أ.د. أحمد محمد وهبان

معاهدة اوسلو

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري المطيري80

اتفاقية أو معاهدة أوسلو هو اتفاق سلام وقعته إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في مدينة واشنطن ، الولايات الأمريكية المتحدة ، في 13 سبتمبر ايلول 1993، وسمي الاتفاق نسبة إلى مدينة اوسلو النرويجية التي تمت فيها المحادثات السرّية التي افرزت هذا الاتفاق. وجاء الاتفاق بعد مفاوضات بدأت في العام 1991 في ما عرف بمؤتمر مدريد.

تعتبر اتفاقية أوسلو، التي تم توقيعها في 13 سبتمبر/ أيلول 1993، أول اتفاقية رسمية مباشرة بين إسرائيل ممثلة بوزير خارجيتها آنذاك شمعون بيريز، ومنظمة التحرير الفلسطينية، ممثلة بأمين سر اللجنة التنفيذية محمود عباس.

ورغم أن التفاوض بشأن الاتفاقية تم في أوسلو، إلا أن التوقيع تم في واشنطن، بحضور الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون.

وتنص الاتفاقية على إقامة سلطة حكومة ذاتية انتقالية فلسطينية (أصبحت تعرف فيما بعد بالسلطة الوطنية الفلسطينية)، ومجلس تشريعي منتخب للشعب الفلسطيني، في الضفة الغربية وقطاع غزة، لفترة انتقالية لا تتجاوز الخمس سنوات.

ومن المفترض، وفقا للاتفاقية، أن تشهد السنوات الانتقالية الخمس، مفاوضات بين الجانبين، بهدف التوصل لتسوية دائمة على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338.

ووفقا للاتفاقية، فإن الفترة الانتقالية تبدأ عند الانسحاب من قطاع غزة ومنطقة أريحا، كما تبدأ مفاوضات الوضع الدائم بين حكومة إسرائيل وممثلي الشعب الفلسطيني، في أقرب وقت ممكن، بما لا يتعدى بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية.

ونصت الاتفاقية، على أن هذه المفاوضات سوف تغطي القضايا المتبقية، بما فيها القدس، اللاجئون، المستوطنات، الترتيبات الأمنية، الحدود، العلاقات والتعاون مع جيران آخرين.

ولحفظ الأمن في الأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية، نصت الاتفاقية على إنشاء قوة شرطة فلسطينية قوية، من أجل ضمان النظام العام في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما تستمر إسرائيل في الاضطلاع بمسؤولية الدفاع ضد التهديدات الخارجية.

معايير الاختيار في الولايات

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العبداللطيف336

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ترك لنا علماؤنا تراثًا جليلاً من الكتب والأبحاث التي عالجت مسائل السياسة الشرعية والإمامة، والولايات العامة والخاصة بما يغني عن التخبُّط في هذا الباب، ويجعل لنا المرجعيَّة التامة الوافية المستمدة مِن الكتاب والسُّنة وفهم السلف لهما، وأفعالهم طبقًا لذلك دون حيد أو زيف أو زيغ عن سبيل المؤمنين.

فقد ضَبَطَ العلماء هذه الأبواب أيَّما ضبط، ونقَّحوها أيما تنقيح، مما جعلها تناسب متطلباتنا في أسس الاختيار في كل ولاية خاصة وعامة، وكان ممن عالج هذه القضية -قضية الولايات والإمارات والاختيار لها، ومعايير هذا الاختيار- شيخ الإسلام “ابن تيمية” رحمه الله تعالى، فأفدْنَا منه هذه الإفادات، وجعلناها في نقاط، تيسيرًا لقراءتها، والانتفاع بها.

ونبدأ في المطلوب:

1- يجب على وليِّ الأمر أن يولِّي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح مَن يجده لذلك العمل، فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من نوابه على الأمصار مِن الأمراء، والقضاة، وغيرهم… إلخ.

2- وعلى كل واحد مِن هؤلاء أن يستنِيب، ويستعمل أصلح مَن يجده، وينتهي ذلك إلى أئمَّة الصلاة والمؤذنين، حتى يشمل ذلك كل الولايات عامَّها وخاصها.

3- الحاصل أنه يجب على كل مَن ولِيَ شيئًا مِن أمرِ المسلمين من هؤلاء وغيرهم أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلحَ مَن يقدر عليه، ولا يُقدِّمَ الرجلَ لكونه طلب الولاية أو سبق إلى ذلك، بل ذلك سببٌ للمنع، ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن قومًا دخلوا عليه فسألوه ولاية فقال: «إِنَّا لاَ نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ، وَلاَ مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ» (متفق عليه)، وقال لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا» (متفق عليه).

فكل سائلِ للإمارةِ حريصٌ عليها، طالبٌ لها، مخذول غير مُوفَّق، ومعنى الحديث: تركت للإمارة وأعبائها بغير عون مِن الله، وهذا إذا لم تحصل له الإعانة من الله قطعًا سيؤدِّي للعجز عن القيام بأعبائها أو إلى الخيانة فيها، هذا هو الأصل مع اعتبار تفصيل أهل العلم في مسألة طلب الولاية.

4- فإنْ عدَلَ عن الأحقِّ الأصلحِ إلى غيرِه لأجلِ قَرابَة بينهما، أو صداقة، أو موافقة في مذهب، أو طريقة، أو لرشوة مال، أو منفعة، أو لضغن في قلبه على الأحق أو عداوة بينهما، أو غير ذلك، فقد خان اللهَ ورسولَهُ والمؤمنينَ، ودخلَ فيما نهى عنه في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال:27].

5- إذا عُرف هذا… فليس عليه أن يستعمل إلا أصلحَ الموجود، وقد لا يكون في موجوده مَن هو أصلح لتلك الولاية، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه.

6- إذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام، وأخذه للولاية بحقها، فقد أدى الأمانة، وقام بالواجب في هذا، وصار من أئمة العدل المقسطين.

7- وإن اختلَّت بعض الأمور بسبب مِن غيره إذا لم يمكن إلا ذلك فإن الله يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، ويقول: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، فمن أدَّى الواجب المقدور عليه فقد اهتدى، لكن إن كان منه عجز أو خيانة عوقب على ذلك.

8- فينبغي أن يعرف الأصلح في كلِّ منصب، فإن الولاية لها ركنان: “القوة، والأمانة”.

9- والقوة في كل ولاية بحسبها، فمثلاً: القوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، والخبرة بالحروب والمخادعة فيها، والقدرة على أنواع القتال، ومعرفه طرقه وأسلحته، وأما القوة في الحكم: فترجع إلى العلم بالعدل الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة، والقدرة على تنفيذ الأحكام.

10- فالقوَّة في الولايات تجمع قوة المرء في نفسه وقوته على غيره، فقوَّتُه على نفسِه: بالحلم والصبر. وقوته على غيره: فالشجاعة في نفسه والخبرة، وسائر أسباب القوى من الرجال والأموال، فبالقوة الأولى يصير من المهاجرين الذين هجروا ما نهى الله عنه، ومن المجاهدين الذين جاهدوا نفوسهم في الله، وهو جهاد العدو الباطن من الشيطان والهوى، وبالقوة الثانية: يصير من المهاجرين المجاهدين في سبيل الله الذين جاهدوا أعداءه، ونصروا الله ورسوله، وبهم يقومُ الدِّين، وكثيرًا ما يحصلُ للرَّجل إحدَى القوَّتين دون الأخرى، فيختلَّ أمره بحسب ذلك.

11- أما الأمانة: فترجع إلى خشية الله تعالى وترك خشية الناس، وألا يشتري بآياته ثمنًا قليلاً، قال الله تعالى: {فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً} [المائدة: 44].

12- اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، فالواجب في كلِّ ولايةٍ الأصلحُ بحسبها، فإذا عيَّن رجلان أحدُهما أعظمُ أمانَةً والآخر أعظَمُ قوَّة قُدِّم أنفعُهما لتلكَ الولاية، وأقلُّهما ضررًا فيها، فيقدِّم مثلاً في إمارة الحروب: الرَّجل القويّ الشُّجاع وإن كان فيه فجور على الرَّجل الضَّعيف العاجز، كما سئل الإمام أحمد رحمه الله: عن الرَّجلين يكونَان أميرين في الغزو، وأحدهما قويٌّ فاجرٌ، والآخرُ صالح ضعيفٌ، مع أيِّهِما يُغزى؟ فقال: أما الفاجر القويُّ فقوَّتُه للمُسلِمينَ، وفُجُورِهِ على نَفْسِهِ، وأمَّا الصَّالح الضَّعيف فصلاحُه لنفسه وضُعفه على المسلمين، فيُغزى مع القويِّ الفاجرِ، وقَد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ» (متفق عليه)، وروي: «إِنَّ اللهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِأَقْوَامٍ لا خَلاقَ لَهُمْ» (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني)، وإنْ لم يكن فاجرًا كان أولَى بإمارةِ الحربِ ممَّن هو أصلح منه في الدِّين إذا لم يسُد مسده.

