أ.د. أحمد محمد وهبان

معاهدة فرساي

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الزامل 9

معاهدة فرساي

معاهدة فرساي كانت إحدى أكثر الوثائق التي وقعها ممثلوا ما يسمى بالدول المتمدنة إجحافا وظلما.. وقد أدي هذا الظلم الذي وقع علي الشعب الألماني إلي قيام حرب عالمية أخرى، وجعل قيام هذه الحرب أمرا لا مفر منه.
يجب علينا أولا أن نعي حقيقة الظروف التي أحاطت بتوقيع الهدنة في 11 تشرين ثاني 1918.. فالقيادة الألمانية العليا لم تطلب هذه الهدنة لأن قواتها كانت في خطر من انهزامها، بل إن القوات الألمانية لم تكن قد لاقت أي هزيمة علي أراضي المعارك.. ولكن القيادة العليا الألمانية طلبت الهدنة حتى تستطيع الوقوف في وجه قيام ثورة شيوعية في البلاد.. ذلك أن روزا لوكسمبورغ وتنظيمها الذي يسيطر عليه اليهود، كانوا يخططون للقيام بنسخة ثانية مما قام به لينين في روسيا قبل عام.
أما الأحداث التي جعلت القيادة العليا الألمانية تتحقق من الخطر في الجبهة الداخلية فهي كما يلي:
تمكنت خلايا روزا لوكسمبورغ الثورية من التغلغل في الأسطول البحري الألمانيّ، واشتد نشاطهم عام 1918، فنشروا شائعات بأن القيادة الألمانية قرّرت التضحية بالسفن الحربية وبملاحيها، في معركة مشتركة ضد الأساطيل الأمريكية والبريطانية معا، وروجوا الإشاعات بأن هذه العملية تهدف إلي تعطيل وشل القوات الحليفة، بشكل يسمح لأسياد الحرب الألمان باحتلال الشواطئ البريطانية بدون مقاومة.. وعملت الخلايا الشيوعية هذه علي تغذية الشائعات والتحريض علي العصيان هامسة بأن هذا الهجوم سينتهي بالفشل حتما، لأن العلماء البريطانيون استطاعوا تحضير سلاح كيميائي سري جديد، يمّكن الحلفاء من حرق السفن المعادية وإحاطتها باللهب، فتؤدي النيران والحرارة والنقص في الأوكسجين إلي قتل كلّ كائن حيّ.. ثم بدأ المخربون يؤكدون بأن الوسيلة الوحيدة للخلاص من خطر داهم كهذا، هو بالثورة لإنهاء الحرب.. وفي 3 تشرين الثاني 1918، أعلن جنود البحرية الألمانية العصيان.. وتلي ذلك يوم 7 تشرين الثاني فرار وحدة كبيرة من الغواصات في طريقها إلي الجبهة الغربية، فلقد أخبروا أنهم سيعملون كرأس حربة في الهجوم المزعوم لاحتلال بريطانيا.
وفي هذا الوقت، كانت الاضطرابات قد سببت تعطيل عدد كبير من المراكز الصناعية الألمانية، كما أن المخربين كانوا ينشرون روح الانهزامية، فتدهورت الأحوال لدرجة تنازل القيصر عن العرش في 9 تشرين الثاني.
بعد تنازل القيصر شكل الحزب الديمقراطي الاجتماعي حكومة جمهورية، ووقعت الهدنة في 11 تشرين ثاني 1918.. ولكن الاضطرابات لم تتوقف، بل ازدادت عنفا ضد الاشتراكيين هذه المرة، وذلك عن طريق الخلايا الشيوعية المنظمة Spartacus Bund.. ثم لعبت روزا لوكسمبورغ ورقتها الكبرى، حين اشترطت علي الحكومة الجمهورية تسريح الجيش الألماني، مقابل إنهاء الاضطرابات.. وقد منع هذه العمل القيادة الألمانية العليا من استعمال جيشها المنظّم لمنع قيام الثورة التي أعلنت في كانون الثاني 1919.
بعد انهيار الثورة اليهودية التي قامت بها روزا لوكسمبورغ، أخذ الشعب الآري الألماني علي نفسه أن ينتقم من الشعب اليهوديّ، فقتل الآلاف من اليهود، وقبض علي الرجال والنساء والأطفال ليلا وأعدموا.. أما روزا ومساعدها كارل ليبكنيشت، فقد القي القبض عليهما ثم أطلق ضابط ألماني النار علي رأسيهما، وكأنه يقتل كلابا مسعورة.
ولكي يزيدوا الحقد ويضرموا نار العداوة ضد اليهود، عمد هؤلاء إلي تحميل اليهود المسؤولية عن الهزيمة العسكرية، كما أذاعوا أن اليهود هم المسئولون عن بنود معاهدة فرساي الظالمة.. ومن ناحية ثانية ضاعفت الدعاية الاتجاه الوطني الاشتراكي في ألمانيا، بتصوير بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة علي أنها دول رأسمالية أنانية، واقعة تحت تأثير الممولين العالميين.. وهكذا مهدوا الطريق لظهور هتلر.
بعد توقيع المعاهدة مباشرة، أعلن لينين أن واجبهم الأول يقضي بإنشاء العالم الشيوعي الذي يسيطر علي دول العالم بأجمعها، والذي تقع حدوده بين خطي العرض 35 و 36 من النصف الشمالي للكرة الأرضية.. وأعلن أنه سيسعى للعمل الثوري ضمن هذه الحدود وأن أهم الدول هي أسبانيا وإيطاليا واليونان، وبعض المناطق في آسيا الصغرى، وتشمل فلسطين كما تضم بعض مناطق الصين والمنطقة التي تضم حدود كل من كندا والولايات المتحدة.
تسمي خطة لينين هذه في الأوساط العسكرية “خطة الثيران الشمالية”، لأن هذه الحيوانات الشمالية استطاعت أن تبقي علي وجه الحياة، لأنها كانت تدافع عن نفسها بوقوفها بشكل دائرة، موجهة قرونها الحادة إلي الدببة والذئاب التي تهاجمها.. ويعلل بعد ذلك لينين تخليه عن روزا لوكسمبورغ، بأنه استطاع أن ينظم القوات السوفياتية ليقف في وجه الهجوم العدواني الذي قامت به الدول الرأسمالية بين عامي 1919 و 1921.. وأعلم لينين في المؤتمر الأممي الثالث عام 1912، أن أسبانيا ستكون البلد الثاني لنشر الحكم العمالي، ولام زورا لوكسمبورغ علي إضرامها نار العداوة ضد السامية في ألمانيا.. عندئذ أرسل المؤتمر كارل راديكس ليقود حملة شيوعية في ألمانيا، وصدرت إليه التعليمات بالبدء بتنظيم وتدريب الحزب المذكور، ولكنه حُذر من اتخاذ خطوات ثورية حتى تأتيه الأوامر من الكومنتيرن (الاتحاد العالمي للأحزاب الشيوعية).

وقد سيطر الممولون الدوليون علي مؤتمر السلام، الذي انتهي بمعاهدة فرساي.. والبرهان علي ذلك واضح، في أن رئيس الوفد الأمريكي كان بول واربورغ ذاته، الذي أشرنا إليه بصورة كافية في فصل سابق، فهو الممثل الرئيسي لمجموعة المرابين العالميين في أمريكا.. ولم يكن رئيس الوفد الألماني سوي شقيقة ماكس واربورغ.
ويقول الكونت دي سانت أولاير: “إن الذين يبحثون عن الحقيقة في غير الوثائق، يعرفون أن الرئيس نيلسون، الذي تم انتخابه كرئيس للجمهورية بعد أن موّله البنك الأكبر في نيويورك (كوهن ـ لوب) كان يسير تحت إرشادات وأوامر هذا البنك”.
أما الدكتور ديلون فيوضح أنّ “اليهود هم الذين وجهوا مؤتمر السلام هذا التوجيه، واختاروا فرساي في باريس ليحققوا برنامجهم بدقة، والذي نفذ حرفيا”.
وبالنسبة لمسودة الانتداب البريطاني علي فلسطين، فإن تخطيطها كان على يد البروفسور فيلكس فرانكفورتر، الصهيوني الأميركي البارز، الذي أصبح فيما بعد المستشار الأوّل في البيت الأبيض، في عهد الرئيس روزفلت.. وساعده في ذلك كل من السير هربرت صاموئيل والدكتور فيويل والمستر ساشار والمستر لاندمان والمستر بن كوهن والسيد لوسيان وولف ـ الذي كان تأثيره كبيرا جدا علي المستر دافيد لويد جورج، ويقال إنه كان يملك جميع أسرار شؤون بريطانيا الخارجية.
وعندما بدأت المحادثات التمهيدية للمؤتمر، كان المستشار الخاص للسيد كليمانصو ـ رئيس وزراء فرنسا ـ هو المسيو مانديل.. ولم يكن هذا في الحقيقة إلا اسما مستعارا لأحد أفراد آل روتشيلد.. وكان هناك أيضا المستر هنري مورغنزاو ـ أحد أفراد الوفد الأمريكي ـ وهو نفسه والد الرجل الذي أصبح فيما بعد السكرتير المالي للرئيس روزفلت.. وحضر أيضا تلك المحادثات المستر أوسكارلا ستراوس، الذي عرف بتنبيه الشديد لمخطط الممولين، والذي كان له دور بارز في تكوين عصبة الأمم.
وبشأن هذه المعاهدة أيضا، يقول السيد لوسيان وولف في الصفحة 408 من “دراسات عن تاريخ اليهود”: “وهناك مجموعة صغيرة أخري من اليهود البارزين تظهر تواقيعهم علي معاهدة السلام، فقد وقع معاهدة فرساي عن فرنسا لويز كلوتز ـ الذي تورط فيما بعد بقضية مالية واختفي عن الأنظار ـ وعن إيطاليا البارون سومينو، ومستر أدوين مونتاغ عن الهند”.
وننقل فيما يلي أقوال بعض كبار المفكرين في الغرب، التي تشكل بحد ذاتها بيانا لا يحتاج إلي تفسير:
يذكر المؤرخ والدبلوماسي الإنكليزي الشهير هارولد نيكلسون في مؤلفه الضخم “صنع السلام 1919 ـ 1944” صفحة 244 أن لوسيان وولف طلب منه شخصيا أن يتبني رأيه، وهو أن اليهود يجب أن يتمتعوا بحماية عالمية، وأن يتمتعوا في الوقت نفسه بكل حقوق المواطن في أية دولة.
ويقول الكاتب الفرنسي جورج باتو، في كتابه “المشكلة اليهودية” ص38: “إن المسؤولية تقع علي عاتق اليهود الذين أحاطوا بلويد جورج وويلسون وكليمانصو”.

وننتقل الآن إلي هنغاريا، ونحن نتحدث عن نهاية الحرب العالمية الأولي، فنجد أن بيلاكون اغتصب السلطة في ربيع 1919، ثم حاول تطبيق آراء لوسيان وولف.. ولكن حكمه الديكتاتوري لم يدم أكثر من ثلاثة أشهر، قتل خلالها عشرات الآلاف من المسيحيين وأجلوا عن ممتلكاتهم.. وشملت الضحايا جميع الناس من عمال وجنود وتجار وملاك أراضي.. ولم يفرق بين الرجل والمرأة أو بين رجل الدين والرجل العادي.. وفي هذا الصدد تقول مجلة نيو انترناشيونال في كتابها السنوي عام 1919 “تألفت حكومة بيلاكون في أكثريتها من اليهود، الذين استلموا أيضا مراكز إدارية.. وقد اتحد الشيوعيون مع الاشتراكيين، الذين كانوا أكثر شبها بأحزاب العمال ومجموعات اتحادات العمال.. ومع هذا فإن بيلاكون لم يختر مساعديه من هؤلاء، ولكنه اختارهم من بين اليهود، مؤلفا بذلك حكما بيروقراطيا يهوديا”.
ويسجل التاريخ أنه بعد ثلاثة أشهر من التخريب والاغتصاب والقتل الجماعيّ، عُزل بيلاكون.. ولكنه بدلا من أن يعاقب، فإنه أدخل إلي مستشفي للأمراض العقلية.. وبعد ذلك تم إخلاء سبيله على يد تلك المجموعة القوية التي كان يعمل لمصلحتها.. ثم عاد بيلاكون إلي روسيا، ليستلم رئاسة منظمة تشيكيا الإرهابية، والتي عملت علي إرهاب الأوكرانيين وإخضاعهم لستالين، عندما أمر ببدء البرنامج الزراعي الجماعي.. وكان من نتيجة هذا الإرهاب أن مات خمسة ملايين من العمال جوعا، لعدم تنفيذهم القانون الزراعيّ، كما دفع بأكثر من خمسة ملايين أيضا للعمل الإجباري في سيبيريا.. ولما أراد ستالين أن يحوّل أسبانيا إلي بلد تحكمه الديكتاتورية الشيوعية في عام 1936، وقع اختياره علي بيلاكون لينظم (حكم الإرهاب) في أسبانيا.

