أ.د. أحمد محمد وهبان

نشأة الدولة و دعائم إقامتها عند أبو حامد الغزالي

كاتب الموضوع الأصلي: فهاد آل حشان 3332

نشأة الدولة و دعائم إقامتها عند أبو حامد الغزالي

حاول الغزالي بصفته فيلسوف سياسي و اجتماعي أن يحدد يجب أن تكون عليه المدينة أو الدولة حتى تصبح مثالية تختلف كل الاختلاف عن تصورات أفلاطون و الفاربي , فقد تكلم عن أهمية الصناعة و أصولها و آلاتها و هي أشغال يدوية (حرف و صناعة و أعمال ), فترى الخلف منكين عليها و سب كثرة الأشغال هو أن الإنسان مضطر على ثلاث القوت , الملبس و المسكن . أمل أصول الصناعة و أوائل الأشغال اليدوية فهي خمس : الفلاحة , الرعي , الإقتناص , الحياكة و البناء , و يستعمل الإنسان في ذلك أدوات ة آلات منها التجرة و الحدادة و الخرز ( العامل في جلود الحيوانات )
يرى من جهة أخرى أن حاجة الإنسان إلى الإجتماع و انشاء البلاد يعود لسبين هما : الحاجة للنسل لبقاء جنس الإنسان , و التعاون على تهيئة أسباب العيش لأن الفرد لا يستطيع أن يسد حاجاته المتعددة لوحده , و تأتي هذه الحاجة إلى السياسة و الحرف , و يبدأ بالرياسة في الأسرة حيث يرأس ولاية الزوج على الزوجة و ولاية الأبوين على الأبناء , و هذا المقياس يصلح على البلاد , بحيث متى كان الاجتماع كان التعاون و الخصام و النزاع و بالتالي وجدت الرياسة و الولاية , لأنه لو ترك الأمر هكذا لهلك القوم , ثم الحاجة للخراج لتسديد النفقات و دفع رواتب الجند و غيرها . و بعدها الحاجة إلى الملك و أعوانه لتدبير شؤون الرعية و أمير مطاع يعين لكل عمل شخصي و يختار كل واحد ما يليق به و يراعي النصفة في أخذ الخراج و إعطائه و استعمال الجند و غيرها.
المرحلة الموالية هي نشأة الأسواق و استخدام النقود لتبادل المنافع و الأغراض و الحاجات و ظهور حرفتي اللصوصية و التسول . ثم يقسم الغزالي الناس في الدولة إلى طوائف يتبعون مذاهب مختلفة فالطائفة الأولى طائفة غلب عليها الجهل و الغفلة و الثانية ترى أنه ليس المقصود أن يشقى الناس بالعمل و لا ينعم في الدنيا بل السعادة أن يقضي الإنسان وطرا من شهوة الدنيا . و الثالثة ترى أن السعادة في كثرة المال . و الرابعة ترى السعادة في حسن اللإسم و الثناء و المدح بالتجمل و المروءة . أما الخامسة فترى السعادة في الجاه و الكرامة بين الناس و انقياد الخلق بالتواضع و التوفير . هذه الطوائف الخمس انشغلت بالدنيا و المقابل توجد على النقيض طوائف أخرى حيث أعرضوا عن الدنيا و هي : الطائفة الأولى : التي ضنت أن الدنيا دار بلاء و محنة و الآخرة دار سعادة , فرأو أنه من الصواب الخلاص من محنة الدنيا و الذهاب إلى الدار الآخرة بغير موعد فقتلوا أنفسهم . و الطائفة الثانية : ترى أن السعادة في قطع الشهوة و الغضب و قتل النفس . و الطائفة الثالثة : ترى في أن المقصود من العبادات هو المجاهدة حتى يصل العبد بها إلى معرفة الله , فإذا حصلت المعرفة فقد وصل , و بعد الوصول يستغني عن الوسيلة و الحيلة .
و مما سبق نرى أن الغزالي انطلق من الواقع و من الظواهر التي كانت موجودة أو وجدت في القديم و فسرها و شرحها. و من خلال التقسيم السابق يلاحظ أنه قسم البشر على طوائف ضالة و متطرفة و كانت إما إفراط أو تفريط و هي طوائف لا تقوم على أساس ديني بل خارجة عن مبادئ و قيم السريعة الإسلامية السمحاء و لكن ألا يحق لنا أن نتسائل عن الطائفة البشرية التي تتماشى و الشريعة الإسلامية و تحقق جوهر الإسلام دينا و دنيا ؟
يجي الغزالي بأن الطائفة السالكة لما كان عليه الرسول ـ صلى الله عليه و سلم ـ و أصحابه هي الفرقة أو الطائفة الناجية . و هو أن لا يترك الدنيا بالكلية و لا يهتم بالشهوات الكلية , فنأخذ من الدنيا قدر الزاد و نقمع من الشهوات ما يخرج عن طاعة الشرع و العقل و لا يتبع كل شهوة , بل يجب أن يكون الأمر بين ذلك قوام و ذلك هو العدل و الوسط بين الطرفين و هو أحب الأمور إلى الله تعالى (خير الأمور أوسطها ).

السياسة الخارجية لدول الامارات العربية المتحدة اتجاة ايران

كاتب الموضوع الأصلي: صالح الشهراني20

ان العلاقات والراوابط التي تربط ايران بالدول الخليجية الاخرى هي روابط قديمة تراوحت بين التعاون والصراع وعوامل الشد والجذب ودولة الامارات العربية المتحدة هي احدى الدول الخلجيه التي تميزت علاقاتها بجمهورية ايران خاصة منذ ان اقدامت السلطات الايرانية على احتلال جزر الامارات “طنب الكبرى ، وطنب الصغرى ،وابوموسى..منذ البدايات الاولى للدولة الاتحادية في الامارات عام 1971،ومما لا شك فيه ان تلك الخطوه الايرانية قد أكدت على طبيعة العلاقات بين البلدين وعلى عملية صنع السياسية الخارجية لدولة الامارات تجاة ايران في مختلف القضايا ، تلك السياسه التي تأثرت فيما بعد بمختلف التطورات في العلاقات بين البلدين.
اتسمت السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي وضع نهجها مؤسس الدولة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، بالحكمة والاعتدال وارتكزت على قواعد استراتيجية ثابتة تتمثل في الحرص على التزامها بميثاق الأمم المتحدة واحترامها للمواثيق والقوانين الدولية وإقامة علاقات مع جميع دول العالم على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين والجنوح إلى حل النزاعات الدولية بالحوار والطرق السلمية والوقوف إلى جانب قضايا الحق والعدل والإسهام الفعال في دعم الاستقرار والسلم الدوليين. وحققت دبلوماسية دولة الإمارات انفتاحاً واسعاً على العالم الخارجي أثمر عن إقامة شراكات استراتيجية سياسية واقتصادية وتجارية وثقافية وعلمية وتربوية وصحية مع العديد من الدول في مختلف قارات العالم، بما عزز المكانة المرموقة التي تتبوأها في المجتمع الدولي.

وأكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، لدى استقباله سفراء الدولة في الخارج وممثليها في عدد من المنظمات الإقليمية والدولية في الثامن من أغسطس 2011 على أن نجاح السياسة الخارجية لدولة الإمارات يشكل أحد أبرز الإنجازات المشهودة للدولة، والتي قامت على مجموعة من الثوابت للسياسة المتوازنة والمعتدلة التي تنتهجها الدولة منذ قيامها تجاه القضايا العربية والدولية، والتي أكسبت بلادنا الاحترام والتقدير في مختلف المحافل الدولية. ودعا سموه السفراء إلى التفاعل الإيجابي والتطور النوعي في تعزيز علاقات الإمارات مع دول العالم لتعميق الصلات القائمة وفتح مزيد من قنوات التواصل من أجل بناء فرص جديدة للتعاون المشتركة.

وقامت دبلوماسية دولة الإمارات بجهود مكثفة وتحرك نشط من أجل العمل على احتواء العديد من حالات التوتر والأزمات والخلافات الناشبة، سواء على صعيد المنطقة أو خارجها. وسعت بشكل دءوب مستمر لتعزيز مختلف برامج مساعداتها الإنسانية والاغاثية والإنمائية والاقتصادية المباشرة وغير المباشرة للعديد من الدول النامية خاصة تلك التي تشهد حالات نزاع أو كوارث طبيعية فضلا عن مساهماتها الأخرى الفاعلة في العديد من عمليات حفظ السلام وحماية السكان المدنيين وإعادة الإعمار في المناطق بعد انتهاء الصراعات وهو ما يجسد شراكتها المتميزة مع أطراف عدة وتفانيها من أجل تحقيق الأهداف النبيلة من صيانة واستقرار السلم والأمن الدوليين.