وإذا كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد قدم الأمين، مثل: حفِظ الأموالُ ونحوها، فأما استخراجها وحفظها، فلا بدَّ فيه من قوَّة وأمانة، فيُولَّى عليها قوي يستخرجها بقوته، وكاتب أمين يحفظها بخبرته وأمانته. وكذلك في إمارة الحرب: إذا أمرَ الأميرُ بمشاورة أهل العلم والدين جمع بين المصلحتين، وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد جمع بين عدد، فلا بد مِن ترجيح الأصلح، أو تعدُّد المَولَى إذا لم تقع الكفاية بواحد تام.

13- يجوز تولية غير الأهل للضرورة إذا كان أصلح الموجود فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال حتى يكمل في الناس ما لا بد منه من أمور الولايات والإمارات، ونحوها…

14- والمهم في هذا الباب معرفة الأصلح، وإنما يتمُّ معرفة ذلك بمعرفة مقصود الولاية ومعرفة طريق المقصود، فإذا عُرفت المقاصد والوسائل تم الأمر.

15- فالمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخَلْقِ -الذيِ متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا- وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم، وهو نوعان: قَسم المال بين مستحقيه، وعقوبات المعتدين. فمن لم يعتدِ أصلح له دينه ودنياه، فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان كان مِن أفضل أهل زمانه، وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله، فالمقصود أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله العليا.

16- فإذا كان هذا هو المقصود، فإنه يَتَوسَّل إليه بالأقرب فالأقرب، وينظر إلى الرجلين، أيُّهما كان أقرب إلى المقصود وَلِيَ، فإذا كانت الولايَة مثلاً: إمامةُ صلاة فقط، قدم من قدمه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا، وَلا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلا بِإِذْنِهِ» (رواه مسلم) فإذا تكافأ رجلان: وخفي أصلحهما، أقرع بينهما، كما أقرع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بين الناس يوم القادسية لما تشاجروا على الأذان، متابعة لقوله صلى الله عليه وسلم: «لوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا» (متفق عليه).

فإذا كان التقديمُ بأمر الله إذا ظهر، وبفعله -وهو ما يرجحه بالقرعة إذا خفي الأمر- كان المتولي قد أدى الأمانات في الولايات إلى أهلها.

عشر خواطر حول تطبيق الشريعة

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العبداللطيف336

الدعوة لتطبيق الشريعة تعني بناء الدولة وأدواتها في ذات الوقت للقيام بدورها في حماية المشروع الإسلامي وصيانته، فعندما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعد دولة الإسلام في المدينة، سعى لشراء بئر من أحد اليهود لتأمين مصادر المياه، وسعى في ذات الوقت لإنشاء سوق للمسلمين بعد أن كان اليهود يحتكرون التجارة، كما أقام سلسلة من الإصلاحات الاجتماعية انتهت بقيام مجتمع متكامل الأركان.
الصورة النمطية عن تطبيق الشريعة التي تحملها بعض الأذهان حيث يهمل أصحاب المشروع كل جوانب الحياة يتحمل وزرها الحملة الإعلامية الشرسة على الإسلام، وإن كان هذا لا يعفي دور بعض أصحاب المشروع أنفسهم نتيجة لأخطائهم السياسية والفكرية الفادحة.
—————————

الشعوب لا تخشى الشريعة بدليل انحيازها للإسلام كلما كان الموقف واضح المفاصلة. الشعوب تخشى أفكاراً وهمية زرعها كارهي الشريعة، وأخطاء سياسية وقع فيها بعض ممثلي الإسلام السياسي. الدليل العملي هو الشعبية الجارفة للشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل مع وضوحه التام في مسألة الشريعة.
—————————

للإخوة الذين يبررون عدم السعي لتطبيق الشريعة بفساد المجتمع، راجعوا غزوة أحد وقول الله تعالى تعقيبا على ما لاقاه المسلمون في غزوة أحد: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} [آل عمران: 165]. الفهم الصحيح للآية يجب أن يكون من خلال فعل النبي صلى الله عليه وسلم. فبعدها لم يترك الرسول صلى الله عليه وسلم الدعوة و الجهاد ويتفرغ للتربية كما يحلو للبعض أن يستخدم هذه الآية لتبرير التقاعس عن نصرة الشريعة، بل جمع صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام لغزوة حمراء الأسد في اليوم التالي، واستمرت رحلة التربية والجهاد والدعوة.

المجاهدة لتطبيق الشريعة وإعلاء كلمة الله تعني أيضاً أن هناك معالجة للمجتمع للداخل يجب أن تسير في نفس الوقت، وتصور أن المجتمع يجب أن يكون مثالياً ليصلح لتطبيق الشريعة هو تصور موهوم ليس له أصل من شرع أو عقل.

مظاهر الفساد في المجتمع ليست فردية ولم أقل أبداً أنها فردية، بل هي مظاهر راسخة في المجتمع رسوخ الفهم الخاطىء المجتزىء، وفي المجاهدة لتطبيق الشريعة يجب عدم إغفال جهاد المفاهيم الكارثية الموجودة لدى بعض الدعاة أنفسهم.
—————————

تطبيق الأحكام الشرعية يجب أن يكون مرتبطاً بقدرة المجتمع على التحمل، وإعداده لتلقي الحكم الشرعي والتمهيد له هو من الشريعة نفسها.
—————————

الدعوة لتطبيق الشريعة ستجعل كل من لديه شبهة يلقي بها، وحينها سيتم الرد عليها وتفنيدها، تماماً كما واجه القرآن جميع الشبه وأفحم أصحابها {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18]. أما المواربة في جانب الشريعة فسيبقي على الشبه في النفوس. وصدقني بعض هذه الشبه موجودة في نفوس أصحاب المشروع الإسلامي أنفسهم، أعرف ذلك يقينا. تصفية النفوس من هذه الشبهات لا يأتي إلا بالمواجهة المباشرة. أما إن كنت غير قادراً على المواجهة وحمل المشروع الإسلامي، فتنحى جانباً فهذا دين الله، وسيهيىء له من يدافع عنه ويحمل لواءه.
———————————-

المصارحة بالسعي لتطبيق الشريعة في وقت المحنة سيجمع حولك نواة صلبة من المخلصين الذين لديهم استعداد لا متناهي للبذل والعطاء. وهؤلاء سيشكلون نواة صلبة تستطيع بها اقتحام الصعاب -أولاد أبو إسماعيل كمثال-.
———————————-

الإسلام ليس مسئولاً عن أخطاء أي شخص ينتسب إليه، فالإسلام حاكم والأشخاص محكوم عليهم. الإسلام لا يعطي قدسية للأشخاص كما في النصرانية. رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرأ إلى الله من خطأ خالد بن الوليد رضي الله عنه في إحدى السرايا، والقرآن نزل واضحاً صريحاً ليبني المجتمع ويقوم الأعوجاج عندما يحدث. نحن من نتبني أوهاماً ومفاهيماً خاطئة، ثم نختلق لها المبررات للدفاع عنها.
———————————-

عالِم الشريعة ليس بالضرورة عالماً بكل شيء، وعندما يتحدث في السياسة فيجب عليه أن يمتلك أدواتها أو يعتذر عن الحديث فيها. وعالم الشريعة قد تجده فقيها في السياسة كالشيخ حازم أبو إسماعيل، وقد تجده جاهلاً بأدواتها كبعض أفاضل العلماء. جهل الشيخ بأدوات السياسة لا يعيبه في شيء إن اعتزلها، فليس بالضرورة أن يدرك المرء المنتهى في كل شيء.
———————————-

الشريعة ليست حملاً ثقيلاً أو عبئاً على الأنفس. الهزيمة النفسية هي التي صورتها لنا كذلك. الشريعة رحمة في أحكامها ورحمة في مآلاتها. غياب الشريعة يعني فوضى تبتعد بالخلق عن خالقهم وحالة من الدخول في التيه والظلام في غياب النور الساطع.
———————————-

السؤال التقليدي عن تعارض المصلحة مع الحكم الشرعي يعكس جهلاً بحقيقة هذا الدين. هذا الدين رحمة في كل ما جاء به. فكل ما أمرنا الله به فهو خير وإن لم تبد للبعض الحكمة، وكل ما نهانا عنه هو رحمة بنا، وإن بدت لنا مشقة ظاهرة.

كمثال طبيعة العلاقة المتحفظة بين الرجل والمرأة كما أتى بها الإسلام، هي صيانة للرجل وللمرأة والمجتمع {وَاللَّـهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا. يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 27-28].

