسة أوتون Autun، وأمضى بها خمس سنوات، التحق بعدها بمدرسة فرنسية عسكرية، في مدينة براين Brienne ، في فرنسا، ثم التحق بأكاديمية باريس العسكرية، وكان مستواه متوسطاً في معظم المواد الدراسية، إلاّ أنه كان متفوقاً في الرياضيات.

في سبتمبر 1785، تقلد رتبة ملازم ثانٍ في سلاح المدفعية في الجيش الفرنسي، وعمره ستة عشرة عاماً، وخدم في مدرسة تدريب ضباط المدفعية. وفي 1791، رُقي إلى رتبة ملازم أول، ثم إلى نقيب في عام 1792م. انضم إلى جماعة اليعاقبة Jacobin Club، التي طالب كثير من أعضائها بإعلان فرنسا حكومة ملكية دستورية Constitutional Monarchy.

وفي عام 1793، تمكن نابليون من حماية مدينة طولون، أثناء الثورة الفرنسية. ومكافأةً له، عُين قائداً للجيش الفرنسي، في إيطاليا، في فبراير 1794. وفي 9 مارس 1796، تزوج نابليون من جوزفين دو بوراني Josephine de Beauharnais، وهي من أصل فرنسي، من المارتنيك Martinique، في جزيرة الهند الغربية، وكانت تكبره بسته أعوام، ولها طفلان من زوجها السابق.

وبحلول عام 1796، أصبحت النمسا العدو الرئيسي لفرنسا. وبعد اندلاع الحرب بينهما كسب نابليون الحرب. وفي أقل من عام هزم أربعة جيوش، كان كل منها أكبر من جيشه. وحقق انتصاراً نهائياً بعد أن تقدم إلى جبال الألب مهدداً فيينا في أوائل عام 1797م. وفي 17 أكتوبر من العام نفسه وقّعت فرنسا معاهدة كامبو فورميو Campo Formio، التي بموجبها توسعت أراضي فرنسا، وعاد نابليون إلى باريس فاستقبل استقبال الأبطال.

انتقل بعد هذه المعارك إلى الحملة المصرية، التي أراد بها تهديد طريق بريطانيا إلى الهند. ففي مايو 1798، أبحر نابليون إلى مصر على رأس جيش مؤلف من 38 ألف جندي، وفي يوليه هزم نابليون المماليك (حكام مصر العسكريين) في معركة الأهرامات، بالقرب من القاهرة. وكانت نقطة الضعف الأساسية في الحملة الفرنسية، هي ضعف البحرية الفرنسية، قياساً إلى البحرية البريطانية، وفي الأول من أغسطس من العام نفسه، دمّر الأسطول البريطاني ـ بقيادة الأدميرال هوراشيو نلسون Horatiao Nilson ـ الأسطول الفرنسي، في معركة أبي قير البحرية.

وفي عام 1799، غزا نابليون عكا (في فلسطين)، ولكنها استعصت عليه، وصمدت أمام حصاره. فتراجع إلى مصر، حيث هزم الأتراك في أبي قير. وبعد ذلك سمع نابليون بهزيمة الجيش الفرنسي في إيطاليا، فعاد إلى فرنسا في 14 أكتوبر. وأصبح الزعيم الأول في البلاد. وسرعان ما اضطر إلى خوض معارك حربية مع الروس والنمساويين، ففي يونيه عام 1800م، فاجأ نابليون بجيشه النمساويين، وهزمهم في معركة مارنجو Marengo. وفي 8 مايو 1804، انتخب مجلس الشيوخ والشعب في فرنسا، نابليون إمبراطورا لفرنسا. وقبض بشكل مطلق على السلطة، لينهى خمسة عشر عاماً من الاضطراب الداخلي.

وفي عام 1809، ذاق نابليون مرارة الهزيمة لأول مرة، على يد النمسا، إلاّ أنه سرعان ما انتقم لنفسه، عندما أحرز انتصاره الكاسح في معركة (واغرام)، في صيف العام نفسه. وفي عام 1810، وصلت إمبراطوريته إلى ذروتها، بضم هولندا وأجزاء كبيرة من شمالي ألمانيا إليها.

وفي يونيه 1812، عبر جيش نابليون إلى روسيا، واندفع الجيش إلى موسكو، ليجدها خالية من السكان تقريباً. وبعد فترة وجيزة من دخول الجيش الفرنسي موسكو، دمرت النيران ـ التي أشعلها الجيش الروسي المنسحب ـ أجزاء كبيرة من موسكو، فلم يتمكن نابليون من تزويد جيوشه بالإمدادات، وأخذت جيوشه تكافح ضد العواصف الثلجية، ودرجات الحرارة المتدنية التي بلغت حد التجمد. وهلك في تلك الحملة نحو 500 ألف جندي فرنسي.

بعد عودته من روسيا، واجه نابليون حلفاً عدائياً، من النمسا وإنجلترا وروسيا وبروسيا والسويد. وفي أكتوبر 1813، اشتبك الطرفان في “معركة الأمم”، في ليبتزج Leipzig، فهُزم نابليون، وعاد أدراجه إلى فرنسا، فطارده الحلفاء واستولوا على باريس. منح الحلفاء نابليون السيادة على جزيرة ألبا Elba، الواقعة في طرف الساحل الشمالي الغربي لإيطاليا. ومكث في الجزيرة مائة يوم، قرر بعدها الرجوع إلى فرنسا، معتمداً على ولاء ضباط الجيش له، وكان ذلك في مارس 1815.

وسرعان ما استعاد سيطرته، وقام بحملة عسكرية، هزم الجيوش المتحالفة ضده في بلجيكا، وأتبعها بإنزال الهزيمة بالبروسيين والبريطانيين، وحاصر الجيش البريطاني في 18 يونيه 1815، وشن نابليون هجوماً على دوق ولنجتون في وترلو Waterloo (في الجزء الشمالي من وسط بلجيكا). التي أصبحت من أكثر معارك التاريخ شهرة. وفي الوقت الذي بدت فيه القوات البريطانية على وشك الانهيار، وصلت القوات البروسية بقيادة جيبارد بلوخر Gebhard Blucher، لتشد من أزر القوات البريطانية. وتَلَقَّى الجيش الفرنسي هزيمة ساحقة.

وفي أغسطس من عام 1815، نُفي نابليون إلى جزيرة سانت هيلانة Saint Helena الموحشة (جنوب المحيط الأطلسي). وضع نابليون (قانون نابليون) أو القانون المدني، الذي لا يزال يُشكل أساس القانون المدني الفرنسي.
توفي نابليون في 5 مايو 1821، نتيجة إصابته بسرطان في المعدة، ودُفن في جزيرة سانت هيلانة، إلاّ أن جثمانه أُعيد إلى باريس ودفن في كنيسة القبة.