عناصر القوة لدى الأمة في مواجهة الغزو الصهيوني

كاتب الموضوع الأصلي: صالح سعد

تعنيني أيها الأخوة ونحن نعالج موضوع بهذا الاتساع قضية المنهج، وقضية المرجعية، أي المسطرة الفكرية، والمعيار، أو البناء المنطقي للنقاش. دون ذلك تصبح المناقشة منفلتة، غير مضبوطة، غير محكومة منطقياً. وعندما تتحول المناقشة إلى مناقشة طليقة، غير محكومة منهجياً ومنطقياً ومرجعياً، عندما يحدث ذلك، قد نتفق في النهاية حتى على الخيانة، خيانة القضية نفسها، خيانة الأمانة التاريخية، لأنه عندما تصبح المناقشة طليقة وغير مضبوطة ولا تستند وترتكز إلى مرجعية، فإن الأمر يعتمد في نهايته على لحن الحجّة لا مشروعية الحجّة. وهناك فرق كبير بين لحن الحجّة ومشروعية الحجّة. ولذلك من المهم أن أنبّه إلى أهمية هذه النقطة، نقطة المنهج المرجعية، المسطرة، البوصلة، البناء المنطقي.
النقطة الثانية التي أود أن أنبّه إخواني إليها هي أننا لسنا كورسيكا، بحيث ننضم إلى فرنسا أو لا ننضم، ولسنا إقليم الباسك بحيث ننضم إلى إسبانيا أو ننفصل عن إسبانيا، نحن لسنا نبتة وحشية في البرية، نحن أمة ممتدة ما بين نواكشوط وسينغ يانغ في الصين، أمة إسلامية، أمة عربية، لها مرجعية ولها تاريخ وفعل وتأثير وإسهامات في بناء هذه الحضارة الغربية. ولذلك ينبغي أن نستحضر هذه المعاني ونحن نناقش دلالات المواجهة مع المشروع الصهيوني. نحن أمة لها دليل نظري ومرشد نظري، وبيان تاريخي يتمثل في القرآن الكريم، والقرآن الكريم لا أنظر إليه فقط من حيث هو كتاب تعاليم، حلال وحرام، لو كان القرآن كتاب تعاليم حلال وحرام فقط لكان فيه سورتين سورة للحلال، وسورة للحرام. ولكن القرآن يشتمل على مئة وأربع عشرة سورة، ويشتمل على أكثر من ستة آلاف آية، فيه حديث عن التاريخ، والأمم، وعن الصراع، وعن الحرب، وعن السلم، وعن التجارة، وعن المال، وعن السلاح، وصناعة السلاح. إذاً هذا الكتاب في تصوري والذي يشكل مرجعية لنا، كتاب حركة تاريخية. ومن حيث هو كتاب حركة تاريخية يجب أيضاً أن نُقحمه في هذا الموضوع، ونستلهمه، ونأخذ منه العبرة والدرس والدليل النظري. أما أن نقول: قال جابوتنسكي، وقال إيجال آلون، وقال ديان، وقال حاييم وايزمن، وفعل هرتزل، وفعل بن غوريون، ولا ننتبه إلى ماذا قال القرآن الكريم، وماذا فعل رسول الله e . إذا فعلنا ذلك ولم نستلهم هذه المعاني فنحن إذاً أمة منبتة، أمة مفككة، أمة فعلاً نبتة شيطانية، ويحق للإسرائيليين أن يفعلوا بنا ما يشاؤون، إنما نحن لسنا كذلك.
كلامي سينقسم إلى قسمين ملتزماً بالمنهج وملتزماً بالبناء المنطقي. قسم يتصل بالتأصيل السياسي لهذا الموضوع وقسم يتصل بالتأصيل الشرعي له. نحن كأمة عربية وإسلامية كان بيننا وبين الإمبريالية العالمية صراع طويل ومرير متمثلاً بالاستعمار البريطاني أولاً والفرنسي والهولندي الذي وصل جاكرتا، ثم حالياً الاستعمار الجديد المتمثل بالولايات المتحدة الأميركية. هذا الصراع القائم بين الأمة والإمبريالية العالمية ما بين نواكشوط وسينغ يانغ في الصين، كشف عدة سمات وعدة محاور ينبغي أن نتوقف عندها. ماذا فعلت بنا هذه القوى الإمبريالية؟ وينبغي أن نضع هذا الموضوع في سياقه الذي يتصل بجوهر الصراع التاريخي الدائر بيننا وبين الإمبريالية العالمية.
– lأول سمة لهذا الصراع هي سمة السيطرة بالعنف على الأمة الإسلامية والعربية. العنف وإدامة العنف، لم تسيطر القوى الإمبريالية علينا بالكلام، ولا بمنظمات حقوق الإنسان، ولا بالإقناع، ولا بالفكر، ولا بالجامعات، ولا بالاستفتاءات إطلاقاً. اكتساح عسكري عنيف استمر لعدة قرون. مسحوا الأخضر واليابس إلى أن حققوا السيطرة الكاملة علينا.
العنف العسكري كان شرطاً فنياً وموضوعياً لسيطرتهم علينا. هذه نقطة أساسية، ولذلك لا ينبغي لنا أن نفكر بإزالة هذه السيطرة إذا حيّدنا هذه الفكرة وقلنا من الممكن أن نتخلص من السيطرة بدون عنف، لا.. أبداً. لابد أن يكون خيارنا العنف لكي نلغي هذه الخاصية التايخية التي التزم بها التحالف الإمبريالي الدولي العالمي التاريخي المستمر الآن من خلال التحالف الصهيو ـ أميركي في هذه الحقبة. السيطرة بالعنف وإدامة العنف هذه هي السمة الأولى التي كشف عنها صراعنا مع هؤلاء.
– النقطة الثانية هي التجزئة وإقامة الكيانات التجزيئية. نحن نتحدث اليوم عن قضية كبيرة ولكننا أسرى الفكر التجزيئي. فاللبناني يتحدث عن لبنان وكأنه محور العالم، والكويتي يتحدث عن الكويت وكأن الكويت محور العالم، والسعودي كذلك، والمصري والسوري. وهذه جهالة وقعنا فيها شئنا أم أبينا يجب أن نكون مخلصين في الاعتراف بها، ولا سبيل للنجاة من الصهيونية ومن اليهودية العالمية ومن الإمبريالية العاليمة طالما نحن أسرى هذا التشوه الفكري الذي أصابنا جميعاً. الدولة القطرية، الجزء، أصبحت ديناً. وكل دولة صغيرة لا تساوي شيئاً في الميزان العسكري الاستراتيجي أو السياسي الدولي، لها عَلَم ولها نشيد ولها عصبيات. والكويتيون يتحدثون عن الفكر الكويتي والأدب الكويتي وغيره، واللبنانيون كذلك، والقطريون وغيرهم، وهذا لا يجوز. هذا أمر يزيدنا ضعفاً، ولذلك هذه الدولة التجزيئية هي من أسباب معوقات النصر وستظل هكذا طالما نحن أسرى لها، أسرى لقوانينها وأسرى لجنسيتها وأسرى لوصفتها المحلية.
– السمة الثالثة في جوهرصراعنا مع الإمبريالية العالمية هي سمة محاربة الإسلام ونشر التغريب الفكري والحضاري. نعم محاربة الإسلام كدين، ومحاربة اللغة العربية. في الجزائر صدرت قوانين أثناء الاستعمار الفرنسي سنة 1937 تحرِّم وتجرِّم استعمال اللغة العربية في المكاتبات والمراسلات الرسمية بين الجزائريين أنفسهم. كانوا يريدون أن يقطعوا الصلة بيننا وبين ديننا وتاريخنا ولغتنا وهويتنا. ولذلك كانت هجمة التغريب واهتمام الإمبريالية بفرض التغريب علينا زياً، ومعناً، ولغةً، وحياةً، وأمزجةً وأذواقاً. نحن نعيش هذه المرحلة ولا زلنا نقتات عليها. ولذلك نحن مهتمون أن يتعلم أولادنا اللغة الإنجليزية والفرنسية أكثر من أن يعرفوا شيئاً عن اللغة العربية، ومهتمون جداً أن نرسل أولادنا للتعليم إلى الخارج ويتعلموا هناك في أميركا بالذات، وكأن العلم وكأن التخصص كعبته الولايات المتحدة بينما هناك مراكز ومرابع ثقافية وعلمية في آسيا تبزّ في كثير من الأقطار ما هو موجود في العالم الغربي. محاربة الإسلام، والتخلي عن الإسلام، والميوعة الثقافية، هذه كلها طالما أصبحت لصيقة بنا سوف لن نتمكن من مواجهة الصهاينة.
– النقطة الرابعة هي تحطيم المقومات الاقتصادية العربية والإسلامية وبناء الاقتصاد التابع. ولذلك لو تقرأ التاريخ الاقتصادي لمصر مثلاً تجد كيف أن الإنجليز قضوا على المقومات الاقتصادية لمصر وحولوا الإنتاج الزراعي إلى محصول واحد استراتيجي لمصر هو القطن ونفوا المقومات الاقتصادية الأخرى.