وكمثال آخر، تحريم الربا الذي له من الفوائد الاقتصادية والاجتماعية ما استبان حتى لغير المسلمين بعد اشتداد الأزمات الاقتصادية العالمية.

الدهاء في السياسة

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العبداللطيف336

الدهاء: جودة الرأي التي تمكن السياسي من أن يدير نظامًا، أو يكشف عن وجه قضية بأسلوب لطيف، فغير الداهية ينبذ إلى الباطل على سواء؛ فتكون الحرب بينهما سجالًا، والداهية ينصب له المكيدة، فيقع كما يقع الأسد في الزبية العميقة، ومن لم يكن داهية لا يمشي إلى الغرض إلاَّ على خط مستقيم، فإذا اعترضته عقبة كؤود وقف في حيرة أو رجع على عَقِبه يائسًا، والداهية يسير في خطٍّ منحنٍ أو منكسرٍ ولا يبالي بطول المسافة في جانب الثقة بإدراك الغاية المطلوبة.

يقوم الدهاء على فطرة الذكاء التي هي سرعة تصور المعاني الغامضة، وسهولة نفوذ الفكر إلى المقاصد الخفية. والإفراط فيه الذي يعد عيبًا في صاحب السياسة إنما هو اختطاف صورة الأمر أو النتيجة من غير تثبيت في مأخذها، أو إحاطة بكنهها؛ إذ الشأن فيمن تضرب أشعة فكره في المعاني البعيدة أول ما يلتفت إليها لا يطيل البحث عن أسرارها أو يستوفي النظر إلى آثارها. فمن لم ينظر في الشؤون العامة بفكر ثاقب، ضاع من بين يديه كثيرٌ من المصالح، ووقع في شراك الخداع والمخاتلة، وكم من أمة قضى عليها بَلَهُ زعمائها أن تعيش في هاوية الذل ونكد الحياة. وإنما استقام ظهر الخلافة لعهد عمر بن الخطاب؛ لأنه كان -مع سلامة ضميره وصفاء سريرته- نافذَ البصيرة في السياسة، بعيدَ النظر في عواقبها. قال المغيرة بن شعبة: “كان عمر أفضل من أن يَخْدَع، وأعْقَل من أن يُخدَع”.

السياسة فنون شتى، والبراعة في كلِّ فنٍّ تكون على حسب الأخذ بمبادئه، والدربةِ في مسالكه، فهذا خبير بسياسةِ الحرب، وبصيرتُه في السياسة المدنية عشواء، وآخر يدير القضايا، ويجري النظاماتِ بين الأمة في أحكم نسق، فإذا خَرَجْتَ به؛ ليخوض في صلة أمة بأخرى ضاقت عليه مسالك الرأي، وتلجلج لسانه في لُكْنَة، وربما جنح إلى السِلم والحربُ أشرف عاقبة، أو أَذَّن بحرب والصلحُ أقرب وسيلة إلى سعادة الأمة؛ فلا بُدَّ للدهاء في فنٍّ سياسي من الوقوف على شيء من سننه، إمَّا بتقلب الإنسان في الوقائع بنفسه ومشاهدته لها عن رؤية عين، وهي التجارب الملوَّح إليها بقول أبي تمام:

من لم يُقَد فيطير في خيشومه *** رهجُ الخميس فلن يقود خميسا

أو بتلقيها على طريق النقل، كدراسة فن التاريخ، أو الكتب المؤلفة في ذلك الفن من السياسة خاصة. ولا يملك مزية الدهاء في السياسة، إلا من كان في استطاعته كتمُ تأثراته النفسية من غضب وسرور، ومودَّة وبغضاء، ولهذا يقول الأدباء: إنَّ أحكم بيت قالته العرب:

ولَرُبَّما ابتَسَم الكريمُ من الأذى *** وفُـؤَادُه مِنْ حَـرِّه يَتَأَوَّهُ

فأناة الرئيس ورصانته هي المنبع الذي تُسقى منه الأمةُ حريةَ الفكر، والسُّلَّم الذي تعرج منه إلى الأفق الأعلى من الأمن والسعادة. تسمح الحكومات الحرة للكتاب والخطباء أن يكشفوا عما في ضمائرهم ويجهروا بآرائهم، وتسيرُ معهم على مبدأ أنَّ الناس أحرار في آرائهم وعواطفهم؛ فلا يسألون عنها، أو يؤاخذون بها متى كانت مباينة لمقاصد الرئيس، أو معارضة لمذهبه في السياسة، إلاَّ إذا وضعوا أيديهم في إجرائها، واندفعوا إلى العمل على نفاذها.

تعدُّ الحرية البالغة هذا الحد في حسنات بعض الحكومات الحاضرة، وقد أدار عليها أمراء الإسلام رحى سياستهم منذ ألف وثلاثمائة سنة؛ فهذا معاوية بن أبي سفيان يقول: “والله، لا أحمل السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن منكم إلا ما يشتفي به القائل بلسانه، فقد جعلت له ذلك دبر أذني، وتحت قدمي”. يتلقى الأمراء نقد سياستهم وآرائهم بصدر رحب، وكثير منهم من إذا أنس في الأمة تهيبًا كره أن ينقلب ذلك التهيب رهبةً تجرهم إلى إيثار الخَلق على الحق، ويدعوهم إلى ما دعا إليه عمر بن الخطاب في قوله: “أيما رجل عتب علينا في خلق فليؤذِنِّي”؛ (أي فليعلمني). وكان المأمون يقول لأهل ناديه إذا جارَوه في كلام: “هلاَّ سألتموني لماذا؟ فإنَّ العلم على المناظرة أثبت منه على المهابة”.

يطلق الأمراء العادلون للآراء أعنَّتها؛ لتعرض عليهم في أي صبغة شاءت، ويثقون في هذا التسامح بأن أمامها أفكارًا مستقلة، وعقولًا راجحة، فتقبل منها ما كان حقيقة ناصعة، وترد الزائف على عقبه خائبًا. يدور على الألسنة قول ابن خلدون في مقدمة تاريخه: “إنَّ العرب أبعد الأمم عن سياسة الـمُلْك”. يلهج بهذه المقالة بعض الأعجمين رامزين إلى أنَّ العرب لا يليق بهم أن يعيشوا كما يعيش الرجل الرشيد، يتصرف في بيته، ويدير مصلحته بنفسه، وتبسط طائفة أخرى النكير على هذا الفيلسوف قائلة: كيف يصف الأمة التي شادت تلك الدولة الكبرى بالبعد عن مذاهب السياسة؟

والذي ينظر في الفصل المعقود لهذه المقالة من (المقدمة) يجد ابن خلدون يتكلم على الأمة العربية الطبيعية، حيث ذكر أنَّ العلة في بعدهم عن إجادة السياسة اعتيادهم على البداوة، ونفورهم من سلطة القوانين، واحتياج رئيسهم إلى الإحسان إليهم وعدم مراغمتهم، والسياسة تقتضي أن يكون السائس وازعًا بالقهر. ثم صرَّح ابن خلدون في هذا الفصل نفسه، بأنَّ هذه الأمة بعد ما طلع عليها الإسلام، وفتح أبصارها في مناهج السياسة العادلة سارت فيها باستقامة، فعظم ملكها، وقوي سلطانها. ويوافق ما قاله ابن خلدون من أنَّ العربي بعد مطلع الإسلام غير العربي في عصر الجاهلية أن سعد بن أبي وقاص أرسل نفرًا منهم المغيرة بن زرارة إلى يزدجرد فدارت بينه وبينهم محاورة أفصح لهم في آخرها عن تعجبه من ظهورهم في هذا المظهر العظيم، بعد أن كانوا بمكانة من الجهل، فقال له المغيرة: إن ما وصفت به العرب من الجهل هو حق، إلا أنه قد كان ذلك قبل الإسلام. وبعد أن انصرفوا قال لقائده رستم: ما كنت أرى أنَّ في العرب مثل هؤلاء، ما أنتم بأحسن جوابًا منهم.

ركبتُ مرة القطار من بَرْلِين إلى إحدى قراها القريبة منها، وكان في رفقتي أستاذان من المستشرقين، فأخذا يتحاوران باللسان الألماني، ولم أكن أفقه من هذا اللسان يومئذ شيئًا، ثم أقبل عليَّ أحدهم وقال لي: أليس هكذا يقول ابن خلدون أن العرب لا يعرفون السياسة؟ فقلت له: إنما يصف ابن خلدون العرب في حال جاهليتهم، وقبل أن يهتدوا بهدي الإسلام ويستنيروا بحكمته، فانقطع، وعاد إلى محاورة صاحبه. ومن نظر إلى العربي في حال جاهليته، رآه مطبوعًا على خصلتين يُطوِّح به الغلو فيهما إلى ما ليس وراءه غاية: إحداهما: اندفاعه للانتقام ممن هَضَمَ له حقًّا، أو مسَّ جانبه بأذى. وحُسْنُ السياسة يقتضي التأني، والإغضاء عن كثير من الهفوات. ثانيتهما: إطلاقه لأيدي شيعته وعشيرته، وغضُّ الطرف عنهم إذا أخذهم الاعتزاز بجاهه، واضطهدوا حق ضعيف لا ينتمي إليه. والسياسة تنافي الإفراطَ في معاضدة الأشياع والأحلاف، ولا تستقيم مع الانتصار وهم مبطلون.

