أ.د. أحمد محمد وهبان

ليبيا خطر قائم .. وخطر دائم …..

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

معن بشور
في مواجهة المجزرة المستمرة والمتصاعدة على ارض ليبيا العزيزة بشعبها المجاهد وثوارها الشجعان، يبرز كالعادة منطقان خطران يبدوان متناقضين في المظهر لكنهما وجهان لخطة واحدة…

منطق يريد استغلال وحشية نظام القذافي وعائلته، وعدم تورعه عن استخدام شتى أنواع الأسلحة لارتكاب مجازر جماعية بحق شعبهم، من اجل الدعوة إلى تدخل أجنبي بعناوين مختلفة.

أما المنطق الآخر فهو الذي يريد استغلال رفض الأمة لأي تدخل أجنبي في شؤونها الداخلية، خصوصاً بعد تجارب مريرة، قديمة وجديدة، مع هذا التدخل فيعلو صوته رفضا للتدخل، فيما ينخفض صوته أو يتلاشى إزاء المجازر التي ترتكبها كتائب القذافي بحق أبناء ليبيا الأحرار.

إن الموقف الوطني والقومي والإنساني يرفض المنطقين معاً، فلا يقبل التدخل الأجنبي مهما كانت مبرراته لأنه يثق بالشعب الليبي وثواره وجيشه الوطني وبقدراتهم على حسم الأمور، خصوصاً إذا توفر لهم الحد الأدنى من الدعم السياسي والعسكري، المعنوي والمادي، من أشقائهم العرب الذين يتابعون بألم وقلق وأسى الصور التي تنقلها شاشات التلفزة عن بشاعة جرائم القذافي.

والموقف الوطني والقومي والإنساني لا يقبل كذلك السكوت عن جرائم هذا النظام، ولا يصدق ابدأ إن القوى الاستعمارية والصهيونية تريد إسقاطه لأنه كما قال “زعيمه” القذافي بعظمة لسانه إن (وجودنا ضمان للسلام والأمن في البحر المتوسط وأوروبا وما يسمى بـ”إسرائيل”)، ولأنه كما هو معروف اختار من بين كل زعماء العالم طوني بلير (مجرم الحرب وقاتل الملايين في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان) مستشاراً له، ولأن هذا النظام أعلن استسلامه الكامل للغرب يوم احتلال العراق بدلاً من أن يترجم كل “بطولاته” اللفظية إلى موقف سياسي، على الأقل، رافض للاحتلال وداعم معنوي لروح المقاومة ولأن نجل “الزعيم” يواصل شتم العرب وإعلانه عن منع العمالة العربية في بلاده في حقد اسود على فقراء العرب اللاهثين وراء لقمة العيش في كل أرجاء العالم.

فلم يعد مقبولاً بعد كل التجارب التي مررنا بها، أن نتجاهل خطراً قائماً بذريعة خطر داهم، أو أن نبرر لخطر داهم للخلاص من خطر قائم.

وكل دعوة لتدخل أجنبي، بأي عنوان أو مسمى، للتخلّص من النظام الفاشي الإجرامي هي دعوة مرفوضة، بل ومشبوهة، تماماً مثلما إن كل صيحة بوجه التدخل الأجنبي دون تحصينها بإدانة جرائم القذافي والدعوة إلى تنحيه تطرح ألف علامة استفهام على نوايا مطلقيها.

وإذا كانت بعض الأنظمة تستدعي تدخلاً أجنبياً في ليبيا، بذريعة حرصها على دماء الليبيين، فيما لم تحرص في أي وقت على دماء مواطنيها، فلا يجوز أن يكون الرد على ذلك بالسكوت على مجازر القذافي بذريعة التدخل الأجنبي.

لقد آن الأوان للوضوح في المواقف، فإذا كانت ظروف البعض تحول دون اتخاذهم المواقف البدائية البسيطة، حتى لا نقول “المبدئية”، فلا يجوز ان يقع هؤلاء في ألاعيب الخلط بين خطر قائم وخطر داهم.

ولنتذكر دائماً إن امتنا بقيت مكّبلة على مدى عقود بسبب أنظمة تستبد بشعوبها في الداخل وتقف ذليلة على أبواب المستعمرين في الخارج.. ولقد أتت اللحظة التي انتظرناها طويلاً فلا تفسدوها بمنطق يبرر التدخل الاجنبي أو السكوت عن الجرائم.

روح التغيير وبدء الأنفراج التاريخي…

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

ماجد الشيخ
الحراك المجتمعي العربي الجاري اليوم على مسرح العديد من مجتمعات بلادنا العربية، حراك سياسي بامتياز، حراك يخرج على الضد من انسدادات واستعصاءات التغيير، نحو انفراج تاريخي يؤسس لنزوع من التحرر ولشغف ديمقراطي قادم، يدفن معه انسدادات تاريخية طويلة تسيّدها سلطويا استبداد أنظمة سياسية، واستبداد قوى قوموية ودينية إسلاموية، كان من نتائج استبدادهما تصحير مجتمعاتنا العربية، وتغييب السياسة والقانون من سرديات حياتنا اليومية، إلى حد موت السياسة، بل اغتيالها والتمثيل بجثتها طوال عقود من السنين التي حكمت فيها أنظمة تسلطية استبدادية، عانت فيها مجتمعاتنا نتائج كارثية مدمرة، وئدت خلالها العديد من ومضات النهوض والتنوير والحكم الرشيد، وليبرالية العقود الاجتماعية والقانونية الموروثة منذ عهود الاستعمار.

بين روح التغيير ورياحها التي هبت في حقبة إنهاء الاستعمار في خمسينات وستينات القرن الماضي، ورياح التغيير التي تفشي روحها المعطاءة، وتهبّ الآن لإنهاء أنظمة إستبدادية أبوية بونابرتية وتوتاليتارية؛ أكثر من مشترك، يقف في مقدمتها وفي طليعتها؛ تلك السيولة والسهولة التي تسجل لانتقال عملية التغيير الشعبية من بلد إلى آخر، حتى في ظل غياب قيادة سياسية متبلورة؛ فردية أو جماعية/ حزبية أو نقابية، ما يحمل على الاعتقاد أن منطلق التغيير الشعبي، لم يكن لينتظر بلورة وتشكّل مثل تلك القيادة من بين صفوف الأحزاب الموجودة، أو صياغة برنامج سياسي كامل أو مكتمل، بل إن الحركة الشعبية وهي تنضج أهدافها وبرامجها في الميادين العامة، إنما هي تهئ لإنضاج قيادة صلبة لها، من مهامها المبدئية والأولية تحديد الشعار السياسي المناسب في كل لحظة من لحظات الانتفاض، وصولا إلى إنضاج لحظة ثورية أشمل، تترجم مبادئ وأهداف الثورة الشعبية الآنية والمستقبلية.

وفي معمعان مواصلة الهبوب العاصفي لرياح التغيير، ها نحن نرى مجموعة انتقالات من تطبيق إلى آخر مختلف، لأساليب وتكتيكات الانتفاضة الشعبية، وهي تبدأ سلمية بقرار من جمهورها وقياداتها الافتراضية والواقعية، لتكمّل هكذا.. على الرغم من القمع والارهاب الفاشي الاستباحي الذي تقوم به أجهزة وبلطجية الأنظمة، التي تثبت اليوم أنها لا تجيد من فنون المقاومة سوى “مقاومة” شعبها، في محاولة للإبقاء على سلطتها وهي تواجه جماهير لم تعد تحتمل استبداد الأنظمة، واستطالة الانسدادات التاريخية التي حوّلت مجتمعاتها إلى كتل مهملة ومهمشة ومجوّعة، لا عاصم لها من القتل أو الانهيار سوى الانتفاض، فكانت الثورات الشعبية مفتتحا نحو انفراج تاريخي، يجسّد أحلام وتطلعات شعوب لم تكد تتحرر من سلطات الاستعمار القديم، حتى كبلتها بالأغلال أنظمة إستبدادية أقامت ورزحت طويلا على صدورها، من دون أن تخطو خطوة واحدة باتجاه الحق والعدل والقانون والتنمية الحقيقية، وبناء اجتماع مواطني وثيق الصلة بالعقود الاجتماعية.

وها نحن في موسم هبوب رياح تغيير بأدوات شعبية، ووفقا لمتطلبات واحتياجات محلية وطنية، لا علاقة لخارج إقليمي أو دولي في فرض أجنداته عليها، وإلاّ لكان هذا الخارج يفضل استمرار “الاستقرار” على نزوع التغيير الذي أطاح أنظمة تابعة، وموالية لغرب إستعماري يحاول مواءمة وأقلمة أهدافه في التوفيق التلفيقي بين التغيير والاستقرار. وفي هذا السياق يمكن العودة بالأذهان إلى الموقف الأميركي والمواقف الأوروبية من ثورتي الشعبين التونسي والمصري في الفترة القريبة الماضية، وها نحن نرى مواقف مماثلة، بل أسوأ مما يجري في ليبيا، فالمصالح الموضوعية الرابطة بين نظام العقيد وواشنطن، والعديد من العواصم الأوروبية، أكبر من أن يجري التضحية بها؛ قبل تقرير الشعب الليبي لمصير نظامه الفاشي، وهو يرتكب من الجرائم ما يفوق ما ارتكبته أنظمة مماثلة في الفضاء الأوروبي (صربيا/كوسوفو) حين جرى تدخل حلف الناتو عسكريا ضد نظام ميلوسوفيتش في صربيا.

بين التغيير والاستقرار، تنحاز مجتمعات الشعوب التي عاشت طويلا تحت هيمنة الأنظمة السلطوية، إلى التغيير، بعد أن فاضت بها قدرة التحمّل، ولم يعد بمقدورها أن تحني ظهورها لوقائع إخضاعها كرهائن للصمت؛ الصمت على تزوير التاريخ، تزوير الحرية، تزوير الديمقراطية، تزوير التنمية، تزوير الهوية، تزوير الدولة، تزوير الوطن، تزوير كل ما هو مشرق في حياتنا. وحدها السلطة بانفلاتها كانت نهبا للطغاة، ورهينة للإكراه والغلبة الاستبدادية، حتى باتت الدولة رهينة السلطة، والوطن رهينة دولة بوليسية، والمجتمع رهينة أتباع “دولة دينية”، إلى أن كان الانتفاض الشعبي بمثابة الثورة الحقيقية على السلطة وكل نزعاتها الشخصانية والبوليسية، وصولا إلى سلطة استبداد غير مرئية يمتهنها إسلامويو “دولة الشريعة” التي لا يمكن الوثوق بأصحابها، نظرا لتوجهاتهم الانتقائية والانقلابية الانتهازية، وعداءهم لدولة مدنية تؤسسها الشرعية الشعبية.

إن خشية الغرب من استيلاء الإسلامويين على السلطة، يقابلها موضوعيا تلك الفرية التي يشيعها أهل السلطة، تحذيرا من هيمنة القاعدة وأتباع بن لادن على السلطة في غياب “سلطة الاستقرار”، وذلك في التقاء مصلحي بين الغرب وأتباعه من السلطات الحاكمة للوقوف في وجه التغيير وثورات الجماهير الشعبية، وفي محاولة للعودة بالوضع إلى ما كان عليه “استقرار” الأنظمة التابعة.