اسرة ال بربون

كاتب الموضوع الأصلي: علاء الصفيان ٦/٨٠

سيطرت بعض الأسر المالكة علي أقدار ومصائر القارة العجوز (أوروبا) وقد يكون الصحيح القول أن نظام الإقطاع “الذي يتحكم في كل شيء بوصفه ملكية خاصة للحاكم هو نظام أوروبي بامتياز ومعناه: مجموعة الأخلاقيات والمثل التي تحرك الطبقة الحاكمة. فما يعني أشكال الحكومة اللامركزية التي تنتقل فيها السلطة الإدارية والعسكرية والقضائية إلي أيدي الإقطاعيين. وآيا كانت هذه الأشكال، فالثابت أنها كانت أسلوب حياة النبلاء الأوروبيين منذ القرن التاسع (إن لم يكن قبل ذلك) وحتي القرن الثالث عشر (إن لم يكن بعد ذلك).
وأشهد أنني في كل مرة كنت أمر فيها أمام (قصر بوربون) وهو مقر البرلمان الفرنسي (الجمعية الوطنية) في باريس تقفز إلي ذهني صورة هذه الأسرة العريقة (أسرة بوربون) التي كانت ولعقود زمنية متتالية مستودعاً لمعظم حكام أوروبا خصوصاً في فرنسا والنمسا. ولا شك أن عظمة هذا القصر تعني ضمن ما تعني – “أن حكاماً” أفذاذ كانوا يسيطرون علي مقاليد السلطة في أرجاء بعض الدول الأوروبية القوية آنذاك.
ويؤكد نفر من المؤرخين أن تأثير هذا الإقطاع كان يتجاوز حدود القارة العجوز ويذهب إلي أن الحروب الصليبية التي اكتوي من نيرانها الشرق كانت في جانب منها نتاجاً للقيم والمفاهيم التي تحكم عقول هؤلاء الإقطاعيين.
وكان طبيعياً أن تؤدي الحروب التي تورطت فيها هذه الأسر الحاكمة ودفعت ثمنها أوروبا، ثم البذخ الذي كانت تعيش فيه، وضعف الملوك، وعجز الوزراء عن ضبط إيقاع الحياة السياسية. فضلاً عن تململ الطبقات الأرستقراطية وأنانيتها وجبروتها. كل ذلك أدي إلي انحدار دولة مثل فرنسا إلي حالة من الفوضي الاقتصادية تكررت كثيراً في دول مجاورة، وكان السبب الأول فيها انسلاخ الأسر الحاكمة عن الشعب، واعتمادها بدرجة أولي علي الأموال التي يتفنن بعض وزراء المالية في السطو عليها من جيوب الشعب. ولعل المثال الصارخ علي ذلك ما قام به المدعو (كالون) الذي كان مسئولاً عن المالية الفرنسية عندما اقترح فرض ضريبة عامة علي الأراضي والعقارات لا تستثني منها الطبقة الأرستقراطية نفسها، لكن لان معظم أبناء أسرة بوربون إلي جانب السادة النبلاء كانوا غارقين في الديون، لكان مستبعداً أن تلقي هذه الفكرة استحساناً، ولذلك سقط (كالون) ليخلفه (لوميني دي بريين) الذي عرض اقتراحات متشابهة علي البرلمانات المؤلفة من القضاة المكلفين بتسجيل المراسيم، والذين كان من حقهم الاعتراض علي القوانين في باريس وبعض البلاد الصغيرة ورفضت البرلمانات الاقتراحات وطالبت بانعقاد “مجلس الطبقات” وجاء ذلك علي هوي الطبقة الأرستقراطية لأن هذا المجلس كان يتألف من ثلاث هيئات منتخبة تمثل إحداها الاكليروس وتمثل الثانية النبلاء والثالثة تمثل الشعب. وحيث كانت طبقة رجال الكنيسة (الاكليروس) خاضعة لسيطرة النبلاء الذين يتقلدون المناصب الرفيعة في الكنيسة لقاء الخدمات التي يقدمونها، فقد كانت الطبقتان علي يقين دائم من الحصول علي أغلبية الأصوات.
وهكذا، وجد الشعب نفسه ضحية لأسرات تحكم، ونظام حكم (أجوف) يحرص علي الشكل دون المضمون.
وربما هذا الحال الخانق هو الذي ساعد في تفاقم الأوضاع ومهد – فعلاً “لا قولاً” – للثورة حيث ملأ الخطباء المقاهي، خصوصاً تلك المحيطة بالقصر الملكي (باليه رويال) وكانت الجماهير تحتشد علي أبواب هذه المقاهي ونوافذها لتستمع في شغف إلي بعض هؤلاء الخطباء الذين كانوا يخاطبون جماهيرهم من فوق المقاعد والمناضد.
ويذكر كتاب باريس في سنوات الثورة لمؤلفه راي تاناهيل أن العيش بات عسيراً، فلقد بلغ رغيف وزنه أربعة أرطال حوال 14.5سو وهو العملة الفرنسية التي كانت سائدة آنذاك وتعادل خمسة سنتيمات. بينما لا يتجاوز صافي الأجر اليومي لعامل البناء (18سو).
كان هذا الواقع سبباً إضافياً اقتنع العامة في باريس بأن الأرستقراطيين قد أوشكوا علي سحقهم تحت نعالهم القرمزية.
والحديث عن الخبز في باريس يذكر – علي الفور – بثورة الجياع التي عكرت صفو الملكة ماري أنطوانيت فسألت في دهشة عن سبب المظاهرات التي تحيط بقصر فرساي حيث كانت تقيم، فقيل لها: أن الشعب يطالب بالخبز، وهو يبحث عنه فلا يجده! فقالت قولتها الشهيرة” إذا لم يجد خبزاً فليأكل الجاتوه!
وفي كل الأحوال لقد بلغت نغمة الشعب الفرنسي حدها الأقصي فأتجه من فورة نحو سجن الباستيل وقام بتحطيمه في مشهد خارق لا تزال تحتفظ به الذاكرة الإنسانية ليسدل بعدها علي أسرة بوربون الحاكمة. ويبدأ عصر آخر.
ويروي أن مجموعة قوامها حوالي أربعين فرداً قد تقدمت وفتحت، لهم البوابة الرئيسية للسجن، ولكن سرعان ما رفع الجسر المتحرك وذبحت المجموعة بأكملها علي الفور. فزاد تفاقم الأوضاع. وطالب الشعب بالثأر، وسرعان ما وجه الحشد مدافعه صوب البوابة وفتحوا فجوة فيها اقترنت بروح السخط التي سادت الموقف وأدت إلي استسلام الحصن علي الفور.
ولاستكمال هذه المشاهد التي أعلن فيها الشعب الفرنسي رفضه للأسرة الحاكمة، والإقطاع وطبقة النبلاء، والأرستقراطية المتغطرسة لابد من التوقف أمام مشهدين:
الأول، هو مقتل الملك لويس التاسع عشر الذي كانت حاشيته تعتقد انه الملك الإله، فبعد أن تم توجيه التهمة إليه بالخيانة العظمي ضد الأمة، كان لابد من سوقه نحو المشنقة. ويذكر تاريخ الثورة وصفاً دقيقاً كالآتي:
تدفقت دماء الملك، وشقت صيحات الفرح الصادرة من 180 ألف رجل مسلح عنان السماء. وترددت الصيحات علي طول الأرصفة. وكان الناس يغمسون أطراف أصابعهم وقطع الورق في دمائه، ويتذوقها واحد ليقول: دمه كالح كريه.
وفي كتاب باريس في سنوات الثورة الذي ترجمه إلهام عثمان، جاء هذا الوصف: إلي جانب المقصلة، يبيع جلاد خصلاً من شعره، ويشتري الناس الشريط الذي كان يعقصه به. كل إنسان يحمل قطعة من ثوبه أو تذكاراً مخضباً بالدماء لهذا المشهد المأساوي! كانت الحشود تسير متأبطة ذراع بعضها البعض وهي تتضاحك كأنها عائدة من مهرجان. لم يترك إعدام الملك أي انطباع، فتحت المسارح أبوابها كالمعتاد، وفرغت أباريق الحانات في الميدان الدموي، وعادت أصوات البائعين تنادي علي الكعك والفطائر حول الجثة المبتورة الرأس التي وضعت في سلة عادية كالتي توضع فيها رءوس المجرمين العاديين. وتم حملها إلي مدفن “مادلين” حيث غطيت بسخاء بالجير الحي حتي يستحيل علي كل ملوك أوروبا الحصول علي اصغر تذكار من رفاته.
الغريب أن تاريخ فرنسا المعاصر يذكر هذه المشاهد في شماتة ويري أن الأمة الفرنسية وقفت فريسة لنظام حكم ملكي ظالم ترك للنبلاء حق استعباد الشعب. والتعامل مع أفراده كما لو كانوا عبيداً. فكان لابد من القصاص.
المشهد الثاني هو الملكة ماري انطوانيت تحت المقصلة. حيث كانت عيناها ذنادراً – ما تنظران إلي الجماهير، فإذا بها تنظر بعمق ومن حولها القوي المسلحة المؤلفة من 30 ألف رجل. تحدثت الملكة إلي القس الجالس إلي جوارها في خنوع محتشمة دون أن يبدو عليها كرب أو اكتئاب. وصعدت سلم المشنقة بسرعة ونفاذ صبر، وحلت ناظريها في آسي وتأثر صوب حديقة (تويلري) مسرح مجدها الزائل. وفي الثانية عشرة والنصف، فصلت المقصلة رأسها عن جسدها. وحملها الجلاد والدماء تتدفق منها، ليعرضها علي حشود الجماهير الغفيرة المبتهجة – والملتفة حول أركان المشنقة الأربعة.
صحيح أن الثورة الفرنسية عادت لتلتهم أبناءها، فلقي روبسير الملقب بفتي الثورة الغر الثائر حتفه بذات المقصلة، وكذلك لقي آخرون نفس المصير، لكن يبقي أن الثورة طوت إجباراً – صفحة أسرة (بوربون) التي حكمت فرنسا والنمسا فترات غائرة في جسد أوروبا.
ورغم ذلك فإن فكرة الأسرة الواحدة التي تمتلك الثروات وتمارس بشكل أو بآخر (إقطاعاً من نوع خاص في ميادين كثيرة ظلت ملحماً من الطلائع المجتمعية في فرنسا إلي يومنا. فأسرة الزعيم شارل ديجول لا تزال ترفض الحياة السياسية والعسكرية الفرنسية بشباب يدين بالفضل للرجل (رقم واحد) وهو شارل ديجول الذي أسال لعاب شباب الأسرة عبر الأجيال المتعاقبة ليكون من بينهم من تحمل الراية بعده. لكن هذا الحال لا يرقي إلي مستوي (الإرث) لأن حكام اليوم يرون أن فرنسا لم تعد ملكية، ولعل هذا ما كان يعنيه الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي عندما سئل عما إذا كان يتعبر نفسه وريثاً للديجوليين عبر سابقة جاك شيراك فأجاب: أنا لست وريثاً لأحد، أو امتداد له، وفرنسا ليست ملكية.
لكن ذلك لم يمنع ابنه (من زوجته الأولي) من أن تنخرط في العمل العام – ويقود مجموعة من الشباب والكهول ضمن دوائر المحليات الانتخابية. ولكن لا يعرف مكان هذه الدوائر تعتبر “مراكز تدريب أولية لرجال السياسة في بداية مشوارهم العملي. وكادت تفقد رئاسة حي لاديفانس الشهير وابرز الأحياء المالية والاقتصادية في باريس لساركوزي الصغير، ووسط ضجيج إعلامي عن التوريث، بشكل أو بآخر، وعن الابن الذي يسير في نفس الطريق الذي سلكه الأب قبلاً، فوجئ الفرنسيون بأن ابن الرئيس ساركوزي يتعذر عن هذا الموقع السياسي الحساس. وتذكر صحيفة لوباريزيان بأن ساركوزي الصغير ينأي أن يجعل والده لبانه! في فم خصومه السياسيين يلوكونها ليل نهار. وهو ما يعني أن ضمن بطموحه السياسي من اجل أن تظهر صورة والده الرئيس خالية من العقوب. وهي رديئة ناضجة، لكنها لا تعني أن ساركوزي الصغير قد ضمن تماماً بطموحه السياسي، وإنما كل ما قام به هو عملية أرجاء، مفضلاً “شكلاً” من أشكال الكون أو البيات المؤقت.
والثابت عملاً أن الرئيس الفرنسي قد سعد كثيراً بقرار ابنه ووضع (موقفه) موضع الاعتبار والتقدير. وهو عكس حالة أخري عرفتها الحياة السياسية في زمن الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران، الذي لم يتردد لحظة واحدة في إسناد ملف القارة الأفريقية لأبنه “كلود” الذي كان الحاكم والآمر الناهي في القارة السمراء، ويقال أن سياسة أفريقيا كان يرسمها هذا الشاب فارع الطول في مكتبه الواقع داخل دهاليز قصر الإليزية. ومعروف أن كلود ميتران كان تورط في أعمال كثيرة داخل القارة من بينها تجارة سلاح وسمسرة وعمولات. وكذلك إسقاط حكام وفرض حكام آخرين.
وكانت بعض الصحف الفرنسية تتحدث عن ميتران الابن في لغة أشبه بالنمر والفخر، لكن ميتران (الرئيس) لم يكن يلقي بالاً لها. كما كان الحال مع ابنته غير الشرعية (مازارين) حتي عشيقته التي فرض عليها حصاراً حتي أخيرات أيامه قبل أن يعترف ببنوتها حسبما نشرت مجلة باري ماتش في ذلك الحين.
يبقي أن تذكر أن أوروبا بشكل عام – وفرنسا علي وجه الخصوص لا تسعي إلي فرض نظام الأسر الحاكمة ويكاد تحرص علي تفاديه، وهي تعتز كثيراً بثورتها التي حكمت سجن الباستيل الكبير، ورفض من شأن الطبقات الفقيرة علي نحو ما أرخ ذلك فيكتور هوجو في قصة “البؤساء”، وهي تتعامل مع الظاهرة في لغوية إذا ما جاءت الأحداث بشكل طبيعي، لكن لا يمنع ذلك من استهجان عام من فكرة التوريث في السياسة حتي ولو جاء الأمر علي صورة طموح ابن يرغب في تقليد والده، وهو حق مشروع للأبناء الذين يرون أن من حقهم أن يقلدوا الأب في كثير من السلوكيات وهي حالة ساراكوزي الأب والابن. وإن لم يمنع ذلك بالاعتزاز بعراقة الأسر نوع ما وبممارسة أشكال من دنيا من الإقطاع – ليس بالضرورة الإقطاع السياسي. مثل تباهي البعض بأن اسم العائلة مسبوق بحرف (دي) في إشارة إلي أصله الذي يعود إلي طبقة النبلاء أو الأرستقراطيين ومثل عائلة “داسو” التي تحتكر- تقريباً – صناعة الطائرات وهو ما يعطيها سطوة وقوة نافذة تجعلها تؤثر في القرار السياسي الفرنسي. وهناك من يتحدث عن “إقطاع إعلامي” ويعني امتلاك بعض الأسر لأكبر نسبة من الأسهم في جرائد مثل فرناس سوار التي يقال أن عائلة داسو هي التي تمتلكها.
باختصار: أن الإقطاع السياسي الذي تجسده الأسر الحاكمة، هو آفة عانت منها أوروبا وفرنسا علي وجه الخصوص وظلت ترزح تحت وطأتها قروناً طويلة، لكنها قررت أن تضع حداً له فكانت ثورتها التي رفعت الشعار الشهير “حرية، أخاء، مساواة” ولا يقلل من إرادة الشعب في أن يمارس الديمقراطية وأن يحكم نفسه بنفسه عبر صناديق الاقتراع أن تكسر القاعدة إحدي الأسر في مجال الاقتصاد، أو أسرة أخري في المستويات الدنيا من السياسة
فالتاريخ يؤكد أن الشعوب، تتطلع دائماً إلي الأمام ولا تلتفت كثيراً إلي الوراء إلا بما يدعم الرؤية نحو المستقبل.

