أ.د. أحمد محمد وهبان

لاتظلموا الثورة لاتخلطوا الأوراق

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

د. عدنان بكرية
في غمرة الأحداث المتسارعة والدراماتيكية بدأت بعض الأصوات المثقفة والوطنية تشكك بثورة الشعب الليبي والى أين ستقود ليبيا مبدية خشيتها من انها ستجلب الاحتلال الأميركي لليبيا وثروتها ..

من حق هؤلاء الأخوة ان يخافوا على مصير ليبيا وان يرفضوا ويقاوموا أي تدخل أجنبي .. فنحن ندرك أن الغرب ينتظر الفرصة السانحة للسيطرة على ليبيا ومقدراتها وثرواتها .. من حقهم أن يحذروا من التدخل الأجنبي لأننا فعلا لسنا بحاجة لعراق جديد ولا لاستعمار متجدد .. ولا اعتقد ان أحدا يعارضهم الطرح والرؤية .. لكن من حقنا أيضا أن نطالبهم بعدم خلط الأمور وبعثرة الأوراق واتهام الثورة الليبية

بأنها هي التي ستجلب الاحتلال.

أميركا والغرب لم ينتظروا ثورة عندما دخلوا العراق وعاثوا فسادا هناك.. بل اختلقوا المبررات الوهمية لغزوهم العراق.. وأميركا عندما تريد السيطرة على بلد معين فإنها ليست بحاجة لتحريك الشعب من اجل فتح الطريق أمامها.. فهي تغزو وتحتل وتنتهك حرمات الشعوب دون رادع ..وهي أصلا متواجدة في كل الدول العربية على صورة الأنظمة هناك..وهي ليست بحاجة للثورات كي تمكنها من السيطرة السياسية والاقتصادية.

أما أن يذهب البعض الى حدود اتهام الثورة الليبية بأنها ستجلب الاستعمار.. هذا خلط كبير.. الثورة الليبية وقبلها المصرية والتونسية لم تندلع بسبب القهر والكبت والفقر فقط… بل بسبب عدم احتمال الشعوب للمهانة والمذلة ولسياسة التبعية والاذعان للغرب وعدم قدرتها على صيانة كرامة الشعب والمواطن.. وعندما انطلقت الشعوب كالمارد لتغيير تلك الأنظمة.. كانت تهتف للعروبة وفلسطين والعراق مبديا رفضه التام لسياسات الأنظمة العميلة والذليلة.

محاولات البعض التمييز الايجابي بين القذافي ومبارك هي في مكانها.. فالقذافي لم يغرق تماما في مستنقع العمالة للغرب ليس من وازع قومي أو وطني، بل لان الغرب ظل رافضا للنظام الليبي عقودا من الزمن .. حتى انحنى هذا النظام بعد غزو العراق.. اذا الفرق بين النظامين المصري والليبي لا يتعدى الفواصل الزمنية ومقادير العمالة والرضوخ.. ولا فارق بين النظامين من النواحي الأخرى.. قهر وكبت الشعب وتجويعه وترويعه.. ليس هناك ظالم ونصف ظالم.. وليس هناك عميل ونصف عميل.. وليس هناك متعاون ونصف متعاون.. والمقارنة بهذا الشكل ليست في مكانها.

أسلفت أن من حق أي انسان ان يخاف على مصير ليبيا من الاحتلال.. لكن من هو الذي يستجلب الاحتلال؟ الشعب الثائر الذي يريد إخراج ليبيا من حالتها البائسة ليقيم نظاما ديموقراطيا أم القذافي الذي يتشبث بكرسية حتى لو أدى الأمر الى إحراق ودمار ليبيا بالكامل .. والجواب على هذا السؤال يضع حدا لكل الشكوك التي تساور البعض.. فلو كان القذافي حريصا على مستقبل ليبيا وشعبها لتنحى عن الحكم وترك الشعب الليبي يقرر مصيره وفق قواعد قومية وطنية ديموقراطية.

أحيانا تقود العواطف البعض للتحفظ من الثورة تحت حجة جلب الاستعمار أو وطنية وقومية القذافي ومقاومته للاستعمار وهنا من حقنا أن نسأل هؤلاء .. ما هي المواقف الفعلية التي أبداها القذافي وأخذت مفعولها لدى الغرب.. وأين كانت بطولات القذافي عندما تم غزو العراق ولبنان وغزة؟؟ .. بل أعطوني موقفا فاعلا للقذافي من الأزمات التي مرت بها الأمة العربية باستثناء العنتريات والهذيان ! وهنا علينا ان نعيد قراءتنا لما تمر به الشعوب العربية .. علينا أن نعمق قراءتنا بواقع الأنظمة العربية والتي من يمينها الى يسارها لم تجلب للعرب سوى المذلة والاهانة والاحتقار.

وأخيرا يجب أن ننطلق من بديهية واضحة وهي ان من يقصف ويقتل شعبه لا يمكنه أن يكون وطنيا أو قوميا، وحتى لو عادى وقاوم الامبريالية وهتف لفلسطين.

الفلسطينيون وثورة العرب الكبرى

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عريب الرنتاوي
تاريخيا، تزامن صعود الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة مع هبوط حركة التحرر الوطني العربية وتراجعها، بالذات في أعقاب هزيمة حزيران عام 1967، وما تلاها من ضربات موجعة تلقتها الحركة القومية والناصرية العربية، وصولاً إلى إنهيار المعسكر الاشتراكي، وفقدان حليف دولي قوي لهذه الحركة…وترتب على هذه المفارقة، دخول الثورة الفلسطينية في معارك طاحنة سياسية وإعلامية، وأحياناً عسكرية، مع النظام العربي، دفاعا عن مقتضيات الثورة ووجودها، وصوناً لقرارها الوطني المستقل، وحقها الحصري في تمثيل شعبها.

اليوم، تبدو الصورة مغايرة على نحو مؤسف، فحركات “الاستقلال الثاني” التي تنبعث في عدد من الدول جاءت في ذورة تراجع وانقسام حركة التحرر الوطني الفلسطينية، ففي الوقت الذي يخرج فيه “المارد الشعبي” من قمقمه في تونس والقاهرة وبنغازي وعدن والمنامة، تبدو رام الله وغزة “خارج النص والسياق”، الأولى مثخنة بتداعيات التنسيق الأمني ومندرجات مشروع “السلام الاقتصادي المُغلّف”، والثانية منهكة بهيمنة اللون الواحد و”قانون الاجتماعات العامة” المُستلهم لأسوأ ما تفتقت عنه الذهنية “العرفية” العربية.

“الرفاق حائرون”، من داعْ للمصالحة ومنادْ بإنهاء الانقسام، إلى متريث في الاستجابة للدعوة، مروراً بمراهنْ على عامل الزمن ظناً منه أنه يعمل لصالحه، “الرفاق خامدون”….فيما المنطقة العربية تغلي بكل عوامل الثورة والانتفاضة، من “المحيط الهادر” إلى “الخليج الثائر”… نظمّ تطيح وأخرى “تتحسس رأسها”، وترقب باهتمام، المصائر الصعبة التي انتهى إليها مبارك وابن علي والقذافي.

هذا الصمت و”الموات” لا يليق بشعب فلسطين، الذي اعتاد أن يكون طليعة متقدمة لحركة التحرر الوطني العربية، وقدوة ونموذجا لحركات تحرر عالمية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينة…هذا “التخلف” لا يليق بشعب فلسطين وثوّارها، الذين أطلقوا الثورة تلو الأخرى، والانتفاضة تلو الأخرى، في أصعب الظروف وأشد اللحظات ظلمة وحلكة، وعلى امتداد قرن بطوله وعرضه وارتفاعه.. هذا “القعود” لا يليق بفلسطين والفلسطينيين الذين لم ترهبهم آلة الحرب الإسرائيلية، ولم توقف اندفاعتهم المؤامرات العربية، حتى يخضعوا كما نراهم اليوم، لجنود دايتون وحسابات التنسيق الأمني وقوانين الاجتماعات العامة، فما الذي أصاب هذه الشعب، وما الذي دهاه ؟.

يحدّثك قادمون عن سماء الضفة المشبعة بالغاز والاحتقان ، في انتظار الشرارة التي ستشعل سهلاً.. ويحدثك قادمون من القطاع عن شيء مشابه، وإن كان أقل حدة وتفجرا.. من يعلق الجرس ومن يطلق الشرارة…هذا الركود الفلسطيني لم يعد مفهوماً ولا مقبولاً.. لقد بات ثقيلاً على النفس والروح والعقل والقلب والضمير.. في زمن الانحطاط العربي ، كنا نسعد بـ”فلسطينيتنا” سواء كنا فلسطينيين أم عرباً منتمين لهذه الحركة الطليعية، ولم تكن العروبة هي “الهوية الأولى” التي نعرّف بها عن أنفسنا.. اليوم بتنا نقدم “عروبتنا” على “فلسطينيتنا” بعد أن استعادت العروبة ألقها، وخرجت من قاموس “الحريرية السياسية” ومدرسة الاعتدال العربي، اللتان أرادتا حشر العروبة في زاوية المواجهة مع إيران فقط، حتى وإن أدى الأمر إلى أخراجها عن خط المواجهة مع إسرائيل، بل والتنسيق معها إن تطلب الأمر.

اليوم بتنا نتلعثم ونحن نتحدث عن “فلسطينيتنا”، وأحياناً نهمس بها بصوت خفيض حتى لا نجابه بسيل الأسئلة والتساؤلات المحرجة.. فهل آن الأوان لإعادة إحياء وبعث “الهوية الفلسطينية التقدمية المقاتلة والمناضلة في سبيل الحرية والاستقلال”، هل من معبرين عن هذه الهوية خارج الفريقين، التفاوضي المُفرّط والأمني المتورط.. أما من وسيلة لإعادة الاعتبار لهوية الفلسطيني “المناضل الفلسطيني”، بعد أن تلوث بألقاب المعالي والعطوفة والسعادة من الجالسين على “خازوق” التنسيق الأمني وبطاقات الـ”في آي بي” ؟.

بعد تونس وميدان التحرير وبنغازي ، بتنا نخجل من كل هذه “الهياكل” والأسماء والألقاب في رام الله…بتنا نشعر أنهم جزء من الثورة المضادة في العالم العربي ، ألم يدعموا مبارك حتى آخر لحظة…ألم يدعموا من قبل “زين العرب” بن علي.. ألم يقف “الماركسيون الليبيون” بالباع والذراع خلف العقيد القذافي.. ألم يرسل أحد زعماء اليسار الفلسطيني ببرقية تهنية للوزير عمر سليمان على ثقة مبارك الغالية فيه، في الوقت الذي كانت فيه شوارع القاهرة والسويس والاسكندرية وبورسعيد تردد هتافات “لا مبارك ولا سليمان”.

نحن بحاجة لثورة فلسطينية مركبة، تطيح أولاً برموز أكل الدهر عليها وشرب، سئمها الشعب كما سئمت الشعوب العربية قياداتها ورموزها.. وبعض قياداتنا ورموزنا الفلسطينيية مضى عليها في الحكم زمن أطول وأبعد..نحن بحاجة لثورة ضد الجدران والاستيطان والاحتلال.. ما بالنا لم ندرج بعد تعبير “المظاهرات المليونية” ضد الاحتلال.. في لبنان يُخرج حزب الله وتيار المستقبل ملايين المتظاهرين إلى الساحات والميادين، وفي تونس والقاهرة واليمن تخرج التظاهرات بالملايين ومئات الألوف.. ما بال الفلسطينيين لا يفعلون شيئاً مماثلاً في مختلف المدن الفلسطينية، ما بالهم لا يخرجون بمئات الألوف في توقيت متزامن ضد الحواجز والمستوطنات وجدران الفصل العنصري، مظاهرات “سلمية.. سلمية” تستلهم دورس ثورة العرب الكبرى الجارية.