أما في ما يتعلق بتكرار تجربة حزب العدالة والتنمية التركي في مصر أو تونس أو ليبيا أو غيرها، فمن المؤكد أن التجارب الأخيرة التي لم يتبلور فيها بعد شكل السلطة، تختلف اختلافا بيّنا عن تجربة تركية عمرها أكثر من ستين عاما، سادت فيها علمانية الدولة وقامت فيها ديمقراطية ليبرالية عريقة، على رغم الانقطاعات التي شهدتها، جرّاء الانقلابات العسكرية وتغوّل سلطة العسكر المدعومة من قوى في الغرب، طالما ادّعت دفاعها المستميت عن الديمقراطية!. ومهما يكن من أمر، فإن محاولات نسخ التجربة التركية أو إسقاطها على واقع بعض المجتمعات العربية، ليست متاحة وممكنة الآن؛ نظرا للفوارق التاريخية، ومعطيات التشكل الطبقي والقواعد الاجتماعية المتطورة هناك والمتخلفة هنا، حيث الواقع مختلف، وبالكاد يخرج توا من تحت عباءة سلطة إستبدادية، وما يني طريا حلمه ببناء ديمقراطي وعقد إجتماعي ومواطني وقانوني جديد، تعيد فيه السياسة الحركة إلى مفاصل مجتمعات، توقف نموها عند مستويات دنيا من فاعلية الاستنارة والحداثة والنهوض، وحيث الطريق نحو التغيير الناجز ما زال أطول مما يتصور المستعجلون، على الرغم من بدء الانفراج التاريخي الذي تغذيه اليوم؛ روح التغيير والثورات الشعبية المتناسلة.

هبت رياح التغيير…

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

ماجد الشيخ
ليس من السهل على نظام “أدمن” السلطة، واحترفت أجهزته على اختلافها سرقة المال العام، وتربت في أحضانه أجهزة أمنية أدمنت البلطجة واحترفت هي الأخرى سرقة أموال الناس بطريقة أو بأخرى، نقول ليس من السهل على هؤلاء أو أولئك التخلي عن السلطة، من دون دفاع مستميت ولو بأفعال فاشية ودموية، للبقاء في ميادين ممارسة عنجهية التسلط والاستبداد؛ وفي أيامها الأولى أبت السلطة البوليسية التونسية إلاّ صبغ الشوارع بالدم، كما وفي يومها التاسع، أبى نيرونيو سلطة النظام المصري ببلطجييه المغرّر بهم، إلاّ صبغ الثورة الشعبية بالدم؛ وهي التي بدأت سلمية واستمرت حتى لطخ وجهها الأحمر القاني. وها نحن في مواجهة ذات السيناريو، تلجأ إليه أنظمة التسلط الشمولي، في مواجهة حركات الاحتجاج السلمي والثورات الشعبية في أكثر من بلد عربي، إضافة إلى ما يجري في طهران، وفي بلدان إقليمية أخرى ناضجة ومهيأة لذلك كالباكستان، في سعي منها إلى إجهاض حركة الإرادة الشعبية المنتفضة ضد أنظمتها الحاكمة، بعد استعصاء وانسداد كل سبل الحوار والإصلاح الذي فات أوانه، في ظل أنظمة لا تسمع سوى صوتها فقط. وها نحن كذلك نرى واقعات كـ “واقعة الجمل” في ميدان التحرير في مصر تتكرر في أكثر من موقع في عدد من البلدان من اليمن إلى الجزائر وليبيا، ومن البحرين إلى الأردن؛ ويبدو أن الحبل على الجرار، في المغرب والعراق وفي الشمال الكردي، يسجل ويشهد لاستعادة محاولات محاكاة تجارب البلطجة وإطلاق المساجين وجلب المرتزقة للاستعانة بهم، وإشعال النار في أماكن عدة، واتهام حركات الاحتجاج بها، وتصوير العنف الممارس في الشارع من قبل ميليشيات وزعران الأنظمة التوتاليتارية وبلطجييها؛ على أنه من سمات الثورات الشعبية.

في مواجهة الإرادات الحرة لشباب الثورة الشعبية في مصر، كان يجري تصنيع وتشجيع عناصر ثورة مضادة، يقودها رموز النظام المنتفعين والمستفيدين منه، وبلطجييه من فلول القوى الأمنية ومعتقلي السجون التي جرى إحراقها عمدا، وتوجيه مساجينها باتجاه المتظاهرين للصدام معهم حد القتل، وذلك في اصطفاف طبقي جديد، أراد نظامها السابق الحفاظ على مصر الدور والتاريخ والحضارة، والإبقاء عليها كما أراد لها النظام الإمبريالي المهيمن وذراعه الاستيطاني الاستعماري في فلسطين؛ مجرد دولة تابعة، جرّدها نظامها من كل عناصر قوتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وحوّل طبقاتها إلى فئات أكثر تهميشا، لا تملك من عناصر التأثير والفعالية في محيطها الإقليمي سوى ذكريات ونوستالوجيا ما كان، وما أنجزته، طبقات المجتمع المصري في عهود الاستعمار من حداثات لم تكتمل، ومن إرهاصات نهضوية جرى إجهاضها في عهود ما بعد الاستعمار.

وها نحن في الفضاء العربي، في مواجهة نزوع نيروني لسلطات أنظمة فقدت كل مناعاتها الوطنية، أفقدت دولها كل مقومات الدولة المدنية الحديثة. وأفقدت البنى الطبقية كل مبانيها ومعانيها النبيلة، عبر تحويل أنظمتها إلى مؤسسات إفساد بديلة، حيث كان الفساد قد أمسى المؤسسة العليا المنظمة لدى أنظمة وديكتاتوريات الاستبداد الفردي والعائلي، بدءا من ديكتاتوريات أميركا اللاتينية، مرورا بأنظمة النمور الآسيوية وصولا إلى بلادنا.. فإذا كانت الطبقة الوسطى قد أفقدت إمكانية تجديد وجودها، ففي أسوأ الاحوال فقدت وجودها ذاته، بفضل مؤسسة الفساد والإفساد العليا للنظام أو الأنظمة التي هيمنت على كامل التشكيلات الاجتماعية/الطبقية، حتى البرجوازية الوطنية سُلبت دورها الاجتماعي، قبل إفقادها أي دور سياسي أو اقتصادي، وقد سُحب البساط من تحت أرجلها، حين تم إفقادها قواعد تشكّلها الاجتماعي كطبقة رائدة في مجالات بناء الدولة الوطنية. ففي ظل النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي بلورته “الدولة الهجينة”، لم يبق من مبرر لإنماء أو تنمية طبقة منتجة، تقود تحولات التصنيع ومراكمة رأسمال وطني مستقل، يواجه التبعية والاستعباد والاستغلال بقدراته الذاتية، لكن ما يمكن تسميته “طبيعة التطور التبعي” السياسي والاقتصادي والإجتماعي، أدّى إلى اختفاء البرجوازية الوطنية في أروقة الأنظمة الهجينة.

إن البلطجة النيرونية لدى أنظمة الديكتاتوريات الفردية والعائلية والقبلية، هي المعادل الموضوعي لفاشية التوتاليتاريات الشمولية الحاكمة، التي أحلت ذاتها محل الوطن والدولة والمجتمع، وكذا رأس النظام وهو يعلن على الملأ، أنه “الضمانة” أو “البديل للفوضى وعدم الاستقرار”، أو وهو يهوّل بأنه بديل التيارات صاحبة الدعوة إلى “الدولة الدينية”، فلم نجد بعد مرور العشرات من السنين من عمر هذا النظام أو ذاك، سوى إنماء نظام دولة بوليسية أمنية، وقد ذهبت شعارات الدولة المدنية والديمقراطية وغيرها أدراج الرياح. وبعد كل تلك العقود من السنين، لا يجد مواطنو هذه البلاد، أو رعايا الأنظمة التسلطية سوى دولة بلطجة بوليسية، محاطة بمجموعات من مافيات وعصابات تجار احتكار السمسرات والوكالات والشركات، من ناهبي ثروات البلاد بالشراكة مع رأس النظام وعائلته والأقرباء والأنسباء، وكل أولئك الذين أرادوا أن يجعلوا من أنفسهم عبيدا مرتزقة، من أجل فتات من المال الحرام والإجرام التسلطي ضد الشعب والدولة والوطن، خدمة لأنظمة نيرونية لم تكن لترعوي أمام غضبة شعوبها العارمة.

ماذا يمكن أن نسمّي تلك المحاولات الدؤوبة لإحراق المتحف المصري، ومحاولات نهبه، واستكمال ما بدأته الطبقة الحاكمة نفسها، من سرقة بعض قطع الآثار، للاحتفاظ بها و/أو بيعها على طريقة بيع القطاع العام، سوى أن النزوع النيروني لأفراد وجماعات البلطجة، هو النزوع الأبرز لديهم في مواجهة أفواج وأمواج الثورة الشعبية وشبابها وشاباتها. وما فرار واختفاء أفراد الأجهزة الأمنية وترك الأمن الاجتماعي نهبا لبلطجيي تلك الأجهزة، ومستأجرين آخرين من مجرمين ومسجلي خطر، جرى “تهريبهم” إلى “الحرية” للقيام بمهمة مواجهة الثورة الشعبية بثورة مضادة؛ سوى نزوع نيروني آخر لا يهمه من الوطن والدولة والمجتمع، إلاّ الدفاع المستميت عن النظام ورأسه وقواعده الاجتماعية الدنيا، المتشكلة من بلطجيي الفئات الطفيلية والكومبرادورية المنقطعة الجذور والصلة، بواقع إجتماعي شعبي تغيب عنه حقوق المواطنة، كما وواجبات الدولة الغائبة أصلا في أروقة أنظمة السمسرة والوكالات الإفسادية.

إن خيانة الثورة ممن يفترض أنهم من أبنائها والمحسوبين عليها، هي النتيجة المنطقية لما صنعته أيادي الأنظمة الريعية الهجينة، العاملة على “إنتاج” قواعدها الإجتماعية “الخصوصية” وإيجاد الآليات الضرورية لتهميشها، مقدمة لتوظيفها في كل ما يلحق الأضرار بالدولة والوطن والمجتمع، وللإبقاء على النظام مقبولا من قبل هؤلاء وأولئك ممن يدافعون اليوم عن “شرعية” و”مشروعية” نظامهم الهجين، في مواجهة مطالب الثورة الشعبية ونداءاتها الأساسية برحيله.

وحدهم الإسرائيليون من بين شركاء “الغربان السود”، من هم ليسوا على استعداد لمغامرة تجريب نظام آخر على أنقاض النظام الذي تابع مبارك بناءه منذ أن كان نائبا لأنور السادات. فهو كان مصدر اطمئنان لهم وحافظ على “سلامهم”، وكان مصدر غازهم وبترولهم الرخيص، علاوة على دوره كحارس أمين، لا يُبارى في مرجعية النقص في الكرامة الوطنية.

لقد اكتشف الغرب؛ “غرب الأنظمة”، ذاك الكم الهائل من فنون الأكاذيب والتزوير والتزييف الذي اعتادت عليه أنظمة التبعية والتسلط الاستبدادي، ومارسته بطانتهم وعلى رأسهم وفي مقدمتهم “زعماء الاستقرار الأوحد”، من أجل تبرير البقاء والاستمرار بالقمع والإرهاب الذي تمارسه قوى البلطجة، وعبيدها وأزلامها من تجار المال الحرام والفساد المنظم، والإفساد الأكثر تأثيما للنفس البشرية. وها هي التجربة الحية تؤكد أن الأجهزة الأمنية في الدولة البوليسية التوتاليتارية، ليست أكثر من أجهزة مرتبطة بأزلام النظام، وليس من أهدافها حماية الوطن والمواطن، والدفاع عن الدولة كدولة لكل مواطنيها، بل كدولة خصوصية؛ صاحبها وأصحابها شخوص النظام ذاته، ذاك الذي استطاع “اقتلاع” الوطن والمجتمع الوطني الموحد من وجدان عبيده ومرتزقته، وغيّب الدولة والسياسة، ولم يبق سوى شخوصه محلا للتبجيل؛ حدّ العبادة!.

الثورة والثورة المضادة..