ولو درسنا تعامل الفرنسيون في الجزائر مع الكروم والعنب، وكيف كان الجزائريون ينتجون الكثير من المحاصيل والكثير من السلع، لكن الاقتصاد الفرنسي كان يتطلب أن ينتج الجزائريون العنب لصناعة النبيذ الذي يسوق إلى العالم على أنه نبيذ فرنسي.
l النتيجة الخامسة التي تلت هذه السمات الأربع هي إقامة دولة إسرائيل ; وتكريسها لكي تكون مشرفة على هذه المسألة التاريخية. ليس صدفة وعد بلفور، وليس صدفة إقامة الكيان ، وليس صدفة استمرار هذا الكيان لكي يقوم بالسيطرة، ولكي يقوم بالتجزئة، ولكي يقوم بمحاربة الإسلام ونشر التغريب الفكري والحضاري، ولكي يحطم مقوماتنا الاقتصادية، ويبني الاقتصاد التابع. إن التأمل العميق لهذه السمات الخمس يجب أن يقودنا إلى منهج معين في التعامل مع هذه المسألة.
أما التأصيل الشرعي، فنحن أمة محكومة بالأحكام الشرعية الثابتة. هذه إذا كنا مسلمين، فإذا كنا مسلمين وملتزمين بالأحكام الشرعية الثابتة، فهناك صلة بين الأحكام الشرعية الثابتة وبين هذا الموضوع. هذا الموضوع لا يجب أن يخضع للنقاش الطليق، ما يراه الفلسطينيون أو ما لا يراه. هل تستطيع المقاومة الإسلامية أن تستمر أو لا تستمر؟ أن تستمر المقاومة الإسلامية أو لا تستمر، ثمة أحكام شرعية ثابتة يجب التقيد بها.
الحكم الشرعي الثابت والحقيقة الأولى كمهتدين بالقرآن الكريم هي:
إن فلسطين جزء من البلاد الإسلامية فتحها المسلمون فتحاً. وأرضها أرض خراجية، ملكية رقبة هذه الأرض هي لبيت مال المسلمين إلى قيام الساعة، والأفراد لا يمكلون إلا منفعة هذه الأرض دون رقبتها. هذا هو حكم الشرع إذا كنا نحفل بالشرع.
الحقيقة الثانية: إن اليهود اغتصبوا فلسطين غصباً، والغصب لا يغير من الأمر شيئاً، وقد حكم الشرع في هذا الأمر وينبغي التأكد والتقيّد بحكم الشرع. إذا كنا نستطيع استردادها الآن حباً وكرامةً، لا نستطيع الآن. نعدُّ لكي نستطيع.
الحقيقة الثالثة: إذا كان يجوز للمسلم أن يتنازل عن بعض أمواله أو أرضه بيعاً أو هبةً، فإنه لا يجوز له أن يتنازل عن أرضٍ إسلامية لدولة أو سلطة أو كيان كافر كـدولة إسرائيل، فكيف إذا كان لا يملك رقبتها التي هي ملك لبيت مال المسلمين. وهذا أيضاً من الأحكام الشرعية الثابتة.
الحقيقة الرابعة: هي أن القدس بالذات، وأرض فلسطين بالذات، لها مكانتها في الشرع الإسلامي تزيد من مكانتها عن الأرض الخراجية التي رقبتها ملك لبيت مال المسلمين وتزيد عن مكانة كثير من الدول الإسلامية لذلك ينبغي التقيد بهذه الحقيقة.
الحقيقة الخامسة: إذا كان صاحب الحق ضعيفاً أو غير قادر على استرجاع ما غُصب منه وكان من النوع القادر على فرض هذا الغصب فالعلاج واحد في الشريعة الإسلامية، واحد لا غير، وهو أن عليه أن يستعد لاسترداد حقه دون أن يستسلم تحت أي مبرر من المبررات.
الحقيقة السادسة: أن مسؤولية استرجاع الأقصى وفلسطين هي مسؤولية المسلمين جميعاً وليست مسؤولية أهل فلسطين وحدهم. وهذه ليست مسؤولية خاصة بالقدس وبفلسطين أو جنوب لبنان أو الجولان، بل هي حكم شرعي في كل أرض إسلامية اغتصبها الكفار، ولكن الأمر بخصوص القدس وفلسطين هو أشد وجوباً على ما لها من مكانة. والقاعدة في توضيح المسؤولية في هذا الأمر هي على الأقرب فالأقرب، أي الوجوب يقع فعلاً على الأقرب، فإن لم يكن، فعلى الذين يلونهم وهكذا.
الحقيقة السابعة: إن التجزئة والتقسيمات والحدود بين بلاد المسلمين والعرب لا يُقرها الإسلام. حتى وإن كنا لا نستطيع أن نغير هذا الأمر، ينبغي أن نعتقد بهذا الحكم، وإن هذه الحدود حدود غير مشروعة ولا يقرها الشرع، وينبغي العمل على هدم الروح القطرية لا تأجيجها ولا رعايتها كما هو حاصل حتى في الأوساط الملتزمة إسلامياً.
الحقيقة الثامنة: أن اليهود بلفظ القرآن هم أعدى أعداء الأمة العربية الإسلامية، وهم أهل مكر وخبث، والاستشهاد بالآية الكريمة ]وإن جنحوا للسلم فاجنح لها[ باطل بطلاناً مبيناً. لأن اليهود لم يجنحوا للسلم بدليل اغتصابهم أجزاء عزيزة من أرض الإسلام، فلسطين وغيرها، وما يتبعه من تشريد لأهلها، وتدنيسهم للمقدسات الإسلامية، والحفريات حول المسجد الأقصى لإقامة المعبد اليهودي، وإقامة المستوطنات الإسرائيلية المسلحة، وانتزاع الأراضي الزراعية من أيدي أصحابها وإلحاقها بأموال اليهود، فكيف يُستشهد بهذه الآية في بلاد عربية إسلامية بالقول: فإن جنحوا للسلم فاجنح لها، وماذا نفعل بمجازر صبرا وشاتيلا، وماذا نفعل بغزو لبنان، وماذا نفعل بقانا، وبالقنيطرة؟ كيف يقولون جنحوا للسلم، وكيف يريدوننا أن نجنح للسلم مع اليهود؟
الحقيقة التاسعة: لقد أخبرنا رسول الله e وهو قائدنا ومعلمنا وقدوتنا وزعيمنا وتاج رأسنا ونحن نفتخر بذلك، أخبرنا رسول الله e في نصوص صحيحة وموثقة بأن النصر سيكون للمؤمنين على اليهود ونحن نؤمن بحتمية ذلك.
الحقيقة العاشرة: وهذه من الأحكام الشرعية الثابتة، أن كل مَن يساعد الصهاينة ويثبّت أقدامهم في فلسطين فهو عدو للأمة وطرف في عداوتنا مع اليهود. وعلى رأس كل ذلك تقف الولايات المتحدة الأميركية الحليف الاستراتيجي التاريخي للصهاينة منذ نصف قرن، ومن الغفلة والسفه التعامل معهم معاملة الصديق.
الحقيقة الحادية عشر: أن كل تصرف يخالف الشرع فهو باطل. والتنازلات التي قدمتها منظمة التحرير الفلسطينية وبعض الدول العربية لليهود في شأن فلسطين كلها باطلة سواءً أخذت موافقة المجلس الوطني الفلسطيني، أو موافقة الجامعة العربية، أو موافقة مجلس الأمن. فما جعله الله بالنسبة لنا نحن كمسلمين حراماً لا يمكن لأي جهة في الأرض أن تجعله حلالاً، فالحرام حرام بالنسبة إلينا إلى يوم القيامة ونقولها بفخر، والحلال حلال إلى يوم القيامة ونقولها بفخر أيضاً.
الحقيقة الثانية عشر: أنه حتى لو سلمنا جدلاً بأن الصلح مع إسرائيل مُباح من حيث المبدأ، فإن الصلح يحرُم هنا في هذه الحالة الخاصة لما يترتب عليه من محرمات وأضرار، وفق القاعدة الشرعية الوسيلة إلى الحرام حرام ولذلك نعتقد أن واجبنا تجاه ما يدور في جنوب لبنان، وما يدور في كل فلسطين، وما يدور في الجولان السليب، وما يدور في الضفة الغربية السليبة، رأينا أنه يجب على كل عربي ومسلم أن يساند بالظِفر والناب والمال والنفس والدم، كل مبادرة للمقاومة، حسبك في جنوب لبنان. كما أنه يترتب علينا أن نفي بكثير من الواجبات تجاه هذه المعاهدات سواء وقّعتها منظمة التحرير أو مصر أو الأردن أو كل الدول العربية. يجب أن نعتقد كأفراد أن علينا واجبات تاريخية تجاه هذه المعاهدات:
الواجب الأول: علينا اعتقاد وجوب بُطلانها لأن المسلم لا يجوز أن يُشارط الكفار على ترك الجهاد وإسقاط فرضه وعلى ترك عداوة اليهود فإن هذا مُخرج من الملّة.
الواجب الثاني: أن يعتقد المسلم أن هذه المعاهدات لا تُلزمه ولا يجوز له تنفيذ شيء من محتواها.
الواجب الثالث: هو العمل على إسقاط كل معاهدات من هذا النوع شأنها شأن كل مُنْكر وُجد على أرض الإسلام.
الواجب الرابع: اعتقاد أنه يجب محاربة اليهود ومقاومتهم ما ظلوا على تمسكهم بسلوكهم العدواني.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم.