يا إلهي، كم هو مقيت ومثير للغثيان، أن تستمع في هذا الزمن التونسي والمصري والليبي الجميل، لتصريحات تطالب بتوقيع الورقة المصرية و”هيكلة أجهزة الأمن”، وتشكيل حكومة تبقي حال الانقسام على حاله.. يا إلهي كم هو كريه أن ترى فرسان الهزيمة الفلسطينية يتصدرون المشهد هذه الأيام، وأنت تلعم أن نظراءهم وزملاءهم يقبعون في سجن طرة ليمان، وآخرون “خرجوا ولم يعودوا”.. يا إلهي كم هي ضاغطة وملحة، الحاجة لتغيير السياسات والوجوه سواء بسواء.. لقد سئمنا هؤلاء.. لقد تعبنا منهم.

صورتان لفقدان التوازن والاتزان

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عريب الرنتاوي
صورة أولى:

في الأنباء أن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، قدّم اعتذاراً للإدارة الأميركية عن اتهامه لها برعاية “غرفة العمليات” التي تحرك الجماهير الغاضبة في اليمن ومختلف الأقطار العربية.. اعتذار الرئيس لم يوجه لنظيره الأميركي، الذي يبدو أنه رفض أن يرفع سماعة الهاتف، بل قُدّم لموظف في البيت الأبيض، ورأت الإدارة أن الاعتذار كافْ، مُذكّرة السيد الرئيس ببؤس سياسة البحث عن “شمّاعات” يعلق عليها أخطاءه وخطاياه.

والحقيقة أن الرئيس اليمني، نسيّ في حمأة الهجوم على المنتفضين عليه من أبناء شعبه في مختلف محافظاته، أن تهم “العمالة”للغرب، لم تعد صالحة للاستخدام بعد أن برهنت التجارب والوثائق أن نظامه بالذات، كان الأسرع على طريق الخنوع لهذه الدوائر والتبعية الذليلة لها.. وسبق أن قلنا في هذه الزاوية، أن علي صالح ليس جيفارا ولا جياب أو هوشي منّه، لكي يطلق صرخات التحذير من “عملاء الغرب”، فهو الرجل الذي سمح لواشنطن باستباحة بلاده، وسمح لطيرانها الحربي بالعربدة في سمائها وأجوائها، ولأجهزة مخابراتها، بل ولكل أجهزة مخابرات العالم، بأن “تسرح وتمرح” في ربوع اليمن “غير السعيد” بحكم صالح وأقربائه، فما الذي يمكن للعملاء أن يفعلوه أكثر من ذلك؟.

الرئيس اليمني اتهم في التصريحات ذاتها، إسرائيل باحتضان غرف عمليات مشابهة لتلك التي قال إن واشنطن تديرها وترعاها.. هل اعتذر الرئيس لنظرائه الإسرائيليين، أم لموظفين عندهم؟ هل سيعتذر..؟ لا ندري.

ولا ندري أيضاً من هو الأولى بالاعتذار والأجدر بطلب الصفح…الشعب اليمني الذي اتهم بـ “العمالة” للغرب، أم موظفو البيت الأبيض.. مئات الألوف التي لا يراها علي عبد الله صالح ولم يسمع هتافاتها المدوّية، أم ضباط المخابرات الأجنبية التي تدير فعلا غرف التآمر السوداء على وحدة اليمن وسيادته واستقلاله، وبتواطؤ لافت من قبل أركان الحكم القائم فيه، بدلالة “ويكيليكس”؟.

مؤسف هذا الإسفاف الذي بلغه بعض حكامنا الذين فقدوا توازنهم واتزانهم على ما يبدو، بعدما شاهدوا الملايين من أبناء شعوبهم تهتف برحيلهم الآن وليس غداً ، عن مقاعد الفساد والاستبداد التي ظلوا مستمسكين بها لسنوات وعقود طويلة.. لقد أصابهم الهذيان حتى أنهم باتوا يطلقون الاتهامات ضد أسيادهم الجدد، في “عواصم الإمبريالية والصهيونية”.. إنهم يستلون سيوفاً خشبية، تذكر بمعارك دونكيشوت، أو بـ”الفروسية” الجوالة في زمن القطار الكهربائي السريع.

صورة ثانية:

استحضر العقيد معمر القذافي في خطابه الثالث أثناء الأزمة، صوراً وتجارب عديدة، استخدمت فيها القوة ضد عناصر مسلحة تمردت على الحكم والنظام ، وذلك في معرض تبريره لاستخدام القوة في مواجهة “عصابات القاعدة” التي تهاجم معسكرات الجيش ودوائر الدولة في ليبيا. والقذافي كما تعلمون نفى وجود انتفاضة في بلاده ونفى وجود مظاهرات سلمية أو غير سلمية وفضل الحديث عن عصابات القاعدة المسلحة.

استحضر هجوم الجيش الباكستاني على وادي سوات.. والقوات الأميركية على الفلوجة.. والحرب الأميركية على أفغانستان.. و”الرصاص الإسرائيلي المصبوب” على قطاع غزة دائما.. بهدف تبرير اللجوء إلى استخدام القوة من جانب أجهزته وكتائبه الأمنية. ولسان حاله يقول: طالما أن كل تلك “الاعتداءات” على المسلحين مبررة ومجازة، فلماذا لا يكون الاستخدام المفرط للقوة من جانب نظامه مبرراً كذلك.

من بين كل الأمثلة والتجارب التي استنجد بها القذافي لتسويق وتسويغ سلوكه الإجرامي، تستوقنا حكاية الحرب الإسرائيلية على غزة.. لا لأن “العقيد” تبنى الرواية الإسرائيلية حولها: هجوم مبرر على مسلحين ومتمردين، بل لأنها الأقرب إلى وصف ما يجري من ليبيا من عدوان غاشم على شعب أعزل.. القذافي أدان نفسه بنفسه، عندما وضع أعماله الإجرامية في سلة واحدة مع الفعل الإسرائيلي الإجرامي في غزة.

بالقياس مع العقيد علي عبد الله صالح، بدا العقيد معمر القذافي أكثر تهافتا واهتزازاً…فهو تارة يتهم حركة شعبه بـ”العمالة” للغرب وخدمة أهدافه المتمثلة بإعادة احتلال ليبيا والسيطرة على ثرواتها كما يقول ويردد، ناسياً او متناسياً بأنه هو بالذات، من وضع مقدرات ليبيا في جيوب الغرب وأرصدة شركاته وسياسييه، وجعل من بلاده مسرحاً لمافيات الفساد والإفساد.. وهو تارة أخرى يتهم القاعدة بأنها المحرك الرئيس للأحداث في بلاده.. صيفا وشتاء على صفيح ساخن، هكذا هو القذافي.

أما القاسم المشترك بين الرجلين وربما غيرهما ممن لم تصلهم العدسات بعد فهو الهذيان، و”الانفصال عن الواقع” و”عدم تصديق ما تراه الأعين وتسمعه الآذان”.. لقد فقدوا اتزانهم وتوازنهم.. لقد فقدوا البصر والبصيرة.. لقد فقدوا الرشد والرشاد.. إنهم أشد خطراً اليوم أكثر مما كانوا عليه بالأمس.. إنهم يقاتلون في المربع الأخير وربع الساعة الأخير.

خصوصية الدورة الطارئة للمؤتمر العربي العام

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

معن بشور
كانت الدورة الطارئة للمؤتمر العربي العام لنصرة الثورة الشعبية العربية التي انعقدت في بيروت يوم الأحد في 27/2/2011 هي الدورة الخامسة التي يعقدها المؤتمر بدعوة من المؤتمرات الثلاثة (القومي العربي، والقومي – الإسلامي، والأحزاب العربية)، للبحث في قضية ذات أهمية خاصة بالنسبة للأمة العربية.

فلقد سبق لهذا المؤتمر العام، الذي يضم عادة أعضاء من المؤتمرات الداعية وشخصيات عربية فاعلة في أقطارها، أن انعقد من أجل دعم انتفاضة الأقصى المباركة (2001)، ورفض وصم المقاومة بالإرهاب (2002)، ودعم المقاومة العراقية بعد الاحتلال (2003)، وصون سلاح المقاومة في لبنان (2006)، وهو ينعقد اليوم (2011) لدعم الثورة الشعبية العربية التي تعم عدة أقطار عربية، متكاملاً مع دورات المؤتمرات الداعية، ومع الملتقيات التي بادر إلى إطلاقها المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن في اسطنبول ودمشق والقنيطرة والخرطوم وبيروت والجزائر.

ولقد اشتركت الدورة الأخيرة للمؤتمر العربي العام مع الدورات السابقة بأنها كانت جامعة لممثلين عن تيارات الأمة الرئيسية الكبرى، ولأعضاء قادمين من أقطار الأمة، ولأجيال متعددة من أبناء الأمة، فكانت بمثابة برلمان شعبي عربي مصغّر تطرح فيه كل الآراء، حتى وأن كانت متنافرة، وتتفاعل في رحابه كل الرؤى وأن كانت صادرة عن خلفيات مختلفة.

إلاّ أن لهذه الدورة أيضاً خصوصيتها وسماتها التي تميّزها عن الدورات السابقة:

1. لم تكن هذه الدورة مخصصة لقضية خاصة بقطر أو اثنين كما جرت العادة في دورات سابقة (رغم إدراكنا مدى انعكاس أي قضية وطنية على مجمل أوضاع الأمة والعكس صحيح أيضاً) بل تناولت قضية تهم الأمة بأسرها سواء في الأقطار التي شهدت ثورات أو انتفاضات أو تلك التي تنتظر، ليتبين من خلال الحوار والنقاش الحقيقة التي تبرز وحدة الأمة، سواء في معاناتها أو تطلعاتها، ألآمها أو أمآلها، أهدافها أو برامجها، آليات تحركها أو أساليب عملها.

2. لم تقتصر جلسات الدورة التي استمرت يوماً واحداً فقط (رغم أن عدد الحاضرين بلغ أكثر من 350 شخصية لبوا الدعوة العاجلة بأقل من أسبوع وأتوا من 15 دولة عربية)، على إلقاء الخطب، وإعلان المواقف فحسب (وهو ليس بالأمر العابر في ظروف بالغة التعقيد على كل حال)، بل تضمنت كذلك شهادات لشباب الثورة وشيوخها من أكثر من قطر وساحة نضال، فأغنت تلك الشهادات جو المؤتمر، وعزّزت ثقة الأمة بمستقبلها مع هذا المستوى الرفيع من الوعي والشجاعة والقدرة على التعبير الذي يمتلكه شباب الأمة “خريجي” ميادين الثورة وساحاتها وأساتذتها.