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عبد اللطيف مهنا
لأنها ثورة شعبية حقيقية بكل المقاييس، ولأن لها خصوصيتها العربية الفريدة والتي جعلتها لا تشبه سواها أو سابقاتها من ثورات الأمم… ولأنها رغم كافة تعابيرها القطرية المختلفة ظروفاً وتعقيدات وأولويات واحدة، فجّرتها وقادتها وحمتها ومنحتها حيويتها جماهيرها، ساحبة من خلفها وهي تتنقل عابرة حدود التجزئة في الوطن العربي نخبها على اختلافها القوى السياسية المعارضة، الملتحقة بها… لأنها كذلك، كانت بحق قد استحقت أن يطلق عليها حتى أعداؤها الثورة العربية الكبرى. وأيضاً لأنها كذلك، استدعت تلقائياً وبالضرورة، ولكي لا تشذ عن سالف سابقاتها من الثورات الشعبية التاريخية ثورتها المضادة. الثورة المضادة بوجهيها البديهيين، أعداء الداخل وأعداء الخارج… كان هذا ومنذ لحظتها الأولى، ولعلها به قد تفردت أيضاً عن سواها باتساع جبهة هؤلاء الأعداء وبوجهيها هذين المذكورين واشتداد في شراستهم ذات المنسوب المرتفع ارتفاع منسوب خسارتهم لاندلاعها…

ولأنها كبرى، فالثورة المضادة لها هي أيضاً كبرى أو لا يستهان بحجمها ولا مدى خطورتها، ذلك لاتساع جبهتها ومدى تقاطع والتقاء وتضافر جهود كل تلك الأطراف المتضررة من اندلاعها، داخلاً وخارجاً، وتشابك عرى ذلك التحالف الموضوعي الجامع بينها.

ولأنها ثورة شعبية حقيقية فهي تعني أمراً خطيراً هو التغيير… وهو هنا أولاً وأخيراً فعل جماهيري وليس من ضامن له إلا الجماهير. فهي كانت، وأيضاً من اللحظة الأولى، تواجه خطر الانحراف واستهداف الإجهاض ومكائد الالتفاف ومحاولات التشويه وضروب من التدخل اللامرئي بدايةً، ومن ثم خطره المباشر لاحقاً، تحت شتى الذرائع ووفق مختلف الوصفات، كما هو المحتمل الآن في الحالة الليبية.

ولأن للثورة المضادة لها، كما قلنا، بعديها المشار إليهما، فقد سبق الداخلي منهما الخارجي واغتنم الأخير فرصة وجود الأول وبدأت نذر المسيرة المضادة بأشكالها المختلفة المتكاملة، وكان لكل ساحة من ساحاتها المختلفة ما تم اعتماده من الأشكال التي رأوا أنها تناسبها… في الداخل، من هم المتضررون؟!

إنهم، في البدء مكتنز ما تراكم من جسوم النظم البائدة المتسلطة المطاح بها رؤوساً وأطرافاً، أو تلك المؤسسات التي اتسعت وتوسعت لتضم كافة القوى والشرائح المستفيدة من حالة بائد الانحدار والركود العربي الآسن، هذه التي غدا يتهددها فعل التغيير… أنهم كافة هؤلاء الذين يرون فيه خطراً محدقاً يتهدد مصالحهم التي ارتبطت بمصالح المهيمن الأجنبي وغدت رهينة لتبعيتهم له. الأجنبي الذي كان لعقود الداعم الراعي لاستبدادهم ولبقائهم قبل أن تفاجئهم وتفاجئه الهبة الثورية الجارفة وتفعل في هذا الواقع العربي البائد المسف فعلها… خطر يطل لهم برأسه مع بدء هبوب رياح الحرية الحاملة معها الديموقراطية المبشرة بالضرورة بامتلاك القرار الوطني والقومي، الذي إن كان فعلاً فلسوف يكون، ولأول مرة، هو الاستقلال الحقيقي، والذي إن هو قد تم فمعناه أن رياح الصحوة وتجليات اليقظة سوف تفعل فعلها لجهة دفع مسيرة النهوض قدماً والتي سوف لا تكتمل بالضرورة إلا بالوحدة… بالمناسبة في التاسع من يناير المنصرم، أو شهر الثورات العربية الراهنة، كانت ذكرى مرور 95 عاماً على اتفاقية سايكس بيكو…

أما أعداء الخارج، فهم ذات أعداء الأمة لقرون خلت هم كل ورثة اصطفافات تليد المشروع الغربي المعادي لأمتنا… ورثه الاستعمار القديم من القوى الاستعمارية المحدثة، وملحقهم الدائم الصهيوني… هؤلاء من اُختصروا راهناً في الولايات المتحدة العدوة الأولى للكرامة والحرية والاستقلال والديموقراطية والعدالة والتقدم في الوطن العربي، والجهة الكونية الأكثر كذباً ونفاقاً ولغواً ومزاعماً واستخداماً شريراً وزائفاً وأحياناً انتقائياً لمثل هذه المفاهيم جميعها فيما يتعلق بالعرب… هنا لا ثمة من داعٍ للكلام عن الملحق الغربي أو الأوروبي لهذا العدو، ولا عن وكيله العضوي الصهيوني في المنطقة… الجميع، ورغم كل المزاعم والإدعاءات والنفاق والتدجيل التي لا تستر غرابيلها شمس الحقيقة، فهم جميعاً من أولئك الذين يعتبرون الديموقراطية مجرد امتياز غربي لا حق للعرب فيها ولا هم يستحقونها، وحتى لا يميلون وراثياً إليها!!!

في الداخل… في البدء كانت طلائع الثورة المضادة، وبعد أن انهارت أدوات القمع الأمنية الرسمية، هم تحالف نُسج من فلول النظام البائد وقياداته الحزبية المحرضة، والجلاوزة من فلول جلادي تلك الأدوات الأمنية المنهارة، أو ضباط أمن الدولة، ومعهم زمر يسيرونها من المرتزقة والدهماء والمغرر بهم… شهدنا هذا في تونس ومصر… وكان للقبلية والجهوية والعائلية دورها في هذا المجال في اليمن، وكذا شبح الطائفية المفتعلة في البحرين والآن في مصر… ثم كان التباطؤ في مسيرة التغيير من قبل الأوصياء على التحول الجاري لتسلمهم “دستورياً” مسؤولية السلطة والذي يوحي بالتواطؤ، أولاً في تونس، ولاحقاً بصورة أكبر وأكثر وضوحاً في مصر، والذي عادة تليه الاستجابة لمطالب المسيرة الثورية بالقطارة بعد مواجهة التلويح الشعبي مرة أخرى بميدان التحرير، أو إبداء قوة رد الفعل الجماهيري الغاضب على مظاهر هذا التباطؤ التواطؤ. يضاف إلى هؤلاء دعاة التدخل الأجنبي والمستغيثون من أول لحظة بالمجتمع الدولي بحسن أو سوء نيّة في ليبيا… وبعد انتصار الثورة وبدء عجلة التغيير، كان لهذه الثورة المضادة تمظهراً آخراً يكمن في جيوش من الانتهازيين وصنوف من راكبي أمواجها من المنتفعين والمغيّري ألوانهم ولكناتهم مع تغيير الأزمنة وفي أول المنعطفات.

الآن عاد البلطجية سيرتهم الأولى في مصر، عادت غاراتهم على معتصمي ميدان التحرير، أي أنه لا زال القمع المنظم ممارساً ضد الثوار… إثارة الطائفية البغيضة وإذكاء بؤر توترها في الأرياف والعشوائيات، وبالتوازي إثارة أخرى للاحتجاجات المطلبية الفئوية التي ليس هذا وقتها والتي لا يحلها إلا نجاح الثورة وإنجاز التغيير… المطلوب هو تشتيت قوى الثورة… يقول رئيس الوزراء المصري عصام شرف، الذي أعلن أنه يستمد شرعيته من ميدان التحرير، معلقاً على وما يحدث من انفلات أمني، وواصفاً بعض مظاهر الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط، أنه “شيء ممنهج”. ويقول نائبه الدكتور الجمل، “إننا نواجه ثورة مضادة”. أما المشير طنطاوي رئيس المجلس العسكري المستلم لزمام السلطة بعد رحيل رأس النظام، فيحذر من “وجود قوى خارجية تستهدف استقرار وأمن البلاد”… هل هي إشارة للوجه الخارجي للثورة المضادة وفق ما كنا قد ذهبنا إليه؟!

هنا نأتي لهذا البعد، البعد الأجنبي… هذا المستهدف دائماً للأمة، والآن لثورتها وسابقاً ولايزال لمقاومتها للمحتلين وشتى أشكال الهيمنة. أو هذا الغرب الراعي والداعم لنخبة من الطغاة في بلادنا، والذي من انفك يتحدث دائماً وبلا حياء عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، والذي لا يريد ويبذل ما يستطيع للحؤول دون وجود أنظمة قوية بشعوبها في بلادنا… وإذا كانت، كما أسلفنا، الحرية والديمقراطية هما الف باء وجود مثل هذه الأنظمة في هذه البلاد فهو معاد للعظم لهذه الديمقراطية، تماماً كما ظل، ومنذ قرون، عدواً دائماً للحرية في بلادنا… أما ملحقه الإسرائيلي الذي يؤمن بأن كل ما هو سيء في الوطن العربي هو لصالحه وكل ما هو جيد هو ضده، ومن يعتبر بائد أنظمة الاستبداد المتهاوية جراء الثورة هي كانت عمقه الاستراتيجي الذي خسره، فإعلامه، الذي يعكس عظيم قلقه، لم يتورع عن وصف عصام شرف ونبيل العربي بالمعاديين للسامية!

إن آخر مظاهر دعم الثورة المضادة من قبل سادتها وشادي خيوطها في الخارج هو تباكي هؤلاء الذين ما همهم يوماً الدم العربي ولا الإسلامي… فلسطين، العراق، الصومال… تباكيهم عليه في ليبيا، وهم بهذا لا يفعلون سوى تشويه الثورة لا أكثر، ذلك عندما يتحدثون عن الحظر الجوي بنبرة عالية والثوار يتقدمون، ويتراجع لغطهم حوله إن تراجع الثوار، كما هو الحال في راس لانوف والزاوية، ومن ثم يبدأ الحديث عن خطر “القاعدة” والحرب الأهلية وتقسيم ليبيا، أو عن تعادل ميزان القوى وبدء ميله لصالح النظام… وصولاً لأن يؤكد راسموسن باسم الأطلسي “إننا نراقب فحسب ما يفعله النظام الليبي ضد شعبه”… أما التدخل، فالأميركان يريدونه أطلسياً، والأوروبيون أممياً، والروس والصين لا يحبذونه… والحقيقة هي أنه إن تهدد النفط فلسوف يتدخلون دون انتظار لسبب ودونما إذن من أحد، وإن قويت الثورة سيسرّعون من هذا التدخل للالتفاف عليها، وإن صمد النظام فلسوف لن يفعلوا أكثر من أن يبتزونه ويتلكأوون في التدخل الموهوم لرفع عوائد ابتزازهم… في بلاد العرب حتى الآن، زعيم مستبد هرب، وآخر تنحى مكرهاً، والثالث لسان حاله هو علي وعلى شعبي يا رب، وهناك فيها من ينتظر دوره متحسساً رأسه… والنتيجة في النهاية لن تكوت إلا واحدة… هذه الثورة العربية الكبرى تمتلك حيويتها الخاصة… ورياح التغيير في واقع هذه الأمة التي استيقظت قد عصفت للتو وانداح لهيبه الثوري في هشيم الواقع الرديء على امتداد خارطتها فأضاء ليلها الداجي الذي طال، ولم يعد هناك من خوف على نوره من أن تطفئه أفواههم!

الساعة عربية .. والساعاتي روس..

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عبد اللطيف مهنا
دينيس روس، الذي ليس في حاجة إلى التعريف، والذي يعمل الآن مستشاراً للرئيس الأميركي أوباما، أو أحد أهم مستشاريه الصهاينة النافذين وغير القليلين في البيت الأبيض، لا يكتم قلقاً يقض مضجعه هذه الأيام. وحيث أن أمثاله لا يقلقون عادة إلا لأمور يرون فيها تهديداً لإسرائيلهم، فالطارئ المقلق له الآن ما يشهده من تحول استراتيجي هائل التداعيات في دنيا العرب دقت ساعته منذرة بما يراه يتهدد المحروسة، يتهددها راهناً ومستقبلاً، وجوداً ومصيراً. هذه الساعة العربية الداقة المنذرة وفق تصنيفه وتعبيره لها ثلاثة وجوه:

أولاها، “الساعة الديموغرافية”، المتمثلة في هذا الطوفان البشري الهادر الذي يفيض مائراً بالثورة من محيط العرب إلى خليجهم، والذي يعلم روس علم اليقين أنها بعض من تجليات الجغرافيا الرافضة واللافظة للجسم الغريب المفتعل المزروع عنوة في القلب منها… الجغرافيا والتاريخ والأمة التي استيقظت واستعادت إرادتها المختطفة.