روسيا البيضاء أو بيلاروسيا

كاتب الموضوع الأصلي: مهند العامر20


روسيا البيضاء أو بيلاروسيا

دولة داخلية في أوروبا الشرقية تحدها الدول التالية باتجاه عقارب الساعة روسيا الشمال الشرقي وأوكرانيا إلى الجنوب وبولندا إلى الغرب وليتوانيا ولاتفيا إلى الشمال الغربي. عاصمتها مينسك ومن المدن الرئيسية الأخرى بريست وغرودنو وغوميل وموغيلوف وفيتيبسك. تشكل الغابات 40% من مساحة البلاد البالغة 207,600 كم2. أقوى قطاعاتها الاقتصادية هي الزراعة والصناعة.
حتى القرن العشرين، افتقرت بيلاروسيا الفرصة لخلق هوية وطنية مميزة لعدة قرون بسبب خضوع أراضيها الحالية لدول عدة مختلفة عرقياً، بما في ذلك إمارة بولوتسك ودوقية ليتوانيا الكبرى والإمبراطورية الروسية والكومنولث البولندي الليتواني. تشكلت الجمهورية البيلاروسية الشعبية (1918-1919) وما لبثت أن أصبحت إحدى الجمهوريات المكونة للاتحاد السوفييتي تحت اسم جمهورية بيلاروسيا الاشتراكية السوفياتية.
تم توحيد البلاد بحدودها الحالية عام 1939 عندما منحت الأراضي التي أقيمت عليها الجمهورية البولندية الثانية للاتحاد السوفياتي وفقًا لأحكام ميثاق مولوتوف ريبنتروب وألحقت بروسيا البيضاء السوفياتية. تضررت البلاد بشدة جراء الحرب العالمية الثانية حيث فقدت خلالها روسيا البيضاء نحو ثلث السكان وأكثر من نصف مواردها الاقتصادية؛ أعيد بناء الجمهورية في سنوات ما بعد الحرب. نظرًا لأثر الحرب العالمية الثانية، أصبحت جمهورية بيلاروسيا الاشتراكية السوفياتية عضوًا مؤسسًا للأمم المتحدة جنبًا إلى جنب مع الاتحاد السوفياتي وجمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية.
أعلن برلمان الجمهورية سيادة روسيا البيضاء يوم 27 يوليو 1990، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، أعلن الاستقلال في 25 أغسطس 1991. ألكسندر لوكاشينكو هو رئيس البلاد منذ عام 1994 وتحت رئاسته وعلى الرغم من اعتراض الحكومات الغربية، فقد نفذ سياسات الحقبة السوفياتية مثل ملكية الدولة للاقتصاد. منذ عام 2000، وقعت روسيا وروسيا البيضاء معاهدة للمزيد من التعاون مع بعض التلميحات لتشكيل دولة اتحادية.
يقيم معظم سكان روسيا البيضاء الـ 9.49 مليون في المناطق الحضرية المحيطة بمينسك وغيرها من عواصم الأوبلاستات (الأقاليم) المشكلة للبلاد أكثر من 80% من السكان هم من البيلاروس مع أقليات كبيرة من الروس والبولنديين والأوكرانيين. منذ إجراء استفتاء شعبي في عام 1995، أصبحت اللغتان الرسميتان في البلاد البيلاروسية والروسية. لا يعلن دستور روسيا البيضاء الدين الرسمي على الرغم من أن الدين الرئيسي في البلاد هو المسيحية الأرثوذكسية الروسية. ثاني الأديان هي المسيحية الكاثوليكية بعدد أتباع أقل بكثير ولكن يتم احترام عيدي الفصح والميلاد رسميًا وتعتبر أعيادًا رسمية.
أصل التسمية
تستمد التسمية بيلاروسيا من المصطلح “روسيا البيضاء”. توجد عدة فرضيات حول أصل التسمية. يصف الاسم المنطقة المغطاة بالثلوج في شرق أوروبا والمسكونة من قبل الشعب السلافي كمنطقة جميلة وحرة كنقيض للمنطقة الليتوانية “روثينيا السوداء”. قد يكون للملابس البيضاء التي كان السلافيون يرتدونها دور في التسمية وفقًا لنظرية أخرى. من الافتراضات الأخرى أن التسمية تعود للأراضي الجنوبية (بولاكاك وفيتسبك وموغيلوف) والتي لم يتمكن التتار من غزوها. حيث أنه قبل 1267 سميت الأرض التي لم يستطع التتار غزوها بروسيا البيضاء. ظهرت التسمية أولًا في الأدب الألماني واللاتيني في العصور الوسطى. في كتابات يان التشارنكوفي تحدث عن دوق ليتواني كبير يدعى يوغيلا كانت أمه مسجونة في عام 1381 في “ألبا روسيا استخدم مصطلح “ألبا روسيا” لاحقًا من قبل البابا بيوس السادس عند تأسيس جمعية اليسوعيين في 1783. أشير إلى البلاد تاريخيًا بالانجليزية باسم “روثينيا البيضاء كان أول استخدام معروف لاسم روسيا البيضاء للإشارة إلى بلاروسيا في أواخر القرن السادس عشر من قبل السير جيروم هورسي الإنكليزي. خلال القرن السابع عشر استخدم القياصرة الروس اسم روسيا البيضاء لوصف الأراضي التي تم الاستيلاء عليها من دوقية ليتوانيا الكبرىسة الفكرية في عهد ستالين تغيير الاسم من بيلوروسيا صيغة من كريفيا بسبب الصلة المفترضة بروسيا. عارض بعض القوميين الاسم لنفس السبب. ومع ذلك، فإن العديد من الصحف الشعبية المحلية أبقت على الاسم القديم للبلاد بالروسية في أسمائها، مثلًا كومسومولسكايا برافدا بيلوروسي، والتي هي فرع محلي لصحيفة روسية شعبية. أيضًا أولئك الذين يرغبون إعادة توحيد بلاروسيا مع روسيا يواصلون استخدام الاسم الروسي. رسميًا، الاسم الكامل للدولة هو جمهورية بيلاروسيا
السياســة
بلاروسيا جمهورية رئاسية يحكمها الرئيس والجمعية الوطنية. وفقًا لدستور عام 1994، يتم انتخاب الرئيس مرة واحدة كل خمس سنوات. ومع ذلك، بعد تصويت عام 1996 والذي كان محط جدل تغيرت مدة الرئاسة من خمس سنوات إلى سبع سنوات. الجمعية الوطنية هي برلمان من مجلسين هما مجلس النواب 110 عضوًا ومجلس الجمهورية 64 عضوًا.
يمتلك مجلس النواب سلطة تعيين رئيس الوزراء وتمرير التعديلات الدستورية والدعوة للتصويت على الثقة في رئيس الوزراء وتقديم اقتراحات بشأن السياسة الخارجية والداخلية. يمتلك مجلس الجمهورية القدرة على تسمية مختلف المسؤولين الحكوميين وإجراء محاكمة إقالة الرئيس وقبول أو رفض مشاريع القوانين التي يجيزها مجلس النواب. يمتلك كلا المجلسان القدرة على الاعتراض على أي قرار يصدر عن المسؤولين المحليين إذا كان مخالفًا للدستور البلاروسي.
انتخب ألكسندر لوكاشينكو رئيسًا لبيلاروسيا منذ عام 1994. تتضمن الحكومة مجلس الوزراء برئاسة رئيس الوزراء وخمسة من نواب رئيس الوزراء. لا يلزم في أعضاء في هذا المجلس أن يكونوا أعضاء في المجلس التشريعي بل يتم تعيينهم من قبل الرئيس. تتألف السلطة القضائية من المحكمة العليا ومحاكم متخصصة مثل المحكمة الدستورية، التي تتناول قضايا محددة تتعلق بالأحكام الدستورية والقانون التجاري. يعين قضاة المحاكم الوطنية من قبل الرئيس ويتم تأكيد التعيين من جانب مجلس الجمهورية. من النواحي الجنائية، فإن أعلى محكمة استئناف هي المحكمة العليا. يحظر الدستور البلاروسي استخدام محاكم خاصة خارج نطاق القضاء.
في عام 2007، لم ينتمي 98 من أصل 110 من أعضاء مجلس النواب إلى أي حزب سياسي وأما الأعضاء 12 المتبقون فثمانية منهم ينتمون إلى الحزب الشيوعي في بلاروسيا وثلاثة إلى الحزب الزراعي البلاروسي ومقعد وحيد إلى الحزب الليبرالي الديموقراطي البيلاروسي. ينتمي معظم المستقلون إلى طيف واسع من المنظمات الاجتماعية مثل التعاونيات العمالية والجمعيات العامة ومنظمات المجتمع المدني.
لم يحصل أي من الأحزاب الموالية للوكاشينكو مثل الحزب البلاروسي الرياضي الاشتراكي والحزب الجمهوري للعدالة والعمل أو التحالف الشعبي زائد 5 من أحزاب المعارضة مثل الجبهة الشعبية البلاروسية والحزب المدني البيلاروسي المتحد على أية مقاعد في انتخابات عام 2004. أعلنت مجموعات مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أن الانتخابات “غير حرة” بسبب نتائج أحزاب المعارضة الضعيفة وتحيز وسائل الإعلام لصالح الحكومة
في الانتخابات الرئاسية عام 2006، واجه لوكاشينكو في الانتخابات مرشحًا موحدًا للمعارضة ألكسندر ميلينكيفيتش، بالإضافة إلى ألكسندر كازولين عن الاشتراكيين الديموقراطيين. اعتقل كازولين وتعرض للضرب على أيدي الشرطة خلال احتجاجات أحاطت بمقر جمعية كل الشعب البيلاروسي. فاز لوكاشينكو في الانتخابات بنسبة 80% من الأصوات، لكن منظمة الأمن والتعاون الأوروبية وغيرها من المنظمات وصفت الانتخابات بأنها غير عادلة.
وصف لوكاشينكو نفسه بأنه يمارس “أسلوب حكم استبدادي” بينما وصفت دول غربية بيلاروسيا تحت حكم لوكاشينكو بأنها دكتاتورية، أما الحكومة فاتهمت القوى الغربية نفسها بأنها تحاول الإطاحة بالرئيس لوكاشينكو. علق مجلس أوروبا عضوية بلاروسيا منذ عام 1997 بسبب التصويت غير الديمقراطي وارتكاب مخالفات انتخابية في استفتاء نوفمبر 1996 الدستوري وانتخابات مجلس النواب.] تعرضت حكومة بيلاروسيا أيضًا للانتقادات بسبب حقوق الإنسان والإجراءات التي تتخذها ضد المنظمات غير الحكومية والصحفيين المستقلين والأقليات القومية والسياسيين المعارضين.
بيلاروسيا هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي تحتفظ بعقوبة الإعدام على جرائم معينة في أوقات السلم والحرب. كما قام لوكاشينكو في عام 2004 بتعديل الدستور برفع سقف الدورتين الرئاسيتين. دعا لوكاشينكو في عام 1996 لتصويت مثير للجدل لتمديد الولاية الرئاسية من خمس سنوات إلى سبع سنوات وصوت الناخبون لصالحه. في شهادة أمام لجنة مجلس الشيوخ الأمريكي للعلاقات الخارجية صنفت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس على أنها من بين الدول بؤر الطغيان الست. بينما ردت الحكومة البلاروسية بالقول أن “التقييم بعيد تماماً عن الواقع.” بعد انتخابات ديسمبر 2010، انتخب لوكاشينكو لمرة رابعة على التوالي بنسبة تقارب 80% من أصوات الناخبين. أما مرشح المعارضة أندري سانيكوف فقد حصد أقل من 3% من الأصوات، كما انتقدت نتائج الانتاخابات لكونها مزورة وفقًا لمراقبين مستقلين. عندما تظاهر أنصار المعارضة في مينسك، تعرض العديدون منهم للضرب والسجن على يد مليشيات الدولة بمن فيهم المرشحون المهزومون في سباق الرئاسة. حكم على العديد من المتظاهرين بمن فيهم سانيكوف بالسجن لأربع سنوات أو بالإقامة الجبرية. بعد ستة أشهر، بدأ ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي حملة جديدة من المظاهرات، غالبًا عبر مظاهرات صامتة مصفقة في منسك والمدن الأخرى في البلاد، في خضم أزمة اقتصادية غير مسبوقة.