3. لم تظهر الدورة الطارئة فقط الحجم الكبير لاهتمام الأمة بثورات شبابها الآتين من قلب تجارب الثورة، بل أبرزت بوضوح العمق القومي لتطلعات هؤلاء الثوار ورُؤاهم مبددين ببساطة وسلاسة تلك المحاولات التي أرادت أن تصور أن تلك الثورات قامت من أجل لقمة الخبز وحدها، أو الحريات الديمقراطية دون غيرها، وهي محاولات تجاهلت، عن قصد أو غير قصد، المضمون الوطني والقومي لهذه الثورات التي قامت ضد أنظمة اجتمعت فيها ثلاثية التبعية والفساد والاستبداد، وتآزرت لتعزز بعضها البعض، ولعل التصفيق الحاد الذي لاقاه اسم جمال عبد الناصر خلال المؤتمر، واستمر لدقائق، ورغم التباين في تقييم الحاضرين لتجربته، هو أكبر دليل على أن العروبة التي كان ناصر رمزها وقائدها ما زالت حاضرة بقوة في وجدان الأمة. تماما مثلما ابرز التجاوب المليوني في ميدان التحرير مع خطبة الشيخ يوسف القرضاوي عن الصلاة في الاقصى ومكانة فلسطين والقدس في ضمير الثوار المصريين.

4. أكدت هذه الدورة، مثلما أكدت الثورة الشعبية العربية نفسها، صحة رهان المؤتمرات الثلاث ومؤسسيها على الشباب ودورهم وقدراتهم الكبيرة، منذ أن واكب تأسيس هذه المؤتمرات في أوائل التسعينات من القرن الماضي جهد خاص بالشباب فأقيمت مخيمات وبرامج وجمعيات ومنتديات خاصة بهم كانت تواكب عمل هذه المؤتمرات، وتتفاعل معها، سواء على المستوى القومي (كمخيمات الشباب القومي العربي التي انطلقت في بداية التسعينات، أو مخيمات شباب الأحزاب العربية فيما بعد)، أو حتى على المستوى القطري.

ومن هنا برزت أهمية توصية صدرت عن المؤتمر باحتضان مبادرة تواصل شبابي عربي تنعقد بعد أسابيع تحت عنوان مؤتمر “الشباب العربي والتغيير” تضم شباباً من كل أقطار الأمة، لاسيّما تلك التي شهدت أو ستشهد انتفاضات وثورات شعبية عمادها الشباب.

5. أكّدت هذه الدورة كذلك على سلامة الرهان على قيام كتلة تاريخية في الأمة من كل تيارات وقوى النهوض فيها، أيّاً كانت خلفياتها ومنابتها ومشاربها الإيديولوجية، فهذه الكتلة هي الكفيلة بمواجهة التحديات الضخمة التي تواجه الأمة، داخلياً أو خارجياً.

ولقد حرصت معظم الكلمات، كما البيان الختامي ذاته، على أهمية بناء هذه الكتلة وتحصينها في وجه كل المحاولات لتفكيكها أو ضربها عبر إثارة حساسيات ورواسب وعصبيات مزقت قوى الأمة في الماضي البعيد والقريب، وتحاول تمزيقها في الحاضر.

ولقد كان واضحاً دعوة الغالبية من أعضاء المؤتمر إلى الحفاظ على التنسيق والتعاون والتفاعل بين التيارات الرئيسية في الأمة (الإسلامية واليسارية والليبرالية والقومية)، كما كان واضحاً سلبية موقف أعضاء المؤتمر مع دعواتٍ أو ممارسات، قليلة جداً، اتخذت منحى انقسامياً أو إيقاعياً بين هذه القوى.

6. لقد كان المؤتمر العربي العام، بأعضائه وحواراته وحرارة نقاشاته، صورة مصغرة عن ميادين الثورة وساحاتها التي شاهدناها منذ اندلاع ثورة تونس الملهمة، ومعها ثورة مصر المجيدة، تماماً مثلما كانت هذه الميادين والساحات صوراً مكبّرة لهذه المؤتمرات والملتقيات والمنتديات والمخيمات تعكس حراكها وحيويتها وتفاؤلها وثقتها التي لا حدود لها بقدرات الشعوب.

ومثلما رفضت هذه المؤتمرات وامتداداتها الفكرية والسياسية والنضالية والشبابية على مدى عقدين من الزمن تنظيرات تشاؤمية داعية لليأس والاستسلام، لتثبت الأيام سلامة نظرتها، وعمق رؤيتها، وعلو همتها، فقد كانت الدورة الطارئة الخامسة للمؤتمر العربي العام إشارة جديدة على طريق “الاستبشار والاعتزاز بهذه “الثورة الشعبية العربية” كما جاء في مقدمة البيان الختامي لهذا المؤتمر وهو يعلن الثقة بالثوار وبقدرتهم على الاستمرار في المسيرة حتى تحقيق كل مطالبهم وأهدافهم.