و”الساعة البيولوجية” الثانية تتمثل عنده بهؤلاء الشباب الثائرين، أو هذه الأمة الشابة المنتفضة، التي رأى نماذجها المذهلة في سيدي أبو زيد وميدان التحرير، في الوقت الذي تزداد فيه المجتمعات الغربية وملحقها الإسرائيلي هرماً، ومشاريعها هيمنتها الاستعمارية المحدثة تعثراً وتراجعاً وفشلاً، خصوصاً في المنطقة العربية وجوارها الإسلامي.

أما ساعته الثالثة فهي “الساعة التكنولوجية”، وهو يعني بها هنا تسلح هذه التي يدعوها الغرب بحق “الثورة العربية الكبرى”، الجائلة المتنقلة الآن في دنيا العرب، بالتكنولوجيا الحديثة. أو استخدام شبابها باقتدار لوسائل الاتصال الحديثة، وتوظيفها بمهارة وإلى أبعد حد ممكن، ودورها في سهولة بعث رياح هذه الثورة في أرجاء الوطن العربي الكبير، وارسالها لتداعياتها عابرة لحدوده حاملة معها في عديد ربوعه المنتفضة أهم وأخطر ما يقلق دينيس روس وغربه وإسرائيله، ألا وهو التغيير… وعليه، يقول دينيس روس:

“علينا التأقلم مع واقع جديد في الشرق الأوسط”، ويحذر من خطورة أن “الكثيرين في المنطقة يتطلعون إلى مصر كأنموذج”، وأن جيلاً عربياً جديداً “يشعر بأن السلام غير ممكن” مع إسرائيل، وما يقصده هنا هو اسقاط هذا الجيل لوهم إمكانية تنازل العرب عن فلسطينهم، هذه التي ما انفك هذا الغرب يسعى بكل ما أوتي من قوة لتحقيقها…

ما يقلق روس، ويرعب الإسرائيليين، هو جزء لا يتجزأ أو رئيس مما هو يقلق الغرب، هذا الذي بالإضافة إلى إسرائيله هناك هم مصالحه في المنطقة التي لم تعد تقاس بعد اليوم وفق منطقه الاستعماري، أي ليس بمقاييس حقبة التبعية العربية البائدة أو السائرة إلى زوال، وإنما بمقاييس جديدة معيارها المستجد في دنيا العرب هو المصالح العربية… أو هذا المصطلح المحدث في قاموس راهن الأمة العربية، لولوجها مرحلة جديدة تفرض ثورة في عديد المفاهيم وتدقيقاً في متراكم المصطلحات واتضاحاً في ملتبس الرؤى، بحيث يسقط الكثير من معهود المصطلحات لترثها أخرى، ويتبدل ما سوف يتبدل من عتيق المفاهيم، وتنجلي بالضرورة كثير من سائد الرؤى الملتبسة.

ما يقلق الغرب، أو الأميركان، وإسرائيلهم، والساعاتي دينيس روس، هو أن هذه الثورة العربية الكبرى هي بلا سقوف تحد من تطلعات ثائريها، وليس من قوة بقادرة على إيقاف ساعتها الثورية الداقة، هذه التي تداعت لدقاتها المدوية مصطنع الحدود القطرية فعبرتها لا تلوى جائلة صائلة من المغارب إلى المشارق ومن المشارق إلى المغارب. والأهم، أنها ثورة وحدوية، حيث لم يتصادف أن اتحدت مشاعر هذه الأمة في يوم من الأيام مثلما هي متحدة الآن، ذلك بفضلها، حيث تقول لنا أنه لم يعد هناك من تناقض بين الوطنية والقومية، وحيث عبرت جماهيرها عن وعي رفيع وغير معهود وهي تلتقط لحظتها التاريخية وتصنعها، أو حين كشفت عن ذكاء ودهاء شعبي غير مسبوق وهي ترتب أولوياتها… الديمقراطية تعني الحرية، وهاتان تساويان العدالة الاجتماعية، وهاته الثلاثية تعني فيما تعني التنمية والتقدم وإطلاق طاقات الأمة، الأمر الذي يعني حتمية الاصطدام لا محالة مع الهيمنة الغربية وعدوانية وكيلها الإسرائيلي، أي أن ثورة العرب الراهنة في مختلف أقطارهم، وعلى مختلف نماذجها، التي يجمعها الكثير، ولا مختلف بينها إلا في قليل التفاصيل وما هو من لزوم الخصوصيات وما يفرضه اختلاف الظروف، ليست بعيدة عن الصراع العربي الصهيوني، وأن كان لوجوب ترتيب الأولويات ولصخب ضرورة إعادة البناء اسهاماً في حجب رؤية البعض لحقيقة ذلك… أي أنها وقد قطعت كافة السبل على صهاينة العرب، قد أصبحت كل طرقها تؤدي لزاماً إلى فلسطين، ولهذا كان الفلسطينيون هم أكثر عرب الأمة إثارةً وانشداداً وتتبعاً لثواني الحدث ودقائقه وتفاعلاً معه… كانوا على حق، فقد رأوا علمهم يرفرف على رؤوس الثائرين في تونس والقاهرة وبنغازي وصنعاء… وسمعوا من يهتف بالاسكندرية: “الشعب يريد تحرير فلسطين”…

لهذا كان على دينيس روس أن يحصي أوجه ساعة الهبة الثورية العربية المنذرة ولا غرابة في أنه يعجز عن ضبطها، ولهذا يحاول غربه جهده للتخفيف من خسائره لاندلاعها، ولأنه يعترف مكرهاً على لسان هيلاري كلينتون بأن “التغييرات (العربية) تحدث من الداخل، والغرب لا يملك حلولاً سحرية لكل الأزمات” أو أزماته هو التي تقلقه بسببها، يقترح لها “خرائط طريق”، أو خرائط إلتفاف، هي قطعاً في حكم المرفوضة، ويحاول تدخلاً، أو على الأقل، إيحاءً به، يهدف منه تشويهاً لثوريتها، أو يتوعد مكابراً بفزاعة “كل الخيارات مطروحة”… ولهذا كان آخر تجليات معاركها التي تدور في هذه اللحظة العربية التاريخية هي عبارة عن منازلة مصيرية حاسمة بين الوعي العربي وترسانة الزيف والأضاليل والأباطيل الغربية التي خبرها العرب طويلاً ولا زالوا.

ما يشهده الوطن العربي الآن، على اختلاف أقطاره ومختلف ظروفها وخصوصياتها وأولوياتها، هو ثورة عربية واحدة لشعب عربي واحد، يثبت وحدانيتها ووحدته ما نشهده من سرعة التجاوب بين أطرافه العابرة للحدود المصطنعة، وهائل هذا التأثير النضالي المتبادل بين أقطاره المنتفضة، وتؤكده وحدة الشعارات المرفوعة وتماثل الهتافات وتشابه المطالب وتطابق الأهداف، وقبل كل هذا كان مكابدة ذات المظالم والعذابات، وتوفر ذات الدوافع الناجمة عن ذات الأتواق، وحتى وحدة موازين تحديد الأولويات… ثورة خاصة جداً لأمة تحولت بكاملها هذه الأيام إلى ظاهرة ثورية، تؤسس لحقبة واعدة لها ما بعدها الذي لا يشبه ما قبلها… هل نحن حالمون؟! ربما من حقنا هذا، لاسيما وقد تداعت الآن في بلادنا تلكم الحدود الصدئة التي كانت تفصل لعقود توالت بين حلمنا وواقعنا!

المرة الوحيدة التي صدق فيها أوباما..

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عبد اللطيف مهنا
ثورتا العرب الشعبيتان، التونسية والمصرية، فاجأتا الغرب. هذه حقيقة أفزعتهم هناك، يرددونها ولا ينكرونها. الأميركان، والأوروبيون معهم، لايخفون قلقاً وارتباكاً استوطنا ردود أفعالهم حتى الآن. أما الإسرائيليون فهم الأكثر قلقاً بل ويكتمون رعباً، حيث من عادتهم أن أقل حدث يشي بتغيير ما في المعادلات القائمة في المنطقة، أو حتى زحزحتها ولو قليلاً، يطرح أمامهم مسألة وجودهم الغريب الطارئ والمرفوض كحالة استعمارية في المنطقة قيد البحث. مجلس الأمن الأميركي ما انفك يوالي الاجتماعات المتصلة مع المختصين وقارئي كف التحولات المحتملة في المنطقة من خبرائه. الحدثان العربيان أسباباً وتداعيات وأثراً على المشروع الأميركي المترنح في المنطقة العربية والجوار الإسلامي هما الموضوع الذي، كما نقلت الواشنطن بوست، ما قد أمر توماس دينلون، مستشار الأمن القومي الأميركي، كبار معاونيه والمسؤولين عن الشرق الأوسط فيه باستعراضهما واستخلاص الدروس منهما. إنما هي جاري عادة أميركية، تتكرر دائماً بعيد سقوط أي دكتاتور، أو انهيار أي نظام تابع لهم في العالم. لكنما الدروس المستخلصة تظل دائماً هي هي ولاتذهب كالعادة في الاتجاه الصحيح الذي يحول دون تكرار واشنطن العودة إلى دراسة الخطايا الأميركية نفسها. ماركوس الفيليبيني، بينوشيه التشيلي، الشاه الإيراني… وصولاً إلى بن علي ومبارك… مشكلة الأميركان، والغرب إجمالاً، أن الديموقراطية أينما حلت لن تكون قطعاً في صالح هيمنتهم، وأن الديكتاتوريات مهما تجبّرت وعتت ودُعمت بلا حدود من قبلهم فهي الفاشلة دائماً في صون هذه الهيمنة. وفي مثل هذا ما يكشف عادة زيف ادعاءاتهم الرافعة للديموقراطية شعاراً، وحقوق الإنسان، مبادئً، أو الأمر الذي غدا في نظر الشعوب المستضعفة هو الأقرب إلى النكتة السمجة، ومردوده عادة لا يسفر إلا عما يحرج قطاعات لابأس بها لا تخلو منها المجتمعات الغربية من تلك التي تؤمن فعلاً بهذه المبادئ، وما يسيء بالتالي إلى مصداقيتها، لاسيما جمعيات عديدة تعنى بحقوق الإنسان وليس كلها، مثلاً.

قد لانجد أنفسنا في حاجة لأن نعرج على المواقف الأوروبية، التي هي دائماً، أو غالباً، ليست سوى بعضاً من تفصيل أميركي يحاول أحياناً تمايزاً زائفاً وأكثر نفاقاً، فهنا تكفي الإشارة إلى الحالة الفرنسية التي بدت الأقرب إلى البهدلة التي عكستها تصريحات وزير الخارجية في بداية الحدث التونسي والتي لم تنجح محاولات تطويقها لاحقاً، أو ما كشفت عنه حالة الارتباك التي زادتها على ما هي فيه معالجات ساركوزي الباهتة غير المقنعة للفرنسيين أنفسهم… في الغرب مصالحهم لا تجعلهم يتعلمون من اخطائهم وتحول بينهم وفهم الآخر مهما درسوا من نتائج لخطاياهم الكثر واستخلصوا منها ما شاؤوه هم عادة من دروس.