تاريخ الأمبرطورية النمساوية

كاتب الموضوع الأصلي: علاء الصفيان ٦/٨٠

إن منطقة النمسا اليوم التي هي وادي الدانوب الخصب ووديان الألب، كانت قد استقرت في العصر الحجري القديم (حتى حوالي 8000 ق.م)، وفي حوالي 400 ق.م استقرت الشعوب السلتية (مجموعة من الشعوب الأوروبية) من غرب أوروبا في جبال الألب الشرقية. وقد تطورت الدولة السلتية (نوريكوم)، حول منطقة الحديد في القرن الثاني قبل الميلاد، ومن القرن السابع قبل الميلاد فصاعداً كانت إحدى المناطق الرئيسية للاحتلال السلتي في اليوم المعاصر النمسا متركزة حول هولستات وهي منطقة تعدين ملح كبيرة تعود لما قبل التاريخ. و قد سميت هذه المنطقة في العصر الهولستاتي من عام750 إلى 450 ق.م
وصل الرومانيون في عام 200 ق.م وفي حوالي القرن الخامس عشر قبل الميلاد سيطروا على كامل المنطقة، والاستيطان الروماني الأكثر أهمية في النمسا كان الكارنونتوم (عاصمة الإقليم الروماني لبانونيا في النمسا السفلى اليوم). والتي أصبحت مركزاً للتحصينات الرومانية على طول خط الدانوب، وهنالك اليوم حديقة أثرية هامّة مع متحف ومُدرّج.

من أوستاريتشي إلى النمسا

في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي، كانت قبائل ألمانية متنوعة توسّع إقليمها هناك وتقوم بغزوات مدمّرة للأقاليم الرومانية، وفي غضون منتصف الـ500 سيطر البافاريون على الإقليم بين جبال الألب الشرقية ومنطقة وينروالد. و في حوالي عام 800 أسـس تشارليمانغ ملك الفرنجة، وفي آخر الأمر الإمبراطور الروماني المقدس إقليماً في وادي الدانوب يعرف بـ أوستمارك (مارس الشرقي). وفي عام 996 كان يُشـار أولاً لأوستمارك “أوستاريتشي” وهي إشارة واضحة عن الكلمة الألمانية الحديثة “أوستريتش”.

بابنبيرغس
بين العام 976 م عندما أصبح ليبولد فون بابنبيرغالحاكم العسكري لأوستمورك وعام1246، كان القسم الروماني من النمسا أحد الممتلكات الإقطاعية الواسعة لعائلة بابنبيرغ. وأسست السلالة الحاكمة مكان إقامتها الأول في بوتشلارن قبل أن تنقله إلى ميلك في منطقة واتشو ذات المناظر الطبيعية. وفي القرن الثاني عشر قام هنري الثاني بنقل مكان إقامته إلى فيينا التي بقيت عاصمة الدولة منذ ذلك الحين. وأيضاً في القرن الثاني عشر تم إكتمال بناء كاتدرائية القديس ستيفان والتي أصبحت نقطة علاّم واضحة للمدينة أظهرت شهرتها. كما أسـس هنري الثاني دير شوتنستيفت في فيينا في ساحة البلاط حيث أقيم هنالك تمثال له وهو موجود حتى هذا اليوم.

بداية حكم هابسبورغ

الهابسبورغ
بعد حوالي 100 سنة لاحقاً ظهر رودلف الأول مع التاج، مُبشراً ببداية ستة قرون لحكم الهابسبورغ في النمسا، وقد شكّل القصر الإمبراطوري في فيينا بمثابة المنطقة المركزية لمملكتهم القوية، واليوم يوجد في هذا القصر عدة متاحف (الخزينة ومتحف سيسي) وهو يعطي فكرة عامة جيدة عن الهابسبورغيين.

الحروب التركية
إن التهديد التركي الذي تضمن حصارات فاشلة لفيينا في عام1529، وفي عام 1683 حرّض بولندا و فينيسيا و روسيا للإنضمام إلى إمبراطورية هابسبورغ، لمقاومة الأتراك، وفي أواخر 1690 تمّ عهدة قيادة القوات الإمبراطورية إلى الأمير يوجين من سافوي وتحت قيادته فازت قوات هابسبورغ بالسيطرة على الكل مع جزء صغير من هنغاريا في غضون عام1699.
عصر الباروك
مع نهاية التهديد التركي عانت الفنون والثقافة من موجة التدفق، حيث تم بناء صروح رائعة مثل شولوس شونبرون (التراث الثقافي العالمي) أو قبة سالزبورغر، وقام مهندسون معماريون مثل جواهان فيشر ف.ايرلاتش ولوكاس ف هيلدبراندت وجاكوب براندتور ودانييل غران وبول تروغر، وفرانز انتون مولبرتش بإنشاء صرح استثنائي، وتحت حكم الامبراطورة ماريا تيريزا (1717-1780) تم إصلاح أراضي هابسبورغ وتوحيدها. وبعد وفات ماريا تيريزا في عام 1780 تابع ابنها جوزيف الثاني وهو أحد الملوك الذين يطلق عليهم بأنهم من الملوك المتنوّرين (المثقفين) تابع الإصلاحات على طول الخطوط التي كانت والدته تتابعها.

من بيدرمايير إلى جوغندستل (الفن الحديث)

أثبتت الثورة الفرنسية في عام1989 ونهوض نابليون الذي ضَمَنَ الامتلاك الفرنسي للكثير من الأراضي النمساوية على أنه التهديد الرئيسي للهابسبرغيين. وخلال مؤتمر فيينا (1814/15) الذي انعقد بغرض إعادة رسم الخريطة السياسية للقارة بعد هزيمة نابليون، حاول المستشار النمساوي ميترنيتش أن يعيد توحيد القوة النمساوية. وفي عام 1848 وصلت الفلسفة الفرنسية لثورة الطبقة المتوسطة إلى النمسا إلا أن الثورة سرعان ما انطفأت، واستجاب الإمبراطور فرانز الأول وميترنيتش بقطع الحريات المدنية وإدخال الرقابة الصارمة. ونتيجة لذلك تراجع الناس إلى منازلهم وركزوا على الناحية المحلية وغير السياسية وتوقفت الحياة الاجتماعية. و قد اتسم القسم الثاني من فترة بيدرمايير بالنمو العمراني والصناعة التي أدت إلى ظهور طبقة متوسطة حضارية جديدة وبدأ الناس بعقد اللقاءات مرة أخرى وتم تذكر الفنون والفنانين من هذا العصر كان من بينهم رسامين مثل فيردناند جورج والدمولر، و فريدريك غورمان، و الموسيقار فرانز شوبيرت، والشعراء ادلبيرت ستيفتر وفرديناند ريموند وفرانز غريلبارزر.في نهاية عصر الامبراطور فرانز الأول كان هنالك ضغط مع مرور الوقت للتخلي عن العرش لصالح ابن أخيه الإمبراطور فرانز جورج الأول والذي كانت فترة حكمه لـ 68 سنة هي الأطول في تاريخ النمسا ومع زوجته إليزابيث الأسطورة (سيسي) شكل صورة الحكم الامبراطوري النمساوي. وتحت حكمه أصبحت النمسا أحد أكثر العواصم الأوروبية أهمية ومركزاً لدولة متعددة الجنسيات تمتد من هنغاريا إلى شمال إيطاليا وبالعمق نحو أوروبا الجنوبية. تم الاحتفال بملك الفالس (فالص) جوهان ستروف في كل أنحاء العالم من أجل مؤلفاته الموسيقية الرائعة. وكان سيغموند فرويد مؤسس مدرسة التحليل النفسي لعلم النفس، وهي الحركة التي نشرت النظرية القائلة بالتحكم بدوافع اللاوعي التي تتحكم كثيراً بالسلوك. وفي حوالي عام1900 ارتقى الفن الجديد لفيينا (جوغندستل) وخلال هذه الفترة الفنانون والمصممون الذين يتطلعون للإبداع من أجل الاتجاهات السائدة لمعارض الصالونات ليظهروا بيئاتهم الخاصة بشكل أكثر تجانس. ومن بين الفنانين الجوغندستل (الفن الحديث) اللامعين كان الرسامين غوستاف كليمت و إيغون شيلي والمهندسون المعماريون اوتو واغنر وأدولف لوس. وإن التنزه على طول بولفار فيينا رينغسترافي بأبنيته الرائعة وزيارة متحف سيسي أو متحف سيغموند فرويد أو صالات اوستريتشيستشن يعطي نظرة جيدة عن هذه الحقبة.

القرن العشرين

الأوقات المتغيرة
كانت الملكية النمساوية الهنغارية المترعة بالتوترات العرقية والمحاصرة بنظام صارم من التحالفات من حروب القرن التاسع عشر كارثة بانتظار الحدوث، وإن الشرارة الضرورية كانت اغتيال الأرشيدوق (أمير من أمراء الأسرة الإمبراطورية) النمساوي والوريث للعرش فرانز فيرديناند في يونيو1914 في سراييفو. وإن إعلان النمسا للحرب ضد الصرب ميّز بداية الحرب العالمية الأولى. توفي الإمبراطور فرانز جوزف في 1916 ، وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى في عام1918 تم التأسيس الأول لجمهورية النمسا منهية السلالة الحاكمة هابسبورغ التي دام حكمها 640 سنة. وعانت الجمهورية الصغيرة من تضخم مالي كبير وبطالة وانهيار اقتصادي وشيك. وفي عام1933 تحالف الحكومة الضعيف بين أطراف المسيحيين الاجتماعيين والديمقراطيين الاجتماعيين شق الطريق عندما أصبح انجلبرت دولفوس مستشار في عام1932 كرئيس لحكومة تحالف الجناح اليميني والتي كانت مصممة لمعالجة المشاكل التي سببها الكساد، وفي مايو1934 أعلن دولفوس الحكم العرفي لكي يحمي النمسا من هتلر، وفي يوليو تم إطلاق الرصاص على دولفوس وقتل من قبل النازيين في محاولة للإنقلاب.

في 12مارس 1938 زحفت الجيوش الألمانية إلى النمسا وتم ضم الدولة إلى ألمانيا حكم ريتش تحت سيطرة أدولف هتلر، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية في عام1945 تم استعادة النمسا إلى حدودها لعام1937 وتم احتلالها من قبل الحلفاء الظافرين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي والمملكة المتحدة وفرنسا.

