أ.د. أحمد محمد وهبان

جماهيرية أم مزرعة عائلية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

موفق محادين
زرت ليبيا مرات عديدة، تارة كجزء من وفود المعارضة الاردنية المشاركة في مؤتمر الشعب العربي، وتارة كممثل للتيار اليساري الاردني مع الدكتور يعقوب زيادين في ملتقى الحوار العربي (القومي- اليساري- الاسلامي) وكان تيسير الحمصي وجواد يونس يمثلان التيار القومي فيما كان شبيلات وحمزة منصور يمثلان التيار الاسلامي وكانا ايضا مع حسين مجلي والمرحوم مشهور حديثه في الامانة العامة للمؤتمر.. وذلك اضافة لزيارات اخرى اما للمشاركة في مؤتمرات فكرية وسياسية واما للمشاركة في فك الحصار عن ليبيا.

وقد تشكلت لدي انطباعات مبكرة حول ليبيا مثل كثير من المعارضين العرب الذين رفضوا الانزلاق الى اللقاءات الخلفية والفواتير والرشوات المعروفة بل انني تمكنت من اقامة جسور صداقة مع العديد من المثقفين الليبيين المعارضين الذين لم يمدوا يدهم الى العواصم الاجنبية مما ساعدني في تشكيل هذه الانطباعات التي عززتها زيارات لمدن ومناطق مختلفة من ليبيا من مواقع النهر الصناعي الى خيمة العقيد في صحراء سرت الى باب العزيزية ونادي الصيد الى بنغازي مدينة الثقافة والفكر والادب والتمرد… الخ ومن هذه الانطباعات:

1- ان ليبيا التي قاتلت الفاشية الايطالية وزعيمها الدوتشي، موسوليني عادت عبر القذافي الى انتاج صورة او طبعة خاصة من الدوتشي الايطالي.

2- ان القذافي عندما حطم الدولة، او الجمهورية الليبية لم يؤسس على انقاضها جماهيرية شعبية كما يزعم بل مزرعة عائلية من انجاله وابناء عمومته ولم تتحول موارد ليبيا وثرواتها من صناديق الجمهورية وقبلها الملكية الى صناديق الشعب بل الى حاويات شخصية وعائلية ينفق منها العقيد وعائلته كيفما اتفق وبلا حسيب او رقيب.

واضافة لذلك استعاض العقيد وعائلته عن اجهزة الدولة التقليدية باجهزة قمع خاصة يديرها ضباط من العائلة وتحالفاتها القبلية عبر شبكة واسعة من المرتزقة باسم الفيلق الاممي خاصة الافارقة.

اما اللجان الثورية والشعبية فهي مجرد دمى غوغائية تدار من الاجهزة المذكورة.

3- وبسبب سيطرته على ثروة الشعب الليبي تمكن فريق العقيد من بناء شبكة استخباراتية عالمية على طريقة اليهودية العالمية (لا اغمز هنا من الاصول اليهودية لوالدته غزالة التي كانت عائلتها تعيش بين سرت وبنغازي) فقد كان ملاحظا على الشبكة المذكورة اعتمادها على الرشوات الشخصية وعلى النساء حيث كانت هذه الشبكة تركز على ملكات الجمال وعارضات الازياء والعديد من الاعلاميات .. الخ وكان عاديا ان تشاهد نساء من هذا الموديل مع رجال العقيد واجهزته الامنية في اروقة الفنادق خلال المؤتمرات المختلفة في طرابلس.

4- اذا كان من حق البعض ان يتذكر وقفات وطنية معروفة للعقيد فهذا ليس كافيا بحد ذاته لتبرير جرائمه الاخيرة ضد الشعب الليبي بل وجريمته الكبرى التي الغت الدولة والشعب بكامله لصالح مزرعة خاصة سوقها على العالم كجماهيرية شعبية.

وعلى هذا البعض ان يسأل نفسه كيف يدين فساد ولصوصية طغاة مصر وتونس المخلوعين ولا يدين طاغية ليبيا الذي وضع كل نفط ليبيا بتصرفه وتصرف انجاله وبلغت سرقاته اضعاف اضعاف ما سرقه الطغاة الاخرون. ولهذا البعض ان يسأل نفسه باية صفة يتحدث سيف الاسلام بين الحين والحين وكأن ليبيا مزرعة مسجلة باسمه .

النهوض القومي والتمزق الكياني

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

موفق محادين
أكدت الثورات العربية المتواصلة من تونس الى مصر الى ليبيا الى العراق على المعادلة المجربة التي حكمت الحالة السياسية العربية على مدار التاريخ.

ففي كل مرة فقد فيها العرب وحدتهم خضعوا للانقسام والتشرذم والثارات القبلية والمذهبية والجهوية وأصبحوا نهبا للقوى الخارجية وامتداداتها المحلية العميلة. ومقابل قانون التفتيت والتمزق الكياني والجهوي المذكور فإن العرب كانوا يدقون أبواب التاريخ و يذيبون كل الحساسيات و الحسابات الصغيرة عندما كانوا يستعيدون قانون وجودهم القومي، قانون وحدتهم.

هكذا وقبل الثورة المصرية سعى نظام الرئيس المخلوع الى تعميم ثقافة الهزيمة و الانعزالية المصرية والانقسام الطائفي فيما اختلف المشهد بعد الثورة، ورأينا الأقباط والمسلمين يتبادلون حراسة المصلين في ميدان التحرير، ويؤكدون أن هوية مصر الوطنية والعربية فوق الجميع.

وهو ما يتكرر في العراق اليوم في ثورته الحالية التي تجاوزت الانقسامات المذهبية والقومية ووحدت كل العراقيين من جديد ضد قوى الفساد والتجويع والاحتلال.

ورأينا أيضا كيف انخرط الأردنيون جميعا في المدن والقرى والمخيمات في احتجاجات و مسيرات متواصلة من أجل تطوير الحياة الديموقراطية و مكافحة الفساد والحيتان والمافيات المالية، والتصدي لاتفاقية وادي عربة بعد ان اعتقد البعض ان اللعب على الأوتار الاقليمية سيكون حائلا بين شعبنا وبين استعادة وحدته الوطنية ونضاله لانجاز الاستحقاقات المذكورة.

ومن المؤكد أن ليبيا الثائرة تتجه الى تعميق وحدتها أيضا وهي الوحدة التي ظلت برسم التصدع خلال حكم الطاغية. ولم تكن اليمن لتشهد كل هذه الدعوات الانفصالية في الجنوب والشمال إلا في غياب الأمل الوحدوي والخيار الديموقراطي الحقيقي. ومن المؤكد أنها ستتجاوز هذه الدعوات اذا ما تمكنت من انجاز ثورتها التي تقترب من الانتصار.

هذا هو قانون الشعوب في انتكاساتها وهزائمها، و في صحوتها ونهوضها ووحدتها.. انفجارات جهوية وحروب أهلية كلما ضاقت رقعة الجغرافيا ولقمة الخبز وامتهان الكرامة وسطوة الطغاة من جهة، وروح وحدوية تصهر كل الحساسيات الصغيرة وتحشد قوى الشعب المختلفة وتوحدها في نهوض لا بديل عنه من أجل البقاء وصناعة مستقبل حر كريم آمن لا مكان فيه للفساد و الاستبداد و الانعزاليين.

فك الارتبط مع من ؟

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

موفق محادين
منذ فترة والحديث عن فك الارتباط هو هاجس العديد من القوى والفعاليات المختلفة، فهناك أوساط معروفة تدعو لفك الارتباط الأردني مع الضفة الغربية وهناك أوساط أخرى تناهضها من مواقع مختلفة، بعضها عروبي وبعضها اسلامي وبعضها ينطلق من أجندة أميركية لتصفية القضية الفلسطينية في الأردن.

و كما يختلف الاردنيون حول ذلك يختلف الفلسطينيون أيضا، ولا تزال الأوساط التي تعتبر منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني وتأمل باقامة دولة فلسطينية على بقايا الضفة الغربية تتمسك بفك الارتباط.

مقابل كل هذه الأفكار والتصورات فإن فك الارتباط الأردني المطلوب أولا وقبل كل شيء ليس مع الضفة الغربية ولا مع الفلسطينيين بل المطلوب فك ارتباط سياسي واقتصادي وأمني مع العدو الصهيوني. فمن خلال فك هذا الارتباط تتحدد العلاقة الأردنية – الفلسطينية كما ينبغي أن تكون، ذلك أننا سنجد أنفسنا في هذه الحالة أمام وقائع ومعطيات جديدة تعزز الوحدة الوطنية وتعمقها وتضعها على مسار جديد يحشد القوى الأردنية والفلسطينية من أجل خيارات وطنية ديمقراطية تصون حقوقهما معا في إطار المصالح والامال والمستقبل والمصير الواحد.