وقد قاومت الشريعة الإسلامية هاتين الطبيعتين، وجاهدت فيهما حقَّ جهادها، حتى أعدَّت لسياسة العالم أساتذة مثل عمر بن الخطاب الذي كان لا يراعي في إقامة الحقِّ، وكبح الباطل أشدَّ الناس به صلة، وأمسَّهم به رحمًا. ومثل معاوية بن أبي سفيان؛ فإنه كان يُرمى بالمطاعن، ويرشق بسهام الإنكار، فيُسرُّها في نفسه، ولا تبدو عليه سورة الغيظ، الذي يتخبط كثيرًا من المستبدين. ومن دهاء عمر بن عبد العزيز أنه كان يرى في كثير من الأمور مصالح للرعية، ولكن كان يسلك في إجرائها طريقة التمهل والتدريج؛ حَذَرَ أن يثقل عليهم عبؤها، فيطرحوها عن ظهورهم، ويقعوا في عاقبة سيئة. قال ابنه عبد الملك: ما لك لا تُنَفِّذ الأمور؟، فقال: لا تعجل يا بني؛ فإنني أخاف أن أحمل الحقَّ على الناس جملة؛ فيدفعوه، وتكونَ فتنة. فلا يخرج السياسي عن مجرى الاستقامة حيث يرى في سيرة الأمة عوجًا يتعذر عليه تقويمه بالقوة؛ فيحجم عن مكافحته، ولكن يبذل حكمته في علاج ذلك المبدأ السقيم، حتى يأخذ صحته ولو بعد أمد طويل.

وقد بدأت السياسة في عهد معاوية لا تبالي أن تمرَّ إلى الحقِّ، ولو على جسر من الباطل، كما قال زياد في بعض خطبه: “قد علمنا أنَّا لا نصل إلى الحقِّ إلَّا أن نخوض في الباطل خوضًا”. ويقول ابن خلدون: “إن العلماء من بين البشر أبعد الناس عن السياسة ومذاهبها”. وذكر في توجيه هذه المقالة، أنهم معتادون في سائر أنظارهم الأمور الذهنية، والأنظار الفكرية لا يعرفون سواها، والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج، وما يلحقها من الأحوال، ويتبعها من الآثار. وتحقيق هذا أنَّ العلم في نفسه لا يعوق صاحبه أن يدرك الغاية القصوى في السياسة، وإنما العلة التي تَقْعُدَ بالعالم عن البراعة في تدبير الشؤون العامة إنما هي انكبابه وعكوفه على القواعد، وما يتفرع عنها من الأحكام دون أن يضيف إليها الاطلاع على أحوال أهل العصر، ويفحص عما تقتضيه مصالحهم، وتستدعيه حاجتهم، ويغوص على الوقائع؛ فيتفقه في نشأتها، وما تصير إليه عاقبتها.

فما قاله ابن خلدون إنما ينطبق على حال العلماء الذين أنفقوا أوقاتهم في القضايا النظرية، ولم يضربوا بسهم في معرفة أسباب العمران وطبائع الاجتماع، وهذه الحالة هي الغالبة على أمرهم في عصر ابن خلدون، وما تقدمه بزمن طويل، ولا سِيَّما بعد أن وقفوا دون مرتبة الاجتهاد، وتهاونوا بالشطر الأهم من وظيفتهم وهو الدعوة إلى الإصلاح أينما كانوا. وأما الذين يُقَدِّرون وظيفتهم حقَّ قدرها، ويقومون بما قلَّدهم الله من مراقبة سير الأمة وإرشادها إلى وسائل الفلاح عن فكرة سليمة، وألمعية مهذبة، فإنهم يسبقون بلا ريب إلى الغاية السامية في السياسة القيِّمة، ولا يكون العلم عثرة تهوي بهم في البله والجهل بتدبير شؤون الاجتماع، كما يدعي الذين يسمعون أو يسردون مقالة ابن خلدون على غير تدبر وروية. وكان الوزير التونسي خير الدين باشا يعقد مجالس من علماء جامع الزيتونة، ويلقي على وجه الشورى ما يهمه من المسائل العامة، فيتناوبونها بالبحث والنظر، حتى إذا نطق أحدهم برأي يصيب به المفصل من القضية اهتَزَّ ذلك الوزير ارتياحًا، وضرب يمناه على يسراه قائلًا: لا تتقدم أمة إلا بعلمائها.

المفاوضات الفلسطينية مع الكيان الصهيوني

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الموسى 36336

More Sharing ServicesShare
في الوقت الذي قفز فيه الطرف الفلسطيني على شروطه المبدئية في وقف الاستيطان ، كمدخل للمفاوضات ، وذلك تحت ضغط أمريكي وعربي واضح ، مع أنها توصلت إلى تلك الشروط المبدئية بعد تجربة طويلة ومريرة من المفاوضات العبثية التي دارت بين العدو الصهيوني والفلسطينيون في سنوات من دون الوصول إلى أي محصلة ، في وقت التهم فيه الكيان الصهيوني المزيد من الأراضي الفلسطينية ، وبالطبع فإن الطرف الفلسطيني ، وهو الحلقة الأضعف في المعادلة ، رضخ لضغط أمريكي وعربية ، في وقت لم تمارس فيه الإدارة الأمريكية ضغطاً حقيقياً على الكيان الصهيوني. في السياسة عادة ما يستخدم السياسيون ألفاظا مهذبة وغير فاقعة ، ويجتنبون فيها استفزاز الناس وإثارة المشاعر، لأن السياسة هي أسلوب خبيث في تمرير ما لا يجوز أن يمرر دون إثارة ، وهذا بالضبط ما يدور في أروقة السياسة في العالم العربي منذ عقود من الزمان ، وخاصة فيما يتعلق بشأن الصراع العربي الصهيوني حول فلسطين ، وقد مرت فترة كانت الشعارات فيها ثورية ، ولكنها للاسف لم تبتعد عن أسلوب التعمية والتمويه التي تستخدم اليوم لنفس الغاية ، فكلما كانت المؤامرة أكبر وأخطر ، كانت اللهجة الثورية المزعومة تعلو أكثر فأكثر. المفاوضات التي تجري الآن بين السلطة الفلسطينية والعدو الصهيوني هي مثال صارخ على أسلوب التعمية والاستخفاف بعقول الناس في المنطقة ، فالسلطة تقع تحت ضغوط الواقع المرير الذي تعيشه بعد فشل اوسلو ، وبعد استمرار عملية الاستيطان والتهويد للقدس والاراضي ، وبعد تقدم التيارات السياسية المتطرفة في المجتمع الصهيوني نتيجة الفشل الذي قادتنا اليه السياسات الفلسطينية ، وفشل في كل وعودهم ، إن الحديث عن حل الدولتين الذي يمضغه ممثلو السياسة الخارجية في دول المنطقة والعالم ما هو الا اكذوبة أخرى كبيرة يستخدمونها ، والمهزومون من جهة أخرى ليعطوا العدو الصهيوني فرصة تلو فرصة ليتقدم على ارض الواقع وليخلقوا حالة جديدة ومتنامية من ترسيخ الاحتلال والتهويد والتضييق على الشعب الفلسطيني ، لينقلوا المفاوضات(المؤامرة ) من مستوى الى آخر، وليتقدم المشروع الصهيوني كل يوم على حساب حقوق الشعب الفلسطيني ، ما يحدث الآن في مدينة القدس مثال صارخ على صحة ما ذهبنا اليه. وبمباركة من انظمة عربية اكثر فشلا تمارس لعبة السياسة المضللة الى الشعب الفلسطيني والشعوب العربية ، فما هو مطروح من حلول ، وما تجري حوله المفاوضات لا يشكل الحد الادنى المرحلي مما يقبل به الشعب الفلسطيني ، هذا اذا سلمنا ان هناك حلولا مرحلية ، والا فان ما يطالب به الصهاينة من حلول تحفظ لهم الحق المزعوم في الارض والامن يجعل دماء من بقي عنده دم تغلي وتفور ، ولكن دماء الساسة العرب يبدو انها لم تعد موجودة ، اذا كانت المفاوضات الجارية حاليا هي حول ما يتم الحديث عنه من دولة مسخ تدير الشؤون البلدية على جزء من الضفة الغربية ، مع احتفاظ اليهود بالسيادة على الجو وباطن الارض والحدود مع الاردن وعلى بقاء المستوطنات واستمرار تهويد القدس تحت السيطرة الصهيونية والتنكر لحق العودة واستبعاد اللاجئين من المعادلة النهائية ، والضمانات الامنية للعدو الصهيوني ومستوطناته ، فهذه وصفة واضحة للوطن البديل لا تحتاج الى ذكاء وتحليل ، ليس هذا فحسب ، بل هي فتنة ، ووصفة للشر والخراب والصراع السياسي في المنطقة باسرها ، والقبول بهذه الوصفة من قبل الانظمة السياسية لا يعني سوى شيء واحدا، وهو ان هذه الانظمة أفلست وفشلت ولم تعد مؤهلة لادارة قضاياها الوطنية والمصيرية ، أو انها خرجت من هويتها وانتمائها الى امتها ووطنها ، وأصبحت في صف وخانة العدو المحتل، وهنا ينبغي على الشعب وقواه الحرة والوطنية ان تعالج هذا الامر قبل ان يذهب بما تبقى لدينا الى نهايته. ان مجرد القبول بالسير في طريق المفاوضات العبثية يعني تواطؤا على القبول بالمشروع الصهيوني واستسلاما لإرادته ، يشترك في ذلك الانظمة العربية ، لأنها لم تكن نتاج اختيار حقيقي للشعوب. وربما تنتهي المفاوضات إلى صفقة تمثل كارثية للقضية الفلسطينية ، وستكون تداعياتها أسوأ بكثير من تداعيات اتفاقية أوسلو ستكون صفعة للفلسطينيين والعرب. ذلك أن المفاوضات الحالية يفترض أن تتناول القضايا الرئيسة المتمثلة في الحدود والقدس وحق العودة . ومن العبث تصور إمكانية الوصول إلى حلول جذرية لهذه القضايا المعقدة التي يضع الكيان الصهيوني كل شروطه وملاءاته . إنهما يودان الانفراد بالطرف الفلسطيني تحت مظلة أمريكية تعطي الاعتبار الأول لمصلحة الكيان الصهيوني ومتطلباته الأمنية ، ولا تكترث بالحق الفلسطيني ولا بالقضية الفلسطينية .