في القرن الحادي والعشرين
في الخامس عشر من مايو1955 تم المصادقة على معاهدة الدولة النمساوية مع إعلان النمسا لحياديتها الدائمة. ويعود الفضل إلى موقعها قرب “الستار الحديدي” وسرعان ما تطورت النمسا إلى مركز هام بين الغرب والشرق. وبعد الثورة الهنغارية لعام 1956 وغزو سبرينغ براغ عام1968 منحت النمسا اللجوء السياسي للاجئين. وتـُعتبر النمسا أيضاً هي البلد المضيف للكثير من المنظمات الدولية (الأمم المتحدة و منظمة أوبك) بالإضافة إلى استضافة الكثير من اللقاءات الهامة من المؤتمرات و إجتماعات القمم. وسقط الستار الحديدة في 1959/90 وفي عام 1995 أصبحت النمسا عضو في الاتحاد الأوروبي.

الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة

كاتب الموضوع الأصلي: علاء الصفيان ٦/٨٠

المبحث الحادي عشر
الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة
في مارس 1985، وبعد رحيل ثلاثة زعماء تولوا القيادة السوفيتية خلال الفترة من عام 1964 إلى 1985 ـ بريجنيف “1964- 1982″، وأندربوف “1982- 1984″، وشيرنينكو “1984- 1985” ـ جاء زعيم شاب “54 عاماً حينئذ” هو ميخائيل جورباتشوف ليتولى زعامة الحزب، وقد كان اختياره السريع من جانب زملائه في المكتب السياسي، ولم يكن أكبرهم سناً ولا مكانة في سلم القيادة، يعكس تفهماً واقتناعاً من جانبهم أن الاتحاد السوفيتي يواجه تحديات جديدة تتطلب رجلاً ذا رؤية وإرادة مختلفة.
والواقع أن إدراك هذه التحديات كان قد بدأ يتبلور مع مجيء أندربوف من حيث الإحساس بحالة الترهل في الجهاز الحكومي، وتدهور قيمة العمل وعاداته، وإدمان الشراب، والفساد، واللامبالاة، وانعدام الكفاءة الأمر الذي سبب تدهوراً في الإنتاج. ولما كان أندربوف رئيساً سابقًا لجهاز المخابرات، فقد أدرك مصدر المشكلة، وتحرك سريعاً لمحاولة إصلاح الأمور، ولذلك نجد أن عبارة أندربوف الرئيسية كانت هي بث النظام واستعادته “وجعل البلاد تتحرك من جديد”، وهو ما دفعه إلى طرد أكثر من عشرين وزيراً، ونائب وزير، وما بين 20-30% من الرسميين الحزبيين والحكوميين، وما هو أهم من ذلك واتجاهه إلى إعادة تقييم لأساليب دراسة المجتمع السوفيتي وتعرفه فقد ذكر: “أننا لم ندرس بشكل كاف المجتمع الذي نعيش فيه ونعمل، ولم نكتشف بشكل كامل القوانين التي تحكم تطوره وخاصة القوانين الاقتصادية..”.
في مقال لأندربوف في بداية عام 1983 في مجلة الحزب كوميونيست، ركز على الحاجة إلى الفهم الدائم لمرحلة التطور التي تمر بها الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي، وحذر من محاولات القفز على المستوى الراهن للتطور التي تعني ببساطة أهدافاً غير واقعية، وأصر على أن الاتحاد السوفيتي هو فقط في بداية مرحلة تاريخية طويلة من التطور الاشتراكي إذ لا يكون هناك مبالغة في اقترابها من الهدف النهائي للشيوعية العالمية، وحيث يجب أن يكون هناك اعتراف بالصعوبات التي ما زالت قائمة. وفي خطاب له أمام اللجنة المركزية، في يونيه عام 1983، لاحظ أندربوف أن هناك عناصر من “العزلة عن الواقع”، والتوقعات التي لا مبرر لها، ورأى أن من الضرورات الحيوية التقدم من الوضع القائم فعلاً، وتفادى “الحلول الجاهزة”.
وفي سبيل هذا التقييم الجديد، ومحاولة وضعه موضع التطبيق، دفع أندربوف إلى المقدمة بمجموعة من القادة الشبان الذين أتوا بأفكار جديدة، وهي التي ستتمثل وتقوم بجوهر عملية التغيير المقبلة.
غير أن وفاة أندربوف، ومجيء زعيم مريض آخر، هو شيرنينكو، لم يغير وقتها كثيراً من الأمور، بل عد مجيئه مرحلة انتقالية نحو زعامة جديدة، تتولى إنجاز التغيير المطلوب، وهو ما تحقق بعد وفاة شيرنينكو، وتولى جورباتشوف. وينقل عن جورباتشوف قوله، إنه حتى قبل مجيئه سكرتيرًا عامًا للحزب، كان قد بدأ وزملاءه في الحزب يفحصون أوجه الخطأ في المجتمع السوفيتي: في مؤسساته واقتصاده، وتركيزه على المقدرات العسكرية، وقد اكتشفوا كثيراً من جوانب القصور، وأنهم اختاروا مجموعات من الخبراء للتخطيط للبرامج التي أصبحت تعرف فيما بعد، وتشكل برنامج جورباتشوف في إعادة البناء Perestroika ، والعلانية Glasnost وأن ينظروا نظرة جديدة إلى الاحتياجات الدفاعية بل وللعقيدة العسكرية السوفيتية ذاتها.
أما ما بدا مؤثراً مع تولى جورباتشوف فهو حدة الإحساس بالأزمة، وتوجهه للمشكلات الرئيسية، كما كان من الواضح شعوره بأهمية الوقت في التعامل مع هذه المعضلات وخاصـة في الحقل الاقتصادي.
وقد كان من الأمور الواضحة في عملية الفحص الأولى والمباشرة أن إجراءات أندربوف، وإن كانت قد حققت بعض التحسن في الإنتاج والتزايد في النمو الاقتصادي، إلا أن هذا كان علاجاً على المدى القصير، ولكنه لم يقدم علاجاً أو حلولاً لحاجات الاتحاد السوفيتي على المدى الطويل. وقد تبين أنه على الرغم من أن الاتحاد السوفيتي ينتج في هذه المرحلة ضعيف إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية من الصلب، وضعف أو ثلاثة أمثال الإنتاج الأمريكي من المعدات، إلا أن احتياجات التقدم السوفيتي على المدى الطويل باتت أكثر تعقيداً من هذا بكثير. فقد بدت مشكلة الاتحاد السوفيتي في الكيف وليس في الكم، وهي المشكلة التي نجمت أساساً عن دخول معظم الدول الرأسمالية تقريباً عصر الثورة الصناعية الثالثة ومكوناتها، من نظم المعلومات والاتصالات المتقدمة، والإلكترونات. وهكذا فإن المشكلة بدت تحديداً في الفجوة العلمية والتكنولوجية، ولم تكن هذه الفجوة محصورة فقط في نطاقها العلمي المحدود أو تطبيقاته المباشرة، وإنما في أبعادها التي تمتد لكل جوانب كيان الاتحاد السوفيتي الاقتصادية والإنتاجية والعسكرية، وتتصل في نهاية الأمر بمكانته وموضعه في سلم القوى الدولية المتقدمة بمعايير الثورة التكنولوجية الجديدة. فأيديولوجياً كانت هذه الفجوة التكنولوجية تفوق الإدعاء بأن الاشتراكية قادرة على الاحتفاظ دائماً بقوة الاندفاع نحو النمو والتقدم، وهو المعنى الذي قدمه إطلاق القمر الصناعي السوفيتي Sputnik عام 1957ـ أما اليوم فإن الأمر لم يعد مجرد مساواة مع الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، وإنما مع أقطار مثل اليابان وكوريا الجنوبية والبرازيل، بل وتايوان. وقد أظهرت هذه الفجوة، فيما يتصل بمواءمة الأسس النظرية للنظام الاقتصادي الاشتراكي، أن نموذج النمو القائم على التوسع والذي اعتمد في الإنتاج على العناصر التقليدية من العمالة، ورأس المال، والأرض، هذا النموذج لم يعد ملائماً للاحتياجات الجديدة المعقدة للاقتصاد السوفيتي، وأصبحت الحاجة أكثر إلى النموذج القائم على النموذج المكثف.
أما من جهة السياسة الخارجية فإن الفجوة التكنولوجية، وما تحدثه من تراجع اقتصادي، بدأت تهز صورة الأحزاب الشيوعية الأوربية، كما بدأ النموذج السوفيتي في التنمية والتقدم يهتز أمام دول العالم الثالث، بعد أن تبنته في الستينيات، فبدأ يسود الاعتقاد بأنه نموذج غير فعال.
ولم يقتصر تأثير هذه الفجوة فقط على المجالات الأيديولوجية، أو على صورة الاتحاد السوفيتي أمام العالم الخارجي فحسب، بل هددت جوهر العسكرية السوفيتية وإمكاناتها في المستقبل، خاصة مع الاتجـاه إلى عدم استخدام الأسلحة النووية، والحاجة إلى التركيز على القوات التقليدية، ومن ثم الحاجة إلى إدخال الأساليب العلمية الحديثة فيها.
وقد ضاعف من حدة المعضلة التكنولوجية أن الدورة الزمنية Life Cycle للتكنولوجيات الحديثة نادراً ما تتجاوز عامين أو ثلاثة، وهذا يعنى أن ما تنتجه يصبح بالياً أسرع من أي وقت مضى. فسرعة التجديد التكنولوجي أصبحت أسرع مما كانت عليه من حقبتين أو حقب سابقة حين كان العمر الزمني يمتد لحقبة أو أكثر.
إلا أن القيادة السوفيتية خلال فترة بريجنيف، وفي المرحلة الانتقالية التي تلتها حتى مجيء جورباتشوف لم تنفذ إلى جوهر التحدي الذي تمثله هذه الفجوة، ولم تفكر وتتأمل أيضاً فيما يجب أن يكون الأسلوب الفعال لمواجهة هذه الظاهرة. وربما كان هذا جوهر ما أدركه جورباتشوف من حيث نفاذه إلى صميم المعضلة السوفيتية، وتقييمه لعناصر القوة الفعلية للثورة الدولية في عالم اليوم، وهي أنه بدون قاعدة إنتاجية وصناعية وتكنولوجية واسعة ومتقدمة ومسايرة لمستويات الثورة العلمية، فإنه من الصعب على أية قوة أن تحتفظ لنفسها بمكانتها قوة عالمية مؤثرة. وربما كان هذا أساس ما أصبح ينظر به إلى الوضع السوفيتي، وعدّه قوة ذات بعد واحد، وهو البعد العسكري، أما الأبعاد الأخرى الاقتصادية والإنتاجية القائمة على تكنولوجيا متقدمة، فإن الاتحاد السوفيتي يبدو قوة ثانية وربما ثالثة مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية، والمجموعة الأوربية واليابان، وربما بذّته قوى أخرى بازغة.
غير جورباتشوف وفريقه في تحليلهم للمعضلة الاقتصادية والتكنولوجية، أو بمعنى أدق لما يسمى “الأزمة المادية والروحية” التي خلفها عهد بريجنيف، تبين لهم أنه لا يمكن مواجهتها بأساليب منعزلة، أو بمعزل عن آليات النظام الأخرى الاقتصادية والسياسية، أو بإجراءات جزئيـة كتلك التي اتبعها أندربوف؛ بهدف تحسين نظام العمل، وإنما بمواجهة فعالة وشاملة لهذه الأزمة، مع تتطلب إصلاحاً اقتصادياً هيكلياً، أو كما أسماه جورباتشوف في الشهور الأولى من توليه “تحولاً عميقاً في الاقتصاد”. كذلك اكتشف جورباتشوف منذ البداية أن الإصلاحات الاقتصادية لن تكون فعالة أبداً بدون إصلاحات سياسية”، وأن الفارق في هذا يكمن بين ما هو مقبل عليه وبين المحاولات التي سبق للنظام أن قام بها للإصلاح، وخاصة في عهد نيكيتا خروتشوف “1953- 1964”.
هذه الأفكار والتصورات صدرت عن جورباتشوف خلال الشهور والعام الأول لمجيئه للسلطة، لكنّ اختباره لعناصر الواقع السوفيتي من مركز السلطة قد بلور لديـه رؤية أكثر تحديداً لهذا الواقع ولجوانب القصور فيه وفي أخطائه، كما تبلورت لديه في الوقت نفسه الأساليب والسياسات المتكاملة لمعالجة الأزمة. فمع عام 1987 تبلور فكر جورباتشوف فيما أسماه “التفكير الجديد”، وهو التفكير الذي لم يقتصر فقط على الاتحاد السوفيتي، وإنما على أسلوب النظر إلى العالم باعتبار الترابط الوثيق الذي ازداد عن أي وقت مضى بين عناصر الواقع الداخلي وقضاياه، وبين مواقف العالم وعلاقات الاتحاد السوفيتي مع قواه المختلفة.