ولدينا تجربة ماثلة للعيان هي تجربة الخمسينيات التي أعقبت ضم الضفة الغربية للأردن حيث تمكن الأردنيون والفلسطينيون خلالها من اسقاط حلف بغداد وتنظيم انتخابات وطنية ديمقراطية أفضت الى تشكيل أول وآخر حكومة وطنية في الأردن سنة .1956

على العكس من ذلك اذا ما تجاهلنا معركة فك الارتباط مع العدو الصهيوني واستبدلناها بفك الارتباط الأردني الفلسطيني نكون قد قدمنا للعدو الهدية المجانية التي يسعى لها منذ سنوات، والتي تدخلنا في أشكال مختلفة من الاحتقانات الاقليمية المتبادلة بما يؤدي في النهاية الى خسارة الشعب الفلسطيني لقضيته المحقة العادلة في العودة وتحرير أرضه كما يؤدي الى استنزاف الأردن على غير طائل ومن دون أفق أو مستقبل.

و في مقاربة السيناريوهات السابقة علينا جميعا التمعن جيدا في الثنائيات الشائعة التاليه:

1- ثنائية الجغرافيا والديمغرافيا (السكان)، فحيث تركز أوساط أردنية على البعد الجغرافي عند وضع قوانين الانتخابات والأحزاب وغيرها، تركز أوساط فلسطينية على الديمغرافيا السكانية. وهنا يمكن أن ندعو إلى تسوية معقولة بين البعدين لا تكرس مبدأ المحاصصة وفي الوقت نفسه تعزل الأصوات الاقليمية عند الطرفين.

2- ثنائية الأوهام والمخاوف الفلسطينية والأردنية، أوهام البعض بأن دورهم قد حان في إطار إعادة هيكلة الدولة ومخاوف البعض من أن دورهم السابق قد ولى. وقد سبق وكتبت في هذه الزاوية أن الأردن المطلوب في سيناريوهات ومشاريع العدو واتفاقياته ومعاهداته ليس وطنا سياسيا لأحد لا للأردنيين ولا للفلسطينيين بل مجرد مجال حيوي وجغرافيا غير سياسية لسكان لا لمواطنين، مما يبدد أية أوهام كما يحيل المخاوف الأردنية إلى العدو الصهيوني لا إلى أية كتلة فلسطينية.

الخاسرون و الرابحون من الثوارة العربية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

موفق محادين
حسب مجلة “فورين بوليسي” الأميركية فإن قائمة الرابحين من الثورات العربية المتواصلة تضم المتظاهرين ثم الجزيرة ثم الاصلاح السياسي ثم مؤسسات الجيش ثم الصين، أما قائمة الخاسرين فتضم الرؤساء المخلوعين وعائلاتهم ثم القاعدة ثم السلام الأميركي ثم جماعة الأخوان المسلمين.

القائمة لا تخلو من الصحة فيما يخص بعض الخاسرين والرابحين، فمن أبرز الخاسرين رموز الأنظمة المخلوعة و السلام الأميركي والقاعدة ومن أبرز الرابحين القوى الشعبية ووسائل الإعلام الشجاعة التي لم تقتصر على الجزيرة بل تعدتها الى الفيسبوك واخواتها وكذلك الجيش والاصلاح السياسي.

في المقابل نعتقد أن المجلة أخطأت في وضع الصين بين القوى الرابحة و في وضع الإخوان المسلمين بين القوى الخاسرة كما أغفلت قوى أخرى هامة في قائمة الرابحين و الخاسرين على السواء:

1- فيما يخص الصين لا يمكن اعتبارها قوة رابحة بالمطلق، بل انها في أفريقيا مثلا فقدت أصدقاء مهمين، فضلا عن أن محاولة دخول الأميركان على خط الثورات من الباب الديموقراطي قد يعيد خلط الأوراق الدولية من جديد على أكثر من مستوى عربي وأفريقي وآسيوي.

2- اذا كانت القاعدة قد فقدت محفزات مهمة فإن ميزان الربح و الخسارة لجماعة الإخوان يميل إلى الربح بعد أن ظلت هذه الجماعة مطوقة ومحاصرة سنوات طويلة من الأنظمة المخلوعة أو المترنحة. وإذا ما تيسرت لهذه الجماعة قيادات ليبرالية فقد تلعب دورا بارزا على الطريقة التركية.

3- ثمة قوى ومحددات أخرى أغفلتها المجلة في الجانبين و في مقدمتها الأفق العربي للدور المصري الذي من شأنه أن يعيد النقاش حول الشرق الأوسط بعد أن أحاله البعض إلى قوتين صاعدتين هما تركيا وإيران وقوة هابطة هي العدو الصهيوني.

4- ومن القوى الخاسرة بالتأكيد العدو الصهيوني الذي فقد حلفاء مهمين فضلا عن المناخات العامة للثورات العربية المتواصلة التي هي بالضرورة ثورات ضد هذا العدو. فهزيمة الفساد والقمع والاستبداد هزيمة له.

5- ولنا أن نقول كذلك أن غالبية قوى المعارضة التقليدية العربية هي جزء من المعسكر الخاسر بعد أن تجاوزتها الثورة العفوية للشعوب ودور الشباب فيها.

6- ومن الخاسرين أيضا، خطاب اليأس والهزيمة و العدمية والهويات القاتلة الكيانية المريضة الجهوية والانعزالية التي توارت بسرعة أمام الثوار الشباب رغم ما أنفق عليها من أموال وميديا على مدار العقود السابقة.

7- أما أبرز الرابحين الذين أغفلتهم المجلة فهو خطاب الأمة بدليل الوجدان القومي الواحد ودبيب الأرض المشترك الذي يمتد اليوم في الوقت نفسه من المحيط الى الخليج. وبعد أن اعتقد البعض أن العرب فقدوا نسيجهم الوجداني القومي الواحد لصالح كانتونات طائفية وجهوية، ها هي الثورة الشعبية تعيد لهم مشاعرهم ووحدتهم القومية في الميادين والساحات، و ليس عبر الايديولوجيا المجردة وصفحات الكتب.

عام الفضائح

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

موفق محادين
في ليلة رأس السنة قالت احدى المولعات في التنبؤات الفلكية، ان عام 2011 سيكون عاما بلا اسرار مثل الاشجار العارية فلا يكذب زوج على زوجته ولا تكذب زوجة على زوجها ولا يكذب رئيس على شعبه.. وهكذا.

وايا كانت حسابات السيدة المذكورة، نابعة من خبرة فلكية ام من همبكة والاعيب اعلامية، فهذا العام حقا هو عام الفضائح من تسريبات ويكليكس الى تسريبات قناة الجديد اللبنانية حول فضائح المحكمة الدولية التي شكلها الاميركيون التفجير لبنان، الى تسريبات قناة الجزيرة حول المفاوضات السرية بين مفاوضي رام الله والعدو الصهيوني.

1- في التسريبات الاولى امتلأت الاسطح العربية الرسمية بالغسيل القذر وتبين ان العرب لم يغادروا عصر المندوب السامي الاستعماري الذي يحكم البلاد والعباد، وكل ما هناك هو ان الاميركان او دولة الاستعمار الاميركي الجديد حلت محل دولة الاستعمار البريطاني- الفرنسي القديم.. وحيث كانت تصدر القوانين والتوجيهات سابقا باسم التاج البريطاني او الاليزيه الفرنسي وبصورة مباشرة وعلنية صارت تصدر من البيت الابيض بصورة سرية وغير مباشرة عبر وسطاء وكلاء لهم مقاعد في هيئة الامم.

2- في تسريبات قناة الجديد اللبنانية حول المحكمة فضائح تزكم الانوف من مشهد زهير الصديق، الشاهد الكذاب، وهو يفرض اوامره على زعماء ما كان يعرف بالاكثرية المعادية لحزب الله والمقاومة الى فضائح بالجملة عن الاموال المدفوعة لاعلاميين معروفين، الى دور شيراك والاميركان في فبركة سياسات وقرارات هدفها عزل لبنان عن سورية وتصفية حزب الله، الى اعتراف وزير الدفاع بان الصراع بين المرحوم الحريري وبين الرئيس اللبناني السابق، لحود كان صراعا ماليا فلحود يكره المال وضد الخصخصة وكان اصراره على فتح ملفات الفساد يزعج كثيرين من المقربين من المرحوم.