الدكتور/ عدبالله النفيسي.

ما الذي تنتظره الرياض من القاهرة؟

كاتب الموضوع الأصلي: صالح سعد

خالد الدخيل *
الأحد ٢١ يوليو ٢٠١٣

من الواضح أن استقرار مصر وخروجها من حالتها الثورية المضطربة بات من وجهة نظر السعودية ودول الخليج العربي مصلحة إقليمية، وذلك في ضوء ما حصل للعراق وسورية قبل ذلك. من هنا، مسارعة السعودية، ومعها الإمارات والكويت، إلى دعم تحرك الجيش بإزاحة الرئيس محمد مرسي، وتقديم مساعدة مالية كبيرة وعاجلة لحكومة المرحلة الانتقالية التي انبثقت عن ذلك. هل يعبر هذا الدعم عن موقف هذه الدول من حكم «الإخوان» في مصر؟ الأرجح أن الأمر كذلك. لكن السؤال الأهم في ضوء ما تمر به المنطقة هو: ما الذي تنتظره الرياض وتأمله من القاهرة الآن على افتراض أن المرحلة الانتقالية التي فرضها الجيش ستمر بسلام، وسيتم انتخاب برلمان جديد، وسيتحقق التوافق على دستور جديد، وأخيراً سيأتي صندوق الاقتراع بثاني رئيس لمصر في جمهوريتها الثانية؟
هناك أكثر من زاوية يمكن النظر منها إلى هذا السؤال. هناك الزاوية المصرية، والزاوية السعودية والخليجية. ثم هناك الزاوية الأخلاقية، أو زاوية الأخوة العربية وما تفرضه من واجبات. كل هذه الزوايا وغيرها يجمعها في الأخير إطار واحد هو الإطار السياسي. أفعال الدول تعبر بها عن رؤيتها، وعن مصالحها وفقاً لهذه الرؤية. والأخوة العربية هي أحد التعبيرات عن هذه المصالح. وبما أنها كذلك فهي مشتركة ومتبادلة، أو يجب أن تكون كذلك، وتسير بالتالي، أو يجب أن تسير في اتجاهين، بل أكثر من ذلك وليس في اتجاه واحد.
انطلاقاً من ذلك، فإذا كانت المساعدات التي قدمتها الدول الخليجية الثلاث تحقق لمصر مصلحة حيوية في هذه المرحلة الحرجة، وهي تستحق ذلك، فإنه يجب أن يكون لها مردود يحقق مصلحة للدول الخليجية الثلاث أيضاً. الفرضية المضمرة هنا أن مصلحة هذه الدول العربية متبادلة. وبما أن المصلحة المصرية بدأت بالتحقق بمجرد البدء بتحويل الأموال التي تم التعهد بها، يبرز السؤال عن إمكانية وكيفية تحقق المردود الذي تنتظره السعودية. ليست هناك معلومات رسمية عن الدوافع وراء الخطوة السعودية. لكن الأرجح أنها لم تقدم على خطوة الدعم الكبيرة هذه من دون معطيات ومؤشرات تلقتها من القاهرة مباشرة.
هناك من يقول إن إسراع السعودية إلى تهنئة الرئيس الموقت، عدلي منصور، حتى قبل أدائه القسم، كان لإيصال رسالة دعم للمؤسسة العسكرية، وأنها ليست مكشوفة من دون دعم إقليمي، وذلك في وجه التردد الذي بدا عليه الموقفان الأميركي والأوروبي، والرفض التركي والإيراني خطوة الجيش المصري. واللافت هنا هو موقف السعودية ودول الخليج الداعم للجيش المصري أمام كل هذا الرفض أو التردد الإقليمي والدولي. ما الذي تنتظره الرياض من كل ذلك؟ يمكن القول إن الرياض تأمل من القاهرة أن تحقق أربعة أمور: داخلياً تأمين المرحلة الانتقالية، والعبور بسلام إلى توافق على نظام سياسي مستقر وفاعل. ثانياً، عودة مصر إلى لعب دورها الإقليمي كدولة عربية معنية بتأمين الساحة العربية من التدخلات المفروضة من دول غير عربية، وضداً على المصالح العربية. ثالثاً، إخراج الموقف المصري من حال التردد التي كان عليها أيام حكم الرئيس مرسي من النفوذ الإيراني في كل من العراق وسورية، والعودة به إلى تبني ضرورة إنهاء هذا النفوذ كشرط لتعاون عربي – إيراني مثمر. رابعاً، دعم الحل السياسي في سورية من خلال حكومة انتقالية تتمتع بكامل الصلاحيات، وأن لا يكون الرئيس الأسد، بعد كل المجازر التي ارتكبتها قواته، جزءاً من هذا الحل.
من الناحية الاقتصادية يبدو أن الوضع في مصر أصبح كارثياً. كتب رجل الأعمال المصري حسن هيكل أن مصر تخسر في الأزمة الحالية بليون جنيه يومياً، أي ما قيمته بليونا دولار شهرياً. وخلال السنتين الماضيتين خسرت مصر 500 بليون جنيه، أو خمسين بليون دولار. كما خسرت الحكومة المصرية من احتياطها النقدي 40 بليون دولار، ما أضاف مديونية بحجم 10 بلايين دولار (500 بليون جنيه مصري). وقد صل حجم الديون إلى 50 بليون دولار. وتتجاوز نسبة الفقر 40 في المئة. تؤكد هذه الأرقام الدقيقة مدى التردي الذي وصل إليه الوضع الاقتصادي. ووفق تقديرات هيكل (بعد إعلان المساعدات السعودية الخليجية) لا تزال مصر في حاجة إلى مساعدات من الدول العربية (أي الخليجية) بخمسين بليون دولار، و25 بليون دولار مساعدات دولية للخروج من أزمتها الخانقة. وهو ما يعني أن المساعدات الخليجية الأخيرة، والودائع القطرية قبل ذلك، أقل مما يتوقعه المصريون. وبما أن الحل السياسي مرتبط في كل الأحوال ومتداخل مع الحل الاقتصادي، فإن ما تنتظره الرياض من القاهرة أمامه طريق طويل، ومتطلبات كثيرة.
لا يقل المشهد السياسي قتامة عن المشهد الاقتصادي. بعد أكثر من سنتين من الثورة تبين أن مصر من دون طبقة سياسية ناضجة ومحترفة تستطيع أن تجترح الحلول السياسية في اللحظات الحرجة. فشلت هذه الطبقة (وهي تشمل «الإخوان» ومعارضيهم) في الاتفاق على أي شيء. الأمر الذي فرض تدخل الجيش لإزاحة «الإخوان» عن الحكم لمصلحة معارضيهم بغطاء ديني. أي أن الجيش بعد أكثر من ستين عاماً على انقلاب يوليو 1952 لا يزال هو أقوى مؤسسات الدولة، وأغناها، وأكثرها قدرة على فرض الحلول على الجميع. في ضوء هذه الحقيقة هل يستطيع الجيش أن يؤمن التوافق المطلوب للعبور من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة المستقرة، وهو التوافق الذي عز على الجميع طوال أكثر من سنتين، وأوصل الأمور إلى ما وصلت إليه؟ أين سيكون موقع «الإخوان» بعد كل ما حصل، وهم الأكثر شعبية إلى جانب الجيش وشباب الثورة، في الحل السياسي المطلوب؟ ماذا لو تطلب الأمر تولي العسكر الحكم حتى يمكن التوصل إلى الحل السياسي المطلوب؟ وما هو حجم الدور الذي تلعبه «الدولة العميقة» في ما حصل ويحصل بعد سقوط حسني مبارك؟
واللافت أن القوى الأكثر شعبية في مصر، كما يبدو، هي ما يعرف بشباب الثورة، وهم من دون قيادة، و «الإخوان»، وهم من دون تجربة حكم، والجيش الذي يخضع لقيادة متماسكة، ولتراتبية مؤسساتية قديمة، وخبرة في الحكم لا تقل عن ذلك. واللافت أيضاً أن هذا الجيش يكاد أن يكون القوة الوحيدة التي لها علاقة جيدة ومتينة مع السعودية. ما عدا ذلك تتراوح مواقف القوى الأخرى من السعودية بين الغموض والعدائية المعلنة. فما عدا عمرو موسى، مثلاً، لا يمكن القول إن أعضاء الجبهة الوطنية للإنقاذ تربطهم بالسعودية علاقة ودية. بل إن بعضهم يتخذ من السعودية موقفاً غير ودي، وإن يكن مضمراً في الظروف السائدة. أحد أعضاء هذه الجبهة، حمدين صباحي، يميل موقفه إلى الاضطراب منه إلى الاضطراد عندما يتعلق الأمر بعلاقات مصر الخارجية. فهو مستعد مثلاً، وكما قال في حديثه المطول لصحيفة «الحياة»، للتسامح عن جرائم الرئيس السوري بشار الأسد، من أجل الحفاظ على وحدة سورية. وفي الوقت نفسه لم يكن مستعداً للتسامح مع الرئيس مرسي، بل قبل بالمجازفة بمستقبل مصر من أجل إزاحته عن الحكم. وهذا موقف لا يمكن أن يكون مريحاً بالنسبة إلى الرياض. الأكثر من ذلك أن أحد مؤسسي حركة «تمرد»، والمتحدث باسمها، محمود بدر، يتخذ من السعودية، ومن الحكم السعودي تحديداً، موقفاً معادياً ومعلناً. ومحمود بدر هذا كان أحد ممثلي حركة «تمرد» في الاجتماع الذي دعا إليه الجيش للتشاور قبل إعلان عزل محمد مرسي عن الرئاسة. وهو الاجتماع الذي ضم شيخ الأزهر، ورئيس الكنيسة القبطية، ورئيس حزب «النور»، إلى جانب ممثل جبهة الإنقاذ. وقد ألقى محمد بدر بيان «تمرد» المؤيد لعزل مرسي من على المنبر نفسه الذي أعلن منه الفريق عبدالفتاح السيسي بيان العزل، وتعطيل الدستور، وتعيين الرئيس الموقت، وتم بثه على التلفزيون الرسمي. ومن الواضح الآن أن علاقة السعودية مع «الإخوان» تكاد تقترب من حال القطيعة. تضمر هذه المعطيات أن ما تنتظره الرياض من القاهرة فيه الكثير من التفاؤل، وربما يتطلب ما هو أكثر من تقديم المساعدات المالية. فلو افترضنا أن نتيجة المرحلة الانتقالية جاءت بحكومة من جبهة الإنقاذ، والمستقلين، وشباب الثورة، والتيارات الإسلامية، فإن التوازنات داخل هذه الحكومة لن تسمح بأن تكون سياستها الخارجية قريبة مما تأمله السعودية.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا لم تلعب الرياض دور الوسيط في الأزمة المصرية قبل أشهر من انفجارها؟ ولماذا انتظرت لحظة انفجار الأزمة لبدء التعاطي معها؟ ثم لماذا عندما فعلت ذلك، اقتصر تعاطيها على المساعدة المالية؟ لقد فشلت هذه المساعدات من قبل في تحقيق مصالح سياسية راسخة للرياض. والسبب واضح، وهو أن المساعدات المالية من دون دور سياسي إقليمي فاعل، وثقل عسكري ملموس، وإطار مؤسساتي ودستوري يؤطر هذه المساعدات ويوفر لها الدعم في الداخل قبل الخارج، تبقى مجرد مساعدات مالية تفقد قيمتها وتأثيرها مع الوقت. ووفق الأرقام المصرية، كما رأينا، فإن ما قدمته السعودية والإمارات والكويت، وقبلها قطر، أقل بكثير مما تحتاجه مصر. الأمر الذي يؤكد مرة أخرى حاجة السعودية إلى مراجعة سياستها الخارجية، وموقع المساعدات المالية فيها.