بدأ جورباتشوف تقييمه للواقع السوفيتي بأن رد بدايات الركود إلى منتصف السبعينيات. فقد بدأت البلاد تفقد قوة اندفاعها، وتكرر الإخفاق الاقتصادي بدرجة أكبر، وبدأت الصعوبات تتراكم، والمشكلات، التي لا تجد حلاً، تتضاعف.. وبدأت تظهر في حياة المجتمع السوفيتي عناصر ما سُميّ بالركود وظواهر أخرى غريبة على الاشتراكية، وقد حدث كل هذا في وقت دخلت فيه الثورة العلمية والتكنولوجية آفاقاً جديدة للتقدم الاقتصادي والاجتماعي، وهكذا شهدت الخمسة عشر عاماً الأخيرة تدهوراً في معدلات نمو الدخل القومي لأكثر من النصف، ومع حلول بدايات الثمانينيات اتجهت إلى مستوى قريب من الركود الاقتصادي، وبدأ الاتحاد السوفيتي الذي كان يلحق يوماً بسرعة ببلدان العالم المتقدم، يفقد موقعاً بعد الآخر، بالإضافة إلى ذلك بدأت تتسع، وفي غير صالحه، الفجوة في كفاءة الإنتاج، وجودة المنتجات، والتطور العلمي والتكنولوجي وإنتاج التكنولوجيا المتقدمة واستخدام تقنياتها”.
غير أن تصور جورباتشوف لجوانب القصور والتراجع لم يقتصر فقط على الأوضاع الاقتصادية والإنتاجية، وإنما امتد إلى القيم الأيديولوجية، في مجتمع كان يعد العامل الأيدولوجي، طوال تجربة استمرت سبعين عاماً في البناء الاشتراكي، محركًا أساسيًا في حركة التقدم بالقيم التي يبثها في المجتمع. في هذا المجتمع رصد جورباتشوف ظهور ظواهر متناقضة للقيم الأيديولوجية البناءة مثل “تشجيع المديح والخنوع، واستبعاد التفكير الخلاق، والانفصال بين القول والعمل، مما قضى على القيم الأساسية للمجتمع، وبدأ الفساد يجرى في الأخلاق العامة، وتزايد إدمان الخمور والمخدرات والجرائم”. ويختتم جورباتشوف وصفه للواقع السوفيتي لكي يدلل على “أن الوضع كان خطيرًا، وأن التغيير الشامل كان ملحًا. كم كان الوضع خطيراً”.
وإذا كانت هذه هي قراءة جورباتشوف واستيعابه للواقع الداخلي في الاتحاد السوفيتي، فإن الوضع الدولي للاتحاد السوفيتي مع تسلمه للسلطة كان سلبياً كذلك، فمع نهاية الستينيات وحتى منتصف السبعينيات، كان النفوذ السوفيتي على المسرح الدولي يبدو متصاعداً، وبدأ تغير نوعي في مكانة الاتحاد السوفيتي يتحقق، وكأن علاقات القوى الدولية إنما تتحول في صالح الاتحاد السوفيتي. ولم يكن هذا مجرد تصور أو تقدير نظري، وإنما تجسد في إقرار لقوة الخصم الرئيسية وهي الولايات المتحدة الأمريكية بحالة التعادل Parity في القوى الإستراتيجية بينها وبين الاتحاد السوفيتي، وسجل هذا في اتفاقيات سولت الأولـى التي توصل إليها عام 1972 وهدفت إلى تنظيم ووضع حـدود على السباق في هذا المستوى الخطير من التسلح، كما بدأ في البيانات المشتركة التي صاحبت مؤتمر قمة موسكو عام 1972 وصدرت عنه.
كذلك بدت الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات وهي تدخل عصر الوفاق، إن لم تكن من موقف ضعف، فعلى الأقل وهي تحت ضغوط دولية وداخلية. وقد تمثلت هذه الضغوط في انتقال الاتحاد السوفيتي ـ على المستوى الإستراتيجي ـ إلى وضع القوة الأعظم، وذلك من خلال توصله إلى حالة التعادل في الأسلحة النووية والإستراتيجية بتطويره الصواريخ العابرة للقارات International Missiles وتطويره لصواريخ جديدة مثل: Orbital Missiles، ثم بناء أسطول بحري قادر على الحضور عالمياً. كما بدت الولايات المتحدة الأمريكية تعانى من ضغوط وتوترات أول هزيمة عسكرية في تاريخها في فيتنام، وما أحدثه هذا من تفاعلات داخل المتجمع الأمريكي، كما تضاعفت هذه الضغوط الداخلية بظهور قضية ووترجيت، وتأثيرهـا على النسيـج المعنوي للشعب الأمريكي، وثقتـه بذاته وفي قياداته.
وأوروبياً كان التطور يبعث على الاطمئنان بالنسبة للقيادة السوفيتية في هذه الحقبة، خاصة بعد السياسة التي تبناها المستشار الألماني ويلي براندت، وعرفت باسم Ostpolitik، وهي السياسة التي أقرت بشكل رسمي حدود ما بعد الحرب الثانية، وتخلت عن أية دعاوى ألمانية حول تهديد هذه الحدود أو تغييرها، وصحبها اتفاقيات ألمانيا الغربية مع عدد من دول أوروبا الشرقية بما فيها ألمانيا الشرقية. وقد مهد هذا التطور لتطور أوسع على المستوى الأوروبي، وهو عقد مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي، والذي كان الاتحاد السوفيتي يدعو إليه دائماً، وأراد به أن يصدق نهائياً على أوضاع ما بعد الحرب الثانية الإقليمية، وقد توجت هذه العملية باتفاقيات هلسنكي عام 1975.
ولم توفر ظروف هذه المرحلة أوضاعاً ملائمة فقط لتطور واستقرار علاقات الاتحاد السوفيتي بالولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوربيين بما كانت تبشر به وتفتحه من علاقات تجارية واقتصادية مفيدة للاقتصاد السوفيتي فحسب، بل بدت وهي تفتح فرصاً لاكتساب الاتحاد السوفيتي لمواضع أقدام ونفوذ في عدد من المناطق الإقليمية، التي كانت تشكل جزءاً رئيسياً في مجال المنافسة الأمريكية السوفيتية. ولهـذا رأينا ذلك يشجع على سياسة سوفيتية جريئة ومتقدمة في مناطق مثل الجنوب الأفريقي، حيث وضعت ثقلها من خلال دولة اشتراكية أخرى هي كوبا، وحضوره في القرن الأفريقي من خلال تأييده للنظام الإثيوبي الذي تبنى الماركسية اللينينية. وكذلك في اليمن الجنوبي. ثم في خطوتـه الأكثر جرأة بتدخلـه العسكري في أفغانستان ديسمبر 1979.
كان هذا هو وضع الاتحاد السوفيتي الدولي حتى نهاية السبعينيات، وهو وضع بدا مطمئناً لمكانة دولة عظمى وطموحها ليس على المستوى الإستراتيجي وإمكانات القوة الفعلية فحسب وإنما كذلك في ترجمة هذه القوة إلى نفوذ سياسي دولي وهو ما سنجده في قول جروميكو في هذه الفترة إنه من الآن فصاعداً فلن يمكن حل أية مسألة دولية دون أن يكون للاتحاد السوفيتي دور وقول فيها.
بدأ وضع الاتحاد السوفيتي يتأثر ومكانته الدولية تتراجع مع نهاية السبعينيات. وللمفارقة فإن الإجراء السوفيتي الذي جاء في نهاية سلسلة الأعمال التي أراد بها تأكيد نفوذه ومكانته كان هو بداية هذا التراجع، ونعني بذلك التدخل العسكري في أفغانستان في ديسمبر 1979. فقد حرك هذا الإجراء كل القوى الدولية تقريباً ضد الاتحـاد السوفيتي، حتى تلك التي لم تكن على علاقـة عداء أو خصومة معه. إن أهم ما أتى به هذا الإجـراء السوفيتي هو ما أطلقه من قوى محافظة داخل الولايات المتحدة الأمريكية، والتي استخدمته لتعبئ الطاقات الأمريكية والغربية أولاً لتأكيد مفاهيمها حول الطبيعة التوسعية في السياسة السوفيتية، وكذلك لوقف تيار الوفاق واتفاقياته التي كانت تراها مناقضة للمصالح الأمريكية. وقد ناقشنا بالتفصيل ما أحدثه الغزو السوفيتي لأفغانستان في السياسة الأمريكية والإجراءات التي اتخذتها إدارة كارتر للرد على هذا التصرف، والتحول الذي أحدثته في السياسة الأمريكيـة بمجيء إدارة محافظة برئاسة رونالد ريجان.
غير أن ما يعنينا في هذا السياق هو توضيح ما استخلصه جورباتشوف، وما ساهم في صياغة تفكيره السياسي الجديد، من أن السياسات الخارجية التي اتبعها الاتحاد السوفيتي في تحدى الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عسكرياً، وتأكيد ذاته في المناطق الإقليمية وتوسيع ارتباطاته فيها قد آتي برد فعل عكسي على المصالح السوفيتية الحقيقية؛ فعلى المستوى العسكري أدى نشر الصواريخ السوفيتية SS- 20 في أوروبا إلى قرار الناتو عام 1979 بنشر الصواريخ الأمريكية برشينج وكروز، ما أدى إلى زيادة القوى العسكرية الأمريكية الأمر الذي تبلور في برنامجها للدفاع الإستراتيجي SDI، والذي مثل تصعيداً خطيراً لسباق التسلح، وتحدياً جديداً له في هذا السباق إذا ما صمم على مواجهته، كما فعل في تحديات سابقة، فإن هذا يعنى استنزافاً جديداً لطاقته وموارده الاقتصادية لم يعد يتحمله. وعلى المستوى الدبلوماسي فشلت الحملة الدبلوماسية والسياسية التي شنها الاتحاد السوفيتي، وحاول بها مخاطبة واستنفار المجتمعات الأوربية لمنع تنفيذ نشر الصواريخ الأمريكية ونفذ هذا القرار في ديسمبر 1983.
أما ما بدا وقتها وكأنه كسب وتوسيع للنفوذ السوفيتي في مناطق مثل الجنوب الأفريقي، والقرن الأفريقي، فإنه جاء ضغطًا على الإمكانات والموارد الاقتصادية السوفيتية، دون أن يترجم إلى كسب سياسي ملموس، وأهم من هذا فقد ساهم في توتر علاقاته الشاملة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ونفي الجوانب الإيجابية التي كانت قد تحققت خلال حقبة السبعينيات.
بدأت القلاقل تتحرك من جديد في منطقة شرق أوروبا، وهي منطقة الاهتمام السوفيتي المباشر، ونطاق أمنه، وذلك بأحداث بولندا حيث بدأت مرحلة جديدة عام 1980، وبدأ حكم الطبقة العاملة يهاجم من صفوف الطبقة العاملة نفسها، بظهور منظمة “تضامن” العمالية، ويبدو أن الأمر لم يكن قاصرًا على بولندا، بل كان ينبئ بإمكانات تجدد عدم الاستقرار في باقي أقطار الكتلة الاشتراكية.
هذه الرؤية للواقع الداخلي السوفيتي ومؤسساته، والأخطار التي ينذر بها، وكذلك التراجع في الوضع الدولي السوفيتي، دفعت إلى إعادة تقييم أساسي لمقومات الأمن السوفيتي، ومفاهيمه التقليدية، كما فرضت بشكل متزايد أن تخضع السياسة الحالية السوفيتية للضرورات الداخلية واعتباراتها.
من هنا كان التحول الذي أحدثه جورباتشوف في عدد من المفاهيم الراسخة التي وجهت السياسة الخارجية السوفيتية وحكمت توجهاتها الأيديولوجية.
وقد كان الإطار العام، الذي أعاد فيه جورباتشوف صياغة مفاهيم السياسة الخارجية والأمن السوفيتي، هو أن برامجه في إعادة البناء في الاتحاد السوفيتي لا يمكن أن تتم بشكل سليم ومستقر إلا في بيئة دولية وإقليمية سلمية، تخلو من مجابهات وتوترات الحرب الباردة، وشكوكها وانعدام الثقة بين القوى الدولية الرئيسية ويفرض قيوداً على إمكانات التعاون الدولي في عالم رأى جورباتشوف أن الاقتصاد العالمي فيه أصبح كياناً واحداً Single Orgamion، لا تستطيع دولة خارجة عنه أن تتطور تطورًا طبيعيًا بغض النظر عن النظام الاجتماعي الذي تنتمي إليه، وأهم من هذا أن جورباتشوف أكد أن برامجه في إعادة البناء لا يمكن أن تتم إلا في بيئة تخلو من سباق التسلح بأعبائه الباهظة، وكذلك من التوترات والصراعات الإقليمية التي أثبتت أنها تسمم علاقات الاتحاد السوفيتي مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتفرض الوقت نفسه أعباء لم يعد في قدرة الاتحاد السوفيتي المادية تحملها.