ونعود إلي مؤتمر فرساي، لنري مشاهد أخري من سيطرة الممولين، الدوليين وذلك بحادثة معروفة جرت خلال المحادثات التمهيدية للمؤتمر.. فالظاهر أن هذه المحادثات بدأت تميل إلي سياسة لا يرضي عنها الممولون، لأن برقية مكونة من ألفي كلمة أرسلها يعقوب شيف من نيويورك إلي الرئيس ويلسون، الذي كان يحضر المؤتمر في باريس، وقد تضمنت هذه البرقية تعليمات للرئيس بشأن ما سيفعله بكل من قضية فلسطين ومصير الانتداب فيها، وبشأن التعويضات الألمانية وقضية سيليسيا العليا ومنطقة السار وممر دانزينغ.. وأرخت البرقية بتاريخ 28 أيار 1919، وقد أرسلها شيف باسم اتحاد الأمم المتحررة.
بعد استلام البرقية، غيّر الرئيس ويلسون موقفه فجأة، وأخذت المفاوضات تجري مجرى آخر.. بهذا الصدد يقول الكونت دي سانت أولاير: “إن النصوص التي تضمنتها معاهدة فرساي فيما يتعلق بالقضايا الخمس الرئيسية، هي من وضع يعقوب شيف وأبناء جلدته”.
بعد أن دُفعت الدول الحليفة لجعل فلسطين محمية بريطانيا، أعلم الممولون الدوليون عملاءهم أن بنود المعاهدة ستكون قاسية جدا، بشكل لا يمكن أن يتحمله الشعب الألماني طويلا.. وكان هذا جزءا من المخطط الذي يرمي إلي زيادة حقد الشعب الألماني ضد الإنكليز والفرنسين والأميركيين واليهود، ليكونوا علي استعداد للحرب من جديد لاستعادة حقوقهم المشروعة.
وبعد توقيع معاهدة فرساي مباشرة، بدأت الحرب الرأسمالية المزيفة ضد البلاشقة.. وقد مكّنت هذه الحرب لينين من تخليه عن مساعدة الثورة الشيوعية في ألمانيا، وفي الدعوة إلي الصمود والالتحام للحفاظ علي المكاسب التي حققها في روسيا.. ومن ناحية ثانية فان هذه الحرب لم تكن أبدا ذات خطر علي ديكتاتورية لينين.. ولما انتهت عام 1921، كان من نتائجها الواضحة، الشهرة الواسعة التي نالها البلاشقة، في مقابل خسارة مماثلة للدول الرأسمالية.. وقد مهدت هذه النتيجة الطريق لعملاء الممولين الدوليين، كي يدخلوا الدول الشيوعية في عضوية عصبة الأمم تحت ستار السلام العالمي الدائم.
وكانت بريطانيا هي أول الدول التي حققت رغبات الممولين الدوليين واعترفت بالدول الشيوعية.. ثم تلتها فرنسا في 1924، وبعدها جاء دور الولايات المتحدة، فاعترف روزفلت بالدول الشيوعية في 1933.. وهكذا اعترفت عصبة الأمم بالدول السوفيتية الشيوعية.. ومنذ ذلك اليوم أصبحت عصبة الأمم ألعوبة في يد ستالين، وتمكن عملاؤه من صياغة سياستها والسيطرة علي نشاطاتها.. وما أن دخلت الدول الشيوعية في عصبة الأمم حتى أخذ أعضاء محفل الأكبر الماسوني دورهم فيها.
ونشير هنا إلي محرر جريدة التايمز الإنكليزية، وهو يكهام ستيد الذي كان من أكثر الناس إطلاعا علي الشؤون العالمية، والذي أشار في أكثر من مناسبة إلي تدخّل رجال المصارف والممولين الدوليين في الشؤون الدولية.. وقد كتب هذه العبارة المحددة عقب توقيع معاهدة فرساي مباشرة: “إنني ألح وأصرّ علي أنّ المحركين الأول، هم يعقوب شيف وواربوغ وغيرهم من أصحاب المصارف الدوليين، الذين كانوا يرغبون بشكل قوي في الحصول علي مساعدة البلاشقة اليهود، لتأمين ميادين عمل لليهود الألمان في روسيا”.
وننقل أيضا ما كتبه ليوماكس في عدد آب 1919 من الناشيونال ريفيو، حيث يقول: “ومهما تكن نوعية السلطة التي تحكم داوننغ ستريت [تحكم بريطانيا]، محافظة كانت أم متطرفة، تؤيد الائتلاف أو تقف في صف البلاشقة، إلا إنها في جميع الأحوال تقع في أيدي اليهود العالميين.. وهنا يمكن سر الأيادي الخفّية التي لم يكن قد ظهر لها أي تفسير واع”.
عندما زار ونستون تشرشل فلسطين في آذار 1921، طلب مقابلة وفد القادة المسلمين.. ولما قابلهم عرضوا له خشيتهم من الهدف الذي تعمل له الصهيونية السياسية، وهو الاستيلاء علي فلسطين واستغلال أراضيها لمصلحة اليهود، وبينوا له أن العرب يعيشون في تلك الأرض منذ أكثر من ألف سنة ((هذا أشبه بأن نقول إنّ المصريين يعيشون في مصر منذ ألف سنة!!!.. هذه أرض الفلسطينيين يعيشون فيها منذ القدم، وبقدوم العرب دخلوا الإسلام وتكلموا العربية، مثلهم مثل باقي دولنا))، وطلبوا منه استخدام نفوذه لرفع هذا الظلم.. وقد نقل عنه قوله: “أنتم تطلبون مني أن أتخلي عن وعد بلفور، وأن أوقف الهجرة اليهودية.. وهذا ليس في طاقتي، كما إنني لا أرغب فيه.. نحن نعتقد أنه لخير العالم واليهود والإمبراطورية البريطانية والعرب أنفسهم أيضا.. ونحن ننوي أن نحقق هذا الوعد”.
لا بد أن يكون تشرشل وهو ينطق بهذا الجواب، كان يفكر بذلك التهديد الذي أطلقه حاييم وايزمان ونشره رسميا في 1920، ويقول فيه: “سوف نستقر هنا في فلسطين شئتم ذلك أم أبيتم.. إن كل ما تستطيعون عمله هو تعجيل أو إبطاء هجرتنا، ولكنه مهما يكن فإنه من الأفضل لكم أن تساعدونا، لتتجنبوا تحويل قدراتنا البناءة إلي قدرات مدمرة، تدمر العالم”.
يجب أن نتدبر أمر تهديد وايزمان هذا، ونفهم معه أيضا ذلك البيان الذي صدر عن أحد الممولين الدوليين، في اجتماع للصهاينة عقد في بودابست عام 1919.. فلقد نقل الكونت أولاير كلامه وهو يتحدث عن احتمالات قيام الحكومة العالمية، ويقول: “وفي سبيل الوصول إلي العالم الجديد [الذي ينتظره هؤلاء]، أعطت منظمتنا البرهان علي فعاليتها في عمليتي الثورة والبناء، وذلك بخلقها لعصبة الأمم، التي هي في الحقيقة من عملنا.. وستشكل الحركة البلشقية الدافع الأول، بينما تشكل عصبة الأمم الفرامل في الجهاز الذي سيحتوي معا علي القوة الدافعة والقوة الموجهة.. وماذا ستكون النهاية؟.. إنها محددة سلفا في مهمتنا”.. قيام الحكومة العالمية الواحدة.
وهناك شيء مهم وقع تحت يدي بعد ثماني سنوات من إنهائي لهذا الفصل، وذلك عن طريق المخابرات السرية الكندية، التي نقلت تقريرا عن المؤتمر الاستثنائي “للجنة الطوارئ لحاخامي أوروبا”، الذي عقد في بودايست في 12 كانون الثاني 1952..
وإنني أنقل ذلك التقرير، وهو عبارة عن الخطاب الحرفي للحاخام أيمانويل رابينوفيتش في المؤتمر المذكور:
“تحية لكم يا أبنائي.. لقد استدعيتم إلي هذا الاجتماع الخاص لإطلاعكم علي الخطوط الرئيسية لمنهاجنا الجديد، وهو المنهاج المتعلق بالحرب المقبلة كما تعلمون، والتي كان مخططنا الأصلي يقضي بإرجائها عشرين عاما، حتى نتمكن خلال ذلك من تدعيم مكاسبنا التي حصلنا عليها نتيجة للحرب العالمية الثانية.. ولكن ازدياد أعددنا في بعض المناطق الحيوية يسبب معارضة شديدة، لذلك صار لزاما علينا أن نستعمل جميع الوسائل التي في حوزتنا، لإشعال حرب عالمية ثالثة في مدة لا تتجاوز خمس سنوات.
يجب أن أبلغكم أن الهدف الذي لا زلنا نعمل من أجله منذ ثلاثة آلاف عام قد أصبح في متناول يدنا الآن.. أستطيع أن أعدكم أنه لن تمر عشر سنوات، حتى يأخذ شعبنا مكانه الحقيقي في العالم، ويصبح كل يهودي ملكا، وكل جوييم عبدا.. [تصفيق من الحضور].. إنكم لا تزالون تذكرون نجاح حملاتنا الدعائية التي طبقناها خلال الثلاثينيات، والتي أوجدت شعورا معاديا للأمريكيين في ألمانيا، وشعورا بالكره الشديد للألمان عند الأمريكيين.. وتعلمون أن هذه الحملة أعطت ثمارها بقيام الحرب العالمية الثانية.. أما الآن فهناك حملة مماثلة نشنّها بقوة عبر العالم.. فنحن نثير الآن حمّى الحرب عند الشعب الروسي، بخلق ميل معاد لأميركا، التي يجتاحها في الوقت نفسه شعور معاد للشيوعية.. هذه الحملة ستجبر الدول الصغيرة علي الاختيار بين أن تصبح شريكة لروسيا أو متحالفة مع الولايات المتحدة.. أما أكثر المشاكل التي نواجهها في الوقت الحالي، فهي إتارة الروح العسكرية عند الأمريكيين، الذين أخذوا يبدون كرها شديدا للحرب.. ومع أننا فشلنا في تحقيق خطتنا في تعميم التدريب العسكري علي كل الشعب الأمريكي، إلا إننا سنأخذ كل الاحتياطات للحصول علي موافقة الكونغرس علي مشروع بهذا الصدد بعد انتخابات 1952 مباشرة.. إن الشعب الروسي والشعوب الآسيوية هم تحت سيطرتنا، ولا يقفون حائلا ضد قيام الحرب.. ولكننا يجب أن ننتظر حتى يصبح الشعب الأمريكي هو أيضا مستعدا لمثل هذه الحرب.. ونحن نأمل بتحقيق هدفنا هذا باستعمال قضية العداء للسامية، بنفس الطريقة التي جعلت الأمريكيين يتحدون ضد الألمان أعداء السامية في الحرب العالمية الثانية.. ونحن ننتظر قيام موجات عداء للسامية في روسيا، بشكل يسبب تلاحم الشعب الأمريكي ضد القوة السوفياتية.. كما أننا سنقوم بنفس الوقت عن طريق الإغراء المالي، باستخدام عناصر مؤيدة للروس في عدائهم للسامية، ونبث هذه العناصر في المدن الأمريكية الكبرى.. وستخدم هذه العناصر غرضين نسعى لهما، وهما فضح المعادين لنا حتى نتمكن من إسكاتهم، وتوحيد الشعب الأمريكي في بُوتقة واحدة ضد الشعب الروسي.. وفي خلال خمس سنوات سيحقق منهاجنا هذا أغراضه، وتقوم الحرب العالمية الثالثة التي ستفوق في دمارها جميع الحروب السابقة.. وستكون إسرائيل، بالطبع، بلدا محايدا.. حتى إذا تم تدمير وإهلاك الطرفين المتحاربين، سنقوم نحن بعملية التحكيم والرقابة علي بقايا أشلاء جميع الدول.. وستكون هذه الحرب معركتنا الأخيرة في صراعنا التاريخيّ ضد الجوييم.. بعد ذلك سنكشف عن هويتنا لشعوب آسيا وأفريقيا.. وأستطيع أن أعلن لكم جازما، بأن الجيل الأبيض الذي ولد في الأيام التي نعيشها الآن سيكون آخر الأجيال البيضاء.. ذلك لأن لجنة التحكيم والرقابة ستمنع التزاوج بين البيض، بحجة نشر السلام والقضاء علي الخلافات بين الأجناس البشرية.. وبهذا يتم القضاء علي العنصر الأبيض، عدونا اللدود، ويصبح مجرد خيال وذكرى.. وسنعيش بعد ذلك في عهد السلام والرخاء الذي لن يقل عن عشرة آلاف من السنين.. وسنحكم العالم بأسره، لأنه سيكون من السهل علي عقولنا المحركة، السيطرة الدائمة علي العالم من الملونين ذوي البشرية السوداء”.
سؤال من أحد الحاخامين الحاضرين: “أرجو من الحاخام رابينوفتش أن يحدثنا عن مصير الأديان المختلفة بعد الحرب العالمية الثالثة؟”
رابينوفتش: “لن تكون هناك أديان بعد الحرب العالمية الثالثة، كما لن يكون هناك رجال دين.. فإن وجود الأديان ورجال الدين خطر دائم علينا، وهو كفيل بالقضاء علي سيادتنا المقبلة للعالم، لأن القوة الروحية التي تبعثها الأديان في نفوس المؤمنين بها ـ وخاصة الإيمان بحياة أخري بعد الموت ـ يجعلهم يقفون في وجهنا.. بيد أننا سنحتفظ من الأديان بالشعائر الخارجية فقط.. وسنحافظ على الدين اليهوديّ، وذلك لغاية واحدة، هي الحفاظ علي الرباط الذي يجمع أفراد شعبنا، دون أن يتزوجوا من غير سلالتهم أو أن يزوجوا بناتنا لأجنبي.. وقد نحتاج في سبيل هدفنا النهائي إلي تكرار نفس العملية المؤلمة التي قمنا بها أيام هتلر.. أي أننا قد ندبر وقوع بعض حوادث الاضطهاد ضد مجموعات أو أفراد من شعبنا.. أو بتعبير آخر سوف نضحي ببعض أبناء شعبنا، حتى نحصل بذلك علي الحجج الكافية التي تبرر محاكمة وقتل القادة في أميركا وروسيا كمجرمي حرب، وذلك بعد أن نكون قد فرضنا شروط السلام.. ونحن اليوم بحاجة إلي الإعداد لهذه المهمة وهذه التضحيات.. لقد تعود شعبنا على التضحية دائما.. ولن تكون خسارة بضعة آلاف من اليهود خسارة جسيمة، إذا قارناها بما سيحصل عليه شعبنا من السيطرة علي العالم وقيادته.
وحتى تستيقنوا من قدرتنا علي السيطرة علي العالم، انظروا إلي اختراعات الرجل الأبيض، كيف حولناها إلى سلاح خطير ضده.. فالراديو والمطبعة أصبحنا اليوم المعبر والمتحدث عن رغباتنا، كما أن معامل الصناعات الثقيلة ترسل الأسلحة إلي آسيا وأفريقيا لتحارب شعوبها الرجل الأبيض نفسه صانع هذه الأسلحة.. واعلموا أننا طورنا برنامج النقطة الرابعة في واشنطن، ليشمل التطوير الصناعي للمناطق المتخلفة من العالم، بحيث يصبح الرجل الأبيض تحت رحمة المجموعات الضخمة من الشعوب السوداء، التي ستفوقه تكنولوجيا بعد أن تدمر الحرب النووية وزراعته الصناعية.
وبهذه الرؤية للنصر النهائي يتوهج أمام أعينكم، عودوا إلي مناطقكم وباشروا العمل بجد ودون هوادة، حتى يحل أخيرا اليوم الذي ستكشف فيه إسرائيل عن مهمتها الحقيقية، وهي أن تكون النور الذي يضيء العالم” ـ [النوراني تعني حامل النور].
هذا الخطاب يؤكد أيضا استنتاجاتي ومعلوماتي السابقة التي أوردتها، وهي أن القوي الخفية هي التي أثارت العداء للسامية، وبنفس الوقت العداء للشيوعية، بشكل يخدم أهدافها.. كما أن الخطاب يبرهن علي أن النورانيين استعملوا الشيوعية والنازية والفاشية للوصول إلي طموحهم الخفيّ.. وهم، يستعملون الديمقراطية المسيحية ضد الشيوعية للوصول إلي المرحلة التالية من خطتهم البعيدة، وهي الحرب العالمية الثالثة.