3- تسريبات الجزيرة حول موقف اكثرمن مفاوض ومسؤول في رام الله من قضية اللاجئين فمن اصل ستة ملايين فلسطيني مطرودين من ارضهم ويعيشون في الخارج طالب هؤلاء المفاوضون بعودة مئة الف فقط على مدار عشرة اعوام وحيث قال السيد محمود عباس ان العواصم العربية في صورة كل شيء، فاننا نسأل الحكومة الاردنية تحديدا عن رأيها بالموقفين الفلسطيني والاسرائيلي والا يكفي ذلك لمراجعة العلاقة معهما خاصة وان ملف اللاجئين يدخل في صميم الامن الاردني وذلك علما بان ياسر عبد ربه مسؤول الاعلام في رام الله سبق ووقع مع يوسي بيلين على اتفاقية جنيف التي تشطب حق العودة.

فرصة ذهبية للإصلاح قد لاتتكرر

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

رنا صباغ
يأمل د. مروان المعشر، مهندس الأجندة الوطنية التي وئدت فور ولادتها عام ،2005 بأن لا تضيّع الحكومة فرصة ذهبية لإطلاق عملية تحديث سياسي-اقتصادي-اجتماعي متكامل ومتدرج من وحي خريطة طريق الأجندة بعد أن استبق قطار مطالب التغيير الشعبي كل الأنظمة العربية منذ تسونامي تونس مطلع عام الثورات.

فرياح التغيير التي تجتاح العالم العربي من المحيط إلى الخليج توفر فرصة أخرى – أردنيا – لا يجب تفويتها لإحداث قفزات إصلاحية سريعة بشمولية عبر بوابة الأجندة العشرية ذات المحاور الثمانية، طبقا لجدول زمني ملزم للحكومات والوزراء، وبعد تحديث شقّها الاقتصادي الذي تأثر بتداعيات الأزمة المالية العالمية، على ما يرى د. المعشر في حوار مع كاتبة المقال.

يشاركه في هذا الطرح التفاؤلي بحذر ساسة، نشطاء مجتمع مدني ومسؤولون يؤمنون بحتمية انتقال آمن ومتدرج صوب مجتمع مدني ديمقراطي يتكئ إلى قيم مجتمعية حديثة، نظم مساءلة ومراقبة، سيادة القانون، تغليب مبدأ الكفاءة على أساس عقد اجتماعي جديد، فضلا عن بناء حياة حزبية فاعلة وقاعدة اقتصادية قابلة للنمو المستدام لتحل مكان الدولة الريعية الضعيفة المهددة، باعتمادها على المساعدات الخارجية.

فالأهداف “النبيلة” للأجندة المعلقة منذ ست سنوات غدت اليوم مطالب مشروعة تتماهى مع تطلعات غالبية الشعوب العربية، بعد أن قرّرت الغالبية الصامتة كسر حاجز الخوف إلى غير رجعة، في مسعى لمواكبة صرعة القرن الحادي والعشرين، بعيدا عن عصور العبيد والأسياد وما بينهما من بطانة ترتع بمكتسبات الأوطان.

ما تريده غالبية الشباب – وقود الانتفاضات المستعرة في مصر وتونس ثم اليمن فالبحرين، سلطنة عمان والسعودية مرورا بالأردن، العراق، الجزائر والمغرب- يحمل إلى حد كبير روح أجندة الأردن، لا سيما أن حراكهم المفاجئ والعفوي قبل ثلاثة شهور أظهر قواسم مشتركة بين غالبية أنظمة الحكم العربية.

فثمّة تواطؤ مرعب وتداخل بين المنظومة الأمنية والسياسة، وتغوّل السلطة التنفيذية على التشريعية والقضاء مع تقاطع الإمارة بالتجارة ما حوّل الدول كافة- سواء شحيحة الموارد الطبيعية أو الغنية بالغاز والنفط- إلى مزارع فساد تستفيد منها الأنظمة وبطانتها مع استمرار قمع الحريات الفردية، تشويه رسالة الإعلام وهدر كرامة المواطن، يترافق ذلك مع الإيحاء بأن هذه الحال، على مساوئها، أفضل من المجهول.

قادة في المنطقة صاروا جزءا من الماضي، أمثال زين الدين العابدين بن علي وحسني مبارك. آخرون ما يزالون يقمعون صوت الحرية بالسلاح والتهديد بعد أن فقدوا شرعيتهم السياسية، مثل العقيد معمر القذافي. علي عبد صالح المتحالف مع أميركا ضد الإرهاب، وربما شعبه، استخدم الفزّاعة ذاتها بأن هذه الدولة وإسرائيل تؤججان الشارع العربي ضد زعمائه، فيما وظّفت ماكنة القذافي البروباغاندية بعبع القاعدة لترويع الغرب.

لكن استباقيين مثل ملك المغرب فهموا الرسالة، إذ عرض هذا الملك الشاب يوم الخميس حزمة تعديلات دستورية ستطرح على استفتاء شعبي من بينها مواد لتعزيز صلاحيات رئيس الوزراء، ضمان استقلال القضاء وفصل السلطات وتكليف حزب الأغلبية بتشكيل الحكومة.

أما في الأردن، فيضيع الوقت في جدل عقيم حول آلية تشكيل لجنة الحوار الوطني بعد أسبوعين على اختيار رئيسها طاهر المصري، شخصية وطنية محل إجماع. يفترض أن تصوغ اللجنة حزمة قوانين الإصلاحات السياسية:الانتخاب، الأحزاب والاجتماعات العامة على أمل إجراء انتخابات تضمن بداية تداول سلمي للسلطة عبر تشكيل حكومة مدعومة من القوى التي تفوز بالأكثرية.

حتى الآن، ليس واضحا فيما إذا سيسمح للجنة بالبحث في مطالب تعديل الدستور لزرع مبدأ فصل السلطات ومنح مجلس النواب صلاحيات أوسع.

يتم كل ذلك وسط جدال متواصل حول الطريقة الفضلى لتشكيل اللجنة (بين مؤيد ل¯ 30 عضوا وآخر يفضل 80)، أهدافها، آليات العمل، وفترة التنفيذ (بين شهرين وسبعة شهور) على حساب الجوهر; وهو الإصلاح السياسي. فثمّة خشية من إهدار الوقت قبل إحداث إصلاحات فصّلتها الأجندة الوطنية ويحتاجها الأردن في الداخل والخارج. ويبدو أن الهدف تقزّم وكأن الغاية حوار وطني، يقّرر ما هو الإصلاح المقبول.

مجلس النواب، الذي يستشعر قرارا بحلّه على منوال سابقه، قرّر الدخول على خط المنافسة عبر سعيه لتشكيل لجنة حوار وطني موازية. في الأثناء ترتفع أصوات مسؤولين ومتنفذّين بأن الشعب يريد وظائف وطعام قبل الديمقراطية. ويزداد نفوذ قوى الشد العكسي المتجذرة في بيروقراطية الدولة لتحذر من الانفتاح السياسي الحقيقي، قبل تسوية القضية الفلسطينية وحسم شماعة ثنائية الهوية باعتبارها تهدد أمن البلاد واستقرار النظام.

قبلها وقعت صدمة إعادة تدوير وجوه قديمة مجربّة لم تترك وراءها بصمات تذكر لتعود إلى مناصب عليا في الحكومة والقصر ما يفتح باب التساؤلات حول مدى إدراك مفاصل صنع القرار لعمق الاحتقان الذي تعيشه الدولة وأهمية استباق الشارع، الذي ارتفعت دعواته إلى سقوف “إصلاح النظام” و”الملكية الدستورية” واستعادة نصوص دستور ،1952 بعد أن تدرّج سلّم مطالبها قبل ثلاثة شهور من إقالة الحكومة، تعديل قانون الانتخاب ومكافحة الفساد.

فثمة عودة إلى أسلوب الفزعة والعمل بالقطعة، رفع سقف الوعود، وتأليب مكون مجتمعي على الآخر ضمن سياسة فرق تسد وحشد مظاهر الولاء والتأييد، وكأن من يرفع مطالبات سياسية مشروعة يكّن العداء للنظام، الذي لا خلاف على شرعيته.

عودة إلى د. المعشر، الذي يصر في حوار مع كاتبة المقال، على التذكير بجملة حقائق غائبة أو مغيبة تلازم مقاربة التعاطي مع الأجندة الوطنية، من حيث أهدافها والشخوص التي تقف وراءها.

منطلقات الأجندة الوطنية استهدفت بناء دولة حديثة، تطوير قيم مجتمعية ومحطات مساءلة ومراقبة، سيادة القانون، تغليب مبدأ الكفاءة على أساس عقد اجتماعي جديد، تطوير حياة حزبية فاعلة وتغيير تدريجي لقانون الانتخاب إلى صوتين لكل ناخب: للمرشح المفضّل – مناطقي، عشائري، حزبي ومستقل يحتلون 90% من مقاعد المجلس، مقابل 10% تذهب للوائح حزبية على مستوى الوطن. وكان من المفترض زيادة نسبة “لائحة وطن” تدريجيا مع كل دورة انتخابية بحيث يتعود المواطن على الاقتراع بناء على برامج اقتصادية، اجتماعية، سياسية تحملها التحالفات لمصلحة الحاكم والمحكوم.