موقف الولايات المتحدة الامريكية من الحر ب العالمية الاولى

كاتب الموضوع الأصلي: علاء الصفيان ٦/٨٠

تبنت الولايات المتحدة الامريكية بعد اندلاع الحرب العالمية الاولى سياسة الحياد الايجابي تجاه المعسكرين المتحاربين وقد استمر الحياد الامريكي منذ بداية الحرب الى 2 نيسان 1917 حيث اعلنت الادارة الامريكية دخولها الحرب الى جانب معسكر الحلفاء.

اسباب الحياد الامريكي

مما لا شك فيه أن هناك أسباب عديدة ومتشابكة كانت وراء تبني الولايات المتحدة موقف الحياد تجاه طرفي النزاع ولعل ابرز هذه الأسباب هي :

1- الأسباب الاقتصادية
عندما اندلعت الحرب العالمية الاولى كانت الولايات المتحدة الامريكية تعاني من ضيق اقتصادي وكساد بين عامي 1913 – 1914 نتيجة التنافس على الاسواق مع الدول الاوربية الاخرى وما ادته سياسة الدولار من ردود افعال سلبية تجاه الاستثمارات الامريكية من جهة وحصول صراعات بين ارباب العمل والعمال والتي كانت بالاساس ناتجة عن عدم وجود فرص للازدهار الاقتصادي المرتبط بالحاجة الى التوسع الاقتصادي الخارجي والحاجة الى اسواق خارجية من جهة ثانية . لذلك اعتقدت الاوساط الحاكمة امكانية استغلال هذه الفرصة لتطوير البلاد صناعيا وتجاريا على حساب الاطراف المتحاربة بوسائل تمهد لها طريق السيطرة على اقتصاديات العالم. وقد اصابت الادارة الامريكية فيما اعتقدته فاستغلت ظروف الحرب ، خاصة حاجة الدول المتحاربة الملحة الى السلاح والسلع الى الحد الاقصى الممكن فلم تمانع بالاتجار على نطاق واسع باحدث الاسلحة الفتاكة مع الخندقيين المتقابلين . واذا جاءت لوحة تجارتها الخارجية في صالح الحلفاء اكثر من دول الوسط فان ذلك يعود بالدرجة الأساس إلى سيطرة الأسطول البريطاني المحكمة على البحار التي كانت تشكل حلقة وصل التبادل الوحيدة مع امريكا انذاك وهكذا فتحت اوربا ابوابها امام المنتوجات الامريكية بعد ان حولت جميع الدول الراسمالية الاخرى تقريبا مصانعها الى الانتاج الحربي مما ادى الى تضاعف الانتاج الصناعي الامريكي بوتائر مذهلة وبدأت المصانع الامريكية تنتج بطاقتها القصوى بعد ان كانت تنتج حتى بداية الحرب في حدود نصف طاقتها الاجمالية تقريبا . وتحولت الولايات المتحدة في الوقت نفسه الى المصدر الرئيس لتمويل عدد كبير من الدول المتحاربة بالقروض بعد ان كانت هي نفسها تلتجئ قبل الحرب الى الديون الاجنبية وكان من الطبيعي ان تحقق الاحتكارات الامريكية في ظل هذه الظروف إرباحا وصلت حد الخيال وسنتطرق إلى تفاصيلها فيما بعد.

2- اسباب سياسية

كانت احدى تقاليد الدبلوماسية الاميركية بعدم التدخل في الشؤون الدولية في المناطق البعيدة وهذا ما عرف بسياسة العزلة الامريكية التي بدات منذ عهد جورج واشنطن الرئيس الامريكي الاول وظلت الحكومات الامريكية المتعاقبة تسير عليها ثم تم ترسيخها بمبدا مونرو الذي حاول اقامة حاجز سياسي بينها وبين اوربا. لذلك عندما نشبت الحرب العالمية الأولى لم تكن للولايات المتحدة الأمريكية اية تحالفات سياسية او عسكرية تستوجب مشاركة الولايات المتحدة في الحرب ولم تكن لديها مصالح مباشرة يمكن ان تهددها الحربهذا من جهة ، ومن جهة ثانية كانت الادارة الامريكية ترى من مصلحتها – واصابت في ذلك ايضا – ان يدب الوهن عسكريا واقتصاديا في كيانات الانظمة الاوربية التي كانت بامكانها الوقوف امام التوسع الامريكي السياسي والاقتصادي.
وانطلاقا من الاسباب السياسة نفسها كانت حكومة ولسن ضد الانتصار الكامل لاي من الجانبين المتحاربين وظلت تعمل في هذا الاتجاه حتى اشهر قليلة قبل دخولها الحرب . وفي مرحلة معينة – خاصة بعد ان حققت المانيا بعض الانتصارات الكبيرة – حاول الرئيس ويلسون ان يقوم بدور الوسيط لاقرار السلم بين الطرفين والذي اطلق عليه الاسم المعبر عن واقعه ” سلم بدون انتصار ” وقد كانت الترجمة الواقعية لهذا الشعار خروج اقوى دول أوربا من الحرب منهكة وضعيفة مستسلمة عمليا للدولة الرأسمالية الأقوى التي حققت كما سنرى مكاسب ضخمة للغاية جراء موقفها المحايد وبالطبع لم يكن على ساسة مجربين من أمثال كليمنصو ولويد جورج ادراك حقيقة هذه السياسة بسهولة فجاء ردهم على لسان الأخير بان بلدانهم سوف تستمر في الحرب بجميع طاقاتها الى ان تحقق سلما حقيقيا.

3- الهيمنة على نصف الكرة الأرضي
ظهر منذ وقت مبكر ضغط الرأسمالية الأمريكية لتحقيق مصالحها في نصف الكرة الغربي ولكن هذه الرأسمالية كانت تعاني من منافسة القوى الدولية الأخرى ، ولذلك كان اندلاع الحرب العالمية الأولى فرصة مناسبة لتعزيز النفوذ الأمريكي الاقتصادي والسياسي فيها مستغلة انشغال القوى الأوربية بالحرب من جهة ومحاولة تكوين علاقات اقتصادية وسياسات موحدة لدول المنطقة لقطع الطريق إمام القوى الأوربية للعودة اليها بعد انتهاء الحرب ، ولم يكن ذلك يعني ان السياسة المتبعة في هذه المنطقة بعد اندلاع الحرب كانت منفصلة عما سبق اذ استمرت الولايات المتحدة تميز بين الجوار الجغرافي والمناطق البعيدة. فكانت تستخدم سياسة الضم والهيمنة في الجوار ، في الوقت الذي تستخدم فيه سياسة التغلغل الاقتصادي اوكما تعرف بسياسة الباب المفتوح في المناطق االبعيدة عنها وقد تدرجت هذه السياسة طبقا لتطور الوضع الدولي ودرجة انشغال الدول الاوربة بالحرب

4- التعدد ألاثني :

اتسم المجتمع الأمريكي بكونه خليطا من أجناس مختلفة وهو ما انعكس في تعدد ثقافته وتوجهاته لذلك كان على الادارة الامريكية ان تاخذ بمبدا الحياد وعدم استثارة أي فئة لان ذلك قد يؤدي الى خلق تكتلات قوية ضد الحكم اذا ما انحازت الادارة الأمريكية لهذا الطرف او ذاك.