التنين الاصفر الصيني vs امريكا

كاتب الموضوع الأصلي: خالد البارقي 1

هي الحرب إذن بين الولايات المتحدة والصين.وهل يجوز أن نسمي مثل هذا الصراع حربا وهولا يشهد إطلاق رصاصة واحدة بين الطرفين المتصارعين؟.نعم وقد فعلها العالم من قبل في تصوير الصراع بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة ما بعد الحرب العالمية الثانية،ألم تسم “الحرب “الباردة،رغم أن الطرفين لم يطلق أي منهما طلقة تجاه أرض أوجيش الآخر؟.ثم ألم ينتج عنها ما هوأخطر من الحرب العسكرية؟.ألم يتفكك الاتحاد السوفيتي وينهار تحت وطاة تلك الحرب؟.ألم يخرج من معادلة الصراع مهزوما؟.
هي الحرب إذن بين الولايات المتحدة والصين،إذ دخل البلدان في مرحلة “توليد وتصعيد المشكلات والصراعات والدخول في مواجهات تتعدد لتشق مجرى واسعا لتلك الحرب.في الأيام الماضية فتحت مجالات جديدة وتطورت أخرى أورميت فيها كرات لهب.قضية الخلاف حول موقع جوجل الإلكتروني على الشبكة العنكبوتية تحولت إلى نزاع تجاري وسياسي تبحث عن حل يبدوأنه لن يأتي بسهولة أوأن ثمة إرادة بعدم حله الآن على الأقل.وقضية صفقة التسليح الأمريكية لتايوان المقررة منذ سنوات،أعيد إحياؤها واتخذت إجراءات لبدء تنفيذها،بعد أن كانت قد شهدت تهدئة أوبعد أن مرت بمرحلة كانت وضعت خلالها في الأدراج.وقضية لقاء أوباما مع الزعيم الروحي للتيبت،تجددت وتحدد لإجرائها موعد،بما أعاد للأذهان مخاوف الصين من محاولات أمريكية لتفكيكها من الداخل عبر دفع التيبت للتمرد والثورة والمطالبة بالانفصال،وقضية الصراع بين الكوريتين عادت للتنشيط على الصعيد العسكري بعد أسابيع كانت تسير فيها نحوتهدئة أعمق في ضوء الاتصالات بين شطري الوطن.وقبلها كانت الاحتكاكات بين السفن الحربية الصينية والأمريكية في بحر الصين الجنوبي،والضغوط الأمريكية من أجل تخفيف سعر العملة الصينية،وقضايا الإغراق..إلخ.
هي الحرب إذن بين الولايات المتحدة والصين،لكنها حرب من نوع خاص بل وخاص جدا،إذ البلدان لم يقرر أحدهما الصعود إلى قمة الجبل لمصارعة الآخر،أوأن الصين لم تصعد إلى قمة الجبل لمواجهة الولايات المتحدة وإنزالها من التربع على قمة قيادة العالم،بالقوة.هي ليست حربا باردة ولن تكون،إذ العنوان الإيديولوجي الذي اعتمد أساسا للصراع بين أمريكا والاتحاد السوفيتي في هذا النوع من الحرب غير موجود في الحرب الصينية الأمريكية،وإن كان في الحرب مضمون حضاري لاختلاف القيم والبنى الحضارية.إذن لم لا نقول إنها حرب تجري على خلفية وضمن مفهوم صراع الحضارات،وبالتالي هي حرب ذات طبيعة إيديولوجية على نحوأوآخر؟.هذا التوصيف لأنها حرب لا — ولن — تجري على أساس صراع بين الكونفوشوسية والمسيحية (الحضارة المسيحية الغربية)،وإذا سميت كذلك فلن يكون للتسمية معنى،لأسباب عديدة منها أن الصين تعيش سيطرة الحزب الشيوعي لكنها تأخذ بالرأسمالية ولأنها تعيش ضمن محتوى حضاري “صيني” لكنها تأخذ من الحضارة الغربية الكثير،بل هي لا تشن حربا إيديولوجية على الحضارة الغربية..إلخ.
وهي ليست حربا باردة وفق نمط السابقة،التي كانت ساخنة مفتوحة على يد وكلاء في مختلف أقاليم العالم،هي ليست كذلك حتى نسميها حربا وفق معنى الحرب الباردة،حين كان السوفيت والأمريكان يتواجهون بيد آخرين من فيتنام إلى كوبا..إلخ.يمكن القول بأن أهم سمات الحرب الجديدة هي أنها لن تشهد مواجهات عسكرية على النحوالسابق ووفق نمطه،وربما سيكون العنف عبر وكلاء منعدما على نحوكبير للغاية،إذ الصين لا تسير بمنطق السوفيت في العداء الإيديولوجي ولا حتى في نمط إستراتيجية الصراع،وكذا لأن عصر الحروب التحررية وفق النمط القديم الذي تدعم فيه دولة أعداء الدولة الأخرى،قد غادرت الحياة الإنسانية في هذه الحقبة على الأقل.هي في الأغلب،حرب ستدور وفق نموذج تستخدم فيه وسائل القوة الناعمة أكثر من تلك الصلبة أوالعسكرية.
وهي ليست حربا اقتصادية ضمن معسكرين منغلقين لكل منهما نمطه الاقتصادي،كما كانت تجري بين منظومة الكوميكون الاشتراكية والسوق الرأسمالي الغربي،إذ الصين والولايات المتحدة في حالة زواج اقتصادي بالغ التعقيد حتى يصعب تصور الفكاك بين اقتصاديّ البلدين،فضلا عن أن كليهما يعيش في داخل دوامة سوق عالمية واحدة أوموحدة.لكنها مع ذلك،تعتمد مضمون الصراع الاقتصادي لكن وفق آليات وطرق وأساليب لا يصلح فيها الصراع المباشر،على الأقل لأن العالم صار يصعب تقسيمه إلى معسكرين اقتصاديين أوعسكريين.
إذن بماذا نسميها؟.هي الحرب المراوغة،التي لن تشهد أبدا في مراحلها الأطول نمطا معلنا من الصراع يتواصل ويسير متقدما في اتجاه صاعد بالتوتر ثابت الملامح محدد المعالم. هي حرب في كل المجالات دون تحول أي من الطرفين إلى إعلان الآخر خصما وعدوا.وهي حرب تتصاعد من الإقليم الذي تعيش فيه الصين على النفوذ ومعالم السطوة والسيطرة،بإرادة الطرفين لا طرف واحد،إذ الصين لا تسعى إلى خوض حرب عالمية الطابع مع الولايات المتحدة،سواء لأنها تركز جهدها على ترتيب قوتها وسطوتها في الإقليم أولأنها لا تسعى إلى الهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية على الدول الأخرى.وكذا لأن الولايات المتحدة ترى أن نقطةإضعاف الصين هي في جعلها تدور في دورة صراعات في الإقليم،وهي تحاول إحاطتها بأعداء أقوياء منذ وقت مبكر (الهند — اليابان — تايوان وفي الجنوب أستراليا ).
صفقة دفاعية
لا يرغب الطرفان في الوصول بأمر الصراع بينهما إلى ما هوأبعد في الوقت الراهن،إذ الأنسب لكل منهما ممارسة نمط مراوغ من الصراع،لا أكثر ولا أقل الآن أوممارسة نمط من الصراع الحذر،على طريقة حرص اللاعبين في المباريات الختامية للمسابقات،بأن لا يسجل الخصم هدفا أولأن المعركة هي في حكم مباريات الملاكمة التي تنتهي بالنقاط لا الضربة القاضية.في قضية صفقة السلاح الأمريكى لتايوان يبدوالأمر جليا.الصفقة ليست جديدة،بل هي مقررة منذ حكم جورج بوش،ومن ثم فإن تأجيلها كل هذا الوقت هوفي نفسه عنصر من عناصر إظهار كيف المراوغات تجري بين البلدين.وإذا كان الأمر أقدم من ذلك إذ هويعود إلى الثمانينات (1982 ) حين صدر بيان أمريكي صيني مشترك التزمت خلاله الولايات المتحدة بتقليل تسليح تايوان،فإن خروج بوش على ما جاء في ذاك البيان جاء بلا تنفيذ،ليظل ضمن دورة المراوغة والضغوط.وفي العودة الآن لإبرام الصفقة — في عهد أوباما — فإن ما جرى هوأن الإدارة قد حولت طلب الصفقة إلى الكونجرس للموافقة عليها.هنا لم اتخذ أوباما الخطوة؟ الأسباب متعددة،وكلها ضمن إطار الحرب المراوغة.هي تستهدف إضعاف وإبطاء التطور المتصاعد إيجابيا في العلاقات الصينية التايوانية.الولايات المتحدة تدرك جيدا أن الخط الساري الآن في تايوان من السعي لتطبيع العلاقات مع الصين،ينتهي إلى حل مشكلة تايوان،بما يضيف للصين قوة منافسة هائلة في مواجهة الولايات المتحدة،كما هويضعف القدرة الأمريكية على الضغط على الصين،كما هي تدرك أن أحد أسباب التطور الإيجابي من جانب تايوان إنما يعود إلى تعاظم قوة الصين وضعف تايوان بالمقابل اقتصاديا وعسكريا.الولايات المتحدة تريد إضافة قوة للأجنحة المتشددة ضد الصين في تايوان.والولايات المتحدة تستهدف من هذه الخطوة طمأنة اليابان وكوريا،بأنها ما تزال قادرة على الحركة في المحيط الإقليمي للصين،إذ كل من البلدين قد تزعزعت ثقتهما في حماية الولايات المتحدة لهما،جراء الأزمة الكورية،حيث تمكنت كوريا الشمالية من الإفلات بتحولها إلى قوة نووية دون قدرة على كبح جماحها من قبل الولايات المتحدة،بما وضع كوريا واليابان في موقف دفاعي حرج.ويمكن القول،بأن ثمة أسباب أمريكية داخلية حدت بالإدارة الأمريكية إلى هذا التغيير المرحلي في حالة علاقتها مع الصين عبر تايوان،إذ يمكن القول بأننا أمام صفقة بين الديموقراطيين والجمهوريين،تحقق إدارة أوباما بمقتضاها خطوة متقدمة في طريق إقرار نظام تأمين الرعاية الصحية الذي زاد عوامل تعثره تغيير الأغلبية في مجلس الشيوخ لمصلحة الجمهوريين بعد نجاح عضوجمهوري في الوصول للمجلس في المقعد الذي خلا بوفاة السيناتور كيندي.الإدارة قدمت الصفقة التي يطالب بها الجمهوريون لكسب تصويتهم بالمقابل تجاه نظام الرعاية المتعثر.ويمكن القول كذلك،بأن الدافع الاقتصادي كان حاضرا في خلفية القرار الأمريكي إذ حجم الصفقة (5.5 مليار دولار ) يأتي ضمن عملية انعاش مجمع الصناعات العسكرية.لكن الأهم في تأكيد مراوغة الخطوة،هوأن معظم الأسلحة المباعة ذات طابع دفاعي وأن الصفقة لن تجري كما قررها بوش،بل جرى اختصار بعض الأسلحة منها،وهوما يعني عدم الخروج كثيرا على الثوابت المحددةفي الصراع مع الصين.
وفي الجانب المقابل،فإن الصين لم ترد ردا واسعا وحاسما بل هي اتخذت خطوة سبق أن اتخذتها من قبل بتعليق العلاقات العسكرية الرسمية مع الولايات المتحدة.هي لم ترد بتسليح آخرين ولا على الصعيد الاقتصادي،بل اختارت جانبا لا يمثل تصعيدا بقدر ما يمثل إقلاقا للقيادة العسكرية الأمريكية بشأن ما يجري في الترسانة العسكرية الصينية.
مراوغات أخرى
لم يكن أمر الصفقة هوالمراوغ فقط،بل الأحداث الثلاثة الأخرى وهي أزمة جوجل والتسخين الجاري في المياه البحرية بين الكوريتين ولقاء أوباما مع الزعيم الروحي لمواطني التيبت،كلها تجري بشكل مراوغ يستهدف ممارسة الضغوط دون الدخول في حالة حرب تكسير عظام أوفي حرب حادة الملامح بين البلدين،على غرار الحرب الباردة مثلا.
في قضية جوجل ظهر سعي من قبل جوجل إلى تصعيد الأمر حد التهديد بوقف أنشطتها في الصين وإغلاق موقعها باللغة الصينية والموجه للصينيين،وهوما قابلته الصين بتهديد حذر إذ سعت إلى توضيح حدود المشكلة والتشديد على أن الطرف الآخر يضخمها،وفي ختام الأمر لم يجر تصعيد متبادل واختفى الأمر من ساحة الإعلام،إلى غرف المفاوضات المسقوفة بالسرية.
وفي تسخين الجبهة الكورية في البحر — هذه المرة —،ورغم حدوث إصابات لأفراد وسفن،لم يتصاعد الأمر إلى ما هواسوا،وهولن يتصاعد،إذ لا إرادة لدى طرفي النزاع،والطرفين الداعمين (أمريكا — الصين)،للدخول في مواجهات حادة وواسعة.
وفي قضية استقبال الرئيس الأمريكي باراك أوباما للزعيم الروحي لمواطني إقليم التيبت،يبدوالأمر فيه جانب من المراوغة والضعوط المتبادلة أكثر منه إعلان حرب لتقسيم الصين وتفتيتها — وأمريكا لا تكره ذلك بالطبع — إذ تعلم الولايات المتحدة كيف أن الصين المركزية يصعب تفكيكها بحكم القوة والسيطرة الحاصلة للدولة،كما الصين لا تريد التصعيد الحاد،إذ صدرت تصريحات صينية بشأن المفاوضات معه حول التيبت،تشترط عليه التخلي العلني عن فكرة الانفصال أوالاستقلال،لقبول مثل هذا التفاوض.
الحرب المراوغة
هي حرب مراوغة لا يرغب طرفاها في الولوج في شكل حاسم لها لأن الأمر ليس في مصلحة أي منهما.الولايات المتحدة لم تعد تتمتع بالقدرات ذاتها التي واجهت بها الاتحاد السوفيتي السابق (على المستوى الاقتصادي خاصة )،وفي الجانب الآخر،لا تسعى الصين إلا إلى مراوغات تكتيكية في المواجهة،إذ أن مصالحها تتعارض والدخول في حرب مع بلد يمكنه تعويق نهوضها الحالي وتأخيره (أي تقليل معدلات النمو) ولوقرر تغيير سعر الدولار على نحوكبير بما يضر بالمدخرات الصينية (بالدولار )،حتى يمكن القول بأن بقاء تطور النموفي الصين مرتكن في جانب مهم باستمرار العلاقة مع الولايات المتحدة،بل وبعدم سقوط وانهيار أمريكا في الوقت الراهن.وفي الجانب الآخر،فإن بإمكان الصين البدء في بيع سندات الخزانة الأمريكية للدول والشركات بما يصيب الاقتصاد الأمريكي بالاهتزاز والصدمة..إلخ.
طرفا مثل تلك الحرب يصعب على كل منهما الانفصال عن الآخر كليا،حتى يمكن القول بأنها حرب متداخلة يحتاج طرفاها إلى وقت طويل للغاية حتى يمكن الإعلان حتى عن مسمى الحرب،مهما كانت التسمية.
طرفا مثل تلك الحرب يصعب على كل منهما التجابه الآن على الصعيد الدولي،ولكل منهما أسبابه في عدم الوصول بالصراع إلى هذا الحد أوتلك المرحلة،ولا بديل أمام كل منهما — وكليهما — إلا اختيار هذا النمط التكتيكي في خطواته ومجالاته وجغرافيته،في محاولة لتعديل شروط العلاقات وتوازنات القوى.
_____________

إحباط محاولة انقلاب عسكري في قطر واعتقال عشرات الضباط

كاتب الموضوع الأصلي: باز بن باز1

إحباط محاولة انقلاب عسكري في قطر واعتقال عشرات الضباط

ذكرت عدة مواقع إخبارية نقلا عن مصادر سياسية في قطر ان السلطات القطرية تمكنت يوم الخميس من احباط محاولة انقلاب على امير البلاد الشيخ حمد بن خليفة ال ثاني.

وحسب المواقع الالكترونية – فقد كشفت مصادر سياسية الاثنين 28/2/2011 أن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني تمكن نهاية الأسبوع الماضي من إحباط محاولة انقلاب عسكري استهدفته، واعتقال عشرات الضباط ووضع العديد من الأسرة الحاكمة تحت الاقامة الجبرية.

وحسب المصادر فقد نقلت جريدة “النهار الجديد” عن مصادر من المعارضة القطرية في الخارج “أن أمير قطر تمكن من إحباط محاولة انقلابية ضده قام بها قادة في الجيش القطري يوم الخميس الماضي”.

وأضافت المصادر دون الكشف عن هويتها “أن 30 ضابطاً من الجيش جرى اعتقالهم منهم 5 ضباط من الحرس الأميري فيما وضع 16 شخصية من شيوخ عائلة آل ثاني يشغلون كلهم مناصب رفيعة في الجيش القطري تحت الإقامة الجبرية.”

وأوضحت “ان الانقلاب الفاشل الذي قاده قائد أركان الجيش القطري اللواء حمد بن علي العطية لم يكن وليد اللحظة بل كان نتيجة تراكمات بدأت منذ الانقلاب الأول عام 1996 بعد انقلاب الأمير حمد بن خليفة آل ثاني على والده.”

ولفتت المصادر إلى أن غضباً عارماً يسود أروقة المؤسسة العسكرية والأسرة الحاكمة أجبرت الشيخ حمد بن خليفة على الاجتماع بشيوخ آل ثاني لوضعهم في صورة المحاولة الانقلابية محذراً من انقسام الأسرة المالكة.

وبشأن أسباب الانقلاب قالت المصادر إن قبول الأمير الحالي لدولة قطر باستضافة قاعدة “عيديد” الأمريكية وسياسة التقارب مع إسرائيل والزيارات السرية المتبادلة مع مسؤولين إسرائيليين كانت من بين أهم ما أجّج الشعور بالامتهان والغضب لدى قادة المؤسسة العسكرية في قطر.