كان يفترض بالأجندة، لو فعّلت، أن ترفع مستوى الخدمات; مثلا، تأمين صحي شامل بحلول عام 2011 وموازنة خالية من العجز عام 2016 (بل من 11.8% قبل المنح والمساعدات إلى فائض بنسبة 1.8%)، علما أن العجز تفاقم إلى ملياري دولار على مدى السنوات الخمس الماضية. كان يفترض تحقيق معدل نمو سنوي 7.2%، خفض الدين العام من 91% إلى 36% من الناتج المحلي الإجمالي، زيادة المدخرات الوطنية من 13% إلى 27% من الناتج المحلي الإجمالي، فضلا عن خفض نسبة البطالة من 12.5% إلى 6.8% من السكان الناشطين اقتصاديا، عبر استحداث 600.000 فرصة عمل جديدة، وصولا إلى مضاعفة نصيب الفرد من الناتج المحلي.

في عين المعشر الأجندة تعني:

– استراتيجية عابرة للحكومات لم تضعها حكومة بعينها، ما يعطيها مصداقية أكبر.

– توافق وطني على مهندسيها ومضامينها. فشخصياتها ليست نكرة كما حاولت تصويرها جهات متنفذّة في عالم السياسة والإعلام. أعضاء اللجنة الملكية ال¯ 27 الذين اشرفوا على صياغة الأجندة شخصيات وطنية تمثّل مكونات المجتمع، بمن فيهم القيادي الإسلامي عبد اللطيف عربيات، الإصلاحي الديمقراطي طاهر المصري والقومي المستنير القاضي طاهر حكمت. “فإذا لا يتمتع هؤلاء بالمصداقية فماذا بقي للمصداقية”? يتساءل المعشر بمرارة.

– جهد 450 خبيرا أردنيا وشخصيات سياسية وحزبية ونيابية برئاسة د. المعشر صاغوا محاورها الثمانية، كلا حسب تخصصه وبطريقة تعكس مطالب شرائح مجتمعية، نقابية وسياسية واسعة.

– رسم أهداف سنوية قابلة للتعديل تسير بالتلازم ويربط تنفيذها بتوفير بنود إنفاق محددة بالموازنة السنوية.

ويستذكر المعشر أن خطابات تكليف الحكومات خلال السنوات العشر الماضية أكدت على الإصلاح السياسي، إلى جانب تعزيز النهج الاقتصادي صوب اقتصاد السوق وتحسين الظروف المعيشية والخدمات التعليمية والصحية وغيرها. “لكن، استجابة الحكومات لمطالب الإصلاح السياسي كانت إما عبر تجاهله أو بطرق لا ترتقي إلى ما طلب منها في تلك الكتب”، حسبما يشخص نائب رئيس الوزراء ووزير البلاط الأسبق، الذي انتقل إلى البنك الدولي قبل أن يدير معهد كارنيجي (قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا).

بعد ذلك، يتساءل مراقبون عن مغزى استمرار الحاكم والمحكوم في دفع ثمن الإخفاقات الإصلاحية? لماذا لا ينفض الغبار عن الأجندة التي تجترح حلولا معقولة لكل مسارات الإصلاح; وتحديدا قانون الانتخاب? كذلك يتساءلون لماذا لا يفعّل الميثاق الوطني، الذي كان عام 1990 موضع إجماع القوى الإسلامية، اليسارية- القومية والمستقلة? ولماذا لا يصدر تكليف ملكي يضمن توجيه المصري وسائر أعضاء لجنة الحوار الوطني إلى وضع خطة عمل في أقل من شهرين، بالاستناد إلى الأجندة والميثاق، وبما يعيد بناء توافق حول الإصلاحات الاقتصادية? ولماذا لا تسمعنا قيادتنا/ التي نكن لها كل مشاعر الحب والولاء والاحترام، أطروحات أكثر وضوحا حول ما هو المطلوب لتوحيد الأنظار صوب بوصلة أكثر دقّة?

فهل من يختلف مع د. المعشر من أنه لو بدأ الأردن في تطبيق الأجندة قبل خمس سنوات “لكانت أمورنا أفضل مما نحن عليه اليوم، ولاستطاع الأردن أن يشكّل أنموذجا رائدا لنشر التحديث على مستوى الوطن العربي”?

ويبقى التساؤل: “لماذا لا يصار إلى رسم إصلاحات سياسية واقتصادية متفق عليها وطنيا تتحرك في مسارات متلازمة بدل معالجة الاحتقانات بقرارات عشوائية قد تكسب السلطة شعبية قصيرة المدى قبل العودة إلى مربع أزمة إدارة الدولة في غياب إطار وطني متكامل للإصلاح، أهدافه ووسائل تحقيقه.

ماذابعد : الشعب يريد إصلاح النظام …؟

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

رنا صباغ
سقف الشعارات المرفوعة في الشارع يرتفع باضطراد منذ تحركت المسيرات الاحتجاجية نهاية العام الماضي. في الوقت ذاته تتكاثر بأثر رجعي احتفالات بعيد ميلاد الملك على شكل مسيرات ولاء للعرش والوطن، إعلانات تأييد تملأ اليوميات، يافطات تزين الشوارع وحملات منظمة على الفيسبوك والتويتر.

آخر شعارات المعارضة تصر على أن “الشعب يريد إصلاح النظام”. وفي ذلك سابقة. معطوفا على ذلك مطالب شخصيات بامتدادات شعبية ونخبوية مسّت الخطوط الحمر تنادي بالعودة إلى دستور 1952 أو تشجع إصلاحات دستورية عميقة ترسخ “ملكية دستورية”، على غرار الأنظمة القائمة في بريطانيا واسبانيا، حيث يملك الملك ولا يحكم.

مقابل ذلك، هتفت مسيرة وسط البلد “الشعب يريد إسقاط الأحزاب”، “لا يمين ولا يسار، أبو حسين عمود الدار”.

وكأن الدفع باتجاه فرز عمودي بين الشعب والنخب، مع نقاط الالتقاء كثيرة.

فما يحرك الطرفين المتضادين في الشارع رغبة حقيقية في الحفاظ على “الصيغة الملكية” لنظام الحكم الهاشمي، الذي يحظى بشرعية سياسية ودينية ويشكّل صمام الأمان في مجتمع بكتلتين رئيسيتين: شرق أردنيين وفلسطينيي الجذور.

دون ذلك، درجة الاختلاف شاسعة في بلد يحاول تحديد شكله الجديد وهويته السياسية.

وهناك خشية من تفاقم احتقان الأجواء الشعبية على أيدي أطراف تمثل أجندات متعاكسة على نحو قد يدفع صوب فلتان الأوضاع ونتائج غير محسوبة قد تأخذ منحى إقليميا.

انقسامات مشابهة تظهر داخل الحكومة، التي تشكّلت قبل شهر في غمرة الأزمة السياسية.

وزراء ينشطون لتسريع تنفيذ الأوامر الملكية حول إصلاحات سياسية حقيقية تفضي إلى تداول سلمي للسلطة عبر بوابة المجلس النيابي. آخرون يحاولون فرملة الحراك بسبب الشعور بحال عام من الارتياح من أن المملكة عبرت عنق الزجاجة السياسي بعد إقالة حكومة سمير الرفاعي، وسلسلة اللقاءات التشاورية بين الملك وشخصيات تمثل طيفا واسعا من القطاعات. توج ذلك الحراك المكثف بخطاب للملك أمام رئيس وأعضاء مجلس الوزراء ورئيسي وأعضاء مجلسي الأعيان والنواب. معطوفا على ذلك خطوات ووعود حكومية لتعزيز مسار الحريات السياسية والإعلامية، محاربة الفساد والمفسدين، حماية الفقراء واستبدال نهج اقتصاد السوق المفتوح منذ عقدين بمفاهيم اقتصاد السوق الاجتماعي مع تعزيز آليات منع الاحتكار وحماية القطاع الخاص.

ما يحرك الفريق الوزاري نحو أولوية السياسة على الاقتصاد وبالعكس رغبة في ضمان الأمن والاستقرار في مملكة تعيش أزمة إدارة بتفاصيلها السياسية، الاجتماعية والاقتصادية في زمن الثورات الشعبية ضد الأنظمة العربية في تونس، مصر وليبيا.

رئيس الوزراء د. معروف البخيت، الذي نال ثقة بشق الأنفس يوم الخميس، يصر على إصلاح سياسي تدريجي يؤدي إلى زيادة التمثيل الحزبي البرامجي في “النيابي” وصولا إلى تشكيل الحكومات وفق برامج الأغلبية السياسية. وهو يعد بمراجعة “عقلانية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية وبرامجها وآلياتها، للتصدي للأخطار”.