ولقد استطاع الممولون الدوليون ـ باختفائهم وراء بنود معاهدة فرساي ـ التحكم بإعادة بناء الجيش الألماني، وإعادة تحسين اقتصاديات البلاد.. بعد ذلك دخلوا مع القيادة الألمانية العليا في اتفاقية Abmachungen، وبموجبهات تمّ الاتفاق علي أن يزود الروس الجنرالات الألمان سرا بجميع الأسلحة والذخائر اللازمة لبناء جيش حديث مؤلف من عدة ملايين.. واتفقوا علي أن يضع الديكتاتور السوفيتي تحت تصرفهم جميع التسهيلات، لتدريب جميع الضباط الألمان.
هذا وقد تم تحقيق بنود اتفاقية Abmachungen، بعد أن قام الممولون الدوليون بتمويل هذا المشروع الضخم.. هكذا استطاع هؤلاء أن يؤمّنوا بناء القوة العسكرية والاقتصادية في الدول الشيوعية والفاشية علي السواء.. واستطاعوا أن يهيئوا الظروف للقيادة الألمانية لكي تتخطي بنود معاهدة فرساي، وخصوصا القيود العسكرية المفروضة عليهم.
وعن طريق معامل السلاح والذخيرة الشيوعية وراء جبال الأورال، ثم تزويد المؤسسات الألمانية بكل ما تحتاجه.. وهذه المؤامرة لا يمكن إن تعني إلا النية المبيتة للممولين الدوليين بإضرام نار الحرب العالمية الثانية.. ولم تكن الدول المسماة بالحليفة بمعزل عما يجري وراء الستار، ولكنها كانت تعلمه أولا بأول.. وهذا لمسته بنفسي عندما حضرت مؤتمر نزع السلاح البحري في لندن عام 1930.. وهو برهان آخر علي صدق ديزرائيلي عندما قال: “الحكومات المنتخبة لا تحكم”.
والحقيقة أن هذه الفترة من التاريخ معقدة جدا وليس من السهل علي المواطن العادي أن يفهما.
فالشيوعية والنازية تجمع بينمها صفات مشتركة عديدة: فكلامها مبدأ إلحادي ينكر وجود القوّة الإلهية.. وكلاهما ينادي ويشجع الحرب والكراهية والقوة.. ومبادئهما مناهضة للمبادئ المسيحية في السلام والحب والتربية.. وهذا يجعل من قادة كلا المعتقدين العميقين في الإلحاد والمادة عملاء للشيطان.. وهم جميعا ينفذون المؤامرة الشيطانية في إبعاد البشر عن طاعة العلي القدير.. وكلا المعتقدين يستعمل أيضا شكلا من أشكال محافل الماسونية في الشرق الأكبر، لرد الناس عن أديانهم.
وتبين لنا الدراسة التحليلية للتاريخ بين عام 1914 و 1943، أن جماعة المرابين العالميين وجهوا جهودهم في هذه المرحلة لتحقيق الأهداف التالية:
1. إثارة الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي يسمح بخلق جو مناسب للعمل الثوري، يسمح لهم بالسيطرة الكاملة علي الإمبراطورية الروسية.
2. تغيير الرؤوس الحاكمة في أوروبا، قبل أن تبدأ أي مجموعة مجموعاتهم بالسيطرة، وإقامة الحكم المطلق.
3. إجبار حكومتي بريطانيا وفرنسا علي الموافقة علي إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
لقد أجبرت الحكومة البريطانية علي مساعدة الممولين الدوليين لتنفيذ مخططهم في إنجاح الثورة البلشقية، وذلك كي تحصل بريطانيا علي مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب.. ويمكننا أن نجزم بأن السفينة لويزيانا أغرقت لتبرر السياسة الأميركية تجاه الحرب، تماما كان حادث بيرل هاربر المبرر لدخولها في الحرب العالمية الثانية.. ((كشفت الوثائق التي أفرجت عنها بريطانيا في التسعينيات، أنّ البريطانيين هم الذين دفعوا اليابانيين للهجوم على أمريكا، وذلك باستخدام سفينة بحرية بريطانية ترفع علم أمريكا، استخدمت شفرة أمريكية يعلم البريطانيون أنّ اليابانيين قد حلّوا شفرتها، في تناقل رسائل كاذبة تؤكد عزم أمريكا على الهجوم على اليابان، ممّا دفع هؤلاء لأخذ زمام المبادرة.. ويقال إن الرئيس الأمريكيّ كان على علم مسبق بنية اليابان مهاجمة بيرل هاربور، ولكنّه تجاهل الأمر لرغبته في إيجاد مبرر لدخول الحرب!))
وجاء في النسخة الأصلية بشأن الانتداب البريطاني علي فلسطين ما يلي: “لتحويل فلسطين إلي وطن قومي لليهود”.. ولكن هذه العبارة تغيرت في اللحظة الأخيرة، لتكون “لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين”.. وقد تم هذا لإخفاء الطموح السرّيّ للصهيونية.
وكما أخفى الصهاينة طموحهم في الاستيلاء علي فلسطين كلها، أخفوا أيضا حقيقة الثروات المعدنية الطائلة الموجودة علي شواطئ البحر الميت، ولم يكشفوا عن ذلك إلا بعد إعلان الانتداب من قبل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة.
وهكذا استعمل المرابون الدوليون الصهيونية، لكي يتحكموا بسيادة الدولة ذات المركز الجغرافي المتوسط، ليمدوا سيطرتهم علي بقية دول العالم، كما مدوا سيطرتهم علي الاتحاد السوفياتي.

الدولة العظمى يبنيها رجال عظام

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العبداللطيف336

الدُّوَلُ تقوم على أكتاف الرجال، والسياسة المتميزة الناجحة صنعة يحترفها المفكرون والمتميزون والمبدعون منهم، وعلى الرغم من استمرار سرية الدعوة، والمسلمون مختبئون في دار الأرقم رضي الله عنه، فإن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ينظر إلى المستقبل وإلى رجال المستقبل. كان يحيط برسول الله صلى الله عليه وسلم أنواع فريدة من الرجال، ولكن رغم كل ذلك فإنه كان يطمع برجال آخرين بمواصفات خاصة جداً، وعلى درجة عالية من التميز، وخاصة وهو صلى الله عليه وسلم على وشك أن يعلن دعوته، ومن المتوقع أن تشرأب أعناق الأعداء ويكشرون عن أنيابهم لحرب متنوعة القضايا، وربما كانت طويلة الأمد عميقة الجراح.

لقد كانت عين رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجال من أمثال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بل كانت عينه صلى الله عليه وسلم على عمر رضي الله عنه تحديداً، فهو ذلك النوع المطلوب والمرغوب فيه، هو رجل من العيار الثقيل، لا غنى لدولة المستقبل عنه رضي الله عنه. وحسب دراسة تاريخ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل الإسلام، فمن المتوقع إن حدثَ وأسلم رضي الله عنه فأنه سيقدم لدولة الإسلام الشيء الكثير، وتحدث علي يديه إنجازات إبداعية غير مسبوقة. فإن كان من دعوة يتوجه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله سبحانه وتعالى ليعز الإسلام برجل، فليس غير عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فيقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يقول: «اللهم أعزَّ الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة» [1].

فما الذي كان يراه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، كقائد للمسيرة، بنظره الثاقب وبصيرته الحاضرة في عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟
وسنبحث في التحليل السياسي للحديث فيما كان في عمر رضي الله عنه، من مواصفات خاصة فنتوصل إلى ما يأتي:

1- قوة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحق وعدم المجاملة على حسابه، وعدم تردده في اتخاذ قرارات استراتيجية كبيرة ومصيرية، ولقد اتضح ذلك من أول ما أسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه، فلم يَدُم الأمر كثيراً حتى صار عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطالب النبي صلى الله عليه وسلم أن يجهروا بالدعوة لأنهم على الحق وعدوهم على باطل. ثم إنه رضي الله عنه “قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إني لا أدع مجلساً جلسته في الكفر إلا أعلنت فيه الإسلام، فأتى المسجد وفيه بطون قريش متحلقة، فجعل يعلن الإسلام ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فثار المشركون فجعلوا يضربونه ويضربهم، فلما تكاثروا خلصه رجل” [2]، ففي ذلك دلالة على قوته في الحق.

2- رجاحة عقله وأفكاره الإبداعية الخلاقة التي لا تنتهي، وفي كل المجالات، السياسية والحربية والتنموية والقضائية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية، مما سيساهم مستقبلاً في دعم أسس البناء والتنمية والتطوير في الدولة الإسلامية، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، عن النبيصلى الله عليه وسلم، أنه كان يقول: «قد كان يكون في الأمم قبلكم محدَّثون [3]، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم» [4]، كما كان عمر رضي الله عنه قوي الفراسة صادق الحدس.

3- سمو روحه وعزة نفسه رضي الله عنه وعزوفها عن الدنيا وما فيها، فيقول خادمه يسار بن نمير: “والله ما نخلت لعمر الدقيق قط إلا وأنا له عاصٍ” [5]. وهذا الزهد سيجعله لا يأبه بالأموال فلا يفكر في استغلال موارد الدولة ومقدراتها لمصالحه الشخصية أو مصالح أفراد عائلته.

4- هو من الذين لهم صيت ومكانة في قريش، بل كان من سفرائها، لأنه من عَدي وقد كانت السفارة فيهم، فإسلامه يغيض الأعداء من قريش وغيرها ويشتت تفكيرهم ويخذلهم ويشغلهم به عن الضعفاء.

5- منح أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم قوة إضافية وفرصة لمزيد من الثقة بأنفسهم، فضلاً عن مراجعة أنفسهم وسعيهم ليكونوا كعمر بن الخطاب رضي الله عنه، كنموذج فريد من نوعه.

6- تقديم درس للأمة القادمة من أجل أن تعتمد في سياستها أن تكسب رجالاً أفذاذاً من طراز عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

هذه هي الدواعي الرئيسية لدعوة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لإسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتغيير مسار الصراع. فهل كانت الرؤية السياسية لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في عمر بن الخطاب رضي الله عنه صحيحة؟ الإجابة عن هذا التساؤل في معرفة ما قدمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه للإسلام.

إنجازات عمر بن الخطاب رضي الله عنه لترسيخ مفهوم الدولة:
1- مَنَحَ إسلام عمر رضي الله عنه للمسلمين مباشرة دعماً وعوناً وقوة، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “مازلنا أعزةً منذ أسلم عمر” [6]، بل وأكثر من ذلك، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “والله ما استطعنا أن نصلي عند الكعبة ظاهرين حتى أسلم عمر” [7]. ويكمل الصحابي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الموضوع بقوله: “إن إسلام عمر كان فتحاً، وإن هجرته كانت نصراً، وإن إمارته كانت رحمةً، ولقد كنا وما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشاً حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه” [8].

2- كان رضي الله عنه مستشاراً أميناً للنبي محمد صلى الله عليه وسلم منذ إسلامه وحتى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم استمر الحال كمستشار أمين لخليفة الرسول صلى الله عليه وسلم أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقدم استشارات عظيمة وقيمة، منها ما غير تجاه التفكير السياسي في بعض الإجراءات، ومن ذلك:

– ما حصل في موضوع أسرى غزوة بدر حين كان توجه ورغبة رسول محمد صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر الصديق تجاه فداء الأسرى، وقد حصل ذلك، في حين كان عمر رضي الله عنه يرى قتلهم، فجاء القرآن الكريم مؤيداً لرأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 67].

– تقديم المشورة لأمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه، لإجراء عملية توثيق لدستور المسلمين (القرآن الكريم)، وهو ما يُعرف بقضية جمع القرآن، بعد إن كان يحفظ في قلوب الرجال، وهذا الإنجاز يعتبر من أعظم الإنجازات التي تحققت في مراحل بناء الدولة الإسلامية على مر التاريخ، وربما على مستوى تاريخ العالم السياسي، وهو يحسب لعمر بن الخطابرضي الله عنه.

“عن زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه -وكان ممن يكتب الوحي- قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يُراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر، قال زيد بن ثاب: وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئاً لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف، والعسب وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره، لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم إلى آخرهما، وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر” [9].

– ومن عمله كمستشار لأبي بكر الصديق رضي الله عنه أُقر ما قال به عمر بن الخطاب رضي الله عنه باعتبار رئيس الدولة موظف فيها، وعليه القيام بواجباته على أتم وجه، وأن يترك أمور التجارة أو أي عمل آخر يشغله عن أداء واجبات هذه الوظيفة، و يُخصص له راتب مجزٍ من بيت المال مقابل ذلك. عن محمد بن سيرين رحمه الله قال: “توفي أبو بكر الصديق وعليه ستة آلاف كان أخذها من بيت المال، فلما حضرته الوفاة قال: إن عمر لم يدعني حتى أصبت من بيت المال ستة آلاف درهم، وإن حائطي الذي بمكان كذا وكذا فيها، فلما توفي ذكر ذلك لعمر فقال: يرحم الله أبا بكر، لقد أحب أن لا يدع لأحد بعده مقالاً، وأنا والي الأمر من بعده، وقد رددتها عليكم” [10]. نعم لقد أعاد أبو بكر الصديق رضي الله عنه ما أخذ من رواتب من بيت المال قبل وفاته، إلا أنه كسياق عمل إداري أقر وعمل به فيما بعد. ثم يشاء الله سبحانه وتعالى أن يكون عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو أمير المؤمنين، ويتولى عمر رضي الله عنه زمام قيادة ورئاسة الدولة الإسلامية، فلم يتوانَ في الاستمرار في ترسيخ قواعد وأسس بناء الدولة على نهج النبوة، فمن إنجازاته:

1- إنجازات سياسية: فمن المعروف أن أحد مقومات قيام الدول هي الأرض، وتزداد هيبة الدولة وقوتها وقيمتها باتساع الأراضي التي تكون تحت سيطرتها. ولقد كان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه الدور الأكبر في ذلك، فقد اتسعت رقعت الأرض التي تحت سلطان الدولة الإسلامية، بما تحقق من فتوحات عظيمة في عهده رضي الله عنه ومنها:
– فتح العراق.
– فتح مصر.
– فتح الشام بما فيها فتح فلسطين وتحرير بيت المقدس.
وكان هذا الإنجاز إنجازاً سياسياً متميزاً وكبيراً، كما أن هذه الفتوحات جاءت نتيجة معارك ضارية وشرسة استطاع المسلمون الانتصار فيها، وبطبيعة الحال فإن الفضل في ذلك بعد الله سبحانه وتعالى ينسب للقيادة الحكيمة التي على هرم السلطة.

2- إنجازات إدارية: فقد نظم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، العمل الإداري في الدولة الإسلامية بالاتجاه المؤسساتي، فمن تلك الإنجازات:

– إنشاء الدواوين: حيث عمل ديواناً للجند، وديواناً للمال، وديواناً لحفظ الوثائق، وعين عليها موظفين دائميين يحدثونها ويراقبونها باستمرار، يقول الماوردي رحمه الله: “وأول من وضع الديوان في الإسلام عمر بن الخطاب” [11].

– تشريع بعض القوانين الخاصة بالجند: متمثلة بتفرغهم للعمل العسكري وخاصة أولئك الذين في الثغور، ووضع الأساليب الإدارية اللازمة لتنظيم إجازاتهم وعودتهم لأهليهم، حيث [أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج ليلة يحرس الناس، فمر بامرأة وهي في بيتها وهي تقول:

تطاول هذا الليل واسود جانبه *** وطالَ عليَّ أن لا خليلَ ألاعبُه
فوالله لولا خشية الله وحده *** لحرك من هذا السرير جوانبُه

فلما أصبح عمر رضي الله عنه أرسل إلى المرأة، فسأل عنها، فقيل: هذه فلانة بنت فلان، وزوجها غازٍ في سبيل الله، فأرسل إليها امرأة، فقال: كوني معها حتى يأتي زوجها، وكتب إلى زوجها، فأقفله، ثم ذهب إلى حفصة بنته، فقال لها: يا بنية، كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت له: يا أبه، يغفر الله لك أمثلك يسأل مثلي عن هذا؟ فقال لها: إنه لولا أنه شيء أريد أن أنظر فيه للرعية، ما سألتك عن هذا، قالت: أربعة أشهر، أو خمسة أشهر، أو ستة أشهر، فقال عمر: يغزو الناس يسيرون شهراً ذاهبين ويكونون في غزوهم أربعة أشهر، ويقفلون شهراً، فوقَّت ذلك للناس من سنتهم في غزوهم] [12].