كما كشفت نفس المصادر أن ما زاد من حدة الغضب في أوساط شيوخ العائلة الحاكمة تجاه الأمير الحالي هو شريط فيديو جرى تسريبه يظهر فيه الأمير حمد يوثق عملية تحميل الطائرات الأمريكية من قواعدها في قطر بقنابل الفسفور الأبيض والذخيرة والمعدات العسكرية وإنشاء جسر جوي بين الدوحة وتل أبيب مروراً بدولة ثالثة خلال العدوان الأخير على قطاع غزة.

وقالت المصادر إن شريط الفيديو تم تسجيله من طرف ضباط قطريين كبار وتم تسريبه إلى بعض زعامات العائلة الحاكمة، ما أوجد حالة غليان ورفض للدور المزدوج والمتناقض الذي تقوم به دولة قطر في علاقتها العلنية الداعمة للفلسطينيين من جهة عبر ذراعها الإعلامي ”الجزيرة” وتزويد الإسرائيلي بأدوات القتل.

وحسب نفس المصادر فقد تسارعت الأحداث في قطر بشكل أكد وجود محاولة انقلابية فاشلة حيث قالت إن سلسلة من الإقالات المفاجئة طالت قيادات رفيعة في المؤسسة العسكرية القطرية بعدما أعلنت رفضها التوجه إلى مقرات العمل في القيادة بإيعاز من قطب مهم في تركيبة القيادة السياسية القطرية.

وفي هذا الإطار قالت المصادر إن كبار أفراد الأسرة الحاكمة عقدوا على مدى الأسبوعين الماضيين اجتماعات سرية في بريطانيا وسويسرا وفرنسا لتوحيد أجنحتهم المتصارعة بصمت لتحدي أي خطوات عليا لتقليم أظافرهم سياسيًا وإعادة تحجيم مراكز القوى الداخلية.

/size]

الانتفاضات على الانظمة تمنح الشعوب الفخر

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله القحطاني1

بسم الله الرحمن الرحيم

من المحيط الى الخليج، نجحت الانتفاضات المتتالية في كسر الانطباع السائد عن الشعوب العربية الذي يوسمها بال”تخلف” و”التطرف” و”الخضوع”، ويكاد يكون لسان العرب واحدا اليوم: “انا عربي وافتخر”.ويقول احمد جميل،
وهو مهندس اردني في الخامسة والثلاثين، لوكالة فرانس برس “للمرة الاولى في حياتي، افتخر بأنني عربي. يمكنني ان أسير مرفوع الرأس”.

ومنذ سقوط الرئيس التونسي زين العابدين بن علي ومن بعده الرئيس المصري حسني مبارك، وانتشار الثورات والانتفاضات وحركات الاحتجاج على القمع والفساد في ليبيا والبحرين واليمن وغيرها، يجاهر الاف الاشخاص على صفحات الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، من تونس الى صنعاء، ب”عروبتهم” وبحماسهم للتغيير الذي يشق طريقه في العالم العربي.

ويكتب كريم سيف على صفحة بعنوان “انا عربي” على موقع “فيسبوك”، “ولدت في تونس… ترعرعت في مصر… ضحيت بدمي لليبيا، سأكبر في الوطن العربي… حتى أصل الى فلسطين، واسمي حرية”.

ويقول المشرفون على الصفحة ان الهدف منها “دعم الثورات العربية”. اما التوقيع فهو تونس، مصر، ليبيا، البحرين، اليمن، لبنان…. كل الدول العربية”. وبلغ عدد المنتسبين الى هذه الصفحة اكثر من ثلاثة الاف.

وتوجد عشرات الصفحات التي تحمل الاسم نفسه انضم اليها الاف الشبان والشبات، بالاضافة الى صفحات بعنوان “انا عربي وافتخر”، احداها بلغ عدد اصدقائها اكثر من 12 الفا، وصفحة بعنوان “عالم عربي واحد” واخرى “جميعا من اجل عالم عربي متحد”، و”من أجل ليبيا”، وغيرها.

وتقول اريج عبد الرزاق الفرج (سعودية، 24 عاما)، ردا على سؤال لوكالة فرانس برس عبر “فيسبوك”، “تحولنا من وطن صامت يوصف شعبه بالاستكانة والذل الى وطن متحرك يتحدث العالم كله عن ثوراته”.

واضافت اريج وهي طبيبة، “جيلنا اثبت للعالم انه ليس جيلا تافها وسخيفا بل جيلا صانعا ومغيرا”، متمنية “ان نشبه (كعرب) الثورة الفرنسية في الانقلاب السياسي الاجتماعي الفكري”.

ويقول عمار العجيلي، (عراقي، 36 عاما)، “انا بالفعل أشعر بالفخر للثورات التي تعم الوطن العربي وهي تدل على ان الشباب العربي واع وقادر على التغيير رغم محاولات احباطه من جانب الحكومات”.

ويتابع المواطنون العرب، مسمرين الى اجهزة الكومبيوتر او القنوات التلفزيونية الفضائية، لحظة فلحظة “كيف يكتب تاريخ منطقتهم” التي كانت تعيش منذ عقود في ظل انظمة بوليسية وقمعية، منتشين بما بات يعرف ب”الربيع العربي”.

فبعد ان خرجت دول عربية عدة في القرن العشرين من وصايات الدول الغربية المنتدبة او المستعمرة دخل معظمها الى حكم الحزب الواحد.

وعرف العرب في تاريخهم الحديث “انتصارات” رمزية نادرة لم تدم، لا سيما مع صعود نجم الزعيم المصري جمال عبد الناصر ومعه حلم “الوطن العربي الموحد”، ثم مع حرب اكتوبر 1973 التي ما لبثت ان ضاعت مكتسباتها بتوقيع اتفاقية كمب ديفيد. الا ان ما تبقى من التاريخ العربي فقد حفل خصوصا ب”النكسات”.

ويرى خبراء ان الاحداث الجارية اليوم “غير مسبوقة” من نواح عدة.

ويقول المؤرخ جورج قرم، صاحب كتاب حول تاريخ الشرق الاوسط، ان ما يميز الانتفاضات الحالية “انها تضم كل الطبقات الاجتماعية وكل الاعمار، من دون اي شعار عقائدي او حزبي. تعتمد لغة واضحة جدا، ولا تقودها شخصية كاريسماتية محددة”.

ويضيف “هذا حدث استثنائي في التاريخ الحديث”، مشيرا الى “تداخل جميل جدا بين حقوق الانسان والتقنيات الحديثة”، ومتوقعا “سقوط الحدود المصطنعة التي اقامها حكام ما بعد الاستعمار بين المجتمعات العربية”.

ويرى استاذ علم الاجتماع في الجامعة الاميركية في بيروت ساري حنفي ان صورة العربي “الملتحي” التي يسوقها الغرب اهتزت. ويقول “ان العالم رأى شيئا جديدا، راى اشخاصا حضاريين وسلميين” في الشارع.

ويقول احمد جميل “اليوم لم أعد مهووسا بفكرة الهجرة (…). هذه الاحتجاجات المنادية بالاصلاح حطمت الافكار المعلبة بما فيها تلك التي تقول ان العرب والمسلمين ارهابيون “.

في كتابه “تأملات في شقاء العرب”، كتب المفكر سمير قصير، المناضل من اجل نشر الديموقراطية في العالم العربي، العام 2004 قبل حوالى سنة من اغتياله في بيروت، “لا خير في ان تكون عربيا هذه الايام”.

لكن وبعد سبع سنوات، كتبت صحيفة “اراب نيوز” السعودية الصادرة باللغة الانكليزية في خضم “ثورة 25 يناير” المصرية، “يحلو للمرء ان يكون عربيا من جديد”.

مــــعـــــركــــــة شـــــــدوان

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

تشتهر جزيرة شدوان بسياحة وممارسة رياضة الغوص والغطس والصيد ولكن لا يسمح فيها بالسباحة وهي جزيرة صخرية منعزلة لا تزيد مساحتها على 70 كيلو متر يبلغ طولها 16 كم ويتراوح عرضها بين 35كم.

معركة شدوان
أهم العمليات التي قام بها العدو في شهر يناير 1970، وشدوان عبارة عن جزيرة صخرية منعزلة لا تزيد مساحتها على 70 كيلو متر وتقع بالقرب من مدخل خليج السويس وخليج العقبة بالبحر الأحمر، وعليها فنا لإرشاد السفن وهي تبعد عن الغردقة 35 كيلو متر وعن السويس 325 كيلو متر، وتؤمنها سرية من الصاعقة المصرية، ورادار بحري.

قامت قوات العدو بهجوم ضخم على الجزيرة ليلة الخميس 21/22 يناير شملت الإبرار الجوي والبحري والقصف الجوي الذي أستمر لعدة ساعات على الجزيرة وضد بعض موانئ البحر الأحمر التي يحتمل أن تقدم المعونة لقواتنا وقد أستمر القتال لمدة 6 ساعات كاملة بين كتيبة المظلات الإسرائيلية وسرية الصاعقة المصرية.

وقد تمكن العدو بواسطة قواته الجوية من إصابة أحد القوارب المصرية في الجزيرة وبالرغم من الدعاية الضخمة التي آثارها العدو –كعادته- بعد هذه العملية إلا أنه لم يستطع إخفاء حقيقة الخسائر الجسيمة التي تعرض لها ولكنه لم يعترف الا بعشرة فقط بين قتلى وجرحى.

وقالت وكالات الأنباء وقتها أن من بين القتلى الإسرائيليين ضابطين هما الملازم إسحاق كوهين (24 عام)، والملازم الإسرائيلي إسرائيل بارليف لكنه لم يُعرف إذا كان بارليف هذا قريب للجنرال حاييم بارليف رئيس الأركان الإسرائيلي وصاحب الخط الشهير الذي عُرف باسمه، وقالت وكالات الأنباء في حينها أن بقية أسماء القتلى لم تُعرف.

وفي الثامنة والربع من صباح 33 يناير صدر بيان عسكري مصري قال أن “العدو بدأ في الساعة الخامسة صباحا هجوما جويا مركزا على جزيرة شدوان.. وقد تصدت وسائل دفاعنا الجوي لطائراته وأسقطت طائرة منها شوهد قائدها يهبط بالمظلة في البحر وما زال الإشتباك مستمرا حتى ساعة صدور هذا البيان”.

وقد هاجم العدو بواسطة قواته الجوية، المكونة من طائرات الفانتوم وسكاي هوك الأمريكية الصنع، بعض قواربنا التي كانت تتصدى له في المنطقة واصاب واحدا منها الا ان وسائل دفاعنا الجوي اسقطت له طائرة آخرى، وقد خاضت القوات المصرية المعركة ببسالة وأنزلت بالقوات المهاجمة خسائر جسيمة في الأفراد لا تقل عن ثلاثين بين قتيل وجريح وتمكنت وسائل الدفاع الجوي المصرية من إسقاط طائرتين للعدو إحداهما من طراز “ميراج” والثانية من طراز “سكاي هوك”.

وبعد قتال عنيف ومرير أستمر 36 ساعة كاملة خاضته ببسالة قوة مصرية صغيرة أضطرت القوات الإسرائيلية التي تقدر بكتيبة كاملة من المظليين للإنسحاب من الأجزاء التي أحتلهتا في الجزيرة.

وكان العدو قد أعلن مساء ليلة القتال الأولى أن قواته “لا تجد مقاومة على الجزيرة!” إلا أنه عاد وأعترف في الثالثة من بعد ظهر اليوم التالي ان القتال لا يزال مستمرا على الجزيرة.