ماركس و«الإخوان» والليبراليون

كاتب الموضوع الأصلي: صالح سعد

خالد الدخيل *
الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٣

في 25 كانون الثاني (يناير) 2011 كانت هناك ثورة شعبية في مصر شاركت فيها كل القوى الشعبية والسياسية. حتى الجيش تهيّب المشهد، فنأى بنفسه عن النظام السياسي، ما أرغم رئيسه حسني مبارك على التنحي. في 3 تموز (يوليو) 2013، أي بعد أكثر من عامين ونصف، حصلت ثورة مضادة بقيادة الجيش نفسه، الممثل الأول والأقوى للنظام القديم الذي قامت ضده الثورة الأولى. عادت صورالنظام القديم ورموزه إلى المشهد: عبدالفتاح السيسي يخطب ببزته العسكرية ونظارته الشمسية، وصور عبدالناصر والسادات بدأت في الانتشار، ومعها عادت الأغاني الوطنية لمرحلتهما. وأكثر ما يعبر عن طبيعة حركة الجيش هو الاحتفال بها من خلال العودة إلى الخطاب الإعلامي لما قبل الثورة. المسؤول التلفزيوني السابق في عهد حسني مبارك عبداللطيف المناوي قدم في «المصري اليوم» نموذجاً من نماذج كثيرة على ذلك عندما وصف عزل الجيش الرئيس محمد مرسي بأنه يماثل «النصر» الذي حققته مصر في حرب أكتوبر. مماثلة تستدعي ماضي النظام القديم للتعبير عن موقف في اللحظة الحاضرة.
الثورات ظاهرة سياسية معروفة، وكذلك الثورات المضادة. هدف الأولى هو التغيير. وهدف الثانية وقف هذا التغيير، أو على الأقل ضبط وجهته والسيطرة عليه. كيف حصل ذلك في مصر؟ حصل لعوامل ثلاثة: خوف القوى المدنية من حكم «الإخوان»، وفشل «الإخوان» في إدارة الحكم، والعامل الثالث والأكثر أهمية من خوف القوى المدنية هو قلق المؤسسة العسكرية من حكم «الإخوان».
كان خوف القوى المدنية من حكم «الإخوان» واضحاً منذ الأيام الأولى للثورة. «الإخوان» هم القوة السياسية الأكثر تنظيماً وشعبية. لا ينافس «الإخوان» في القوة المادية والقاعدة الشعبية إلا الجيش، وهذا بحد ذاته معبر عن المآل الذي انتهت إليه العملية السياسية في مصر. خوف القوى المدنية هنا مبرر ولكنه مبالغ فيه، وتحول مع الأحداث إلى حال كراهية غير مسبوقة. وللدقة فإن حال الكراهية ليست جديدة، بل يبدو كما لو أنها أصبحت سمة للثقافة السياسية في مصر، وبالتالي تشمل «جماعة الإخوان» أنفسهم. لم تكن القوى المدنية تخشى فوز «الإخوان» في الانتخابات فحسب، بل كانت تخشى أن ينتهي ذلك إلى سيطرتهم الكاملة على الدولة. ولم يقدم «الإخوان» عندما فازوا ما يطمئن هذه المخاوف. لم يتصرفوا بطريقة سياسية مع مكتسباتهم ومع منافسيهم، ولم يحاولوا كسب أطراف خارج دائرة أتباعهم. على العكس، تصرفوا بطريقة استحواذية أو موحية بأنها تأخذ هذا المنحى، وما زاد الأمر سوءاً أن الثقة كانت معدومة بين الطرفين منذ البداية. لا يبدو أنه كان هناك حوار أو تواصل بينهما، لا قبل الثورة ولا بعدها، فظل الخوف والشك وانعدام الثقة عوامل محركة للعلاقة بين الطرفين. عندما فاز «الإخوان» في الانتخابات البرلمانية والرئاسية معاً وصلت حال الخوف لدى القوى المدنية إلى ذروتها، وهو ما يفسر حال الانتشاء الهستيرية التي أصابت مقدمي البرامج السياسية على الفضائيات المصرية الخاصة ليل أعلن الفريق السيسي عزل الرئيس مرسي.
وكانت المؤسسة العسكرية تراقب سلوك «الإخوان» في الحكم، وسلوك معارضيهم. تاريخ العلاقة بين الجيش و «الإخوان» مليء بالمخاوف وعدم الثقة، وبالسجون والدم أيضاً. و «الإخوان» هم المنافس الوحيد للجيش على الشارع. سلوك هذا الجيش مع الرئيس السابق حسني مبارك في لحظته الصعبة، واختلافه عن سلوك الجيش مع الرئيس مرسي في لحظته الصعبة أيضاً، يختصر موقف هذه المؤسسة من الأحداث ومن الأشخاص وما يرمزون إليه. لم يعزل الجيش مبارك على رغم الإجماع الشعبي على ذلك، وعلى رغم أنه أمضى في الحكم 30 عاماً، وكان متهماً بأنه يرتب لتوريث ابنه الحكم. هنا، يمكن القول إن الجيش التزم بدوره الدستوري وبالإجراءات الدستورية، لكن هذا الجيش أسرع في حال انقسام شعبي إلى تجاوز كل الإجراءات الدستورية، وعزل أول رئيس منتخب لم يمض عليه في الحكم إلا عام واحد، وما دفع الجيش إلى ذلك هو قلقه من أن إطلاق يد «الإخوان» في الحكم يمثل تهديداً للمؤسسة العسكرية ولموقعها في الدولة، ولمكتسبات سياسية ورمزية راكمتها على مدى أكثر من 60 عاماً، جعلت منها طبقة حاكمة يأتي منها رؤساء الجمهورية ومحافظون ووزراء، وتملك ما لا يقل عن 30 في المئة من اقتصاد مصر. الجيش هنا حصد ثمار مخاوف القوى المدنية، واستخدمها كغطاء لتمرير ثورة مضادة ليس فقط ضد «الإخوان»، بل ربما ضد من كانوا يخافون من حكم «الإخوان»، ولا يستبعد أن الطموح السياسي للفريق السيسي كان من العوامل التي شجعت الجيش على الانقلاب.
هل إن تضافر مخاوف الجيش والقوى المدنية يبرر عزل رئيس منتخب؟ في المقابل: هل إن عزل رئيس «إخواني» يغطي فشل «الإخوان» في الحكم؟ لم يعد هناك مجال للشك في أن «الإخوان» فشلوا في إدارة الحكم بعدما وصلوا إليه، وإذا عرفنا أن السيسي قائد الانقلاب ومعاونه وزير الداخلية، هما من الوزراء الذين عينهم الرئيس المعزول مرسي، فيبرز في هذه الحال سؤال: لماذا وكيف حصل ذلك؟ هل خان الوزيران رئيسهما؟ أم إن الرئيس فشل في احتوائهما وكسبِ ولائهما؟ ومع أن حصول الانقلاب واعتقال الرئيس، ثم اتساع نطاق الاعتقالات لقيادات «الإخوان» يرجح الخيار الأول، إلا أن هذا لا يعفي «الإخوان» من مسؤولية ما حصل.
يعرف «الإخوان» الدولة المصرية جيداً، أو هكذا يفترض. عاصروا هذه الدولة وعارضوها في مرحلتيها الملكية والجمهورية، وخاضوا معها معارك سياسية وقانونية طوال ثمانية عقود. على هذا الأساس يعرف «الإخوان» أو يفترض أن يعرفوا من الذي يمكن أن يتفقوا معهم ومن يختلفون معهم، وبالتالي يعرفون علاقتهم مع، وموقعهم من هذه الدولة ومن مكوناتها. وهذه المعرفة تقتضي إدارة رشيدة، وممارسة سياسية حكيمة ومنفتحة، بخاصة في لحظة ثورية حرجة، لكن هذا ما افتقده «الإخوان»، ومع ذلك وحتى لو افترضنا صحة كل ما يقال عن «الإخوان» أثناء فترة حكمهم، فإنه لا يبرر بأي شكل عزل الرئيس خارج الأطر والإجراءات الدستورية. إذا كانت هناك مسوغات دستورية تقتضي عزل الرئيس أو تحجيم صلاحياته، فكان يجب وجوباً أن يتم ذلك بإجراءات دستورية. لا يجوز أن تتهم الرئيس انطلاقاً من الدستور ثم تعزله خارج إطار هذا الدستور. وكلاهما – عزل الرئيس أو تحجيم صلاحياته – دستورياً كان في المتناول. لكن الجيش كان قرر الانقلاب على الثورة، أو ثورة مضادة لا تتسع للإجراءات الدستورية، ولتفادي تلك الإجراءات كان لا بد من تعطيل الدستور.
في هذا السياق كتبت شيري بيرمان في صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية مقالة قارنت فيها بين سلوك الليبراليين المصريين مع سلوك نظرائهم الفرنسيين في ظرف ثوري مشابه، مع الاختلاف طبعاً. تنطلق بيرمان من مقولة لماركس في أحد أشهر نصوص التحليل السياسي له «الـ18 من برومير»، وهو كتاب عن الانقلاب العسكري عام 1852 على ثورة شعبية عام 1848 في فرنسا، ومقارنة ذلك بالانقلاب الذي حصل في 1799، وفي فرنسا أيضاً على ثورة 1789. يقول ماركس في هذا النص إن التاريخ يعيد نفسه بطريقتين: مأسوية أو هزلية تبعث على السخرية. في حال مصر أعاد التاريخ نفسه بالطريقة الأولى المأسوية. من حيث الشكل وتسلسل الأحداث يتشابه ما حصل للثورة المصرية بين 25 يناير 2011، و3 يوليو 2013 مع ما حصل للثورة الفرنسية ما بين أيار (مايو) 1848، وأيار 1852. في 1848 حصلت ثورة شعبية تحالفت فيها مختلف القوى والتيارات في المجتمع لإطاحة النظام القديم. خاف الليبراليون والديموقراطيون من سيطرة الطبقة العاملة وحلفائها اليساريين على الدولة، لذلك تحالفوا مع لويس بونابرت ابن أخي الشهير نابليون بونابرت في تنفيذ انقلاب على الثورة. في مصر حصل الشيء نفسه تقريباً. كانت الثورة الشعبية في 2011 ثم الانقسام بعد ذلك وخوف القوى المدنية من سيطرة «الإخوان»، وتحالفهم بسبب ذلك في تنفيذ الانقلاب على الثورة. تقول بيرمان: «نعرف أنه بعد قرن من 1848 التقى أخيراً الديموقراطيون الاجتماعيون والليبراليون والمحافظون (والاشتراكيون) على المشاركة في نظام ديموقراطي متين يتسع للجميع. هل يستفيد المصريون من التجربة الأوروبية؟ أم يعيدون ارتكاب أخطائها؟

التطور الديمقراطي في اليمن

كاتب الموضوع الأصلي: صالح الشهراني20

التطور الديمقراطي في اليمن
اليمن تعتبر دولة ناشئه في مجال الديمقراطية، تخطو خطوات بطيئه جدا نحو الحكم الرشيد. من اهم وابرز انشطتنا نحو الوصول الى الديمقراطية هي الالمام بقيم الديمقراطية، وبالنسبة لي فإن اهم قيم الديمقراطية تتمثل في الحرية، العدل والمساواة. و من هنا تاتي مساءلة حق الاعتراض و الذي يعتبر اهم معيار لقياس حرية الرأي والتعبير و الحصول على المعلومة. ومن اجل ذلك ترتكز أنشطتنا على 3 محاور أساسية، بداية من حرية الرأي والتعبير والحصول على المعلومة، ومن ثم استقلال القضاء، و حرية منظمات المجتمع المدني. وجميعها تصب في إطار الحقوق التي تعتبر حلقة الوصل بين حقوق الإنسان والديمقراطية.
ومن اداركنا ان الحقوق لا يمكن المطالبة بها الا عند معرفتها، فانه من أهم أنشطتنا التوعية بالحقوق وفقا للدستور اليمني والقوانين اليمنية وانتهاء بالمعايير الدولية، خاصة وان اليمن وقعت وصادقت على جميع الاتفاقيات الدولية التي تضمن الحقوق و تسعى الى الحكم الرشيد.

مؤسس علم الاجتماع (ابن خلدون)

كاتب الموضوع الأصلي: فهاد آل حشان 3332

العالم المسلم ابن خلدون

هو عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر محمد بن الحسن. ولد ابن خلدون في تونس عام 732هـ لأسرة عربية يصل نسبها إلى الصحابي وائل بن حجر وتوفي في رمضان عام 808هـ في مصر وتم دفنه بها . له العديد من الاسهامات ويعتبر ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع .

وتمتع ابن خلدون بمكانة علمية عالية سواء على المستوى العربي أو العالمي، فيقول عنه المؤرخ الإنجليزي توينبي “في المقدمة التي كتبها ابن خلدون في تاريخه العام، أدرك وتصور وأنشأ فلسفة التاريخ وهي بلا شك أعظم عمل من نوعه خلقه أي عقل في أي زمان”.

شغل ابن خلدون عدد من المهام أثناء حياته فتنقل بين عدد من المهام الإدارية والسياسية، وشارك في عدد من الثورات فنجح في بعضها وأخفق في الأخر مما ترتب عليه تعرضه للسجن والإبعاد.

تنقل ابن خلدون بين كل من مراكش والأندلس وتونس ومن تونس سافر إلى مصر وبالتحديد القاهرة ووجد هناك له شعبية هائلة فعمل بها أستاذاً للفقه المالكي ثم قاضياً وبعد أن مكث بها فترة أنتقل إلى دمشق ثم إلى القاهرة ليتسلم القضاء مرة أخرى، ونظراً لحكمته وعلمه تم إرساله في عدد من المهام كسفير لعقد اتفاقات للتصالح بين الدول، ومن بين المهام التي كلف بها تمكن ابن خلدون من إيجاد الوقت من أجل الدراسة والتأليف.

إسهاماته

ترك ابن خلدون عددًا قليلا من المؤلفات أشهرها كتاب (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر) ، ومن من أكبر إنجازات ابن خلدون أنه المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع وعلم العمران وواضع أسس علم التاريخ. وكثير من الكتاب الغربيين وصفو تقديم ابن خلدون للتاريخ بأنه أول تقديم لا ديني للتأريخ ، وهو له تقدير كبير عندهم.