3- إنجازات اجتماعية؛ ومن ذلك:
– الأمر بقانون الضمان الاجتماعي، وجعله يسري على جميع الرعايا داخل حدود الدولة الإسلامية وليس للمسلمين فحسب، فقد كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى بعض عماله كتباً جاء فيه: “أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى إنما أمر أن تؤخذ الجزية ممن رغب عن الإسلام واختار الكفر عتياً وخسرانا مبيناً، فوضع الجزية على من أطاق حملها وخل بينهم وبين عمارة الأرض، فإن في ذلك صلاحاً لمعاش المسلمين وقوة على عدوهم، وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، فلو أن رجلاً من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق، وذلك أنه بلغني أن أمير المؤمنين عمر مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس، فقال: ما أنصفناك، أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك، قال: ثم أجري عليه من بيت المال ما يصلحه” [13].

– استثمار طاقات المرأة في بعض المهام والتكاليف؛ لأن الإسلام قد أعاد لها اعتبارها، ووضعها في مكانها الأمثل، فهي في نظر السياسة في الإسلام جزء مهم من مكونات المجتمع ولا بد من أن تشارك في بناء الدولة من خلال ما تكلف به من أعمال. وقد ولّى عمر رضي الله عنه الشفاء بنت عبد الله [14] رضي الله عنها أمر السوق ومراقبته وتقديم الرأي والمشورة لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه.

– العمل بنظام الرقابة (الحسبة)، بشقيها الوقائي والعلاجي، وعلى مستوى الأفراد والمؤسسات، ويتشدد في ذلك من أجل المصلحة العامة، وكان رضي الله عنه يباشر هذا النوع من العمل بنفسه ويكلف الآخرين به.

4- إنجازات قضائية: فلقد اهتم عمر رضي الله عنه بالقضاء لأن فيه حياة الناس ورأى أن تداخل القضاء مع الإدارة السياسية والرئاسة أمر قد يجر البلد إلى ما لا يُحمد عقابه. ومن أجل لا تتداخل الوظائف، ولا يُسخَّر القضاء ليكون مطية للسياسة، كان تحقيق مبدأ فصل السلطات القضائية عن السلطات التنفيذية، فقد جعل عمر رضي الله عنه (القاضي غير الوالي)، [جعل عمر رضي الله عنه القاضي غير الوالي في بعض الولايات؛ لظروف وأحوال معينة، فكان أول من دفعه من الوالي إلى غيره وفوضه فيه، فولى أبا الدرداء معه بالمدينة قاضياً، وولى شريحاً وقيل: كعب بن سورة قضاء البصرة، وكان واليها أبا موسى الأشعري، وولى أبا موسى الأشعري وقيل: شريحاً قضاء الكوفة، وكان واليها المغيرة بن شعبة، وكانت أحكام هؤلاء القضاة ملزمة ونهائية، وواجبة التنفيذ من قبل الولاة، مما يؤكد استقلالية القضاء في تلك البلدان، ولم يكن الفصل للسلطة القضائية شاملاً لجميع الولايات؛ لأن فصل السلطة القضائية عن التنفيذية لم يكن معروفاً بعد لعدم بروز الحاجة إليه، وعندما رأى عمر رضي الله عنه الحاجة في بعض الولايات لذلك جعل القاضي غير الوالي، ويعتبر ذلك بداية لفصل السلطة القضائية عن التنفيذية في الدولة الإسلامية] [15].

5- إنجازات تنموية؛ ومن ذلك:
– أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ببناء العديد من المدن الجديدة في بعض أرجاء الدولة الإسلامية ومن هذه المدن:
* البصرة والكوفة في العراق.
* الفسطاط في مصر.
ومعلوم مدى فائدة بناء المدن الجديدة في تثبيت أركان الدولة، وما يتبعها من إنشاء لمشاريع الخدمات من أجل تقدم البلد، وكذلك فإن ذلك سيضمن توفير فرص العمل وتشغيل الأيدي العاملة، وما يتبعها من البناء الاجتماعي النموذجي السليم، وما يتبع ذلك من تقليل مستويات الجريمة في المجتمع.

– [في عمرته سنة سبع عشرة من الهجرة كلمه أهل المياه في الطريق أن يبنوا بيوتاً فيما بين مكة والمدينة لم تكن قبل ذلك، فأذن لهم واشترط عليهم أن ابن السبيل أحق بالماء والظل] [16].

– حث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس على استثمار أموال اليتامى، وفي ذلك العديد من الفوائد التنموية كتشغيل الأيدي العاملة، وتحريك رؤوس الأموال، وتنمية الأموال الخاصة باليتامى كونها أمانة، حيث يقول عمر رضي الله عنه: “ابتغوا في أموال اليتامى قبل أن تأكلها الزكاة ” [17].

لقد كان عمر رضي الله عنه رجل يعدل أمة، رجل دولة من طراز فريد، وفارس لا يشق له غبار، ومفكر ينطق بالحكمة والحق، فعن أبي ذر رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به» [18].

أزمة المسلم المعاصر

كاتب الموضوع الأصلي: صالح سعد

الثلاثاء 00 ربيع الأول 1433 هـ – 24 يناير 2012 – 12:48 صباحا
د. عبد الله فهد النفيسي

يواجه المسلم المعاصر أزمة ليست بالهينة تتمثل في أنه يحمل في قلبه عقيدة وفي عقله تصوراً وفي كتابه شريعة، وفي نفس الوقت هو يعيش في مجتمع سياسي لا تقوم قوانينه وأوضاعه وعلاقاته الداخلية والخارجية على تلك العقيدة وذلك التصور وتلك الشريعة .
لقد بات واضحا لكلّ ذي لبّ التناقض الجوهريّ والجذريّ بين الواقع الذي يعيش ضمنه المسلم المعاصر من جهة، وبين ما يحمل من عقيدة الوحدانية والتصور الكونيّ الشموليّ والشريعة ذات البنود والتوجهات الجذرية من جهة أخرى.
حتى الطفل في المدرسة الإبتدائية بات يتساءل عن التناقض الواضح بين ما يتلقاه من تعاليم في درس التربية الإسلامية من جهة والواقع الذي يشاهده ربما في نفس الفصل ونفس المدرسة ونفس المنزل الذي يعيش فيه مع والديه من جهة أخرى .
أزمة المناقضة هذه تضع المسلم المعاصر إزاء خيارات صعبة للغاية، ومرّة للغاية، وفي تصوّري أن الخيارات المتاحة أمام المسلم المعاصر لا تخرج عن الثلاث التاليات:
أول الخيارات أن يقرر الإنسحاب من مسرح الحياة إلى عالم من صنعه ربما لا يخرج عن نطاق المسجد وبعض الحلقات الدينية المحضة والغرق في قضايا لا علاقة لها بهذا العالم المتحرك. والمسلم الذي يتبنى هذا الخيار، ويحمل فلسفة الإنسحاب والإنزواء والنكوص والإنكفاء، سرعان ما يجد نفسه يعيش في عالم غريب له مناخه وشخوصه وقاموسه وتقاليده، وهو عالم في كل الأحوال يتحرك في الأجزاء المهمولة من هذا الوجود الذي يضطرم بالقوة والعافية والقابلية والعمران، وفي نهاية المطاف، قد يموت هذا المسلم دون أن يترك أثراً له فوق هذه الأرض.
وثاني هذه الخيارات هو خيار الثورة على هذا الواقع، الذي يناقض العقيدة الإسلامية والتصور الإسلامي والشريعة الإسلامية. وهذا الخيار لا شك يضع المسلم المعاصر في مواجهة هذا العالم، وهو أمرٌ في غاية الخطورة والتشابك والتعقيد، إذ إن الواقع الذي يحيط بالمسلم ربما لا يرتكز على شرعية أصولية، لكنه من جانب آخر واقع متسلح بكل الأدوات التي تمكنه من وأد المسلم المعاصر وأداً. ولذا فإن الخيار الثاني – وفق معادلة الصراع الحالية التي يعيشها المسلم المعاصر- وفي نهاية المطاف – يكشف ظهر الإسلام كشفاً ويحرّض القوى المضادة له على تناسي تناقضاتها من أجل تصفيته والقضاء على وجوده السياسي.
وثالث هذه الخيارات، هو خيار الممكن من المستحيل، ويتلخص في تحقيق ما يمكن تحقيقه من مقاصد الشريعة ضمن النظام العام للأوضاع والأشياء. ويبدو أن هذا الخيار الثالث هو المتاح حاليا بشكل نسبي للمسلم المعاصر في بعض مناطق العالم الإسلامي، ويبدو أيضاً أن هذا الخيار – وفق معادلة الصراع الحالية التي يعيشها المسلم المعاصر- هو الخيار الأنسب من كل الوجوه بالرغم من أنه وفي كثير من الأحيان يؤدي إلى إصابة المسلم المعاصر بما يسميه علماء النفس ” التنافر الإدراكي” جراء تعامله اليومي مع واقع لا يؤمن به من الأساس.
هكذا نجد أن أزمة الإغتراب التي يعاني منها المسلم المعاصر تفتح أمامه ثلاثة خيارات : الأول يذوي فيه ويذبل دون أن يشعر به أحد، والثاني – رغم فدائيته وفروسيته – لا يحل الإشكالية المطلوب حلها، والثالث كأنه المشي مدى الحياة على حدّ الخنجر.
فهل من حلٍ لأزمة المسلم المعاصر ؟

باراك اوباما

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن الجساس704

]باراك حسين أوباما الابن (4 أغسطس 1961 – ) الرئيس الرابع والأربعون للولايات المتحدة الأمريكية وأول رئيس من أصول أفريقية يصل للبيت الأبيض. حقق انتصاراً ساحقاً على خصمه جون ماكين وذلك بفوزه في بعض معاقل الجمهوريين مثل أوهايو وفرجينيا في 4 نوفمبر 2008م. و الرئيس أوباما يتقاضى مرتباً سنوياً قدره 400 ألف دولار.

تخرج أوباما من كلية كولومبيا بجامعة كولومبيا و كلية الحقوق بجامعة هارفارد ، حيث كان من أول الأمريكيين ذوى الأصل الأفريقي لرئاسة مجلة هارفارد للقانون . كان يعمل فى الأنشطة الإجتماعية في شيكاغو ، قبل حصوله على شهادة المحاماة. وعمل كمستشارا للحقوق المدنية في شيكاغو ، وقام بتدريس مادة القانون الدستوري في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو في الفترة من 1992 إلى 2004.

خدم أوباما ثلاث فترات بمجلس الشيوخ بإيلينوي في الفترة من 1997 إلى 2004. عقب محاولة غير ناجحة للحصول على مقعد في مجلس النواب الامريكي عام 2000 ، رشح نفسه لمجلس الشيوخ في الولايات المتحدة عام 2004. بعد فوزه في آذار / مارس 2004 بالرغم من صعوبة الظهور فى هذا المجال سمح له هذا الفور بجذب انتباه الحزب الديمقراطي . الخطاب التلفيزيونى الذى تم بثه محليا خلال المؤتمر الوطني الديمقراطي في يوليو / تموز 2004 جعله نجما صاعدا على الصعيد الوطني في الحزب . بعدها تم انتخابه لمجلس الشيوخ الاميركي في تشرين الثاني / نوفمبر 2004 من قبل اكبر نسبة فى تاريخ ايلينوي.

بدأ في خوض انتخابات الرئاسة في شباط / فبراير 2007. بعد حملة شديدة التنافس في عام 2008 داخل الحزب الديمقراطي من أجل الانتخابات الرئاسية ضد هيلاري رودهام كلينتون ، و حصل أوباما على ترشيح حزبه ليصبح اول مرشح للرئاسة من أصل أفريقي لحزب أمريكى كبير . في الانتخابات العامة التي جرت عام 2008 ، هزم أوباما المرشح الجمهوري جون ماكين ، وتم تنصيبه رئيسا يوم 20 يناير 2009.

محتويات [إخفاء]
1 بداياته وتاريخه المهني
2 حياته السياسية: 1996-2008
2.1 مشرع الولاية: 1997-2004
2.2 حملة مجلس الشيوخ الاميركي عام 2004
2.3 عضو مجلس الشيوخ الامريكى: 2005-2008
2.3.1 التشريعات
2.3.2 لجان
3 حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2008
4 الرئاسة
4.1 الأيام الأولى
4.2 السياسة المحلية
4.3 الإدارة الاقتصادية
4.4 السياسة الخارجية
4.5 حرب العراق وأفغانستان
5 المواقف السياسية
6 الأسرة والحياة الشخصية
7 الصورة الثقافية والسياسية
8 مؤلفاته
9 وصلات خارجيه
10 مراجع

بداياته وتاريخه المهني

ولد باراك أوباما في مركز كابيئولانى الطبي للنساء والأطفال في هونولولو ، بهاواي ، فى الولايات المتحدة الأمريكية ، [1] الأم ستانلي آن دونهام ، [2] أمريكية من أصل انجليزى من ويتشيتا ، بولاية كانساس ، [3] [4] [5] وباراك أوباما ، الأب ، من منطقة نيانجوما كوجيلو بمقاطعة نيانزا فى كينيا. والدي اوباما التقيا في عام 1960 خلال دورة تدريبية في اللغة الروسية بجامعة هاواي في مانوا ، حيث كان والده طالب أجنبي يدرس من خلال منحة دراسية. [6] [7] لقد تزوجا يوم 2 فبراير 1961 ، [8] وولد باراك في وقت لاحق ذلك العام. انفصل والديه عندما كان عمره عامين ، وتطلقا في عام 1964. [7] عاد والد أوباما إلى كينيا ، وشاهد ابنه مرة واحدة فقط قبل أن يموت في حادث سيارة عام 1982. [9]

بعد طلاقها ، تزوجت دونهام من الطالب الاندونيسي لولو سويترو، الذى كان يدرس بالكلية في هاواي. عندما تولى سوهارتو ، وهو قائد عسكري في وطن سويترو الأصلى ، الحكم في عام 1967 ، قام باستدعاء جميع الطلاب الذين يدرسون في الخارج لإندونيسيا وانتقلت الأسرة إلى الجزيرة. [10] عندما كان عمره سته سنوات حتى العاشرة إلتحق اوباما بالمدارس المحلية في جاكرتا ، بما فى ذلك مدرسة بيسوكى العامة ، و مدرسة سانت فرانسيس أسيسي .