الحالة الإسرائيلية لخصها لنا نتنياهو بقوله “أن زلزالاً يهز العالم العربي كله وقسماً كبيراً من العالم الإسلامي، ولا نعرف بعد كيف ستنتهي الأمور”. أما ما يتعلق بالقوى الصهيونية في الغرب فحدث ولا حرج، تلك القوى واللوبيات التي ما همها في كل ما جرى في مصر إلا مستقبل اتفاقية كامب ديفيد، وأمن إسرائيل، أو ضمان مستقبلها في المنطقة، أو استمرارية الضمانة الأميركية لذلك، أو بقاء هذه العلاقة العضوية التي قال الجنرال مولن في تل أبيب بشأنها: “إن قوة هذا التحالف شيء مهم جداً خلال هذه الأوقات العصيبة جداً”…

إذن الأوقات العربية المستجدة، بالنسبة للمشروع الأميركي أو الغربي وامتداده الصهيوني، هي عصيبة جداً في نظرهم. فالمسألة ليست سقوط مستبدين في تونس ومصر، أو فقدان “شريكين”، وفق التوصيف الأميركي-الإسرائيلي، وإنما هي في انهيار نظامين تابعين، لكنما التحول أو هذه الإفاقة النهضوية العربية التي أطلقت شرارتها في تونس واتقد مشعلها عالياً في مصر وبدا اضطرام تأثيرها بالتالي في هشيم الواقع العربي الراهن من المحيط إلى الخليج هي عندهم الأخطر والأشد مدعاةً للقلق. بصدد هذا كرر نتنياهو هواجسه في الكنيست:

“قبل أسابيع بدأت هزة أرضية في تونس، وفي وقت لاحق ضربت مصر أيضاً، ونحن لا نعرف إلى أي مدى ستصل”. وقال مثل هذا رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست الجنرال موفاز، الذي يرى فيما حدث في مصر تحديداً بأنه “يتعلق بتغييرات تكتيكية تشكل إنذاراً استراتيجياً” لإسرائيل. وشاركهما هذا وزير الحرب باراك الذي قال “إن على إسرائيل أن تستعد لمواجهة الأسوأ”.

هل هذا يعني أن التوانسة والمصريون، وهنا قد نعني المصريين أكثر لما تعنيه مصر ثقلاً ودوراً في أمتها، قد أعادوا الصراع في بلادنا إلى مربعه الأول أو إلى حيث مساره المنطقي والطبيعي؟

هنا لا بد لنا من التمهل، إذ من الإجحاف تحميلهم اليوم ما هم ليسوا في وارد حمله الآن على أقل تقدير… لا تظلموهم… التغيير قد بدأ، دقت ساعته، ولا من عودة عنه، وعليه، لا مستوجب للتعجل، فلهذا محاذيره… وربما هذا ما وعته فأجلته هتافات وشعارات ميدان التحرير التي بدت الأقل قومية أو ذكراً لفلسطين، الأمر الذي لا يعني غياب البعد العربي للثورة أو اغفال الهم الفلسطيني، وإنما مرحلة واعية للأولويات، إذ ليس من المعقول انتظار انتقال في المدى المنظور، وربما فيما هو أبعد، من مصر كامب ديفيد إلى مصر دول الطوق أو المواجهة، لكنما مصر العرب عادت، أو هي بدأت في العودة إلى أمتها، وبعودتها هذه سيتغير الكثير الكثير لا محالة في واقع الأمة وواقع ومستقبل الصراع مع أعدائها، أقله، وفي المدى الأقرب، لن تظل مصر أسيرة مهانة لسياسات كامب ديفيد المذلة.

في مقدمة مطالب الثوار جميعاً التي قدم المصريون الشهداء من أجلها، كانت الكرامة، واستعادتها ما كانت إلا باسقاط النظام، واسقاطه يعني خطوة باتجاه الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وهاتين إن هما تحققتا ستؤديان حتماً إلى التحرر من التبعية للأميركان، والخنوع للرغبات الإسرائيلية المترجمة في يوميات النظام البائد استجابات كاملة للإملاءات وسمسرة دائمة وتواطؤ مستمر على القضايا العربية، وصلت حد عار محاصرة غزة. كما أن الديموقراطية والعدالة الإجتماعية ستؤديان بالضرورة إلى الممانعة، وإلى أولى مستوجبات استعادة مصر لكرامتها، التي تعني تلقائياً استعادتها لدورها العربي الذي يعني بالضرورة عروبتها، تلك التي تعني عودتها لاستلام دفة الصراع مجدداً، ذلك بحكم موقعها وثقلها الذي فقدته بإخراجها منه… ذاك الخروج الكارثي الذي كان بمثابة المذبحة للإرادة السياسية العربية، والمجزرة للكرامة الوطنية المصرية… ولعله من نافل القول، أنه لا مصالح لمصر المالكة لارادتها لا تصطدم حتماً مع مصالح أعداء الأمة. ثم، أوليست الديمقراطية، التي تتجه إليها مصر الآن، تعني استعادة قرارها الوطني، وهذا بدوره ألا يعني تلقائياً الاستجابة لوجدان الشعب المصري الذي هو جزء من وجدان أمته؟!

أسقط العرب التوانسة والمصريون، وقبلهم المقاومون اللبنانيون والفلسطينيون، بائس الواقعية الإنهزامية التي جالت أباطيلها خلال العقود الأخيرة في دنيا العرب. كسروا حائط الخوف ومزقوا حجب الوهم، بعثوا في الأمة روحاً جديدة، وأسسوا لقلاع من مواقع الممانعة ستتابع ارتفاعاً في مساحات الخارطة العربية، ومدوا فضاءاتٍ تتسع من الحلم في ربوعها… أعادوا الأمة من غيبوبتها، فبُعثت الإرادة الغائبة من جديد ودُقت في ديارها طبول بداية مسيرة النهوض… في مقال سابق قلنا، كذب المنظرون ولو صدقوا، وفي هذا نقول، لقد صدق أوباما مرة واحدة، بغض النظر عما قصده، ذلك عندما قال: “إنها لحظة من لحظات التاريخ الفارقة… لقد غيّر المصريون العالم”!

عودة مصر …

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عبد اللطيف مهنا
سوف يدون التاريخ العربي المعاصر أن للتوانسة العرب فضل السبق في اشعال الفتيل وقدح الشرارة التي بدأت الاشتعال في هشيم زمن عربي أوغلت أيامه اسفافاً وانحداراً، وأن للعرب المصريين فضل إذكاء لهيب غضب مقدس كان مكتوماً سوف يضيء نوره الربوع العربية من اقصاها إلى أدناها، ومن شأنه أن يتجاوزها صدى والهاماً في أربع جهات الكون، حيث سيكون له وقعه العميق الأثر وسيغدو انموذجاً ملهماً في كل تلك البقاع المستضعفة فيه. المصريون، أي مصر، بثقلها في موازين الأمة، بمكانتها الريادية، بأدوارها التاريخية المفترضة التي غُيّبَت قسراً، كان لهم وحدهم، كان لها وحدها، القدرة على فعل ما هم الآن، ما هي، بصدده.

ثلث الشعب العربي المصري خرج إلى الميادين والساحات والشوارع متظاهراً، كل المدن غدت ميدان تحرير، من الاسكندرية وحتى أسوان ومن الشيخ زويّد وحتى الخارجة… وتقاطر المزيد المزيد من الخارجين من بيوتهم ومعاملهم ومؤسساتهم الملتحقين بهذا المد الطوفاني الشعبي الهادر: “الشعب يريد اسقاط النظام”… كان مشهداً حضارياً فريداً يسفر عن مخزون طافح من التمرد طال أمد تراكم اسبابه، وغضباً تلقائياً نبيلاً لم ينتظرطليعة تؤمه أو قيادة توجهه أو محرضاً يذكيه، لم يني ميدانياً في ايجادها. إنه المشهد الملحمة الذي يسفر في مثل هذه اللحظة التاريخية العربية المفاجئة للجميع، وحتى لذاتها، عن ثورة شعبية حقيقية لها فرادتها ومن ذات طبيعة تسونامية تمتلك ديناميكيتها وخصوصيتها ومتوالية دفق زخمها، بحيث هي كانت فوق الالتفاف عليها، وبمنأى عن ما يشوب روحها ويحد من جارف توقها، وكانت العصية على الاحتواء والتي لايمكن المراهنة على توقفها… ردت الحياة إلى نبض أمتها، وأعادت لها كرامتها… بها غدت الأمة من محيطها إلى خليجها ميدان التحرير…

… وسوف يسجل هذا التاريخ في مدونته الفخورة بما دونته، أن المشهد المصري الذي دارت وقائعه المجيدة وتلاحقت آياته المذهلة في ميدان التحرير، وسائر ميادين أرض الكنانة الثائرة، كان يترجم عن ثورة شعب غير مسبوقة، ليست شبابية فحسب، كما يزعمون مقللين من شأن شموليتها، وإنما هي فعل شعبي شارك ويشارك فيه كل فئات أهلنا المصريين… قضاة ومحامون، اساتذة جامعات وعلماء وأزهريون، صحافيون ومثقفون وفنانون، ضباط متقاعدون وآخرون سلموا سلاحهم والتحقوا بمواطنيهم، وعمال وفلاحون وبسطاء، ورجال ونساء وأطفالهم… ثورة لم تبدأ فحسب في اليوم التاريخي الخالد 25 يناير، وإنما سبقت مقدماتها، وتراكمت صواعقها، وفيه فحسب كان آن تفجرها… وهي، كما أشرنا، ليست مصرية فحسب وإنما هي عربية الوجه واللسان والمدى والتداعيات، وعالم ثالثية الأثر والانموذج.

… وسوف تضم مدونة هذا التاريخ كيف أسقطت الجماهير قدرية الفرعون، واختصرت عبر يافطة علقها المتظاهرون على بوابة مجلس الشعب تقول: “عذراً، مغلق حتى اسقاط النظام” هدفاً لم تحد عنه، وإن النظام كان متمترساً لايريد رحيلاً، ويتشبث معانداً ويستميت مكابراً ومناوراً ومخادعاً، لحماية رؤوسه التي قد أينعت وحان قطافها، وبغية تجنيبها يوم المساءلة على ما اقترفته ونهبته، وإن الثوار كانوا الصامدين المتحدين المُصرّين على مطالبهم السبعة التي على رأسها ويختصرها رحيل النظام.