كل هذه الاسباب مجتمعة جعلت من حكومة الرئيس ويلسون ان تقف على الحياد بالاسلوب الذي كان من شانه تحقيق الاغراض الحقيقية للاسباب المذكورة الا ان الادارة الامريكية غيرت بالرغم من كل ذلك وبشكل مفاجئ موقفها من الحرب واصبحت طرفا مباشرا فيها اثر إعلانها الحرب على ألمانيا في 2 نيسان 1917.
اسباب دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الاولى :

في اخر عام 1916 وفي كانون الثاني 1917 لم تفكر الولايات المتحدة ولا الرأي العام الأمريكي بهذا التدخل وبعد ان انتخب الرئيس ويلسون للمرة الثانية رئيسا للولايات المتحدة في تشرين الثاني 1916 وجه الرئيس حملاته في سبيل حياد أمريكا، واصبح شعار “انه أي ويلسون يجعلنا بعيدين عن الحرب” واحدا من ابرز الشعارات الانتخابية للحزب الديمقراطي. وقد وصل الامر بالرئيس الامريكي ان اعلن في كانون الثاني 1917 قائلاً ” ان الاشتراك بالحرب الاوربية جريمة على الحضارة “. اذاً كيف حصل ، في خلال ثلاثة اشهر ، بين كانون الثاني وبداية نيسان 1917 ان تبدلت الحالة تماما ؟ وتحت تاثير أي الحوادث اعلنت الولايات المتحدة الامريكية الحرب على المانيا ؟
لقد كتب الكثير عن ذلك ، لكن قلة من الكتاب هم الذين تحروا الحقيقة المجردة واستطاعوا الوصول اليها بعد ان نفضوا عنها غبار العاطفة او التشويه المقصود ، فقد قال بعضهم واكثر هولاء من المؤرخين الامريكيين انفسهم ، ان امريكا دخلت الحرب نصرا للديمقراطية على طغيان الالمان. وفي هذا التعليل مثالية زائدة وتزييف ظاهر اذ لماذا لم تحاول الولايات المتحدة ان تنصر الديمقراطية طوال سنوات 1914 ، 1915 ، 1916 ؟ الم يكن الطغيان الالماني ظاهرا بارز المعالم انذاك ؟ والم يكن دخولها الحرب سنة 1914 اقدر على انقاص عدد ضحايا ذلك الطغيان ودعم الديمقراطي.
اما نقاد اخرون فيرون ، ونظنهم قد لامسوا الحقيقة ، ان الولايات المتحدة قد دخلت الحرب لان طبيعة نظامها الاقتصادي اجبرها على ذلك وتتمثل تلك الطبيعة في الانتعاش المؤقت الذي يخشى الازمة ، والقروض التي توجب ضمان سدادها هي وارباحها العالية ، وقد فصلوا ذلك في صورة مفادها ، ان الاتجار الواسع خلال حوالي ثلاث سنوات من الحياد مع القروض الضخمة للغاية قد ربط مصالح الولايات المتحدة الامريكية اكثر فاكثر بجبهة الحلفاء الى درجة اصبح معها انهيارها يهدد مجمل الحياة الاقتصادية للولايات المتحدة الامريكية في الصميم . لذا اصبح لزاما عليها التمسك بالاتجاه الذي يحول دون انتصار دول الوسط ، وبالفعل ظهرت في الافق بعض المؤشرات لمثل ذلك الانتصار بعد بعض النجاحات الكبيرة التي حققتها القوات الالمانية في جبهات القتال الغربية التي ادخلت الرعب في نفوس الحلفاء الى درجة ان القوات الانكليزية بدأت تفكر بالانسحاب من تلك الجبهة ، وباشر المسؤولون الفرنسيون باتخاذ إجراءات لنقل العاصمة من باريس . وقد ادت الانتصارات نفسها الى تزايد غرور المانيا الى درجة انها ارتكبت اخطاء سياسية كبيرة تجاه الولايات المتحدة التي اصبحت تتوقع في وقت ما اعلان المانيا الحرب عليها ايضا ، وفعلا دفع بها ذلك الغرور الى مع استيائها الشديد من التعاون الاقتصادي بين الحلفاء والولايات المتحدة الى اعلان حرب غواصات مدمرة امتدت أثارها الى المصالح الأمريكية بشكل مباشر. ففي صيف من سنة 1916 وضعت القيادة العامة للجيش الالماني خطة بحرية تهدف الى حسم الموقف الحربي والاسراع بهزيمة بريطانيا ، وتقوم هذه الخطة على تقوية حرب الغواصات بحيث تغرق اية سفينة تقترب من شواطئ انكلترا او فرنسا او تحمل بضائع ومؤن للانكليز او حلفائهم مهما كانت جنسيتها ودون سابق انذار . وكانت القيادة الالمانية تعتقد ان مثل هذا الحصار سيصيب بالشلل الصناعة البريطانية وسيؤدي الى فقدان المواد الغذائية من اسواق انكلترا فاذا حصل ذلك فانها لن تقاوم اكثر من ستة اشهر بحسب تقديرات القيادة الالمانية.
وفي 31 كانون الثاني سنة 1917 ابلغ الرئيس ويلسون رسميا بالقرار الالماني الذي سيوضع موضع التنفيذ اعتبار من مطلع شباط من السنة نفسها ، وعلى الرغم من احتجاج الولايات المتحدة الامريكية وتهديدها بقطع العلاقات الدبلوماسية مع المانيا في حالة استئنافها لحرب الغواصات باسلوب غير شرعي ، فان الحصار قد نفذ بإحكام.
من هنا اصبح انهيار الحلفاء امرا واردا واقترب الخطر من القارة الامريكية . فاذا استطاعت الغواصات ايقاف التدفق التجاري بين الولايات المتحدة والحلفاء كان ذلك نكبة للولايات المتحدة في اكثر من ناحية ، اذ ان ازدهار صناعتها وتجارتها سينقلب الى ازمة بطالة وبؤس في تلك الحال . وبريطانيا وفرنسا ستغدوان اقرب الى الهزيمة او الاستسلام لألمانيا وعندئذ من سيدفع القروض الضخمة التي استدانتاها من الولايات المتحدة ؟ طبيعي ان المانيا المنتصرةلن تفعل ذلك وطبيعي ان الحلفاء المهزومين لن يكونوا في وضع يمكنهم من الدفع اذن ستذهب تلك القروض مع الريح
ردت الولايات المتحدة الامريكية على ذلك بقطع العلاقات الدبلوماسية مع المانيا يوم 3 شباط 1917 ، وفي 26 شباط اقترح الرئيس ويلسون على الكونغرس تسليح البواخر التجارية الامريكية ، وفي 2 نيسان 1917 اعلن الرئيس الأمريكي دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب إلى جانب الحلفاء. والسؤال الذي يطرح هنا هو لماذا انتظرت الولايات المتحدة الأمريكية شهرين حتى تعلن دخولها الحرب إلى جانب الحلفاء ؟
لقد كان الرئيس ويلسون قلقا جدا كما تقول شواهد معاونيه فقد كان يعلم أن الرأي العام في شهر شباط لم يكن متهيئا لفكرة الحرب، فلم ، وكيف اقتنع الرأي العام بضرورة التدخل في شهر نيسان ؟
منذ ان دخلت حرب الغواصات حيز التنفيذ في الأول من شباط امتلأت الموانئ الأمريكية بالبضائع التي توقفت السفن التجارية الأمريكية عن نقلها وحصل في الموانئ الأمريكية احتقان شديد ووصل هذا الاحتقان الى مراكز الإنتاج إ

بوروندي

كاتب الموضوع الأصلي: مهند العامر20

بوروندي هي جمهورية صغيرة في وسط قارة أفريقيا، وهي دولة داخلية لاسواحل لها، وتقع ضمن هضبة البحيرات في وسط أفريقيا، في شمالها رواندا، وشرقها وجنوبها تنزانيا وفي غربها زائير، وتطل على القسم الغربي الشمالى من بحيرة تنجانيقا حيث تسير حدودها مع زائير. خضعت للأستعمار الألماني في نهاية القرن الماضي حيث أضيفت للمستعمرة الألمانية تنجانيقا (حالياً تنزانيا) وبعد الحرب العالمية الأولي وضعت تحت انتداب بلجيكا في سنة 1382 هـ، وأعلنت بها الجمهورية بعد عامين من استقلالها. تطل العاصمة بوجمبورا على بحيرة تنجانيقا حوالي 600 كم2 من المياه العذبة، وبها من الأحياء الجميلة والشوارع الفسيحة، والسوق الذي يسمى بالسواحلية (سوكوني) تجد به كل ما تريد من مصنوعات محلية الا البضائع المستوردة والخضروات والأسماك الطازجة من البحيرة إلى السوق مباشرة، يبلغ تعداد سكان العاصمة حوالي 3,300,000 نسمة، يدين معظم السكان بالمسيحية ونسبة المسلمون ما بين 15% إلى 20% وبها جالية عربية أسهمت في تطور البلاد الشرق أفريقية ولاننسى الجالية الآسيوية..
الجغرافيا
الأرض

تبلغ مساحة بوروندي 27,800 كيلومتر، وتشرف أرضها من الغرب على حافة أخدود شرقي أفريقيا وحيث بحيرة تنجانيقا، ثم ترتفع أرضها مكونة سلاسل جبلية بركانية، يصل ارتفاعها إلى أكثر من ألف وثمانمائة متر، ثم تسود أرضها هضية تمتد حتي حدودها مع تنزانيا، وأبرز أنهارها رويزيزي وهناك روافد عديدة تصل إلى نهر كاجيرا، أول منابع النيل من الجنوب.
المناخ
مناخ بوروندي ينتمي إلى النمط الاستوائي الرطب، غير أن الارتفاع عدل من حرارتها، وأشد جهاتها حرارة القسم الغربي حيث الأخدود الأفريقي وأمطار هذا القسم أقل نسبياً من القسم المرتفع من أرض بوروندي.وتشتهر باعتدال الجو بها أيضاً إذ تبلغ الحرارة في المتوسط 28 مئوية. ويتساقط المطر بها في موسم الأمطار 7 أشهر
السكان
تعتبر بوروندي من أكثر مناطق أفريقيا ازدحماً بالسكان إذ بلغ عدد سكانها في سنة (1408 هـ) (5,153,000 نسمة) وهذا العدد كبير بالنسبة لمساحتها التي تتجاوز (27,000 كيلومتر)، لذا ترتفع كثافة السكان بها، وينتمي السكان إلى ثلاثة مجموعات عرقية، فالجماعات الزنجية من قبائل الهوتو ويشكلون أكثر من ثلاثة أرباع سكان بوروندي وتعمل هذه الجماعات في الزراعة، والمجموعة الثانية تتكون من قبائل التوتسي وتنتمي إلى أصول حامية اختلطت بالزنوج، وتشكل حوالي 15% من جملة السكان، والمجموعة الثالثة من الأقزام ونسبتها ضئيلة ،يضاف إلى ما سبق جماعات مهاجرة تشكل أقلية من مالي والسنغال وغنيا ومن الهند ومن باكستان، ثم جالية عربية.
اللغات
التركيبة السكانية مكونة من قبائل الهوتو 75% والتوتسي 25%، وتعد السواحلية لغة التجارة في بوروندي ويلم بها معظم السكان، فإذا كنت مثلا تتجول في السوق ستجد عبارة (قريبو) تعني (تفضل) بالعربية على لسان الباعة أصحاب المحلات وهي تدل على مدى الارتباط اللغوي والثقافي العربي الموجود في دول شرق أفريقيا، وليس من قبيل المصادفة ان تتضمن السواحلية 60% من المفردات العربية.
الدين
• لايوجد إحصائيات دقيقة لنسب الأديان في بوروندي، ولكنها تقدر على النحو الآتي:
60 % من السكان كاثوليك، 10 % مسلمين، 30 % مجموعات مسيحية مختلفة وأخرى ذات ديانات محلية. ترتفع نسبة المسلمين بين الأجانب ويقدر عدد المسلمين بحوالي (1,288,000 نسمة،وصل الإسلام بوروندي من شرقي أفريقيا، حيث كانت قوافل الدعاة والتجار تتحرك بين الساحل والداخل، وازدهرت الدعوة الإسلامية في بوروندي في عهد سلاطين زنجبار.
النشاط البشري
الزراعة

الزراعة الحرفة الأساسية لدى سكان بوروندي، وتمارس الزراعة على المنحدرات وحول المجاري النهرية والوديان المنخفضة، وفي المناطق الشرقية من البلاد، والحاصلات الغذائية تشغل نصيباً كبيراً من الأرض الزراعية، فمنها الذرة، واليام، والكاسفا، والقمح، والشعير، وثمثل الحاصلات الزراعية في القطن والشاي والبن والتبغ ونخيل الزيت وإلى جانب الزراعة ثروة رعوية وغابية وقدرت الثروة الحيوانية سنة (1408 هـ -1988 م) بحوالي (43,000) من الماشية من الأغنام و(750,000) من الإغنام.