الإسلاميون بين "التنظيم" و"المجتمع"

كاتب الموضوع الأصلي: صالح سعد

الأربعاء 11 محرم 1433 هـ – 07 ديسمبر 2011 – 10:25 صباحا
د. عبد الله فهد النفيسي

التربية الحزبية مقابل التربية الاجتماعية

من الملاحظ أن مناهج التكوين الأيديولوجي والتربوي في معظم “تنظيمات” الحركة الإسلامية لا تعني بالتربية الاجتماعية قدر عنايتها بالتربية الحزبية. نقصد أن المناهج التربوية في معظم “تنظيمات” الحركة الإسلامية ترتكز على تربية وتنشئة “العنصر الحزبي” المنتمي والمطيع والمنفذ والموالي ولاءً مطلقاً لقيادته الحزبية والحركية، ولا تهتم في مقابل ذلك بتنشئة ذات “العنصر” على التواصل الاجتماعي والفكري والنفسي والثقافي مع المحيط الحركي الذي يمثله المجتمع الأوسع. لذا نجد أن مخرجات العمليات التربوية الحاصلة في “تنظيمات” الحركة غير متوازنة.

فمن جانب نجد تطوراً إيجابياً في “العنصر” من حيث تكوينه الحزبي وقدرته على التنفيذ والوفاء بالتكاليف الحركية، ومن جهة أخرى يلاحظ عليه زمرة من التطورات السلبية التي تحتاج بدورها لمعالجة عبر مناهج جديدة.

من أهم تلك التطورات السلبية في “المنتمي الإسلامي” الجديد أنه يتحول إلى حالة من “الانتظار الدائم” للأوامر والتعليمات ويفقد كل قدرة على المبادأة والمبادرة على أي مستوى من المستويات حتى على مستوى تكوين رأيه في القضايا التي يشاهد ظواهرها يومياً.

هذه الثغرة في المنهاج التربوي يتضرر منها “التنظيم” الإسلامي كما يتضرر منها الإسلام من حيث هو دعوة ودين وحركة اجتماعية، أما الضرر الذي يظهر “تنظيمياً” فيتلخص ـ مع استمرار تلك السياسة التربوية ـ بتكاثر “المنفذين واللائحيين” وضمور في عدد “المبدعين والخلاقين” ومع الوقت يتحول “التنظيم” إلى آلة صماء كبيرة ضخمة متفرعة ثقيلة ذات أطراف قوية “الكاتربيلر” من الممكن أن يتحكم في توجيهها إنسان متواضع الأهلية والثقافة، إنسان بلا مبادأة ولا كاريزما ولا خيال.

ولأن العملية التربوية داخل “التنظيم” تركز على “قيم التنظيم” من طاعة وولاء والتزام وفدائية ونكران للذات، وليس على “قيم المجتمع الأوسع” من حقوق وواجبات وأدوار ومصالح ومطالب، نقول لأن ذلك حاصل ويتحول “التنظيم” إلى غاية في حد ذاته ويصبح التمسك فيه وبه يعاد “المشروع الإسلامي” الذي يبشر به بمعنى يتولد شعور خفي لدى “المنتمي الإسلامي” إن الإسلام لن يعود لسابق مجده إلا من خلال “التنظيم”. من هنا يتم التركيز على نقطة “التنظيم” ومجاله، ومن هنا يصبح ازدهاره وانتشاره وبروزه “القضية الأوجب” بالتقديم على “القضية الاجتماعية العامة”.

ومن هنا نجد أن “المنتمي الإسلامي” يتقن موجبات الانتماء التنظيمي وتواءم معها، لكنه من جهة أخرى يتراخى في موجبات انتمائه الاجتماعي الأوسع ويفرط في “دوره العام” غير المرتبط بالتكاليف التنظيمية برغم أن هذا “الدور العام” أكثر أهمية من “الدور الخاص” المربوط بهيئات “التنظيم”. وينشأ عن هذه الثغرة “التربوية” ثغرة أخرى تتعلق بمنظور “المنتمي الإسلامي” للقضايا العامة وحتى على درجة تفاعله معها.

فعلى صعيد “المنظور” نلاحظ العمومية والانطباعية وكسلاً في التتبع الثقافي للقضية العامة وشيئاً من الرومانسية الحالمة المنفكة والمعبأة بالخطاب التاريخي والماضويات المكرورة والمبثوثة بين عموم الناس. وأما “درجة التفاعل” مع القضية العامة فيقررها له “التنظيم”: فالأخير هو الذي يقرر “العام” من “الخاص” و”المهم” و”الأهم” وغير ذلك أيضاً.

وينشأ عن هذا “الفصام” في العملية التربوية، شيء مشابه له على صعيد التعامل مع المحيط الحركي الذي يشكله المجتمع الأوسع. فـ “المنتمي الإسلامي” يتعامل مع المجتمع الأوسع بمنطق “التنظيم”: مزيج من التوظيف السياسي للعلاقة وشيء من الاستعلاء الشعوري والنفسي “لقد مارس المرحوم سيد قطب في المعالم تنظيراً لهذه النقطة”. لذا نجد المنتمي “الإسلامي” يأخذ من المحيط ما يفيد “التنظيم” ويدفع عن “التنظيم” ما يتفاعل في المحيط من نزوعات و”شرور”.

في إطار هذا “الحدب” على “التنظيم” تصبح كل قضية أخرى “ثانوية”. ذلك هو جذر المشكلة في موقف “التنظيم” من العلاقات السياسية المتوازنة مع القوى الاجتماعية والسياسية المتباينة.

طبعاً عندما نتحدث عن “المنهاج التربوي” في تنظيمات الحركة الإسلامية وننتقده أو نبين أوجه القصور فيه، لا نقصد بمصطلح “المنهاج التربوي” التعاليم الأخلاقية والمناقب الإسلامية التي أحيتها الحركة الإسلامية في مجتمعنا المعاصر، إطلاقاً لا نقصد ذلك، بل نحن نحيي الدور الريادي الذي قامت به الحركة في هذا المجال. ما نقصده بـ “المنهاج التربوي” هو ما يصب في النهاية في مجال “التكوين الأيديولوجي” وتشكيل المنظورات الاجتماعية والسياسية للأفراد، أكثر من المناقبيات الفردية والأخلاقيات الخاصة بهم. ومن تفريعات هذا التكوين الأيديولوجي القاصر نلاحظ أنه يفرز لدى “المنتمي الإسلامي” العقلية المباشرة، فهو لا يهتم ولا يدرك إلا “المباشر” ولذا نجده لا يتفاعل مع القضية العامة إلا ما كان له صلة “لصيقة و مباشرة” بفضاءات المناشط التي يمارسها “التنظيم”.