وتعد ترجمة حياة ابن خلدون من أكثر ترجمات شخصيات التاريخ الإسلامي توثيقا بسبب المؤلف الذي وضعه ابن خلدون ليؤرخ لحياته و تجاربه و دعاه التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا، تحدث ابن خلدون في هذا الكتاب عن الكثير من تفاصيل حياته المهنية في مجال السياسة والتأليف والرحلات، ولكنه لم يضمنها كثيرا تفاصيل حياته الشخصية والعائلية.

مؤلفاته

قدم ابن خلدون عدد من المؤلفات المهمة أهمهما “المقدمة” الشهيرة والتي قام بإنجازها عندما كان عمره ثلاثة وأربعون عاماً، وكانت هذه المقدمة من أكثر الأعمال التي أنجزها شهرة، ومن مؤلفاته الأخرى “رحلة ابن خلدون في المغرب والمشرق” وقام في هذا الكتاب بالتعرض للمراحل التي مر بها في حياته، حيث روى في هذا الكتاب فصولاً من حياته بجميع ما فيها من سلبيات وإيجابيات، ولم يضم الكتاب عن حياته الشخصية كثيراً ولكنه عرض بالتفصيل لحياته العلمية ورحلاته بين المشرق والمغرب، فكان يقوم بتدوين مذكراته يوماً بيوم، فقدم في هذا الكتاب ترجمته ونسبه والتاريخ الخاص بأسلافه، كما تضمنت هذه المذكرات المراسلات والقصائد التي نظمها، وتنتهي هذه المذكرات قبل وفاته بعام واحد مما يؤكد مدى حرصه على تدوين جميع التفاصيل الدقيقة الخاصة به لأخر وقت.

ومن الكتب التي احتلت مكانة مهمة كتاب ” العبر” و ” ديوان المبتدأ والخبر” والذي جاء في سبع مجلدات أهمهم “المقدمة ” حيث يقوم في هذا الكتاب بمعالجة الظواهر الاجتماعية والتي يشير إليها في كتابه باسم “واقعات العمران البشري” ومن الآراء التي قدمها في مقدمته: “إن الاجتماع الإنساني ضروري فالإنسان مدني بالطبع، وهو محتاج في تحصيل قوته إلى صناعات كثيرة، وآلات متعددة، ويستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد، فلابد من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحُصل القوت له ولهم- بالتعاون- قدر الكفاية من الحاجة الأكثر منهم بإضعاف”.

الضربة الأميركية من زاوية عربية

كاتب الموضوع الأصلي: صالح سعد

خالد الدخيل *
الأحد ١ سبتمبر ٢٠١٣

هناك سبل كثيرة للنظر إلى الضربة الأميركية المتوقعة ضد النظام السوري على خلفية استخدامه السلاح الكيماوي ضد مواطنيه. هناك من هو مشغول بحجم هذه الضربة، وهناك من يتركز اهتمامه على توقيتها. وثالث يتساءل عن إمكان فبركة واشنطن والأمم المتحدة – وفي شكل عام الغرب – للدليل على استخدام الكيماوي من قبل النظام السوري. ورابع يرى ضرورة الاهتمام بتداعيات هذه الضربة، وهل ستؤدي إلى حرب إقليمية؟ وخامس يتمنى، وسادس يخشى أن تؤدي الضربة إلى سقوط النظام السوري. أنا أكتب ظهر أمس السبت، وبالتالي فربما أن الضربة حصلت قبيل ساعات من طباعة هذا المقال، وفي ظني أن الضربة لن تحصل قبل يوم غد الإثنين، ولا بعد الخميس المقبل.
كل ما سبق زوايا نظر مهمة لموضوع مهم، لكن هناك زاويا أخرى لا تقل أهمية، بل ربما أنها أكثر خطورة حتى من الضربة ذاتها. لهذه الزوايا ميزة تفرقها عن غيرها، وهي التي تضفي عليها أهمية وخطورة أكثر من غيرها، وهي أنها زوايا عربية قبل أي شيء آخر. أهم هذه الزوايا العربية تتمثل في السؤال الآتي: كيف ينبغي أن ننظر الى الضربة الأميركية؟ هل هي لخدمة المصالح الأميركية؟ أم لأجل تحقيق مصالح الشعب السوري؟ ماذا ينبغي أن يكون عليه موقفنا من هذه الضربة؟ هل نحن معها أم ضدها؟ أم ينبغي لنا أن نكون في موقف بين الموقفين؟ والغريب أن هذه الأسئلة – وللدقة هذه الارتباكات – تتجاور تماماً مع شبه إجماع عربي رسمي وغير رسمي على دموية النظام السوري، وعلى أنه نظام قاتل، وأنه السبب الأول والأهم في كل المآسي التي مرّ ويمر بها الشعب السوري منذ ما قبل الثورة وبعدها، وبالتالي فإن سقوطه أو تغييره أو استبداله سيكون في مصلحة هذا الشعب. لكن بعد كل ذلك، ليس هناك اتفاق على أي شيء تقريباً. سيقال إن هذه الأسئلة وحال الخلاف والشقاق حولها تعبر عن عجز متمكن، وعن ارتباك متفشّ بين الجميع أمام حدث كبير غامض في مصادره وأهدافه ومآلاته، وأن مرد ذلك العجز والارتباك الى حال انقسام مزمن بين العرب على كل شيء، وعلى كل مستوى تقريباً. هذا صحيح، ولكن هناك ما هو أقرب الى الحقيقة، وأكثر تعبيراً عن هذا الواقع، وهو أن إشكال الضربة ينبع من حقيقة أنها ستأتي من الولايات المتحدة ومن خلفها الغرب ضد نظام عربي. هنا يبرز السؤال: هل كون النظام عربياً يجيز التغاضي عن جرائمه؟ سيقول الجميع من غير أتباع وأنصار النظام: لا. الجريمة تبقى كذلك مهما كانت هويتها، لكن أن يأتي عقاب جريمة طرف عربي من طرف غير عربي، ومن الغرب تحديداً يجعل منه أمراً محل شبهة يقتضي رفضه، أو على الأقل حرمانه من مشروعية الموافقة العربية عليه. الضربة الأميركية تهدف الى خدمة مصالح أميركية وهي غير معنية بمصالح الشعب السوري ولا بمصالح العرب. وهذا صحيح تماماً، لكن مأزق هذا الرأي أنه يتوقف عند هذا الحد، حدّ الرفض ولا يتجاوزه، ويستند في جوهره إلى تبرير أخلاقي هشّ، بل وزائف أمام حال سياسية تفرض نفسها على الجميع. هل هناك فرق من الناحية الأخلاقية أو القانونية بين أن يُقتل العربي بيد عربي آخر، وأن يُقتل على يد طرف غير عربي؟ ينطوي السؤال على عنصرية باذخة. قتل الإنسان محرّم لأنه إنسان قبل أي شيء آخر، فما بالك عندما يتم تدمير بلد بكامله لأجل أن يبقى الرئيس في سدة الحكم. سورية تدمر وشعبها يُقتل في شكل يومي، ويتحول إلى لاجئين في المنافي في شكل يومي أيضاً. والعرب عاجزون أو لا يريدون أن يفعلوا شيئاً. من حقك أن ترفض التدخل الأجنبي في الأزمة، لكن ليس من حقك أن ترفضه من دون أن تقدم بديلاً منه. أنت بهذا الموقف تمنح رخصة مجانية للنظام لمواصلة التدمير والقتل، أما الحديث عن المصلحة فهو نوع من اللغو. من الطبيعي أن يعمل الغرب لأجل مصالحه، وهذا يحسب له لا عليه. هل هناك من يعمل لمصالح غيره؟ لماذا لا يعمل العرب لأجل مصالحهم؟ هل الأتراك أو الإيرانيون أو غيرهم يعملون لمصالح العرب؟ هذا نوع من الهذيان. ثم إن السوريين من غير قيادة النظام وأتباعها هم أصحاب القول الفصل في تقرير الموقف من كل ما يتعلق بالمأزق الذي يعيشونه، ويدفعون ثمنه يومياً.
الطرف الأول الذي فرض المأزق على الجميع هو النظام السوري، والدول العربية فرضت بعجزها عن فعل أي شيء في هذه الحال أيضاً. هناك دول عربية تعلن رفضها للضربة بطريقة مرتبكة لا تجعل لرفضها مترتبات سياسية معينة، وتكتفي بأن تكون شاهد زور على ما سيحدث. نموذج ذلك مصر في عهد الانقلاب العسكري. الأردن نموذج آخر لدولة عربية لا تعلن رفضاً ولا قبولاً للضربة، ولكن تؤكد أنها لن تكون منطلقاً لهذه الضربة. على الناحية الأخرى، هناك دول عربية تقبل ضمناً بالضربة لكنها تلوذ بالصمت ولا تعلن موقفاً، وقائمة هذه الدول طويلة من الخليج العربي إلى المغرب العربي. لبنان الأكثر تأثراً بالحرب الأهلية السورية منقسم في موقفه من الضربة بين شعار «المقاومة» وشعار «النأي بالنفس»، أما العراق الذي يعاني حرباً أهلية ونفوذاً إيرانياً ترتفع أكلافه يوماً بعد آخر، فيحذر من مخاطر الضربة ولكن من دون أن يعلن رفضاً قاطعاً لها. الجزء الحاكم من النظام العراقي منقسم بين ارتباط مع طهران على أساس مذهبي، وارتباط مع واشنطن على أساس سياسي، وانطلاقاً من ذلك سيذهب رئيس الحكومة نوري المالكي إلى العاصمة الأميركية لتوقيع اتفاق دفاع مشترك مع أميركا صاحبة الضربة.
الدولتان الوحيدتان في المنطقة اللتان أعلنتا موقفاً واضحاً من الضربة هما تركيا وإيران. تركيا لا تؤيد الضربة وحسب، بل ومستعدة للمشاركة فيها. إيران ترفض الضربة وتطلق تصريحات رنانة، ولكنها مبهمة عن رد فعلها في حال حصلت. لن تفعل إيران شيئاً بعد انسحاب روسيا، وإذا كانت الضربة محدودة وقصيرة الأمد. موقف هاتين الدولتين لافت لجهة أنه يؤكد المؤكد، وهو أن الدول العربية المعنية أكثر من غيرها بحرب أهلية في بلد عربي، والأكثر تأثراً بتداعياتها وتداعيات الضربة الأميركية المتوقعة، هي الوحيدة التي لا تملك موقفاً سياسياً واضحاً ومتماسكاً. الأيديولوجيا العربية هي العائق الكبير أمام الدول العربية لإعلان موقف واضح من حدث يؤمن بعضها بضرورته، ويؤمن البعض الآخر بحتميته، وهذا ليس جديداً على أية حال. كنا في الموقع نفسه تقريباً في كل الأزمات التي عرفها العرب، أقله منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وعندما يكون الموقف العربي على هذا النحو، إما مرتبكاً بصمت أو رافضاً بصمت أو قابلاً بصمت أيضاً، فإنه يعبر عن ضعف سياسي وعجز عسكري، ومن ثم عن غياب للرؤية. والدولة من دون موقف متماسك ومعلن – وبخاصة في اللحظات الحرجة – ليست دولة تماماً. في هذه الحال يعبر ارتباك الرأي العام العربي وتناقض مواقفه ما بين سذاجة أخلاقية أو انتهازية سياسية، عن طبيعة الدولة التي ينتمي إليها، والخطاب السياسي الذي تعتاش عليه من أزمة إلى أخرى، ومن مأزق إلى آخر.