المعارضة السياسية بقيادة الإسلاميين، متوجسة وفاقدة للثقة بإمكانية إحداث إصلاحات حقيقية توسع من فضاء الحريات السياسية والإعلامية وقاعدة المشاركة الشعبية في عملية صنع القرار. ذهنية الإخوان تفترض سوء النوايا وفي البال ربما عديد السنوات التي أضاعتها الحكومات وهي تلعب المراوحة والدوران داخل حلقات مفرغة هدفها ترحيل الأزمات.

داخل “النيابي” مواقف متناقضة بطريقة صارخة حيال الإصلاحات تجلّت خلال ماراثون خطابات الثقة النيابية للحكومة. فثمة أعضاء يرفعون سقف مطالبات الإصلاحات السياسية، بما فيها ضرورة تعديل مواد دستورية تتصل بمنح المجلس دورا رقابيا وتشريعيا أكبر. وآخرون يسعون لاستبدال الإصلاح السياسي بأولويات وضع الطعام على موائد ذوي الدخل المحدود، وهم في ازدياد، وتوفير فرص عمل في قطاع عام يفتقر إلى كفاءة إنتاجية.

باستثناء كتل ذات التوجهات السياسية، غالبية النواب محافظون-تقليديون، تحركهم أجندات شخصية في مجلس انتخب على أساس الصوت الواحد مع بدعة الدوائر الوهمية التي عزّزت أجواء العصبيات الجاهلية والولاءات الضيقة. في أحاديثهم، يعكس النواب رغبة عارمة في “تبييض وجوههم” أمام الملك والرأي العام بعد “ثقة 111-غيت” قبل رحيل حكومة الرفاعي ب¯ 39 يوما. وفي خلفية المشهد النيابي قلق من أن مجلسهم سيكون أول من يدفع ثمن الإصلاح السياسي وإقرار قانون انتخاب يفضي إلى حل النيابي تمهيدا لإجراء انتخابات تشريعية مبكرة، ربما في الربع الأخير من العام الحالي.

مراقبون مستقلون يرصدون أيضا فتورا في الحماس الرسمي تجاه تسريع الإصلاحات السياسية، أقلّه عبر اصرار د. البخيت على التدرج في عملية التحديث وأحاديث داخل الغرف المغلقة تتوقع انجاز منظومة الإصلاحات السياسية: قوانين الانتخاب، الأحزاب، الاجتماعات، اللامركزية والبلديات، أواخر العام بعد أن كانت تتحدث قبل أسابيع عن فترة زمنية بين ثلاثة وستة شهور.

كذلك يرصدون استمرار الازدواجية في الخطاب الرسمي بين الاستهلاك الداخلي ومخاطبة الخارج، وإصرار أصحاب قرار على تحميل مفاصل أخرى مسؤولية بطء الإصلاحات. يضاف إلى ذلك استمرار جهود “تثبيط العزيمة” من قوى تقليدية تسيطر على بيروقراطية الدولة، بأجهزتها كافة عبر فزاعة استحالة إصلاحات سياسية عميقة تمس هوية الأردن وشكله قبل حل القضية الفلسطينية وضمان حق العودة والتعويض لنصف السكان.

عنوان هذا التخبط داخل مكونات الدولة يكمن في غياب التوافق على حجم وتفاصيل الخطوات الإصلاحية المطلوبة في القرن الحادي والعشرين، والقادرة على استباق مطالب الإصلاح في هذه المرحلة الحرجة داخليا، إقليميا ودوليا، ما ستترتب عليه تكاليف سياسية باهظة وربما تسويات مستقبلية غير مرغوبة.

فما هو أساسي عند طرف قد يكون ترفا عند الآخر.

لكن ثمّة حزمة حقائق لن يستطيع رجال الدولة إنكارها إلا إذا أصروا على العيش ضمن عقلية القلعة، لعبة الاستدارات وازدواجية الخطاب.

كل يوم يمر من دون إصلاحات في العمق سيأتي على حساب هيبة الدولة، كما يعمق الشرخ في مجتمع ذات غالبية شبابية تتواصل في فضاء الانترنت خارج أطر الأيديولوجيات العتيقة، مع ظهور دول جديدة في الجوار تستطيع أن تقدم نماذج سياسية واقتصادية أفضل للغرب على حساب الأردن، الطفل المدلل لعقود.

يزداد منسوب الضغوط الأميركية والأوروبية على حلفائهم، بمن فيهم الأردن، لإحداث إصلاحات عاجلة لتجنب تغيير أنظمة تضمن مصالحهم. الإصلاحات ستكافأ بمزيد من المنح والعكس صحيح. وقد نرى تغييرا في نمط المنح الغربية، بعيدا عن الأردن نحو تونس ومصر لدعم التحولات الديمقراطية.

الشعوب العربية ستواصل انتفاضاتها ضد حكم الفرد، الفساد وتداخل السلطة بالتجارة، قمع الرأي الآخر، قهر المواطن وإهانة كرامة الفرد. فالمعادلات السياسية التي كانت مقبولة بالأمس لم تعد قابلة للاستمرار.

انتقال شرارات الانتفاضات فتحت شهوة الشعوب العربية على نقل الصورة بالصيغة التي تناسبهم لأنهم أيضا يستحقون واقعا أفضل.

اقتصاديا، زيادة رواتب القطاع العام والمتقاعدين على حساب زيادة عجز الموازنة قد تمس استقرار الدينار بعد شهور. هذه الحزم قد تؤجل الانفجار الشعبي لشهور مقابل شعبوية آنية. لكن كيف ستواجه الحكومة أمام توالي ارتفاع أسعار المواد الغذائية والنفط بينما قطاعات اقتصادية واسعة تشكو من كساد غير مسبوق مع تصاعد معدل التضخم.

النظام السياسي لا يستطيع مواصلة الانحياز لمطالب فئة دون أخرى. لعبة فرق تسد انكشفت. كذب ونفاق الإعلام الرسمي لم يعد ممكنا بعد أن كسرت الانترنت احتكار التحكم بعقول الشعب. في عالم السياسة، ليس ثمّة شهادات تأمين مدى الحياة لضمان البقاء على الكرسي. مفتاح البقاء يأتي من خلال تحويل التحديات إلى فرص. واستمرار الاعتماد على التحالفات الخارجية والمساعدات الاقتصادية تكتيك مرحلي.

الحكومة تستطيع اليوم إحداث إصلاحات سياسية واقتصادية متزامنة، بعد سنوات من المفاضلة. بالتأكيد الإصلاح السياسي أسهل ذلك أنه يتطلب تغيير منظومة القوانين الضامنة للحريات، بالارتكاز إلى تراكمية الجهود السابقة بما فيها توصيات علاها الغبار للجنة الميثاق الوطني (1990) والأجندة الوطنية (2005). لكن تحسين الوضع الاقتصادي ليس بالسهولة ذاتها. فهي عملية تراكمية، تحتاج لخلق ميزة تنافسية، تدفق رؤوس أموال، طمأنة القطاع الخاص وتحريك قطاعات السياحة، النقل، البنوك وسائر الخدمات.

من هنا يعوّل مريدو الإصلاح السياسي على قرار تعيين طاهر المصري رئيسا للجنة حوار وطني، بعد أن توافقت مفاصل صناعة القرار على أنه الرجل الأفضل والأكثر قبولا لهذه المهمة.

لكن طريقة التعيين حملت نوعا من التسرع ?? فليس من صلاحيات رئيس السلطة التنفيذية تكليّف التشريعية بهكذا مهمة. كان من الأولى أن يأتي القرار من الملك، مدعوما برسالة تفصّل أهداف اللجنة وآلية عملها ومدته، بالطبع بعد الاتفاق بين القصر، الحكومة والسلطة التشريعة على عدد أعضاء اللجنة، وآلية اختيارهم.

المأمول الآن أن يمنح الملك اللجنة الحرية الكاملة باقتراح الإصلاحات السياسية بما فيها قانون الأحزاب والانتخاب مع إمكانية إجراء تعديلات دستورية، خصوصا المتصلة بتحصين “التشريعية”. ويفضل أن لا يزيد أعضاء اللجنة عن ،30 وليس 80 بحسب التصور الحكومي، وأن تحدّد مهلة الانجاز بسقف زمني لا يتعدى ثلاثة أشهر، وان يمنع تدخل قوى الشد العكسي المتنفذّة في توجيه نقاشات اللجنة.