ولن ينسى هذا التاريخ إن الولايات المتحدة وغربها وإسرائيلها كانت ترقب التطورات في أرض الكنانة عن كثب… لأنها وفريقها ومريديها بين ظهرانينا تدرك أن رحيل مبارك يعني رحيل نظامه، وأن رحيل النظام هو إعلان مدو عن تصفية نفوذها، ليس في مصر فحسب، وإنما بداية مؤكدة لتصفيته في سائر مواقع أمتها… وانه لهذا تكالب المتكالبون للذود عن بائد مصر في مواجهة جديدها، وكان هنا مكمن الأزمة الأمريكية، و الفحيح الإسرائيلي… لأنهم أفادوا، وهم المعروفون بالتخلي عن أدواتهم لصالح مصالحهم، من درسهم الإيراني القديم، والتونسي الأجد، فهم في حين أنهم لا يريدون التخلي عن نظام أدى ويؤدي أجل الخدمات لاستراتيجية هيمنتهم في المنطقة، وتعده إسرائيل كنزاً استراتيجياً لها، بادروا من اللحظة الأولى يعملون على تبديل الوجوه والشخوص لصالح استمراره تحت يافطة “الانتقال المنظم للسلطة”، وفي نفس الوقت لم ينوا يحاولون ما استطاعوا الحفاظ على نفاقهم المزمن المترجم شعارات تزعم حرصاً على الديموقراطية، حيث لم يعد يصدقهم أحد في عالم لم ير ترجمة لشعارتهم هذه في المواقع التي لهم مصالح لايحميها عادة فيها إلا المستبدون المستند استبدادهم على الدعم الأمريكي… وهنا لابد من الإشارة إلى أن تشبث النظام ما استطاع تشبثاً بالسلطة، والذي أصم أذنه إلى آخر رمق عن سماع صوت الجماهير الهادر، الذي وصلت أصداءه وطافت مدوية في جنبات الكون، هو ليس لأنه، كما يقال، قد فقد رشده، وإنما لأنه كان ينفذ خطة دقيقة وضعت له برعاية رعاته الذين لا يريدون تشييع وجوهه الساقطة دونما إيجاد بديلها… من هنا كنا نسمع عن خارطة طريق أمريكية تذكرنا بتلك سيئة الصيت التي وضعوها للفلسطينيين الأوسلويين… أي هنا كان مربط الفرس، وفيه سر عناده أو اصراره على ذاك التصرف المشين بعقلية ما قبل 25 يناير، وما يفسر مناوراته البائسة ومحاورته المتغطرسة للمعارضة التي أجراها على طريقة مفاوضة الإسرائيليين للأوسلويين… كان صمود هشيم النظام قراراً أمريكياً ريثما يتم ترتيب البديل الذي لم يتم… ولعله هنا أيضاً كان سر ذلك الغموض الذي اكتنف حتى آخر لحظة موقف الجيش… وهنا لابد من الإشارة أيضاً إلى أن من حضر حوار عمر سليمان من نماذج المعارضة المصرية الرسمية قد خسر ولم يربح، تماماً مثلما كان قد جرى لمن شهد جلسات كرنفال حواره الفلسطيني الشهير، والذي لم تُفد مشاركة من شارك فيه من المقاومين سوى الأوسلويين وحدهم. … وسوف لن يغفل التاريخ الذي دونت مصر صفحاته العربية الأخيرة، أنه، وحيث سحب الشعب الشرعية من السلطة ونزعها عن النظام، كاد حوار المعارضة، التي أغلبها لا يمتلك شارعاً، أن يعيدها إليها، لولا يقظة الشعب الساحب لها منها، ووعي ممثليه الحقيقيين المرابطين في ميدان التحرير… بعض المعارضة فاوضت بعقلية من انتهز فرصة سنحت، وبعضها تسابق مع المتسابقين معه منافساً للفوز برضا النظام، والبعض الآخر ظنها فرصة نادرة قد سنحت لاقتناص اعتراف النظام به… وإلى جانب هؤلاء عانى ميدان التحرير غزوات مموهة خطرة من الانتهازيين، وتهالكاً مسفاً من مداحي النظام الذين تحولوا إلى التطبيل للثورة بعد الاحساس برجحان كفتها، رجحان بدت بوادره إثر فشل غزوة الجمال والخيول وأفواج البلطجية وتعالي أمواج الطوفان الشعبي وصمود موجاته في ميادين التحرير المصرية الواسعة.

وأخيراً، في مصر ميدان التحرير، سطر التاريخ المصري في مدونة التاريخ العربي المعاصر، أنه كما ثار الجيش المصري في 23 يوليو العام 1953 وأيده الشعب حينها في ثورته داعماً ثوريته، فإن هذا الشعب قد ثار في 25 يناير العام 2011 وإن جيشه قد انحاز إليه…

أرض الكنانة، أم العرب، تصنع الآن نصرها، وبنصرها انتصرت للعرب، ونصرها هذا، كما كنا قد قلنا في مقال سابق، هو خطوة باتجاه فلسطين… صنعت تحولاً عربياً شاملاً بدأت شرارته المبشرة في تونس التي اعادت لها سيدي أبو زيد خضرتها… وسوف تعيد اللحظة التاريخية العربية التي بدأت ارهاصاتها في تونس وتجلت منتصرة في مصر العرب الاعتبار للأمة، وسوف تعيد التوكيد على حقيقة حاولوا طمسها في بلادنا وهي أن الديموقراطية تعني الوطنية، وهذه تعني العروبة، وهي إن تحققت، لن يكون هذا في صالح الولايات المتحدة وغربها وإسرائيلها. وعليه، لابد من الانتباه إلى أن الصراع الآن على أرض مصر، وقبلها تونس، وما يتبع في دنيا العرب، وقبل هذه وتلك في فلسطين والعراق ولبنان وسائر مواقع الأمة، هو إنما كان يدور وسيظل دائراً بين هذه الأمة وهذا الأمريكي العدو الأول للعرب، وغربه، وتفصيلها الإسرائيلي… اليوم عادت مصر لأمتها وبعودتها استعاد العرب عروبتهم…

عبقرية أمة

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عبد اللطيف مهنا
في ميدان التحرير، هناك في قلب قاهرة المعز، وحيث يشهد النيل الخالد، بدأت للتو يد التاريخ تسجل في هذه اللحظة العربية المائرة بالتحولات، وتخط بمداد قانٍ من الدم الزكي الطهور، أن هناك الآن في أم دنيا العرب بداية لم تعد في علم الغيب لعصر عربي جديد يقطع جازماً مع حاضر مرفوض يتم الآن تشييعه بحزم إلى مثواه الأخير. ويعلن مبشراً ببدايةً عربيةً لم تعد رهن الحلم أو قيد التنظير لقرن مختلف سوف لن يكن بمقدوره تجاهل العرب.

سوف يسجل هذا التاريخ شاء أم أبى، وسيخط ويداه ترتعشان حيرةً وذهولاً واندهاشاً أن مصر الآن قد بدأت للتو تستعيد مصر العتيدة… مصر الدور الذي إن عاد فلن يعد حالها كما هو حالها البائد الذي كان قبل هذه الأيام الشعبية التي تترى إبهارات في ميدان التحرير… تستعيد مصرُ مصرَ، وهذه الاستعادة التي إن هي كانت فلسوف تذكرنا بها حين كانت يوماً مصر محمد علي ومصر جمال عبد الناصر… مصر المكانة والدور الذي به تستعيد مصر أمتها وتستعيد الأمة بمصر ومعها ذاتها…

سوف يشهد هذا التاريخ الآن أن للعرب ثورتهم وثوراتهم الخاصة بهم التي لها خصوصيتها فرادتها ونكهتها المختلفة عن معلوم سواها من ثورات الأمم، والتي هي من طبيعة غير مسبوقة لدى غيرها… ثورة شعبية صرف، وانتفاضة متمردة على معهود القوالب الثورية المعروفة، الفكرية، والنظرية، والصانعة المبتكرة وحدها لتجربتها… الهبة العفوية الأرقى، والثورة الشعبية الأوعى، والانتفاضة الطوفانية الأسلم، والحالة التاريخية الحضارية المفاجئة والمقتنصة المدهشة للحظة التاريخية السانحة وصانعتها في آن… ثورة شعبية ساعد الاستبداد على اندلاعها واسهم بوحشيته في صياغة انموذجها الفريد ذي السمة العربية الخالصة… الثورة التي يقود فيها الشعب نخبه وقواه الحية، والتي لا تنتظر من يقودها، ولا تبخل، لا على الشعوب المستضعفة ولا على الأنظمة الاستبدادية، بدروسها والجديرة بأن ينحني لعبرها التاريخ…

… وسوف يسطر لما يأتي من بعده من تواريخ: أنه في البدء دشنت سيدي أبو زيد للبداية العربية شرارتها الأولى الملهمة، واعطتها نكهتها التونسية المميزة وجاءت هذه الاضافة المصرية الباهرة رافعة مشعلها الذي تلوح بوارق وعوده لمشارق الأمة ومغاربها… وما بين تلك الشرارة وهذا المشعل وصداهما المدوي في أرجاء المعمورة العربية تجلت للأكوان وحدة هذه الأمة… وحدة الضمير ووحدانية الوجدان وتطابق الآلام ومشترك الأحلام وذات المصير والمآل… وحدة منتفضيها وأيضاً وبالمقابل وحدة مستبديها… وحدة تتجلى فيها الآن عبقرية أمة… يتجلى فيها هذا اللغز العربي الذي من الصعب على الغرب فهمه فلا تلوموه…

قالت تونس للمستبد ارحل فرحل تاركاً فلول نظامه من خلفه تناور وتحاور وتداور محاولة التفافاً فلا تنجح في خداع شعب لأنه أراد الحياة ولا يقبل إلا أن يستجيب القدر… والحكاية هناك مستمرة، حيث يحاول المحاولون والشعب لهم بالمرصاد وإن غد لناظرة قريب… وفي مصر اختصرت ثورة لكامل شعب ثورة لكامل أمة واختزلت مطلبها في عنوان لسفر كامل: ارحل وما بعد يأتي دور التفاصيل… ثورة لا تختصرها معارضة، وأيضاً ليس من الدقة نسبتها إلى مفجريها الشباب وحدهم، وإنما هي ثورة شعب بكامله، قلنا أنها تختصر ثورة أمة بقضها وقضيضها… وحيث الاستبداد جبان والطغيان أعمى، سمعنا في تونس من قال “فهمتكم” وهرب، ومن لم يفهم في مصر وانتظر حتى يجبر مرغماً على الفهم… وفي الحالين، سفكت الدماء واستشهد الشهداء وتجلت اسمى معاني التضحيات الشعبية التي بلا حدود، وواجهت الجماهير الغاضبة تحالفاً مقدساً نسجت خيوط العنكبوتية البغيضة بين المصالح والفساد وشهوة التسلط وعبث الأصابع الخارجية الطامعة… كان صراعاً بين الديمقراطية والبلطجة… بلطجة الفوضى الخلاقة، التي تعبر عن ارادة جهنمية غربية خفاشية يحاول أن يحجبها نفاق مكشوف، تحاول جاهدة انقاذ أدواتها المنهارة في بلادنا وكسب الوقت لصناعة من ينوب عنها، ويقوم بوظيفتها بعد أن استهلكت وسقطت… تجهد لحماية مصالحها ما أمكن ولا تأبه لمصير المستهلكين الساقطين… في تونس ومصر واجهت الجماهير هجوماً بلطجياً مضاداً، وأخدوعة “الانتقال المنظم” للحكم في محاولة للإيهام بأن النظام ليس سياسات وإنما مجرد رموز أو أفراد… هجوم مضاد يستمد زخمه فنياً من مكيدة غياب شرطة مدروس وألعوبة حياد جيش غامضة المراد، يساويان معاً خطر الفوضى الخلاقة المرادة المدبّرة للالتفاف المأمول على الثورة وإجهاضها…

هنا، لا فرق بين تونس ومصر إلا في فوارق الحجم وقدرة التأثير وسعة ما يتبع من التداعيات ومثال الإفادة اللاحقة من الدرس التونسي في التعامل مع الحدث المصري… وعليه، نفهم كل هذا القلق الأميركي البادي من مثل هذا التحول المخيف بشرارته التونسية الملهمة وشعلته المصرية المضيئة، والذي تجلى الاحساس به في إنشاء فريق أزمة أميركي، يتابع على مدار الساعة ولحظة بلحظة تطورات الطوفان المصري، ويلهث مع دقائقها خلف تطوراته المفاجئة غير المتوقعة، محاولاً جهده تخفيف الخسائر والعوائد غير المتوقعة المنتظرة وابتكار صنوف الالتفاف المموه المرغوب ما استطاع إلى ذلك سبيلاً… ونفهم أيضاً، هذا الرعب الإسرائيلي المتجلي استغاثات بلكنة ديبلوماسية، وبأشكال متعددة لم تعد مكتومة، والتي لا يحرص صاحبها على كتمها، بالغرب الراعي الدائم للجريمة الصهيونية المتصلة وللحالة العربية الرديئة الراكدة… وها هي تصريحاتهم الرسمية المستغيثة بعرابهم وسيد نعمتهم الغرب تترى وإعهلامهم خير ما يعكس حالهم… وما بين القلق الأميركي والرعب الإسرائيلي، يأتي كل هذا الارتباك الأوروبي المتوقع وهذه الدهشة العالمية المنطقية…

… المفارقة هي في أن صدى ميدان التحرير المتردد كان أكثر وقعاً وأشد إنذاراً في جنبات البيت الأبيض منه في دهاليز قصر القبة… قال أوباما، وكأنما هو المعني أولاً وأخيراً وليس فرعون مصر، لقد “سمعت صوت الشعب المصري”… أما هذا الفرعون، الذي تخلى الغرب عنه لينقذ نظامه، فهو حتى اللحظة لا يريد أن يرى أو يسمع!!!

