أ.د. أحمد محمد وهبان

حقوق الانسان في الإسلام

كاتب الموضوع الأصلي: فهاد آل حشان 3332

حقوق الإنسان في الإسلام

الحق في اللغة هو الشيء الثابت دون ريب، وهو النصيب الواجب سواء كان للفرد أو للجماعة. ويعرف الحق بأنه ما قيم على العدالة والإنصاف ومباديء الأخلاق. والحق في الشريعة الإسلامية لفظ يشير إلى الله عز وجل وهو اسم من أسمائه الحسني جل شأنه.
وفي تحليل علاقة الإسلام بمفهوم حقوق الإنسان، ينبغي أن نعلم أن الإسلام كعقيدة وردت في مصدرين شريفين وهما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
تقوم العقيدة الإسلامية على مبدأ وحدة الجنس البشري. وأن الاختلاف بين البشر سواء في الأرزاق أو مصادر الدخل أو الأعمار أو الألوان أو الأعراق إنما يهدف إلى إعمار الكون في إطار من التعايش والتعاون والتكامل، وتتضح هذه الحقائق بلا لبس أو شك عند إلقاء نظرة على بعض الآيات القرانية الكريمة.

قال تعالى في سورة النساء ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)﴾

قال تعالى في سورة الحجرات ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)﴾

قال تعالى في سورة الروم ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ(22)﴾

ويؤكد الإسلام على الحرية التامة للعقيدة. ويتضح ذالك في قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ﴾

ومن الواضح أن الأساس الفلسفي الذي قام عليه مفهوم حقوق الإنسان هو تكريم الإنسان بما يمكنه من القيام بدوره في المجتمع وتحقيق تقدم المجتمع من خلال تقدم ورقى الفرد. وهذا الأساس هو نفسه الذي أشار إليه الإسلام في مواضع عديدة. وبصفة عامه تحكم علاقة المسلم مجموعة من الأحكام الإسلامية.
فعن الزهري عن سالم عن أبيه أن رسول الله قال”المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه. ومن كان في حاجه أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربه فرج الله عنه بها كربه من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة”
وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال، قال رسول الله “إن الله عز وجل يقول يوم القيامة يا ابن أدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال: أما علمت أن عبدي فلان مرض فلم تعده. أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟. يا ابن أدم إستطعمتك فلم تطعمني. قال: يارب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه إستطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذالك عندي؟ يا ابن أدم أستسقيتك فلم تسقني. قال: يارب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟. قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه.أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذالك عندي”
وتلك الأحاديث بينها رسول الله الكريم وكلها تقوم على مبدأ مراعاه الرفق والسماحة وغيره من المباديء السامية التي حث عليها الإسلام ورغب فيها.

محرقة سورية ورقة سياسية أميركية

كاتب الموضوع الأصلي: صالح سعد

خالد الدخيل *
الأحد ٢٧ أكتوبر ٢٠١٣

هل يمكن تفسير عدم مبالاة إدارة الرئيس أوباما بتصاعد مآسي الأزمة السورية، بأنها ترى في استمرار هذه الأزمة وارتفاع تكاليفها البشرية والمادية ورقة سياسية لها في المنطقة، لا علاقة لها بسورية أولاً، وبمعزل عن رؤية ومصالح حلفاء واشنطن ثانياً؟
هذا ما يشير إليه موقف الرئيس أوباما نفسه الذي ظل متردداً حيناً، وغير مبالٍ حيناً آخر بتطورات هذه الأزمة منذ الأيام الأولى للثورة، وحتى انزلاقها إلى حرب أهلية مدمرة على مرأى من العالم. لم يعد موقف أوباما موضوعاً للحديث خارج الولايات المتحدة أو على لسان خصوم ومنتقدي إدارته، بل بات موضوعاً يتم تداوله داخل العاصمة الأميركية وفي الإعلام الأميركي، وداخل دهاليز الكونغرس وعلى لسان مسؤولين سابقين في إدارة الرئيس نفسه. ولعل أفضل ما كتب عن ذلك هو التقرير الطويل على غير العادة الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية يوم الإثنين الماضي. يتتبع هذا التقرير الكيفية التي تعاملت بها إدارة أوباما مع الأزمة السورية منذ أيامها الأولى، وحتى الاتفاق الأخير مع الروس حول السلاح الكيماوي السوري. خلال ذلك المسار ظل الرئيس أوباما متردداً أمام كل منعطفات الأزمة السورية، عندما كانت تقارير الاستخبارات الأميركية تقول إن أيام الرئيس السوري باتت معدودة بعد مرور سنة على الثورة والزخم الذي تمتعت به، وبقي الرئيس على موقفه عندما انقلبت صورة المشهد السوري، وبدأت تكشف عن استعادة النظام لزمام المبادرة في ميدان القتال، وتراجع المعارضة المسلحة، بل واقترابها من الانهيار – بحسب الصحيفة -. الأكثر من ذلك، أن أوباما بقي على موقفه حتى عندما كان موقف غالبية مستشاريه مؤيداً لاتخاذ موقف حازم بدعم الثوار وتسليحهم.
بعد بداية ولايته الثانية، في بداية هذا العام، التأم اجتماع للرئيس أوباما مع مستشاريه في البيت الأبيض حول الموقف في سورية، والخيارات المتاحة أمام واشنطن. حينها تقدم مدير «سي آي إي» الجديد، ميشيل موريل، الذي خلف الجنرال بترايوس، باقتراح تسليح المعارضة السورية، وهو المقترح الذي كان قد تقدم به بترايوس من قبل. وتم النقاش حول الموضوع، ثم أنهى أوباما الاجتماع بقوله: «أشكر الجميع. سأفكر في الموضوع». تنقل الصحيفة عن مسؤولين حاليين وسابقين في الإدارة بأن لغة الجسد للرئيس أثناء الاجتماعات حول هذه القضية كانت معبّرة عن موقفه. «في الغالب يبدو شارداً، مستعجلاً وفاقداً للصبر وهو يستمع للنقاش الدائر. في بعض الأحيان ينشغل باستعراض الرسائل على جهاز «بلاك بيري» الذي يملكه، أو يبدو في حال استرخاء وهو يمضغ علكته».
عندما يكون موقف رئيس الولايات المتحدة على هذا النحو من التردد أو عدم المبالاة أمام أزمة بحجم الأزمة السورية فإن هذا يؤشر في شكل جلي إلى أنه لا يرى حجم وأهمية الأزمة كما هي عليه في ذاتها، ولا حتى بالدرجة التي يراها غيره، سواء من بين مستشاريه أم من بين حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة التي تنتمي إليها الأزمة نفسها. ومع أن أوباما ليس وحده بمثل هذا الموقف داخل إدارته إلا أن غالبية مستشاريه لا يشاطرونه الرأي في ذلك، كما يبدو.
السؤال، لماذا لا يرى الرئيس الأزمة السورية بحجمها الحقيقي وليس المفترض؟ ولماذا يبدو متردداً أمام حزم الروس في دعمهم للنظام السوري، وحماسة الإيرانيين في دعم بشار الأسد؟ بل لماذا لا يأخذ في حساباته الاعتبارات والمصالح السياسية لحلفاء واشنطن حيال الأزمة السورية، ورؤيتهم لحجم ومخاطر هذه الأزمة عليهم؟
يكشف التاريخ القصير لتعامل إدارة أوباما مع الأزمة السورية أنه لا يرى سورية إلا من خلال أمرين: أحدهما قديم، وهو الملف النووي الإيراني. والثاني مستجد، وهو قراره الشهير بنقل التركيز الاستراتيجي لإدارته من الشرق الأوسط إلى المحيط الباسيفيكي الذي يمثل الساحل الغربي للولايات المتحدة، وتشترك فيه مع منطقة جنوب شرق آسيا. ولعل أكثر ما يعبّر عن الكيفية التي ينظر بها أوباما إلى الأزمة السورية وعدم اكتراثه باستمرارها، هو ما عبّر عنه رئيس موظفي البيت الأبيض دينيس مكدانو، المقرب من أوباما، والذي يشاطره الرأي تماماً حيال الأزمة السورية. فبحسب صحيفة «نيويورك تايمز» يشكّك دينيس في أن لأميركا مصلحة في تخفيف العنف في سورية. وتنقل الصحيفة عن مسؤولين في الكونغرس بأن دينيس قال لهم في شهر حزيران (يونيو) الماضي أثناء رحلة إلى قاعدة غوانتنامو البحرية بأن «الوضع الحالي في سورية سيشغل الإيرانيين لسنوات». ويضيف بأن «اشتعال حرب بين القاعدة وحزب الله في سورية، هو أمر في مصلحة الولايات المتحدة» – كما يقول دينيس -.
موقف أوباما المتردد وتصريحات رئيس موظفي إدارته والمقرب منه توحي بأن الإدارة لا ترى فائدة من الاستعجال في إنهاء الأزمة السورية، على رغم ما تتسبب به من قتل ودمار للسوريين، وما تمثله من مخاطر على الجميع.
المدهش في الموضوع، أن موقف الرئيس الأميركي يتكامل على هذا النحو مع موقف الرئيس السوري والموقف الإيراني من الأزمة نفسها. فالرئيس السوري يرى أن السبيل الوحيد لإقناع المعارضة بأن ليس أمامها إلا الاستسلام هو الذهاب إلى أبعد مدى في الحل الأمني، والمزيد من القتل والدمار في كل سورية. ولتحقيق ذلك يحتاج إلى فسحة طويلة من الوقت وإلى غطاء وعدم تدخل خارجي وعدم تزويد الثوار بالمساعدات العسكرية، وهذا تحديداً ما تفعله إدارة أوباما تماماً منذ بداية الأزمة وحتى الآن. من جانبها، تنطلق إيران في دعمها للرئيس السوري من فكرة تحالف الأقليات في المنطقة، ولأن الرئيس السوري ينتمي إلى أقلية العلويين، ومتمسك بالحل الأمني مهما كان مدمراً للإبقاء على حكمه الأقلوي في سورية، فإنه يمثل خيار إيران السياسي الأفضل الذي يستحق الدعم القوي والثابت. الرئيس السوري هو الحليف الوحيد في المنطقة للحكم في إيران الذي هو بدوره حكم أقلوي – طائفي. ومن الواضح في هذه الحال أن بقاء بشار الأسد في حكم سورية يدعم الدور الإقليمي الإيراني الذي يستند إلى فكرة تحالف الأقليات ذاتها. لا تبدو إدارة أوباما معنية بهذه الأبعاد المركزية للأزمة السورية وللدور الإيراني فيها. بدلاً من ذلك، اختزلت الإدارة هذه الأزمة في السلاح الكيماوي، وتوظف استمرارها كورقة تفاوض مع الإيرانيين حول ملفهم النووي. الأسوأ أنها لا تبدو معنية بالتداعيات التي قد تترتب على مواقفها المترددة على مستقبل الشام برمته، وبالتالي على حلفائها، وبخاصة السعودية والأردن وتركيا.
عادت «نيويورك تايمز» إلى الموضوع نفسه أمس السبت، في تقرير أشارت فيه إلى أن محاولة السعوديين صوغ استراتيجية بديلة فشلت أمام انقسام المعارضة السورية وصعود دور الجهاديين هناك. يوحي التقرير بأن السعوديين بدلاً من أن يلوموا أنفسهم وحلفاءهم، يصبون جام غضبهم على واشنطن، والحقيقة أن ذلك لا يخفي حقيقة السياسة الأميركية، سواء في لحظة نجاح الثورة أم بعد انزلاقها إلى جمود عسكري في حرب أهلية مدمرة. موقف السعوديين من واشنطن ومخاوفهم من سياساتها تجاه المنطقة مبرر تماماً، لكن لا يجب أن يتوقف الأمر عند حدود التعبير عن الإحباط والمخاوف. يكشف موقف إدارة أوباما عن مخاطر الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية. هذه مظلة معرضة للثقوب. حصل ذلك مع إدارة بوش السابقة وسياستها الحمقاء في العراق، ويحصل الآن مع إدارة أوباما وقصر نظر رؤيتها للأزمة السورية ولمنطقة الشام ككل. يبدو أن التحالف الذي قاد تحرير الكويت من الاحتلال العراقي لن يتكرر مرة أخرى. انتهى هذا التحالف، وكانت نهايته باحتلال أميركا للعراق وتدميره ثم تسليمه للإيرانيين كما قال الأمير سعود الفيصل عام 2005. عند هذا المنعطف، وللتأكيد، لا بد للرياض من إعادة النظر في صيغة تحالفها مع أميركا وطبيعة الدور السعودي في هذا التحالف ثم في مفهوم الأمن الوطني السعودي، وعلاقة كل ذلك بتطوير قدرات السعودية السياسة والمؤسساتية والعسكرية. أميركا صديقة، والتحالف معها كقوة عظمى مفيد للطرفين على مختلف المستويات، لكن حماية الأمن الوطني السعودي تعتمد على السعوديين سياسياً وعسكرياً قبل غيرهم.

ثورة 17 فبراير

كاتب الموضوع الأصلي: احمد العلوان336

ثورة 17 فبراير أو الثورة الليبية وقد يشير إليها البعض باسم الحرب الأهلية الليبية هي ثورة اندلعت وتحولت إلى نزاع مسلح إثر احتجاجات شعبية بداية في بعض المدن الليبية ضد نظام العقيد معمر القذافي، حيث انطلقت في يوم 15 فبراير اثر اعتقال محامي ضحايا سجن بوسليم فتحي تربل في مدينة بنغازي فخرج أهالي الضحايا ومناصريهم لتخليصه وذلك لعدم وجود سبب لاعتقاله،[5] وتلتها يوم 16 فبراير مظاهرات للمطالبة باسقاط النظام بمدينة البيضاء[6] فاطلق رجال الامن الرصاص الحي وقتلوا بعض المتظاهرين، كما خرجت مدن جبل نفوسه الزنتان ويفرن ونالوت والرجبان[7] في نفس اليوم وقام المتظاهرون في الزنتان بحرق مقر اللجان الثورية، وكذلك مركز الشرطة المحلي، ومبني المصرف العقاري بالمدينة،[8] وازدادت الاحتجاجات اليوم التالي وسقط المزيد من الضحايا وجاء يوم الخميس 17 فبراير/شباط عام 2011 م على شكل انتفاضة شعبية شملت بعض المدن الليبية في المنطقة الشرقية فكبرت الاحتجاجات بعد سقوط أكثر من 400 ما بين قتيل وجريح برصاص قوات الامن ومرتزقة تم جلبهم من قبل النظام. وقد تأثرت هذه الاحتجاجات بموجة الاحتجاجات العارمة التي اندلعت في الوطن العربي مطلع عام 2011 م وبخاصة الثورة التونسية وثورة 25 يناير المصرية اللتين أطاحتا بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك. قاد هذه الثورة الشبان الليبيون الذين طالبوا بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية. كانت الثورة في البداية عبارة عن مظاهرات واحتجاجات سلمية, لكن مع تطور الأحداث وقيام الكتائب التابعة لمعمر القذافي باستخدام الأسلحة النارية الثقيلة والقصف الجوي لقمع المتظاهرين العزّل، تحولت إلى ثورة مسلحة تسعى للإطاحة بمعمر القذافي الذي قرر القتال حتى اللحظة الأخيرة. وبعد أن أتم المعارضون سيطرتهم على الشرق الليبي أعلنوا فيه قيام الجمهورية الليبية بقيادة المجلس الوطني الانتقالي، وفي يوم 20 انتفضة مدينة طرابلس وهي العاصمة الليبية وقد افلح شباب العاصمة بإسقاط العاصمة ونظام القدافي في تسع ساعات وبعدها في يومي 21 و22 أغسطس دخل الثوار إلى العاصمة طرابلس المحررة من شبابها بالاحتفال وقامو جميع الثوار بسيطرة على آخر معاقل القذافي وقتل الأخير في سرت بحلول يوم 20 أكتوبر.

حكم معمر القذافي
مقال تفصيلي :تاريخ ليبيا المعاصر

إدريس السنوسي، ملك ليبيا منذ الاستقلال عامَ 1951 وحتى انقلاب القذافي (ثورة الفاتح من سبتمبر) عام 1969.
في شهر فبراير عام 1943م انتهى الغزو الإيطالي لليبيا بعدَ حملة عليها من طرف دولتي بريطانيا وفرنسا، اللتين نجحتا في دحر إيطاليا وألمانيا من البلاد بالقوة العسكرية وتقاسماتها جنباً إلى جنبٍ معَ بقيَّة المُستعمرات الإيطالية، فحصلت بريطانيا على إقليمي برقة وطرابلس فيما أخذت فرنسا إقليم فزان،[9] واستمرَّ الوضع كذلك حتى أعلن في 24 ديسمبر 1951 عن استقلال ليبيا رسمياً، وبذلك قامت المملكة الليبية المتحدة.[10] ظلَّت المملكة الليبية بقيادة إدريس السنوسي تحكم ليبيا تحتَ نظام ملكيٍّ وراثي حتى تاريخ 1 سبتمبر 1969،[11][12] عندما استغلَّ الملازم معمر القذافي[13] وُجود الملك السنوسي خارج البلاد لتلقي العلاج ونفذ انقلاب سبتمبر[13] ليُعلن قيام الجمهورية العربية الليبية،[14] ثمَّ أعلن في 2 مارس 1977 عن بدء “سلطة الشعب” وغير اسم الدولة إلى الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية[15] (وأضاف لاحقاً كلمة “العظمى” في 14 أبريل 1986 بعدَ الغارات الأمريكية على ليبيا، بصفتها تحدَّت دولة عظمى).[بحاجة لمصدر]

معمر القذافي بجانب جمال عبد الناصر عام 1969، بعدَ انقلابه على الملكية مُباشرة.
بعدَ “إعلان قيام سلطة الشعب” في عام 1977 تغيَّر نظام الحُكم في ليبيا إلى نظام مُعقد وغير اعتياديٍّ وضع أسسه العقيد معمر القذافي،[16] وهوَ ما يُسميه النظرية العالمية الثالثة[17] (باعتباره طريقة الحُكم الثالثة بعدَ الماركسية والرأسمالية)،[18] التي ألف لها كتاباً اسمه الكتاب الأخضر يَشرح أسسها ومفاهيمها.[14] ويَعتمد نظام الحُكم هذا الذي أسسه القذافي على مبدء اللجان الشعبية، إذ أن المؤتمر الشعبي العام يُعد أعلى سلطة تشريعيَّة في الدولة وفق هذا النظام، حيث يَحل مكان مجلس الوزراء ويَقوم بسن القوانين وغيرها من التشريعات، ويَتكوَّن هذا المؤتمر العام من مُمثلين عن عامة الشعب، إذ أن سكان البلاد مُقسمون إلى وحدات محلية تحوي كلٌّ منها 1,000 شخص، يَقومون بدورهم بانتخاب شخص منهم ليُمثلهم في المؤتمر.[19]
يُعد معمر القذافي أطول حاكم غير ملكيٍّ من حيث مدة الحُكم في تاريخ العالم أجمع، وأطول حاكم في تاريخ ليبيا منذ أن أصبحت ولاية عثمانية عامَ 1551م،[20] لكنه معَ ذلك يَعتبر أنه ليسَ حاكماً ولا يَملك أيَّ منصب، إنما “قائداً” و”زعيماً” فيما يَحكم الشعب نفسه بنفسه. كان القذافي إنساناً غريبَ الأطوار بشكل عام، وكثيراً ما كان يُحاول الخروج عن المُعتاد في أفكاره، فكان يُلقب نفسه بـ”ملك ملوك إفريقيا”، ويَدعو إلى دولة مُتحدة في فلسطين باسم “إسراطين”،[18] كما ألغى التقويم الهجريَّ في ليبيا واعتمدَ تقويماً شمسياً جديداً يَبدأ تأريخه من وفاة النبي محمد ويَعتمد تسميات خاصة للأشهر مُختلفة عن سائر التقاويم الأخرى[21] (وقد آثار تقويمه هذا انتقادات واسعة في الأوساط العربية).[22] كانت العلاقات عموماً متوترة بين القذافي والغرب خلال مُعظم فترة حكمه، ووصلَ الأمر إلى حد فرض عُقوبات قاسية ضد ليبيا في مجلس الأمن الدولي عام 1989، لكن معَ ذلك فبعدَ رفع المجلس لعقوباته في عام 1998[14] عادت العلاقات بين ليبيا والغرب للتحسُّن بسرعة والتوطد إلى حد كبير، ومن ضمن ذلك دفعه تعويضات بمقدار 2.7 مليار دولار إلى الغرب عام 2003 بسبب التوترات السابقة، ثمَّ تفكيكه لأجهزته النووية وإلغاء برنامجه النووي وإهداء مخططاته ومعداته كافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

حقوق الإنسان في عهد القذافي
شهد فترة حكم القدافى سجل حافلا في مجال حقوق الإنسان وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وزاد قمع الحريات وتقنين الصحافة والرقابة على المطبوعات وزاد سجناء الراى والسجناء السياسين وغيبو وقتل المئات منهم والنتكيل والتهجير باسرهم وزاد الخوف من أجهزة الامن والبوليس السياسى. ولا ننسى فترة الاعدامات الجماعية التي راجت في نهاية السبعينات ومنتصف التمانينيات وراح ضحيتها العديد من طلبة الجامعات والمثقفين واصحاب الفكر السياسى المناهض لفكر القدافى واعدموا على في الساحات والميادين والجامعات[بحاجة لمصدر].
[عدل]الاحتقانات الشعبية في عهد القذافي

حفل بمدينة بنغازي في ذكرى مجزرة بو سليم عام 2011.
أبرز ثلاث احتقانات وأحداث شعبية شهيرة في عهد القذافي هيَ مجزرة سجن أبو سليم عام 1996 ومجزرة مشجعي كرة القدم عام 1996 ومظاهرات بنغازي عام 2006.
ففي عام 1996 قامت أجهزة الأمن الليبية بارتكاب إحدى أكبر المجازر في عهد القذافي بسجن أبو سليم، وهو سجن يُؤوي المُعتقلين السياسيين في المقام الأوَّل، ويُعد أكثر سجون ليبيا إحكاماً وتحصيناً، وبنقيض باقي سجون البلاد فهوَ لا يَخضع لإدارة وزارة العدل الليبية بل يُدار مُباشرة من طرف الأمن الداخلي.[23] لكن في شهر يونيو عام 1996 تمرَّد عدد كبير من السجناء مُطالبين بأن يُحاكموا بشفافية بدلاً من اعتقالهم قسرياً وبأن يَحصلوا على ظروف معتقل أقل سوءاً،[24] وتمكن المُتمؤدون من السَّيطرة على جزء من السجن وطرد الحرس منه،[25] ونتيجة لهذا فقد أطلقت أجهزة الأمن الليبية حملة يوم 28 يونيو من ذلك العام لقمع التمرُّد،[26] واقتحمته في ذلك اليوم ميليشات القذافي معَ العديد من القادة الأمنيين البارزين مثل عبد الله السنوسي وموسى كوسا.[25][27] وبعدَ بعض المُفاوضات بينهم وبين المُتمردين، بدأت عملية اقتحام المناطق التي يُسيطر عليها السجناء باستخدام الرشاشات والقنابل اليدوية، وبذلك بدأت المَجزرة، التي قبضوا خلالها على مئات المُتمردين وقاموا بتصفيتهم جماعياً، ويُقدر عدد ضحاياها بحوالي 1170 قتيلاً.[25][28]
وفي عام 1996 نفسه حدثت مجزرة أخرى أصغرَ حجماً في العاصمة طربلس أيضاً، إذ انتصرَ نادي الأهلي الطرابلسي على النادي الاتحادي في إحدى مباريات كرة القدم، فتحمَّسَ مشجعو الأهلي وأخذوا بالهتاف ضد النادي الاتحادي وتأييداً للأهلي،[29][30] وقد كان وقتها الساعدي القذافي – ابن معمر القذافي – حاضراً في المباراة على المنصة الشرفية، فلم تَرق له هتافات الجمهور لأنه كان عضواً في النادي الاتحادي آنذاك، ولذلك أمرَ قوَّات الأمن بإطلاق النار على المُشجعين فوقعت المجزرة[31] التي راحَ ضحيتها 20 مدنياً ممن كانوا يَهتفون للنادي الأهلي.[30] وقد تسبَّبت هذه المجزرة بإغلاق نادي الأهلي والاتحاد وتجميد نشاط كرة القدم في كافة أنحاء ليبيا لمُدة ثلاث سنوات كاملة.[31][32]
وفي بنغازي اندلعت أحداث عام 2006 بسبب أزمة الرسوم المسيئة للنبي محمد، التي خرج رداً عليها المئات في المدينة في يوم الجمعة 17 فبراير واتجهوا نحوَ القنصلية الإيطالية بها،[33][34] وحاولَ المُتظاهرون اقتحام القنصلية فاعترضتهم قوَّات الشرطة، ثمَّ صعدَ فتى إلى مبناها وانتزعَ العلم فأطلقت الشرطة عليه النار،[35] وبذلك بدأ الاشتباك بين المُتظاهرين الغاضبين ورجال الشرطة الذي تطوَّر إلى استخدام الرَّصاص الحي وانتهى بمقتل 11 متظاهراً وسُقوط ما لا يَقل عن 35 جريحاً.[33][34] وبعدَ هذه المجزرة تطوَّرت الأحداث، فاندلعت الاحتجاجات مُجدداً يوم السبت وأحرق المُتظاهرون الغاضبون القنصلية الإيطالية بعدَ أن اتجهوا إليها مُجدداً،[35] وخلال فترة أيام 18 – 20 فبراير توسعت دائرة مطالب المُحتجين، فأخذوا بالتوجه نحوَ رموز السلطة بليبيا نفسها، وأحرقوا أربع مقارٍ للشرطة ومبنيي الضرائب والمباحث الجنائية فضلاً عن اقتحامهم لمديرية الأمن في بنغازي، وكانت حصيلة المباني الحُكومية التي أحرقوها في آخر الأمر حوالي 30 مبنى. وفي سبيل احتواء هذه الاحتجاجات أعلنت السلطات الليبية الحداد على “شهداء” مجزرة 17 فبراير وأقالت وزير الأمن العام بالبلاد، كما اهتمَّت بنقل عددٍ من جرحى المُظاهرات للعلاج في الخارج.[35] وبعدَ وُصول الاحتقان إلى هذا المستوى على مدى أربعة أيام من التوترات في مدينة بنغازي، انتهت الأحداث بفرض السلطات الليبية لحالة الطوارئ وإعلانها حظر التجوال في المدينة، معَ إرسال تعزيزات أمنية إليها من المناطق المُجاورة للحرص على عدم تكرار المُظاهرات.[35]
كما شهدت مدينة البيضاء في 1 سبتمبر عام 2006 احتجاجاً عارمة أثناء احتفال انقلاب 1969 أو مايعرف الفاتح، وقام بعض المواطنين بالهجوم على عربات بها دبلوماسيين والعقيد القذافي احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية بالمدينة، مما أدى إلى كسر نوافذ السيارات ولم يصاب على اثرها أي شخص.[36]
أخرها شهدت مدينة يفرن في 24 ديسمبر عام2008 والتي تعد حاضرة أمازيغ ليبيا احتجاجات كبيرة بعدما قام مجموعة لسيف الإسلام نجل القذافي باقتحام المدينة ومداهمة لعدد كبير من منازل الناشطين حول قضية حقوق الثقافة الأمازيغية مما أثار غضب أبناء المدينة وتم حصار المدينة وقطع الكهرباء والإتصلات عنها وهدد القذافي بقصفها بالطائرات.[37]
[عدل]الدعوة إلى الثورة

العلم الليبي القديم بعد الاستقلال وأثناء الملكية التي أطاح بها القذافي عام 1969م، الذي أصبح شعاراً للمحتجين.
أنشأ الناشط “حسن الجهمي” المتخصص في مجال المعلوماتية يومَ الجمعة 28 يناير صفحة على موقع الفيسبوك الاجتماعي تدعو إلى انطلاق ثورة في كافة أنحاء ليبيا يوم 17 فبراير،[38] في ذكرى أحداث مدينة بنغازي عامَ 2006 الخامسة (طالع الفقرة أعلاه للتفاصيل)، وللتخلص من الفقر والتعبير عن حقوق الشعب الطبيعية حسبَ وصف صاحب الصفحة لوظيفتها.[39] وسُرعان ما بدأت صفحته بالانتشار، وبدأ بتشكيل شبكة اتصالات معَ ناشطين آخرين في البيضاء وبنغازي وطرابلس يَدعون إلى انتفاضة مُشابهة في البلاد.[38]
وبالتزامن معَ ظهور هذه الدعوات على الإنترنت، في أوائل شهر فبراير ادعى “المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية” أنه علمَ من مصادر مطلعة في السلطات الليبية أن هناك خططاً لاحتواء أي حراك شعبيٍّ مستقبلي مُحتمل بتنفيذ عددٍ من الإصلاحات السياسية والاجتماعية في البلاد، ستتضمن تشكيل حكومة جديدة لوضع دستور جديد وسن قانون للأحزاب.[40] كما قالَ المؤتمر في يوم 4 فبراير أن خطبَ الجمعة في مُختلف أنحاء ليبيا تناولت موضوع أمن واستقرار البلاد وركزت عليه، مما اعتبره مُحاولة أخرى لاحتواء الحراك الشعبي.[41] وفي الأيام الأولى من شهر فبراير أيضاً، اجتمعَ مسؤولون في النظام أكثر من مرة معَ ناشطين ومثقفين وممثلين للقبائل الليبية لإبلاغهم بضرورة الحفاظ على الأمن والاستقرار، وحماية الشعب والمواطنين مما يُنشر على الإنترنت من دعوات محرِّضة.[42]
وقبل انطلاق الانتفاضة بقليل، اجتمعت جهات وتنظيمات وقوى مُختلفة من المعارضة الليبية في الخارج بمبادرة وترتيب كل من [43] اعلامية وشاعرة) مجاهد البوسيفي(كاتب صحفي)طارق القزيزي(صحفي وناشط) إبراهيم جبريل(مخطط استراتيجي) لمُناقشة الوضع السياسي في البلاد يومَ الإثنين 14 فبراير، وصفت نفسها بأنها: “تنظيمات وفصائل وقوى سياسية مستقلة وشخصيات وطنية ليبية ومنظمات وهيئات حقوقية مهتمة بالشأن الليبي العام”. وأصدرت هذه الجهات والتنظيمات معاً بياناً موحداً طالبت فيه الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي بالتنحي عن الرئاسة ونقل نظام الحُكم بشكل سلمي ليُصبحَ مرتكزاً على أسس الديمقراطية.[44]
وفي النهاية في يوم 14 فبراير وقبل بدء الثورة بيوم واحد ألقت السلطات الليبية القبضَ على المحامي فتحي تربل في بنغازي المُعارض لنظام القذافي والمسؤول عن قضية أهالي ضحايا مجزرة سجن أبو سليم في القضاء،[45][46] بالإضافة إلى عدة ناشطين آخرين بينهم المُدوِّن “فرج الشراني”، مما اُعتبرَ الشرارة الأولى الفعلية للاحتجاجات الليبية ومُفجِّرها الرئيسيّ.[24][47]
[عدل]أحداث الصراع