السرعة مطلوبة. ولا بد من الحكمة في قراءة المشهد الآخذ بالتشكل داخليا وفي الإقليم، وإلا سبقتنا الأحداث، إن واصلنا تدوير الوجوه ذاتها على رأس المفاصل الحسّاسة، بدعوى أنهم مجربون. فالحكومة تغيّرت، والجميع يرصد التغيرات الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية، لضمان بقاء الأردن قويا ومحصنا.

هل يصلح النواب نظامهم الداخلي..؟

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

رنا صباغ
بات من الضروري إصلاح النظام الداخلي لمجلس النواب حتى يفعّل دور سلطة النواب في مساءلة الحكومة وسن التشريعات، بخاصة بعد أن أمر الملك عبد الله الثاني حكومته الجديدة بتنفيذ إصلاحات سياسية “حقيقية” بما يضمن أمن واستقرار البلاد والعباد.

تأطير علاقة مجلس النواب مع الحكومة، وقف التفاهمات المصلحية والمكاسب الشخصية وتبادل المنافع على حساب المصلحة العامة غير ممكن إلا في إطار مشروع لإصلاح المجلس المنتخب بعد أن تراجعت صورته لدى الشارع والنخب إلى أسفل درك.

كتلة التجمع الديمقراطي البرلمانية تقود محاولة إصلاح نظام المجلس الداخلي بما فيه تنظيم الحقوق النيابية في السؤال، استجواب الوزراء، حجب الثقة وحسن إدارة الوقت، وذلك بعد 16 عاما على آخر تعديل في النظام الداخلي. تأمل هذه الكتلة اليسارية في تحقيق هدفها مع نهاية الدورة العادية الحالية في الربيع، مستفيدة من الحراك المجتمعي والسياسي المساند لتحديث الدستور، الذي سن عام .1952

فإما أن يظل المجلس مطواعا على هامش العملية السياسية ومطية بيد الحكومة أو يركب أسنانا حادّة تزيد من فعاليته وتفعل دوره ضمن آليات عمل الدولة وهوامش المسموح والممنوع في علاقة مجلس النواب بالحكومة من جهة، ومع رئاسة المجلس من جهة أخرى.

التعديلات المنشودة يفترض أن تحدّث دور السلطة التشريعية وتعيد الفعّالية إلى مجلس مقيد بنظام داخلي بال، يعطي لرئيسه سلطات واسعة لكبح حراك النواب ويفتح الباب أمام التواطؤ مع الحكومات لتمرير سياساتها، بينما يبقي سيف حل المجلس مسلطا على رقابهم إن حاول أي منهم التمرد.

التعديلات التي أدخلت على النظام الداخلي عام 1996 كانت شكلية تتصل بإضافة لجان وتحديد بروتوكول افتتاح دورة المجلس. لذلك يعود جوهر الآلية المتبعة إلى عام ،1955 وهي فردية لا تتعاطى مع المجلس كمؤسسة تمثيلية فيها تيارات مختلفة. ولا بد من أن يطوّر الإصلاح المنشود أسس وقواعد إدارة المجلس ومأسسة آلية صنع القرار مع الاعتراف بالكتل النيابية كهيئات تمثيل عن الناخبين، حتى يكون لهم حضور في بيت الشعب. تتماشى هذه الأفكار مع خطط تعديل قانون الانتخاب إلى آلية اقتراع نسبي; صوت لمرشح الدائرة وثان لمرشح ضمن قائمة على مستوى المحافظة أو الوطن.

النائب المخضرم بسام حدادين (منذ 1989) يقول إن لديه مشروع نظام داخلي متطور توصل إليه بعد أن درس الأنظمة الداخلية لغالبية الدول العربية وإيطاليا وجال في 22 برلمانا حول العالم.

خلال عهد الملك عبد الله الثاني، الذي بدأ مطلع ،1999 حلّ المجلس النيابي مرتين دون إبداء أسباب واضحة، مع أن قرار الحل حق للملك. اليوم، بات تحديث الدستور وتفعيل نظام الحكم – نيابي ملكي وراثي – مطلبا لحراك الشارع، الأحزاب السياسية، الكتل النيابية ومنظمات مجتمع مدني.

بعض التعديلات المطلوبة على النظام الداخلي، بخاصة المتعلقة بالشق الإداري، شؤون لجانه بيد المجلس. لكن هناك بنودا أخرى تحتاج إلى تعديل مواد دستورية; بما فيها ضرورة تبرير قرار حلّ المجلس وربطه بالدعوة لانتخابات نيابية بتاريخ محدد، تحديد مدّة خدمة رئيسه بعام، حق الفصل في صحة نيابة أعضائه، تحديد جدول أعمال الدورات الاستثنائية، محاكمة الوزراء وتشكيل المحكمة الدستورية.

يتفق حدّادين والنائب الجديد الزميل جميل النمري – من كتلة التجمع الديمقراطي – بأن النظام الداخلي الحالي “متخلف” يحافظ على تقاليد برلمانية انقرضت، ويضر بدور المجلس وهيبته، كما يساعد على تداخل عمل السلطات بطريقة تضر بمصالح الدولة وحقوق المواطنين.

يقول النمري في حوار مع كاتبة المقال: “وضع نظام داخلي جديد قد ينتج إمكانيات هائلة لعمل المجلس ودوره من حيث استثمار أفضل للوقت وكفاءة الأداء، وبالتالي يمتلك سلطة أقوى في التشريع، المراقبة والمساءلة”.

حدادين بدأ المطالبة بتلك التعديلات علنا خلال المجلس الخامس عشر، الذي حلّ أواخر 2009 عقب انهيار المظلة الأمنية، التي كانت تتحكم بمفاتيحه من خلال كتلة رئيسة بقيادة عبد الهادي المجالي، رئيس المجلس السابق لعدة دورات، بالتحالف مع كتلة أخرى.

قبل شهور، كرّر التاريخ نفسه عندما تفاهمت ثلاث كتل تشكّلت على عجل دون أي محتوى سياسي أو تناغم على تقاسم المناصب في المكتب الدائم واللجان بسبب امتلاكها أغلبية تصل إلى 60% من المجلس، تاركة وراءها خبرات نيابية لا يجوز إقصاؤها.

مبادرة النائب حدادين أحبطت في المرة الأولى بسبب موقف المجالي وقرار الحل المفاجئ. اليوم يراهن هو وكتلته على موقف رئيس المجلس الجديد فيصل الفايز، الذي يدعم مشروع إصلاح النظام الداخلي، بل يدعو له.

النظام الداخلي الحالي يفضي إلى:

– هدر الوقت والجهدٍ بالكامل بسبب قصر فترة الدورة العادية التي لا تزيد على أربعة أشهر في السنة، ما يحرم المجلس من التركيز على الرقابة والتشريع. المطلوب ديمومة نشاط المجلس على مدار السنة مع تحديد أوقات إجازاته السنوية، وتمديد مدة الرئاسة من سنة إلى أربع.

– سلطات رئيس المجلس استثنائية بحيث أنه في حال قرر ترتيب أموره مع الحكومة باستطاعته شل مجلس النواب. فهو الذي يحدّد جدول أعمال كل جلسة، ويمكنه تأخير فتح باب النقاش حول أي قضية طارئة لا تحتمل التأجيل بدلا من أن تكون سلطة القرار جماعية بيد هيئة الأمانة.

– “بند ما يستجد من أعمال” يدرج بقرار من الرئيس ويتيح لعشرة نواب أن يتحدثوا في إطاره بما يحلو لهم لمدة ثلاث دقائق دون الأخذ بالاعتبار أن ما يتحدثون به أمر طارئ ومستجد يستوجب البحث. وليس هناك ما يلزم الحكومة بالرد أو التعليق على ما يثار من مواضيع إلا من الناحية الأدبية.

– لا توجد نصوص تتعامل مع آلية مناقشة القوانين. إذ يقفز النقاش عن كل الجهود التي تبذل في اجتماعات اللجان، ويفتح على مصراعيه تحت القبّة – على نحو ارتجالي- وكأن اللجان لم تناقش أي شيء. البديل هو فتح النقاش في الجلسة العامة (تحت القبّة) حول الاقتراحات التي تمحصّها اللجان. ويستطيع الرئيس التحكم بالنقاشات التي تجرى تحت القبة.

– النظام الحالي يكرس تفرد النائب بديلا عن العمل الجمعي، في إطار نيابي (كتلة أو حزب)، يحمل ممثلوه في اللجان موقف الإطار واقتراحات بالتعديل إن وجدت. فتتم دراسة الأفكار بتعمق في اللجان ويبقى حق المجلس محفوظا برد أو قبول المقترحات على اختلافها. لغاية اليوم الكتل السياسية هلامية لا دور لها.