قالت أبو زيد، ليس من شرعية خارج حاراتها الفقيرة الثائرة وقالت أم دنيا العرب التي لم تعد تحتمل المهانة، لم تعد هناك من شرعية خارج ميدان التحرير… كل ما تحقق حتى الآن هو البداية، لكنها بداية واست جراح غزة وفيها يرى الفلسطينيون خطوة باتجاه فلسطين…

…ما بين 14 يناير التونسي و25 يناير المصري، تتجلى الآن عبقرية أمة… الأمة الواحدة وانتفاضاتها الثورية الواحدة، التي هي الآن رغم اختلاف مواقع اندلاعها، وحيث هناك بعض الخصوصيات، تترجم بلسان عربي فصيح واحد وبسائر لغات الأرض حقيقة واحدة تقول: أن الحرية وإرادة المواجهة… الديمقراطية وثقافة المقاومة… وجهان لعملة شعبية واحدة… وبهما وحدهما تبدأ أولى الخطوات في مشوار نهضة هذه الأمة.

غابت النخب فقادها أبو القاسم

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عبد اللطيف مهنا
قبل عقود خلت، طرح الشاعر أبو القاسم الشابي برنامجه الوطني والقومي على شعبه وأمته.. طرحه ورحل مسرعاً عن دار الدنيا إلى دار البقاء، غادر وهو لم يزل بعد في ريعان شبابه الذي لم يطل. كان قد أوجز كافة بنود هذا البرنامج، المبادئ والمنطلقات، المهام والأهداف، ومن ثم محتوم النتائج الموعودة.. طرحها كلها في بيت شعر واحد:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر

وهذا الشعب.. في هذه الأيام التونسية الخالدة، في انتفاضته المفاجئة للجميع، الأعداءً والأصدقاءً وحتى منتفضيه، والتي هي ثورة شعبية حقيقية، يعود امتياز حق احتكار ملكيتها كاملاً لمنتفضيها وحدهم، والتي لها خصوصيتها وجغرافيتها وتداعياتها وفرادتها التي انفرد وحده بها… هذا الشعب يستعيد شاعره أبو القاسم مرة أخرى، ويستقدمه إلى دار الدنيا ليتوجه قائداً أوحداً وملهماً خالداً، بعد أن طبق برنامجه كاملاً بامتياز، بنداً بنداً وخطوة خطوة وقطرة دم تلو الأخرى.. سار خلفه من سيدي أبو زيد وحتى قضبان وزارة الداخلية في تونس العاصمة… سار خلفه وحده حيث لا من قائد لثورته الشعبية هذه حتى استجاب له القدر، تماماً كما كان قد وعده شاعره ذات يوم قبل رحيله…

إذن، ليتوقف المحللون والمفسرون والمجادلون.. وليكف المزيفون والانتهازيون وصانعو الاشاعات، ولتختف عصابات الثورة المضادة وتتوارى فلول النظام الزائل، وتذهب رموزه الباقية المغيرة الآن جلدها لا جوهوها، وليرعو الملتفون السارقون للوهج التونسي داخلاً والمتآمرون عليه المخادعون خارجاً.

كان بيت أبو القاسم البرنامج هو وحده ما سواه ما قد اختصر كافة الأسباب الكامنة وراء هذا البركان التونسي الكانس للديكتاتورية، وضمانة استمرار زخمه، وحتى انجاز آخر بند في بنوده والتي لاعودة عن تحقيقها.. لم يكن الرغيف وحده، كما يحاول البعض الاقتصار عليه مفسراً، ولا للانفكاك من قبضة قهر الاستبداد الشنيع الذي طال لعقود حالكة السواد، كما يحاول البعض محللاً والبعض معترفاً مكرهاً.. وإنما كان أولاً وأخيراً إعلان حاسم عن إرادة حياة.. عن حياة، هي الرغيف والانعتاق والكرامة والتقدم والمستقبل، ولتضف من عندك ما شئت.

وعليه، فليتوقف المحللون والمفسرون. أبو قاسم الشابي هو وحده من قاد هذه الثورة الشعبية الظافرة، لأن النخب قد غابت عنها أو غيّبت، لأن الاستبداد إما بددها في المنافي أو غيّبها في السجون، أو دجّنها وطوّعها واستخدم المُدجّن والمطواع ومؤثر السلامة منها أتراساً بائسة في آلة قمعه واستبداده الشرهة، أو أبواقاً مأجورة نابحةً، أو متكيفة تسبح بحمد شمائله الرهيبة. لم يكن هناك أحزاب فاعلة تلتقط اللحظة وتتقدم المسيرة الجارفة لأنها قد جرى لها ما جرى للنخبة. إما حُذرت أو حُذر الفاعل ذو القواعد الشعبية منها، أو حجّمت لتبقى مجرد عناوين معزولة عن شارعها ولا حول أو تأثير لها، أو هي دجّنت لتصنع منها الديكورات المطلوبة لتزيين الاستبداد وتزويقه وشرعنته. وما لم يحجم أو يدجّن منها، فعليه أن يختار، إما المنافي أو السجون وما بينهما المقابر. لذا، ولأول مرة، وهنا تأتي الفرادة التونسية، قاد الشعب نفسه بنفسه وثار مضحياً وانتصر بدون قيادة أو طليعة فوجد أبو القاسم مكانه في غرفة العمليات الثورية، إذ ناب عنه بيته الخالد. أما النخب والأحزاب والكفاءات المغيبة لأمد فلحقت لاهثة بالركب. قاد الشعب التونسي نخبه وأحزابه وكفاءاته، وقال للدنيا: كذب المنظّرون ولو صدقوا.

إنما هي كانت انتفاضة ثورية فريدة ولها خصوصيتها.. ثورة شعبية كاملة الأوصاف.. هبة حضارية فريدة لها دلالاتها التي لم ولن تطفئ نورها المنبلج الأفواه الطوفانية الضجيج لإعلام غربي وامتداداته أو أصدائه العربية، ينضح خبثاً ويجتر تشكيكاً ويوالي تشويهاً وتضليلاً. وكانت كل هذا ولها ما بعدها ولها معانيها الخطيرة بالنسبة لاعدائها، والتي سوف يلهث وراء ما عنته المحللون والمتآمرون.. أولها، أن هذه الأمة، بالعربية الفصحى والتونسية الدارجة، ليست عاقراً ولاهي استمرأت استكانةً أو قبلت خضوعاً أو ارنضت خنوعاً، وإن بدى بعض هذا منها لغير مدقق متعمق فهو إلى حين. وهي كما لم تسلم بسلام أعدائها فهي لم تسلم بتأبيد وكلائهم المستبدين المُطبقين على أنفاسها والعابثين بكرامتها.. التونسيون أعلنوا نيابة عن العرب جميعاً بأن الأمة بدأت تفيق من غيبوبة فرضوها عليها.. تبنّت، ابتداءاً من تونس، برنامج أبو القاسم الشابي ولا عودة عن تحقيق كامل بنوده… إذن، لا مناص من أن يستجيب لها القدر..

هي كانت فعلاً حضارياً مميزاً وغير مسبوق قبلها.. ما يقارب المائة شهيد ومئات الجرحى، ولم يُخدش شرطي واحد.. والنتائج كانت لدى الجميع أعداءً وأصدقاءً ومنتفضين غير متوقعة.. لكنما علينا أن لا نغفل ما لا يُغفل، وننتبه إلى المتوقع، وهو أن الغرب المنافق المعادي، الذي يهب لنجدة حوت جانح على شواطئ ألاسكا أو أستراليا، ولا يكف عن رفع سوط إنسانيته الإنتقائية، وقميص ضحايا أحداث ساحة تيان آن مين في وجه صعود التنين الصيني، والذي استفاض في هجاء الدب الروسي في أوسيتيا أو تأديبه للثعلب الجورجي، هو ذاته الذي دمر العراق وطحن أفغانستان، ويذبح الفلسطينيين على مدار قرن، ويرعى منذ أن عرفناه كافة سوءات النظام العربي الرسمي… هذا الغرب الصامت ثم المنافق، هو كان الداعم بلا حدود للعهد التونسي البائد، وهو اليوم المعادي للعظم للأنموذج التونسي المذهل، وهو لن يسلم بخسارته في تونس وماقد يتبع فيما قد يستهدي بالانموذج التونسي من مواقع أخرى مرشحة في بلاد العرب، كما لن يتخلى عن الملتفين على إرادة الحياة التونسية أو ما قد يأتي من ارادات مثيلة تلحق.. فهو إن تخلى عن أدواته كعادته، وكان منه للديكتاتور التونسي تماماً ما كان منه للطاووس الإيراني، فهو انما تخلى عنها لأنه من طبيعته أنه لا يتخلى عن مصالحه، ولا يضحي بها لحماية الساقطين من حماتها البائدين ويحاول صناعة من يخلفهم… وعليه حذار، حذار، فهم سيواجهون احتمالاتنا الثورية بمكائد ثوراتهم المضادة، فهم لا يريدون في تونس أو سواها حجراً أولاً يؤذن ببدء متواليه تتبعه في التهاوي في سلسلة أحجار الدومينو العربية الحبلى باحتمالاتها.

العرب التونسيون.. العرب.. يواصلون خيار البرهنة على إرادة الحياة، كتلة الأمة تفيق من غيبوبتها وليس من قوة قادرة بعد اليوم على أن تعيد المارد المنفلت من آساره القهرية إلى بائد القمقم الذي هشمه فقراء سيدي أبو زيد.

السودان بلا جنوب

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عبد اللطيف مهنا
حل يوم الاستفتاء على “انفصال” جنوب السودان عن شماله، الذي يطلق عليه مجازاً الاستفتاء على حق تقرير مصيره، وهو ذات اليوم المرصود لهذا الانفصال الموعود منذ ستة أعوام بالتمام والكمال، مهدت له، وعلى الأقل جعلته في حكم المتوقع، اتفاقية نيفاشا برعاية غربية، وافريقانية، وغياب عربي. انجزت هذه الاتفاقية جملة من العوامل الدافعة لتوقيعها، وكانت المُرجّح لنتيجتها التي يواجهها سودان اليوم… نعم، من حينها كان الانفصال هو النتيجة المحتومة التي لم تكن لتفاجئ أحداً إذا ما تمت بالنسبة له متابعة وقراءة كل ما أحاط بالاتفاقية من ظروف وضغوط كانت قد فرضتها في حينه، أو كانت سبباً وراء المساعي الحثيثة للوصول إليها.

كنت قد قررت التوقف عن الكتابة في هذه المسألة، ربما هروباً من تكرار، أو لأن نصال الأحزان والانكسارات والخيبات والكوارث العربية قد أدمنت التكسر على نصالها فادمناها بدورنا ووددنا لو لنا من منج من مقاربتها والتفكر بها. لاسيما وأنني كنت قد كتبت في نيفاشا آن توقيعها ما كتبت، واتبعت ذلك بسلسلة من المقالات حول بؤر التوتر السودانية الأخرى شرقاً وغرباً وشمالاً ووسطاً، والتي كنت قد عددتها في حينه بالست، وتوقفت أكثر من مرة ملياً أمام رابطها الجنوبي بالذات.