ويكي الأخبار بها أخبار متعلقة: تصنيف:أيام ثورة 17 فبراير
مقال تفصيلي :حرب ثورة 17 فبراير
مقالات تفصيلية :حرب الجبل الغربي 2011 و حرب الصحراء الليبية 2011
[عدل]اندلاع الاحتجاجات

رُسوم كاريكاتيرية تستهزئ بالقذافي في مدينة بنغازي، إحدى أولى المدن التي ثارت في ليبيا.
إندلعت الثورة قبل اليوم المحدد 17 فبراير، إذ خرجت مظاهرة في مدينة بنغازي يوم 15 فبراير وأغلبية المتظاهرين كانوا من أهالي شهداء بو سليم الذين كانوا على موعد كل يوم سبت لوقفة إحتجاجية والمطالبة بمكان الجثث ومحاكمة المسؤول عن القضية وفي يوم 15 فبراير أعتقل محامي هذه العائلات فتحرك الشباب للخروج في مظاهرة مبكرة قبل اليوم المتفق عليه في شبكة الإنترنت وكان المحامي فتحي تربل هو الفتيل الذي بدأت به شرارة الثورة. وبعدَ اعتقال الناشطين فتحي تربل وفرج الشراني،[47] خرجَ الآلاف للتظاهر في مساء يوم الثلاثاء 15 فبراير أمام مديرية الأمن بمدينة بنغازي.[48] وسُرعان ما جاءَت مجموعة من البلطجية الذين كانوا يَهتفون تأييداً للعقيد معمر القذافي وهاجمت المُحتجين، فتطوَّرت المُظاهرة إلى اشتباك عنيف استَخدم المُتظاهرون خلاله الحجارة والزجاجات الحارقة لإبعاد المُهاجمين. وقد انتهت الوقفة الاحتجاجية عندما وصلت مجموعات من الشرطة النظامية واستخدمت الهراوات وخراطيم المياه لتفريق المُتظاهرين،[48] وكانت حصيلة الاشتباكات في آخر الأمر سقوط 38 جريحاً.[38] وبالتزامن معَ هذه المُظاهرة، خرجت في المقابل مسيرات مؤيدة للعقيد القذافي في مدن أخرى بأنحاء ليبيا منها بنغازي نفسها وسرت وسبها والعاصمة طرابلس.[49] وبعدَ انطلاق هذا الحراك الشعبي المفاجئ لم يَمضي وقت طويل حتى أُعلنَ الإفراج عن فتحي تربل في وقت متأخر من مساء الثلاثاء، كما وعدت السلطات الليبية بالإفراج يومَ الأربعاء عن 110 سجناء آخرين من معتقلي سجن أبو سليم.[50]

الاشتباكات بين الأمن والمُتظاهرين في مدينة البيضاء خلال يوم الغضب الليبي بتاريخ 17 فبراير.
كما انطلقت مظاهرات تطالب بإسقاط النظام في مدينة البيضاء يوم 16 فبراير وهي الأولى من نوعها في ليبيا وسقط بالمدينة حوالي 3 قتلى[51] وتعد من إحدى شرارت ثورة 17 فبراير[52]، وأخيراً انطلقت الاحتجاجات في أنحاء ليبيا يومَ الخميس 17 فبراير تحتَ شعار “يوم الغضب الليبي”، ووصلت إلى سبع مدن هيَ بنغازي والبيضاء وطبرق ودرنة وأجدابيا ونالوت والزاوية والزنتان ويفرن،[53][54]، ومناطق مجاورة كيفرن[55][56] وخلال برهة وصلَ الأمن لفض المُظاهرات، فتطوَّرت بسرعة إلى مواجهات عَنيفة بين الطرفين، وقامَ المُتظاهرون بإحراق العديد من المباني الحكومية في مدن مختلفة،[57] وفي النهاية تعرَّضت العديد من المُظاهرات لإطلاق النار والفض بالرَّصاص الحي، وتراوحت إحصاءات أعداد القتلى من 11 إلى 49 قتيلاً موزعين بين مدن بنغازي والبيضاء وأجدابيا ودرنة.[58][59] وذلك على الرغم من أن بعض رجاء الأمن قد انضموا إلى المُحتجين وامتنعوا عن إطلاق النار عليهم،[53] فيما كان ردُّ الفعل الحكومي الأول هوَ إقالة مسؤول أمنيٍّ في مدينة البيضاء.[58] لكن من جهة أخرى فإن السلطات بدأت حملة اعتقالات في طرابلس ألقي القبض خلالها على 14 ناشطاً على الأقل، وربَّما كان ذلك تحسباً لاحتجاجات مُشابهة مثل ما حدث في مدن أخرى.[57]
ارتفعَ عدد المدن المحتجة إلى 16 معَ قدوم يوم الجمعة 18 فبراير، إذ بلغت المُظاهرات مدن بنغازي والبيضاءو طبرق ودرنة وأجدابيا والمرج وطبرق والقبة وشحات ويفرن والزنتان والزاوية ونالوت وجادو والرجبان وزوارة وكاباو وطرابلس (في تاجوراء وسوق الجمعة وفشلوم وجنزور).[60] وقد كرَّرَ المُتظاهرون – خصوصاً في بنغازي – أعمال حرق المباني الحكومية كما في اليوم السابق، فيما وصلَ الأمر إلى حد شنق شرطيَّين في البيضاء.[61] وكما في اليوم السابق أيضاً استخدمَ الرَّصاص الحي ضد المحتجين، فسقطَ 24 قتيلاً موزعين على مدن بنغازي والبيضاء ودرنة.[59][60][62] وبنهاية اليوم كانت المُظاهرات قد عمَّت مدينتي البيضاء والزنتان تماماً، وتمكن المُحتجون – بعدَ انضمام الأمن والشرطة إليهم – من طرد أنصار القذافي بالكامل تقريباً من كلا المدينتين، وأصبحتا تحتَ سيطرة المُتظاهرين.[60]
[عدل]المجازر ضد المحتجين

مشهد من داخل مبنى “كتيبة الفضيل” (مديرية الأمن) في مدينة بنغازي الذي أحرقه المُحتجون يوم 20 فبراير بعدَ أن سلمتهم إياه قوات الأمن المنشقة.
وخرجت في يوم الخميس17 فبراير مسيرة بمدينة بنغازي لتشييع قتلى اليومين السابقين، فأطلقت مجموعات من المغاوير النار على المُحتجين بكثافة وقصفتهم بالأسلحة الثقيلة ومضادات الطائرات، مما أدى إلى سُقوط 15 قتيلاً على الأقل حسبَ منظمات حقوق الإنسان الدولية،[63] لكن مع ذلك فقد قال الناشط فتحي تربل أن العدد قد يَصل إلى 200 قتيل في بنغازي وحدها منذ بداية الاحتجاجات،[64] في حين أفادت مصادر طبيَّة يوم الأحد التالي أنه يُوجد في “مستشفى الجلاء” بالمدينة حوالي 300 جثة لقتلى من الاحتجاجات فضلاً عن وُجود قرابة 1,000 جريح فيه، مما يُمكن أن يَعني أن عدد ضحايا المجزرة أضخم بكثير.[65] كما سقط في مدينة البيضاء وحدها ما يقارب 150 قتيل[66]، وسقط قتيل آخر في مصراتة خلال تفريق مُظاهرة.[64] وفي يوم الأحد 20 فبراير استمرَّت الاضطرابات في بنغازي، وخرجَ عشرات آلاف المُتظاهرين إلى الشوارع فهاجمهم مُسلحون وتسبَّبوا بسُقوط 50 قتيلاً.[65][67] وبعدَ هذه الاشتباكات أعلنت قوَّات من الأمن والجيش انضمامها إلى المحتجين، وسلمتهم مبنى مديرية الأمن بالمدينة فنهبوه وأحرقوه.[65] وبعدَ انضمام الأمن والجيش هذا اضطرَّ أنصار القذافي والموالون له إلى الانسحاب من المدينة، فأصبحت تحتَ سيطرة المحتجين بالكامل هيَ الأخرى مثل البيضاء والزنتان فيما أطلقوا عليه “تحرير المدينة”.[67] وإلى جانب هذه المدن الثلاث، أفادَ ناشطون أيضاً بسيطرة المُحتجين على مدينة رابعة يومَ الأحد هيَ الزاوية بعدَ خروج مُظاهرات حاشدة فيها.[68] وفي العاصمة طرابلس خرجت مُظاهرات بالآلاف في منطقتي سوق الجمعة والدهان شرقي المدينة، وانشقت قوَّات الأمن والشرطة مُلتحقة بالمُتظاهرين فانسحبَ أنصار القذافي، وأعلنت قوَّات الجيش في قاعدة معيتيقة الجوية المُجاورة انشقاقها أيضاً، فوقعَت المنطقة بأكملها بذلك في قبضة المُحتجين، الذين حاصروا مقرَّ الإذاعة وقرُّوا التوجه نحوَ الساحة الخضراء وسطَ العاصمة حيثُ بدؤوا اعتصاماً مفتوحاً. لكن سُرعان ما جاءَ مرتزقة أجانب ليبدؤوا بإطلاق النار على المُعتصمين، ثمَّ انطلقت مُظاهرة مناصرة للقذافي في الساحة واصطدمت معَ المناهضين له.[69][70] كما قطعت خدمات الإنترنت بالكامل عن ليبيا في مساء الأحد.[71]
وبعدَ أحداث العاصمة هذه، ظهرَ سيف الإسلام القذافي في خطاب على التلفاز للمرَّة الأولى منذ اندلاع الاحتجاجات، حذر خلاله من إمكانية اندلاع حرب أهلية في ليبيا بسبب طبيعتها القبلية منبهاً إلى أنها “ليست تونس أو مصر”، كما وعدَ بسن قوانين إصلاحية وتعديل الدستور لإرضاء المحتجين.[72] وبعدَ هذا الخطاب تأججت المُظاهرات وخرجت في مَناطق مُختلفة من العاصمة، من ضمنها شارع عمر المختار، وقامت الحشود الغاضبة بإحراق العديد من المباني الحكومية في المدينة.[73][74]
وقد كان الأهم من انضمام الجيش في يوم الأحد هوَ بروز بعض ردود الفعل المحلية الأولى اتجاه الاحتجاجات، إذ استقالَ مندوب ليبيا في الجامعة العربية معبراً عن انحيازه إلى “الثورة الشعبية”،[75] وفي المُقابل أعلنت قبائل كبرى عديدة من قبائل ليبيا دفعة واحدة عن انحيازها إلى المحتجين وتخليها عن نظام القذافي، أبرزها قبيلتا ورفلة – أكبر قبيلة في البلاد بتعداد يَبلغ مليون نسمة – وترهونة – ثاني أكبر قبيلة بنفس التعداد تقريباً والتي يَنتسب إليها معظم جنود الجيش -، فضلاً عن “قبيلة الزوي” في مناطق حقول النفط بالجنوب التي أعلنت أنها ستُوقف ضخَّ النفط إلى العالم خلال 24 ساعة إن لم يَتوقف “سفك الدم الليبي”.[76][77][78]
خرجت مدن جديدة في يومَ الإثنين 21 فبراير عن سيطرة نظام القذافي وسقطت في أيدي المُحتجين بعدَ انضمام الجيش إلهيم وحمايته لهم، من أبزرها مدينة طبرق في الشرق ومدن مصراتة وخمس والزاوية وزوارة في الغرب.[79] أما في العاصمة، فقد دعى ناشطون إلى إطلاق مسيرة مليونية بمشاركة المدن المُحيطة التي اتُفق أن تزحف الحُشود منها نحوَ طرابلس، لكن ذلك لم يَتحقق.[80] إذ بدأت قوَّات من المرتزقة – حسبَ إفادات شهود وناشطين عديدة – بعد ذلك مُباشرة بارتكاب “مجزرة” في العاصمة بعدَ التحاق الغالبية العُظمى من القوات المسلحة بالمحتجين ومعَ قطع الكهرباء والماء والاتصالات عن المدينة ومُحاصرتها، فتم قصف المدنيين العزل والمُتظاهرين بالمروحيات جواً والآليات الثقيلة براً مستخدمين مضادات الطائرات وغيرها من القذائف في أحياء ومناطق عديدة منها تاجوراء وسوق الجمعة – حيثُ نفذ إنزال جوي للمرتزقة وبدؤوا بقصف المدنيين المُحتشدين – وفشلوم وحي الأندلس، بالإضافة إلى إطلاق النار على كل من يَمشي في الشوارع في كافة أنحاء العاصمة، وقد انتهت عمليَّات القصف هذه بمقتل 250 مدنياً على الأقل.[80][81][82] وأما المدن التي كانت تُحاول الحشود فيها الزحف نحوَ طرابلس كمصراتة مثلاً، فقد تعرَّض المُحتجون فيها للقصف بالطائرات العسكريَّة لإجبارهم على التراجع، مما أوقعَ الكثير من الخسائر في صفوف المتظاهرين.[80]
وفي تطوُّر غير مسبوق في استقالات السلك الدبلوماسي يومَ الإنين، أعلنَ 6 سفراء لليبيا في دول بريطانيا وبولندا والصين والهند وإندونيسيا وبنغلادش استقالتهم دفعة واحدة.[83] فيما وصلت الانشقاقات إلى الوزراء، حيثُ أعلن وزيرا العدل مصطفى عبد الجليل وشؤون الهجرة والمغتربين علي الريشي استقالتهما احتجاجاً على “العنف في قمع الاحتجاجات”.[84][85][86][87][88]
خرجت مُظاهرات عارمة في مدينة صبراتة يوم الثلاثاء 22 فبراير أحرق خلالها المُحتجون مُعظم المكاتب الأمنية في المدينة، فنأرسلت السلطات وحدات من الجيش إليها.[89] أما في العاصمة فقد ألقى العقيد معمر القذافي خطابه الثاني، الذي حذر فيه من أنه سيَسحق “المتمردين” كالجرذان، وأنه لن يَتوانى عن استخدام القوَّة إذ اضطر لذلك، كما تحدَّث كثيراً عن تاريخ إنجازاته وأمجاده.[90] وقد كانت العاصمة هادئة قبلَ هذا الخطاب، لكن بعدَه مُباشرة بدأ إطلاق نار في مناطق عدة واندلعت اشتباكات في حي بن عاشور، فيما حاصرت قوَّات المرتزقة المدينة من كل الجهات.[91][92] وعندَ هذه المرحلة من تطوُّر الاحتجاجات، أصبحَ شرق ليبيا بأكمله وبجميع مدنه تحتَ سيطرة المُحتجين، من طبرق شرقاً قربَ الحدود حتى أجدابيا غرباً مروراً بدرنة والمرج والبيضاء وبنغازي، وزيادة في سيطرتهم عليه انشقت يومَ الثلاثاء كتائب الجيش الليبي في الجبل الأخضر وقبضَ أهالي مدينة البيضاء وحدهم على 400 مرتزق كانوا يُحاولون قمع الاحتجاجات هناك.[89][93][94] أما على انشقاقات النظام، فقد استقالَ يوم الثلاثاء سفراء ليبيا في فرنسا وأذربيجان ومنظمة اليونسكو احتجاجاً على قمع المُظاهرات،[83] فيما تفاقمت استقالات الوزراء بانشقاق وزير ثالث هوَ وزير الداخلية عبد الفتاح يونس العبيدي.[95][96][97]
سقطت في يوم الأربعاء 23 فبراير مدية جديدة في أيدي المُحتجين، هيَ مصراتة الوَاقعة شرق طرابلس.[93] وقد كانت العاصمة هادئة خلال اليوم، معَ عدم مُلاحظة وُجود غير اعتيادي للأمن والجيش، على الرغم من أن الشوارع ظلَّت خالية تماماً نتيجة لاستهداف أي شخص يَمشي فيها بالرَّصاص مباشرة.[93][94] وفي الشرق سيطرَ الثوار على مدينة البريقة بمُساعدة كتائب أمنية مُنشقة.[98] أما عدد القتلى الإجماليِّ في أنحاء ليبيا فقد بلغ بحلول الأربعاء 640 قتيلاً الغالبية العُظمى منهم في بنغازي وطرابلس وحدهما، في حين وصلت بعض التقديرات إلى 2,000 قتيل.[94] اقتحمت كتائب القذافي يومَ الخميس 24 فبراير مدينة الزاوية وأطلقت النار برشاشات مضادة للطائرات على المُحتجين المُعتصمين في ساحتها، فسقطَ 16 إلى 23 قتيلاً جرَّاء ذلك، لكن المُحتجين عادوا للتجمُّع وأبقوا المدينة تحتَ سيطرتهم بعد انتهاء الهجوم مُباشرة.[99][100] وفي مصراتة بلغت كتيبة خميس القذافي المدينة صباح اليوم لتبدأ هجوماً مفاجئاً عليها سيَستمر لشهور لاحقة، وقتلت خلاله منذ اليوم الأول 4 من المدنيِّين.[101][102] أما مدينة زوارة المثجاورة فقد اختفى الأمن منها وسقطت في أيدي المُحتجين. وفي العاصمة اقتحمَت قوات القذافي المستشفيات وقامت بتصفية جرحى المُظاهرات الذين نقلوا إلى هناك سابقاً، فيما اختطفت الجثث، بينما ظلت شوارع المدينة خالية تماماً.[100][103]
في صباح يوم الجمعة 25 فبراير أغارت كتائب القذافي على مدينتي الزاوية ومصراتة، لكن الأهالي صدوا الكتائب في كلا المدينتين. وقد اندلعت الاحتجاجات بالعاصمة في أكثر من 7 مواقع وحاولت بلوغ الساحة الخضراء، لكن 15 قتيلاً سقطوا بين المُحتجين بعدَ قمع جميع المُظاهرات.[102][104][105][106] كما سقطت في أيدي المُحتجين مدن الزنتان وجادو ونالوت.[107] وتعرَّضت مدينة الزاوية لهجوم جديد يوم السبت 26 فبراير أوقع 50 قتيلاً بعدَ قصف مُتظاهرين بالمدفعية الثقيلة.[108][109]
وعلى الصعيد الدولي صدرَ أول قرار رسمي بشأن الأحداث في ليبيا من مجلس الأمن الدولي، إذ أصدرَ قرار المجلس رقم 1970 الذي فرض عدداً من العُقوبات على نظام القذافي وقياداته وأسرته وأدان بشدة قمع الاحتجاجات،[110][111] فأدان القذافي بدوره القرار واعتبرَ أنه باطل ورفع بشأنه مذكرة إلى محكمة العدل الدولية.[112] ومعَ هذا التطور الدولي جاءَ تطور محليُّ كبير آخر، إذ شهدَ يوم الأحد 27 فبراير الإعلان عن تأسيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي في شرق ليبيا بالمدن التي سيطرَ عليها المُحتجون، الذي أكَّد أن تشكيله كان بالتعاون معَ قيادات الثوار في جميع مدن البلاد، وأن لديه مجالس في كافة المدن وليسَ من الوارد عنده بأي شكل تقسيم ليبيا، فيما أعلنَ ناشطون في غرب البلاد أن مدن الغرب تضع نفسها تحتَ إدارة المجلس الانتقالي.[113][114]
[عدل]بدء الصراع المسلَّح

مُتظاهرون يُسيطرون على دبابة في مدينة بنغازي بعدَ طرد الأمن منها.
حملَ الثوار في يوم الخميس 17 فبراير الأسلحة النارية للمرَّة الأولى، إذ كان ذلك في مدينة البيضاء ومحيطها عندما انشقت “كتيبة الجارح” التابعة للحرس الجمهوري الليبي وبدأ جنودها بتبادل إطلاق النار معَ الجنود الموالين للقذافي، وبذلك اندلعت معركة البيضاء،[115] فأخذ ثوار البيضاء السلاح من بعض مخازن الذخيرة واتجهوا به إلى موقع كتيبة الجارح في مدينة شحات المُجاورة للبيضاء ولمساندة المُنشقين بالقتال، ومن ثم إلي مطار الأبرق الذي دارت به معارك، حيث تمكنوا الثوار من الاستيلاء على بعض الطائرات التي حطَّت فيه، وتدمير مهابط المطار في 18 فبراير 2011.[116] في الوقت نفسه ونتيجه لمحاولات نظام القذافي لقمع الثورة بجبل نفوسه الغربي بالألات الحربية الثقيله تكاثف الثوار المنتفضين بمدن كيفرن والزنتان وجادو ونالوت وتسلحوا بالعتاد لمواجهة تلك الالات الثقيله ولاحقاً في 21 فبراير هاجمت كتائب القذافي المطار لانتزاعه من أيدي الثوار، لكنهم نجحوا في إسقاط طائرة عمودية،[117] فنشبَ أوَّل اشتباك مسلَّح في الثورة الليبية.[118] وبعدها تكرَّرَ الأمر مرة أخرى في يوم الإثنين 28 فبراير بمدينة مصراتة، حيثُ دافعَ الثوار بالأسلحة أيضاً عن المدينة التي تعرَّضت لهجوم آخر من طرف كتيبة خميس القذافي، وتمكنوا من إسقاط طائرة حربية تابعة للكتائب وتفجيرها بعدَ معركة قرب قاعدة جوية هامة،[119] كما استخدموا المدفعية المضادة للطائرات في اليوم ذاته بمدينة أجدابيا لصد طائرات كانت تُحاول قصف مخزن الأسلحة القريب منها.[120] لكن معَ ذلك فإن حركة الاحتجاجات لم تكن قد تحوَّلت بعدُ إلى ثورة مسلَّحة عندَ هذه المرحلة، إذ أن استخدام السلاح ظلَّ محدوداً بهاتين المدينتين وبهذه الاستخدامات البسيطة.[119][120] وفي يوم الثلاثاء 29 فبراير سقطت مدينة الكفره في يد الثوار، فيما صدَّ ثوار مصراتة ويفرن والزاوية والزنتان هجمات مُختلفة لكتائب القذافي.[121]
في مدن الشرق الليبي التي خرجت منذ وقت مُبكر عن سيطرة القذافي، استولى الثوار – بطبيعة الحال – على عددٍ كبيرٍ من مخازن الأسلحة بعدَ أن أحكموا سيطرتهم على تلك المناطق، وحصلوا منها على كميات كبيرة من الذخيرة التي يُمكنها تسليح آلاف المُقاتلين.[122] وعلى الرغم من استعداد العديد من الثوَّار للزحف غرباً نحوَ المناطق التي لا زالت خاضعة للقذافي،[123] فإن قادة المجلس الوطني الانتقالي وقتها – في أواخر شهر فبراير – لم يَتشجعوا للأمر ونفوا أن يَحدث ذلك في الفترة الحالية، خصوصاً بعدَ أن اتصلوا بناشطين وثوار آخرين في العاصمة طرابلس ليَقترحوا عليهم الزحف غرباً لمُساندتهم، فرفض هؤلاء قائلين أن الأوضاع لا زالت تحت سيطرتهم في العاصمة وأنهم ليسوا بحاجة إلى مُساعدة، ولذا فقد توقف الأمر عندَ ذلك الحد.[124] لكن المجلس أخذ معَ ذلك بتشكيل جيش رسميٍّ له للمرَّة الأولى هوَ جيش التحرير الوطني الليبي، حيث أفادَ عسكريون بوُجود متطوعين ومنشقين من الجيش والأمن يُشكلون معاً وحدة عسكرية لنزع سيطرة القذافي عن باقي ليبيا، وقالوا في يوم الثلاثاء 1 مارس أن عدد المُتطوعين المُجتمعين في مدينة أجدابيا أصبحَ حوالي 10,000 مقاتل.[121] وفي أواخر شهر فبراير أيضاً كانَ بعض الثوار في الجبل الغربي بمدن كالزاوية مُسلحين بأسلحة أخذوها من مخازن الذخيرة، وكانوا يُطلقون النار بها في الهواء قائلين أنهم لا زالوا يَتظاهرون سليماً، لكنهم سيُقاتلون عندَ اللزوم.[125]

الثوار يَرفعون علم الاستقلال في مدينة البريقة بعدَ أيَّام من معركة البريقة الأولى.
اندلعت المَعارك المسلحة الحقيقية للمرَّة الأولى بليبيا في يوم الأربعاء 2 مارس عندما اجتاحت 500 آلية عسكرية من كتائب القذافي مدينة البريقة، فبدأت بذلك معركة البريقة الأولى التي انتهت بعد عدة ساعات بتمكن الثوار من صدِّ الكتائب في اشتباكات أدت إلى سُقوط 18 قتيلاً واستخدمَ الثوار خلالها الأسلحة النارية الخفيفة.[125][126][127] وبعدَ هذه المعركة توجه آلاف الثوار من أجدابيا إلى البريقة لمساندة المُقاتلين هناك.[128] وقد قصفت كتائب القذافي مدينتي أجدابيا والبريقة بعدَ هذه الأحداث في يوم الخميس.[129][130] في يوم الجمعة 4 مارس سيطرَ الثوار على بلدتي العقيلة وغراميد وزحفوا منهما إلى مدينة رأس لانوف نتيجة لسماعهم عن انشقاقات في صفوف الكتائب بها،[131][132] وسيطروا عليها بعدَ معركة عنيفة في المدينة،[133] بينما راحَ 50 قتيلاً على الأقل ضحيَّة الاشتباكات المُستمرة في مدينة الزاوية.[134] دارت في يوم السَّبت معارك ضارية بمدينة الزاوية أسفرت عن سُقوط عشرات القتلى،[135] بينما أعلن أهالي قرية النوفلية انضمامهم إلى الاحتجاجات.[136] وفي يوم الأحد اندلعت معارك عنيفة في بلدة بن جواد بعدَ أن بلغها الثوار خلال زحفهم نحوَ الغرب، لكنها انتهت بانتصارهم وسيطرتهم عليها.[137][138][139]
استمرَّت المَعارك العنيفة في مدن الزاوية ويفرن ونالوت ومصراته غرباً وبن جواد شرقاً لمُدة أسبوع كامل بعد ذلك،[140][141][142] وفي آخر الأمر استطاعت قوَّات القذافي السيطرة على مدينة الزاوية وإنهاء معركة الزاوية الأولى لصالحها بعدَ قمع انتفاضة المدينة في يوم الخميس 10 مارس،[143] فيما تمكنت شرقاً من الانتصار في معركة بن جواد الأولى بالسَّيطرة على البلدة ودحر الثوار بها وبرأس لانوف في يوم الجمعة 11 مارس،[144] أما مدينتي مصراتة ويفرن فقد بقيت تحتَ سيطرة الثوار بعدَ هذه المعارك الطويلة طوالَ الأسبوع.[145] انسحبَ الثوار من مدينة العقيلة بالشرق يوم السبت معَ استعادة ثوار الزاوية بالغرب سيطرتهم على “ميدان الشهداء” وسط المدينة،[146][147] بينما اندلعت اشتباكات شديدة في البريقة يوم الأحد 13 مارس بعدَ أن بلغتها كتائب القذافي، وانتهت بنتيجة غير واضحة بعدَ وُصول ادعاءات عديدة من كلا طرفي الصِّراع عن سيطرتهم على المدينة.[148][149] لكن بحلول يوم الإثنين 14 مارس كانت البريقة تحتَ سيطرة الثوار تماماً،[150] وبالمقابل تعرَّضت أجدابيا المُجاورة لها لقصف جويّ،[151] فيما انتصرت الكتائب على الثوار في معركة زوارة بغرب البلاد وتمكنت من قمع انتفاضة المدينة كلياً.[151]
في يوم الأربعاء 16 مارس نشبت معارك شديدة في مصراتة انتهت بسُقوط زهاء 100 قتيل ما بين ثوار ومرتزقة ومدنيين،[152][153] وتكرَّرت يوم الجمعة مُتسببة بسقوط 25 قتيلاً آخرين.[154] وفي فترة أيام الثلاثاء – الخميس انسحبَ الثوار أخيراً من مدينة البريقة، فتقدَّمت الكتائب شرقاً لكي تبدأ معركة أجدابيا الأولى، واندلعت فيها طوال هذه الأيام الثلاثة اشتباكات عنيفة جداً حاصرت الكنائب خلالها المدينة وقصفتها بالمدفعية براً والسفن بحراً والطائرات جواً،[155][156][157][158] فيما استخدمَ الثوار بدورهم الطيران الحربي للمرَّة الأولى وأغرقوا باستخدامه ثلاث سفن فضلاً عن تفجير العديد من الآليات العسكرية،[159] وانتهت المعركة بسُقوط أكثر من 50 قتيلاً بين الطرفين.[160][161][162]
[عدل]التدخل الدولي