ومن هنا نلاحظ أيضاً ضعف التمييز ـ لدى التنظيمات الإسلامية ـ في فرز المباشر من غير المباشر، القصد بين ما يؤثر عليها مباشرة وما قد يؤثر عليها أكثر ولكن بطريق غير مباشر. وتوظيفاً لهذا الثغرة نشط خصوم الحركة الفعليون في توفير “الإشباع المباشر” لها، والتركيز في محاربتها وتطويقها على الدروب والآليات “غير المباشرة” فـ “الإشباع المباشر” للحركة يتحقق من خلال توفير فرص “التعبير الديني” الصاخب والمكثف في الصحف والإذاعات ومحطات التلفاز والمناسبات الدينية والوطنية، وفي الوقت نفسه ويتوازى مع هذا جهود مكثفة “في الظل” للحؤول دون تمكين “منهج الدين” من اتخاذ القرار وتنظيم المؤسسات والوزارات والهيئات والعلاقات الدولية والعسكرية وغير ذلك من المناشط المفصلية.

ومن الملاحظ أن قابليات “التنظيمات الإسلامية” للغرق في عمليات الإشباع المباشر كبيرة للغاية، ولذا بات من السهل استرضاؤها وتوظيفها سياسياً في “حروب الوكالة” وهي ـ في السياسة ـ “حروب وهمية” يخوضها الحزب ضد الحزب الآخر لخدمة “طرف ثالث” يتحكم في تفاصيل الصراع “بالريموت كونترول”. جذر كل هذا واحد: التركيز على التربية الحزبية الواحدية “البيوريتانية” (أي التطهرية) وإهمال التربية الاجتماعية ذات الجهات الأربع التي تعي الكليات “جشتالت” ولا تقف عند حد الفهم الجزئي.

الإسلام والدولة

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العبداللطيف336

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فـ”ليس لي في السياسة” جملة يرددها الكثيرون.. قد تكون مقبولة قبل “ثورة 25 يناير”؛ لتفشي الظلم، وضعف أو انعدام الأثر المرجو مِن المشاركة في العملية السياسية، وهذا واضح لا يحتاج لتدليل، أما هذه الأيام فالوضع قد اختلف، وصار من الأكيد المحتَّم ضرورة الإلمام بما يدور في الكواليس السياسية؛ لنكون على بينة من أمرنا؛ إذ هذه الأيام يُسطر “تاريخ مصر” أو قل: “يعاد تسطيره”! وسيظل أثر ذلك ممتدًا سنين وسنين.. وسيؤثر أعظم الأثر على صورة “مصر” في المستقبل.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي» (رواه أحمد، وصححه الألباني).

فهذا الحديث الشريف فيه إشارة إلى الربط بين عبودية الفرد وعبودية الأمة، فالغاية التي بعث بها الأنبياء جميعًا هي: “تحقيق التوحيد وإقامته في الناس”: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:59]، وليس فقط أن يعبدوا الله في ذوات أنفسهم.

هذه العبودية تشمل التزام الشرع في كل النواحي، فيما يختص بالفرد والجماعة، بالأمة والدولة، وهذا أمر عظيم في حس كل مسلم، فلا يمكن أن يحدث الانفصال بين العبودية الشخصية وعبودية الأمة، بل (حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ) يقيم الإنسان الدين في نفسه بتحقيق الإيمان والإحسان، ويسعى مع ذلك إلى إقامته فيمن حوله، بل في العالم كله حتى تكون أنظمة الحياة كلها منصبغة بصبغة الإسلام.

أما “الفصل المريب” الذي نراه هذه الأيام فإنما هو ثمرة مِن الثمار المرة للاحتلال الغربي لبلاد الإسلام؛ إذ لما يئس الكفار من المسلمين أن يتركوا دينهم؛ أخذوا يزرعون بينهم هذا المذهب الخبيث، وهو: “فصل الدين عن الدولة”، وأن يصبح الدين علاقة خاصة بين الإنسان ومعبوده.. أيًّا كان ذلك المعبود، وألا يتبنى المجتمع نشر دين معين، فتكون بذلك الدولة المدنية -ليست المقابلة للعسكرية- تأخذ تصوراتها مما تراه الأغلبية، وإن كان ذلك مخالفًا للإسلام! ومعلوم كيف توجد هذه الأغلبية وتقاد إلى ما يشاءون!

هذا الفصل هو “سمة الحياة الغربية” المبنية على الإلحاد، وإنكار وجود الله، وأقصى ما يمكن أن يقروا به إثبات الوجود المجرد بغير أمر ولا نهي، ولا دخل له بالحياة مطلقًا، والإنسان عندهم حر يقرر ما يريد، ويضع ما يشاء من نظم الحياة، وقد تسرب ذلك بالفعل إلى بلاد المسلمين خاصة على أيدي “أبناء أعدائنا منا” -كما يصفهم الشيخ “أحمد شاكر”-، فهم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، لكن القلوب قلوب شياطين، تشربت بما يقوله أعداء الإسلام، أما في التصور الإسلامي فيستحيل الفصل بين الدين والحياة على مستوى الفرد والجماعة، بل هو مناقض لعقيدة المسلمين في الربوبية والألوهية، فالرب هو الآمر الناهي السيد المطاع، هو المشرع للعباد -كما هو من معاني الربوبية-، ويجب أن يعتقدوا ذلك فيه كما يجب أن يتحاكموا إليه في سائر شئونهم ونظمهم، كما أن من أسماء الله: “الحكم”.

هذا وإن الخلل الحادث في الأمة، والفساد العريض ما هو إلا ثمرة لذلك الفصل المريب؛ إذ أصبحت نظم الدولة في وادٍ والإسلام في آخر في كثير من الأحيان، فأثر ذلك في الشعوب على مدار السنين والأعوام.. حتى ظهرت أجيال منبتة الصلة بدينها، لا تراه إلا علاقة بين العبد وربه؛ وفي المسجد فقط! ولا دخل له بالحياة مِن: اقتصاد، واجتماع، وتعليم، وسياسة، وغير ذلك.. !

بل صار البعض يناقش ويجادل في هذه القضية وغيرها من المُسَلَّمات التي لم يكن يُتصور أن تطرح للمناقشة، مثل ما يثيرونه هذه الأيام: “هل الإسلام هو الحق، ومَن لم يكن مسلمًا يكون كافرًا؟!”

هل النصارى واليهود يدخلون الجنة أم النار؟!

هل مَن كذب الرسول صلى الله عليه وسلم يكون كافرًا؟!

وأنه لا فرق بين الملل، ولكل إنسان الحرية في الاعتقاد! إلى غير ذلك من القضايا البديهية التي لم يكن يُتصور أن تُجهل!

كيف وقد عدَّ “زيد بن صوحان” الجهل بأي اليدين تقطع في “حد السرقة” علامة على نفاق صاحبه، والأثر كما أورده ابن كثير رحمه الله أن أعرابيًّا جلس إلى “زيد بن صوحان” وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم “نهاوند”، فقال الأعرابي: “والله إن حديثك ليعجبني وإن يدك لتريبني”. فقال زيد: ما يريبك من يدي؟ إنها الشمال! فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين تقطعون أو الشمال؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله: {الأعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة:97].

فماذا يُقال عمن يقول: “ليس للدين صلة بالسياسة”؟!

أو أن “الحكم ليس من الشرع”؟!

أو “ليس للشرع أن يحكم حياة الناس”؟! إلى غير ذلك.. مما يقال ويثار هذه الأيام.

لئن كان الجهل بفرض الكفاية جعل زيدًا يقول ويقرأ: {الأعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ.. }؛ فكيف بفروض الأعيان، بل والمعلوم من الدين بالضرورة؟!

إذن فديننا -دين الإسلام- الارتباط فيه وثيق بين عبودية الفرد في اعتقاده وتصوره، في عبادته ومعاملته، في أخلاقه وسلوكه، وكذا أحواله الباطنة، وبين أنظمة الحياة التي يعيشها، بل لا يمكن أن يحصل فصل -في الحقيقة-، وما هذه النماذج المشوهة إلا نتاج الفصل الذي يُراد للدول الإسلامية أن تتبناه وتستمر عليه.

هذا.. وإن الضغوط الغربية مستمرة، بل وتزداد؛ لتغيير الأنظمة الإسلامية -المتبقي منها كنظام الأسرة ونحوه-، وفرض الأنظمة الأوروبية بدلاً منها، كما هو الحال في النظام الاجتماعي خاصة فيما يتعلق بوضع المرأة، ونظام الزواج والطلاق في الإسلام، وهذا بدوره يؤثر -بلا شك- على حياة الأفراد، إذ في ظل الدعوة للاختلاط في المدارس كيف يجد المسلم الملتزم المدارس المناسبة لأولاده بعيدًا عن هذا الاختلاط؟! والذي كأنه يفرض فرضًا في كل مناحي الحياة!