في عام 1971 ، عاد الى هونولولو للعيش مع جدته من جانب أمه ، مادلين وستانلي آرمور دونهام ، والتحق بمدرسة بونهاو ، وهى كليه إعدادية خاصة من الصف الخامس وحتى تخرجه من المدرسة الثانوية في عام 1979. [11]

والدة أوباما عادت إلى هاواي في عام 1972 وبقيت هناك حتى عام 1977 ، عندما انتقلت الى اندونيسيا للعمل كأنثروبولوجية ميدانية . في النهاية عادت الى هاواي في عام 1994 وعاشت هناك لمدة سنة واحدة قبل أن تموت بسرطان المبيض. [12]

وأشار أوباما إلى ما يتذكره عن مرحلة الطفولة المبكرة قائلا: “ان والدي لم يبدوا أبدا مثل الناس من حولي حيث أنه كان شديد السواد ، ووالدتي بيضاء كالحليب ولكن لم يثير ذلك انتباهى ولم يسجله ذهني”. [13] ووصف كفاحه من أجل التوفيق بين المفاهيم الاجتماعية المتعددة الأعراق لهذا التراث المتشعب فى مرحلة الشباب خلال سنوات تكوين الفكر فى هونولولو وكتب أوباما: [14] “إن الفرصة التي سنحت لى في هاواي للتعايش مع مجموعة متنوعة من الثقافات في جو من الاحترام المتبادل أصبح جزءا لا يتجزأ من نظرتى للعالم ، وأساس للقيم اللتى أعتز بها “. [15] اوباما كتب وتحدث عن تجربته مع الكحول والماريجوانا والكوكايين خلال سنوات المراهقة “لمحاوله نسيان الأسئله التى تجول بخاطرى بخصوص الهوية”. [16] وفي عام 2008 خلال المنتدى المدني للرئاسة ، تحدث أوباما عن فتره الثانوية وتجربه المخدرات باعتبارها “أكبر فشل أخلاقي”. [17]

في أعقاب انتهاء المدرسة الثانوية ، انتقل الى لوس انجلوس في عام 1979 للالتحاق بكلية اوكسيدنتال. [18] وبعد سنتين في عام 1981 انتقل إلى جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك ، حيث تخصص في العلوم السياسية مع تخصص في العلاقات الدولية [19] وتخرج وحصل على البكالوريوس في عام 1983. وعمل لمدة عام في شركه المؤسسة الدولية [20] [21] ، ثم في نيويورك لمجموعة البحث من أجل المصلحة العامة. [22] [23]

بعد أربع سنوات في مدينة نيويورك ، انتقل اوباما الى شيكاغو ، حيث تم تعيينه مديرا لمشروع المجتمعات النامية (dcp) ، وهى جمعية اجتماعيه تابعة للكنيسة ومقرها في الأصل يتألف من ثمانية أبرشيات كاثوليكية في منطقة روزلاند (روزلاند ، بولمان الغربيه وريفرديل)على حدود شيكاغو باقصى الجنوب . كان يعمل هناك كمنظم اجتماعى من يونيو 1985 الى مايو 1988. [22] [24] وخلال تلك الثلاث سنوات عندما عمل كمدير لdcp تضاعف عدد الموظفين بنسبة واحد إلى ثلاثه عشر وارتفعت الميزانيتها السنوية من 70،000 دولار إلى 400،000 دولار. وساعد في انشاء برنامج تدريبى و برنامج تحضيري للتدريس بالكلية ، وأنشاء أيضا جمعيه حمايه حقوق الملاك فى التجيلد جاردينز. [25] كما عمل اوباما كخبير استشاري ومدرب لمؤسسة جاماليل، وهى معهد إجتماعى وتنظيمى. [26] وفي منتصف عام 1988 ، سافر للمرة الأولى الى أوروبا لمدة ثلاثة أسابيع ، ثم لمدة خمسة اسابيع الى كينيا ، حيث التقى بالعديد من أقارب الأب للمرة الأولى. [27] وعاد في آب / أغسطس 2006 لزيارة مسقط رأس والده ، وهي قرية بالقرب من مدينة كيسومو غرب كينيا في المناطقة الريفية. [28]

التحق أوباما بكلية الحقوق بجامعة هارفارد في أواخر عام 1988. تم اختياره رئيس تحرير مجلة القانون في جامعة هارفارد قرب نهاية السنة الأولى من دراسته، [29] ، ورئيس مجلس إدارة المجلة في السنة الثانية. [30] وخلال الصيف ، عاد الى شيكاغو ، حيث عمل كمتدرب خلال الصيف فى شركة سيدلى & اوستن في عام 1989 ولدى سوتر هوبكنز في عام 1990. [31] بعد التخرج بتقدير جيد [32] [33] من جامعة هارفارد في عام 1991 ، عاد مرة أخرى الى شيكاغو. [29] احتلت مجلة القانون اهتمام وسائل الاعلام الوطنية بعد انتخاب اوباما باعتباره اول رئيس اسود [30] وأدى ذلك الى نشر عقد مقدم لكتاب عن العلاقات العرقية ، [34] على الرغم من تطور الأمر ليصبح مذكرات شخصية . المخطوط نشر في منتصف عام 1995 تحت اسم أحلام والدي . [34]

من نيسان / أبريل إلى تشرين الأول / أكتوبر 1992 ، قام أوباما بادارة مشروع التصويت بإلينوي وهى حملة لتسجيل الناخبين وعمل معه طاقم مكون من عشرة عامليين و 700 من المتطوعين ، إذ حققت هدفها وقامت بتسجيل 150،000 من إجمالى 400،000 أميركيين أفريقى غير مسجل في الدولة ، وأدت إلى ادراج اسم أوباما فى قائمة شركة كرين بشيكاغو في عام 1993 لمن هم “أقل من أربعون” وقد يحتلوا مناصب قيادية. [35] [36]

لمدة اثني عشر عاما عمل أوباما كأستاذ للقانون الدستوري في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو ؛ بوصفه محاضر من عام 1992 حتي 1996 ، وبوصفه أحد كبار المحاضرين في الفترة من 1996 إلى 2004. [37]

مصطلح التسوية السلمية للقضية الفلسطينية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الموسى 36336

إن سياسة قلب المفاهيم الصحيحة وتحويلها بالتضليل الى أشلاء مفاهيم أو الى مفاهيم كسيحة هي من أخطر وأخبث السياسات التي حاربنا بها العدو الصهيوني ، ما أوجد الميوعة عندنا في الفكر والعمل ، إن سياسة قلب المفاهيم جعلت الجهاد إرهاب وبسبب هذه السياسة ألقى المناضلون القدامى السلاح وتحولوا الى مفاوضين عصريين لا مهمة لهم إلا إلقاء التهم على من لم يلق السلاح بعد.
إن مشاريع التسوية السلمية للقضية الفلسطينية يحمل مصطلح التسوية السلمية معنى محاولة فض النـزاع بين طرفين أو أكثر حول القضية مثار الخلاف بالطرق السلمية ، وعادة ما تتم بقبول الأطراف لحلٍّ يوقعون عليه، ويلتزمون بتنفيذه، بناء على اتفاقية محددة، وليس شرطاً أن تكون التسوية السلمية “عادلة” أو حلاًّ “وسطاً”، إذ إنها تعكس في كثير من الأحيان موازين القوى، وحالات الانتصار والهزيمة، والضغوط الداخلية والخارجية، كما أن التسوية السلمية ليست بالضرورة حلاًّ دائماً، إذ قد تلجأ إليها القوى المتصارعة لأخذ فسحة من الوقت بانتظار تغير الظروف إلى الأفضل ، من أجل فرض تسويات جديدة تعكس تَغيُّر موازين القوى، ولكن هذا المصطلح قد يكون مُضللاً عندما يتعلق بالشأن الفلسطيني، إذ إن معظم مشاريع التسوية السلمية تكون عادة بين دول مختلفة متحاربة، أو بين أطراف داخلية متنازعة من أبناء الوطن الواحد.
أما المعاهدات التي تنتزعها قوى منتصرة نتيجة احتلالها لأرض شعب آخر وتشريد أهله واستغلال خيراته، فهي معاهدات بين غاصب محتل وبين شعب مقهور، وهي تعكس حالة استسلام من الطرف الضعيف إلى الطرف الأقوى ، وهي بالتالي ليست صراعاً حدودياً أو إسقاطاً لنظام حكم ، وإنما هي حالة استعمارية تكون أي تسوية فيها مهما كانت تسوية ظالمة لأهل الأرض المحتلة ، لأنها بالضرورة ستنتقص جزءاً من أرضهم ، أو حريتهم في تقرير مصيرهم ، أو سيادتهم التامة على دولتهم ، ولذلك فإن من عادة الحركات الوطنية في البلدان المستَعْمَرة الكفاح من أجل حريتها واستقلالها ، وإذا ما حدثت مفاوضات واتفاقات فإنها لا تعطي للقوى الغاصبة حقاًّ في الأرض نفسها ، وإنما قد توافق مرحلياً بانتظار تحسن الظروف على بعض الأمور التي قد تنتقص من حريتها وسيادتها كوجود قواعد عسكرية أو شروط اقتصادية مجحفة أو تحكُّم المستعمر بالشؤون الخارجية.
إن أول ما يجب التنبيه إليه أن الوجود الصهيوني في فلسطين هو حالة استعمار واغتصاب بالقهر والقوة، وليس نزاعاً بين بلدين متجاورين ، وإن جوهر القضية أن القوى الكبرى وبالذات أمريكا قد سعت متحالفة مع الصهيونية العالمية لإيجاد كيان صهيوني في فلسطين قلب العالم العربي والإسلامي يمتلك آليات القوة والتوسع، ويكون سيفاً مسلطاً على رقاب العرب في المنطقة يمنع وحدتهم ويضمن ضعفهم وتخلفهم، ويحرمهم من شروط النهضة الحضارية ، ويبقي منطقتهم مصدراً للمواد الخام وسوقاً للسلع الاستهلاكية الغربية ، وبالتالي فإن أي مشروع يطرحه الغرب أو الصهاينة أو يمكن أن يقبلوه لا بد وأن يشترط بقاء هذا الكيان الصهيوني وقوته وازدهاره ، وهو بالتالي لن يكون عادلاً مهما حصل الفلسطينيون أو العرب من “مكاسب” ، لأنها ” لن” تضمن استعادة الفلسطينيين لكامل حقوقهم في أرضهم وسيادتهم عليها أو خروج الغاصبين المحتلين ، ولذلك فإن أي حل يمكن أن يقبل به الفلسطينيون والعرب سيكون حلاًّ مؤقتاً، وسيزول بزوال مسبباته ( ضعفهم وقوة خصمهم ) ، ذلك أن عناصر التفجير ستبقى ( الإيمان بفلسطينية وعروبة الأرض ، والشعور بالظلم..) .
إن اليهود لن يتركوا عقيدتهم في ” أرض الميعاد ” ، وكما أن الغرب لن يترك أطماعه ، فإن الفلسطينيون لن يتنازلون عن حقوقهم ، كما أن المسلمين لن يتركوا إسلامهم ، وعلى هذا فإن أية تسوية “عادلة دائمة ” يجب أن تتم بناء على زوال الاحتلال واستعادة الحقوق كاملة ، وإلا فإن نُذُر الحرب ستظل تلوح في الأفق.

محاسن السياسة الجنائية الإسلامية

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العبداللطيف336

الحمد لله الذي رفع لنا في كل ثغر عَلَماً، وأجرى لنا في جوار كل بحر ما يضاهيه كرماً، وجعل في هذه الأمة من المسلمين إلى اليوم من يزيد الناس عِلماً ويمحو من الظلمات ظلماً، أما بعد:

قال الله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء:65]، وقال عز وجل: {إنِ الْحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف:40]، وقال: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى:21].

وقال: {وَأَنزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ . وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ فَإن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ . أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:48-50]، وقال: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [غافر:20].

لقد عاشت بلادنا العربية منذ دخول الإسلام فيها في ظل الخلافة الإسلامية أكثر من ألف عام، وظل أهلها طوال هذه القرون يحتكمون إلى شرع الله تعالى المتمثل في الكتاب والسُّنة، والأحكام التي استُمدَّت منهما باستعمال أصول الفقه وضوابطه وقواعده الكلية التي وضعها الفقهاء المسلمون، مستلهمين الحلول من سوابقهم وسوابق سلفهم والأشباه والنظائر إذا لم يجدوا في كتاب الله تبارك وتعالى وسنة نبيِّه صلى الله عليه وسلم بُغيتهم، وقد اجتهدوا في ذلك أيما اجتهاد، وصنفوا في أصول التقاضي والأحكام والدعاوى ما عجزت سائر الأمم عن الإتيان بمثله، بل سبقوا إلى تأصيل النظريات القانونية التي يُفاخر القانونيون المعاصرون بتأصيلها وذِكْرِها في كتبهم.

وفي الجملة كانت الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس والأوحد للأحكام في بلادنا حتى نهاية القرن الماضي حين تزايد النفوذ الأجنبي الذي استهدف إقصاء الشريعة وإفساد المسلمين، فخلال سنوات من هذا النفوذ أُنشئت المحاكم المختلطة ووضعت لها القوانين التي استمدت بصفة أساسية من قوانين الدول الاستعمارية؛ فالإنكليز فرضوا القوانين الإنكليزية في الهند والسودان، والفرنسيون فرضوا قوانينهم في الجزائر والمغرب وتونس ومصر (منذ احتلالهم لها قبل الإنكليز)، والإيطاليون فرضوا قوانينهم في ليبيا (بعد احتلالهم لها سنة 1911م)، وكان ذلك بدايةً لاستمداد مجموعات كاملة من القوانين الأساسية (كقانون المرافعات، والقانون المدني، وقانون العقوبات، وقانون التجارة) من مصدر أجنبي غير شرعي لا يتصل بانتماء البلاد الإسلامي ولا بخصائصها الثقافية والاجتماعية التي حددت ذاتية أمتنا وهويتها الإسلامية بشكل واضح، وكان ينبغي أن تنعكس على الشريعة التي تحكمها وتسود فيها.

لقد أثبت الواقع بما لا يدع مجالاً للشك أن تطبيق القوانين الوضعية كان ولا زال هو أهم أسباب انتشار الجريمة وازدياد معدَّلاتها وتنوُّعها على نحو لم يكن في أسلافنا، وأن تلك القوانين لم تؤدِّ دورَها في الوفاء بمتطلبات المتقاضين وحلِّ خصوماتهم وفض نزاعاتهم؛ فلا هي زجراً حققت، ولا قضايا أنجزت، ولا حقوقاً لأصحابها سلمت؛ بل أدت الثغرات التي تملأ عباءتها إلى اللدد في الخصومات، والمماطلة في الإجراءات، وكثرة الاستئنافات، والامتناع عن أداء الحقوق والواجبات، وزيادة البغي والعدوان، وإثارة الفوضى والهمجية، وبثِّ روح الانتقام والثأر لدى المتخاصمين.

وفي هذا المقام تبرز محاسن الشريعة التي هي من وضع الخالق عز وجل الذي هو أعلم بأحوال عباده وأدرى بما فيه صلاحهم وما إليه عاقبة أمرهم، والتي تفردت عن التقنينات الوضعية بسمات وخصائص تجعلها أجدر بالاتباع وأَوْلى بالتطبيق؛ إذ لا تتحكم في سنها الآراء ولا تعبث في وجهتها الأهواء.

والحق أننا مهما حاولنا إبراز محاسن الشريعة في شأن مكافحة الجريمة وردع الجناة فلن نوفيها حقها، ولن نستوعب إلا قدراً يسيراً جداً من إيجابياتها ومحاسنها، لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، والذي يفرضه علينا واجب الوقت هو تعريف المسلمين بمحاسن شريعتهم وتبيين علوِّ كعبها على التقنينات الوضعية، بل على أرقى تلك التقنينات، وفي ما يلي بعض محاسن السياسة الجنائية والعقابية الإسلامية:

أولاً: التشريع الإسلامي يحمي القيم الأخلاقية والإنسانية بنصوص أكثر فعالية من التشريعات الوضعية: فليس هناك دائرة منفصلة للتشريع عن دائرة الأخلاق، وهذه إحدى سمات التشريع الإسلامي فحسب؛ إذ توجَّه العقوبات في الشريعة الإسلامية قِبل كل ما يمس الأخلاق الفاضلة دون أن يتوقف ذلك على رضا المجني عليه أو تخلُّف ضرر ما عن الجريمة؛ لأن غرض حماية الأخلاق يعلو على غرض حماية المجني عليه في حد ذاته، باعتبار أن الغرض الأول يتعلق بالمصالح المشتركة والنظام العام للمجتمع، والتراضي بين الجاني والمجني عليه لا يجعل الفاسد صالحاً ولا يُحل ما حرم الله؛ لذا فالشريعة تعاقب على شرب الخمر والردة والفُحش والزنا والفجور والشذوذ بغض النظر عن رضا طرفي الجريمة، ولا سلطان للحاكم في العفو عن هذه الجرائم، لأن التساهل في شأنها يؤدي إلى تحلل الأخلاق، وفساد المجتمع واختلال أمنه ونظامه.