وفي اليوم التالي للقتال (الجمعة) أشتركت القوات الجوية في المعركة وقصفت المواقع التي تمكن العدو من النزول عليها في شدوان والقت فوقها 10 أطنان من المتفجرات في الوقت الذي قامت فيه القوات البحرية بأعمال رائعة لتعزيز القوة المصرية على الجزيرة.

وقال رئيس الأركان الإسرائيلي، حاييم بارليف، أن الجنود المصريين يتصدون بقوة للقوات الإسرائيلية ويقاتلون بضراوة شبرا فشبرا فلإحتفاظ بالجزيرة بأي ثمن.

وشهدت المعركة بطولات من العسير حصرها، وبلغ من عنف المقاومة المصرية أن القوات الإسرائيلية لم تتمكن طوال 36 ساعة من الإقتراب من القطاع الذي يتركز فيه الرادار البحري على الجزيرة.

شهادة أمريكية: وقال الصحفي الأمريكي (جاي بوشينسكي) الذي كان مصاحبا للقوات الإسرائيلية وهو مراسل لإذاعة وستنجهاوس وجريدة شيكاغو نيوز في برقية بعث بها إلى وكالة أنباء “يونايتد برس”: “.. رغم أن الطائرات الإسرائيلية قصفت الجزيرة قصفا مركزا لعدة ساعات قبل محاولة انزال القوات الإسرائيلية فقد قاومت القوة المصرية مقاومة باسلة ولم يجعل الأمر سهلا للمهاجمين… ولما تمكنت القوات الإسرائيلية من النزول على الطرف الشمالي الشرقي للجزيرة بدأت في محاولة لتثبيط عزيمة القوات المصرية بأن أذاعت نداءات متكررة بالميكروفون تدعو القوة المصرية للاستسلام وأنه لا فائدة من المقاومة، وكان رد المصريين على هذا النداء بقذائف مركزة من المدافع تنصب فوق الجنود الإسرائيليين من كل جانب.. لقد شاهدت بطولات من الجنود المصريين لن أنساها ما حييت: جندي مصري يقفز من خندقه ويحصد بمدفعه الرشاش قوة من الإسرائيليين، وظل يضرب إلى أن نفذت آخر طلقة معه، ثم أستشهد بعد ان قتل عددا كبيرا من جنود العدو وأصاب عشرات بجراح.. إن القوات الإسرائيلية التي كانت تتلقى مساعدة مستمرة من طائرات الهليكوبتر لم تكن تتقدم الا ببطء شديد للغاية تحت وطأة المقاومة المصرية ولم يكن أى موقع مصري يتوقف عن الضرب إلا عندما ينتهي ما عنده من ذخيرة. وحين انتهت ذخيرة أحد المواقع وكان به جنديان آسرهما الإسرائيليون ثم طلبوا من أحدهما أن يذهب إلى مبنى صغير قرب فنا الجزيرة ليقنع من فيه بالتسليم ثم عاد الجندي المصري ليقول لهم انه وجد المبنى خاليا.. وعلى الفور توجه إلى المبنى ضابط إسرائيلي ومعه عدد من الجنود لاحتلال المبنى وماكادوا يدخلون إلى المبنى حتى فوجئوا بالنيران تنهال عليهم من مدفع رشاش يحمله ضابط مصري، وقد قتل في هذه العملية الضابط الإسرائيلي وبعض الجنود الذين كانوا معه اما الضابط المصري البطل الشجاع فقد أصيب بعد اأن تكاثر عليه جنود العدو.. وفي موقع آخر خرج جنديان متظاهرين بالتسليم، وحين تقدمت قوة إسرائيلية للقبض عليهما فوجئت بجندي مصري ثالث يبرز فجأة من الموقع بمدفعه الرشاش فيقتل 5 جنود ويصيب عدد من الإسرائيليين”.

وكانت الخسائر عالية بين الجانبين نظرا للقتال العنيف الذي شهدته الجزيرة فقد بلغت خسائر العدو 50 فرد بين قتيل وجريح، بينما أستشهد وأصيب نحو 80 من رجالنا البواسل إضافة إلى بعض المدنيين الذين كانوا يديرون الفنار لإرشاد السفن.

وقال بيان صادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية “ان القوات المسلحة المصرية لتعتبر معركة جزيرة شدوان والتي دامت 36 ساعة متصلة في قتال متلاحم رمزا للصلابة والجرأة والفداء الذي وصل في هذه الجزيرة إلى أقصى حد

اضخم واطول معركه جويه في التاريخ

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

اضخم واطول معركه جويه في التاريخ

تعد معركة المنصورة بحق فخر القوات الجوية المصرية، حيث تحقق فيها انتصار لم يتحقق فى تاريخ الطيران الحربى على مستوى العالم حتى الآن وأيضا لأنها أضخم معركة جوية من حيث العدد (180 مقاتلة من الجانبين،60 مقاتلة مصرية مقابل 120 مقاتلة إسرائيلية) والأطول زمنيا من حيث الوقت (53 دقيقة كاملة من القتال الجوى التلاحمى أو ما يطلق عليه بالانجليزية (Dog Fight).
البداية كانت فى يوم 6 أكتوبر 1973 حيث شنت القوات الجوية المصرية هجوما ساحقا على القوات الإسرائيلية ومراكز القيادة والسيطرة فى سيناء المحتلة تمهيدا لعبور القوات البرية فحلق نسور مصر بمائتين وعشرين طائرة وعبروا قناة السويس فى اتجاه سيناء فى تمام الساعة 2:05 ظهرا لتدمير قوات العدو الإسرائيلى فى سيناء فحققت نتيجة ليست طبيعية بالمقياس العسكرى، إذ أن الخسائر لأى هجمة جوية مثل هذه لا تقل عن 25%، وأيضا نسبة تحقيق الهدف من الضربة كانت غير طبيعية هى الأخرى حيث حققت 95% من هدف الضربة الجوية، وهو التدمير الكامل لمراكز القيادة والسيطرة ووسائل الدفاع الجوى والاحتياطى الإسرائيلى فى سيناء وهو ما تحقق بفضل الله أولا وأخيرا الذى رزق مصر ببشر وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم خير أجناد الأرض،

ولكن هل توقف دور القوات الجوية المصرية عند ذلك وكان هذا هو كل دورها؟
الإجابة: لا.
إذ أن القوات الجوية المصرية كان لها مهمة أخرى لا تقل مطلقا عن المهمة الأولى وهى تامين القوات المصرية من الأجناب لإحباط أى هجوم إسرائيلى جوى على هذه القوات وتدميره وهذا ما حدث فعلا يوم 14 اكتوبر 1973
حيث أراد الطيران الإسرائيلى ضرب القوات المهاجمة من الخلف وأيضا تدمير بطاريات صواريخ الدفاع الجوى الرهيبة من
نوع SAM-2 التى قطعت يد إسرائيل التى كانت طويلة، فقد أطلقت إسرائيل غارة كبيرة الحجم تتكون من مائة طائرة مقاتلة من نوع إف – 4 فانتوم الثانية وإيه 4 سكاى هاواك (4 Skyhawks – A) لتدمير قاعدة المنصورة الجوية. واستمرت المعركة حوالى 53 دقيقة اشتبكت فى تلك المعركة 180 طائرة مقاتلة.
فى تمام الساعة 3:15 عصرا
لاحظ عناصر الاستطلاع 20 مقاتلة اسرائيلية من طراز (Phantom – 4F) قادمة من البحر متجهة إلى بورسعيد وأبلغت الإشارة الى قائد القوات الجوية اللواء محمد حسنى مبارك فأمر اللواء أحمد عبدالرحمن نصر قائد القاعدة الجوية بتجهيز 16 مقاتلة من طراز 21Mig لعمل مظلة جوية فوق القاعدة الجوية بالمنصورة وألا يبحث الطيارون المصريون عن المقاتلات الإسرائيلية والاشتباك معها.
وكان قرار عدم الاشتباك غريبا بالنسبة للطيارين المصريين التواقين لقتال اليهود ولكن كان له أسبابه التى تأتى فيما بعد.
وفى الساعة 3:30 من نفس اليوم
أرسلت قيادة الدفاع الجوى تحذيرا باقتراب 60 مقاتلة إسرائيلية من ثلاثة اتجاهات مختلفة فى أتجاه بلطيم ودمياط وبورسعيد فأمر اللواء طيار حسنى مبارك قائد القوات الجوية الطيارين بالاعتراض والاشتباك هذه المرة وشرح لهم لماذا لم يعطهم الأمر بالاشتباك فى المرة الأولى، لأن الإسرائيليين كانوا يريدون تشتيت المقاتلات المصرية هنا وهناك ثم تهاجم هجوما رئيسيا عندما تكون المقاتلات المصرية مشتتة.
وهذا لم يكن غريبا على اللواء محمد حسنى مبارك الذى يعلم الكثير عن تكتيكات القتال الإسرائيلية، حيث إن الهجوم الجوى الإسرائيلى يتكون من ثلاث موجات، الأولى ترسل كطعم فتنطلق خلفها المقاتلات المصرية ويكون هذا الوقت المناسب للموجة الثانية التى يكون هدفها ضرب الدفاعات حول الهدف الرئيسى وأخيرا الموجة الثالثة الرئيسية التى تهدف لتدمير الهدف الرئيسى وهو هنا قاعدة المنصورة الجوية، وقد استمرت المقاتلات الاسرائيلية فى الدوران فى حلقات لكنها لم تفلح فى اجتذاب المقاتلات المصرية، ثم بعد ذلك انطلقت 16 مقاتلة مصرية من
طراز Mig 21 لمواجهة المقاتلات الإسرائيلية من الثلاث جهات فى محاولة لبعثرة هذه الطائرات لتكون معرضة للهجوم بشكل أفضل من باقى طائرات القاعدة الجوية، ثم أقلعت 8 مقاتلات أخرى من نفس الطراز من طنطا لمساندة الـ 16 مقاتلة الموجودة بالفعل فى الجو.
وفى الساعة 3:38
أبلغت محطات الرادار المصرية قيادة القوات الجوية بقدوم 16 طائرة إسرائيلية من نفس الاتجاه على ارتفاع منخفض جدا فاقلعت 8 طائرات من القاعدة الجوية فى المنصورة للتصدى للهجوم لحين وصول مقاتلات أخرى من قاعدة ابو حماد الجوية، إيذانا ببدء أشرس المعارك الجوية على الإطلاق.
وفى الساعة 3:52
التقطت الرادارات المصرية موجة إسرائيلية أخرى مكونة من 60 مقاتلة إسرائيلية من طراز Phantom -F4 ، Skyhawk- A4 على ارتفاع منخفض جدا وكانت مهمتها تدمير الأهداف التى لم تدمر فى الموجة الثانية التى فشلت فشلا ذريعا فى تدمير أى هدف مثل الموجة الأولى. فأقلعت 8 مقاتلات Mig 21 من قاعدة انشاص الجوية للتصدى، ولحقت بها 20 مقاتلة أخرى كانت قد هبطت للتزود بالوقود فظن قائد الموجة الثالثة الاسرائيلية أن المقاتلات المصرية قد زاد عددها على المرات السابقة فانسحبت المقاتلات الإسرائيلية وقد انسحبت آخر طائرة الساعة 4:08،
والذى كان علامة انتهاء هذه المعركة الخالدة فى تاريخ القوات الجوية المصرية.
كان هذا الهجوم رابع هجوم لتدمير القاعدة اذ حاولت إسرائيل ضربها فى 7 و9 و12 أكتوبر لكنها لم تفلح،
ولكنها هذه المرة كانت مصممة على ذلك ويظهر ذلك من عدد الطائرات الإسرائيلية المهاجمة والذى بلغ 120مقاتلة، ولكنها فشلت هذه المرة أيضا.
وأسقطت القوات الجوية المصرية لاسرائيل 18 طائرة Phantom – F4 عن طريق 7 طائرات ميج وتمكنت وسائل دفاعنا الجوى من إسقاط 29 طائرة للعدو منها طائراتان هيلكوبتر

موضوع شامل عن مفهوم الثقافة

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الحربي ( 9 )

]بقلم : الأستاذ الدكتور / سعيد إبراهيم عبد الواحد
أُستاذ الأدب الإنجليزي والنقد بجامعة الأزهر بغزة

حظيت كلمة “الثقافة” بمكان كبير في الآداب الأوروبية في القرن العشرين ، وكان لها اهتمام لا بأس به في عالم الصحافة أيضاً، وهي كلمة عني بها البعض معنى “الحضارة”. هذا الموضوع مازال يتطور وينمو ويأخذ أبعاداً وأشكالاً لم تكن موجودة من قبل وما زال يكتسب أبعاداً جديدة. ومع هذا التطور نسأل: هل الثقافة تعني أيضاً “المدنية”؟ وهل هي أيضاً “المعرفة”؟ في هذا المقال أحاول إلقاء الضوء على مفاهيم ومعاني الثقافة وتطورها.