بقايا مجموعة من ست عربات مدفعية ذاتية الدفع تابعة لكتائب القذافي على طريق بنغازي – أجدابيا تدمَّرت خلال الغارات الفرنسية على قوات الكتائب يوم 19 مارس.
في يوم السبت 19 مارس انتصرت كتائب القذافي في معركة أجدابيا الأولى وبدأت تقدُّمها نحوَ بنغازي عاصمة الثوار بادئة بذلك معركة بنغازي الثانية.[163] وبعدَ ساعات من الاشتباكات العَنيفة على المشارف الغربية للمدينة (التي انتهت بتدمير عدة دبابات للقذافي وسُقوط طائرة تابعة للثوار)،[164] خرجَ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من مؤتمر حولَ الوضع الليبي كان قد عُقد في باريس ليُعلن إقرار قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 وبدء الحظر الجوي على ليبيا بعدة ضربات استهدفت الكتائب المُتمركزة حول مدينة بنغازي.[154][165][166] وبعدَ ساعات من الغارات الجوية التي دمَّرت ما لا يَقل عن 15 دبابة و20 عربة مدرعة أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية نجاحها وحلفاءها في إيقاف الهُجوم على المدينة،[167][167][168] مما أدى إلى انسحاب الكتائب سريعاً نحوَ مدينة أجدابيا غرباً.[169][170] وكانت المدينة بعدَ ذلك مسرحاً لمعركة عنيفة على مدى الأسبوع التالي، منذ يوم 21 مارس وحتى السبت 26 مارس عندما انتصرَ الثوار أخيراً[171][172][173] بعدَ سُقوط أكثر من 180 قتيلاً خلال الاشتباكات.[174][175][176][177][178][179] أما مدينة الزنتان فقد شهدت خلال هذه الأيام الستة معارك عنيفة وقصفاً بالدبابات أسفرا عن سُقوط 16 قتيلاً،[180][181] لكن في نهايتها تمكن الثوار من إجبار الكتائب على الانسحاب وفك الحصار عن المدينة في 24 مارس بعد أن استمرَّ منذ 3 مارس.[182]
في مساء 26 مارس وتحتَ وطأة قصف دوليٍّ استمرَّ أسبوع كاملاً على قوات القذافي أجبرت هذه القوات على التقهقر عبرَ الساحل الليبي والانسحاب من مدنه واحدة تلوَ الأخرى،[183] وهنا انطلق الثوار من أجدابيا بعد انتصارهم فيها لكي يَبسطوا سيطرتهم على البريقة فالعقيلة فرأس لانوف فبن جواد،[168][184] بل إن أنباءً أفادت بانسحاب بعض آليات الكتائب من سرت نحو العاصمة طرابلس.[185] وفي صباح 28 مارس تابعَ الثوار تقدمهم فسيطروا على بلدة النوفلية، كما انتشرت شائعات عن سيطرتهم على سرت نفسها، غيرَ أنها نُفيَت لاحقاً. وخلال تقدمهم سُرعان ما فوجئ الثوار بكمين نصبته لهم كتائب القذافي في منطقة الوادي الأحمر على مسافة 30 كم شرق سرت،[186] وتحت وطأة هذا الهُجوم أجبرَ الثوار على التراجع مسافة 100 كيلومتر حتى مدينة بن جواد لكي تبدأ معركة بن جواد الثانية، حيث أبدى الثوار مقاومة في وجه الكتائب التي بدأت بمعاودة تقدمها لاستعادة ما فقدته.[187][188] لكن لم تستمرَّ المعركة طويلاً، فبحلول نهاية 29 سبتمبر سقطت بن جواد في أيدي كتائب القذافي،[189] وانتقلت بذلك المعارك إلى رأس لانوف، لكن سُرعان ما سقطت تلك الأخرى في يوم الأربعاء 30 سبتمبر بعد معارك قصيرة.[190] وأما على جبهة الزنتان فقد عادت الكتائب لقصف المدينة في 28 مارس واستمرَّت بذلك لمدة ثلاثة أيام،[191][192] ثمَّ فرضت عليها حصاراً طويلاً معَ توقف الاشتباكات تقريباً بينها وبين الثوار.[193]

تطورات الجبهة الغربية من الحرب الليبية.
██ سيطر عليها المتظاهرون بحلول 1 آذار. (المرقطة: أقصى تقدم للموالين للقذافي بين نيسان وأيار.)
██ تقدم المعارضون بحلول 1 آب.
██ تقدم المعارضون بعد الهجوم النهائي على طرابلس في آب.
██ آخر معاقل الموالين للقذافي.
في صباح يوم الخميس 31 مارس بلغت كتائب القذافي مدينة البريقة خلال تقدمها على طول ساحل البلاد الشرقي، وبذلك استعادت كل الأراضي التي كانت في يدها قبل بدء المعارك المسلَّحة، ثمَّ شرعت في دخول البريقة نفسها، وبذلك بدأت معركة البريقة الثالثة.[194] دارَ أوَّل اشتباك من اشتباكات المعركة في يوم الخميس نفسه،[195][196] وبعد وقت قصير انسحبَ الثوار مهزومين إلى أجدابيا شرقاً للاستعداد لصدِّ زحف الكتائب المتنامي هناك.[197] وفي 1 أبريل عاودت الكتائب التقدم نحو أجدابيا، لكن الثوار صدوها[198] على الرغم من عدم تمكنهم من العودة إلى البريقة،[199] وفي 2 أبريل عادَ الثوار أخيراً إلى البريقة وبسطوا سيطرتهم على معظمها بعد اشتباكات عنيفة[200] أسقطت 20 قتيلاً بين الطرفين،[201][202] لكن بقيت بعض جيوب المقاومة التابعة للكتائب في المدينة.[203] في يوم السبت تراجع الثوار كثيراً،[204] لكنهم استعادوا السيطرة مرة أخرى على معظم مناطق المدينة بحلول يوم الأحد 4 أبريل.[205] لكن مع ذلك فقد أجبر الثوار على الانسحاب من البريقة تماماً تحت وطأة القصف العنيف في 5 أبريل،[206] ثم عادوا إليها في اليوم التالي.[207] وفي 7 أبريل دارت الاشتباكات الأخيرة في البريقة،[208] لكن مع قتل حلف الناتو 45 من الثوار بغارتين خاطئتين[209] وتجدد قصف الكتائب عمَّت الفوضى صُفوفهم، واضطروا إلى الانسحاب مئة كيلومتر شرقاً نحو أجدابيا،[210] وكان تلك هي آخر معركة على أرض البريقة طوال الشهور الأربعة القادمة من الحرب الليبية.
وفي مصراتة، تسبَّب قصف عنيفٌ واشتباكات على مداخل المدينة الشرقية والغربية والجنوبية دامَا أكثر من أسبوعٍ من 27 مارس إلى 4 أبريل بسُقوط 160 قتيلاً بين المدنيّين، لكن مع ذلك فقد تمكن الثوار من صد جميع هجمات الكتائب.[211][212] أما في الجبل الغربي فقد أحكمت كتائب القذافي في 4 أبريل سيطرتها على منطقتي ككلة وتاغمة، فيما اشتبكت مع الثوار في مدينتي القلعة ويفرن، وأما الزنتان فاستمرَّ حصارها مع قصف مدفعيٍّ متقطع من طرف الكتائب.[212] واستمرَّت الاشتباكات حول يفرن والحصار والقصف في الزنتان بعد ذلك لمدة يومين حتى 5 أبريل،[213][214][215] وفي 6 أبريل سيطر الثوار على منطقة ككلة، فيما استمرَّت حملات الاعتقالات ضد الثوار في مدينتي الزاوية وزوارة منذ قمع الكتائب انتفاضتيهما قبل شهر تقريباً.[216]
[عدل]جمود جبهة الشرق

تطورات الجبهة الشرقية من الحرب الليبية.
██ سيطر عليها المتظاهرون بحلول 1 آذار. (المرقطة: تقدم القوات الموالية قبل تدخل الأمم المتحدة بأواسط آذار)
██ سيطر عليها المعارضون بعد تدخل الأمم المتحدة. (المرقطة: مناطق متنازع عليها من آذار وحتى أواخر آب).
██ تقدم المعارضون خلال أيلول.
██ آخر معاقل الموالين.
بعد انتهاء معركة البريقة بانتصار كتائب القذافي، بدأت هذه بالتقدم شرقاً بادئة معركة أجدابيا الثانية، لكن لم تدم المعركة طويلاً. في 7 و8 أبريل دارت اشتباكات خفيفة حولَ أجدابيا، لكن الكتائب لم تستطع حتى بلوغ مشارف المدينة،[217][218] ومع ذلك فقد تركها معظم سكانها خوفاً من اندلاع المَعارك، فتحوَّلت إلى مدينة شبه مهجورة.[219] في 9 أبريل بدأت كتائب القذافي هجوماً عنيفاً على أجدابيا من جميع الجهات،[220] وبعد هذا الهُجوم انسحب الثوار إلى وسط المدينة وجهزوا أنفسهم فيه للدفاع بقوة، فيما تركوا الكتائب تدخل أطرافها[221] لكي تبدأ حرب عصابات عنيفة بين الطرفين في الوسط،[222] وفيما أصبحَ الوسط ساحة قتال عنيفة ظلَّ الشرق والغرب هادئين، إذ كان الأول بيد الثوار والآخر بيد الكتائب دون حدوث مواجهات.[223]
في 10 أبريل تجددت المعارك، واستخدم الثوار خلاله مروحيتين عسكريتين للمرة الأولى[224] بالإضافة إلى طائرة، غير أن المروحيتين دمِّرتا خلال المعارك، وأما الطائرة فأوقفَها حلف الناتو قبل وُصولها ساحة المعركة عملاً بالحظر الجوي.[225] لكن معَ ذلك فبنهاية اليوم كان الثوَّار قد أحكموا سيطرتهم على مدينة أجدابيا وطردوا الكتائب منها بالكامل، وبذلك انتصروا في معركة أجدابيا الثانية.[226] بانتهاء هذه المعركة، دخلت المعارك على جبهة شرق ليبيا حالة من الجُمود غير المسبوق ببدء صراع البريقة وأجدابيا، فطوالَ الشهور الأربعة التالية لم يَتمكن أي من الطرفين (لا الثوار ولا الكتائب) من إحكام سيطرته على أي من مدينتي أجدابيا والبريقة، إذ كانت الأولى في يد الثوار والثانية في يد الكتائب، واستمرَّت معارك الكر والفر بينهم لمدة أربعة شهور دون نتيجة ولا حسم للصراع، بل إن الاشتباكات نفسها أصبحت أمراً شبه معدوم ونادرَ الحدوث.
على جبهة الغرب، لم يَكن الوضع مختلفاً كثيراً خلال أواسط شهر أبريل. في 9 أبريل قصفت الكتائب مدن يفرن والرجبان والزنتان في الجبل الغربي،[227] لكن عُموماً ظلَّ الحراك العسكريُّ في المنطقة ضعيفاً، باستثناء مصراتة التي استمرَّت الاشتبكات والمعارك فيها طوالَ الوقت. استمرَّت المعارك في مصراتة وبعض الاشتباكات في الزنتان طوالَ الأسبوع التالي لذلك،[228][229][230] لكن في 14 أبريل حدث بعض التصعيد، إذ قصفت الكتائب ميناء مصراتة بـ200 صاروخ غراد موقعة قرابة 50 قتيل بين المدنيِّين،[231] وفي اليوم التالي اندلعت اشتباكات عنيفة في جبل نفوسة الغربي بيفرن والرجبان والغنايمة (جنوبَ القلعة) أدت إلى مقتل 7 ثوار، فيما التفت كتائب القذافي نحوهم عبر دخول أراضي تونس من جهة معبر وازن.[232][233] في يومي 18 و19 أبريل شنت كتائب القذافي حملة عسكرية شديدة العنف على منطقة جبل نفوسة غرب ليبيا، وخصوصاً مدينتي يفرن ونالوت، إذ قصفتها بشدة بالصواريخ متسبَّبة بسقوط أكثر من 110 قتلى فيهما خلال هذين اليومين وحدهما.[234] وأما مصراتة فبحلول هذا الوقت كان قد بلغ عدد ضحايها أكثر من 1,000 قتيل و3,000 جريح.[235] اندلعت بين يومي الثلاثاء والخميس 19 و21 أبريل معارك عنيفة بين الثوار والكتائب على الحدود التونسية الليبية، وتحديداً عند معبر وازن، لكن الثوار نجحوا في آخر الأمر بدحر الكتائب والسيطرة على المعبر وعلى بلدة وازن الواقعة شرقه بمسافة 5 كيلومترات، فيما أجبرت كتيبة تابعة لقوات القذافي تتألف من 200 عسكريّ على الفرار نحو الأراضي التونسية، وسلَّمَ بعضهم أنفسهم إلى السلطات هناك.[236]
في يومي السبت والأحد 23 و24 أبريل اشتد القصف على مصراتة موقعاً 40 قتيلاً،[237] وفي يوم الأحد أيضاً تمكنت قوات القذافي بعد معارك عنيفة طوال أسبوع ونصف من السيطرة على منطقة السوق وهي منطقة المعارك بمدينة يفرن،[238] وأما الزاوية فتجددت معاركها وتمكن الثوار من دخول “ميدان الشهداء” ثمَّ الانسحاب منه سريعاً.[239] في 25 أبريل دارت معارك عنيفة في مدينة نالوت أدت إلى سُقوط 50 قتيلاً من مقاتلي الكتائب قبل أن يُسيطر الثوار عليها،[240] وفي 28 أبريل اجتاحت الكتائب أيضاً مدينة الكفرة في جنوب البلاد ونجحت في انتزاعها من أيدي الثوار بعد أن سيطروا عليها لشهور.[241] استمرَّت الكتائب بقصف معبر وازن الحدوديِّ ومدينة يفرن بعنف طوال أيام بعد ذلك من 24 وحتى 27 من أبريل،[240][242][243][244] وعقبَ هذا القصف بدأت قوات القذافي بالتقدم نحوَ المعبر في ظهر الخميس 28 أبريل لكي تبدأ معركة معبر وازن-الذهيبة، ودارت اشتباكات اليوم على كلا جانبي الحدود، حتى أن 10 قذائف سقطت حول بلدة الذهيبة التونسية، وأما بلدة وازن على الجانب الليبي فقد وقعت في أيدي الكتائب بنهاية اليوم.[245] بعد هذه المعارك أبدت السلطات التونسية استنكارها الشديد لانتهاك حرمة حدودها،[246] لكن الانتهاك تجدَّد مع تجدد الاشتباكات في 29 أبريل، وهُنا دخل الجيش التونسي في معركة مع كتائب القذافي في وسط بلدة الذهيبة، وانتهى الاشتباك بانسحاب الكتائب من المنطقة بأكملها وإعلان الثوار سيطرتهم على المعبر الحدوديّ.[247] في 28 أبريل، خرجت أولا المظاهرات في العاصمة طرابلس منذ قرابة شهرين، إذ خرجت مسيرات في منطقتي تاجوراء وسوق الجمعة، لكن سرعان ما فرقتها قوت الأمن.[248]

المظاهر المناهضة للنظام في ساحات مدينة بنغازي أواسط شهر أبريل.
بالعودة إلى جبهة الشرق، تعرَّضت مواقع الثوار في أجدابيا إلى قصف طوال يومي 12 و13 أبريل،[249][250] ولذلك فقد أطلق الثوار في يومي 15 و16 أبريل هجمات على البريقة لإيقاف هذا، لكنهم فشلوا في الاستيلاء عليها.[251][252] في 17 أبريل بدأت الكائب هجوماً مضاداً على ثوار أجدابيا وأجبرتهم على التراجع قليلاً، لكنها فشلت في بسط سيطرتها على أيّ أجزاء من المدينة.[253] بعد هذه الأحداث القصيرة، دخلت جبهة الشرق في حالة أكثر مأساوية من ذي قبل من الجمود المتقع، فحتى أواسط شهر مايو لم يَحدث شيءٌ على الجبهة باستثاء بعض الضربات الجوية للناتو والاشتباكات المحدودة بالمدفعية والصواريخ فيما بين الكتائب والثوار من وقت إلى آخر.
في ليلة 30 أبريل شن حلف الناتو غارة جويَّة على مسكن القذافي في باب العزيزية في العاصمة طرابلس قصفه خلالها قصفاً عنيفاً.[254] وفي اليوم التالي، أعلنت السلطات الليبية مقتل سيف العرب القذافي[255] – أصغر أبناء معمر القذافي – وثلاثة أحفاد آخرين للقذافي نفسه جرَّاء الغارة، وكان يَبلغ عمره آنذاك 29 عاماً.[256]
في أوائل شهر مايو بدأت كتائب القذافي بتشديد حملتها على منطقة الجبل الغربي التي كانت قد بدأت منذ نصف شهر تقريباً، فوُضعت بلدات القلعة ويفرن تحتَ حصار مشدد في ظل ظروف إنسانية صعبة وإشتباكات عنيفة داخل المدن،[257][258] فيما قصفت مدن أخرى بشدة منها الزنتان ونالوت،[258] واستمرَّت الاشتباكات بالاندلاع على معبر وازن من وقت إلى آخر.[259] واستمرَّ الوضع على هذه الحال حتى 7 مايو، عندما بدأ وضع المنطقة بالعودة قليلاً إلى الهدوء،[260] عدى عن اجتياح للزنتان في 11 مايو. وبالجنوب، أعلن الثوار في 5 مايو إحكام سيطرتهم على مدينة الكفرة جنوب البلاد، وذلك بعد أسبوع من سيطرة الكتائب عليها.[261] وأما جبهة الشرق فبعدَ 20 يوماً متصلاً من الهدوء التَّام اندلعت معارك عنيفة فيها قرب أجدابيا يوم 9 مايو، وانتهت بسُقوط 57 قتيلاً من الكتائب وتدمير 17 عربة تابعة لها وفقَ الثوار.[262]
في 8 مايو بدأ الثوار ما أسموه “انتفاضة” هي الأولى من نوعها منذ شهور في ضواحي العاصمة طرابلس ضد نظام العقيد معمَّر القذافي،[263] وعلى الرغم من إفاداتهم هذه فإن التلفزيون الليبي نفى في المقابل قطعياً هذه الأخبار وصرَّحَ مسؤولون بأن الوضع في العاصمة هادئ تماماً. ووفق مصادر الثوار فقد بدأت الأحداث عندما انشقَّ ضبَّاط من الأجهزة الأمنية في المدينة وسلَّموا ما يَملكونه من أسلحة خفيفة إلى الثوار،[264] فاستخدمها هؤلاء ضد كتائب القذافي، وبذلك اندلعت الاشتباكات في عدة مناطق من طرابلس بينها جنزور في الغرب وتاجوراء في الشرق، ودفعَ ذلك الكتائب إلى فرض حالة استنفار أمنيٍّ في العاصمة، وأدت المعارك إلى سُقوط قتلى وجرحى بين كلا الطرفين.[263] وبحلول 10 مايو أعلنَ الثوار أنهم تمكنوا من رفع علم الاستقلال في قاعدة معيتيقة الجوية شرق طرابلس.[265]
[عدل]تحرير مصراتة
في 11 مايو أعلنَ الثوار الليبيُّون سيطرتهم على مطار مدينة مصراتة وأنهم باتوا يُحاصرون جيوب المُقاومة المتبقية لكتائب القذافي في مواقع مختلفة من المدينة[266] في أعقاب معركة عنيفة استمرَّت لعدة أيام دارت رُحاها حول المطار، وبذلك أطبقَ الثوار سيطرتهم على مصراتة بعدَ شهور من القتال، وهو ما عدَّه البعض نصراً كبيراً لهم، وخرجَت احتفالات كبيرة في المدينة بعد الإعلان عنه.[267] ونتيجة لسيطرة الثوار على المدينة، فقد بدؤوا سريعاً بالتقدم وراءها خلال الأيام التالية باتجاه الجنوب نحوَ تاورغاء والغرب نحو زليطن. ففي 15 مايو سيطروا على بلدة الدافنية غرباً وبدؤوا بتعزيز مواقعهم بها استعداداً للزحف باتجاه زليطن، فيما بلغوا على جبهة الجنوب مدينة تاورغاء.[268][269] وقد شهدَ ذلك اليوم أيضاً تسيير قافلة مساعدات إنسانية إلى مناطق الجبل الغربي المحاصرة التي تعاني من حصار مستمرٌّ وأوضاع إنسانية صعبة، كمدينة الزنتان وما حولها من بلدات.[270] وفي 17 مايو أعلنت مصادر للثوار عن أن مدينة مصراتة باتت في أيديهم بالكامل وأن القتال فيها ضد الكتائب قد انتهى.[271] وفي وقتٍ لاحق اتَّهمت المعارضة كتائب القذافي بارتكاب جرائم اغتصاب في المدينة خلال الحملة عليها في الشهور الماضية، وقالت أن ما لا يَقل عن 50 عائلة من أهاليها قد سُجلت فيها حالات اغتصاب، وأيَّدت هذه الروايات اعترافات من طرف بعض مقاتلي الكتائب.[272]
وعلى الحدود الليبية التونسية، حاولت قوات تابعة للقذافي في 15 مايو اللالتفاف على قوات الثوار عندَ معبر وازن بدخولها عبرَ الأراضي التونسية وتوغلها عدة كيلومترات داخلها، لكنها اصطدمت مع الجيش التونسي الذي استدعى وحدات وتعزيزات وتمكَّن من صدها وإعادتها أدراجها.[270] وإثرَ هذا الهجوم هدَّدت تونس في. كما انشقَّ – على الصعيد السياسي – في 16 مايو وزير النفط الليبي “شكري غانم” وفرَّ إلى تونس متخلياً عن نظام القذافي.[273] وبالعودة إلى جبهة مصراتة، فقد حاولت كتائب القذافي الإغارة عليها بهُجوم بالزوارق البحرية في 17 مايو، لكن إحدى سفن الناتو الراسية بجوار الساحل تمكَّنت من إيقاف الهجوم.[274]
في ليلة يوم الخميس 20 مايو اتجهت قوَّات ضخمة تابعة لكتائب القذافي مُعزَّزة بدبابات وراجمات صواريخ إلى مدينة نالوت التي كانت خاضعة لسيطرة الثوار وحاصرتها بالكامل، استعداداً لحملة عليها لإعادتها إلى يد الكتائب.[275] وأما ككلة ويفرن فكانتا تحتَ الحصار منذ عشرين يوماً والكتائب تسيطر عليهما جزئياً مع قطع المياه والغذاء عنهما. وعلى أعقاب هذه الهجمات في الجبل الغربي حذَّرَ مسؤولو المجلس الوطني الانتقالي في بنغازي من أن الأوضاع في الجبل الغربي أصبحت على شفى كارثة إنسانية، وطالبوا بإمدادته بالمساعدات والمعونات.[276] وفي الليلة ذاتها شن الناتو غارات عنيفة على موانئ ليبيَّة عدة في طرابلس والخمس وسرت، انتهت بإغراق 8 سفن عسكريَّة ليبية تابعة للقذافي وفقَ بيانات الحلف الرسمية.[277] وخلال فترة أيام 19 إلى 29 مايو تعرَّضت مدن الجبل الغربي وجبل نفوسة مثل الزنتان ونالوت والقلعة ويفرن ووازن إلى قصف عنيف بصواريخ غراد من طرف الكتائب وفقَ المُعارضة، وأدى القصف الطويل والحصار المستمر منذ 3 أبريل إلى سُقوط العديد من القتلى والجرحى من الثوار كما سقطَ قتلى في صُفوف الكتائب خلال المعارك وخسروا بعض الآليات فيما إستطاع الثوار في يفرن والقلعة طرد الكتائب ودحرهم بل وأيضا تحرير مدينة ككله التي كانت قد إنتفضت في بداية الثورة ليلتحم ثوارها بباقي ثوار الجبل.[278][279] وأما في مصراتة، فقد اندلعت اشتباكات عنيفة في غربي وجنوبي المدينة في فترة 23 إلى 25 في أعقاب محاولات جديدة للكتائب لدخولها واستعادة السيطرة عليها، وتخلَّل ذلك قصف عنيف لأجزاء عدة من المدينة.[280][281] وفي 28 مايو أفادت مصادر تونسية بفرار 43 ضابطاً ليبياً برتب عالية نحو تونس فيما بدى انشقاقاً عن نظام القذافي.[282]
[عدل]تحرير غريان
بعد الجمود العسكري الذي طال كل الجبهات الليبية لمدة تزيد عن ثلاتة اشهر وجمود جبهة القواليش الاصابعة نظرا المقاومة الشديدة لكتائب القذافي في الاصابعة قام ثوار جبل نفوسه الغربي يوم 13 أغسطس 2011 بعملية التفاف على مدينة غريان لتحريرها من الجهة الشمالية الغربية بدل الجهة الغربية (الاصابعة)و قد صعد الثوار إلى الجبل من جهة القواسم راجلين وبآليات عسكرية ثقيلة وقامو باقتحام مدينة غريان من عدة اتجاهات ابتداء من منطقة القواسم، ومن ثم انتشروا إلى الشمال والجنوب، وقامت المجموعة المتجهة شمالا بإقفال الطريق القادمة من العاصمة طرابلس، اوتجهت المجموعة الثانية إلى وسط غريان في منطقة تغسات واستقبلهم الأهالي بالزغاريد والتكبير، وتم تأمين جميع المنافذ المؤدية من وإلى غريان.[283]
[عدل]تحرير الزاوية
في تاريخ 19 أغسطس 2011 اعلن الثوار الليبيين انهم نجحوا بالسيطرة على مدينة الزاوية البترولية والاستراتيجية والتي تقع على مداخل العاصمة طرابلس بعد معارك استمرت لاسابيع كانت المدينة خلالها تحت سيطرة قوات القذافي، [284] في وقت نفى المتحدث باسم الحكومة الليبية موسى ابراهيم هذه الانباء وقال ان الجيش تمكن من صد هجوم للثوار جنوب المدينة، إلا أن متحدثا باسم الثوار قال انهم يسيطرون على غالبية احياء مدينة الزاوية وعلى مدينة صرمان كما قال انهم سيطروا على الخط الساحلي الذي يربط مصفاة الزاوية النفطية (التي تزود العاصمة الليبية طرابلس بالوقود) بمعبر راس جدير الحدودي مع تونس الا انه قال ان المعبر الحدودي نفسه ما زال تحت سيطرة قوات القذافي، [285] وافاد مراسل قناة الجزيرة القطرية ان الثوار احكمو سيطرتهم على الزاوية بعد سيطرتهم على مدينة بن شعيب وانهم على بعد 50 كلم من العاصمة طرابلس وانهم يتقدمون إلى العاصمة من الجنوب أيضا حيث تجاوزوا منطقة وادي الحي وتوقفو عند منطقة لا تبعد سوى 60 كلم عن طرابلس.[286]
[عدل]سقوط العاصمة طرابلس

مقال تفصيلي :تحرير طرابلس (2011)
في 20 أغسطس 2011 بدا الثوار عملية عسكرية كبيرة للسيطرة على العاصمة طرابلس، وقالت مصادر إن الثوار سيطروا على عدد من أحياء طرابلس من بينها تاجوراء ومنطقة سوق الجمعة، كما تحدثت انباء عن وقوع اكثر من 100 قتيل في المعارك التي دارت في طرابلس، وتحدث الثوار انهم نجحوا في اسر العشرات من كتائب القذافي، في وقت وفر الحلف الاطلسي الغطاء الجوي اللازم للثورا عندما كثفت طائرات حلف الناتو قصفها على مواقع عسكرية داخل العاصمة طرابلس واعلن الثوار في نفس الوقت انهم سيطروا على قاعدة معيتيقة العسكرية واقتحموا منزل منصور ضو قائد الكتائب الأمنية في العاصمة، على النقيض من ذلك عقد موسى ابراهيم المتحدث باسم الحكومة الليبية مؤتمرا صحفيا تحدث فيه على ان الامور تحت السيطرة وان العاصمة “امنة جدا”، وقد بث التلفزيون الليبي كلمة للعقيد معمر القذافي شن فيها هجوما عنيفا على الثوار واتهمهم باستخدام المساجد لخدمة “النصارى” وتعهد بالقتال حتى النهاية وقال انه سيخرج منتصرا من معركة طرابلس.[287]
في اليوم التالي واصل الثوار من الزنتان تقدمهم وتحدثت انباء انهم سيطروا على مطار طرابلس الدولي وعلى مبنى التلفزيون الرسمي الليبي، وقد سمعت اصوات إنفجارات ضخمة ودوي إطلاق نار في أغلب مناطق العاصمة الليبية طرابلس، وأفاد سكان بوقوع اشتباكات بالأسلحة الثقيلة في عدد من مناطق المدينة، وقد خرج سيف الاسلام القذافي امام حشد من عشرات الشبان قائلا ان نظام والده لن يستسلم وسيقاوم لاشهر أو سنوات لكنه سينتصر في النهاية، كما دعى موسى ابراهيم المتحدث باسم الحكومة إلى وقف إطلاق النار وانهاء العدوان الاطلسي على ليبيا مضيفا ان الحوار هو الحل الوحيد للخروج من الازمة.[288]
في يوم 23 أغسطس دخل الثوار إلى بيت الصمود في باب العزيزية مقر اقامة القذافي بعد ساعات من الحصار والقصف الجوي المكثف من قبل الناتو، وقال الثوار الليبيون انهم باتو الآن يسيطرون سيطرة شبه كاملة على العاصمة طرابلس باستثناء حي بوسليم والهضبة الخضراء ومرافق قريبة منه مثل فندق “ركسوس” الذي يقيم فيه الصحفيون الأجانب ويسيطر عليه عناصر مسلحون موالون للقذافي [289] هذا وقد تعرض الثوار لإطلاق نار من قبل القناصة المتمركزين حول الساحة الخضراء والتي تم تسميتها “ساحة الشهداء” بعد سيطرة المعارضين عليها في وقت تحدثت فيه انباء عن عن فرار رئيس الوزراء الليبي البغدادي المحمودي عبر الحدود إلى تونس، كما اعلن المجلس الانتقالي انه تمكن من اعتقال محمد القذافي الابن الأكبر للعقيد معمر القذافي قبل أن يتمكن من الفرار، في حين قال المجلس ان مصير القذافي مجهول وهو غير متؤكد إذا كان قد غادر البلاد، وقد اعلنت ايطاليا ان عبد السلام جلود الرجل الثاني في نظام القذافي اعلن انشقاقه وطلب اللجوء إليها، وقد صرح جلود انه يعتقد ان القذافي لن يستسلم ولن ينتحر وانه سوف يقاتل حتى النهاية.[290]
[عدل]تحرير بني وليد