السعودية وأميركا.. زمن الاختلافات

كاتب الموضوع الأصلي: صالح سعد

خالد الدخيل *
الأحد ١٥ سبتمبر ٢٠١٣

لم يحدث أن اختلفت الرياض مع واشنطن حيال قضيتين مهمتين من قضايا المنطقة في وقت واحد كما يحصل الآن. وقد تجلى ذلك في قضيتين ساخنتين تزامن انفجارهما في لحظة واحدة: القضية المصرية والقضية السورية. في مصر تدعم الرياض، على العكس من واشنطن، استعادة الجيش للحكم في مصر بعد أن عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي، بل ذهبت الرياض أبعد من ذلك بهدف تحييد استخدام المساعدات المالية الأميركية والأوروبية للضغط على الحكم الجديد في مصر، بأن أبدت استعدادها مع دول خليجية أخرى بتعويض مصر كل وقف لمثل هذه المساعدات. الأرجح أن الرياض وواشنطن تتفقان في رؤية أن ما حصل في مصر انقلاب عسكري، كما تتفقان في الهدف، وهو الحفاظ على استقرار مصر سياسياً. وهذا هدف يهم السعودية في هذه المرحلة أكثر من غيرها، في ضوء انهيار العراق وسورية معاً. ما عدا ذلك، هناك اختلاف واضح بين السعودية وأميركا حيال هذا الملف الآن، على رغم أن إدارة أوباما تقبلت أخيراً فكرة التعايش مع الحكومة الانتقالية المصرية، أولاً لأنها كذلك، وثانياً لمصلحة علاقة القاهرة بإسرائيل.
في ما يتعلق بالملف السوري، يبدو الاختلاف بين هذين الحليفين أبعد شقة وأكثر تعقيداً، فالرياض وواشنطن تتفقان في رؤيتهما للأزمة السورية لكنهما تختلفان في ما بعد ذلك في كل شيء تقريباً: في الأولويات والسياسة والهدف. السعودية ترى أنه فضلاً عن أن سقوط النظام السوري مطلب شعبي قضى من أجله عشرات الآلاف من القتلى ومئات الآلاف من الجرحى والمفقودين وملايين من المشردين داخل سورية واللاجئين خارجها، هو مصلحة إستراتيجية للمنطقة ولاستقرارها. في نظر الرياض، هذا نظام دموي يهدد حياة السوريين، ويهدد جيران سورية، ويعتاش على فكرة مدمرة اسمها تحالف الأقليات، وبسبب ذلك تحول إلى تابع للسياسة الإيرانية التي تهدف بدورها إلى تعميق فكرة الأقليات هذه في المنطقة.
لا تختلف إدارة أوباما في توصيفها لطبيعة النظام السوري ودمويته، لكنها لا تعتبر تغييره أولوية لها الآن. هي لا تمانع أن يتحقق ذلك، لكنها لا تريد أن تدفع ثمن هذا التغيير. ربما ترى أن تطورات الأزمة كفيلة بتحقيق هذا الهدف من دون أثمان لا لزوم لها. الثابت الوحيد في موقف أوباما، كما أشرت، هو أن المخرج من الأزمة في سورية غير ممكن إلا بحل سياسي يبدأ بمرحلة انتقالية. وأن هذا الحل يتطلب تفاهماً مع روسيا وإيران. صحيح أن أوباما توقف منذ زمن عن مطالبة الرئيس السوري بالتنحي، لكن الصحيح أيضاً أن التفاهم مع روسيا وإيران يفرض عليهما شيئاً ما حول هذا المطلب. واستمرار التفاهم وتطوره يعني إما أن إدارة أوباما تقبل بحل يتضمن بقاء الرئيس السوري، أو أن روسيا وإيران تقبلان بحل من دون الرئيس السوري.
إشارات التفاهم مع إيران تحديداً كثيرة ولافتة، وأطلقها أوباما نفسه في خضم حملته لإقناع الأميركيين بجدوى ضربة عسكرية محدودة للنظام السوري. وفي حديثه لأربع فضائيات أميركية الأسبوع الماضي، قال أوباما إن «إيران لعبت دوراً بناء لإقناع الرئيس السوري بالامتناع عن استخدام السلاح الكيماوي مرة أخرى». قبل ذلك كان أوباما، كما نقلت صحيفة «لوس آنجيليس تايمز» الأميركية قد بعث برسالة إلى الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني، نقلها السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان، أثناء زيارته لإيران أواخر أغسطس الماضي. ووفق الصحيفة، فإن أوباما اقترح في رسالته على القيادة الإيرانية «فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين»، ولمح إلى إمكانية تخفيف العقوبات الأميركية على إيران. توقيت الرسالة لافت، فهو جاء بعد استخدام النظام السوري السلاح الكيماوي في غوطة دمشق، والأزمة التي فجرها. ولافت أيضاً أنه بعد هذه الرسالة التزمت الحكومة الإيرانية الصمت عندما أعلن أوباما قراره بتوجيه ضربة عسكرية للنظام السوري. كما أنه لافت أيضا أن روحاني بعد الرسالة هنأ اليهود بعيد رأس السنة اليهودية باللغة الإنجليزية، وأعلن وزير خارجيته محمد ظريف، أن إيران لا تنكر الهولوكوست. واللافت رابعاً إسراع الرئيس السوري إلى قبول المبادرة الروسية، ما يعني أنه شعر بأنه سيكون وحيداً في مواجهة الأميركيين، إذا لم يمتثل لضغوط من حلفائه الروس والإيرانيين. كما يعني أن المبادرة الروسية لم تكن وليدة اللحظة التي أعلن فيها جون كيري مطلب تخلي النظام السوري عن سلاحه الكيماوي قبل أيام في لندن.
يتكامل مع ذلك ما قاله جيفري فيلتمان، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق الذي يعمل حالياً مساعداً للأمين العام للأم المتحدة، الخميس الماضي لفضائية الـCNN بأن التوصل إلى حل في سوريا يتطلب التفاهم مع إيران. أما التفاهم مع روسيا فهو واضح منذ الاتفاق على مسار جنيف العام الماضي، وقبول أوباما للمبادرة الروسية مؤخراً بشأن السلاح الكيماوي السوري. وآخر مؤشرات تمسك أوباما بهذا التفاهم ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية الجمعة الماضية عن استعداده للتخلي عن مطلب أن يتضمن قرار الأمم المتحدة استخدام القوة لضمان التزام النظام السوري بتسليم كامل ترسانته الكيماوية. وهو مطلب كانت روسيا قد رفضته مقدماً، وهددت باستخدام الفيتو لمنعه.
قبول أوباما المبادرة الروسية لا يعكس فقط حرصه على التفاهم مع الروس، بل يعكس أيضاً حرصه على الأمن الإسرائيلي، لكن قبوله المبادرة على هذا النحو، وبمعزل عن العناصر الأخرى للأزمة السورية، وخاصة مستقبل الرئيس السوري، يجعل من الأخير وكأنه طرف في اتفاق دولي إلى جانب أمريكا وروسيا، والحقيقة أنه ليس أكثر من غطاء لطرف آخر خفي حتى الآن في الاتفاق، وهو الطرف الإيراني.
ما معنى موقف الإدارة؟ هل هي مع حل سياسي ينتهي بتنحي بشار الأسد؟ أم يبدأ به؟ أم أن الأمر يجب أن يترك لتفاهم واتفاق الأفرقاء السوريين الذين سيتفاوضون على المرحلة الانتقالية ويتفقون على طبيعتها ومدتها والمآل النهائي لها؟ في ثنايا ما تتسم به مواقف الرئيس الأميركي من تردد وارتباك في نظر البعض، يبدو أنه يميل للخيار الأخير. الأمر الواضح بالنسبة له حالياً أنه لا تمكن مقاربة الحل السياسي المطلوب قبل الانتهاء من مسألة السلاح الكيماوي، وقبل تفاهم مع روسيا، ثم إيران، ما يعني أن هذا الحل لا يمكن أن يكون بالكامل على حساب روسيا أو إيران. في الغالب سيكون هذا الحل على حساب بشار الأسد، الذي حولته تطورات الأزمة إلى عبء على الجميع.
لا تنكر السعودية ضرورة التفاهم مع إيران، لكنها ترى أن التفاهم يجب أن يأتي عقب حل الأزمة السورية وليس قبلها. من جانبها، ترى واشنطن أن هذا التفاهم يجب أن يتوازى مع هذا الحل. والفرق بين الموقفين واضح: أسبقية الحل في هذه الحالة يحرم طهران من أوراق ليست من حقها أصلاً، وبالتالي يسمح بأن تعود سورية إلى محيطها العربي وأن تخرج من مأزق أنها تحولت مع الوقت إلى ورقة إيرانية على حساب دول الإقليم. في المقابل، يحقق توازي التفاهم مع الحل عكس ذلك تماماً.
والحقيقة أن موقف إدارة أوباما من الأزمة السورية ليس مفاجئاً، بل لا ينبغي أن يكون كذلك، فهو يتسق تماماً مع سياستها المعلنة حيال الشرق الأوسط،. ينبغي أن نتذكر أنه إلى جانب ميل أوباما للتفاهم مع الإيرانيين، نقل تركيز اهتمام إدارته من الشرق الأوسط إلى جنوب شرق آسيا (انظر الحياة 17 فبراير، 2013). وربما أن عملية النقل هذه هي التي اقتضت ذلك التفاهم. في كل الأحوال، فإن وصول أزمة سورية إلى المنحنى الحاد والغامض الذي وصلت إليه يفرض على السعودية مراجعة جدوى اعتماد أمن منطقة الجزيرة العربية والخليج على المظلة الأمنية الأميركية، فالواضح الآن أن الولايات المتحدة منذ غزوها العراق عام 2003، وتعايشها بعد ذلك مع النفوذ الإيراني هناك، تتجاهل مصالح حلفائها وانشغالاتهم السياسية والأمنية أو تقلل من أهميتها، وربما ترى أن مظلتها الأمنية كفيلة بالتعويض عن ذلك. انطلاقا من ذلك، تؤكد مواقف إدارة أوباما الأخيرة حاجة السعودية الملحة لمراجعة مفهومها لأمنها الوطني، وبالتالي مراجعة موقعها ودورها في تحالفها مع واشنطن.