– يفترض أن المجال الوحيد لمساءلة الحكومة من خلال بند ما يستجد من أعمال أو من خلال توجيه أسئلة مباشرة. لكن لا يترتب على إحجام الحكومة عن الرد على أي من تلك الأسئلة أي محاسبة، فيما الوزراء لا يردون بطريقة فاعلة لعدم وجود آليات داخلية لتطبيق نصوص الدستور المتعلقة بطرح الثقة في الوزراء.

– لا توجد آليات لوضع النائب بصورة النقاشات التي تدور داخل اللجان حتى يكون فكرة عن الموضوع قبل عرضه على مجلس النواب لمناقشته بهدف إقراره أو إدخال تعديلات عليه.

– نظام التصويت الالكتروني ما زال غير مفعل في غالبية الأحيان، ما يعني أن الرئيس يستطيع التحكم بعملية تنظيم دور النواب ويعطي أولية الكلام طبقا لأهوائه.

– مشاريع القرارات، الأسئلة النيابية وأجوبة الحكومة، الأجندات تطبع على ورق وترسل باليد لكل نائب ما يعني هدرا هائلا في الورق وتكاليف المواصلات.

– لا ينص النظام الداخلي على آليات رقابة واضحة للمجلس على جهازه المالي والإداري. فلا أحد يعرف شيئا عن موازنة المجلس، وطريقة إنفاق بنودها.

بعد هذا السرد، ثمة أمل في أن يشكّل رئيس مجلس النواب، المتحمس لفكرة تعديل النظام الداخلي، فريق عمل من ممثلي الكتل، والشخصيات المستقلة، ليقترح الإصلاحات بالتوافق، ثم ترسل إلى اللجنة القانونية ومنها إلى المجلس ليتم التصويت على النظام الجديد، بدلا من ترك أمر الإصلاحات للجنة القانونية ورئيسها، بحسب ما ينص عليه النظام الداخلي الحالي.

فالمصيبة قادمة إن لم يعد النواب إنتاج أدوات جديدة وأساليب تكسب مجلسهم الاحترام المفقود وتخفّف من هيمنة الجهاز الإداري وسطوة الحكومات على آليات عمل الدولة ومفاصلها.

عن المصلحة والانتخابات

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عريب الرنتاوي
ما من طرف فلسطيني في السلطة والمعارضة وما بينهما، إلا ويدعو لاستئناف الحوار واستعادة الوحدة وإنجاز المصالحة…الجميع يريد ذلك…الجميع يعتقد أن المصلحة الوطنية العليا تقتضي وضع حدْ للانقسام…حتى أن البعض أخذ يبوح بأن المصالحة صارت ضرورية لإنجاز “مشروعه الخاص”…الرئيس عباس ومعه الدكتور سلام فيّاض يقولان أن لا دولة من دون غزة، ولا غزة من دون حماس، أي من دون مصالحة…وحماس أيقنت بعد سنوات من الحصار، بأن لا حل لمشكلة القطاع ومشكلتها معه وفيه، خارج إطار المعالجة الفلسطينية الأبعد والأشمل…أما الفصائل فقد سئمت الاستقطاب المُحرج، وهي بدورها ترى أن المصالحة أصبحت تشكل طوق نجاة لها من “تحكّم” ذوي القربى، بافتراض أن المظلة الوطنية الأوسع والأرحب، توفر مخارج لائقة لمختلف القوى.

بالمعنى السياسي، لا أظن أن المصالحة بلغت طريقاً غير نافذ…هناك فرص للتلاقي على مساحة مشتركة بين جميع المواقف الفعلية – لا اللفظية – للفصائل، ودائما هناك مسافة بين المواقف الفعلية واللفظية…فالسلطة من جهة يرتطم مشروعها السياسي بالتعنت الإسرائيلي غير المسبوق، ورفض حكومة نتنياهو جميع المرجعيات الحاكمة لعملية السلام…السلطة مطالبة بالإجابة على سؤال: كيف يمكن أن ندفع إسرائيل للتراجع عن تعنتها ، كيف يمكن رفع كلفة الاحتلال ، كيف يمكننا التعجيل في إنهائه..

أما حماس فمطالبة في المقابل، أن تحدثنا بشيء من التفصيل عن معنى “خيار المقاومة” فنحن نرى سلطة أخرى في غزة، ولا نرى مقاومة…هناك أحاديث كثيرة عن المقاومة لكن هناك أفعال مقاومة أقل…السلطة تمنع المقاومة المسلحة في الضفة الغربية، ولها مرافعاتها في ذلك…وحماس تمنع “الصواريخ” من قطاع غزة، ولها مرافعاتها في ذلك…هل يمكن أن نتفق على “هدنة شاملة” فلا تكون المقاومة مجازة في الضفة وممنوعة في غزة أو العكس كما تفعل بعض الفصائل اليسارية بخاصة، التي تجيز المقاومة في غزة، وتمتنع عن ممارستها في الضفة…هل يمكن أن نقول من دون مزايدات أو مناقصات، بأن كلفة المقاومة المسلحة باتت باهظة لا تستطيع السلطة في رام الله تحملها، ولا تستطيع حماس في غزة أن تحتملها…إن كان الحال كذلك، فلماذا لا نهبط عن الشجرة، ونتبادل الحديث الصريح بًشأن أوضاعنا الراهنة، ونجترح الخيارات والبدائل.

والخيارات في ظني متاحة، بل ومتاحة جداً، وربما تكون مستوحاة من “روح الثورة العربية الكبرى التي ترفرف في سماء تونس والقاهرة وبنغازي وصنعاء والمنامة”…لماذا لا نتفق على تصعيد المقاومة الشعبية ـ السلمية…ألم يثبت أنها شديدة الفعالية ، وأنها قادرة على الإطاحة بأعتى الديكتاتوريات…نحن لا نتحدث عن إسقاط حق المقاومة بكل أشكالها، بما فيها المقاومة المسلحة للاحتلال ، هذا أمر مفروغ منه، وهو حق مصان بموجب مختلف الشرائع والشرعيات…لكن إن كانت المقاومة “أداة” تخضع شأن كل أدوات الكفاح للدراسة والتمحيص والتقييم والتقويم وفقا لواقع الحال والظروف المستجدة، فإن من الأفضل لنا ولقضيتنا الوطنية أن نبحث عن أشكال من المقاومة، نحتملها ونقوى على ممارستها، مقاومة تكون ذخراً للشعب لا عبئا عليه…مقاومة ترفع كلفة الاحتلال وتحشد مزيدا من الدعم العالمي للقضية الفلسطينية.

عن أية مقاومة مسلحة نتحدث وإسرائيل بالكاد تفقد قتيلا أو اثنين في السنة…هل المطلوب أن يلتزم الشعب الفلسطيني الصمت وأن يلتزم الفلسطينييون منازلهم ، بانتظار أن تقوم “خلية ما” أو “عنصر ما” ذات يوم بتنفيذ عملية هنا أو إطلاق صاروخ هناك…نحن لدينا بدائل أقل كلفة وأشد مضاء، لماذا لا نفعّلها…لماذا لا نخرج بمئات الألوف إلى الحواجز والمستوطنات والجدار…لماذا لا نجعل في كل ساحة فلسطينية “ميدان تحرير” آخر أو “ساحة تغيير” أخرى…لماذا لا نجعل من كل شارع فلسطيني شارع الحبيب بورقيبة؟؟

ثم، إن نحن اتفقنا على أشكال الكفاح، وهي المقاومة الرشيدة والمفاوضات (العمل السياسي) الرشيدة، فهل من الممكن أن نتفق على برنامج وطني موحد…وبعيداً عن الإفراط والتفريط….الأمر في ظني ممكن وإلا ما معنى أن حماس تعكف الآن على إعداد أفكار سياسية جامعة وتفكر بإطلاق مبادرة للوحدة الوطنية، ما معنى أن السلطة تفكر بشيء مماثل، الآن وقبل أيلول ـ سبتبمر القادم…الكل يعرف أن المهمة لم تكن مستحيلة زمن وثيقة الأسرى واتفاق مكة، وهي ليست مستحيلة اليوم شريطة ألا تكون هناك أجندات خفية حاكمة وضاغطة.

أياً يكن من أمر، فإن الوحدة مطلوبة والمصالحة مطلوبة…فإن تعذرتا فلا أقل من أن نذهب إلى انتخابات توافقية، نعيد بها ومن خلالها إنتاج المؤسسة الفلسطينية وتجديد شرعيتها المتآكلة…وكل المؤسسات الفلسطينية القيادية فاقدة للشرعية بالمعنى الحقوقي، لا السياسي للكلمة…انتخابات تتيح للشعب أن يقول كلمته، وأن يجدد خياراته.