ثانياً: التشريع الإسلامي سبق التشريعات الوضعية في الأخذ بـ (مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات) الشهير في القوانين الجنائية والعقابية، والذي يقتضي أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص؛ إذ يميز التشريع الإسلامي بوضوح بين الجرائم التي قدَّر الله عز وجل لها عقوبات لا يجوز العدول عنها إلى غيرها مثل عقوبات الحدود، وبين الجرائم الأخرى التي فوض ولي الأمر في تحديد أركانها والعقوبات المقرَّرَة لها؛ وهي الجرائم التعزيرية.

والأصل الذي أخذ به التشريع الإسلامي: أنه ما عدا جرائم الحدود -وهي الردة والزنا والحرابة والسرقة والقذف وشرب الخمر- هي جرائم تعزيرية، هذا فضلاً عن أن جرائم القصاص قد حدد الشرع عقوباتها مثل جرائم الحدود ولكن على أساس عام وتساوٍ وتماثلٍ في العقوبة مع الجريمة.

وهذا المبدأ يجد أساسه في قول الله تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء:15]، وقوله: {ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام:131]، وقال: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص:59]، ويقول: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ . ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الشعراء:208-209]، فكل عقوبة أوقعها الله عز وجل بكل أمة سبقها إنذار بالعقوبة عند المخالفة وهو ذاته جوهر (مبدأ الشرعية).

ثالثاً: تنقسم الجرائم بحسب الحق المعتدَى عليه في التشريع الإسلامي إلى جرائم يتعلق العقاب عليها بالاعتداء على حق من حقوق الله تعالى وجرائم يقع الاعتداء فيها على حق من حقوق العباد، وهو ما تنفرد به السياسة العقابية الإسلامية، وأهمية هذا التقسيم هي أن ما يُعَدُّ من حقوق الله تعالى هو في حقيقة الأمر من دعائم النظام الاجتماعي الذي يقوم عليه المجتمع باعتبار أنها حقوق عامة، ويظهر أثر تلك التفرقة في أحكام التشريع في جواز العفو عن العقوبة أو تغييرها أو في قبول تنازل المجني عليه عن حقه.

رابعاً: المسؤولية الشخصية في الجريمة مبدأ مقرَّر في الشرع الإسلامي، وهي مسؤولية محددة بشروط وضوابط تجد أساسها في قول الله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.

خامساً: تتميز (نظرية الإثبات) في الشريعة الإسلامية بجمعها بين قاعدتي (الإثبات المطلق) و(الإثبات المقيد)، والإثبات المطلق مقتضاه: أن القاضي حُرّ في تكوين عقيدته في أي بينة يراها كافية للإدانة أو البراءة، كما في جرائم التعازير بصفة عامة؛ فكل أمر يترجح عند القاضي أنه دليل من شأنه إثبات الحق هو طريق من طرق الحكم، ومنها: الإقرار، والشهادة، واليمين إذا عجز المدعي عن البينة، والنكول عن اليمين، والقسامة، والعرف، والقرائن.

أما قاعدة الإثبات المقيد فمقتضاها أن الشرع ألزم القاضي بالتقيد بأدلة معيَّنة في بعض الجرائم لا يجوز له أن يقضي على خلافها إذا استوفت شرائطها، ولا يجوز له العدول إلى غيرها، وهذا كما في حد الزنا.

أما التقنين الوضعي فالقاعدة العامة في الإثبات الجنائي فيه: أن القاضي يتمتع بحرية كاملة في تكوين عقيدته دون قيود عليه في الاقتناع بأي دليل يُعرض عليه في الدعوى، اللهم إلا بشأن جريمة شريك الزوجة الزانية؛ حيث حدد طرق إثبات جريمته على سبيل الحصر، وهو استثناء غريب لا علة حقيقية له في الواقع، بخلاف الشريعة الإسلامية التي على الرغم من اعتمادها في منهج الإثبات الجنائي على التيسير على القضاة للوصول لما يروونه الحق في أحكامهم بتنويع الدليل، إلا أنها أوردت قيوداً على القضاة بخصوص إثبات بعض الجرائم بالنظر لخطورتها وأهميتها وشدة تأثيرها.

سادساً: تكفل الشريعة الإسلامية تطبيق (مبدأ إقليمية القانون) الذي تُنادي به الأنظمة القانونية الوضعية؛ وهو يعني: أن تطبق أحكام الشريعة على المواطنين المقيمين في إقليم الدولة الإسلامية؛ سواء كانوا مسلمين أو ذميين أو مستأمَنين.

ويتسع (مبدأ الإقليمية) بشأن الجرائم الحدية ليشمل ما يرتكبه المسلم من جرائم في أي بلد إذا ثبتت عليه بالأدلة الشرعية، وهو ما يكفُل إلزام المواطنين بالسلوك القويم في الخارج وَفْقاً لما يمليه عليهم دينهم وأخلاقهم.

بل ومن خصائص (مبدأ الإقليمية) في الشريعة: أنه لا ينتقص من سيادة الدولة أو حقوق شعبها؛ حيث لا يُتقيد به إذا قامت المصلحة المؤكدة على ضرورة ملاحقة مرتكب أي جريمة من الجرائم الخطيرة حتى ولو ارتكب جريمته خارج إقليم الدولة؛ سواء لمساسها بكيان البلاد أو مصالحها الجوهرية، وهنا تبرز مرونة التشريع الإسلامي وأفضليته على القوانين الوضعية الجامدة التي تصطدم في كثير من الأحيان بالمصالح الجوهرية للبلاد، وتمس بكيانها وسيادتها، وتخل بالأمن العام للمواطنين.

إن تطبيق الحدود في الجملة على غير المسلمين يجد علته -كما سبق القول- في أنها من دعائم النظام العام في المجتمع الإسلامي التي تهدف إلى الارتقاء بالمجتمع بكل مواطنيه ورعايتهم جميعاً باعتبارهم يتعايشون في مجتمع واحد.

سابعاً: (مبدأ عدم رجعية القانون) في الشريعة له خصائص تميزه عن غيره؛ حيث يعني في التشريعات الوضعية: أن النصوص القانونية لا تسري إلا من وقت سنها، ولا تطبق إلا على الوقائع التالية على ذلك. أما في الشريعة فهذا المبدأ محدود بالجرائم التعزيرية التي يرى ولي الأمر فرضها إصلاحاً للناس والمجتمع، ولا يشمل الجرائم الحدية.

ثامناً: لا تقف أغراض العقوبة في التشريع الإسلامي عند حد الردع الخاص للجاني المتمثل في زجره وتقويمه، والردع العام للغير المتمثل في زجر أي فرد من المجتمع تسوِّل له نفسه اقتراف جرمه، بل تتعدَّى هذين الغرضين من حيث كونها كفارة للمُعاقَب وطهرة تُزيل عنه المؤاخذة بذنب الجرم الذي ارتكبه، وهو ما تنفرد به الشريعة دون غيرها من التقنينات الوضعية؛ إذ لا سبيل لهذه التقنينات إلى إيجاد عقوبات بديلة للعقوبات الشرعية يمكنها أن تؤدي الغرض المشار إليه؛ وما ذاك إلا لأن العقوبات الشرعية شريعة الله تبارك وتعالى وأما القوانين الوضعية فهي من وضع البشر.

تاسعاً: تكفُل العقوبات الشرعية تحقيق العدل بين الجاني والمجني عليه، لا سيما في جرائم القصاص؛ حيث تقوم على أساس (الجزاء من جنس العمل)، ولا شك أن ذلك يؤدي إلى شفاء صدر المجني عليه، وشعوره بحصوله على حقه كاملاً، فيمنعه ذلك من الثأر والانتقام، بخلاف العقوبات الوضعية التي تبخس حق المجني عليه في القصاص من الجاني، وهو ما يخلق في حد ذاته دافعاً جديداً للإجرام؛ هو الثأر والانتقام المتولد عن الضغينة التي يحملها الجاني للمجني عليه.

عاشراً: التشريع الجنائي الإسلامي يأخذ بمبدأ تفريد العقاب فيفرق في العقوبة من حيث النوع والقدر بحسب جسامة الجرم المرتكَب وخطورة المجرم، وهو ما يكفُل للعقوبة تحقيق أغراضها العامة (الردع العام) والخاصة (الزجر والتقويم).

ففي أغلب التشريعات الوضعية عقوبة السجن أو الحبس هي العقوبة العامة التي تُظِل معظم المجرمين، وهي في حد ذاتها لم تحقق الردع العام أو الخاص في أرقى دول العالم وأشدها تحضُّراً، بل معدل ارتكاب الجريمة في هذه الدول في ازدياد مستمر حسب ما تثبته الإحصائيات الرسمية فيها، بخلاف الشريعة الإسلامية التي تُطبق إلى جانب السجن أو الحبس عقوبات أخرى أكثر ردعاً كالرجم للزاني المحصن، والقطع في حدَّي (السرقة والحرابة)، والجلد في حدود الزنا والقذف وشرب الخمر[1].

فهذه الجرائم لما كانت المفسدة فيها عظيمة ثابتة لا تتبدل مهما اختلف الزمان والمكان، استلزم ذلك أن تكون العقوبات عليها مؤلمة لتحقِّق الزجر والردع والتأديب للشريرين والمفسدين.

ولما كانت المفسدة في هذه الجرائم متنوعة بحسب الحق المعتدى عليه من كليات الدين الخمسة (الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال)، فقد استلزم ذلك أيضاً أن تكون العقوبة متنوعة ومناسبة لكل جرم. يقول العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله: “فلما تفاوتت مراتب الجنايات، لم يكن بدٌّ من تفاوت مراتب العقوبات، وكان من المعلوم أن الناس لو وُكِلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك، وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية (جنساً ووصفاً وقدراً) لذهبت بهم الآراء كل مذهب، وتشعبت بهم الطرق كل مَشْعَب، ولعظم الاختلاف واشتد الخطب، فكفاهم أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين مؤنة ذلك، وأزال عنهم كلفته، وتولَّى بحكمته وعلمه ورحمته تقديره (نوعاً وقدراً)، ورتَّب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة، ويليق بها من النكال” (إعلام الموقعين: [2/115]).

هذه بعض ملامح السياسة الجنائية والعقابية في الشريعة الإسلامية، وهي غيض من فيض، وقطرة من سيح وقليل من كثير؛ وإلا فإن محاسن الشريعة في هذا المجال تتسع له المجلدات لا هذه الصفحات.

لقد بات الرجوع إلى التشريع الإسلامي ضرورة قصوى حتى لا تكون ثمة فجوة بين طبيعة واقع المسلمين الاجتماعي وبين القوانين التي تحكمهم؛ فلا ريب أن القانون ينبغي أن يعكس بصدق أحوال المجتمع المادية والفكرية وأن يحقق متطلباته وآماله.

وإذا كانت التشريعات الوضعية قد أصَّلت لمناهجها وَفْقاً للقواعد والنظريات التي درج شُرَّاح القوانين على إدراجها في القسم العام منها، فإن الفقه الإسلامي أيضاً قد سبق إلى كثيرٍ من هذه النظريات والقواعد على أساس أحكام القرآن الكريم أو السُّنة المطهرة أو الاجتهاد الفقهي؛ سواء من حيث نطاق التشريع وتطبيقه من حيث الزمان والمكان، وكذلك أركان الجرائم، وإثباتها وشروط المسؤولية الجنائية، والاشتراك في الجريمة، وأسباب الإباحة وتنفيذ العقوبات، وأسباب وَقْفِها، بما يُعد في الحقيقة سبقاً علمياً لعلماء المسلمين منذ قرون في مجال التشريعين (الجنائي والعقابي)، والحقُ أنه لا مجال للمقارنة بحال من الأحوال بين ما شرَّعَ الله العليم الحكيم، وما قنن البشر القاصرة عقولهم، المحدودة فهومهم المشوبة بتسلط الهوى والشهوة، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50].

هذا والحمد لله، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
_____

[1]- (تُعد عقوبة الجلد بصفة خاصة من أكثر العقوبات ردعاً للمجرمين، وهي ذات حدين فيمكن أن يُعاقب بها كل مجرم بالقدر الذي يلائم جريمته ويتفق مع شخصيته في آن واحد، وتمتاز هذه العقوبة أيضاً بأنها تنفذ في الحال فلا تُثقل كاهل الدولة ولا تعطل المحكوم عليه عن عمله، ولا تُعرِّض المحكوم عليه لخطر السجن ومخالطة الأشرار، ولا تمس آثارها سوى المحكوم عليه ممن يعولهم أو يلتزم نحوهم بالتزام شرعي؛ ولهذا كانت أكثر العقوبات التي استخدمها الولاة والقضاة قديماً في ردع المجرمين في جرائم التعازير).