مقال تفصيلي :معركة بني وليد
[عدل]تحرير أخر معاقل النظام سرت

مقال تفصيلي :معركة سرت
احي
[عدل]تقديرات لقوات معمر القذافي وقوات الثوار

قدّر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن عدد القوات الليبية التابعة للقذافي بما بين خمسة وثمانية آلاف جندي يضاف إليهم آلاف المسلحين والمقاتلين من القبائل وأعضاء الحرس الثوري.[291]
وقدم المعهد في دراسته المعنونة بـ”التوازن العسكري، تفاصيل عن القدرات المسلحة في أنحاء العالم” نظرة عن المعدات التي تمتلكها القوات التابعة للقذافي التي تتشكل أساسا من ستة أسراب من الطائرات وغواصتين وفرقاطة ودبابات.
وأشارت الدراسة إلى أن الأسراب تضم 40 طائرة في حالة تشغيل ولكنها قديمة من بينها أربع أو ست طائرات مقاتلة من نوع ميراج أف 1 فرنسية الصنع، ومن 4 إلى 6 طائرات قاذفة سوخوي 24 روسية الصنع، ومن 8 إلى 12 قاذفة من طراز سوخوي 22 ومن 8 إلى 12 مقاتلة ميغ 23. وفضلا عن الطائرات المقاتلة يمتلك الجيش الليبي مروحيات نقل متعددة الأغراض من طراز أم آي 8 وأم آي 17 ومروحيات قتالية روسية الصنع من طراز أم آي 24. وفيما يتعلق بالدبابات فقد قدرت الدراسة عددها بأكثر من 160 دبابة ثقيلة مصفحة (من طراز تي 72 وتي 55) وأكثر من 160 ناقلة جنود خفيفة (معظمها سوفياتية الصنع من طراز بي أم بي 1) وتعمل منها نسبة تتراوح بين 70 و80 بالمائة. وتضم القائمة أيضا مدافع متعددة وغواصتي ديزل من طراز فوكستروت السوفياتية لا يعلم وضعها التشغيلي حاليا وفرقاطة من طراز أوسا 2 السوفياتية و4 قوارب دورية قتالية فرنسية الصنع.
بالمقابل نقلت الدراسة تقديرات بأن الثوار يتوفرون على طائرتين مقاتلتين من طراز ميغ 23 ومروحية أم آي 24 الروسية وفرقاطة سوفياتية من طراز كوني و3 دبابات مقاتلة من طراز تي 55 وناقلة جنود مصفحة من طراز بي أم بي 1 إضافة إلى عدة مدافع ثقيلة.[291]
[عدل]بيع السلاح للقذافي قبل الاضطرابات
هاجم باحثان دوليان سياسة الدول الغربية إزاء تجارة الأسلحة بطرق غير مشروعة، وقالا إن ليبيا تحولت إلى سوق هائلة تدرّ الكثير من الأرباح لمنتجي الأسلحة من كل بقاع العالم.
وأرجع كل من بيت جيل وبيتر ويزمان -الباحثين بالمعهد الدولي للبحث عن السلام باستوكهولم- السبب في صعوبة الحسم العسكري في ليبيا إلى التسليح النوعي الذي تتمتع به قوات العقيد معمر القذافي، الذي حصل عليه من دول أوروبية متعددة أبرزها فرنسا وإيطاليا وبريطانيا.
وأضاف الباحثان في مقال لهما بصحيفة لوموند الصادرة في باريس، أن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي -الذي كان في طليعة منتقدي انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا- لم يتخذ موقفه العدائي من طرابلس حتى تمكن من تأمين عودة المهندسين الفرنسيين المتعاقدين مع النظام الليبي في مهام عسكرية.
وقالا إن أسلحة القذافي وتجهيزاته التي يتم تدميرها على أيدي قوات التحالف، والتي تعود في الغالب إلى فرنسا والدول الأخرى المصدرة للسلاح، تم بيعها وتسليمها للقذافي قبل بضعة أيام فقط من اندلاع الاضطرابات في ليبيا.
ويرى الباحثان أن رفع الحصار عن ليبيا من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي عاميّ 2003 و2004، بعد تخلي القذافي عن سلاحه النووي وتعويضه لضحايا “الإرهاب ” الليبي، وانخراطه فيما بعد في مكافحة “المتطرفين” والهجرة السرية إلى أوروبا كلها أمور جعلت منه حليفاً رئيساً. وما لبثت أن تحولت ليبيا بعد ذلك إلى سوق هائلة تدرّ الكثير من الأرباح لمنتجي الأسلحة من كل بقاع العالم.
وزار العديد من الرؤساء الغربيين -مثل ساركوزي ونظرائه في إيطاليا وروسيا وبريطانيا- ليبيا برفقة ممثلين عن مصانع الأسلحة في بلادهم بحثا عن صفقات.
وقد تجلى هذا التسابق الغربي نحو تسليح ليبيا في صالون التسليح الذي نُظِّم بطرابلس في نوفمبر/تشرين الثاني 2010، والذي تمكن من استقطاب مئة مؤسسة مصنعة للسلاح وفق رأي الباحثين.
وأضاف الكاتبان أن الأسلحة المتطورة التي يواجه بها القذافي اليوم قوات التحالف، ليست سوي مدفعية ومروحيات إيطالية، وطائرات ميراج إف-1 حربية فرنسية، وأنظمة اتصال بريطانية تعتمد عليها الدبابات الليبية ت- 72.
ويخلص الباحثان إلى أنه مع وجود مبادئ محددة تبرر تجارة السلاح، بما فيها مبدأ الدفاع عن النفس المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، فإن العملية تتم في الغالب وفق مرجعية تتحكم فيها جملة من المصالح المعقدة والمتضاربة، الأمر الذي قد ينتهي أحيانا بأن تجد هذه الأسلحة طريقها لبعض الجهات المشكوك فيها.[292]
[عدل]التدخل الدولي

[عدل]منطقة حظر الطيران الليبية
مقال تفصيلي :منطقة حظر الطيران الليبية
تبنى مجلس الأمن الدولي يوم الخميس 17/3/2011 م قراراً يقضي بفرض حظر طيران فوق الأجواء الليبية عدا رحلات طائرات الإغاثة واتخاذ كافة التدابير الضرورية الأخرى لحماية المدنيين من قصف القوات الموالية للعقيد معمر القذافي.
وقد صوت على القرار الذي تبنته المملكة المتحدة وفرنسا والولايات المتحدة ولبنان 10 دول من الدول الأعضاء في المجلس، وامتنعت كل من روسيا والصين وألمانيا والبرازيل والهند عن التصويت.
وفور إعلان النتيجة اندلعت الاحتفالات في بنغازي والبيضاء ومناطق أخرى بشرق ليبيا.
ويمنع القرار أي احتلال بري من جانب قوات أجنبية.
وجاء التوصل إلى هذه الصيغة مع تطور لافت في الموقف الأميركي عبرت عنه المندوبة الأميركية في مجلس الأمن سوزان رايس بالدعوة لاتخاذ إجراءات أوسع نطاقا لحماية المدنيين من الهجمات البرية والبحرية أيضا.[293]
[عدل]الدول المشاركة في الضربات الجوية
بعد أن أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 1973 القاضي بفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا، واتخاذ كافة الإجراءات الضرورية لحماية المدنيين، تداعت دول غربية وعربية وأحلاف عسكرية لتنفيذ القرار الأممي. وأطلقت الدول المشاركة في تنفيذ القرار اسم فجر أوديسا على العمليات التي بدأت بتاريخ 19 مارس/آذار 2011. وفيما يلي سرد للدول المشاركة والدول التي عرضت المشاركة وعتادها والعمليات التي نفذت:[294]
دول نفذت عمليات:
الولايات المتحدة: تمتلك طائرات من طراز “أف 15″ و”أف 16” في قاعدة “سيغونيلا” بجزيرة صقلية، وحاملة المروحيات “باتان” وسفينتي، فضلاً عن امتلاكها مدمرتين في شرق المتوسط، هما “باري” و”ستاوت”، وكلتاهما مجهزة بصواريخ “توماهوك”.
فرنسا: تملك مائة طائرة مطاردة، من طراز “رافال” و”ميراج” 2000، وطائرات “رادار أواكس”، وتوجد حاملة مروحيات من طراز “ميسترال” في المنطقة، ووضعت القواعد الجوية في كورسيكا وتشاد في حالة استنفار، وربما استخدمتها كنقطتي تموين، كما أرسلت حاملة الطائرات “شارل ديغول” نحو السواحل الليبية.
بريطانيا: نشرت طائرات قتال من طراز “تورنيدو” و”يوروفايتر”، المعروفة باسم “تايفون” في القواعد القريبة من ليبيا، وتوجد في قبرص ثلاث طائرات “رادار أواكس”، ولها قاعدة عسكرية في مالطا، لكنها رفضت استخدامها في العمليات، وتجوب حاليا فرقاطتان المتوسط، هما “ستمينستر” و”كمبرلاند”.
دول عرضت المساهمة:
إيطاليا: عرضت استخدام سبع قواعد جوية، أهمها في صقلية.
إسبانيا: وعدت بتقديم “موارد بحرية وجوية”، واستخدام قاعدة “روتا” البحرية الجوية، التي تقدم دعما للقوات الأميركية وحلف شمال الأطلسي، وتقع قرب مضيق جبل طارق وقاعدة “مورون” جنوب إشبيلية التي تستخدمها قوات الجو الإسبانية والأميركية.
بلجيكا: أعربت عن استعدادها للمشاركة، متحدثة عن احتمال نشر 4-6 طائرات “أف 16″، ناشطة حاليا في إطار “الناتو”، وسفينة لتفكيك الألغام.
الدانمارك: اقترحت المساهمة بست طائرات مطاردة “أف 16″، وطائرة نقل.
النرويج: وعدت بمساهمة دون تحديد طبيعتها، وعلى الأرجح قدمت طائرات نقل من طراز “هركيوليس”، وأخرى مقاتلة من طراز “أف-16”.
[عدل]حلف شمال الأطلسي (الناتو)
يمتلك حلف شمال الأطلسي طائرات المراقبة “أواكس” الموجودة في منطقة المتوسط، وتحلق يوميا على مدار الساعة, كما نشر الحلف ثلاث سفن في المنطقة نفسها، ونشر قوة لتفكيك الألغام غير بعيدة عن المنطقة.
[عدل]الدول العربية والأفريقية
مصر: خصصت قاعدة مرسى مطروح الجوية القريبة من ليبيا محطة للتزود بالوقود.هذا الخبر عارٍ عن الصحة تماماً
السودان: قدم السودان دعم عسكري سري للثوار من خلال إرسال عناصر من الجيش السوداني لتدريب الثوار وأرسل السودان عدد من الأطباء والفنيين والادوية إلى بنغازي للمساهمة في عمليات انقاذ الجرحى والمصابين، وقد اعتراف السودان بالمجلس الانتقالي بشكل علني، ويذكر ان ليبيا تحت حكم القذافي كانت توفر العتاد العسكري والايواء لمتمردي دارفور الذين يحاربون الحكومة السودانية.
الإمارات: أرسلت سربين من الطائرات المقاتلة، فضلاً عن طائرات “أباتشي” و”شينوك” وطواقمها في البحث والإنقاذ.
قطر: نقلت تجهيزات وقوات عبر أسطولها من طائرات “سي 17” و”سي 30″، وأرسلت طائرات إغاثة.
الكويت: اعلنت دعمها لوجستيا(الإمداد والتموين) لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو), كما كانت الكويت ثاني الدول العربية التي اعترفت بالمجلس الانتقالي.
الأردن: تقوم الأردن بتقديم الدعم اللوجيستي وتوفير الأدوية ونقل المصابين للأراضي الأردنية ليتلقوا كافة أنواع العلاج، كما اعترف الأردن بالمجلس الوطني كممثل وحيد وشرعي للشعب الليبي.
غامبيا:أول دولة أعترفت بالمجلس الأنتقالي في بنغازي كممثل شرعي للشعب الليبي وكان ذلك مبكرًا في بداية أندلع الثورة في بنغازي.
[عدل]التعبئة للثورة

[عدل]الحشد للانتفاضة
قبل أن يكون نافذة مفتوحة على ما يجري داخل ليبيا، كان لموقع شبان انتفاضة 17 فبراير دور بارز في الحشد والتعبئة لإطلاق شرارة التظاهر ضد النظام الحاكم وانتصارًا للشهداء الذين سقطوا على أيدي قوات الأمن في نفس اليوم من عام 2006 م.[295]
[عدل]الوسائط
قدم موقع انتفاضة 17 فبراير على الفيسبوك لوسائل الإعلام التي لم تتمكن من الوصول إلى أماكن الأحداث بسبب تضييق السلطات وخطورة الأوضاع الأمنية، مادة غزيرة مكونة من مواد فيلمية وأفلام فيديو وصور ثابتة ترصد تفاصيل متنوعة من تطورات الثورة الشعبية المتواصلة, وكانت مشاهد العنف تسيطر على ما يبثه الإنترنت من أفلام توثق لهذه الثورة.
ورغم التعتيم الإعلامي المطبق الذي فرضه النظام الليبي على الاضطرابات ومنعه وسائل الإعلام من الوصول لمواقع الأحداث، فإن ما رشح عن هذه الأحداث عبر الإنترنت (رغم قلته ورداءة جودته) يؤكد أن الثورة الليبية فاقت في دمويتها وعنفها ثورتي تونس ومصر، كيف لا وعدد ضحايا هذه الثورة في أيامها الستة الأولى فاق عدد ضحايا الثورتين الأخيرتين مجتمعتين مع أن إحداهما استمرت 28 يوما والأخرى 18 يوما.[296]
أفلام الفيديو التي وصلت يوم 16 فبراير/شباط 2011 م، تؤكد أن المظاهرات بدأت سلمية وتلبية لدعوة بعض قوى المعارضة للمطالبة بتنحي الزعيم الليبي معمر القذافي. غير أن هذه الأفلام أظهرت أن السلطات الليبية قد أخذت عدتها للتعامل مع هذه المظاهرات الشعبية حيث أظهرت الأفلام التي بثت على موقع انتفاضة 17 فبراير على فيسبوك لجوء الشرطة منذ اللحظات الأولى للقنابل المدمعة والمياه الساخنة والاستعانة بعناصر اللجان الثورية الذين هاجموا المتظاهرين بالسلاح الأبيض والهراوات. ورغم عنف الشرطة وأعوانهم المدنيين فإن شريط فيديو آخر أظهر المتظاهرين مجردين من أي سلاح، ويواجهون عنف الشرطة بالشعارات التي تؤكد شرعية مطلبهم برحيل القذافي ونظامه وحقهم في العيش بحرية وعدالة وكرامة.
وفي محاولة للاستفراد بالمتظاهرين والسيطرة على المظاهرات التي اتسعت، لجأت السلطات الليبية في كثير من الأحيان إلى قطع الاتصالات الهاتفية، ومع ذلك نجح نشطاء الإنترنت في تسريب عدد من لقطات الفيديو التي أظهرت سقوط المزيد من الضحايا، ومشاهد أخرى رصدت العنف الذي تعاملت به القوات الأمنية مع المتظاهرين. ورصدت مشاهد أخرى جثثا لضحايا متراكمة في المستشفيات، وأصوات أطباء تأتي عبر الأثير تؤكد عجز المستشفيات عن استقبال المزيد من الضحايا وصعوبة التعامل مع حالات الحرجى الحرجة في معظمها.
[عدل]التأثير في الأمم المتحدة
ومن أبرز إنجازات الموقع المذكور أنه رصد أسلوب العنف في تعاطي السلطات الليبية مع المتظاهرين وهو ما جعل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى الحديث عن احتمال وقوع جرائم ضد الإنسانية في ليبيا. وأعطى استعمال شبان انتفاضة 17 فبراير للإمكانات التي تتيحها شبكات التواصل الاجتماعي نموذجا جديدا وقويا على الوزن المتزايد الذي باتت تكتسبه ما تسمى وسائل الإعلام الجديد في نقل الأحداث الساخنة الكبرى إلى درجة أنها أصبحت تنافس وسائل الإعلام الأخرى.

حرب البلقان الأولى

كاتب الموضوع الأصلي: احمد العلوان336

حرب البلقان الأولى هي حرب نشبت بين الدولة العثمانية واتحاد البلقان الذي تألف من بلغاريا وصربيا واليونان والجبل الأسود، اندلعت الحرب في أكتوبر 1912 وانتهت في 30 مايو 1913 بتوقيع معاهدة لندن. أدت الحرب إلى خسارة الدولة العثمانية لغالبية أراضيها في أوروبا، كما أدت الأحداث التي تلتها إلى قيام دولة ألبانيا.
وعلى الرغم من نجاح الذي حققته دول اتحاد البلقان في الحرب إلا أن بلغاريا لم تكن راضية عن تسوية النهائية للحدود بينها وبين صربيا واليونان الأمر الذي أدى إلى نشوب حرب البلقان الثانية إذ هاجمت بلغاريا كل من صربيا واليونان، ثم دخلت الحرب كل من رومانيا والدولة العثمانية والجبل الأسود ضد بلغاريا.
[عدل]الخلفية التاريخية

بعد إسقاط ثورة تركيا الفتاة في يوليو 1908 للسلطان عبد الحميد الثاني، ضمت الإمبراطورية النمساوية المجرية إقليم البوسنة والهرسك في أكتوبر 1908 في ما عـُرف بالأزمة البوسنية، ما دفع الحكومة الروسية في مارس 1912 لتشجع مملكتي صربيا وبلغاريا على توقيع معاهدة ثنائية تتضمن تعاونهما المشترك في حالة اعتداء دولة أوروبية كبرى على حدودهما، واستهدفت تلك المعاهدة السرية، التي اشترك في مفاوضاتها ممثلو روسيا في العاصمتَين البلقانيتَين، بلغراد وصوفيا، مواجهة الإمبراطورية النمساوية المجرية خشية أن تتكرر مأساة ضم البوسنة والهرسك؛ والرغبة في نصيب من ميراث الإمبراطورية العثمانية المتهالكة، وقد عقدت معاهدة مشابهة بين بلغاريا واليونان، في مواجهة الدولة العثمانية.[4]
وجاء في إحدى مواد المعاهدة:
“يتعهد الطرفان، الموقعان المعاهدة، بأن يؤيد أحدهما الآخر، بكل قّوته، لدى محاولة إحدى الدول الكبرى، ضم أو احتلال أي حدود من بلاد البلقان، الواقعة، حالياً، تحت الحكم العثماني”.[4]
وفي مادة سرية أخرى، ملحقة بتلك المعاهدة، أعلن الطرفان أنه “في حالة حدوث أي اضطرابات داخلية في الدولة العثمانية، مما يعرض للخطر المصالح، القومية أو الوطنية، للدولتَين المتعاقدتَين، أو إحداهما؛ أو في حالة حدوث مصاعب، داخلية أو خارجية، في الدولة العثمانية، مما يعرض للخطر الحالة الراهنة، في شبه جزيرة البلقان، ويجب على الدولتَين المتعاقدتَين، أن تسارعا إلى تبادل الآراء، لاتخاذ الخطوات العاجلة لمنع الخطر”.
وبعد إبرام تلك المعاهدات البلقانية، أصبح الموقف ينذر بالحرب، ولم يطل انتظار الحرب، بعد ذلك؛ إذ أعلنت كل من بلغاريا وصربيا واليونان والجبل الأسود، في 8 أكتوبر 1912، الحرب على الدولة العثمانية.[4]
[عدل]ميزان القوى

[عدل]الإمبراطورية العثمانية

السلطان محمد الخامس

البارجة خير الدين بارباروسا سفينة القيادة للأسطول العثماني

خارطة البلقان وأعمال القتال
بلغ عدد سكان الإمبراطورية العثمانية عام 1912 نحو 26,000,000 نسمة إلا أن 6,130,000 منهم كانوا يعيشون في الجزء الأوروبي من الإمبراطورية، ومن هذه العدد يشكل المسلمون 2,300,000 فيما كان الباقي من المسيحيين والذين لا يعدون صالحين للتجنيد.
وبسبب ضعف شبكة النقل لاسيما في الجزء الآسيوي كان من المؤمل أن يتم نقل القوات العثمانية من آسيا إلى جبهات القتال في أوروبا عن طريق البحر، وبسبب تواجد الأسطول اليوناني في بحر إيجة كان ذلك متعذرا.[5]
تعطلت القدرات العسكرية العثمانية بسبب الصراعات الداخلية الناجمة عن ثورة تركيا الفتاة والانقلابات المضادة للثورة بعد عدة أشهر في 1909 وحادثة 31 مارس، بذلت جهود لإعادة تنظيم الجيش من قبل البعثة الألمانية، لكن نتائجها لم تترسخ.[6] كان الجيش النظامي (النظامية) يتألف من فرق حسنة التدريب وذات تجهيز وتسليح جيد، ولكن وحدات الاحتياط (الرديف) لم تكن كذلك خصوصا في المدفعية، كما أنها أفتقرت إلى التدريب.
بلغ إجمالي القوات العثمانية قبل إعلان التعبئة العامة في أكتوبر 1912 نحو 336,742 جندي منهم 12,024 ضابط و 324,718 جندي إضافة إلى 2,318 مدفع و 388 مدفع رشاشة[7]
كان للعثمانيين ثلاثة جيوش في أوروبا هي جيش تراقيا (الجيش الأول) وجيش مقدونيا (الجيش الثاني) وجيش فاردار (الثالث) مع 1,203 قطعة مدفعية متحركة و 1,115 مدفع ثابت في موزعين في مناطق محصنة.[8] في مواجهة القوات اليونانية والصربية وقوات الجبل الأسود، وفي حين تواجد الجيش الأول في تراقيا وقد ضم ما لا يقل عن 115,000 جندي بمواجهة القوات البلغارية.[5]
انتشر الجيش الأول العثماني بقيادة ناظم باشا في تراقيا بمواجهة القوات البلغارية وقد ضم الجيش سبعة فيالق من المشاة في 12 فرقة مشاة نظامية و13 فرقة مشاة رديف وفرقة خيالة واحدة:
الفيلق الأول: 3 فرق مشاة
الفيلق الثاني: 3 فرق مشاة
الفيلق الثالث: 4 فرق مشاة
الفيلق الرابع: 3 فرق
الفيلق السابع عشر: 3 فرق مشاة
منطقة أدرنة الدفاعية: 6 فرق مشاة.
مفرزة كيركالي: فرقتا مشاة.
فرقة فرسان مستقلة ولواء خيالة.
مجموعة الجيوش الغربية (جيش مقدونيا وجيش فاردار): تألفت من عشرة فيالق من 32 فرقة مشاة وفرقتي خيالة.
جيش فاردار بمواجهة القوات الصربية، مقره في سكوبيه تحت قيادة زكي باشا مع 5 فيالق من 18 فرقة مشاة وفرقة خيالة ولوائين خيالة مستقلين:
الفيلق الخامس: 4 فرق مشاة
الفيلق السادس: 4 فرق مشاة
الفيلق السابع: 3 فرق مشاة
الفيلق الثاني: 3 فرق مشاة
فيلق السنجق: 4 فرق مشاة
فرقة خيالة مستقلة.
جيش مقدونيا المقر في سالونيك بقيادة علي رضا باشا، تألف من 14 فرقة في 5 فيالق، بمواجهة اليونان وبلغاريا والجبل الأسود.
بمواجهة القوات اليونانية تم نشر 7 فرق مشاة:
الفيلق الثامن: 3 فرق مشاة
فيلق يانيا: 3 فرق مشاة
فرقة مشاة من الرديف في سالونيك.
بمواجهة بلغاريا في جنوب شرق مقدونيا تم نشر فرقتين مشاة يشكلون فيلق أوستورما.
بمواجهة الجبل الأسود، 4 فرق مشاة تم نشرهم على الحدود المشتركة:
و وفقا للخطة التنظيمية فإن عدد قوات مجموعة الجيوش الغربية كان يفترض أن تضم 598,000 جندي. ولكن بطء إجراءات التعبئة وسوء كفاءة السكك الحديدية خفضت بشكل كبير أعداد القوات التي يمكن نقلها، وحين بدأت الحرب، لم يكن يتواجد سوى 200,000 جندي [8] على الرغم من الفترة اللاحقة شهدت مزيدا من الجنود الذين ألتحقوا بوحداتهم إلا إن مجموعة الجيوش الغربية لم تصل إلى قوتها الاسمية طوال الحرب بسبب خسائر الحرب.
حاولت الحكومة العثمانية جلب المزيد من القوات من سورية من فرق النظامية والرديفة [8] لكن حال دون وصول هذه التعزيزات سيطرة البحرية اليونانية، لذا كان على هؤلاء الجنود أن يصلوا عبر الطريق البري، وأكثرهم لم يصل إلى منطقة البلقان.
[عدل]بلغاريا

ملك بلغاريا فرديناند الأول
تمتلك بلغاريا الجيش الأكبر بين دول اتحاد البلقان حيث يبلغ تعداد جيشها العامل في سنة 1912 نحو 61,967 بين ضباط وجنود بينما يضم الجيش في احتياطه 343,343 فرد (وهم الأفراد الذين تتراوح أعمارهم ما بين 22 إلى 40 عاما وأنهوا فترة الخدمة العسكرية) وإضافة إلى ذلك تتواجد قوات تتنظم في الوحدات العسكرية المحلية في مجموعتين المجموعة الأولى للأعمار ما بين 41 و 43 سنة والمجموعة الثانية للأعمار ما بين 44 و 46 سنة وتضم المجموعة الأولى 52,752 فردا وفي المجموعة الثانية 17,270 فردا، العدد الكلي للقوات في الجيش البلغاري يبلغ 459,810 جنديا[9] من إجمالي عدد السكان البالغ عددهم 4,300,000 نسمة.[6]
التشكيلات العسكرية للجيش البلغاري هي 9 فرق مشاة وفرقة خيالة واحدة ويمتلك الجيش 1,116 قطعة مدفعية.[10] القائد العام للقوات المسلحة كان الملك فرديناند، تتألف كل فرقة مشاة بلغارية من الفرق التسعة على 3 ألوية من فوجين، كل فوج يضم 4 كتائب بمجموع 24 كتيبة لكل فرقة بما يصل إلى 30,000 جندي للفرقة الواحدة[11]
إلى جانب القوة البرية كان لدى بلغاريا قوة بحرية تضم 6 زوارق طوربيد اقتصرت مهامها على حماية المياه الإقليمية المطلة على البحر الاسود.[12]
ركزت بلغاريا قواتها على تراقيا ومقدونيا. ونشرت أغلب قواتها العسكرية في تراقيا، مشكلة من 3 جيوش.
الجيش الأول (79,370 جندي)، تحت قيادة فاسيل كوتنتشيف مؤلف من 3 فرق مشاة، تم نشرهم في جنوب ليامبول، مع اتجاه العمليات على طول نهر تُندزها.
الجيش الثاني (122,748 جندي) ،تحت قيادة نيكولا ايفانوف ،مؤلف من فرقتي مشاة ولواء مشاة واحد، تم نشرهم غرب الجيش الأول وكان مكلفا بالاستيلاء على قلعة أدرنة.
الجيش الثالث (94,884 جندي) تحت قيادة رادكو ديميتريف، تم نشره في شرق ووراء الجيش الأول ويتألف الجيش الثالث من 3 فرق مشاة.
الفرقة الثانية (49,180 جندي) والفرقة السابعة (48,523 جندي) كانت تؤدي أدوار مستقلة، وتعمل في تراقيا الغربية، ومقدونيا الشرقية على التوالي.
[عدل]صربيا