شرط نجاح هذه الانتخابات في تحقيق أغراضها ، أن تتم بصورة توافقية، لا أن تفرض من جانب واحد…انتخابات تجري بعد ستة أشهر (دول خرجت من رحم الفساد والاستبداد ستجري انتخابات في مدة أقل من هذه المدة)…ودعونا هنا نتحدث بصراحة، علّنا نفكك بعض الطلاسم والألغاز…فنرى كيف نبدأ ومن أين.

في ظني أن نقطة البدء تنطلق مع صدور إعلانين مبدئيين متزامنين، أحدها عن الرئاسة الفلسطينية والثاني عن قيادة حماس، تعلنا فيها استعدادهما لتوفير كل ضمانات الانتخابات الحرة والنزيهة وتقدمان جملة من الخطوات التي تجعل الضمانات مادية وليست لفظية من نوع: (1) الاستعداد لإتخاذ إجراءات بناء ثقة قبل وقت من الموعد المتفق عليه لإجراء الانتخابات…(2) التوافق على المفوضية والمحكمة الانتخابيتين من حيث التشكيلة والتفويض والأدوار…(3) رقابة دولية كثيفة على العملية الانتخابية لضمان حرية الترشح وسلامة الحملات وسلاسة الانتخابات وصحة النتائج والإجراءات…(4) والأهم من كل هذا وذاك، يجري الإعلان صراحة -وبشهادة الشهود – بقبول النتائج أياً كانت والاحتكام لها، والرضوخ لمقتضيات تبادل السلطة.

ليس في ما ذهبنا إليه “عبقرية خاصة” والأرجح أن هذه الأفكار لم تدهش أحداً…لكننا مع ذلك نعوّل على “يقظة الشعب الفلسطيني” و”عودة الروح” لقطاعات متزايدة منه…نراهن على قوة الدفع في هذا الاتجاه والتي ستملي على الجميع إعادة النظر في المواقف المتشجنة والمواقع المتقابلة….يحدونا كبير أمل بأن يستطيع الرئيس عباس التغلب على “مقاومة قوى الشد العكسي” في أوساطه، خصوصاً “الحمولة الفائضة” في قيادتي السلطة والمنظمة…كما يحدونا كبير أمل في أن تتقدم حركة حماس بخريطة طريق للخروج من حالة الانقسام، لا تكون محكومة بالخشية من نتائج الانتخابات القادمة، فالشعب الفلسطيني ملّ الانقسام…الشعب الفلسطيني يريد إنهاء الانقسام.

نعم لتعريب مشروع ..مارشال الخليجي..

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عريب الرنتاوي
تبنت دول مجلس التعاون الخليجي في الاجتماع الأخير لمجلسها الوزاري، ما يمكن تسميته بـ”خطة مارشال” مصغّرة، لمساعدة اثنتين من دولها الست، الأقل ثراء، ولا أريد أن أقول الأكثر فقراً…وهذا أمر محمود، وينم عن إدراك متأخر للحاجة لإعادة توزيع الثروة والموارد، بصورة تحفظ أمن المنطقة ورفاهها ومستقبلها على حد سواء.

لكن هذه المقاربة على أهميتها، تبقى قاصرة، وقصورها يبدو مركباً، فدول الخليج الثرية فعلت ما فعلت تحت ضغط الشوارع المنتفضة والمحتجة، في البحرين وعُمان…وهي فعلت ما فعلت تحت ضغط الخشية من انتقال “عدوى الثورة” إلى العواصم الأكبر والدول الأغنى…وهي فعلت ما فعلت في “ربع الساعة الأخير”، وبعد انتقال شرارة الاحتجاج من ميدان اللؤلؤة في المنامة إلى شوارع القطيف عبر جسر الملك فهد الدولي.

على أية حال ، أن تصل متأخراً خيرّ من ألا تصل أبداً…والمأمول أن تجد الأموال المقرر منحها للدولتين الشقيقتين طريقها سريعاً إلى برامج التنمية والتشغيل، لكي يصار إلى تلبية الحد الأدنى من احتياجات شباب هاتين الدولتين ومطالباتهم.

لكن “مارشال الخليجي” يذكرنا بكثير من الإخفاقات العربية في مجال التكامل الاقتصادي والاجتماعي…فهل يعقل أن تقفل دول خليجية حدودها في وجه عمالة خليجية مجاورة، فيما ملايين العمّال الأجانب والآسيويين يحتلون سلالم الوظائف القديم منها والجديد في هذه الدول…هل يعقل أن تكون هناك بطالة في عُمان فيما السعودية والإمارات المجاورتين، تستوردان العمالة من مختلف دول العالم.

وإذا كان المبرر القوي والمحرك الرئيس لمشروع “مارشال الخليجي” هو حفظ أمن الخليج واستقراره، فهل الثورات والحركات الاحتجاجية في دول الخليج هي فقط، ما يهدد هذا الأمن ويعكّر ذاك الاستقرار؟…ماذا عن الثورة اليمنية التي تزلزل عرش علي عبد الله صالح…ماذا عن حركات الاحتجاج في الأردن؟…ماذا عن الوضع المضطرب في العراق؟.

لا تستطيع دول الخليج أن تعالج اختناقات مختلف الدول العربية وأزماتها الاقتصادية والاجتماعية، مع أنها من الناحية النظرية قادرة على فعل ذلك، وبنجاح كبير…لكنها مع ذلك، قادرة على فعل الشيء الكثير…ففي بلد كالأردن على سبيل المثال، يقف سداً وحاجزاً في طريق الاختراقات الأمنية لدول المنظومة الخليجية، فإن أي اضطراب أو عدم استقرار – لا سمح الله – ستكون له نتائج وخيمة على أمن هذه الدول وسلامتها…فهل من الصعب على المنظومة الخليجية أن تمد يد العون – عن جد – للأردن، بدل الاكتفاء بسياسة “التقطير – من القطّارة”، والتقتير؟…هل يمكن لأحد هناك أن يفكر بمشاريع لشراء ديون الأردن ومساعدته على حل مشكلة عجز موازنته؟

إن كان ذلك صعب المنال، وغير مرغوب فيه ، فهل كثير على بلد كالأردن، ولأسباب مصلحية خليجية محضة، أن ينعم أبناؤه بفرص عمل في الدول الشقيقة…كم يحتاج تشغيل كل الأردنيين في السوق الخليجية؟…لدينا عمالة ماهرة ومتوسطة المهارة وغير ماهرة…وأسواق الخليج بحاجة لكل هذه الصنوف من العمالة، لماذا لا يجري إحلال العمالة الأردنية (والعربية عموماً) بدل “العمالات” متعددة الجنسيات، التي تملأ بالملايين شوارع المدن الخليجية وأحيائها؟.

لماذا لا يصار إلى وضع خطط وبرامج صناعية وزراعية، بحيث تتكامل أسواقنا، وتتوفر لبضائعنا ومنتوجاتنا أسواق قريبة جاذبة، لماذا لا يبحث هؤلاء عن احتياجتهم أو ينتجوا احتياجاتهم في أسواقنا القريبة، بدل استمرار البحث عنها في مختلف أرجاء العالم البعيدة….لماذا تتكدس تريلونات العرب في مصارف الغرب ومحافظه المالية، بدل أن تستمثر في أسواقنا العربية ، موّلدة ملايين فرص العمل الكفيلة بالإجهاز على البطالة والقضاء على الفقر وتوفير العيش الكريم واللائق لملايين الناس؟

نعرف أن زمن “العُملة السهلة” ولّى وإلى الأبد…وأن كل العملات باتت “صعبة” للغاية…ولم يعد لائقاً لا بنا أن نكون متلقي مساعدات، ولا بهم أن يكونوا مانحين وأصحاب “يد عليا”…المطلوب شيء غير هذا وذاك…المطلوب تفكير سليم ، ينطلق من “مفهوم المصلحة المشتركة”، والمصلحة المشتركة، تقول أن الأمن والاستقرار والرفاه، إما أن يكون للجميع أو لا يكون لأحد…وثمة وسائل عديدة لتحقيق هذا الهدف، وبكثير من العقلانية، ووفقا لصيغة “رابح – رابح”، صيغة لا خاسر فيها على الإطلاق، صيغة ترفض “الحصيلة الصفرية”.

مشروع مارشال الخليجي، خطورة صغيرة للأمام، نأمل أن تكون بداية التفكير الجاد والجدي بمغادرة مربع الإنانية والتفكير الضيق المحدود، إلى فضاءات المصلحة المشتركة والأمن والرفاه للجميع…نأمل أن نعود لبديهييات العمل العربي المشترك وقواعده، بعد أن ركله الأثرياء بأقدامهم خلال السنوات والعقود الأخيرة، لا لأننا عرباً يتعين أن نحب الخير لأنفسنا كما نحبه لأشقائنا، بل لأن مصلحتنا تقتضي ذلك…فهل يدركون مصالحهم؟