وفي ظل النظام الاقتصادي القائم على الربا وغيره من المخالفات الشرعية، كيف يأكل المسلم الحلال ويتحراه؟! نعم يمكن ذلك، ولكن يكون عسيرًا في كثير من الأحوال، بل البعض يسقط بالفعل ولا يحتمل!

كم من الشباب يسقطون في ظل نظام يتيح للشباب فعل ما يشاءون؟!

وكيف تؤسس وتنشأ الفتاة على الحجاب وهي ترى غيرها متبرجة متزينة، فتتمنى -في كثير من الأحيان- تقليدها، وترى في سلوكيات المنزل الملتزم تقييدًا لحريتها، بل تشديدًا؟!

هذا وأوضح الأمثلة على الارتباط بين أنظمة الدولة وحياة الأفراد “النظام السياسي”؛ إذ يؤثر نظام الدولة على معطيات الأفراد سواء نظام القضاء، أو العلاقات الخارجية، والسلم والحرب، كم يكون أثره على الناس، بل على أجيال وأجيال؟!

كم مِن المعاهدات الجائرة الباطلة تؤثر على عقيدة الأفراد ولاء وبراء؟ هذه دماء تسفك بغير حق.. وهذه نصرة واجبة تترك.. وهذه مساعدات تقدَّم لأعداء الله عز وجل ضد إخوان لنا في العقيدة، بل ويقتل المسلم بسلاح أخيه، وكل هذا بناءً على سياسات الدولة البعيدة عن أنظمة الإسلام، والمفروضة على الناس.

إنها الصلة الوثيقة والتلازم الواضح بين سلوك الفرد وعمله في خاصة نفسه وأنظمة المجتمع، وإذا حاول المسلم وجاهد؛ ليعيش الإسلام في ظل هذه الأنظمة المخالفة للإسلام في كثير من نواحيها ومناهجها؛ فإنه يعيش قابضًا على الجمر؛ ولذا نجد الكثيرين قد اختاروا التحلل، ولم يستطيعوا الصبر، وانجرفوا مع التيار، وقال بعضهم بقول الطائفة العلمانية بالفصل بين الدين والدولة.

ولا تنتظم حياة الناس، ولا تكون السعادة إلا بالعودة إلى الوحي، وتربية الناس عليه شيئًا فشيئًا، وبيان أنه ما فرط في شيء مما يحتاجه الناس في معاشهم ومعادهم، وقد كانت له جولة ودولة أسسها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأقاموا فيها العدل وغيره من القيم حين كان الغرب يتخبط في ظلمات الجهل.. ولن تقوم للمسلمين قائمة إلا بسلوك نفس طريقهم، والسير على منهجهم.

نسأل الله أن يردنا والمسلمين إلى دينه.

نحيا اليوم عصر الأزمة

كاتب الموضوع الأصلي: صالح سعد

الجمعة 13 محرم 1433 هـ – 09 ديسمبر 2011 – 11:21 مساء
د. عبد الله فهد النفيسي

إننا نحيا اليوم عصر الأزمة، أزمة المجتمعات الإستهلاكية المتغربة، فحالة الإختناق التي يشعر بها الفرد داخل هذه المجتمعات، ليست مجرد قلق كما يقولون، أو عجز أمام طوفان السلع المادية، بل إن الإختناق ناشئ من الجدب الخلقي والنفسي، الذي نشأ من خلال ملابسات سياسية وثقافية عديدة، حاصرت ولا تزال تحاصر المواطن العربي المسكين.
حتى في ظروف الإشباع المادي بقي إنسان هذا العصر وهذه المجتمعات هارباً نحو كل أنواع الإدمان، لأن كل مواصفات مجتمع الإستهلاك المتغرب بم تنقذه ولم تخصب جدبه المادي والمعنوي.
من هنا زادت المرارة، وطفح اليأس، وافتقد إنسان هذه المجتمعات الثقة في كل ماحوله من مؤسسات سياسية وثقافية وإدارية. إنها الأزمة وعصر الأزمة.
التيارات المتفاعلة اليوم مع هذه الأزمة في الوطن العربي أربعة: هناك التيار الإسلامي، والتيار الليبرالي، والتيار القومي، والتيار الماركسي، وأعتقد أن العمل السياسي الذي يريد إحداث تغييرات جذرية في النظام الإجتماعي والإقتصادي في مجتمعاتنا المهزومة اليوم، لا يمكن أن يحقق أغراضه إذا لم يوظّف التراث كمادة لثورة ثقافية من جهة، ويقف من قوى الإستعمار والهيمنة وقوى الإستغلال المحلية التابعة للإستعمار موقف الرّفض، من جهة أخرى، لقد أثبتت التجارب في الوطن العربي الإسلامي، أن الليبرالية الغربية والماركسية الدوغماتية والقومية العلمانية والتراثية الحرفية، قد عجزت كلها عن إحداث ديناميكية حقّة أو تغييراً جذرياً، جوهرياً في البنية العربية المعاصرة.
من واقع الإلتزام بالتّيار الإسلاميّ، وإنطلاقاً من مقرّراته العقائدية، أقول بأن الغرب هو التحدّي، ولابد أن نأخذ موقفاً واضحاً من الغرب، أنا مسلمٌ، والغرب-بالنسبة لي- هو التحدي الأعظم، ليس فقط في الأرض والزراعة والصناعة والإقتصاد، لكن في الغزو الثقافي واللغوي والرّوحي والقيمي والمظهري .
إن الغرب يريد أن يجعلني دائماً متعلماً لديه، وأن يوهمني أنّي مهما حاولت اللحاق به، فمعدّل إنتاجه أسرع بكثير من معدّل لحاقي به، وبالتالي تتسع الفجوة بيني وبين الغرب، فأصاب بالصدمة الحضارية، وأجري يائساً وراءه حتى أموت، تلك هي نظرته أو نظريته، هو الأستاذ ونحن التلاميذ.
التيار الإسلامي – كما أفهمه وأحسه – يريد أن يقلب هذه المعادلة، أن ينقل الحضارة الإسلامية الحديثة من مرحلة التتلمذ على الغرب إلى مرحلة الإنفصال والتحدي، ثم الإبداع والإحتواء، فالمسلم اليوم أصبح لا يستطيع أن يتكلم عن الحرية إلا إذا كان “ديكارتيا” ، ولا عن العدالة الإجتماعية إلا إذا كان “ماركسياً” ، فأصبح الغرب هو المعيار والميزان، وهو أمر مؤسف للغاية ولابد أن يحصل عليه تفيير جذري.
إن إلقاء نظرة على الساحة الفكرية للعالم الإسلامي، تبرز إنتشار العديد من التيارات الغربية، وذلك لغياب وعينا الثقافي الأصولي، ومن ثم نشأ بيننا ممثلون للحضارة الغربية، ووكلاء عن المذاهب الفلسفية الغربية، وحين أردنا – بعد معارك الإستقلال السياسي – أن نحلّ مشاكلنا – ولم نجد البديل الإسلامي المتبلور نظرياً وحركياً – لجأنا بالضرورة إلى الماركسية لحل قضية العدالة الإجتماعية، وإلى الليبرالية لحل قضية القمع السياسي، ولكن ، هل وصلنا إلى نتيجة إلى الآن؟ لا أظن .
إنّ القضاء على التغريب – إذن – في كل وجوهه ومظاهره اللغوية والتحليلية والتفكيرية بل وحتى المظهرية، هو في الوقت نفسه حماية للمسلمين من الإستلاب الثقافي، حتى الحجاب الذي ترتديه الفتاة المسلمة، يمكن أن ننظر إليه – بالإضافة للزوميتية الشرعية – على أنه ضرب من ضروب التمرّد والرفض لنموذج المرأة الغربية ، من خلال الحجاب تقول الفتاة المسلمة عملياً ذلك.
ينبغي أن نكتشف النظرية الإبداعية من داخلنا، ومن ذاتيتنا الثقافية، ومن جذورنا، لا ان نستوردها من الخارج كما نستورد التلفاز والسيارة، ذلك هو التحدي المستقبلي .
والتراث – في معركة التحدي مع الغرب هذه – مخزون ثقافي وروحي عظيم الأهمية، لا بل إن التراث في هذه المرحلة ضرورة.
إن تحديات الحاضر تتمثل في التخلص من مربع: التخلف، الإستغلال، الإستبداد، والتبعية. وإن قراءة مستنيرة ونقدية للتراث، وتوظيف موضوعي له في معركة التحدي مع الغرب، كفيلان بأن يقويا جانبنا كثيرا للفكاك من المربع المذكور .