ماذا بعد رفض السعودية عضوية مجلس الأمن؟

كاتب الموضوع الأصلي: صالح سعد

خالد الدخيل *
الأحد ٢٠ أكتوبر ٢٠١٣

القرار السعودي برفض عضوية مجلس الأمن كان مفاجئاً للجميع، ومربكاً لكثيرين. هو يطرح أكثر من سؤال، لكنه يؤكد شيئاً جديداً في علاقة التحالف التي تربط الرياض بواشنطن، وهو تزايد الخلافات في هذه العلاقة منذ ما قبل أحداث 11 ايلول (سبتمبر) 2001. يتساءل البعض: لماذا ترشحت السعودية لعضوية المجلس إذا كانت جهود الترشح ستنتهي على هذا النحو؟ ولماذا انتظرت السعودية حصول التصويت، ثم فوزها بالمقعد بنسبة عالية، لتعلن قرارها المفاجئ والصادم؟ هل فعلت ذلك بهدف تضخيم حجم المفاجأة ووقع الصدمة؟ أم أن القرار كان في الحقيقة قرار اللحظة الأخيرة، وبالتالي كان مفاجئاً حتى لبعض دوائر صنع القرار في الرياض نفسها، قبل أن يكون كذلك في نيويورك وواشنطن؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمتى كانت تلك اللحظة؟ وما الذي حصل أو استجد فيها، ما فرض قراراً لا سابقة له في تاريخ مجلس الأمن؟ ولماذا اختارت السعودية التعبير عن استيائها من أداء المجلس في ما يتعلق بالقضايا العربية وبخاصة الأزمة السورية، برفض عضويته، والتعبير عن احتجاجها من خارج المجلس بدلاً من قبول العضوية وممارسة هذه المعارضة من داخل المجلس؟
السؤال الأخير يرجّح أن القرار السعودي ليس موجهاً حصرياً لمجلس الأمن، وإنما موجه قبل ذلك إلى واشنطن. يبدو وكأنه صرخة احتجاج مدوية على التغيرات التي بدأت أخيراً تحصل بشكل تراكمي في السياسة الأميركية تجاه المنطقة، وأن هذه السياسة بدأت تأخذ منحى لا يبدو أنه يتسع كثيراً لمصالح حلفاء أميركا، وبخاصة السعودية، واعتباراتها السياسية في المنطقة.
يبدو أن أكثر ما أثار احتجاج الرياض هو موقف إدارة أوباما من الأزمة السورية، واختزال هذه الأزمة في موضوع السلاح الكيماوي السوري، وتجاهل أبعادها ومخاطرها الأخرى في الشام والجزيرة العربية، وتأثير ذلك على المصالح السعودية. في هذا السياق، لا تعطي إدارة أوباما أهمية للأزمة السورية ولا لمنطقة الشام إلا من زاوية واحدة وهي الأمن الإسرائيلي، ولهذا اكتفت بتسليم النظام السوري لسلاحه الكيماوي. الأسوأ أن هذه الإدارة تستخدم الأزمة السورية كورقة تفاوضية في محاولتها التفاهم مع إيران، وإعادة صوغ علاقة واشنطن معها بمعزل عن اهتمامات العالم العربي، وتحديداً بمعزل عن العلاقة مع السعودية. هذا يفرض سؤالاً مهماً: هل القرار السعودي جاء نتيجة فشل التفاهم مع إدارة أوباما لإزالة هذه الخلافات معها؟ مفاجأة القرار، والسرعة التي اتخذ بها، توحي بأن السعودية كانت ماضية في ترشحها، وكانت تريد أن تدخل مجلس الأمن، وفي الوقت نفسه كانت تجري حوارات وتفاهمات مع واشنطن حول التحولات الكبيرة في سياساتها، وانعكاسات ذلك على المنطقة، وخصوصاً عليها، وعندما لم تصل هذه التفاهمات إلى شيء يردم هوة الخلافات، ويغير التبعات السلبية لتحولات السياسة الأميركية، رأت الرياض أن قبولها لعضوية مجلس الأمن لن يكون له التأثير السياسي الذي تطمح إليه.
كان من الممكن التعايش مع التعنت الروسي في المجلس حيال الأزمة السورية، لكن التفاهم الأميركي – الروسي حول هذه الأزمة، ونجاح روسيا باختزال الأزمة بالسلاح الكيماوي، وقبول واشنطن بذلك، ثم الانفتاح الكبير والمفاجئ بين واشنطن وطهران، جعل السعودية تعتبر أنه لم يعد هناك معنى ذو قيمة لدخولها مجلس الأمن في هذه اللحظة، والسبب أنه في ضوء التطورات الأخيرة ستكون هناك تفاهمات مسبقة بين الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن في ما يتعلق بالأزمة السورية والقضية الفلسطينية، وهو تفاهم سيهمش دور الأعضاء غير الدائمين في شكل غير مسبوق.
إلى جانب ذلك، فإن قبول السعودية بعضوية مجلس الأمن في هذه الحال سيضعها في مسار تصادمي حتمي ومباشر مع واشنطن حول قضايا استراتيجية بالنسبة لكل منهما، وفي مقدم ذلك الأزمة السورية، والملف النووي الإيراني، والقضية الفلسطينية. طبعاً كان من الأفضل لو أن السعودية اقتحمت هذه التجربة الجديدة، ومارست دورها المعارض من داخل المجلس وليس من خارجه، لكنها اختارت عكس ذلك.
هل ستتمسك الرياض بموقفها؟ أم أنها قد تتراجع أمام ضغوط ستتعرض لها؟ التراجع غير متوقع من دون مقابل، فالخلاف يتعلق بقضايا مصيرية بالنسبة للسعودية. بالنسبة لأميركا هي قضايا مهمة، لكنها ليست مصيرية. الأمر الذي يشير إلى أن العلاقات السعودية – الأميركية دخلت مرحلة غير مسبوقة من الخلافات تبدو عصية على الحل. من هنا أرادت السعودية برفضها عضوية مجلس الأمن بعث رسالة احتجاج قوية إلى إدارة أوباما على اعتبار أنها هي التي دفعت بالأمور – بمواقفها الأخيرة – في هذه الاتجاه، وهي التي تجاهلت مصالح حلفائها، وأن الرياض لا يمكنها مجاراة المسار الذي بدأت تأخذه سياسة الإدارة الاميركية تجاه المنطقة.
لا شك في أن السعودية محقة تماماً في المآخذ التي تأخذها على السياسة الأميركية، وهي محقة أكثر في الإحباط الذي تشعر به من إدارة أوباما تحديداً لأنها أكثر إدارة أميركية تفتقد للحساسية تجاه مصالح حلفائها، ولكن لا يمكن للسعودية التقليل من مسؤوليتها عمّا آلت إليه الأمور. لم تدرك السعودية حجم التغيرات التي حصلت بعد الغزو العراقي للكويت والغزو الأميركي للعراق على المنطقة وللعالم، بما في ذلك أميركا والسعودية نفسها. ما كان ينبغي للرياض أن تتفاجأ بما حصل، وبخاصة تغيّر الرؤية الأميركية لمصالحها ولدورها الإقليمي، وبالتالي علاقاتها مع حلفائها. يبدو وكأن الرياض استكانت إلى أن تحالفها مع واشنطن سيبقى على صيغته التي بدأها مع لقاء الملك عبدالعزيز مع روزفلت منذ العام 1945 وحتى الآن. كما يبدو وكأن الرياض لم تنتبه لأهمية وخطورة سياسة أوباما في نقل التركيز الاستراتيجي الأميركي من الشرق الأوسط إلى المحيط الباسيفيكي، وما قد ينطوي عليه من تغيرات، وما يتطلبه من إعادة نظر في كل شيء، بما في ذلك التبعات السياسية التي ستترتب عليه، إلى جانب عوامل مثل التغيرات المتوقعة في خرائط النفط والغاز والأزمة المالية والتوازنات في أوروبا. هناك علاقة سببية مباشرة بين الانتقال إلى الباسيفيكي، وبين إصرار أوباما منذ أعوام على ضرورة التفاهم مع روسيا في أوروبا، ومع إيران في الخليج العربي، وهذا التفاهم فرض كما يبدو تراجع أهمية الأزمة السورية في الأولويات الأميركية.
كان الأمر يتطلب تغيراً مقابلاً في السياسة الخارجية السعودية، ولأن السياسة الخارجية امتداد للسياسة الداخلية للدولة، فإن التغيّر في الأولى غير ممكن من دون تغيّر في الثانية. بعبارة أخرى، إذا كانت المنطقة والعالم، بل والمجتمع السعودي نفسه قد تعرض لتغيرات كبيرة، فإن البنية السياسية للدولة السعودية – وبالتالي سياستها الخارجية – لا تستطيع أن تكون بمنأى أو بمعزل عن هذه التغيرات.
ما الذي تحتاجه السعودية الآن؟ تحتاج إلى تطوير مؤسسات الدولة وتفعيلها بدلاً من التركيز على مسألة الحكم وكأنها بمعزل عن ذلك، وهذا يتطلب أولاً إصلاحات تدعم وترسخ الاستقرار الموجود، وتوسع من القاعدة الشعبية لمؤسسات الدولة، وتُمأسس مسألة الحكم في إطار الدولة. وتحتاج ثانياً إلى قدرات عسكرية وبشرية وتكنولوجية ومعرفية تتناسب وحجم السعودية، وحجم دورها ومصالحها في المنطقة. في ضوء ذلك – ثالثاً – إعادة النظر في سياستها الخارجية وخريطة تحالفاتها الإقليمية والدولية، ولتحقيق ذلك لا بد من رؤية جديدة للدولة (لنفسها ولعلاقتها بمجتمعها)، وبرنامج ينطلق من هذه الرؤية، وهدف يسعى إلى تحقيقه.
بعبارة أخرى، تؤكد الأحداث والتطورات الإقليمية والدولية منذ الغزو العراقي للكويت وحتى أحداث الربيع العربي، أن مبدأ الاعتماد على حليف استراتيجي واحد لدولة إقليمية لم يعد خياراً عملياً ولا مجدياً. إذا كانت السعودية بأمس الحاجة لتنويع مصادر دخلها، والتخلص من تبعيتها للنفط، فإنها في الوقت نفسه في أمس الحاجة لتنويع تحالفاتها الإقليمية والدولية، وهذا غير ممكن من دون تغيّرات سياسية ودستورية وإدارية في الداخل.