تعريف الثقافة :
كان الشاعر ت. س. اليوت من اشهر من اهتم بموضوع الثقافة منذ بدايات القرن العشرين ومن أجل إدراك الثقافة وضع إليوت شروطاً ثلاثة إذا ما تحققت ، تم بها تحقيق الثقافة وهي: أولاً: البناء العضوي ، ويرى أنه يساعد على الانتقال الوراثي للثقافة داخل ثقافة ومجتمع معينين. ثانياً: القابيلة للتحليل: ويرى وجوب أن تكون الثقافة (من وجهة النظر الجغرافية) قابلة للتحليل إلى ثقافات محلية (البعد الإقليمي للثقافة). ثالثاً: التوازن بين الوحدة والتنوع في الدين. ويرى أن هذا الشرط مهم لأنه في الكثير من الثقافات لا يمكن إغفال أو تهميش عامل الدين. وفي هذا السياق أضاف آخرين إلى أن الثقافة سياسة وتربية.

وعندما أقدم بعض علماء الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع على تعريف مفهوم الثقافة البشرية قالوا أنها سلوك تعلمي يكتسبه الأفراد كأعضاء في جماعات تعيش في المجتمع الواحد. في السبعينات من القرن التاسع عشر قدم عدد من علماء الأنثروبولوجيا أكثر من تعريف للثقافة وفي المحصلة أجمعوا على أن الثقافة هي ذلك الكل المعقد الذي يتضمن المعرفة ، والمعتقد ، والفن ، والخُلق ، والقانون ، والعادات الاجتماعية وأية إمكانيات اجتماعية أخرى بل وطبائع اكتسبها الإنسان كعضو في مجتمعه.” وبعدئذ دأب هؤلاء على تقديم العديد من التحسينات والتباينات على هذا التعريف العام لمعنى الثقافة ، لكن الأهم هو أن الجميع اتفقوا على أن الثقافة هي سلوك تعلمي كثيراً ما يتناقض مع السلوك الموهوب تراثياً.

وانطلاقاً من واقع أن كل مجتمع إنساني يتمتع بمنظومة من السلوك الذي تحكمه معايير قد تختلف نسبياً من مجتمع إلى آخر حتى داخل الثقافة الواحدة (مثال ذلك الثقافة العربية ومن لها من ثقافات فرعية تحكمها عوامل قسرية مثل العوامل الإقليمية والجغرافية وربما ازدواجية اللغة كحالة الجزائر بين أصول بربرية وأخرى عربية) ، كما تحكمها معايير أخرى تؤدي إلى ألوان أخرى من المعرفة مثل (الاستعمار والهجرات والحروب وما إلى ذلكم من الأمور وربما ازدواجية اللغة مرة أخرى لكن هذه المرة نرى الازدواجية بين اللغتين الفرنسية والعربية في بلاد المغرب العربي) فانه يتم تآلف الأفراد مجتمعياً وتثاقفياً. ويتمتع الإنسان بمنظومة هذا السلوك منذ ميلاده بل ويتطور ذلك السلوك وينمو معه طالما ظل يعيش في ذلك المجتمع.

من هنا يمكن القول بأن الثقافة بهذا المفهوم تختلف عن الثقافة بالمفهوم الذي استخدم لوصف شخص مصقول صقلاً عالياً ، وله دراية بالموسيقى ، والأدب ، والفلسفة ، والسياسة ويجيد لغة عالمية إضافة إلى لغة أمه الأصلية ، بل وربما يتضمن أيضاً توجهات ثقافية أُخرى مشتركة مع الحياة المتحضرة من المعرفة بعالم الاتصال الحديث كالإنترنت وقريناته وما شابة ذلك.

ومن زاوية أخرى نرى أن الثقافة الإنسانية بمفهومها التقني تتضمن سمات للسلوك التافه والدنيوي اللازم للحياة اليومية مثل اللباقة الاجتماعية (وهذا ما يحب البعض أنْ يسميه ب الإتيكيت) ، وطباع و عادات الأكل ، وما إلى ذلك من فنون المجتمع المهذبة. وكما يمكن مناقشة أمر تفاهة مجتمعات محددة حول العالم ، وبناءً على ما تقدم فإنه يمكن اعتبار الثقافة مجموع كمي من المعرفة البشرية وسلوكها المكتسب ضمن الإطار الاجتماعي للفرد الواحد ، وهذا يؤدي بنا إلى التذكير بأنه يوجد كم من المعرفة لا تشترك فيه كل المجتمعات الإنسانية في أي وقت ولا يشترك فيه كل الأفراد في أي مجتمع ، أي أن هذا الكم المعرفي يكون مقصوراً على أفراد معينين في أوساط اجتماعية معينة وبالتالي فهم في أغلب الأحيان يشكلون كماً ضئيلاً في مجموعهم إلا أنهم جزء من الثقافة الإنسانية.

وفي هذا السياق يمكن أن نأخذ على سبيل المثال لا الحصر حرفة الزراعة أو حرفة صيد السمك فنرى أن كل منها تمثل جانباً مهماً من الثقافة الإنسانية الأُولى والمعاصرة أيضاً، وليس من التقاليد أن يشارك فيها الكثير من المجتمعات الطبيعية المنتجة الأخرى مثل مجتمعات الرعي والصيد البري (أدغال إفريقيا وغابات أمريكا اللاتينية واستراليا) ، وحياة البداوة والترحال (صحراء سيناء وصحاري السودان وصحارى المغرب العربي). فمن البديهي أن تتمتع الزراعة بجميع أنماطها بخصوصية تواجدها في الأراضي الخصبة ، كما أن صيد السمك لا يمكن أن يكون إلا على شواطئ البحار وضفاف الأنهار.

ومثال أخر هو الطاقة النووية والصناعات الثقيلة التي هي الآن جزءٌ من الثقافة الإنسانية التي لا غنى عنها على الإطلاق، وهى في غالبها قاصرة على عدد محدود من المجتمعات مالكة الصناعة العالية. وإضافة إلى ذلك ، نرى أنه في هذه المجتمعات فقط يوجد عدد كامل من الجوانب التقنية مملوك لعدد صغير من العلماء والمهندسين وأصحاب رؤوس المال الهائلة

انتقال الثقافة
لكن قبل وبعد كل شيء تتكون المجتمعات الإنسانية من مجموعات منظمة من الأفراد هم غالباً من الجنسين ومن مختلف الأعمار ، ولهم منظومة من القواعد السلوكية التي تنتقل من جيل إلى جيل آخر. هذا الكلام ينسحب على مناح أخرى من الحياة حتى يصل إلى الكائنات غير الحية مثل العديد من الحيوانات ومن ضمنها ثدييات وحشرات ، فهذه لها أيضاً مجتمعات ، إلا أنّ طريقتها في نقل السلوك الاجتماعي تختلف في أساسها عن طرق المجتمعات البشرية تلك. الحشرات تنقل سلوكها الاجتماعي بالوراثة البيولوجية.

إنّ السلوك الاجتماعي لمعظم الثدييات ينتقل انتقالاً طبيعياً و رئيسياً بواسطة الجينات الوراثية ، ولكن أيضاً ، والى حدٍ أقل ، يتم ذلك السلوك بواسطة التداعي الاجتماعي ، أو بالتلقين. يمكن أن ترى أثر التعلم على الكلاب والقرود والدلافين البحرية ويصل الأمر بهذه الحيوانات إلى أن تفهم الإنسان وتتعامل معه وتستجيب لأوامره.

يتم تعلم السلوك الإنساني إما كلياً أو يتم تعديله تعديلاً جذرياً عن طريق التعلم الاجتماعي. وحتى هذه المناحي البيولوجية القوية ، أو الغرائز مثل الجنس والجوع يتم تعديلها وتطويرها بالثقافة ، فمثلاً يتم تقنين السلوك الجنسي عملياً باستخدام تعبيرات تعكس دلالات العيب الاجتماعي في كل المجتمعات الإنسانية taboo ، بل وربما يرفض الناس الجياع الطعام الذي ينتهك حرمتهم الدينية (ما يعتبر عيباً دينياً) مثل أكل لحوم الكلاب والقطط الشائع بين شعوب جنوب شرق أسيا، أو لحم الخنزير الشائع بين شعوب أوروبا وأمريكا اللاتينية ، أو ينتهك قوانين الحمية الغذائية ، أو ينتهك ما يعتبرونه بغيضاً لثقافتهم كأكل الضفادع والجراد وبعض الحشرات الأخرى.

ومن هنا يمكنني القول بأنه صار ممكناً ، في الأغلب ، اعتماد البشرية على السلوك التعليمي وذلك بمظاهر بيولوجية نادرة للإنسان بوصف هذا الإنسان نوعاً بيولوجياً. وحيث أن البدايات في أي أمر مهمة للنجاح ، نرى أن وجوب الاهتمام الشديد بدورة الحياة الطويلة نسبياً للطفل والفترة الممتدة لنموه ، وهى التي يكون خلالها الطفل البشري معتمداً على والديه ، ومتعلماً منهما ومن من حولهم من بالغين آخرين. وفي هذا المقام نرى أن من المهم تطوير قدرة الإنسان اللغوية لأنها تؤدي إلى التطور المعقد للدماغ ، والجهاز العصبي ، والحبال الصوتية ، والحنجرة ، وأجزاء الجهاز السمعي.

اللغة والثقافة :
في البداية دعني أقول أنه ليس هناك ما هو أهم من اللغة في تطوير الثقافة الإنسانية وهى ثقافة أصبحت بالغة التعقيد في الزمن الحاضر. بهذه اللغة تمكن بني البشر من استخدام الرموز وتطوير لخلق معان للحياة، وذلك يعني ، أن أصحاب اللغة تمكنوا من إسداء النعم ومن نقل المعاني عبر الأصوات و ترتيبات الأصوات إلى كلمات وجمل. وبعدئذ صار من الممكن تعليم العديد من الحيوانات أن يستجيبوا إلى اللغة ، ولكن فقط في صورة إشارات أو أصوات وليس كرموز حقيقة.