حق تقرير المصير

كاتب الموضوع الأصلي: صالح سعد

الأربعاء 09 صفر 1433 هـ – 04 يناير 2012 – 04:49 مساء
د. عبد الله فهد النفيسي

نقرأ أحياناً في الصحف العالمية عن جزيرة نائية في المحيط الهنديّ، وقد نالت إستقلالها، ورفعت علمها، ووضعت دستورها، واحتلت مقعدها في الأمم المتحدة. يحدث ذلك لجزيرة ضئيلة جغرافياً وقد لا يتعدى سكانها من حيث العدد مائة ألف نسمة، وتتكون لهذه الجزيرة ( الدولة ) حكومة تتحدث باسم السّكان وحريتهم في “تقرير المصير” والحياة الكاملة وفق معتقداتهم وثقافتهم ولغتهم وروحيتهم.
في مقابل ذلك، نجد الأمة الإسلامية ذات المليار نسمة ( أي ألف مليون نسمة ) محرومة فعلاً من “حق تقرير المصير”، تقرير الحياة التي تريدها وفقاً لدينها وثقافتها ولغتها وروحيتها.
وبالرغم من كثرة الأعياد الوطنية، والحديث الدائم عن الإستقلال والسيادة، إلا أن حقيقة الأمر تعكس أننا نعيش حالة الإستعمار الجديد، الإستعمار الإقتصادي والثقافي والعسكري والإجتماعي والقانوني والتشريعي، وبالرغم من وضوح الميل الجماهيري نحو الإسلام، وتبني الناس -عمومهم- للحكم الشرعي، إلا أن الإطار الإقتصادي والثقافي والعسكري والإجتماعي والتشريعي لعموم أوضاع الأمة الإسلامية، لا علاقة له بالمقررات العامة والأهداف العامة للشريعة الإسلامية، والتبعية واضحة على كل صعيد، وبالتالي سنظل نحوم في إطار التخلف ما بقينا في دائرة التبعية: العسكرية والثقافية والتشريعية والإقتصادية.
والجماعات الإسلامية بشتى راياتها ومسمياتها تريد كسر دائرة التبعية هذه للإستعمار الجديد، بعضها يركز على العقيدة وتصحيحها، وبعضها يركز على العمل الإجتماعي والسياسي والإنبثاث وسط الناس ونشر الفهومات والتشوّفات الإسلامية العامة، وبعضها يركز على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتنمية الوازع الجماعي لمكافحة التغريب من حيث هو صورة من صور التبعية للقوى الإستعمارية، هكذا نجد أن كل الجماعات الإسلامية تقوم بمهام جليلة، تصب في النهاية في مصبّ واحد، ألا وهو التخلص والتحرر من التبعية، وتكريس مفهوم “حق تقرير المصير” للأمة الإسلامية في كافة المجالات، تلك هي قضية الإسلام الكبيرة والعادلة التي تحملها كل الجماعات الإسلامية.
وفق هذا المنظور، صار مطلوباً من كافة الجماعات الإسلامية – بشتى راياتها ومسمياتها العظيمة – أن تدرك أنها – جميعاً – تخدم قضية واحدة، وتصب في مجرى واحد، ولذا صار التنسيق بينها أمراً لا تحتمه فقط الأخوة في الله الواحد الأحد، بل أيضاً تتطلبه ظروف وملابسات التحرك الإسلامي العام على مستوى هذا العالم الفسيح، حتى القوى الدولية المتمترسة وراء ترساناتها الضخمة من الأسلحة النووية، وعت لضرورة التنسيق فيما بينها عبر سياسات ” الوفاق ” وتفرّع عن هذه السياسات لجان دائمة، أحياناً تلتقي في واشنطن عاصمة الرأسمالية، وأخرى في موسكو عاصمة الشيوعية، ذلك منطق العصر الذي نعيش. وقضية الإسلام التي تحملها كافة التيارات الإسلامية وتزود عنها وتتحرك لها على كافة الصعد، لن تتقدم بالشكل المطلوب والأمثل إلا وفق تنسيق عام بين هذه الجماعات، فالقضية كبيرة للغاية وتحتاج لتحرك كبير تضبطه عقليات كبيرة، ومخطط كبير تحمله قلوب كبيرة، وإرادات أكبر.

الإسلاميون والثقافة

كاتب الموضوع الأصلي: صالح سعد

الخميس 03 صفر 1433 هـ – 29 ديسمبر 2011 – 12:40 صباحا
د. عبد الله فهد النفيسي

من المؤسف أن قضية الثقافة والفكر لم تأخذ نصيبها المفترض من الإهتمام في أطُر العمل الإسلامي، ففي زحمة التحديات والأخطار التي تحيط بالمسلين عموماً، يرى البعضُ أنه ليس بمستساغٍ أن نجلس في البعد الخامس من الوجود كيما نتجاذب الأحاديث في النظرية الإسلامية والثقافة والفكر والتحولات التاريخية.
وفي رأيي، أن هذا البعض يسيئ فهم قضية الثقافة والفكر من أساسها، فهي ليست مطارحات نظرية من الممكن الإستعاضة عنها أو تجاهلها، فالقضية أخطر من ذلك بكثير، لأن لها إنعكاسات خطيرة وسلبية على مسار العمل الإسلامي واتجاهاته.
ولا أبالغ إذا قلت بأن معظم الثغرات الخطيرة التي يعاني منها العمل الإسلامي مربوطة بالواقع الثقافي والفكري لإطارات العمل الإسلامي، ولا أبالغ إذا قلت بأن نقطة البداية الصحيحة لمعالجة تلك الثغرات تكمن في معالجة قضية التخلف الثقافي والفكري في إطارات العمل الإسلامي.
إن الحركة الإسلامية المعاصرة – كغيرها من الحركات المعاصرة – لا تنطلق من فراغ ثقافي وفكري، فالفكر لا ينشأ من فراغ ولا يؤدي إلى فراغ، ولذا فإن المضمون الثقافي والفكري ( المفاهيم والرؤية ) ينعكس مباشرة على الأداء والتحرك، وكثيراً ما يؤدي ضباب الرؤية وعدم الوضوح الفكري إلى معارك جانبية تهدر فيها كثير من الأوقات والطاقات.
إذن فمطلوب صقل إطارات العمل الإسلامي ثقافياً وفكرياً، لكي تتوفر لها الرؤية الموضوعية والواقعية للأوضاع والأشياء والتي بناء عليها تترتب الأولويات لكل مرحلة من مراحل العمل لمساندة ونصرة قضية الإسلام في هذا العالم الذي يضجّ بالحركة والحياة.
هل من الضروري أن تكون الثقافة الإسلامية – أو ثقافة المسلم المعاصر تحديداً – ثقافة عقائدية وأحادية وموجّهة؟ وهل تقوى هذه الثقافة العقائدية الموجهة أن تحصن المسلم المعاصر – أو بالأحرى – تحقق له شيئاً من الأمن الثقافي؟ وبالتالي هل تقوى هذه الثقافة العقائدية الموجهة أن تحافظ على تماسك التيار الإسلامي نفسه وعلى حيوية تفاعله مع المجتمعات التي نشأ فيها؟
أرى – والله أعلم – أن المسلم المعاصر في حاجة – إضافة لثقافته العقائدية الموجهة – إلى ثقافة موضوعية تتسم بالتفتح على معطيات العصر الإيجابية الفكرية والمادية، فالثقافة العقائدية الموجهة باتت – في إطار الغياب الكامل للثقافة الموضوعية – تعزل المسلم المعاصر عن مجرى الحياة، وتسهم في صناعة عقلية الحصار لديه، وهي عقلية مثيراً ما تؤدي إلى الغلو في الدين ، والتشرذم الإجتماعي، ويخطئ من يظن بأن الثقافة العقائدية الموجهة وحدها تحقق للمسلم المعاصر الأمن الثقافي الذي يحتاجه في هذا العصر الذي تتلاطم فيه موجات الثقافات المتنافرة والمتباينة، فهو بحاجة لثقافة موضوعية وعصرية تعينه على فهم وتمثّل هذا العصر بقضاياه وتياراته ورؤاه، ولا أعتقد بأن الثقافة العقائدية الموجهة تقوى على رص التيار الإسلامي ونقله إلى حالة الفعالية الإجتماعية، وإنما الذي يقدر على ذلك، الثقافة الموضوعية المشتغلة بقضايا العصر ومجتمعات العصر.
إن فهم القوانين التي تحكم حركة المجتمع والمشاكل التي تواجهه لا يمكن أن نصل إليه من خلال الثقافة العقائدية الموجهة، بل من خلال الثقافة الموضوعية الحرة غير المقيدة وهي ثقافة أجد أن المسلم المعاصر يفتقر إليها في مواجهاته مع الحركات اللادينية، وهذه ثغرة في التكتيك الإسلامي المضاد يجب ردمها.