الملك بيتر ملك صربيا
ضم الجيش صربي حوالي 230,000 جندي (من أصل 2.912.000 هو عدد سكان صربيا آنذاك) وحوالي 228 مدفع، ينتظمون في 10 فرق مشاة، واثنين من الألوية المستقلة وفرقة خيالة، تحت قيادة وزير الحرب السابق رادومير بوتنيك.[6]
وكانت القيادة العسكرية الصربية قد أدركت أن أفضل موقع لمعركة حاسمة ضد القوات العثمانية في فاردار ستكون على هضبة أوفسي بوليي، قبل سكوبي وبالتالي، تم تشكيل القوى الرئيسية في ثلاثة جيوش من أجل المضي قدما نحو سكوبي، في حين ان لواء من الفرقة وكانت مستقلة للتعاون مع الجبل الأسود في سنجق نوفي بازار.
الجيش الأول (132,000 جندي) بقيادة الجنرال بيتار Bojović، وكان أقوى الجيوش عددا، وشكل قلب القوات الصربية المتقدمة نحو سكوبي. الجيش الثاني (74,000 جندي) كان يقوده ستيبانوفيتش، ويتألف من فرقة صربية وفرقة بلغارية. شكل الجناح الأيسر للجيوش الصربية، تقدم باتجاه Stracin. إدراج الفرقة البلغارية كانت وفقا لترتيبات ما قبل الحرب بين الجيوش الصربية والبلغارية، ولكن الفرقة البلغارية توقفت عن تنفيذ أوامر الجنرال ستيبانوفيتش بمجرد أن بدأت الحرب، فقط تلقت الأوامر من القيادة العليا البلغارية.
الجيش الثالث (76,000 جندي) كان يقوده بوزيدار يانكوفيتش، كان الجيش الثالث يشكل الجناح الأيمن للقوات الصربية، كانت مهمته الاستيلاء على كوسوفا ومن ثم الانضمام إلى الجيوش أخرى في المعركة المتوقعة في بوليي Ovče. كانت هناك قوات صربية في شمال غرب صربيا على امتداد الحدود النمساوية المجرية تألفت هذه القوات من جيش إيبار (25,000 جندي) تحت قيادة الجنرال ميخائيل Zhivkovich، ولواء جافور (12,000 جندي) تحت قيادة اللفتنانت كولونيل ميلوفيتش Andjelkovich.
[عدل]الجبل الأسود
لم يتجاوز عدد سكان مملكة جبل الأسود 250,000 نسمة إلا إن المملكة حشدت رغم ذلك ما يصل إلى 44,500 جندي في 4 فرق مشاة في كل فرقة 14,000 جندي، تسلح الجيش بـ 36,000 بندقية، 44 مدفع رشاش، 118 مدفع.
[عدل]اليونان

ملك اليونان جورج الأول

الطراد المدرع جيورجيوس أفيروف سفينة القيادة للأسطول اليوناني
يتألف الجيش اليوناني من 25,000 جندي يرتفع هذا العدد في أوقات الحرب إلى 110,000، فيما يبلغ تعداد سكان اليونان 2,666,000 نسمة، أمتلكت اليونان بحرية متفوقة، فمن بين دول بين جميع دول البلقان كانت اليونان الدولة الوحيدة التي تملك أسطولا يضم قطعا بحرية أكبر من زوارق الطوربيد والدولة الوحيدة القادرة على منع وصول التعزيزات العثمانية بحرا من آسيا إلى أوروبا، وهو ما صاغه السفير اليوناني في صوفيا خلال المفاوضات التي أدت إلى دخول اليونان في الاتحاد بقوله:
“إن اليونان يمكنها أن توفر 600,000 رجل للمجهود الحربي، 200,000 رجل في الميدان، وسيتمكن الأسطول اليوناني من منع انزال 400,000 جندي من قبل الدولة العثمانية ما بين سالونيك وجاليبولي.[12]
عندما بدأت الحرب. انتظمت القوات اليونانية في جيشين هما جيش ثيساليا وجبش إبيروس:
جيش ثيساليا بقيادة الأمير قسطنطين ضم الجيش 7 فرق مشاة وفوج خيالة و 4 كتائب مستقلة، بما يعادل حوالي 100,000 جندي. كان من المتوقع منه أن يتغلب على المواقع الحدودية المحصنة العثمانية والمضي قدما نحو مقدونيا، بهدف الاستيلاء على سالونيك ومناستير.
جيش إبيروس مؤلف من 10,000 إلى 13,000 جندي في ثماني كتائب تحت قيادة الفريق كونستانتينوس Sapountzakis، والتي تهدف للتقدم إلى ايبيروس. لكن ليس لديها أمل في الاستيلاء على العاصمة الحصينة يوانينا، مهمتها الأولى ببساطة تثبييت القوات العثمانية هناك حتى تصلها التعزيزات الكافية من جبش ثيساليا بعد أن يختتم عملياته.
كان لليونانيين بحرية حديثة نسبيا، عززت بشراء قطع بحرية جديدة، الوحدة الأساسية للأسطول اليوناني كان الطراد المدرع أفيروف الذي بني في 1910. وكان هناك أيضا 8 مدمرات حديثة بنيت في عام 1912 و 8 مدمرات أخرى بنيت في عام 1906. إضافة إلى السفن الأخرى الأقدم، وقد ضمنت هذه الأساطيل التفوق البحري للبحرية اليونانية في بحر إيجة[13] الجزء الأكبر من القوات البحرية كانت مخصصة لاسطول بحر إيجه، وضعت تحت قيادة الادميرال بافلوس Kountouriotis. باقي السفن عملت بتشكيلات عمل صغيرة من المدمرات وزوارق الطوربيد وكلفت بتطهير بحر إيجه والبحر الأيوني من السفن العثمانية الصغيرة.
[عدل]العمليات

بدأت حرب البلقان الأولى بعد أن أعلنت مملكة الجبل الأسود الحرب على العثمانيين في 8 أكتوبر 1912.
[عدل]مسرح العمليات البلغارية
خصصت القيادة العثمانية الجزء الأكبر من قواتها لجبهة مقدونيا فأبقت الجيش العثماني الأول في تراقيا فيما تواجدات مجموعة الجيوش الغربية في مقدونيا.
[عدل]الهجوم البلغاري

جندي بلغاري يتخطى مواقع الجيش العثماني
في جبهة تراقيا وضع الجيش البلغاري 346,182 جندي ضد الجيش العثماني الأول مع 105,000 الرجال في تراقيا الشرقية ومفرزة Kircaali من 24،000 الرجال في تراقيا الغربية.
القوات البلغارية تم تقسيمها إلى القوات التالية:
الجيش الأول بقيادة اللفتنانت جنرال فاسيل Kutinchev
الجيش الثاني بقيادة الجنرال نيكولا ايفانوف
الجيش الثالث بقيادة الجنرال رادكو ديميتريف
تألفت الجيوش البلغارية من 297.002 جندي في الجزء الشرقي و49,180 (33,180 جندي نظامي، و 16،000 جنود غير نظاميين) في الجزء الغربي.[14]
أول معركة واسعة النطاق وقعت ضد الخط الدفاعي في أدرنة- كيركلاريلي، حيث واجه الجيش الأول البلغاري والجيش الثالث البلغاري (174.254 بالمجموع) الجيش العثماني الأول (96.273 جندي)، [14][15] قرب Gechkenli، وSeliolu بترا. الفيلق الخامس عشر في العهد العثماني على وجه السرعة غادر المنطقة للدفاع عن شبه جزيرة جاليبولي لمواجهة هجوم برمائي متوقع من قبل اليوناني، والذي لم يتحقق أبدا [16] سبب غياب الفيلق الخامس عشر فراغا بين أردنة وذيذيموتيخو، فيما أنتقل للفيلق الرابع هناك ليحل محله. وبالتالي تمت إزالة اثنين من الفيالق العثمانية من تشكيل القوات العثمانية، على نحو سبب تقسيم جبهة ترافيا لجبهتين.[16] وكنتيجة لذلك
وعلى ذلك تم عزل وحصار حصن أردنة مع 61،250 جندي.[16] وكنتيجة أخرى لتفوق البحرية اليونانية في بحر ايجه هو أن القوات العثمانية لم تحصل على تعزيزات المتوقعة في خطط الحرب، ويتألف من السلك كذلك على أن يتم تحويلها عن طريق البحر من سوريا وفلسطين [17] وبالتالي للبحرية اليونانية لعبت دورا حاسما وإن كان غير مباشر في الحملة تراقيا، عن طريق تحييد ثلاثة فيالق، وجزءا كبيرا من الجيش العثماني، في كل مهمة افتتاح جولة جديدة من الحرب.[17]
بعد معركة كيركلاريلي قررت القيادة العامة البلغارية الانتظار لبضعة أيام، وهو القرار الذي سمح للأتراك أن يحتلوا موقعا دفاعيا جديدا وعلى الرغم من هذا، فإن الهجوم البلغاري بالجيش الأول والثالث اللذان يبلغان معا 107,386 جندي مشاة و3,115 من الخيالة، و 116 مدافع رشاشة و 360 قطعة مدفعية هزم تعزيزات القوات العثمانية المؤلفة من 126،000 مشاة و 3500 الفرسان، 96 رشاشات و 342 قطعة مدفعية [18] ووصلت القوات البلغارية إلى بحر مرمرة.
ونتيجة لذلك فقد دفع العثمانيين إلى أخر خط دفعي لهم عند تشاتالكا لحماية شبه الجزيرة التي تقع فيها إسطنبول، هناك نجحوا في تحقيق استقرار الجبهة بمساعدة تعزيزات جديدة من المقاطعات الآسيوية. الخط شيد خلال الحرب الروسية العثمانية لعام 1877 بموجب توجيهات من مهندس ألماني يعمل في الجيش العثماني يدعى فون بلوم باشا، إلا إن الخط كان مهملا في 1912.[19]،
في حين كانت قوات من الفرقة البلغارية الثانية في تراقيا 49,180 جندي قسممت ما بين هاسكوفو رودوب ومفارز، تقدما نحو بحر ايجه.
المفرزة العثمانية في كيركالي تألفت من 24,000 جندي تنتظم في فرقة مستحفظة وفرقة رديف من كيركالي الفوج 36 وكانت المفرزة مكلفة بالدفاع عن جبهة بطول 400 كيلومتر عبر سالونيك – أليكساندروبولي إلا أن المفرزو فشلت في الدفاع عن الخط، ففي 26 نوفمبر استسلم قائدها يافير باشا مع 10,131 ضابط وجندي للبلغار.
في 17 نوفمبر بدأ الهجوم البلغاري على خط تشاتالكا على الرغم من التحذيرات الواضحة من روسيا بانها ستهاجم بلغاريا إذا ما أحتلت إسطنبول، شنت بلغاريا هجومهما على طول الخط الدفاعي بـ 176,351 رجل يرافقهم 462 قطعة مدفعية ضد القوات العثمانية المؤلفة من 140,571 جندي و 316 قطعة مدفعية[20] إلا أن القوات العثمانية قد تمكنت من صد الهجوم.
أتفق في 3 ديسمبر على هدنة بين الدولة العثمانية وبلغاريا، ومثلت بلغاريا كل من صربيا والجبل الأسود، وبدأت مفاوضات السلام في لندن وشاركت اليونان أيضا في المؤتمر، لكنها رفضت الموافقة على الهدنة وأكملت عملياتها في قاطع إيبيروس. إلا أن المفاوضات توقفت عندما اسقطت حكومة كميل باشا من قبل حركة تركيا الفتاة بقيادة أنور باشا بأسطنبول، وعند انتهاء مدة الهدنة في 16 فبراير استؤنف القتال.
[عدل]سقوط أدرنة

جنود بلغار ينتظرون بداية الهجوم على أدرنة 1912
خلال حصار أدرنة سعت الدولة العثمانية إلى تخفيف الضغط على مدينة أدرنة المحاصرة فشنت هجومها على تشاتلكا في 20 فبراير وهجوم أخر جاليبولي فهاجمت قوات الفيلق العاشر التي وصلت بحرا القوات البلغارية بصحبت 19,858 جندي و 48 مدفع، وساهم في الهجوم أيضا حوالي 15,000 جندي مع 36 مدفع (جزء من 30,000 جندي عزلوا في شبه جزيرة جاليبولي) على بولاير في أقصى شرق شبه جزيرة جاليبولي.
كانت الهجمات مدعومة بنيران من السفن الحربية العثمانية، وكان العملية العسكرية تهدف على المدى الطويل تخفيف الضغط على أدرنة. فيما كان يواجه القوات العثمانية حوالي 10،000 جندي بلغاري مع 78 مدفع.[21] كانت القيادة العثمانية تجهل على الأرجح وجود الجيش الرابع البلغاري المشكل حديثا في المنطقة حيث ضم 92,289 جندي تحت قيادة ستيليان كوفاتشيف، تم الهجوم العثماني من قبل المدفعية البلغارية والأسلحة الرشاشة، وبحلول نهاية اليوم كلا الجيشين قد عاد إلى مواقعه الأصلية.
في تشاتلكا وجهت القوات العثمانية ضد الجيش البلغاري الأول والثالث، كان في البداية فقط كما شنت التسريب من جاليبولى – تشاركوي، تعلق باستمرار القوات البلغارية في الموقع. ومع ذلك، فقد أدى هذا النجاح غير المتوقع. في الشمال البلغار قد اضطروا إلى الانسحاب بعد حوالى 15 كم والى الجنوب لمسافة 20 كيلومترا إلى مواقعها الدفاعية الثانوية. مع انتهاء الهجوم الذي وقع في غاليبولي العثمانيين الغاء العملية، يترددون في مغادرة خط تشاتلكا، ولكن مرت عدة أيام قبل البلغار أدركت أن الهجوم قد انتهت. بحلول 15 فبراير الجبهة قد استقرت من جديد ولكن القتال على طول خطوط ثابتة استمرت حتى الهدنة. ويمكن للمعركة، والذي أسفر عن سقوط ضحايا البلغارية الثقيلة، ويمكن وصفها بأنها انتصار العثمانيين على المستوى التكتيكي، ولكن من الناحية الاستراتيجية كانت فاشلة، لأنها لم تفعل شيئا لمنع فشل جاليبولى – ساركوزى العملية أو تخفيف الضغط على أردنة.
تسبب فشل عملية تشاركوي-بولاير في تحديد مصير أردنة. ففي 11 مارس، بدأ الهجوم النهائي على حصن أدرنة بقيادة الجنرال جورجي فازوف فهاجم الجيش البلغاري الثاني بـ 153,700 جندي مع فرقتي مشاة صربيتين (47.275 جندي) المدينة التي استولي عليها في نهاية المطاف ولكن بثمن مرتفع: خسر البلغار 8,093 شخص ما بين قتلى وجرحى فيما تكبد الصرب 1,462 من قتلى وجرحى.[22] الاصابات العثمانية منذ بداية الحصار بلغت 13،000 قتل وعدد غير معروف من الجرحى و19,750 جندي أسير.[23] فيما بلغت خسائر القوات البلغارية طوال مدة الحصار 18,282.
[عدل]المسرح العمليات اليونانية
[عدل]الجبهة المقدونية
كلف الجيش الثاني بالدفاع على طول الجبهة اليونانية فتحشدت قطاعات ووحدات الجيش الثاني على طول الجبهة وأنتشرت قواته مناصفةً ما بين مقدونيا وإيبيروس، وقد تألف الجيش الثاني من 7 فرق مشاة وزعت بالتساوي ما بين الفيلق الثامن في مقدونيا (3 فرق) وفيلق يانينة في إيبيروس (3 فرق) وفرقة واحدة في سالونيك، في حين حشد الجيش اليوناني كامل قطاعاته العسكرية في جبهة مقدونيا مما أدى ذلك إلى استيلاء القوات اليونانية على سالونيك وخسارة الدولة العثمانية لمركز استراتيجي مهم للجبهات المقدونية الثلاث في وقت مبكر من الحرب.
في مقدونيا أكملت اليونان حشد 7 فرق مشاة ومع امتلاك زمام المبادرة وتحشد كافة القوات في جبهة مقدونيا عدا عدة كتائب مستقلة بالكاد تصل لحجم فرقة على جبهة إيبيروس منح ذلك كله الجيش اليوناني التفوق العسكري اللازم لمهاجمة الفيلق الثامن.[24]،
مع اعلان الحرب تقدم الجيش ثيساليا اليوناني بقيادة الأمير قسطنطين شمالا، ونجح في التغلب على المقاومة العثمانية في مضيق سارانتابورو. وبعد انتصار آخر بيانيتسا في 2 نوفمبر، استسلمت سالونيك وحاميتها من 26,000 فرد إلى اليونانيين في 9 نوفمبر.
اثنين من قيادات الفيالق (فيلق أوسترما والفيلق الثامن)، فرقتي من النظامية (الفرقة 14، الفرقة 22) وأربعة فرق من الرديف (سالونيك، والدراما، وNaslic وSerez) كل هذه الفرق خرجت من تشكيلات الجيوش العثمانية. بالإضافة إلى خسارة 70 قطعة مدفعية، و 30 مدفع رشاشة و70،000 بنادق (كانت سالونيك مستودع الأسلحة المركزي للجيوش الغربية). الأتراك يقدرون أن 15،000 من الضباط والجنود قتلوا خلال الحملة العسكرية في جنوب مقدونيا، ليصل مجموع الخسائر يصل إلى 41،000 جندي.[8] آخر نتيجة مباشرة كانت في أن سقوط سالونيك جعل مصير جيش فاردار الذي كان يقاتل الصرب في الشمال محاصر ومعزول من دون امدادات لوجستية وعمق للمناورة.
وبعد الاطلاع على نتيجة معركة جينيتسا، أرسلت القيادة العليا البغارية فورا الفرقة السابعة البلغارية إلى المدينة. إلا أن الفرقة وصلت إلى هناك بعد أسبوع، أي بعد يوم بعد استسلامها إلى اليونانيين. وحتى 10 نوفمبر، في المنطقة التي تحتلها اليونان قد توسعت إلى خط من بحيرة Doirani إلى Pangaion غرب جبل Kavalla.
في غرب مقدونيا سبب غياب التنسيق بين قيادات الجيش اليوناني والصربي نكسة لليونانيين بعد صادفت الفرقة الخامسة اليونانية خلال تقدمها لاحتلال بيتولا هجوما من الفيلق العثماني السادس في 15 نوفمبر 1912 وكان الفيلق السادس منسحبا إلى ألبانيا بعد أن هزم من قبل الجيش الصربي في معركة بريليب، كان وجود الفيلق مفاجئا لليونانيين مما تسبب لهزيمة القوات اليونانية وانسحابهم من المنطقة.
[عدل]جبهة إيبيروس

الجيش اليوناني في إيبيروس 1913
كانت أعداد القوات العثمانية في جبهة إبيروس تفوق اليونايين بكثير، إلا أن الموقف السلبي من العثمانيين مكن اليونانيين على استيلاء بريفيزا في 21 أكتوبر 1912، وواصلت القوات اليونانية تقدمها شمالا لاتجاه يوانينا.
في 5 نوفمبر نزلت قوة صغيرة من جزيرة كورفو واستولت على المنطقة الساحلية في هيمارا دون أن تواجه مقاومة كبيرة، [25]
في 20 نوفمبر دخلت القوات اليونانية المتواجدة في غرب مقدونيا كورتشي إلا أن القوات اليونانية في الجبهة إبيبيروس لم تشن هجوما ضد المواقع الدفاعية التي تحمي مدينة يوانينا، وبالتالي كان عليها أن تنتظر وصول تعزيزات من الجبهة المقدونية.[26]
بعد انتهاء حملة مقدونيا نقل جزء كبير من الجيش اليوناني إلى ايبيروس، حيث تولى ولي عهد قسطنطين نفسه القيادة هناك. ة قاد القوات اليونانية في معركة بيزاني تلاها سقوط يوانينا في 8 مارس بعد حصارها، وقد سمح سقوط يوانينا للجيش اليوناني مواصلة التقدم في إبيروس الشمالية إلى حيث توقف تقدمه، على الرغم من أن خط السيطرة الصربية كان قريبا جدا منه.
[عدل]العمليات البحرية
في البحر، أخذ الأسطول اليوناني زمام المبادرة منذ اليوم الأول للحرب. فخلال الفترة من 6 أكتوبر حتى 20 ديسمبر 1912 كانت البحرية اليونانية ومفارز الجيش اليوناني قد بسطت سيطرتها على جميع الجزر العثمانية تقريبا من شرق وشمال بحر إيجة، وأنشأت قاعدة أمامية في جون مودروس بجزيرة يمنوس، مسطيرة بذلك على مداخل الدردنيل.
حقق الملازم أول نيكولاوس فوتسيس انتصارا معنويا كبيرا لليونان حينما أبحر في 8 نوفمبر بزورق طوربيد تحت جنح الظلام إلى مرفأ سالونيك ليغرق بارجة عثمانية كانت راسية في الميناء.
في بداية الحرب بقي الأسطول العثماني داخل الدردنيل، ولكن عندما بدأت الحرب البرية تأخذ منعطفا حاسما في غير صالح الجيش العثماني، مما يستدعي تعزيزات عاجلة إلى المسرح الأوروبي، حاول الأسطول العثماني دخول منطقة بحر إيجة في 16 ديسمبر ونشبت معركة الدردنيل البحرية بين الاسطول العثماني واليونانية إلا أن هزيمة الأسطول العثماني قد دفعته للتراجع إلى داخل الدردنيل.
وكاستعداد لمحاولة أخرى لكسر الحصار اليوناني، خططت القيادة البحرية العثمانية بالقيام بهجوم مضلل عن طريق إرسال الطراد حميدية بقيادة حسين رؤوف أورباي لتنفيذ غارة على السفن التجارية اليونانية في بحر إيجه، وكان من المأمول أن يدفع ذلك القيادة البحرية اليونانية إلى إرسال الطراد المدرع افيروف للحاق بالطراد حميدية حيث أن أفيروف هي السفينة اليونانية الوحيدة القادرة على اللحاق بالطراد حميدية ومجابهته، مما سيجعل الأسطول اليوناني المتبقي في حالة أضعف.
تسلل الطراد حميدية عبر الدوريات اليونانية وقصف مرفأ سيروس وأغرق سفينة تجارية راسية في الميناء قبل أن يغادر بحر ايجه متوجها للبحر الأبيض المتوسط، السلطات اليونانية أعطت الأوامر بالفعل للاحاق بـ حميدية إلا إن التخمين بوجود خطة العثمانية جعل قيادة البحرية ترفض وبعد أربعة أيام، خرج الأسطول العثماني من المضائق في 18 يناير إلا أنه مني بهزيمة أخرى، كانت هذه آخر محاولة للبحرية العثمانية لمغادرة الدردنيل، وبذلك تركت البحرية اليونانية مسيطرة على بحر إيجه.[27]
[عدل]مسرح عمليات صربيا والجبل الأسود
حقق الجيش الصربي تحت قيادة بوتنيك ثلاثة انتصارات حاسمة في فاردار مقدونيا، كان الهدف الأساسي للقوات الصربية في الحرب هو الاستيلاء على شمال مقدونيا، إضافة إلى ذلك أرسلت صربيا قواتها لمساعدة مملكة الجبل الأسود على الاستيلاء على مدينة سنجق كما ارسلت أيضا فرقتين لمساعدة البلغار في حصار أدرنة.
المعركة الأخيرة في حملة مقدونيا كانت معركة مناستير حيث انسحب بعدها ما تبقى من الجيش العثماني في فاردار إلى وسط ألبانيا.
[عدل]انتهاء الحرب

الأراضي العثمانية المستولى عليها والتي آلت إلى كل من بلغاريا صربيا اليونان الجبل الأسود
انهت معاهدة لندن الحرب البلقانية الأولى في 30 مايو عام 1913. فتم التنازل عن جميع الاراضي العثمانية التي تقع غرب خط أينوس-ميدا للاتحاد البلقاني، أعلنت المعاهدة أيضا قيام دولة ألبانيا المستقلة وكانت غالب الأراضي التي كانت مخصصة لتشكل الدولة الألبانية الجديدة يشغلها آنذاك إما اليونان أو صربيا، إلا أن الدولتان قامت بسحب قواتهما على مضض. بلغاريا لم تحل خلافاتها مع صربيا بشأن تقسيم شمال مقدونيا ومع اليونان على جنوب مقدونيا الأمر الذي دفع بلغاريا لتسوية الخلافات بالقوة ومهاجمة كل من اليونان وصربيا ونشوب حرب البلقان الثانية.

القلق السعودي من الاتفاق الأميركي – الإيراني

كاتب الموضوع الأصلي: صالح سعد

خالد الدخيل *
الخميس ٢٨ نوفمبر ٢٠١٣

هل ينبغي للاتفاق النووي الموقت بين إيران والدول الكبرى أن يكون مثار قلق للسعودية؟ كان هذا ولا يزال إحدى المسائل المركزية التي كانت في صلب أغلب ما كتب ويكتب عن الموضوع، خصوصاً في الصحافة الأميركية. يجب أن يكون الاتفاق مثار قلق، لكن بالتأكيد ليس فزعاً، وليس للسعودية وحدها، بل لمصر ولكل دول المشرق العربي، ومن حيث إن الاتفاق مبدئي وموقت، وينتظر اتفاقاً نهائياً، فإنه قد يمثل بداية لاختراق في العلاقات بين أميركا والغرب، وإيران من ناحية أخرى، وهذا احتمال يجب أن يؤخذ في الاعتبار، خصوصاً لجهة تأثيره في مستقبل الأوضاع السياسية العربية في ظل الظروف السائدة حالياً وفي علاقات التحالف التي تربط السعودية بالولايات المتحدة الأميركية.
الاتفاق النووي في حد ذاته ليس مصدراً للقلق، وإنما ما قد يتمخض عنه من نتائج سياسية وأمنية على مستوى المنطقة. الأسئلة التي يطرحها الاتفاق في هذه المرحلة وغياب أجوبة واضحة عنها هما اللذان يبعثان على القلق، السؤال المركزي: هل يقتصر الهدف الأميركي من وراء الاتفاق على منع إيران من امتلاك السلاح النووي؟ أم أنه مقدمة لما هو أوسع من ذلك؟ يوحي الاتفاق بأن واشنطن باتت مقتنعة بأن اعتمادها في سياستها تجاه المنطقة على تحالفاتها العربية لم يعد كافياً، وأن الوقت حان للانفتاح على إيران. هل يشمل التفاهم المتوقع محاربة الإرهاب؟ إيران وفق وزارة الخارجية الأميركية أهم رعاة الإرهاب في المنطقة، وعلى صلة بذلك، هي أهم رعاة الميليشيات في المنطقة. ثم هل تفكر واشنطن حقاً في إعادة تأهيل إيران للعب دور مشابه لما كانت تلعبه أيام الشاه؟ وفي هذه الحال كيف سيؤثر ذلك في خريطة تحالفاتها في المنطقة، خصوصاً في الخليج العربي؟ سيكون على إيران تقديم تنازلات كبيرة. يؤكد الاتفاق أن إيران ستتنازل في الموضوع النووي، ماذا عن سورية؟ هنا سيكون محك الاتفاق النهائي، وما قد يتأسس عليه من تفاهمات.
قد يتساءل البعض عن مصير ما يُسمى «المقاومة والممانعة»، وليست هناك حاجة لمثل هذا التساؤل لأن «المقاومة والممانعة» لم تكن في يوم ما سياسة، وإنما هي شعار للتغطية على الدور والسياسة، لكن يبقى نجاح إيران في تغيير القناعة الأميركية، وهو نجاح جاء نتيجة لنجاح إيران في تجميع أوراق سياسية في العراق وسورية ولبنان، بالتالي يعكس فشلاً عربياً واضحاً، والدول العربية، وأولها العراق وسورية، هي المسؤول الأول عن ذلك.
هناك مصدر آخر للقلق يتمثل في أن إدارة أوباما تتجه ليس إلى التخلي عن تحالفاتها الإقليمية، وإنما إلى تغيير صيغة هذه التحالفات، والمعني بذلك الدول العربية، وليس إسرائيل أو تركيا مثلاً، ولهذا السبب ربما تفصل إدارة أوباما البرنامج النووي الإيراني وأخطاره عن الدور الإيراني في المنطقة. هي لا يعنيها كما يبدو أن هذا الدور يرتكز إلى مبدأ تحالف الأقليات، بالتالي تفعيل الطائفية كآلية سياسية في الصراع. ترى الإدارة أخطار السلاح النووي وأكلافه، ولا ترى أخطار الدور، لأن أكلافه تقع على دول المنطقة، بما في ذلك حلفاؤها. وهذا فصل غريب يجب أن يبعث على القلق. والاتفاق مصدر قلق آخر لأنه جاء نتيجة لمفاوضات سرية بين الأميركيين والإيرانيين تمت غالبيتها، وفق وكالة الـ «أسوشييتد برس» في سلطنة عمان. لجوء إدارة أوباما إلى مفاوضات سرية بالتوازي مع المفاوضات العلنية يعكس قناعتها بضرورة التوصل إلى اتفاق مع إيران. ووفق الـ «أسوشييتد برس» لم يطلع الأميركيون حلفاءهم في المنطقة على هذه المفاوضات، ما يعني عدم التشاور والتنسيق مع السعودية ودول مجلس التعاون، الطرف الآخر في المعادلة الإقليمية. هل أطلع العمانيون السعودية وبقية دول مجلس التعاون الخليجي على الموضوع؟ الأرجح أن مقتضيات السرية لم تسمح لهم بذلك، ما يطرح سؤالاً عن معنى المجلس، وحدود التزامات أعضائه تجاه بعضها الآخر.
هنا تتجه الأسئلة للأطراف العربية، خصوصاً السعودية ومصر. لماذا هاتان الدولتان؟ لأنهما الأكبر والأهم عربياً. لكن السعودية بحجمها ومركزيتها واستقرارها تتحمل العبء الأكبر في هذه المرحلة. العراق سقط بعد الاجتياح الأميركي والنفوذ الإيراني. وسورية تحولت مرة أخرى على يد النظام الحالي إلى ساحة لصراعات الآخرين، وتحول النظام نفسه إلى ورقة في يد الإيرانيين. لم يبق من المربع الذهبي العربي إلا السعودية ومصر. الأخيرة متعثرة بفعل حال ثورية مضطربة، وصراع «الإخوان» والعسكر. السعودية هي الطرف العربي الأكثر قدرة على حرية الحركة، لكنها لا تستطيع مواجهة الموقف من دون تفعيل، وإعادة تصويب سياستها الخارجية، والبدء في تعزيز قدراتها العسكرية، والانطلاق في ذلك من ضرورة إصلاح بيتها من الداخل. لا يعني ذلك أن ينتظر تفعيل السياسة الخارجية وتعزيز قدرات الإصلاح ومتطلباته. هذا لا بد أن يأخذ وقته، لكن لا بد من البدء في ذلك والانطلاق منه، والسعودية من أقدر الدول العربية على تحقيق هذا الهدف، فإمكاناتها كبيرة، ودورها مركزي، واستقرارها مكين، وقيادتها تملك الخبرة، وتتمتع بشرعية راسخة.
هنا يأتي المصدر الداخلي للقلق، وهو مصدر عربي يتمثل في عدم قدرة، أو عدم استعداد الدول العربية للاستجابة لتحدي الأحداث والتطورات، بما تتطلبه من تغيير في السياسات والمؤسسات، وإصلاحات في الأداء والإمكانات.
في أقل من ثلاثة عقود، مر العرب بثلاثة منعطفات مفصلية: الغزو العراقي للكويت، والغزو الأميركي للعراق، والربيع العربي. قبل تلك المنعطفات كانت الطائفية في حال كمون، والحواجز السياسية والأمنية تحيط بأطراف الجزيرة العربية، وكانت أميركا في ذروة تحالفها مع السعودية ودول الخليج ومصر. كانت سورية لاعباً رئيساً، وكانت حليفاً للسعودية وإيران ومصر. بعد تلك المنعطفات تغيرت الصورة الإقليمية في شكل كامل تقريباً. تحولت الطائفية على يد إيران إلى ميليشيات وإلى قوة سياسية فاعلة نشاهد أداءها في لبنان والعراق وسورية واليمن.
سقطت أنظمة، وأخرى في طريقها للسقوط. أصبحت إيران لاعباً في المعادلة العراقية، وأصبح النظام السوري «الممانع»، كما أشرت، ورقة إيرانية، ومع ذلك بقي الأداء السياسي العربي في الداخل والخارج كما هو تقريباً.
ما الذي تفتقده الدول العربية في هذه المرحلة؟ تفتقد الإرادة السياسية المبادرة في اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة. وتفتقد العمل المؤسسي. كما تفتقد القدرة على مواجهة حقيقة أن الدولة في حاجة إلى تغيير وإلى إصلاح بعد عقود طويلة من الجمود. المذهل أن إيران حققت نجاحاتها وهي دولة دينية ترتكز على فكرة دينية اسمها «ولاية الفقيه»، لكنها تمتلك بنية مؤسسية فاعلة ورثتها من عهد الشاه، هي دولة الطبقة الدينية، وما يتحالف معها من طبقات، مثل طبقة البازار. تعتاش هذه الدولة على تأجيج الصراعات الإقليمية لشد عصب الداخل. والأرجح أنها ستواجه انفجار تناقضاتها في حال تدهور ظروفها الاقتصادية، أو انقضت تلك الصراعات، أو كليهما معاً. ولمواجهة الظرف الاقتصادي اضطرت إيران للإسراع إلى التفاهم مع الأميركيين لرفع العقوبات الاقتصادية التي قد تفجر الداخل. انقضاء الصراعات الإقليمية أمامه كما تتصور القيادة الإيرانية زمن طويل.
في المقابل الدول العربية هي دول أفراد أو عائلات تفتقد التحالف الطبقي الحقيقي، وليس النفعي الموقت، والأكثر من ذلك افتقادها البناء المؤسسي منذ زمن بعيد. بإمكان الدول العربية، خصوصاً السعودية سحب ورقة الطائفية من يد إيران، وذلك بفتح خطوط تواصل مع كل مكونات دول مثل العراق والبحرين ولبنان وسورية، بما في ذلك الشيعة. وهذا ممكن ولا يتطلب زمناً طويلاً. غالبية الشيعة مناهضة للسياسة الإيرانية، بالتالي ليس مفهوماً لماذا ترك هذه الورقة في يد إيران توظفها للتوتير في الداخل، ثم استخدامها للاختراق، والضغط في الداخل والخارج، ماذا يعني كل ما سبق؟ يعني أنه من الممكن الاستفادة من مصادر القلق وتحويلها إلى حوافز للعمل، وتحقيق النجاحات، فالإمكانات متوافرة والوقت متوافر وكذلك الظروف. بقي أن تتوافر الإرادة والرؤية والتصميم على العمل.

الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود رحمة الله

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الزامل 9

الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود رحمة الله
حياتـــه :
1– نشأتـــــه:
ولد الملك فيصل في الرياض سنة 1324هـ الموافق 1906م، وكانت ولادته بعد خمس سنوات من استعادة والده على الرياض على أثر انتصار عبدالعزيز بن سعود في معركة روضة مهنا،(1) ضد خصمه عبدالعزيز بن رشيد والتي انتهت بمقتل ابن رشيد وتشتت قواته ، واستعادة ابن سعود القصيم ، وخروج قوات ابن رشيد والدولة العثمانية منها، وتعد معركة روضة مهنا من المعارك الحاسمة في تاريخ المملكة لأنها كانت البداية لسقوط آل رشيد ورحيل العثمانيين من بلاد نجد.(2)
وقد تربى في كنف جده لأمه الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ، لأن أمه ماتت وهو طفل رضيع وتولى تعليمه القراءة والكتابة وحفظ القرآن ودرسه شيئاً يسيراً من الفقه والتاريخ (3) ، ولم تقتصر تربية فيصل وتعليمه على ذلك فقط، وإنما فرضت عليه حياة الصحراء الصعبة وظروفها الطارئة وصراعاتها المتعددة، أن يتعلم ركوب الخيل والرماية والفروسية واستعمال السلاح، حيث يذكر “ديجوري” أن جده لامه الشيخ عبدالله بن عبداللطيف كان يتولى تعليم فيصل كيفية ركوب الخيل واستعمال السيف.(4)
ولكن مدرسة الفيصل الحقيقية وجامعته التي تلقى فيها مبادئ الحكم وأخلاق الزعامة هي مدرسة أبيه ، يقول ديجوري : ” السياسة وحتى التصرف مع الناس والعشائر أخذهما فيصل عن أبيه، وأخذ عنه أيضاً الصبر والكتمان وضبط الأعصاب، وعزة النفس، وهي خصال عربية “.(5)
ومما لاشك فيه أن الملك عبدالعزيز كان يعد ابنه فيصل إعدادا يؤهله ليكون حاكماً على البلاد عندما يأتي دوره فيما بعد، وقد حرص على ذلك أشد الحرص ولا ريب أن ذلك قد ساعد في تكوين شخصية فيصل وإبراز مواهبه، فيذكر مجيد خدوري أنه ذات يوم ســــأل الملك فيصل، لمن يدين بتدريبه على فن الحكم؟ فأجابه دون تردد : “لوالدي” ، وأضاف ” أنا لم أحظ بتربية رسمية في المدرسة ولكن نشأت في ظل والدي وتوجيهه المباشر”.(6)
2– تدريبه على الحرب:
كان عبدالعزيز قد قام بتدريب ابنه على الحروب منذ صغره، حيث اصطحبه معه في غزوة ياطب(7) سنة 1336هـ وعمره آنذاك حوالي ثلاثة عشر عاماً، وتعد أول غزوة ضد ابن رشيد توجه في عقر داره، وقد اكتشف في ولده فيصل مواهب حربية كبيرة، ومن ثم أسند إليه مهمة جديدة، فعندما قرر الملك عبدالعزيز الزحف على حائل عام 1339هـ، لجأ إلى توزيع قواته بين أخيه وولديه سعود وفيصل، حيث تذكر بعض المصادر أن الجيش الذي كان بقيادة فيصل اكتسح كل من واجهه من عشائر ابن رشيد وأبادهم، واستولى على كثير من القرى التابعة لحائل ، وواصل زحفه إلى قرب مدينة حائل.(8)
وعندما حدثت فتنة في عسير، قادها حسن بن عائض ضد الحكم السعودي، وذلك بالتنسيق مع الشريف حسين عام 1339هـ، عهد عبدالعزيز إلى ابنه فيصل قيادة حملة كبيرة قوامها ستة آلاف مقاتل من نجد، ولما وصلت إلى بلاد قحطان وشهران وغيرهم من القبائل المحيطة،(9) والتي تدين حكم آل عائض، أنضم إليها حوالي أربعة آلاف مقاتل، وقد سار الفيصل بهذه القوة الكبيرة في شهر ذي القعدة عام 1340هـ، نحو أبها فتمكن من إلحاق الهزيمة بقوات ابن عائض ، مما دعا الأخير إلى التراجع إلى الوراء واللجوء إلى معقله في حرملة،(10) وكان الفيصل قد تمكن من دخول أبها عاصمة عسير في شهر صفر 1341هـ، وتجنباً لإراقة الدماء وجه الفيصل الدعوة إلى ابن عائض بالاستسلام والدخول في الطاعة،(11) لكنه أبى فما كان من الفيصل إلا أن هاجم حرملة، وبعد تحقيق النصر وتثبيت سلطة الدولة عاد الفيصل إلى الرياض حيث استقبل استقبالاً كبيراً ، وخرج والده لملاقاته خارج الرياض ، واصطحابه في موكب لدخول العاصمة الرياض، وذلك في 21 جمادى الثانية سنة 1341هـ ، وقد أطلق عليه لقب بطل أبها.(12)
وعندما طال حصار عبدالعزيز لمدينة جدة أرسل إلى ابنه فيصل بالقدوم إلى الحجاز على رأس قوة من نجد والمشاركة في الهجوم على المدينة ؛ فوصلت قوات الأمير فيصل وأحكمت الحصار عليها ، ولم يمض اكثر من خمسة وعشرين يوماً على وصول قواته حتى أدرك الملك على بن الحسين عدم جدوى المقاومة فقرر الاستسلام والرحيل من الحجاز في شهر جمادى الأولى عام 1344هـ.(13)
وعندما أعلن الحسن الإدريسي الثورة ضد الحكم السعودي في سنة 1351هـ منتهكاً بذلك معاهدة مكة سنة 1345هـ، والتي بموجبها وضعت إمارته تحت الحماية السعودية، واستغلال أمام اليمن هذه الفرصة فأقدم على الاستيلاء على بعض أجزاء المنطقة، حيث استولت قواته على نجران وأراض من تهامة(14) ، ولم يشأ عبدالعزيز استخدام القوة في بداية الأمر بل سعى إلى حل سلمي ، غير أن إمام اليمن لم يرفض ولم يقبل (15) ، فأدرك عبدالعزيز هدف الإمام من ذلك ولذا بعد أن استنفذ كل السبل لجأ إلى استعمال القوة المسلحة ؛ فأنفذ إلى اليمن في أواخر عام 1352هـ ثلاث حملات عسكرية: الأولى بقيادة فيصل بن عبدالعزيز وتهدف إلى دفع القوات اليمنية إلى داخل أراضيها، والثانية برئاسة سعود وترمي لاستعادة نجران، والثالثة وأسند قيادتها إلى الأمير خالد بن محمد وغايتها احتلال صعدة (16) ، وكانت القوة التي يقودها الأمير فيصل تتألف من جنود نظاميين وغير نظاميين مجهزة بالمدافع والأسلحة الحديثة، وعند وصوله إلى (جازان) لم يمكث إلا بضعة أيام، ثم زحف صوب ميدى المحصنة والمزودة بخط لاسلكي ولكي يمنع فيصل العرشي قائد المدينة من الاتصال بقيادته العليا، أمر بقطع الخط فكانت النتيجة أن هرب العرشي تاركا البلد وحاميتها تحت رحمة الأمير فيصل (17) ، ولم تجد القوات اليمنية مفراً من الاستسلام وذلك في 16 محرم 1353هـ، وفي اليوم التالي قدم أهالي اللحية وقبائل وادي مور الطاعة والولاء للأمير فيصل 1353هـ/1934م، ثم تقدمت قوات الأمير فيصل باتجاه الحديدة مما جعل قوات الإمام تخلي المدينة، وهكذا دخلت قوات فيصل الحديدة في 21 محرم دون قتال، ثم أخذت قواته تتقدم نحو باجل والحسينية وبيت الفقيه والزيدية وغيرها حيث قدمت تلك المدن وكافة القبائل القاطنة في جنوب الحديدة ولاءها للحكم السعودي(18) ، ولولا تدخل زعماء العالم العربي والإسلامي لوقف الحرب والدخول في مفاوضات لإقرار السلام بين البلدين لوصلت القوات السعودية تقدمها داخل اليمن نفسه، واستجابة لمناشدة أولئك الزعماء وكبار العلماء أمر الملك عبدالعزيز ابنه فيصل بالتوقف.
3– تدريبه على السياسة:
أ– زياراته الأولى:
عندما انتهت الحرب العالمية الأولى 1914–1918م بانتصار بريطانيا وحلفائها على دول الوسط (الدولة العثمانية – ألمانيا – والمجر) وجهت بريطانيا الدعوة للملك عبدالعزيز لزيارة بريطانيا، وقد قبل دعوة الملك جورج الخامس ملك بريطانيا واختار ابنه فيصل ليمثله وهو ابن الثالثة عشر عاماً (19) ، واختيار فيصل يعتبر دليلاً على تقدير والده لمقدرته وانه يرى أن فيه من الصفات ما يؤهله لذلك، وقد أعلن أن الهدف من البعثة آنذاك هو تقديم تهاني والده على انتصار بريطانيا في الحرب (20) ، لكنه لعله قد بحث خلال الزيارة بعض الأمور التي تهم البلدين وفي مقدمتها مستقبل العلاقات السعودية البريطانية، وكذلك مسألة الحدود بين نجد والحجاز، لأن بريطانيا كانت تسعى إلى تقوية نفوذها في الجزيرة العربية ، ولن يتأتى ذلك إلا بانتهاء مشاكل الحدود بين الشريف حسين بن على وعبدالعزيز بن سعود (21) ، لكن “بول” يقول بأن أحد أهداف زيارة الأمير فيصل الدبلوماسية لبريطانيا في سنة 1919م كان لإقناع بريطانيا بزيادة دعمها لوالده بدلاً من الشريف حسين.(22)
وقد استقبل الملك جورج الخامـــــس ملك بريطانيا في الثلاثــــين من أكتوبر سنة 1919م الأمير فيصل والوفد المرافق له في قصر بكنغهام ، وفي أثناء هذا الاستقبال قدم الأمير فيصل للملك سيفا مزينا ومرصعا باللؤلؤ، وقد زار خلال هذه الزيارة مجلسي العموم واللوردات وجامعة كامبردج، وبعض مصانع الأسلحة والسيارات،(23) ثم بعدئذ توجه إلى باريس تلبية لدعوة من الحكومة الفرنسية ، حيث تفقد في فرنسا وبلجيكا ميادين القتال وما خلفته الحرب من دمار وخراب ، وشاهد آثارها في الخنادق والمعدات، وقد دامت رحلته إلى أوربا ستة شهور.(24)
وبالرغم من أن زيارة أوربا كانت ناجحة بكل المقاييس إلا أنها كانت صعبة كثيراً، باعتبارها الزيارة الأولى التي يقوم بها خارج الجزيرة العربية وهو في هذه السن المبكرة، فقد قابل شخصيات تفوقه سنا وتجربة وخاصة في الميدان السياسي، وبالإضافة إلى هذا فلاشك أن ما شاهده وما سمعه قد أفاده كثيراً وساعد في تثقيفه ورفع مهاراته السياسية والدبلوماسية ، حيث يقول قدري قلعجي:”ويمكن القول بكل ثقة أن رحلة فيصل بن عبدالعزيز في أول مهمة سياسية يقوم بها لديار الغرب– التي استمرت ستة أشهر– كانت رحلة ناجحة، إذ استشرف فيها الفتى اليافع حقائق السياسة الدولية، والاتجاهات الفكرية والسياسية السائدة هناك، كما كانت تجربة بالغة الأهمية في حياته السياسية المقبلة، زادت من حصيلة خبراته كرجل دولة وقائد مسيرة “.(25)
ب– الزيارة الثانية إلى أوربا 1345هـ/1926م
بعد أن تم له توحيد الحجاز مع بقية أجزاء البلاد– والمناداة به ملكاً على الحجاز وسلطاناً على نجد وملحقاتها– أراد أن يوطد علاقاته بدول أوربا الغربية، والتي اعترفت به ملكاً على الحجاز وهى بريطانيا والاتحاد السوفيتي وفرنسا وهولندا، ولذا قرر عبدالعزيز إرسال ابنه فيصل لأنه لم يعد مجرد أمير فقد أصبح نائباً للملك في الحجاز على رأس وفد سعودي يقدم الشكر للملك والحكومات الأوربية (26) ، وقد استقبل استقبالا كبيراً وجديدا، يقول الكاتب الألماني فوك ميكوش: “كانت لزيارة الأمير فيصل للندن مظاهر تختلف عن زيارته الأولى في سنة 1919م عندما قوبل بقليل من الاهتمام كمجرد أمير من أمراء الصحراء، فقد استقبل هذه المرة بحفاوة بالغة ، ورمت المدفعية تحية الملوك بإحدى وعشرين طلقة باعتباره مندوباً عن والده الملك ، وجرى له استقبال رسمي حافل ووجد في كل مكان أبوابا مشرعة وآذانا صاغية ، كما رحبت به الأوساط الاجتماعية الزائرة ، واستقبله الملك جورج ومنحه وسام.(27)
وقد اجتمع فيصل خلال إقامته في لندن بعدد كبير من رجالات السياسة ، وزار بعض المؤسسات التعليمية والجامعات، وفي هولندا استقبلته ملكتها، وفي فرنسا استقبله رئيس الجمهورية– وكان يومئذ مسيو دومرغ– في قصر الإليزيه استقبالا حارا. وقد شكر الحكومة الفرنسية لاعترافها بالملك عبدالعزيز ملكاً على الحجاز ونجد وملحقاتها. ، لقد كان لهذه الزيارة الأثر الحسن ، وأسهمت في زيادة سمعة الأمير فيصل والدولة السعودية التي يمثلها ونجاح في تطوير علاقاتها مع البلدان الأوربية.(28)
جـ– زيارته الثالثة إلى أوربا:
في عام 1351هـ/1932م أوفد الملك عبدالعزيز الأمير فيصل على رأس وفد لزيارة عواصم الدول، التي أقامت تمثيلاً دبلوماسيا مع المملكة لتعزيز علاقات بلاده مع تلك الدول ولحفز بقية دول العالم على الاعتراف بدولته، فقام الوفد بزيارة كل من بريطانيا وفرنسا وهولندا وألمانيا وبولندا وإيطاليا وسويسرا والاتحاد السوفيتي، لتقوية روابط الود والصداقة مع تلك البلدان ودراسة أوضاع المسلمين (29) ، كما زار كل من تركيا وإيران البلدين الإسلاميين لتعزيز وشائح الأخوة الإسلامية، وتوقف في كل من الكويت والعراق، ولاشك أن زيارته للعراق كان الهدف منها تحسين الروابط الأخوية مع المملكة السعودية، وتخفيف حالة التوتر بين البلدين.(30)
ويعلق قدري قلعجي على هذه الزيارة الثالثة إلى أوربا بالقول: ” ويمكن أن رحلته قد حققت نجاحاً كبيراً في تعزيز مكانة الدولة الفتية على صعيد العلاقات الدولية، وأقامتها على أسس التفاهم الودي والتعامل على قدم المساواة، كما أكدت حرصه على تحقيق السياسة التي رسمها لبلاده في الانفتاح على العالم الخارجي لكسب معركة الحضارة والتقدم العلمي، دون التخلي عن المبادئ الأصلية في منطلقها الأساسي بالحفاظ على التراث العربي والقيم الروحية “.(31) وقد استغرقت رحلته تلك ثلاثة شهور.
وفي سنة 1358هـ/ 1939م تولى الأمير فيصل رئاسة الوفد السعودي الذي اشترك مع عدد من الدول العربية وهي مصر والعراق واليمن، وذلك في مؤتمر خاص بالقضية الفلسطينية لمواجهة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وقد أوضح معارضة المملكة للهجرة اليهودية، وتؤكد على حق الشعب الفلسطيني غير المنازع في وطنه.(32)
د– زيارته إلى أمريكا
في عام 1943م قام الأمير فيصل بن عبدالعزيز وأخوه خالد بزيارة للولايات المتحدة الأمريكية تلبية للدعوة التي وجهت إلى أبيهما من الرئيس روزفلت يرافقهما وفد كبير من كبار الشخصيات السعودية (33) ، وقد جرت بين الرئيس روزفلت والأمير فيصل محادثات ودية بشأن توطيد العلاقات الثنائية بين البلدين، كما تطرقت إلى مناقشة القضية الفلسطينية، وخلال وجوده في أمريكا التقى الفيصل بعدد من كبار القادة والساسة الأمريكيين ، واطلع ومرافقيه على الحياة الأمريكية في مظاهرها المختلفة من ذلك المعامل، والمخابز، والجامعات، والمزارع ومصافي البترول والطيران والبحرية، كما زار مجلس الشيوخ الأمريكي.(34)
ومنها توجه إلى لندن تلبية للدعوة التي تلقاها من حكومتها وكانت آنذاك تتعرض للغارات الجوية الألمانية العنيفة والشديدة، حيث أجرى محادثات مع ملك بريطانيا ورئيس الوزراء ونستون تشرشل تناولت عدد من القضايا العربية ، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وبالذات الهجرة اليهودية إلى فلسطين،(35) ثم سافر إلى الجزائر تلبية لدعوة ديجول زعيم فرنسا الحرة (36) .
وفي عام 1365هـ/1945م قرر الحلفاء تأسيس ” هيئة الأمم المتحدة ” لتأكيدهم على حق الشعوب في الحرية والاستقلال ، وحل المنازعات الدولية بالطرق السلمية ، وقد دعيت المملكة العربية السعودية إلى ذلك الاجتماع التأسيسي والذي عقد في سان فرانسسكو 25 إبريل سنة 1945م، وقد مثل المملكة الأمير فيصل نائب الملك في الحجاز ووزير خارجيته ومعه وفدّ منهم أخوه الأمير فهد (خادم الحرمين الشريفين)، والذي ألقى خطاباً أكد فيه على أن مبادئ السلم والعدالة والحق هي المبادئ التي تتمسك بها المملكة لأنها نابعة من الدين الحنيف الذي تعتبره دستورا لها، ومما قاله: “إن هذا الميثاق لا يدل على الكمال، كما كانت تتوقع الأمم الفقيرة التي كانت تأمل أن يحقق المثل العليا، على أنه كان خطوة كبيرة إليها، وسنعمل كلنا للمحافظة عليه، وسيكون الأساس المتين الذي يبنى عليه صرح السلام العالمي “.(37)
4– تدريبه على الحكم :
اكتشف الملك عبدالعزيز في ابنه الفيصل، الذكاء، والفطنة، ورجاحة العقل، ورصانة الرأي، ومن هنا فقد عهد إليه ببعض الأمور المهمة كقيادة بعض الحملات العسكرية المهمة ، والقيام بمهام سياسية خارجية إلى أوربا ، والتفاوض أحياناً بالنيابة عن والده، وقد أثبت مقدرة وكفاءة منقطعة النظير، ولذا فبعد أن تم دخول الحجاز تحت الحكم السعودي، رأى – رحمه الله – أن يقوم بتنظيم شؤون الحجاز والاعتناء بها وإعطائها نوعاً خاصاً من الحكم (38) ، واختار ابنه فيصل نائباً له في الحجاز يمارس الحكم ويتحمل مسؤولياته فيقول فوميكوش : نصب نجله الأمير فيصل نائب الملك في مكة، وأوكل إليه تقاليد الحجاز يحكمه بما اشتهر به من ذكاء، وتمرس بالحياة الحديثة، وسعة في الصدر”(39) ، ولوضع منهاج يسير عليه الأمير فيصل شكل مجلس الوكلاء يتألف من عدد من أهل الرأي ، وأسند رئاسته إلى ابنه فيصل فكانت ثمرة ذلك المجلس إعداد ” التعليمات الأساسية للمملكة الحجازية”، والتي وافق عليها الملك عبدالعزيز، كما أنشأ مجلس لوضع المشاريع والأنظمة الإدارية والمالية سمي “مجلس الشورى” أسند رئاسته أيضاً للنائب العام” (40) ، فأصبح يطلق عليه النائب العام ، وأطلق على السلطة التي يتــــولى أمرها “النيابة العامة”، والتي حددت التعليمات الأساسية وظائفها وأهدافها(41):” النيابة العامة هي المرجع العمومي لجميع الدوائر الحكومية وأقسام إدارتها، وكل واحد من مديري الدوائر ورؤسائها يكون مسؤولا أمامها عن حسن جريان الأمور الداخلية في دائرة وظيفته (وهي النيابة) مسؤولة أمام صاحب الجلالة، والتي يرجع إليها جميع الدوائر الحكومية وأقسام إدارتها، سواء في الأمور الشرعية أم الداخلية أم المالية أم التعليمية، وكان ذلك أول عمل عام كبير يتولاه ويمارسه، ولاشك إن مهمته بصفته نائب الملك في الحجاز هي السهر على راحة المواطنين، ورعاية شؤون الحرم المكي، والمحافظة على سلامة الحجاج ، وتأمين احتياجاتهم اليومية طوال وجودهم في الأراضي المقدسة، ثم السهر على حالتهم الصحية لتجنب الأوبئة، ثم استقبال رؤساء الوفود – الذين هم في الغالب وزراء أو رؤساء دولة – القادمين من كل أقطار العالم الإسلامي.
وبالإضافة إلى ذلك فقد عامل شعب الحجاز معاملة حسنة ، كما نجح في استئصال شأفة الفوضى التي كانت سائدة في الحجاز ، فوضع حداً للاعتداءات التي كانت تقوم بها بعض القبائل وبخاصة على قوافل الحجاج وابتزاز أموالهم وزهق أرواحهم.(42)
وقد أولى اهتمامه أولا بالتعليم حيث أنشأ مديرية التعليم، وثانيا العناية بالأمور الصحية كتوفير المعالجة للأهلين وإنشاء المستشفيات، وجلب الأطباء من الخارج، ومما قاله في خطبة ألقاها في المجلس الصحي العالي: ” الصحة سر القوة، وهي طلب كل نفس، ولا هناء للعيش إلا بها.. وأننا نحمد الله تعالى على أن الصحة في الحجاز تخطو خطوات طيبة في سبيل التقدم “.(43)
والأمر الثالث الذي وجه اهتمامه به توفير الماء ، وذلك بشراء عدد من الماكينات الحديثة لرفع المياه من الآبار لاستخدامها في الزراعة والشرب، وهكذا كانت مكة أول مدينة زودت بالمياه بواسطة الأنابيب، والأمر الآخر الذي اعتنى به هو إنشاؤه لجنة لدراسة المشاريع العمرانية تستعين في عملها بالخبراء العرب والأجانب.(44)
وأخيراً أنشأ لجنة للتفتيش والإصلاح من مهامها استقبال شكاوى أفراد الشعب فيقول في بلاغ أعلنه للناس : ” ليكن معلوما لدى الجمهور أن من له قضية في إحدى الدوائر عليه أن يطلب إنهاء قضيته من قبل المأمور المختص فإن لم يتم عمله حسب النظام أو تهاون في إنجازه فعلى المشتكي أن يرفع الأمر إلى رئيس ذلك المأمور ، فإن لم ينصفه هذا راجع النائب العام ثم .. الملك”.(45)
فكل الأمور التي ترده يحيلها إما إلى المحاكم الشرعية للحكم فيها بما أنزل الله، أو إلى المجالس والهيئات الإدارية لتقرر ما ترى فيه المصلحة العامة.
ومن ناحية أخرى فقد كان حريصا على الاتصال بزعماء البلاد، ويقوم بين الفينة والفينة بزيارة الأحياء أو الانتقال من مدينة إلى أخرى ومن قرية إلى قرية أخرى، ليتعرف على كثب عن حاجاتهم ورغباتهم ويتلمس قضاياهم.
ويقول محمد شفيق مصطفى : ” وقد أصاب في ذلك (أي بتعيين فيصل نائب له) كل الإصابة، إذ أظهر هذا الأمير الصغير السن حنكة الشيوخ ولباقة الحكماء، فجمع القلوب حوله، حتى أن ممثلي الدول الأجنبية الذين خالطوه بحكم مهامه الرسمية شهدوا له بحدة الذكاء، وبعد النظر، ورقة الجانب “.(46)
وقد عهد إليه والده بمفاوضة بريطانيا في عقد معاهدة جدة، والتي استطاع خلال تلك المفاوضات أن ينتزع اعتراف بريطانيا باستقلال المملكة ، حيث جاء في المادة الأولى من اتفاقية جدة والتي حدثت في 18 ذي القعدة 1345هـ/ 20 مايو 1927م : ” يعترف صاحب الجلالة البريطانية بالاستقلال التام المطلق لحضرة صاحب الجلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها “.(47)
وعندمـــا قرر الملك عبدالعزيز تحويل مديرية الخارجية إلى وزارة في 28 رجب 1349هـ/ ديسمبر 1930م، أسندها إلى صاحب السمو الملكي الأمير فيصل علاوة على احتفاظه بالنيابة العامة ، وقد جاء تعيينه بسبب ما أتثبته من براعة دبلوماسية أثارت الانتباه إلى حد بعيد، وهكذا بصفته وزيرا للخارجية فان عليه أن يستقبل سفراء ورجال السلك الدبلوماسي وأن يصغي إلى ما يبوحون به من الأسرار ، وأن يعمل على توطيد علاقات المملكة مع بلدانهم ، وخاصة مع الدول العربية الشقيقة والإسلامية والصديقة على أسس من التعاون والاخوة في المجالين العربي والإسلامي ، والمعاملة بالمثل في المجال الدولي، فأثمرت جهوده عن عقد عدة معاهدات في مجالات مختلفة.
ولقد احتفظ بمنصب وزير الخارجية طوال حياته، ومن ثم فأنه كان حريصاً على أن يدير النشاط الدبلوماسي بنفسه، ويقوم بتمثيل المملكة إلى اجتماعات الجامعة العربية والأمم المتحدة، وغيرها من الاجتماعات عربية كانت أم دولية ، علاوة على استقبال شخصيات كل سفراء وموفدي الدول الأجنبية في مكة وفي جدة، كما كان باستمرار على اتصال بمثلى بلاده في الخارج، وبالإضافة فإن زياراته الخارجية كانت تصب في مصلحة القضايا المحلية والعربية مثل قضية فلسطين ، ففي زيارته لموسكو 1932م قابل ستالين وعدد من القادة السوفيت ، وناقش معهم القضية الفلسطينية والهجرة اليهودية إلى فلسطين ، والخطر الذي يهدد السلام العالمي من جراء الحركة الصهيونية ، كما مثل بلاده في مؤتمر المائـــدة المستديرة الذي عقد في لندن لمناقشة القضية الفلسطينية سنة 1939م ، وقد وجه الأمير فيصل كلمة ذكر فيها الوعود البريطانية التي أعطيت للعرب من قبل ، وطالب الحكومة البريطانية بوقف الهجرة اليهودية ، وإيجاد حل عادل وسريع للقضية ، لأن استمرار الحكومة البريطانية في موقفها المؤيد لإسرائيل سيؤدي إلى قيام العرب بأعمال انتقامية ضد المصالح البريطانية في البلاد العربية والإسلامية.(48)
وفي اجتماع هيئة الأمم المتحدة سنة 1947م – لمناقشة القضية الفلسطينية والنظر في قرار التقسيم والذي أيدته الولايات المتحدة الأمريكية– انتقد الأمير فيصل سياسة الولايات المتحدة في دعمها للصهاينة ، وأوضح أن المملكة العربية السعودية ترفض قرار التقسيم ، وأنها ستدافع عن حقوق العرب وحقوق الشعب الفلسطيني بالطريقة التي تراها مناسبة ، ومما قاله :” إذا كان هناك من يقول بأن يقبل العرب بقرارات الأمم المتحدة، فعلينا أن نعترف بدولة الصهاينة، لأن الأمم المتحدة معترفة بها، فعلينا أن نقبل تقسيم فلسطين، الذي نصت عليه قرارات الأمم المتحدة .. وهذا مالا يمكن أن نقبل به أو نرضى عنه، وإذ أجمع العرب في بلاد أخرى على أن يرضوا بوجود (إسرائيل) وتقسيم فلسطين فلن ندخل معهم في هذا الاتفاق”.(49) وقد ظل طوال حياته يسعى بكل جهد لخدمة القضية الفلسطينية واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني.
بالإضافة إلى ما تقدم رأس وفد المملكة في مؤتمرات دول عدم الانحياز في باندونغ سنة 1955م ، 1961م، القاهرة م1964 لخدمة القضايا العربية ، وتوطيد السلم العالمي ، ومنع الحرب.