وقد أشارت بعض الدراسات إلى أنه يمكن تعليم قرد الشمبانزي أنْ يستخدم عدداً محدداً من الرموز في استجابة إلى أصوات وإيماءات معينة؛ لكن بني البشر فقط هم الذين يمكنهم الاتصال ببعضهم البعض باستخدام لغة نظامية. كل الثقافات الإنسانية تعتمد على اللغة ، وكل اللغات البشرية ، حتى لغات تلك الشعوب غير المتعلمة ، هي لغات معقدة بدرجة كافية لأن تقوم بنقل الثقافة الإنسانية باعتبارها كلاً متكاملاً. وكذلك الأمر فإن أي كانت لغة هي مرنة ومطواعة بدرجة كافية لكي تتمدد في مفرداتها وتراكيبها كلما صارت ثقافة المجتمع أكثر تعقيداً.

يكتسب الأطفال ثقافة مجتمعهم اكتساباً رئيسياً عن طريق اللغة. ومع ذلك ، فإن اللغة والثقافة ليستا ذات علاقة بتركيب الجينات أو الجنس البشري ، فمثلاً لو تربى طفل عربي في عائلة من أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة) أو كندا فهو سوف يكتسب ويتعلم و يتكلم نمط اللغة الإنجليزية لأمريكا الشمالية أو كندا بحسب الحالة ، وسوف يتصرف اجتماعياً وثقافياً مثلما يتصرف طفل شمال أمريكي أو كندي بحسب الحالة أيضاً. هذا الأمر يؤدي بنا إلى القول بأنه يمكن لأي شخص من أي جنس بشري أو نوع بيولوجي ، أن يتعلم لغة ما إذا ما عاش في كنفها، وبواسطة هذه اللغة يمكن أنْ يحقق الثقافة الإنسانية لتلك اللغة وأهلها.

تباينات الثقافة :
تتباين الثقافات الإنسانية تبايناً واسعاً في الأرض بل ويصل الاختلاف إلى أبعد حد بفعل عوامل إقليمية وجغرافية ودينية وطبقية. هناك تباين كبير بين مجتمعات وثقافات غابات الأمازون أو أواسط إفريقيا فتلك مجتمعات ما زالت بدائية ، وبين مجتمعات أخرى تتمتع بثقافات متحضرة بفعل التعليم مثل مجتمعات حوض البحر الأبيض المتوسط ، ثم هناك مجتمعات أكثر تعلماً وتقنية و تحضراً مثل الولايات المتحدة وكندا واستراليا واليابان.

تباين هذه المفاهيم الثقافية يبدو لنا واضحاً جلياً في صورة عادات ومعتقدات اجتماعية يكون لها أحياناً صفة وبعد ديني ففي بعض المجتمعات عادةً ما يمارس الناس أُحادية الزواج (شريك أو شريكة عمر واحد أو واحدة كما في الزواج المسيحي الكاثوليكي) هذه العادة تم حمايتها بنظم وقوانين صارمة وضعتها الدولة وأشرفت عليها وعملت على حمايتها مثلما الأمر في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وبقية أوروبا؛ وهناك مجتمعات أُخرى توجد فيها ثنائية الزواج (زوجان لامرأة واحدة في نفس الوقت) وهذا الأمر موجود في بعض دول أمريكا اللاتينية ، وفي حالة ثالثة توجد مجتمعات تجيز وتمارس تعددية الزواج (عدة زوجات)، كما في المجتمعات الإسلامية سواء عربية كالسعودية وغيرها ، أو إسلامية غير عربية مثل الباكستان وبنغلادش و أفغانستان وغيرهم.

وعلى ذكر الزوج والزوجات نقول أنه في بعض الثقافات يكثر التندر على أم الزوجة ويكون إطلاق النكات عليها أمراً شائعاً وهذا الحال متوافر في الثقافة العربية خاصة في مصر وبر الشام. في بعض المجتمعات يعتبر الأب قوي الشخصية إذا كان يتصرف كالطاغية مع أفراد أسرته. وفي مجتمعات أُخرى يعتبر الأب جيداً إذا كان حامياً للأسرة ومتسامحاً معها. والحالين متوافرين في ثقافة العرب المعاصرة وتحكم هذه الأمور ضوابط البيئة والمناخ العام للأسرة ونسبة التعليم فيها وما إلى ذلك.

ورغم التباين الهائل بين الثقافات الإنسانية حول العالم ، إلا أن هناك عموميات محددة موجودة في كل المجتمعات ، وهى تعكس ردود أفعال أساسية عن حاجات بني البشر. هذه العموميات تتضمن وسائل أولية للعيش والبقاء – وعلى سبيل المثال كما وسبق أن ذكرنا ، الصيد ، والزراعة ، والصناعة. يشكل بعض هذه العموميات للأسرة الأولية ؛ نظام من القربى ؛ مجموعة من قواعد السلوك الاجتماعي ؛ الدين ؛ ثقافة مادية (أدوات ، وأسلحة ، وملابس) و أنماط من الفن ؛ والعديد من المؤسسات الأُخرى التي تشير إلى التوجهات العامة في كل المجتمعات الإنسانية في اتجاه بيئات طبيعية متباينة.

——————————————————————————–

أنماط الثقافة :
على أي حال فإن نموذج الثقافة عموماً يشير إلى مجموعة من المسالك الثقافية أو العناصر التي تشكل نظاماً متداخلاً على أكثر من صعيد ، فإذا ما بدئنا بأوائل سبل الحياة الأُولى نقول أن المحراث هو عنصر لنمط ثقافي يتكون أصلاً من المحراث ذاته ، والحيوان الأليف الذي يستخدم في سحب المحراث و محاصيل حبوب العالم القديم مثل القمح والشعير ، وحرث أراض أكبر في مساحتها من الحدائق ، واستخدام الأسمدة من روث الحيوانات الأليفة . جاءت الزراعة بالمحراث والعوامل المشتركة معها ، كنمط ثقافي ، جاءت من القرون الوسطى في حوالي 500 ق.م.

مثل هذا النمط الثقافي تواصل عبر الأيام ؛ فالزراعة تنتشر من ثقافة إلى أُخرى ، ويضاف إليها عناصر جديدة بين حين وآخر ، وهو ما نسميه بالتطور التقني للزراعة. اليوم تعرف زراعة المحراث كنمط ثقافي ، وقد تم دمج محاصيل باستخدام وسائل علمية عالية التقنية وباستخدام ونماذج جديدة من الأسمدة ، فنتج لنا أنواع أخرى من المحاصيل و الخضرة الأخرى. كل هذا يندرج تحت تسمية النمط الثقافي للمجتمع الواحد.

أحياناً يستخدم تعبير النمط الثقافي لكي يعني ترتيباً متجانساً للسلوك البشري ، والعادات الاجتماعية ، ومنظومة القيم المرتبطة بها وهى يلك القيم التي ستكون من خصائص المستقبل أو الحضارة . هناك علماء انثربيولوجيا ينظرون إلى الحضارات في سياق نمط الشخصية المهيمنة في أي حضارة وهى الشخصية التي تكون مفضلة عند كل ثقافة ، والذي يظهر في طبيعة المنظمات الاجتماعية ، وطرائق تعليم الأطفال و تدريبهم ، ومراسم العادات والتقاليد ، والقيم الدينية ، وما يتبع ذلك من وسائل تطبيق ذلك على الواقع العملي للحياة. هناك أنماط ثقافية تاريخية يمكننا المرور عليها بالذكر وذلك مثل بعض ثقافات الإغريق القديمة ، فقد كان منها ما هي ثقافة محمومة وعنيفة ومنها ما هي ثقافة منظمة وهادئة. الحكم هنا هو الزمان والمكان.

——————————————————————————–

نسبية الثقافية :
العادات والسلوك التي تعتبر خطّاءةً في ثقافة ما ، قد تكون مقبولة كلياً أو ربما ممتدحة ومحببة في ثقافة أُخرى. غالبية علماء الأنثروبيولوجيا ينظرون إلى الثقافة الإنسانية نظرة نسبية [النسبية هي نظرية تقول بأن كل شيء في الدنيا نسبي وليس هناك شيئاً مطلقاً] ، والمفهوم بأن كل الثقافات هي نظم مرتبة ومن خلالها تكون التقاليد الاجتماعية والمؤسسات منطقية في معانيها الخاصة. وبهذا يمكن رؤية إيمان الهندوس بعدم أكل لحوم البقر وضمان معاملة خاصة للأبقار ، يمكن رؤيتها على أنها وظيفية ومنطقية ، هذا ليس فقط في إطار التقاليد الدينية للأبقار المقدسة ، ولكن أيضاً في سياق الفائدة المرجوة من البقرة كحيوان جر وكمصدر للروث من أجل التسميد والوقود. غالبية علماء الإنسان يقرون كذلك بأن الثقافات البشرية تتضمن في بعض الأحيان عادات وقيم مضادة للرفاهية الإنسانية.

——————————————————————————–

تحولات الثقافة :
يرتبط تحول الثقافة الإنسانية ارتباطاً وثيقاً بالتطور التكنولوجي ، وهو التحول الذي من خلاله قامت البشرية باستثمار البيئة بطرق معقدة تعقيداً كبيراً يتزايد يوماً بعد يوم ، ولنا في ذلك مثال في تاريخ تطور التكنولوجيا ، ففي القرن التاسع عشر قدم العديد من علماء الانثروبيولوجيا الرواد وعلماء الاجتماع ، نظرية تقول بأنه لا بد وأن تمر كل ثقافة إنسانية بمراحل محددة من التحول ، بل وقسم البعض هذا التطور إلى ثلاثة مراحل تتكون من التالي: مرحلة أساس (مرحلة الوحشية) ، عندما قام بني البشر بجمع البذور والحبوب ؛ وتبع ذلك مرحلة ثانية سموها (مرحلة البربرية) ، عندما قام بني البشر بزراعة الحبوب ، واستخدموا بعض الأدوات المعدنية من أجل ذلك، وعاشوا في مساكن دائمة ؛ وأخيراً ، مرحلة ثالثة عندما اهتموا بالحضارة التي بدأت بابتكار الحروف الصوتية والكتابة. علماء الانثروبيولوجيا وعلماء الآثار ، ومؤرخون لم يعودوا يعتقدون أن حضارات محددة هي بالضرورة تحقق تقدماً في مراحل ثابتة من التاريخ.

ومن الواضح أنّ مجتمعاً بسيطاً مكوناً من بضعة مئات من الأفراد في صحراء النقب أو سيناء مثلاً لا يمكن أن يطور بمفرده نظاماً اجتماعياً بمفردهم ودون الاختلاط بمجتمعات أخرى أو ثقافات أخرى ، بل ويمكن أن نقول بأن سكان العصر الحجري يمكنهم أن يسوقوا دراجات و سيارات وجرارات مباشرة ,ان يقوموا بإصلاحها عندما يتم تقديم تلك الماكينات إلى ثقافتهم. هذا الفهم الواضح لمعنى الثقافة جعل اليابان و من بعدها الصين ودول النمور الأسيوية ، جعلها قادرة على تغيير ذاتها من مجتمعات إقطاعية زراعية إلى مجتمعات صناعية متقدمة إلى أبعد الحدود. وبناءً على ما تقدم نقول أن الثقافة الإنسانية تنمو وتتعاظم ، وذلك يعني ، أنها يمكن أن تتمدد من مجتمع إلى آخر ضمن حدود البيئة الجغرافية وطبقاً لقدرة المجتمع على استيعاب أفكار جديدة ، والتعامل الإيجابي معها