ثــغـرات فـي الـطـريـق

كاتب الموضوع الأصلي: صالح سعد

الخميس 00 ربيع الثانى 1433 هـ – 23 فبراير 2012 – 02:06 مساء
د. عبد الله فهد النفيسي

لا بد قبل البحث في التكتيك الإسلامي المقابل للحركات اللادينية، من حسم بعض القضايا الجوهرية داخل الحظيرة الإسلامية ذاتها، وضمن أطر العمل الإسلامي نفسه.
إذ ينبغي الإعتراف بأن ثمّة ثغرات حطيرة للغاية ضمن العمل الإسلامي لابد من تناولها بالمناقشة الموجزة، وفي تصوّري أن هذه الثغرات ستؤثر كثيرا – وسلباً – على مستقبل العمل الإسلامي في كل بلاد العالم وسيكون تأثيرها جوهرياً.
أولى هذه الثغرات، هي غياب “النظرية المتكاملة” في السياسة والإقتصاد والإجتماع وباقي مجالات الحياة، فلقد أهمل العمل الإسلامي خلال الأجيال الغابرة شيئاً مهماً للغاية في عصرنا الحاضر، وهو “التأصيل” النظري للعقائد والشرائع والإجتهادات.
ولقد كان الخطاب الإسلامي – أعني جلّه – خلال الخمسين سنة السالفة يتناول نظام القيم، لكن ما نحتاجة الآن – وبشكل ملحّ – هو تحديد نظام للمفاهيم، ونحن نشدد بأنه بدون تحديد علمي وموضوعي للمفاهيم لا يمكن بلورة “النظرية المتكاملة” المطلوبة اليوم بإلحاح في ساحة العمل الإسلامي.
والإسلام – بالأساس- ليس مذهباً فلسفياً، أو تياراً ثقافياً، إنما هو حركة إجتماعية تستهدف التغيير الإجتماعي نحو الأفضل والأمثل في كل مجالات الحياة، بمعنى آخر، أن للإسلام وظيفة إجتماعية كبيرة، ولذا كان لابد من “أيديولوجيا إسلامية” أي نظرية إسلامية متكاملة تضع مواصفات التغيير الإجتماعي المطلوب على كافة الصعد، أي تفاصيل وحيثيات المشروع الإسلامي في التحول الإجتماعي.
إذن، ينبغي فرز فريق عمل من الكفاءات الإسلامية التي تزخر بها إطارات العمل الإسلامي للقيام بصياغة “أيديولوجيا إسلامية” تسهم في توضيح الرؤية الإسلامية المنهجية، إذ إن كثيراً ما يؤدي ضباب الرؤية إلى هدر في الأرواح والدماء، والمشتغلون في العمل الإسلامي يدركون طقوس السريّة في كلامي.
ثاني هذه الثغرات هو غياب ظاهرة الحوار ضمن إطارات العمل الإسلامي ومع من هم خارجه، فالحوار وسيلة فعالة لحل كثير من المشاكل التي قد تبدو مستعصية ومنها مشكلة “الأيديولوجيا الإسلامية”ـ.
فالحديث المتكرر عن ضرورة الشورى والتشاور، والكتب العديدة التي وضعت عن الحرية الفكرية في الإسلام، لا تجد لها صدى ما لم يتمكن العاملون في مجال الدعوة الإسلامية من تأسيس ظاهرة الحوار في منهجية العمل الإسلامي نفسه، في علاقته الداخلية وفي قلم إتصاله بالخارج الفكري والتنظيمي.
لقد أدركت كل الحركات العالمية – بشتى راياتها ومسمياتها – أهمية الحوار، ولذا فقد دأبت على عقد المؤتمرات له بغية تحقيق الحد الأدنى من التكامل التصوري ( النظري والعملي) بينها، ومن يتابع هذه المؤتمرات وما تمخض عنها لا يعوزة الذكاء لإدراك أهمية الحواركظاهرة سياسية بل إنسانية عامة.
ثالث هذه الثغرات هو غياب ظاهرة النقد الذاتي والتقييم الموضوعي والعملي للأداء الإسلامي في كافة المجالات، ورغم مرور ما لا يقلّ عن ستين سنة من عمر الحركة الإسلامية المعاصرة، فلا نجد في المكتبة الإسلامية كتاباً واحداً صادراً من داخل أطر العمل الإسلامي نفسه يتناول هذا الموضوع بالنقد والتقييم الموضوعيين العلميين، بل أزيد فأقول: بأن ثمة دوائر وحركات سياسية علمانية ولا دينية قد وظفت جهوداً كبيرة في هذا المجال أكثر بكثير مما وظفه الإسلاميون أنفسهم.
هذا الغياب البارز للنقد الذاتي والتقييم الموضوعي للأداء الإسلامي أدى لنزعة التعلق بالأشخاص أكثر من الأفكار، وأدى أيضاً إلى نزعة الغلو في الدين وهي نزعة لا تزدهر إلا عندما يغيب الوعي بالتاريخ والفكر ومشكلات الواقع المعاش، وهي نزعة ليست من الدين في شيئ.
وفي تصوري، أنه لكي يصار إلى بلورة صحيحة للتكتيك الإسلامي المضاد للحركات اللادينية، لابد من التصدي أولاً لهذة الثغرات الخطيرة.

الحركة الإسلامية والقوى الاجتماعية والسياسية

كاتب الموضوع الأصلي: صالح سعد

الجمعة 01 ربيع الثانى 1433 هـ – 24 فبراير 2012 – 05:14 مساء
د. عبد الله فهد النفيسي

حاجة الحركة الإسلامية لعلاقات سياسية متوازنة مع القوى الاجتماعية والسياسية …
التربية الحزبية مقابل التربية الاجتماعية : من الملاحظ أن مناهج التكوين الأيديولوجي والتربوي في معظم “تنظيمات” الحركة الإسلامية لا تعني بالتربية الاجتماعية قدر عنايتها بالتربية الحزبية. نقصد أن المناهج التربوية في معظم “تنظيمات” الحركة الإسلامية ترتكز على تربية وتنشئة “العنصر الحزبي” المنتمي والمطيع والمنفذ والموالي ولاءً مطلقاً لقيادته الحزبية والحركية، ولا تهتم في مقابل ذلك بتنشئة ذات “العنصر” على التواصل الاجتماعي والفكري والنفسي والثقافي مع المحيط الحركي الذي يمثله المجتمع الأوسع. لذا نجد أن مخرجات العمليات التربوية الحاصلة في “تنظيمات” الحركة غير متوازنة. فمن جانب نجد تطوراً إيجابياً في “العنصر” من حيث تكوينه الحزبي وقدرته على التنفيذ والوفاء بالتكاليف الحركية، ومن جهة أخرى يلاحظ عليه زمرة من التطورات السلبية التي تحتاج بدورها لمعالجة عبر مناهج جديدة.
من أهم تلك التطورات السلبية في “المنتمي الإسلامي” الجديد أنه يتحول إلى حالة من “الانتظار الدائم” للأوامر والتعليمات ويفقد كل قدرة على المبادأة والمبادرة على أي مستوى من المستويات حتى على مستوى تكوين رأيه في القضايا التي يشاهد ظواهرها يومياً.
هذه الثغرة في المنهاج التربوي يتضرر منها “التنظيم” الإسلامي كما يتضرر منها الإسلام من حيث هو دعوة ودين وحركة اجتماعية، أما الضرر الذي يظهر “تنظيمياً” فيتلخص ـ مع استمرار تلك السياسة التربوية ـ بتكاثر “المنفذين واللائحيين” وضمور في عدد “المبدعين والخلاقين” ومع الوقت يتحول “التنظيم” إلى آلة صماء كبيرة ضخمة متفرعة ثقيلة ذات أطراف قوية “الكاتربيلر” من الممكن أن يتحكم في توجيهها إنسان متواضع الأهلية والثقافة، إنسان بلا مبادأة ولا كاريزما ولا خيال. ولأن العملية التربوية داخل “التنظيم” تركز على “قيم التنظيم” من طاعة وولاء والتزام وفدائية ونكران للذات، وليس على “قيم المجتمع الأوسع” من حقوق وواجبات وأدوار ومصالح ومطالب، نقول لأن ذلك حاصل ويتحول “التنظيم” إلى غاية في حد ذاته ويصبح التمسك فيه وبه يعاد “المشروع الإسلامي” الذي يبشر به بمعنى يتولد شعور خفي لدى “المنتمي الإسلامي” إن الإسلام لن يعود لسابق مجده إلا من خلال “التنظيم”. من هنا يتم التركيز على نقطة “التنظيم” ومجاله، ومن هنا يصبح ازدهاره وانتشاره وبروزه “القضية الأوجب” بالتقديم على “القضية الاجتماعية العامة”. ومن هنا نجد أن “المنتمي الإسلامي” يتقن موجبات الانتماء التنظيمي وتواءم معها، لكنه من جهة أخرى يتراخى في موجبات انتمائه الاجتماعي الأوسع ويفرط في “دوره العام” غير المرتبط بالتكاليف التنظيمية برغم أن هذا “الدور العام” أكثر أهمية من “الدور الخاص” المربوط بهيئات “التنظيم”. وينشأ عن هذه الثغرة “التربوية” ثغرة أخرى تتعلق بمنظور “المنتمي الإسلامي” للقضايا العامة وحتى على درجة تفاعله معها.
فعلى صعيد “المنظور” نلاحظ العمومية والانطباعية وكسلاً في التتبع الثقافي للقضية العامة وشيئاً من الرومانسية الحالمة المنفكة والمعبأة بالخطاب التاريخي والماضويات المكرورة والمبثوثة بين عموم الناس. وأما “درجة التفاعل” مع القضية العامة فيقررها له “التنظيم”: فالأخير هو الذي يقرر “العام” من “الخاص” و”المهم” و”الأهم” وغير ذلك أيضاً.
وينشأ عن هذا “الفصام” في العملية التربوية، شيء مشابه له على صعيد التعامل مع المحيط الحركي الذي يشكله المجتمع الأوسع. فـ “المنتمي الإسلامي” يتعامل مع المجتمع الأوسع بمنطق “التنظيم”: مزيج من التوظيف السياسي للعلاقة وشيء من الاستعلاء الشعوري والنفسي “لقد مارس المرحوم سيد قطب في المعلم تنظيراً لهذه النقطة”. لذا نجد المنتمي “الإسلامي” يأخذ من المحيط ما يفيد “التنظيم” ويدفع عن “التنظيم” ما يتفاعل في المحيط من نزوعات و”شرور”. في إطار هذا “الحدب” على “التنظيم” تصبح كل قضية أخرى “ثانوية”. ذلك هو جذر المشكلة في موقف “التنظيم” من العلاقات السياسية المتوازنة مع القوى الاجتماعية والسياسية المتباينة.
طبعاً عندما نتحدث عن “المنهاج التربوي” في تنظيمات الحركة الإسلامية وننتقده أو نبين أوجه القصور فيه، لا نقصد بمصطلح “المنهاج التربوي” التعاليم الأخلاقية والمناقب الإسلامية التي أحيتها الحركة الإسلامية في مجتمعنا المعاصر، إطلاقاً لا نقصد ذلك، بل نحن نحيي الدور الريادي الذي قامت به الحركة في هذا المجال. ما نقصده بـ “المنهاج التربوي” هو ما يصب في النهاية في مجال “التكوين الأيديولوجي” وتشكيل المنظورات الاجتماعية والسياسية للأفراد، أكثر من المناقبيات الفردية والأخلاقيات الخاصة بهم. ومن تفريعات هذا التكوين الأيديولوجي القاصر نلاحظ أنه يفرز لدى “المنتمي الإسلامي” العقلية المباشرة، فهو لا يهتم ولا يدرك إلا “المباشر” ولذا نجده لا يتفاعل مع القضية العامة إلا ما كان له صلة “لصيقة و مباشرة” بفضاءات المناشط التي يمارسها “التنظيم”. ومن هنا نلاحظ أيضاً ضعف التمييز ـ لدى التنظيمات الإسلامية ـ في فرز المباشر من غير المباشر، القصد بين ما يؤثر عليها مباشرة وما قد يؤثر عليها أكثر ولكن بطريق غير مباشر. وتوظيفاً لهذا الثغرة نشط خصوم الحركة الفعليون في توفير “الإشباع المباشر” لها، والتركيز في محاربتها وتطويقها على الدروب والآليات “غير المباشرة” فـ “الإشباع المباشر” للحركة يتحقق من خلال توفير فرص “التعبير الديني” الصاخب والمكثف في الصحف والإذاعات ومحطات التلفاز والمناسبات الدينية والوطنية، وفي الوقت نفسه ويتوازى مع هذا جهود مكثفة “في الظل” للحؤول دون تمكين “منهج الدين” من اتخاذ القرار وتنظيم المؤسسات والوزارات والهيئات والعلاقات الدولية والعسكرية وغير ذلك من المناشط المفصلية.
ومن الملاحظ أن قابليات “التنظيمات الإسلامية” للغرق في عمليات الإشباع المباشر كبيرة للغاية، ولذا بات من السهل استرضاؤها وتوظيفها سياسياً في “حروب الوكالة” وهي ـ في السياسة ـ “حروب وهمية” يخوضها الحزب ضد الحزب الآخر لخدمة “طرف ثالث” يتحكم في تفاصيل الصراع “بالريموت كونترول”. جذر كل هذا واحد: التركيز على التربية الحزبية الواحدية “البيوريتانية” (أي التطهرية) وإهمال التربية الاجتماعية ذات الجهات الأربع التي تعي الكليات “جشتالت” ولا تقف عند حد الفهم الجزئي. وحل هذا واحد: تصحيح فهومات التربية الحزبية في “التنظيم الإسلامي” والتركيز على فنون التربية الاجتماعية التي تستهدف خروج الجنين الإسلامي من القشرة لا النمو الحلزوني داخل القشرة.

هل تجرب الولايات المتحدة سياسات جديدة في الشرق الاوسط ..؟

كاتب الموضوع الأصلي: صالح الشهراني20

للذين يدركون طبيعة العلاقات السياسية بين الدول فإنه نظريا يصعب على دولة مثل الولايات المتحدة الامريكية ان تعطي الضوء الاخضر للدخول في مراجعات دبلوماسية لعلاقاتها في الشرق الاوسط وخاصة مع الدول الرئيسية والحليفة لها، وهذا ما انتجته التصريحات المهمة لمسؤولين امريكان حول علاقة امريكا مع المنطقة بأكملها ولكن عمليا يمكن ان تفقد شيئا من مكانتها في المنطقة.

لعلي استشهد هنا بمقولة للرئيس اوباما نفسه حول منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا وذلك في كلمة القاها الرئيس في وزارة الخارجية الامريكية بعد ستة اشهر من بداية الثورات العربية حيث قال حرفيا “ان هذه الدول التي قامت فيها الثورات قد تكون بعيدة عنا جغرافياً لكننا نعلم من خلال حقائق ان مستقبلنا يرتبط بهذه المناطق من حيث النواحي الاقتصادية والامن والتاريخ والاديان” بشكل مباشر اوباما يرى ان مستقبل امريكا مرتبط بمستقبل الشرق الاوسط وهذه حقيقة تاريخية ولكن كيف يمكن تفسير هذا الارتباك الذي تبديه امريكا حيال الشرق الاوسط وفقدانها خارطة المنطقة السياسية وخاصة بعد انطلاق الثورة في سورية..؟

تاريخيا الولايات المتحدة الامريكية تشكلت قوتها السياسية والاقتصادية عالميا عبر الشرق الاوسط وصعود هذه الدولة عبر تاريخها وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية مر فقط عبر بوابات الشرق الاوسط ودوله فلن ينسى التاريخ تلك المرحلة التي صعد بها نجم امريكا في المنطقة اثناء حربها الباردة مع غريمها التاريخي الاتحاد السوفياتي.

لذلك فإن القراءة الصحيحة لعلاقة الولايات المتحدة الامريكية بالشرق هي علاقة بقاء واستمرار لهذه القوة الدولية واي خسارة ثقافية وسياسية او تجاهل لهذه المنطقة او أي دولة فيها بما في ذلك اسرائيل الحليف الاخر مع امريكا سيعرض هذه القوة الامريكية للخطر، فمنطقة الشرق الاوسط هي الجدار الذي يجب ان تقفزه أي قوة دولية ترغب في ازاحة امريكا من المنطقة وقد يكون هذا ما تحاول روسيا فعله اليوم.

سؤال مهم يمكن طرحه ايضا: هل تغامر الولايات المتحدة بتاريخها وعمقها الاستراتيجي في المنطقة بسبب سياساتها الجديدة والتي تتبنى ردود الفعل السريع والمباشر

امريكا كدولة كبرى لم تكن تلجأ الى هذا الاسلوب السياسي التهديدي المفرّغ والذي يمكن ان تتخذه دولة ليس لديها قوة او حلول سياسية كبرى.

سؤال آخر وبدون علامة استفهام لأنه سؤال ليس له حدود: لماذا تبدو الولايات المتحدة بهذه الصورة السياسية التي جعلت منها دولة لا يمكن تفسير مساراتها السياسية وخاصة ان العالم مؤمن سياسيا ان استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية، ومسار مصالحها في العالم لا يمكن ان يتغيرا مهما كانت السياسة التي يتخذها أي رئيس امريكي في البيت الابيض.