لكنني وقد تابعت في اليومين السابقين بعض من ردود الأفعال العربية على مثل هذا الاستحقاق المصيري الذي غدا من شبه المؤكد أنه سينجم عنه بتر جزء من خارطة هذا الوطن الذي تتناوش قلبه وأطرافه الأمم.. ردود الأفعال الإعلامية، ولا أقول الرسمية، التي لا نكاد نسمعها… قد عكست فيما عكست لدى الكثيرين نوعاً من التباكي المفاجئ على أندلسنا الأفريقي المفقود، عازيةً هذه الخسارة الفادحة إلى ما عده أصحابها فحسب تفريطاً سودانياً، لدرجة أن هناك من كاد أن يصور الرئيس البشير بعبدالله الصغير، وإن لم يشبه جوبا بغرناطة بعد. حيث قرأنا، مثلاً، في إحدى صحفنا عنواناً يقول: البشير يبيع جنوب السودان بلا ثمن، وآخر نقيضاً له وفي ذات الصحيفة، يقول بأن نائبه في باريس لقبض ثمن انفصال الجنوب، وجدت نفسي مدفوعاً، وإن مكرهاً، إلى العودة للكتابة في الموضوع، لكن أرى بداية أن علي أن أوضح ما يلي:

أولاً، أنا واحد من هؤلاء الناس الذين هم ضد التفريط بأي شبر من الوطن العربي الكبير، ولا أرى فرقاً بين هذا التفريط والتفريط بشبر أو حتى ملمتر واحد من فلسطين التاريخية. ومن اللذين لا تتجزأ عندهم قضايا الأمة من محيطها إلى خليجها. وكنت قد كتبت ما كتبت حول ما يعنيه انفصال جنوب السودان عن شماله. وما سيلحق بهذا الجسر العربي الحضاري الهام جداً الذي يربطنا بالقارة السوداء.

وثانياً، لست ممن يضع نفسه في موقع من يدافع عن حاكم أو نظام عربي ولن يكون هذا مني. لكنما مثل هذه اليقظة المتأخرة وهذا التفجع بعد فوات الآوان لما لحق بالسودان، وما فيه من محاولة تحميل السودان شعباً ونظاماً وحدهما المسؤولية أمر استفزني وشدني كما قلت لمعاودة الكتابة ثانيةً في هذا الشأن، لاسيما وأنني رأيت فيما تابعت نوعاً من التنصل من مسؤولية العرب، أمة وأنظمة ونخباً، عن ما فرض على السودان وأكره عليه، وخصوصاً إن فيما قرأت بعضاً مما يذكرني بما كنا ولا زلنا نلقاه نحن الفلسطينيين، ممن طاب لهم التنصل من مسؤوليتهم تجاه قضية قضايا العرب في فلسطين، من ذلك، وعلى سبيل المثال لا الحصر، بإلقاء مسؤولية الراهن الفلسطيني على معزوفة الإنقسام الفلسطيني. بمعنى، لو أنه لم ينقسم الفلسطينييون على أنفسهم لما لحق بهم ما لحق، ولكنا تمكنا من مساعدتهم، ولكنهم بانقسامهم لم يتيح لنا مثل هذه الفرصة! هذا الكلام يعني أمرين:

أحدهما، تجاهل حقيقة أن الإنقسام الفلسطيني هو أمر موضوعي ويعكس انقساماً عربياً أشمل، بمعنى أنه انقسام بين تيارين، أحدهما انهزامي ومساوم والآخر صامد ومقاوم، ليس من السهل ولا المنطقي الجمع بينها، إلا إذا التحق أحدهما بالآخر، وهما كانا ويظلان امتداداً لتيارين عربيين وجزءاً لا يتجزأ منها، عرفا اصطلاحاً بمعسكري “الاعتدال” و “الممانعة”.

وثانهما، إن أية وحدة فلسطينية لا يمكنها أن تكون إلا على أساس برنامج حد أدنى وطني مقاوم، وإن أية توحد عربي أو تضامن، أو قل في وصفه ما شئت، لن يكون إلا على أساس المصالح والحقوق العربية والذود عنها. وتحديد معسكري أعدائنا واصدقائنا في ساح المعركة لحماية هذه المصالح ولصون هذه الحقوق، الأمر الذي أين منه حالنا نحن اليوم فلسطينياً وعربياً؟!

هنا لابد من طرح بعض الأسئلة… أين كان هؤلاء المتباقيين والسودان يواجه وحده حصاراً وهجمة غربية لاترحم منذ عقود، هجمة كانت أطرافها أكثر انفصالية من الجنوبيين، وتضاف إلى مخططات صهيونية قديمة جديدة ومستمرة ومعروفة، وتأثيرات عنصرية أفريقانية تتضح بالعداوة من جوار حاقد على العرب، تغذيها ارساليات تبشيرية متعصبة تسرح وتمرح، وكان قد رسخه تاريخ استعماري بريطاني اشتهر بخبثه رحل تاركاً من خلفه للسودان بذوراً سامّة أينعت خمس وستين عاماً من الحروب الأهلية أعقبت الاستقلال؟!

أين كانت الجامعة العربية وأين هي اليوم مما واجهه السودان ويواجهه وحيداً مستفرداً به قبل وبعد نيفاشا، ثم ما هو كنه أغلب المواقف العربية الرسمية قولاً وعملاً من مشكلة الجنوب المستفحلة المزمنة واستحقاق الاستفتاء الانفصال؟

…مثلاً، أوليس من العرب من كان قد زود تمرد غرنق بصواريخ “سام 7” التي أدت إلى مجزرة الطائرات السودانية الشهيرة التي تساقطت ذات اليوم في أدغال الجنوب مع طياريها؟ ثم أوليس منهم أيضاً ذاك الذي زوده بالدبابات في يوم من الأيام؟

وألم يكن منهم من فتح له معسكرات التدريب المعروفة في حينه؟!

واليوم، والأمور قد سارت إلى ما هي قد انتهت إليه، كم من عواصمنا العربية من احتضنت وتحتضن الآن للانفصاليين الجنوبيين والدارفوريين من مكاتب وممثلين؟! وكم للعرب الآن من استثمارات أخذت تتوافد على جوبا وبدأت تتجاور جنباً إلى جنب مع الاستثمارات الإسرائيلية؟!

أين كانت النخب العربية من الجرح السوداني، وماذا كانت تعرف عن الجنوب السوداني، قبل أن تتفضل علينا هذه الأيام الفضائيات العربية فتعلن لنا عن اكتشافها المفاجئ له، وتطنب في حيادية مقيتة في تصوير ما يفرقه عنا وما يفرقنا عنه، لنكتشف عبرها، وهذه للأسف حقيقة، شعباً مختلفاً لا يجمعنا به رابط سوى العربية المكسرة، حيث يجاهر أهله على الشاشات بمعاداتنا ثقافة وحضارة، ويسعى حكامه ونخبه علناً إلى فصم قليل ما يربطه بنا؟!

لماذا يفعلون ما فعلته المعارضة السودانية، التي لطالما تواطأت مع انفصاليي الجنوب، والتي كانت أول من طرح تقرير المصير له في مؤتمر أسمرة المعروف، والتي لطالما استخدمها الجنوبيون الانفصاليون في مناوراتهم وتكتيكاتهم، وأخيراً، ومن باب المزايدات والمناكفات، تزعم اليوم الحرص على وحدة السودان وتحمل أطرافها النظام وحده مسؤولية الانفصال؟!

وللحقيقة والموضوعية والانصاف.. أوليس هذا هو الجنوب الذي سعى على مدار خمسة وستين عاماً أعقبت الاستقلال إلى الانفصال عن الشمال، حيث هناك مسلسل من تواريخ الاتفاقات وعمليات نقضها والانقلاب عليها من قبل الجنوبيين، أومتوالية افشال اتفاقات الصف الأول من قيادات التمرد التي يعقدونها مع الحكومات المركزية التي تأتي من قبل الصف الثاني منهم أو القادة المحليين دائماً… ابتدأ من مؤتمر المادة المستديرة، ثم اتفاقية جوزيف لاغو في أديس أبابا أو أنانيا الأولى، فأنانيا الثانية، ثم حركة غرنق، الذي يقال أنه تم اغتياله لتوجهاته الوحدوية!

ثم ألم تفشل وتتعثر كافة الأنظمة التي عرفها سودان ما بعد الاستقلال.. ما عرف بالديموقراطيات الثلاث ثم ما أعقبها من الانقلابات العسكرية الثلاث عليها… في حل المشكل الجنوبي؟!

ثم من حارب الانفصال منها أكثر من النظام الحالي، ومن كان منها لديه الشجاعة لمحاولة حل المشكلة التي استنزفت السودان دماءاً وإمكانيات وعطلت مسيراته التنموية منذ الاستقلال مثلما حاول؟

وراهناً، ألم ينفذ المركز بنظامه الحالي، وفق تقرير لجنة متابعة تنفيذ اتفاقية نيفاشا الدولية، 85% مما عليه تنفيذه بموجبها، في حين، لم ينفذ الجنوبيون إلا 23% مما يتوجب عليهم تنفيذه!

لماذا نتجاهل مثل هذه الحقائق، أو نهرب من مواجهتها، ونحن إزاء هذا الذي لحق ببلد عربي في مثل أهمية وخطورة السودان خصوصيةً وموقعاً ودوراً!

وأخيراً، وإذا كانت قضايا الحرية لا تتجزأ، سواء كانت عربية أو سواها، وإذا كان سودان ما بعد الاستقلال شمالاً وجنوباً قد فشل في الجمع بين جانحيه، ودفع ضريبة لذلك كل ما دفعه عبر 65 عاماً، وكانت كافة الظروف الدولية والإقليمية والعربية ومعها الذاتية كلها صبت وتصب في صالح الانفصال، وهذا الانفصال أو ما أسفرت عنه هذه العقود الدامية المستنزفة للسودان بشراً وإمكانيات، قد كشفت عن جزء أفريقاني يجاهر فيه مسلموه قبل مسيحييه وأراواحييه بعدم عروبتهم ويصرون على رفض عروبتنا، ويطالب بحق تقرير مصير ربما يعادل موضوعياً، في ظل دولة قادمة لن تكون إلا فاشلة بإجماع أغلب المراقبين، تشجع وتحض على قيامها موارد نفطية لا تكفي لبناء دولة تبدأ من عدم، ووعود غربية لم يفي أصحابها بها يوماً… تقرير مصير هو يعادل عملياً محاولة العودة للإندراج مرة ثانية تحت الهيمنة الاستعمارية في نسختها الأحدث، فلماذا يحول الشمال بينهم وبين مبتغاهم؟!

أوليس حرياً بأمة مقهورة مثل أمتنا، أن تربأ بنفسها من أن تقهر شعباً آخراً يرى في ارتباطه بها أمراً قسرياً لا يريده وقهرياً يرفضه ويتمرد عليه؟!

لعل هذا هو سر شبه اللامبالاة لدى الشارع الشمالي حيال انفصال الجنوب، الذي سبق وأن كتبت بأنه يحيرنا نحن العرب وقد لمسناه ونلمسه هذه الأيام أكثر، حيال مثل هذا الاستحقاق المصيري السوداني!

السودان، بإمكانياته وثرواته الهائلة الواعدة نفطاً وذهباً ومعادن أخرى وزراعةً وبشراً، قادر على العيش بدون جنوبه، الذي شكل ويشكل وسوف يشكل لو بقيت الوحدة عبئاً ثقيلاً عليه، لكنما هذا الجنوب ليس كذلك. هنا لا بد من الإشارة إلى تضخيم مبالغ فيه لمسألة عائدات النفط التي سوف يخسرها الشمال بفقدانه لجنوبه، والحقيقة أنها لا تزيد عن المليار دولار في حين أن الجنوب يكلف الشمال الآن أكثر بكثير، هذا ما خلى مسألة تكلفة مسؤوليته في وجوب إعادة إعماره لو بقي بلا انفصال. ولعل هذا مدعاة مراهنة بعض الشماليين على عودة هذا الجنوب إلى شماله طائعاُ في المستقبل. أما بالنسبة لنا كعرب، أوليس الأحرى بنا بدلاً من التنصل من المسؤولية وتحميلها للسودانيين محاولة الإفادة من مثل هذه التجربة المرة للمحافظة على سوداننا المتبقي؟ أما آن الأوان لكي نترجم فجيعتنا بفقدان جنوبه إلى حرص وحفاظ على شماله؟!

إن هذا هو أقل ما ينتظره السودان المستهدف من أمته في مواجهة مستهدفيه اللذين نجحوا في قضم جنوبه ويسيل لعابهم للمزيد.