شخصيته :
لاشك أن نشأته الدينية في بيت جده لامه(الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ) الذي كان من كبار علماء نجد، والذي تولى الإشراف على تربيته وتلقينه القراءة والكتابة وعلمه الفقه والتشريع والتاريخ ، وإلى جانب ذلك درسه سيرة الخلفاء الراشدين، كما ختم القرآن الكريم على يد الشيخ محمد بن مصيبيح، فكان لهذه التربية أثر كبير في حياته ، وغرست فيه روح التدين، مما بعث في نفسه إحساساً بالعزة بغير كبرياء، والثقة بدون غرور، يمضي في طريقه منتصب القامة رغم عظم ما ألقى على عاتقه من تبعات، يتخذ دائماً من حقائق التاريخ الموضوعية التي تتناسب مع النظر والحس والعقل والوجدان، والتي تنسجم مع الواقع والمنطق والضمير مرجعاً لموضوعاته، فتبدو النتائج منسجمة مع المقدمات.
لقد كان رجلاً يجمع بين قوة العقل وشجاعة الضمير، أعاد إلى الإسلام سيرته الأولى، باقتفائه أثر الخلفاء الراشدين، ولقد كانت قدراته في الحصول على ما يريد أمراً لا يحد، وكانت إصابته للهدف لا تخطئ ولم يكن الانفعال مما يغلب عليه ، وإنما كان يواجه الأمور بوازع من إيمانه بالله وبوجدانه الإسلامي وأصالته العربية، وبتقاليده العريقة ، وبالإضافة إلى هذا فقد أعطاه أعظم مقومات شخصيته الأصيلة ترعرعه في كنف والده فيقول : ” إن المغفور له والدي عبدالعزيز هو مدرستي ومنارتي التي استهدي بها، إنني احفظ كثيراً من تجاربه المرشدة، إن مدرستي الحقيقية هي شخصية المغفور له والدي عبدالعزيز ، الذي ترعرعت ونشأت في ظله، وتمرست من الحياة بتدريبه، فكان هو المدرسة التي استقيت منها دروسي وخبرتي “.(50)
فكان يحضر مجالس والده، يصغي إلى أحاديث كبار الزوار، ويستمع إلى رواياتهم الأخبار له، ويشاهد عن كثب كيف يناقشهم والده في ذلك، وطريقة التعامل معهم ومن الطبيعي أن تكون للملاحظات التي يسمعها عن الناس والشؤون العامة ما فتح ذهنه وعينيه، وعجل في نضوجه وهو ما يزل حدثا لم يطر شارباه، وكان فوق ذلك كله وبفضل مرافقته لرجل عظيم أن تطبع بطباع الرجال العظام، كالتحلي بالصبر ورباطة الجأش، والمقدرة على سياسة الرجال وقيادتهم، وتتميز شخصيته– رحمه الله – بالأناة والروية واستشارة أصحاب الرأي والخبرة يقول العجلاني: ” إن الفيصل في ذكائه الوقاد، وحدسه الصادق، ونظرته النفاذة، يحيط بدقائق الأمور لأول وهلة ، ولكنه لا يحب أن يعلن للناس رأيه، ويدعوهم إلى العمل، قبل أن يعرض رأيه على نفسه مرة، وعلى أصحاب الخبرة والمعرفة مرة، يصدر دائما عن دراسة عميقة وإحاطة شاملة، وهو إلى ذلك يتحرى السلامة ويكره المغامرة، وقد يستعين بالوقت أحيانا على حل المعضلات، فالأناة ليست أسلوباً في التفكير، ولكنها أسلوب في العمل والتقرير والتدبير”.(51)
وبالإضافة إلى ذلك فكان رحمه الله يتمتع بقوة الأعصاب، ظهر ذلك جليا في أزمة أحداث اليمن وما رافقها من أعمال استفزازية عدوانية، قامت بها قوات الجمهورية العربية المتحدة، إذ استخدمت الطيران في ضرب كل من أبها وخميس مشيط وجازان، من أجل ترويع الأهالي وزعزعة الحكم وإرباك القيادة الرسمية، ولكن الأمير فيصل آنذاك لم يعبأ بل ظل رابط الجأش، وبدلا من ذلك أخذ يطوف أنحاء البلاد لتهدئة الرأي العام وإطلاع السكان على حقيقة الوضع ، وتعبئتهم لمواجهة العدوان ، وفضح خطط العدو وأهدافه، وأوضح لشعبه بأن مساندة حكومة المملكة العربية السعودية للملكين اليمنيين جاءت رداً على قيام قوات الجمهورية العربية المتحدة بإرسال قواتها إلى اليمن لدعم الثورة وتدخلها المباشر في شؤونه، وبالتالي التهديدات التي أطلقها المسؤولون فيها برغبتهم في تحطيم كيان المملكة العربية السعودية، ومن ثم طالب بسحب قواتها من اليمن، وأن يعطى الشعب اليمني الحرية في تقرير مصيره ، واختيار نظام الحكم الذي يرغب فيه(52) ، ولما لم يستجب إلى طلبه، أضطر إلى تقديم الدعم والمساعدة للإمام البدر ورجاله مما ترتب عليه توازن القوى، وقد دفع ذلك عبدالناصر إلى قبول الحل السلمي، ولعل تعليق صحيفة لادورنيراور التي تصدر في بروكسل يصور لنا شخصية الملك فيصل أحسن تصوير حيث تقول : ” إن جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز محارب من الطراز الأول الممتاز، يعرف كيف يقهر خصمه، ويتفوق عليه، ويفوت عليه غرضه، كما يعرف كيف يحدد الهدف، ويحكم أبعاده، ثم يصوب إليه الضربة التي لا تخطئ أبداً، وإن جلالته لا يحمل السلاح، ولا يخوض المعركة إلا بعد أن يكون قد استنفد فرص العمل السلمي، والأسلوب الدبلوماسي، واضطر عدوه كارها أن يبدأ هو بالعدوان، وهنا يوجه إليه جلالته الضربات السريعة القاضية “.(53)
كما تتضح شخصيته – رحمه الله – من واقع أعماله كدعوته إلى التضامن الإسلامي، وسلوك الطريق إليها، تلك الدعوة التي طرق بها أبواب القارات، ووصل بها إلى كل صلــــب من قلوب الألف مليون مسلم في بقاع العالم وأصقاعه، فقد أدرك – رحمه الله – بأن الأمة الإسلامية أمة واحدة، وأن تجمع شعوبها تحت راية عقيدتهم الإسلامية فيه خير لهم جميعاً، وفيه صلاح لأمورهم، وفيه حل لمشاكلهم، وفيه وقاية لهم جميعا من المذاهب الهدامة مثل الشيوعية والاشتراكية، والأفكار الراديكالية والتطرف القومي الزائد عن الحد، وفيه قوة لهم لمواجهة تلك الأمور ، والوقوف صفا صفا للدفاع عن دينهم ومقدساتهم ، وفي مقدمة ذلك بيت المقدس، قبلة المسلمين الأولى، ومن هنا فكان ينظر إلى التضامن الإسلامي– إضافة إلى ذلك– كوسيلة لشحذ همم المسلمين وتوحيد جهودهم لمساندة النضال العربي ضد العدو الإسرائيلي.
ولاشك أن دعوته قد حققت أهدافها، من تعاون الدول الإسلامية وتوحيد جهودها وتعزيز مركزها ككتلة سياسية في منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، كما نجحت في قيام منظمات دولية إسلامية كبيرة مثل رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وهكذا استطاع بذلك أن يفشل مخططات الأنظمة الراديكالية التي كانت تهدف إلى عزل المملكة واتهامها بالرجعية، وتمكن بدبلوماسيته الهادئة من أن يقنع العالم الإسلامي بأن القضية الفلسطينية هي قضية إسلامية بالدرجة الأولى، وأن التخلص من نير الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية ليست مسؤولية عربية فحسب بل مسؤولية إسلامية أيضا، وبذلك أعطى ثقلاُ ووزناً وحجماً وكثافة في كفة العرب ضد خصومهم، وأمكن لجلالته جلب النصر في حرب رمضان المجيد 1393هـ وجذبه بأقل مجهود وفي أقصر وقت، وذلك من خلال مباشرته بعلمه وكذلك الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي أظهره في مساندة الرئيس أنور السادات في حربه مع إسرائيل واستخدام سلاح البترول للضغط على الدول التي تساند إسرائيل وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية تقول جريدة ذي فننج ستار : ” إن مما تتميز به شخصية جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز دبلوماسيته الهادئة التي لا تعكرها أحداث العالم، وذكاءه الفطري الخارق النفاذ، وقدرته السياسة الفذة، التي لم ير التاريخ لها مثيلاً في صفحاته ومروياته، عبر السنين والآماد، وطي الحدود والأبعاد، والتي تجمع في مهارة عجيبة بين النار والماء، وكان العالم إلى عهد قريب جداً – لا يعرف عن جلالة الملك فيصل أبرز من هذا الجانب في حياته وشخصيته، إلى أن كانت تلك المعركة التي يعيشها العرب الآن، في لقائهم مع عدوهم الإسرائيلي، وإذا جلالة الملك فيصل يفصح عن شخصيته الحقيقية، في تنظيم المعارك، وقيادة الحروب، وتعاطى هذا الأسلوب الشجاع الناري، حين لم ينفع مع خصمه أسلوب الحكمة والنصيحة فيقدر أبعاد المعركة، ويرسم استراتيجيتها ويقيس حجمها، ويحسب جميع احتياجاتها، ويعي شتى متطلباتها، ويتلاءم مع مقتضياتها، ويحشد فيها كل الأسلحة الرئيسة والمعاونة، ويحفظ لها خط الرجعة في جميع الأنساق والأعماق، ولأول مرة يجرد جلالته سلاحاً جديداً، ما تعرضته الحروب قبلا، ولا تعامل به المحاربون في ماضي التاريخ وحاضره، ذلك هو (سلاح البترول) الذي صنع العجائب والغرائب، والذي أدخله جلالته ضمن أسلحة المعركة، فكان له الفضل الأكبر في تحقيق النصر، وتقريب ساعته، وتأكيد الظفر، وشده بقوة إلى الصف العربي المقاتل في تلك المعركة الحاسمة التي انتهت بهذه النتائج الباهرة والتي أذهلت العالم، وغيرت كثيراً من الموازين الدولية، واضطرت المراجعين العسكريين والسياسيين إلى أن يصححوا الكثير من معلوماتهم ومعارفهم عن جلالة الملك فيصل وشخصيته في وجهيها السياسي والعسكري “.(54)

منهجه في الحكم والإدارة

أولاً: في عهد أخيه الملك سعود :
بعد وفاة الملك عبدالعزيز – رحمه الله – في الثاني من ربيع الأول سنة 1373هـ/ الموافق 9 سبتمبر 1953م، بويع الأمير سعود بن عبدالعزيز ملكاً على البلاد خلفاً لوالده، كما بويع الأمير فيصل بولاية العهد، وتبعاً لذلك ولتمرسه على شؤون الحكم والإدارة وأمور السياسة، عين نائب لرئيس مجلس الوزراء، كما احتفظ بمركزه السابق كوزير للخارجية، ثم عهد إليـــه الملك سعود في السادس عشر من ذي الحجــة سنة 1373هـ برئاسة مجلس الوزراء، ومما جاء في الخطاب الملكي: ” لما عهدنا فيكم من كفاءة وإخلاص، ولثقتنا الغالية، عيناكم رئيساً لمجلس وزرائنا، وذلك لكي يحصل الانسجام في سير الأعمال، وليفسح لنشاطكم ومواهبكم مجال العمل في مصلحة شعبنا”(55) .
وفي عام 1377هـ/ 1958م ولي الأمير فيصل رئاسة مجلس الوزراء حيث خوّل صلاحيات مطلقة في الأمور الإدارية والمالية والخارجية وصدر بذلك المرسوم التالي ” بسم الله الرحمن الرحيم : بعد الاطلاع على نظام مجلس الوزراء، وبالنسبة للإجراءات التي تتخذها حكومتنا الفتية منذ الآن – فصاعداً، وتحقيقا لرغبتنا في دعم الإدارة الحكومية، وتحديد المسؤوليات على ضوء الخبرات التي مرت بها حكومتنا منذ إنشائها، فقد أصدرنا بعون الله تعالى نحن سعود بن عبدالعزيز آل سعود المرسوم التالي :
أولاً: يمنح رئيس وزرائنا المسؤولية التامة للإشراف على تنفيذ جميع السلطات الإدارية فيما يتعلق بالشؤون الداخلية والخارجية والشؤون المالية.
ثانياً: يعاد النظر في نظام مجلس الوزراء بغية إدخال التعديلات الضرورية على النظام الحالي لهذا المجلس.
ثالثا : كلفنا رئيس وزرائنا تحقيق هذه الرغبات 1377هـ/1958م.(56)

ونظراً لظروف الملك الصحية التي أجبرته على مغادرة البلاد لتلقي العلاج في أوروبا، فمنذ سنة 1381هـ بدأت صحة الملك تتدهور ، مما اضطره بعدئذ إلى السفر مرات عديدة إلى الخارج بقصد العلاج ، تولى الأمير فيصل تصريف أمور الدولة بالنيابة عن الملك ، إلا أنه في سنة 1383هـ أسند إلى الأمير فيصل منصب رئاسة مجلس الوزراء ووزير الخارجية، مع إطلاق يده في اختيار من يريد من المساعدين ، وأن يتولى جميع المسؤوليات والصلاحيات التنظيمية والتنفيذية والإدارية والقضائية والعسكرية (57).
على أن فلسفة الملك فيصل في الحكم تنبع من حقيقة تطور المجتمع فيقول: ” لما كان من الواجب أن يكون نظام الحكم في أي دولة صورة صادقة لحقيقة التطور الذي وصل إليه مجتمعها، فقد حرصت الحكومة على تطور المجتمع السعودي، عملياً وثقافياً واجتماعياً حتى تصل إلى المستوى الذي تعكس معه صورته في شكل نظام راق للحكم يمثل الأهداف العظيمة الخالدة التي جاءت بها شريعتنا الغراء، ولقد حدثت من آن لآن عدة تطورات فعلية لشكل الحكم السعودي، كانت تمثل المجتمع لدينا، وتحاول في الوقت نفسه، أن تأخذه لمستوى أرقى مما هو عليه” (58)
ويفهم من هذا : أن الحكومة سوف تعكف على بناء مجتمع يقوم على أسس إسلامية عادلة، تستنير في خطوطها بما جاء به القرآن وما ورد في سنة رسوله e ، حيث يقول :” وإنني كمسلم أرى في شريعتنا الإسلامية ما يحقق كل خير من الناحية الاجتماعية، أو من الناحية الاقتصادية، أو من الناحية الثقافية، أو من الناحية الصحية، لأن الله سبحانه وتعالى هو خالق البشر ومكون الكون، فلا يمكن أن يستسن لهذا الكون شريعة ويأمر باتباعها ويكون فيها ما يختلف مع مصلحة هذا الكون ومصلحة البشر ” (59).
ومن هنا فينبغي أن يكون نظام الحكم في المملكة صورة صادقة لحقيقة التطور والذي وصل له مجتمع المملكة، وأن يمثل الأهداف النبيلة والعظيمة الخالدة التي جاءت بها الشريعة الغراء، وأن يواكب تطور المجتمع، وبناء عليه فإن على الحاكم أن يحكم بما أنزل الله وأن يكون خادماً للشرع، وأن يقيم الحاكم أسس الحكم على دعائم الأخوة والعدالة، فيقول فيصل في هذا الصدد :” ليس فينا أحد أشرف من أحد، وليس فينا أحد أكرم من أحد، إن أكرمكم عند الله اتقاكم، فإذا رجعنا لأنفسنا فلننظر ماذا نقدم للناس وماذا نعمل لهم؟، وكيف نعامل الآخرين؟، فهل نحن نعاملهم بالمبادئ التي نص عليها كتاب الله وسنة رسوله ” (60)
وفيما يلي تفصيل للبيان الوزاري بمناسبة توليه رئاسة مجلس الوزراء :
” تعتقد حكومة صاحب الجلالة أن الوقت قد حان لإصدار نظام أساسي للحكم، مستمد من كتاب الله وسنة رسوله وسيرة خلفائه الراشدين، وحيث توضع في وضوح كامل المبادئ الأساسية للحكم ، وعلاقة الحاكم بالمحكوم ، وتنظيم سلطات الدولة المختلفة وعلاقة كل فئة بالأخرى، وينص على الحقوق الأساسية للمواطن، ومنها حقه في حرية التعبير عن رأيه في حدود العقيدة الإسلامية والنظام العام”.(61)
ولقد شرعت الوزارة السابقة في تطوير مجلس الشورى ليقوم بدوره كسلطة تنظيمية للبلاد ، وستكون هذه الدراسة – مع ما سيطرأ عليها من إضافات وتعديلات – جزءاً من النظام الأساسي للحكم الذي لن يتأخر صدوره إن شاء الله، والذي سيأتي صورة صادقة للمستوى الكريم الذي وصلت إليه أمتنا ، ونموذجا رائعاً لنظام الحكم الإسلامي المستمد من نصوص الشريعة وروحها.
ومما يساعد على بلوغ هذا الهدف السامي أن قواعد شريعتنا السمحة لينة متطورة صالحة لمواجهة كل الظروف ، وقابلة للتطبيق في كل مكان وزمان حسب متطلبات ذلك الزمان والمكان” .
وكان قد أعلن فيصل في بيانه الوزاري عندما كان يتحدث عن إصلاح النظام الداخلي عام 1382هـ : ” لم تكتف حكومة صاحب الجلالة في التفكير فقط في نظام أساسي يضع قواعد الحكم المركزي فحسب، بل إنها قامت بدراسات مختلفة لوضع نظام للمقاطعات، يوضح طريقة الحكم المحلي لمناطق المملكة المختلفة، ولقد تبلورت شتى الدراسات التي تمت لمشروع نظام المقاطعات لدرجة لن يطول معها ظهوره إلى حيز الوجود، وسيكون عند صدوره عاملاً فعالاً في دفع عجلة التطور الإداري والسياسي والاجتماعي لمملكتنا الفتية ” (62)
وقد أدى هذا إلى تأسيس اللجنة العليا للإصلاح الإداري، التي تم الإقرار على إنشائها من قبل مجلس الوزراء في 4 رجب عام 1383هـ، بغية اتخاذ كافة الإجراءات التي تحقق الإصلاح الإداري، بعد استقدام لجنة من الخبراء والفنيين لدراسة الجهازين الإداري والمالي في المملكة، وعرض المقترحات العلمية والعملية للنهوض بالجهاز الإداري.(63)
وكان قد تم في عام 1380هـ إنشاء معهد الإدارة ومن أهدافه:
1 – رفع كفاية موظفي الدولة
2 – تطوير التنظيم الإداري وتقويم المشورة الإدارية لأجهزة الدولة المختلفة.(64)
وفي عام 1383هـ أقر مجلس الوزراء نظام الحكم المحلي أو ما يعرف باسم نظام المقاطعات(65) ، وبموجب هذا النظام يصبح حكام المقاطعات موظفين ملحقين بوزارة الداخلية، وقسمت المقاطعات إلى محافظات يرأسها محافظ ، وقسمت المنطقة إلى مراكز يديرها رؤساء مراكز، وأقر نظام الحكم المحلي إنشاء مجالس المقاطعات، ومن أهدافها ووظيفتها تحقيق عدالة الحكم المحلي والعدالة الاجتماعية، ودفع التطور الاجتماعي والاقتصادي لكل مقاطعة إلى الأمام وتأدية الخدمات الاجتماعية، وتطوير المجالات الثقافية والعمل على محو الأمية، وتشجيع الجمعيات التعاونية، ودعم الهيئات الاجتماعية والخيرية ، وأقر مجلس الوزراء أن على كل وزارة دراسة مقترحات المجالس وتنفيذها ما أمكن ذلك، ويعين المحافظ من قبل مجلس الوزراء.
كما ركز بيان مجلس الوزراء عام1382هـ/ 1962م على تنظيم القضـــاء واستقلالـــه(66)، ومن ثم إنشاء وزارة العدل والعمل على تطوير المحاكم المختلفة، فيقول: “تحرص حكومة صاحب الجلالة على أن يكون للقضاء حرمته ومكانته، فهو مناط القسط ، ورمز العدالة، وكلما ارتفع شأنه وعظمت حرمته كلما حققنا بذلك هدفاً أساسياً من أركان ديننا الإسلامي الحنيف، وقد عقدنا العزم على مضاعفة الجهود نحو هذه الغاية، وإصدار نظام لاستقلال القضاء، يمسك بزمامه مجلس أعلى للقضاء، وقررنا إنشاء وزارة للعدل تشرف عل الشؤون الإدارية للقضاء، ويلحق بها نيابة عامة للدولة ترعى مصالح المواطنين وتذود عن حقوقهم ، وتقوم على التعاون مع المحاكم المختلفة للدولة مقام الحارس الأمين الذي يدافع عن المظلومين ويضرب على أيدي الظالمين “.
وتم إنشاء ديوان المظالم وهدفه النظر في القضايا والخلافات التي تقوم ما بين دوائر الحكومة والمواطنين ، وهو يرتبط برئاسة مجلس الوزراء، كما تم إنشاء لجان قضائية وكذلك تقرر تأسيس مجلس للإفتاء يضم عشرين عضواً من خيرة الفقهاء والعلماء ، وستكون مهمته استشارية حيال جميع القضايا التي تعرض عليه من الدولة أو أفراد المسلمين ومن أسئلة واستشارات وقد جاء في البيان :
“ولما كانت نصوص الكتاب والسنة محددة ومتناهية بينما وقائع الأزمنة وما يستجد للناس في شؤون دنياهم أمور متطورة غير متناهية ونظراً لأن دولتنا الفتية تقيم حكمها – والحمد لله على أساس الكتاب والسنة نصاً وروحاً – فقد أصبح لزاماً علينا أن نمنح الفتيا عناية أكبر ، وأن يكون لفقهائنا وعلمائنا – حملة مشاعل الهدى – دور إيجابي فعَّال في بحث ما يستجد من مشاكل الأمة بغية الوصول إلى حلول مستمدة من شريعة الله ومحققة لمصالح المسلمين ” (67)
وكذلك ستواصل الدولة واجبها تجاه نشر الدعوة الإسلامية وتثبيت دعائمها.
كما نص على إصلاح وضع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتتمكن من أداء مهامها بيسر وسهولة ، وذلك بالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
بالإضافة إلى النهوض بالمستوى الاجتماعي وذلك بإصدار نظام الضمان الاجتماعي ، ليجعل الدولة مسؤولة مسؤولية كاملة عن معيشة كل شيخ وعاجز ويتيم وامرأة ممن لا مورد أو عائل لهم شرعاً، وأن تسعى الدولة في إيجاد نظام لطائفة العمال يحميهم من البطالة.
وقد لاحظ البيان أن النظام الاقتصادي والتجاري يفتقر إلى التنظيم ولذلك فإن الدولة عاقدة العزم على إصدار مجموعة كبيرة من الأنظمة تساعد على تقدم النشاط وسرعة الحركة ، واجتذاب رؤوس الأموال.
وأخيراً أشار إلى وضع برامج إصلاحية للطرق لربط جميع أطراف المملكة ومدنها ببعضها البعض، وإعداد دراسات لمصادر المياه وتوفيرها للزراعة والشرب، وتبنى الحكومة تشييد السدود اللازمة لحفظ مياه الامطار، وحماية الصناعات وتوفير المبالغ اللازمة لقيامها، وإنشاء بنك صناعي، وآخر زراعي، وإنشاء المؤسسة العامة للبترول والمعادن للكشف واستثمار الثروات المعدنية في البلاد.
ثانياً: بعد توليه الحكم :
تمت مبايعة الفيصل بالملك في يوم الاثنين السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة 1384هـ، وعلى أثر ذلك أصدر بياناً إلى الشعب جاء فيه: ” لسنا في حاجة إلى تكرار سياستنا الإصلاحية الداخلية التي سبق أن أعلنا عنها ، والتي نسير سيراً حسناً في تنفيذها في حدود إمكانياتنا وبكل طاقتنا، ولكننا نؤكد لكم أننا وقد منحنا الله نعمة الاستقرار سنضاعف الجهد في تحقيق أهدافنا الإصلاحية في جميع مجالاتها السياسية والإدارية والاجتماعية والاقتصادية، وسنبذل جهدنا في تدعيم الأساس الديني الذي تقوم عليه هذه الدولة التي شرعها الله وجعل فيها بيته ومسجد نبيه، ووضعها بذلك في مركز سياسي خاص منذ فجر الإسلام وانطلاق مشعل الهداية وركب العروبة من أرضنا الطاهرة “.(68)
والنهج الذي سار عليه الملك فيصل؛ رفضه مبدأ الفردية في الحكم أو العبادة الذاتية للحكم، عملاً بقوله تعالى: { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } وشعار الرسول e حيث يقول: ” كلكم راع، وكل راع مسؤول عن رعيته “.
والحقيقة أنه لا يستبد برأيه، ولا يتشبث بأفكاره، وإنما يناقش بالكلمة المخلصة السواء، ويجادل بالتي أحسن، وليست مجالسه اليومية المثالية، للنظر في شكاوى المواطنين وحسب بل هي مجالس للحوار الحر الذي لا يستهدف إلا المصلحة العليا والغاية المثلى.
وقد اتبع الملك فيصل خطا والده وأخيه في الحكم حيث تبنى سياسة الباب المفتوح لأن الحاكم هو ابن الشعب البار والأخ الكبير لأبناء وطنه ، أي الأب الرحيم للسواد الأعظم من شعبه ، والناس سواء في الحقوق والواجبات حيث يقول: ” ليس عندنا ولله الحمد فرق بين رئيس ومرؤوس، والرجل في الشارع وأكبر رأس في البلاد أمام الحق سواء ” ويقول : ” لست إلا فرداً من أفرادكم، لا أقول هذا مجاملة لكم ولكنه الحقيقة، وإذا كنت قد وفقت في بعض الأعمال– كما تذكرون– فمرد ذلك إلى ثقتكم ومعونتكم ودفعكم لي إلى الأمام في كل خطوة أخطوها “.(69)
ومن هنا نهج الفيصل في سيرته تشجيعه لشعبه الجرأة في قول كلمة الحق ولو كانت في راعي الأمة، فإذا رأى الشعب في الحكم انعواجا وانحرافا عن الصراط فالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فيقول: ” أقسم بالله إن أبرك ساعة عندي هي الساعة التي يأتيني فيها أحد الناس ويقول: أنت مخطئ ومقصر… ليس من الأمانة في شئ أن تروا فيّ قصوراً ولا تصارحوني به، أنا منكم، إن قصرت فعليكم، وإن أحسنت فلكم (70) ، كما أن ديمقراطية الحكم السعودي تتجلى بصورة واضحة عندما يأت المواطن سواء كان كبيراً أم صغيراً مجلس الملك، يناقشه أو يعرض عليه شكواه بكل ثقة وبساطة لا يخشى إلا الله (71) وهذا بلا شك يؤكد ظاهرة سقوط الحواجز بين الراعي والرعية، والحاكم وشعبه، وبالتالي تقوية العلاقة الحميمة بين الحاكم والمحكوم.
ويعلق قدري قلعجي على هذا فيقول: ” وجدير بالملاحظة أن الملك– الذي شرع أبوابــــه أمام كل طارق، آناء الليل وأطراف النهار– كان القدوة المثلى لكل الأمراء والموظفين في المملكة، فلكل منهم مجلسه العام يستقبل فيه الزائرين ويتلقى شكاوى المواطنــــين، وهذا ما جعل العدالة تأخذ مجراها الطبيعي، بالتنفيذ لا بالقول، وبالمحبة لا بالإكــــراه، وباللين لا بالعنف، درجاً في رحاب الديمقراطية السليمة التي شرعها الإسلام للمسلمين عامة، وأقامها على قاعدة : كلكم مسؤول، وكل راع مسؤول عن رعيتـــه “.(72)
ومن ناحية أخرى فقد كانت حياته مكرسة لحل مشكلات الدولة وتصريف شؤونها، والسهر على المصلحة العامة، ويبدأ برنامجه اليومي بعد صلاة الفجر مباشرة حيث يذهب إلى مكتبه الخاص لدراسة شؤون الدولة وتصريفها، وعند الضحى يتوجه إلى مكتبه في قصر الحكم لتدارس القضايا المهمة مع المسؤولين ، ومقابلة بعض الزوار وللاستماع إلى بعض الشكاوي ، ويظل كذلك حتى صلاة الظهر وفي الفترة الواقعة بين صلاة العصر والمغرب يتابع شؤون الدولة ، وفي المساء يعود إلى مكتبه في قصر الحكم لدراسة ما يعرض عليه المواطنون من شكاوي وتصريف بعض الأمور الأخرى.
أما أسلوبه في الإدارة فيعود لخبرته الواسعة وتجربته العميقة إبان منصبه كنائب الملك في الحجاز ووزير للخارجية ووليا للعهد ، وبحكم توليه رئاسة مجلس الوزراء فترات كثيرة مما ساعده على تطوير نظام المجلس بما يتفق وطموحاته من رسم سياسة الدولة الداخلية والخارجية والمالية والإشراف على تنفيذها، فقد نصت المادة الرابعة من نظام مجلس الوزراء المعدل سنة 1384هـ على التالي: “رئيس مجلس الوزراء هو الذي يوجه السياسة العامة للدولة، ويكفل التوجيه والتنسيق والتعاون بين مختلف الوزارات، ويضمن الاضطراد والوحدة في أعمال مجلس الوزراء، ويتلقى التوجيهات السامية من جلالة الملك للعمل بموجبها، وهو الذي يوقع قرارات المجلس ، ويأمر بتبليغها إلى الجهات المختلفة ، وله الإشراف على مجلس الوزراء والمصالح العامة، وهو الذي يراقب تنفيذ الأنظمة والقرارات التي يصدرها مجلس الوزراء(73) ، أما مجلس الوزراء فيرسم سياسة الدولة الداخلية والخارجية، والسلطات التشريعية والتنفيذية والإدارية ” حيث نصت المادة 18 من نظام الوزراء على ما يلي : ” يرسم مجلس الوزراء السياسة الداخلية والخارجية والمالية والاقتصادية والتعليمية والدفاعية وجميع الشؤون العامة للدولة، ويشرف على تنفيذها، ويملك السلطة التنظيمية والسلطة التنفيذية والسلطة الادارية، وهو المرجع الأعلى للشؤون المالية ولجميع الشؤون المرتبطة في سائر وزارات الدولة الأخرى، وهو الذي يقرر ما يلزم اتخاذه من إجراءات في ذلك، ولا تعتبر المعاهدات والاتفاقيات الدولية نافذة إلا بعد موافقته، وقرارات مجلس الوزراء نهائية، إلا ما يحتاج منها لاستصدار أمر أو مرسوم ملكي طبقاً لأحكام هذا النظام”.
ومن جهة أخرى فقد أشارت المادة 26 إلى السلطة الإدارية لمجلس الوزراء بأنه هو السلطة المباشرة لإدارة البلاد، وله الهيمنة التامة على كافة قضايا الإدارة، وتدار المناطق المختلفة في أنحاء المملكة بموجب أنظمة تسن لذلك.
ومن ناحية أخرى فقد منح النظام الوزير صلاحيات كبرى، فقد جاء في المادة الثامنة من النظام يعتبر الوزير هو الرئيس المباشر والمرجع النهائي لشؤون وزارته، كما أن للوزير– بموجب المادة 22 – الحق في أن يقترح على المجلس نظام يدخل ضمن أعمال وزارته لغرض إقراره.(74)
وتبعا لمقتضيات العصر فقد أدخل أسلوب التخطيط لمعرفة حاجيات المجتمع، ووضع الخطط التنموية للنهوض، فأقر في بداية الأمر، إنشاء مجلس أعلى للتخطيط يكون اختصاصاته تتمحور في تخطيط ورسم سياسة التنمية في جميع مناحي الحياة، ويشكل من: رئيس مجلس الوزراء رئيسا، وعضوية كل من وزراء المالية، والمواصلات، والاقتصاد الوطني، والبترول والثروة المعدنية، والزراعة. ثم في سنة 1384هـ/1964م صدر مرسوم بإنشاء هيئة فنية للتخطيط بدلا من ذلك، وقد حددت مهمتها بوضع خطة للتنمية وتشرف على تنفيذها، والتي تمكنت في العام التالي من تقديم تقرير ضمنته تحليل عن الوضع الاقتصادي العام في الدولة وإنجازات كل وزارة ومصلحة، بمعنى وضع استراتيجية تراعى الموازنة بين الدخل العام ومستوى رفاهية المواطنين، ومن ثم فقد استطاعت إعداد أول خطة للتنمية بالتعاون مع كافة المصالح والمؤسسات والوزارات واضعة في الاعتبار الإمكانيات البشرية المحلية التي يمكن أن تساهم في إنجازها.
وفي عام 1390هـ/1970م أقر مجلس الوزراء أول خطة للتنمية في المملكة تعالج النقص في التعليم والصحة والخدمات المختلفة والاستثمارات الاقتصادية والصناعية وغيرها.(75)
ومما جاء في أهداف الخطة مع الحفاظ على القيم الدينية والأخلاقية ورفع مستوى المعيشة، ودعم الأمن الوطني ما يلي :
1- زيادة معدل الإنتاج المحلي الإجمالي.
2- تطوير الموارد البشرية للمشاركة في عملية التنمية.