على سبيل المثال سياسة الرئيس اوباما تجاه الاخوان المسلمين لم تكن صحيحة وبشهادة الرئيس اوباما نفسه الذي انتقد الرئيس مرسي في فهمه للديمقراطية وانها مشاركة وليست استحواذا للسلطة اضف الى ذلك ان المصالح الامريكية لم تكن تقرأ تلك الصورة الايديولوجية للصراع بين مذاهب اسلامية كبرى السنة والشيعة بل إن ما تفعله امريكا في سورية يفتح الأفق الاوسع لصراع مذهبي دموي بين ابناء الدين الواحد على حساب تصرفات سياسية غير مفهومة بشكل واضح.

امريكا اليوم وخاصة في سياستها مع إيران تقع في ثلاثة احتمالات رئيسة، الاحتمال الاول: ان يكون الرئيس اوباما يمارس ردة فعل على ما جرى في مصر من عودة الشرعية لصالح الشعب ورغبة المصريين في انهاء حكم الاخوان الذي فشل في تحقيق المطالب الشعبية لمصر والمطالب الأمريكية في تحقيق الديمقراطية والحرية والعدالة.

الاحتمال الثاني: مرتبط بسؤالي في بداية هذه المقالة حول تجربة امريكا لسياسة جديدة في الشرق الاوسط وذلك من خلال اثارة التقارب مع إيران التي تسعى وبدون توقف لحيازة سلاح نووي والمسار الخاطئ الذي ترتكبه امريكا هو اعتقادها بقدرتها على ثني إيران لكي تتنازل عن برنامجها النووي بالطرق الدبلوماسية بعدما ضحت بالكثير من اجله.

الاحتمال الثالث: يقع في منطقة ضبابية فالكل يريد ان يفهم سياسيا ماذا تريد الولايات المتحدة الامريكية ان تفعله وماذا تريد ان تحققه لان مستوى التناقضات في السياسة الامريكية في منطقة الشرق الاوسط حققت معادلات عالية خلال الثلاث سنوات الماضية وخاصة فكرة المصالحة مع إيران التي عاشت أكثر من ثلاثين سنة في عداء كبير مع الولايات المتحدة.

العالم العربي في الشرق الاوسط وخصوصا في المملكة العربية السعودية الحليف والصديق الاقدم يشعرون بأن مهمتهم السياسية تتطلب الاستناد الى اشارات سياسية وتساؤلات جوهريه لتفسير الكثير من الاتجاهات الدبلوماسية الامريكية وخصوصا ما يجري في سورية التي استطاعت روسيا ان تلقن الدبلوماسية الامريكية فيها درسا تاريخيا في كيفية اعادة اتجاهات البوصلة السياسية خلال زمن سياسي قصير.

سؤال أخير حول الرسالة التي ترغب دولة مثل المملكة العربية السعودية ان تقولها للعالم ولأمريكا بشكل خاص..

في اعتقادي وعبر إلماحة سريعة لهذا الموقف الجريء وغير المسبوق فيبدو أن السعودية تستبق التصرف الامريكي غير المفسر دبلوماسيا والذي يخترق تاريخ السياسة الأمريكية بشكل انعكاسي فكما يبدو ان السياسة الامريكية ولأول مرة في تاريخها تسبح بعكس اتجاه مصالحها.

الولايات المتحدة الامريكية يجب عليها ان لا تنتظر مزيدا من الرفض لسياستها في منطقة الشرق الاوسط وخاصة اتسامها بعدم الثبات وافتقادها الرؤية الواضحة لأنها بذلك سوف تسمح لانتشار ثقافة سياسية وفكرية ضدها يقودها مثقفون ومؤدلجون ومتشددون بما في ذلك تيارات عقدية في إيران فالمذهب السياسي لدى ايران قام على فكرة العداء لأمريكا بل هو ركيزة للثورة الايرانية ولذلك لن تزول هذه الثقافة ولكنها قد تؤجل من جانب ايران الى ان تحصل على ما تريد.

إيران ليست بالدولة التي يمكن ان تقف مطالبها عند حد معين فبعد السلاح النووي سوف تذهب إيران الى ما هو ابعد من ذلك في تهديد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية نفسها واذا استمرت القراءة غير الدقيقة لحالة المنطقة سياسيا من جانب امريكا فقد يتسبب ذلك مستقبلا في حرب في الشرق الاوسط يقودها حلفاء امريكا في المنطقة ضد ايران ، ويبقى السؤال الاخير كيف ستتصرف امريكا في ذلك الوقت وخاصة ان شعوب منطقة الشرق الاوسط يدركون أن مطامع ايران ليست سياسية فقط بل ايديولوجية وهذا ما لا يفهمه فريق الرئيس أوباما في البيت الابيض..

مصادر السياسة الشرعية

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العبداللطيف336

السياسة الشرعية عبارة مكونة من لفظ منعوت بصفة فهي سياسة مقيدة بكونها شرعية، وهذا يعني أن مصادرها هي المصادر التي تؤخذ منها الأحكام الشرعية.

ومصادرها نوعان:

1- مصادر نصية: وهي الكتاب والسنة والإجماع، وقول الصحابي وشرع من قبلنا.

2- ومصادر اجتهادية وهي مصادر تعتمد على المصادر النصية يجمعها كلها لفظ الاجتهاد: كالقياس والمصلحة والاستحسان وسد الذرائع ومقاصد الشريعة على الاختلاف الوارد بين أهل العلم في المصادر الاجتهادية، والمصادر الاجتهادية ليست كلها على وزان واحد في إفادتها للأحكام المتعلقة بالسياسة الشرعية.

والمراد بالكتاب القرآن الكريم وهو أشهر وأعرف من أن يحد بتعريف، فالقرآن كلام الله تعالى الموحى به إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام والمدون بين دفتي المصحف، وإفادته لأحكام السياسة الشرعية يأتي على وجهين:

– أحكام منطوقة مباشرة.
– أحكام تدرك بالاجتهاد.

والفرق بين الأمرين أن الأولى ينص عليها نصاً والثانية تُدرَك بالاجتهاد، ويترتب على ذلك أن الأولى لا اختلاف فيها بين أهل العلم بينما الثانية فتحتمل ما تحتمله الموضوعات الاجتهادية بين أهل العلم من الاتفاق أو الاختلاف.

مما ورد في القرآن من النوع الأول ما جاء من قصة الخضر مع موسى عليهما السلام حيث قام الخضر بخرق السفينة التي ركبها مع موسى عليهما السلام مما قد يعرض ركابها للخطر ولم يكن قد ظهر من مالكي السفينة شيئًا يستحقون به هذه المعاملة مما دفع موسى عليه السلام لإنكار ذلك الفعل، وقام الخضر بقتل الغلام من غير أن يظهر منه ما يستوجب قتله مما دعا موسى عليه السلام لإنكار ذلك، كما قام الخضر بإقامة الجدار الذي وهى وكان عرضة للسقوط في قرية رفض أهلها أن يضيفوهما، وقد كانت هذه التصرفات جميعها قبل معرفة أسبابها تصرفات غير مقبولة بل منكرة وهو ما دفع موسى عليه السلام للاعتراض على الخضر عليه السلام والإنكار عليه، رغم أنّ الله تعالى كان قد أخبره أن الخضر على علم لا يعلمه موسى عليه السلام لكن مخالفة ظاهر هذه التصرفات لما هو معلوم من الشريعة دفعت موسى عليه السلام إلى المبادرة بالإنكار، وقد بيّن القرآن بعد ذلك السبب في كل تلك التصرفات مما تبين منه حكمة هذه التصرفات وكيف أنها واجهت حالات بما هو أنسب لها وأصلح، وهذه التصرفات مما ينطبق عليها تعريف السياسة الشرعية وهي سياسة إلهية لأن الخضر لم يفعلها من تلقاء نفسه وإنما فعلها بأمر الله تعالى له فقد قال لموسى بعدما بين له حكمة تلك التصرفات: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف من الآية:82].

قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسير ذلك: “وما فعلت يا موسى جميع الذي رأيتني فعلته عن رأيي، ومن تلقاء نفسي، وإنما فعلته عن أمر الله إياي به” (تفسير الطبري [18/91]).

ومما يُعدّ من السياسة الشرعية الواردة في القرآن بالطريق المباشر ما فعله يوسف عليه السلام من التصرّف الذي تمكن به من أخذ أخيه من إخوته حيث لم يكن يمكنه أخذ أخيه في دين الملك في وقته، وقد بيّن الله تعالى أن تلك الطريقة التي اتبعها يوسف كانت مما أرشده الله إليها وذلك في قوله تعالى: {كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} [يوسف من الآية:76]، فهي بذلك من السياسة الإلهية.

ومن أمثلة ما جاء من باب الاجتهاد في الكتاب مما يدل على أحكام السياسة الشرعية بيان شروط من يتولى أمر المسلمين فعلى سبيل المثال لا الحصر ما ورد مما يستدل به من اشتراط العلم وسلامة البدن والحواس لمتولي أمر الولاية مع عدم اشتراط امتلاكه لنصاب مالي معين قوله تعالى في قصة ولاية طالوت على بني إسرائيل فعندما: {وقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} [البقرة من الآية:247]، تعجبوا من ذلك وأنكروه لأنه لم يؤت سعة من المال، وكانوا يظنون أن الملك يتطلب أن يكون الملك حائزاً لمقدرة مالية معينة، فقالوا: {أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} [البقرة من الآية:247]، فبين الله لهم تعالى أن المقدرة المالية ليست شرطًا في استحقاق ولاية الأمر ودلّهم على الشروط الحقيقية التي ينبغي وجودها فقال: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البقرة من الآية:247]؛ أي أن المؤهلات الحقيقية للولاية لا تكمن في المقدرة المالية، وإنما تكمن في سعة العلم التي تمكنه من فهم الأمور على وجهها الصحيح، وسلامة البدن والحواس التي يتمكن بهما من تحقيق مقصود الولاية على وجه لا يشوبه خلل.

والمراد بالسنة ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير بشرط أن يصل إلينا من طريق تقوم به الحجة وهو أن يكون الحديث صحيحًا أو حسنًا حسبما بيَّن علماء الحديث ذلك.

ودلالتها إما دلالة مباشرة وإما دلالة بالاجتهاد، فمن الأحاديث التي تبين بعض أحكام السياسة الشرعية بالدلالة المباشرة وهو عدم تولية من يطلب الإمارة ما رواه أبو موسى الأشعري، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي، فقال أحد الرجلين: “يا رسول الله، أمِّرنا على بعض ما ولّاك الله عز وجل”، وقال الآخر: “مثل ذلك”، فقال: «إنَّا والله لا نُولِّي على هذا العمل أحداً سأله، ولا أحداً حرص عليه» (أخرجه مسلم في صحيحه برقم: [1456]، والبخاري في صحيحه برقم: [7149]).

وهذا من الأحكام السياسية المباشرة ومن ثم يحق لنا أن نقول عنه أنه سياسة نبوية، ومن ذلك الرحمة بالرعية وتأجيل ما يمكن تأجيله من الأمور المشروعة تجنبًا لنفرة قلوبهم يبين ذلك ما ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: «لولا قومك حديثٌ عهدهم بكفر لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون» (أخرجه البخاري، كتاب العلم، رقم: [1123]، ومسلم، كتاب الحج، رقم: [3371])؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم نظر في مآل هذا التصرف الصحيح المطلوب، فوجد أن العرب قد ينفرون من ذلك لحداثة عهدهم بالكفر، فكفه هذا المآل عن ذلك التصرف الذي لم يكن فعله واجباً على الفور، ولذلك ترجم عليه البخاري بقوله: “باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه” قال ابن حجر: “وفيه اجتناب ولي الأمر ما يتسرع الناس إلى إنكاره، وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا” (فتح الباري، [3/448]).

ومن الأحكام الاجتهادية في السياسة الشرعية التي دلّت عليها السنة النبوية مسألة استخلاف الإمام لشخص صالح للإمارة يكون بديلاً عنه متى ما شغر منصب الإمامة وذلك بيَّن واضح في تولية أبي بكر رضي الله تعالى عنه الولاية بعد وفاة رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في الروايات المروية في الصحاح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد همَّ بكتابة كتاب حمله كثير من أهل العلم على أنه لأبي بكر بالخلافة من بعده ثم تراجع عن ذلك وعلّل ذلك بقوله: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر».

قال البيهقي: “وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم، قيل: إن النبي عليه الصلاة والسلام، أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر رضي الله عنه، ثم ترك ذلك اعتماداً على ما علمه من تقدير الله تعالى”، فهَمُّ الرسول صلى الله عليه وسلم بفعل ذلك دليل على صحته وجوازه لأنه لا يهم إلا بالحق، وتركه لكتابة ذلك لعلمه أن عدم الكتابة لا يترتب عليه شر دل على أن الكتابة والعهد لمن يأتي بعده تابع لمصلحة الأمة من وراء العهد أو تركه.

والمراد بالإجماع اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على نسبة أمر من الأمور للشريعة، ومن أمثلة ذلك اتفاق الصحابة رضي الله تعالى عنهم -وهو أعلى أنواع الإجماع- على أن ولاية الأمر لا تكون بالغصب ولا بالقهر كما لا تكون بالنص الشرعي على اسم ولي الأمر، وإنما تكون عن طريق الشورى بين المسلمين، وهذا ما دعا عمر رضي الله تعالى عنه في آخر خطبة له عندما أحس بدنو أجله إلى أن يقول: من بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا، أي من بايع امرأ من غير مشورة من المسلمين، فإنه لا بيعة له، ولا للذي بايعه تغرة أن يقتلا أي محذِّراً لهما من القتل بتجاوزهما لحق جماعة المسلمين واعتدائهما على حقهم في الاختيار.

ومن أهم المصادر الاجتهادية في التوصل إلى أحكام السياسة الشرعية مراعاة المصلحة بحيث تُحصل المصلحة وتُدرأ المفسدة، وإذا تعارضت مصلحتان بحيث لم يمكن تحصيلهما معاً، قدم تحصيل أعلى المصلحتين ولو أدى ذلك إلى تفويت أدناهما، وإذا تعارضت مفسدتان بحيث لم يمكن درأهما معا، فإن المفسدة الكبرى تدرأ ولو أدى ذلك للوقوع في المفسدة الصغرى، ومن أمثلة ذلك: ما يفتي به علماء أهل السنة والجماعة من ترك الخروج على أئمة الجور، ففي هذه الحالة مفسدتان:

1- مفسدة الجور والظلم الذي يقع من الوالي الظالم.

2- مفسدة الخروج وما يترتب عليها من القتال وتهديد وحدة الجماعة.

ولا شك أن المفسدة الثانية أشد فاحتملت المفسدة الأولى الأقل ضرراً من أجل ألا تقع المفسدة الثانية الأشد، وبهذا المقياس أجمع أهل العلم على وجوب الخروج على الحاكم لو ارتدّ عن الإسلام لأن مفسدة ردة الحاكم أشد من أي مفسدة قال ابن حجر في حالة ردة الحاكم عن الإسلام: “ينعزل بالكفر إجماعاً فيجب على كل مسلم القيام في ذلك فمن قوي على ذلك فله الثواب ومن داهن فعليه الإثم ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض”.

ولهذا المصدر أمثلة كثيرة في تقرير أحكام السياسة الشرعية ولعل فيما تقدم ما يكفي لبيان هذا الأمر.