3- تنويع مصادر الدخل الوطني، وتخفيض الاعتماد على البترول عن طريق زيادة مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى في الإنتاج المحلي الإجمالي.
مما تقدم يظهر لنا جلياً منهجه في الحكم والإدارة من خلال نظام الحكم الذي أقره مجلس الوزراء وأتينا على تفصيله في الصفحات السابقة، وكذلك ما تطرقنا إليه فيما يخص منهجه في الإدارة، سواء في ممارسته اليومية أو ما أحدثه من أجهزة وأنظمة مكنت البلاد– بفضل سياسته الحكيمة – من مواكبة حركة التقدم والتطور، التي يشهدها العالم، ويتمثل ذلك في وضع أول خطة خمسية للتنمية في المملكة، من أهدافها بالإضافة إلى الأهداف التي أشرنا إليها من قبل ما يلي :
1- إجراء عدد من الإصلاحات الإدارية والتنظيمية مثل: توصيف وظائف ورواتب العاملين في الدولة.
2- إنشاء صندوق للاستثمار العام وتدعيم موارده المالية ليتمكن من تمويل استثمارات المشروعات الإنتاجية ذات الطابع التجاري.
3- تحسين إدارة الإحصاء مما يمكنها من تعداد السكان، لوضع استراتيجية للنهوض بجميع المناطق.
4- فتح مراكز للتدريب المهني لسد حاجات البلاد من الأيدي العاملة المدربة.
5- التوسع في برامج التعليم للبنين والبنات على جميع المستويات.
6- رفع مستوى الخدمات الصحية بإقامة المستشفيات والمراكز المتخصصة.
7- توسيع نطاق الخدمات الاجتماعية.
8- تحسين خدمات مرافق الكهرباء وتعميمها على جميع أجزاء المملكة.
9- تنمية موارد المياه وإنشاء شبكات للتوزيع في مدن المملكة، التوسع في تحلية مياه البحر، تنفيذ المجاري، وإقامة محطات التنقية في أنحاء البلاد، تصريف مياه الأمطار، وإنشاء السدود.
10- تنفيذ مشروعات سفلتة الشوارع وإقامة الأرصفة والإنارة وغيرها.
11- تنفيذ برامج قطاع النقل والمواصلات.
12- إقامة مشاريع صناعية كبيرة .. وغير ذلك.

الملك ريتشارد

كاتب الموضوع الأصلي: احمد العلوان336

ريتشارد قلب الأسد
الملك ريتشارد قلب الأسد هو واحد من أهم ملوك إنجلترا وأشهرهم والذي ذكرهم التاريخ كثيرا، عرف ريتشارد كقائد عسكري محنك، خاض العديد من المعارك والتي يعد من أهمها الحملة الصليبية والتي قام بها حكام أوروبا من أجل استعادة بيت المقدس من المسلمين، وكان ريتشارد على رأس هذه الحملة باعتباره قائداً حربيا لا يشق له غبار، وأيضاً لكونه ملكاً لواحدة من أكبر الإمبراطوريات قديماً.

ولد ريتشارد في أكسفورد بإنجلترا في الثامن من سبتمبر عام 1157م، هو الابن الثالث للملك هنري الثاني، نشأ ريتشارد منذ الصغر متدرباً على الأمور العسكرية والقتالية الأمر الذي أهله بعد ذلك لتولي الحكم كقائد حربي متميز.

سعيه من أجل الفوز بالحكم

سعى ريتشارد كثيرا من أجل الفوز بالحكم وقام بالعديد من المحاولات من أجل ذلك وكانت أولى هذه المحاولات عندما تآمر هو وأخوته من أجل الاستيلاء على الحكم من والده الملك هنري الثاني، وكان ذلك في عام 1173م ولكن باءت هذه المحاولة بالفشل، وعلى الرغم من هذا استمر ريتشارد بمحاولاته ولم ييأس في الضغط على أبيه من أجل جعله وريثاً لعرش إنجلترا والمقاطعات الفرنسية التابعة له، وتقاتل مع أخوته أيضاً على الملك، واستمرارا في محاولاته هذه قام بالتمرد والثورة على والده مرة أخرى في عام 1188م، حيث تحالف مع ملك فرنسا فيليب أوغسطس ضد والده، وبالفعل تحقق له ما أراد أخيرا وتوفى والده في عام 1189م ليخلفه ريتشارد ليصبح ملكا على عرش واحدة من اكبر الإمبراطوريات في ذلك الوقت وهو عرش إنجلترا، وذلك في عام 1189م.

مشاركته في الحملة الصليبية

كان لسيطرة العرب على بيت المقدس بعد أن استقر في أيدي الصليبين لفترة طويلة من الزمن أثر كبير في إثارة الملوك الأوربيين، فبدأت تتجمع الآراء من أجل الإتحاد معاً واستعادة بيت المقدس من أيدي المسلمين، ولقد سارع الملك ريتشارد من أجل هذا الهدف فكان في مقدمة الملوك المشاركين في الحملة الصليبية وكان معه في هذا فيليب أوغسطس ملك فرنسا، وفريدريك بربروسا إمبراطور ألمانيا.

بدأ ريتشارد الأول في تجهيز الحملة وإمدادها بكافة العداد اللازم لها الأمر الذي كلفه أموالاً طائلة ولكن رغبة ريتشارد في تحقيق النجاح والرجوع إلي إنجلترا متوجاً بالنصر وهتافات الشعب تحوطه من كل جانب كان كفيل بالتغطية على أي تكاليف صرفت من أجل هذه الحملة.

بدأ ريتشارد وغيره من الملوك الصليبين في التحرك من أجل هدفهم فوصل الأسطول الإنجليزي بقيادة ريتشارد إلي عكا في عام 1191م، حيث أنضم إليه ملوك الحملة الصليبية الآخرين بجيوشهم وقاموا بمحاصرة أسوار عكا واستمروا بقذفها ولكنهم في النهاية نجحوا في دخلوها على الرغم من الصمود والشجاعة التي أبداها أهل المدينة إلا أنهم اضطروا لتسليمها في نهاية الأمر بناء على وعد من الحكام الصليبين بتحرير المسلمين الأسرى ولكن على الرغم من الوعود التي قطعوها إلا أن ريتشارد قام بنقد جميع الوعود وأقتحم المدينة وقامت الجيوش بقتل الأسرى المسلمين مما خلف ورائهم مذبحة بشعة.

بعد أن حقق ريتشارد النجاح في معركته الأولي في عكا بدأ في الزحف نحو بيت المقدس وفي الطريق إلي هذا تم خوض العديد من المعارك مع الجيوش الإسلامية وخاض ريتشارد العديد من المفاوضات مع صلاح الدين قائد جيش المسلمين ولكن جميع المفاوضات كانت نتيجتها الفشل.

الطريق لبيت المقدس

خاض ريتشارد العديد من المعارك مع الجيوش الإسلامية ونجح في الاستيلاء على مدن عديدة منها يافا ويازور والرملة وغيرهم، وأصبحت المعارك بينه وبين المسلمين دائرة بين هزيمة ونصر حتى أقترب من بيت المقدس هو وباقي الجيوش ولكنه لم يتمكن من الاستيلاء عليه نظراً لصمود الجيوش الإسلامية وبراعة قائدها، هذا بالإضافة للنزاع الذي دب في صفوف الصليبين مما زاد من ضعفهم.

ما بعد الحملة الصليبية

بعد أن باءت حملة الصليبين بالفشل بقيادة ريتشارد عمل على عقد صلح مع المسلمين والذي عرف بصلح الرملة وذلك في الثاني من سبتمبر 1192م والذي وضع القواعد المحددة للمناطق الخاضعة تحت حكم الصليبين والمناطق الخاضعة للمسلمين مع إعطاء المسيحيين الحرية في الحج إلي بيت المقدس وقتما شاءوا.

بعد أن استقرت الأوضاع في بيت المقدس وبعد صلح الرملة الذي عقده ريتشارد مع المسلمين توجه عائداً إلي بلاده مرة أخرى وأثناء هذا علم ريتشارد باستيلاء أخيه يوحنا على الحكم الأمر الذي جعله يسرع في العودة فقام برحلة التوجه لبلاده في أكتوبر 1192م ، ولكن أعترضته العديد من المصاعب كان أولها عندما واجهت سفينته رياح شديدة أدت لنزوله في ميناء البندقية وإكمال باقي رحلته إلي إنجلترا في الطريق البري، ولكن لم تكن هذه نهاية الرحلة بالنسبة لريتشارد حيث قام ليوبولد دوق النمسا باعتقاله وسلمه إلي هنري السادس إمبراطور الدولة الرومانية فسجنه ولم يتم إطلاق سراحه إلا بعد أن قدم ريتشارد فدية كبيرة وذلك في عام 1194م.

نهاية الملك

عاد ريتشارد إلي بلاده مرة أخري بعد أن فك أسره من هنري السادس فتمكن من استعادة ملكه، وقتل المتآمرين وأصدر العفو عن أخيه، وتوج ملكاً مرة أخرى في عام 1194م، استقر بعد ذلك في نورماندي ثم خاض عدد من المعارك مرة أخرى من أجل إنقاذ ممتلكات إنجلترا في فرنسا .

وجاءت نهاية الرحلة الطويلة لحياة ريتشارد عندما أصابه سهم أودي بحياته في إحدى المعارك وكانت وفاته في إبريل عام 1199م.

رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق

كاتب الموضوع الأصلي: فهاد آل حشان 3332

محمد مصدق

شخصيات قادت ثورات أثرت في تاريخ المنطقة، كان ”محمد مصدق” من بين هؤلاء، فهو رئيس الوزراء الإيراني في عهد الشاه ”محمد رضا بهلوي”، وقائد الثورة الأولى عليه بعد تمادي الشاه في ولائه للولايات المتحدة، وينظر إليه الشعب الإيراني بصفته ”بطلاً قوميًا”، إلا أن أمريكا لم تتركه، وقادت ثورة مضادة لإرجاع ”الشاه” وإنهاء ”ولاية مصدق”.
”محمد مصدق” المولود بإيران في 19 مايو 1882، لأم قوقازية وأب وزير للخزانة في عهد الشاه ”رضا بهلوي” ولمدة 30 عامًا، بدأ ”مصدق” عمله السياسي عام 1906 في سن الرابعة والعشرين؛ حيث ترشح نائبًا برلمانيًا عن ”أصفهان”، ثم سافر لاستكمال دراسته في القانون الدولي بفرنسا، ثم سويسرا، وعاد عام 1921 ليحمل حقيبة ”وزارة المالية الإيرانية” في حكومة رئيس الوزراء ”أحمد قوام السلطنة”.
يبرز نجمه وتتوالى نجاحاته، ويستمر بعد مجيء وزارة ”مشير الدولة” عام 1923، كوزير للخارجية، بعدها يعود مجددًا للبرلمان ليرفض هيمنه الجيش على الدولة، وتولي ”رضا خان شاها” منصب ”شاه إيران”، ويؤسس ”جبهة ملي الوطنية” المطالبة بتأميم النفط الإيراني بعد سنوات قليلة من اكتشافه في المدن الإيرانية.
في 1951 تصوت الأغلبية البرلمانية على انتخاب ”الدكتور مصدق” لرئاسة وزراء إيران، وبعد يومين فقط من استلامه السلطة يؤمم النفط الإيراني، والذي كان مطمعا لـ”الولايات المتحدة” حليفة ”محمد بهلوي – شاه إيران”، ليس هذا فحسب؛ بل يتحالف مع كتل اليسار الشيوعي لموازنة السيطرة الأمريكية والإنجليزية في السياسة الإيرانية، وهو ما مثل ضربة قوية لمصالح الهيمنة الأمريكية والبريطانية داخل إيران.
على الرغم من اكتسابه شعبية جارفة بين الطبقات الشعبية والشبابية، إلا أن التيارات الدينية ناصبت ”مصدق” العداء بعد تحالفه مع الكتل الشيوعية الموالية للاتحاد السوفيتي، وتضامن معهم كبار الملاك بعد أن لوح ”مصدق” عن وضع خطة إصلاح زراعي وتحديد الملكية الزراعية.
وجاءت الضربة الأولى من ”بريطانيا” برفعها دعوى أمام ”محكمة العدل الدولية”، تتهم فيها ”مصدق” بانتهاك حقوق امتازها للنفط الإيراني بتأميم شركة ”بريتش بتروليوم” هناك، فسافر ”محامي القانون الدولي – مصدق” لمحكمة العدل في ”لاهاي الهولندية” مترافعًا عن حق بلاده في تأميم مصافي النفط، وهي الخطوة التي رحبت بها ”مصر” الراغبة في ترحيل ”الاستعمار الإنجليزي” عن أراضيها.
”انقلاب مرداد 1953” محاولة لخلع رئيس الوزراء ”مصدق” بعد عناده لـ”الشاه” وإصراره على اختيار وزير الحربية ورئيس الأركان، إلا أن ”الشاه” يرفض ويستقيل ”مصدق” ويلجأ للشعب ليضع القرار بين يديه، وهو ما جعل ”الشاه محمد بهلوي” يهرب لإيطاليا في حماية أمريكية، ولكنه قام بتوقيع قرارين قبل هروبه ”إقالة مصدق وتعيين القائد (زاهدي) محله”.
أصبح ”مصدق” هو المسئول عن إيران وقائد أول ثورة شعبية في تاريخها، وناصبه ”فلول نظام الشاه” العداء، وقام ”زاهدي” بقصف منزله بطهران لإجباره على الرحيل، لكن ”الضربة القاضية”، جاءت من ”المخابرات الأمريكية”، بإرسالها ضباط لمعاونة ”زاهدي” في اغتيال رموز ”الجبهة الوطنية”، وإخراج مظاهرات معادية في شوارع طهران تطالب برحيل ”مصدق”، وتهتف بسقوطه وتسبه، وسميت محاولة خلع ”مصدق” بـ”عملية أجاكس”.
نجحت ”الثورة المضادة” في خلع ”مصدق”، وإعادة ”الشاه” مرة أخرى لـ”عرش الطاووس الإيراني”، وحكم على ”مصدق” بالإعدام، ويخفف الحكم إلى السجن الإنفرادي ثلاث سنوات، ثم تحديد إقامته جبريًا في منزله بمدينة ”أحمد أباد”، ويترك وحيدًا حتى يرحل في 1967.

الصبر

كاتب الموضوع الأصلي: ناصر العبداللطيف336

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

* تمر بالإنسان أوقات عصيبة .. ومصائب كثيرة .. لا يستطيع فيها فعل شيء ..
يكون في غاية الضعف .. والهزيمة …!
يتضجر ويسخط .. وكأن هذه المصائب ليست من عند الله ..!
وأنها ليست خيرا له ..
ولكنه ينسى شيء ..! فعله قبله الكثير ..!
وأولهم الأنبياء .. و بالأخص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ..
ألا وهو الصبر …!

* نعم ..
الصبر عند المصائب من الأشياء الواجبة على الإنسان ..!
وأنها سبب لتكفير ذنوبه ..!
وقد صبر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وهو أفضل الخلق ..
على الأذى الذي ناله من كل حد وصوووب ..~
* فهولاء قريش يحاصرونه وبني هاشم في الشعب ..
وأما أهل الطائف فلقي منهم ما لقي حتى أن ملك الجبال قال له :
لو شئت أطبقت عليهم الأخشبين وهما جبلان محيطان بمكة المكرمة ..
فقال لا .. لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ..
والكثير الكثير من البلاء حصل له صلوات ربي وسلامه عليه في سبيل الدعوة ..
لكنه صبر واحتسب ..

ولما لا نصبر نحن ..!؟
ألا تريدون الجنة ؟؟
ألا تعلموون ما حصل لـ آل ياسر من التعذيب من قبل المشركين بسبب إسلامهم ..!؟
فـ صبروا .. فنالوا بصبرهم الجنة ..
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :” صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة ” ..

فحري بنا نحنا المسلمون أن نقتدي بهم ..
و نسأل الله أن يلهمنا الصبر في السراء والضراء والعسر واليسر ..

نابليون

كاتب الموضوع الأصلي: احمد العلوان336

قائد عسكري فرنسي توج نفسه إمبراطورا لفرنسا، اعتبره العديد من معاصريه أشهر عسكري في زمنه أسس إمبراطورية ضمت معظم غربي أوروبا ووسطها ويعرف أيضا بنابليون الأول.

ولد نابليون في العام 1769 بجزيرة كورسيكا في البحر الأبيض المتوسط وكان الطفل الرابع والابن الثاني لـكارول وليتيزيا رامولينو بونابرت، وينحدر والده من عائلات إيطالية نبيلة.

في العام 1779 التحق في مدرسة فرنسية عسكرية في مدينة براين لوشاتو في فرنسا ، وكان مستواه متوسطا في معظم المواد الدراسية إلا أنه كان متفوقا في الرياضيات.

انضم بعد تخرجه إلى سلاح المدفعية، وفي كانون الثاني/يناير 1785 أصبح ملازما ثان، ورقي إلى رتبة ملازم أول في عام 1791، ثم إلى نقيب في عام 1792.

مع بدء الحرب بين النمسا وفرنسا في العام 1796 تمكن نابليون من النصر في تلك الحرب وفي أقل من عام هزم أربعة جيوش.

تزوج نابليون في عام 1796 من جوزفين دو بوراني وهي امرأة من أصل فرنسي من المارتنيك ، في جزر الهند الغربية وكانت تكبره بستة أعوام ولها طفلان من زوجها السابق.

حقق انتصارا كبيرا بعد أن تقدم إلى جبال الألب مهددا فيينا في أوائل عام 1797. وفي تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه وقعت فرنسا والنمسا معاهدة كامبوفورميو التي بموجبها توسعت أراضي فرنسا، وعاد نابليون إلى باريس فاستقبل استقبال الأبطال.

وفي أيار/مايو 1798 أبحر نابليون إلى مصر على رأس جيش مؤلف من 38 ألف جندي. وتمكن من هزيمة المماليك في معركة الأهرامات بالقرب من القاهرة تموز/يوليو. لم يستمر انتصار نابليون طويلا فقد دمر الأسطول البريطاني الأسطول الفرنسي في معركة أبو قير البحرية في 1 آب/أغسطس.

وفي عام 1799 غزا نابليون عكا وفشل في الاستيلاء عليها بعد حصاره لها عدة أشهر، فتراجع إلى فتراجع إلى مصر، حيث هزم العثمانيين في معركة أبو قير وبعد ذلك سمع بهزيمة الجيش الفرنسي في إيطاليا فعاد إلى فرنسا. عند خروجه من مصر قام بقصف تمثال أبو الهول بالمدفعية ما أدي إلى تحطيم أنف التمثال.

وفي حزيران/يونيو عام 1800 فاجأ بجيشه النمساويين وهزمهم في معركة مارنجو وفي عام 1801 وقع النمساويون معاهدة لونيفيل التي عملت على تثبيت معاهدة كامبوفورميو.

يعود الفضل لنابليون بوضع القانون المدني أو ما أطلق عليه اسم قوانين نابليون في العام 1800، وهو القانون الذي لا زال يشكل أساس القانون المدني الفرنسي الحالي.

في أيار/مايو 1804 انتخب من قبل مجلس الشيوخ والشعب الفرنسي إمبراطورا لفرنسا وفي 2 كانون الأول/ديسمبر من نفس العام توج نابليون نفسه إمبراطورا في احتفالات جرت في كاتدرائية نوتردام في باريس.

في عام 1810 وصلت الإمبراطورية الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت إلى ذروتها بضم هولندا وأجزاء كثيرة من شمالي ألمانيا إليها.

في حزيران/يونيو 1812 عبر جيش نابليون نهر نيمن إلى روسيا بجيش قوامه 600 ألف جندي ، واندفع الجيش إلى موسكو ليجدها خالية تقريبا من السكان. وبعد فترة وجيزة من دخول الجيش الفرنسي موسكو دمرت النيران التي أشعلها الجيش الروسي المنسحب أجزاء كبيرة من موسكو، فلم يتمكن نابليون من تزويد جيوشه بالإمدادات، وأخذت جيوشه تكافح ضد العواصف الثلجية ودرجات الحرارة التي بلغت حد التجمد وهلك في تلك الحملة نحو 500 ألف جندي أو أسروا أو هاموا على وجوههم.

بعد عودته من روسيا واجه نابليون حلفا عدائيا من النمسا وإنجلترا وروسيا وبروسيا والسويد وفي تشرين الأول/أكتوبر 1813اشتبك الطرفان في ليبزج في معركة الأمم.

هزم نابليون وعاد أدراجه إلى فرنسا فطارده الحلفاء واستولوا على باريس في مارس من عام 1814. بعد هزيمته تلك تم نفيه وتعيينه حاكما لجزيزة إلبا الصغيرة والواقعة في طرف الساحل الشمالي لإيطاليا، أمضى نابليون هناك أقل من سنة قبل أن يقرر العودة لحكم فرنسا، لأنه وجد أن الحلفاء في مؤتمر فيينا، كانوا غير قادرين على تسوية خلافاتهم وكان يأمل في أن يستغل هذا الشقاق لاستعادة السلطة. وفي 20 آذار/مارس من العام نفسه، دخل نابليون باريس عائدا من إلبا محمولا على أكتاف الجماهير التي كانت تهتف باسمه.

ولكن الحلفاء تكاتفوا ضد نابليون لما سمعوا بعودته إلى فرنسا. وسار نابليون شمالا إلى بلجيكا ليواجه ذلك التهديد، وتولى دوق ولنجتون قيادة القوات المتحالفة لبلجيكا وبريطانيا وهانوفر وهولندا.

وفي 18 حزيران/يونيو شن نابليون هجوما على دوق ولنجتون بواترلو في الوقت الذي بدت فيه القوات البريطانية على وشك الانهيار، وصلت قوات القائد بولخر لتشد من أزر ولنجتون ونتيجة للتفوق العددي الهائل للعدو تلقى الجيش الفرنسي هزيمة ساحقة في المعركة التي أطلق عليها اسم معركة واترلو.

وفي آب/أغسطس من العام نفسه نفي نابليون إلى جزيرة سانت هيلانة ، وحاول الهرب عدة مرات والعودة إلى فرنسا إلا أن محاولاته تلك باءت بالفشل، استمر في سانت هيلانة تحت الحراسة حتى وافته المنية في 5 أيار/مايو 1821 نتيجة إصابته بالسرطان ، ودفن في تلك الجزيرة، إلا أن جثمانه أعيد إلى باريس، ودفن في كنيسة القبة.