أ.د. أحمد محمد وهبان

الديمقراطية في الفكر الإسلامي المعاصر

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العلي 0,1,4

الديمقراطية في الفكر الإسلامي المعاصر

لقد شغلت قضية الديمقراطية المفكرين السياسيين في العالم العربي منذ فجر النهضة العربية المعاصرة، أي منذ ما يقرب من قرنين من الزمان. وقد تغير مفهوم الديمقراطية وتعدل منذ ذلك الوقت تحت تأثير مجموعة متنوعة من التطورات الاجتماعية والسياسية.[ii] ولعل أول من أثار حوارا حول الفكرة الديمقراطية في العالم العربي هو الشيخ رفاعة الطهطاوي، الذي كان لويس عوض يطلق عليه لقب أبو الديمقراطية المصرية.[iii] وكان الطهطاوي (1801-1873) بعد تخرجه من الأزهر قد أرسل إلى فرنسا إماما مرافقا لفرقة عسكرية ابتعثها محمد علي إلى هناك للتعلم والتدريب، فأحسن استغلال وجوده بالإقبال على تعلم العلوم الغربية بحماسة منقطعة النظير، فأتقن اللغة الفرنسية ودرس الفلسفة اليونانية والجغرافيا والمنطق، وقرأ مؤلفات رواد الفكر الفرنسي مثل فولتير وروسو. وما أن عاد إلى القاهرة حتى ألف في عام 1834 كتاباً بعنوان ‘تخليص الإبريز إلى تلخيص باريز’ دو ن فيه مشاهداته حول عادات ومسالك أهل فرنسا،[iv] وكال المديح للنظام الديمقراطي الذي نشأ فيها ووصف مشاعره تجاه انتفاض الأمة الفرنسية للدفاع عن الديمقراطية من خلال ثورة 01830 ضد الملك تشارل العاشر.[v] وحرص الطهطاوي على إثبات أن النظام الديمقراطي الذي كان شهده في فرنسا ينسجم انسجاما تاما مع تعاليم الإسلامي ومبادئه.

ومن الأعلام الذين كان لهم السبق في هذا المجال خير الدين التونسي، رائد حركة الإصلاح التونسية في القرن التاسع عشر، والذي كان عام 1827 قد وضع خطة شاملة للإصلاح ضمنها كتابه ‘أقوم المسالك في تقويم الممالك’. وبينما توجه خير الدين التونسي من خلال كتابه إلي سياسيي وعلماء عصره حاثاً إياهم على انتهاج كل السبل الممكنة من أجل تحسين أوضاع الأمة والارتقاء بها، فقد حذر من مغبة رفض تجارب الأمم الأخرى انطلاقاً من الظن الخاطئ بأنه ينبغي نبذ كل الكتابات أو الاختراعات أو التجارب أو التصرفات الناشئة عن غير المسلمين. وطالب التونسي بإنهاء الحكم المطلق المضطهد للشعوب والمدمر للحضارات.[vi] وسعياً منه لإنفاذ خطته الإصلاحية، أنشأ خير الدين التونسي المدرسة الصادقية لتعليم الفنون والعلوم الحديثة ضمن إطار القيم الإسلامية. وقد جاء في إعلان تأسيس المدرسة أن الهدف منها هو تدريس القرآن والكتابة والمعارف المفيدة، أي العلوم الشرعية واللغات الأجنبية والعلوم العقلانية التي قد يستفيد منها المسلمون شريطة ألا تكون مناقضة للعقيدة. وجاء فيه أيضا إنه يتوجب على الأساتذة أن ينموا في الطلاب حب العقيدة عبر إبراز محاسنها وتميزها، وعبر إخبارهم بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم والمعجزات التي تحققت على يديه، وتذكيرهم بصفات الصالحين.[vii]

أما جمال الدين الأفغاني (1838-1897) فقد توصل بعد تقص لأسباب انحطاط المسلمين أن مرجع ذلك هو غياب العدل والشورى وعدم تقيد الحكومة بالدستور. ولذلك فقد رفع لواء المطالبة بأن يعاد للشعب حق ممارسة دوره السياسي والاجتماعي عبر المشاركة في الحكم من خلال الشورى والانتخابات

وقد سار على نهج الأفغاني تلميذه محمد عبده (1849-1905) الذي رأى بأن أهم تحد يواجه الأمة الإسلامية هو نظرتها إلى العلاقة بين الإسلام والعصر. وفي محاولة للتوفيق بين المبادئ الإسلامية وبعض الأفكار الغربية اقترح عبده بأن مصطلح المصلحة عند المسلمين يقابل المنفعة عند الغربيين، وبأن الشورى تقابل الديمقراطية وأن الإجماع يقابل رأي الأغلبية. ولدى معالجته إشكالية السلطة، أكد عبده بأنه لا يوجد حكم ديني (ثيوقراطية) في الإسلام، معتبرا أن مناصب الحاكم أو القاضي أو المفتي مناصب مدنية وليست دينية. ودعا في هذا المجال إلى إعادة إحياء الاجتهاد للتعامل مع الأولويات والمسائل الطارئة والمستجدة على الفكر الإسلامي.[ix]

في نفس الفترة تقريباً، تألق نجم عبد الرحمن الكواكبي (1849-1903) الذي ألف كتابين حول هذه القضايا، الأول بعنوان ‘طبائع الاستبداد’ والآخر بعنوان ‘أم القرى’. في كتابه الثاني، تصور الكواكبي حواراً بين عدد من المفكرين ينحدرون من مدن مختلفة في العالم الإسلامي جمعهم في مكة المكرمة مؤتمر عقد خلال موسم الحج لتبادل الرأي حول أسباب انحطاط الأمة الإسلامية. ومن الأفكار التي حرص الكواكبي على طرحها ما جاء على لسان البليغ القدسي: ‘يخيل إلى أن سبب الفتور هو تحول نوع السياسة الإسلامية، حيث كانت نيابية اشتراكية، أي ديمقراطية تماماً، فصارت بعد الراشدين بسبب تمادي المحاربات الداخلية ملكية مقيدة بقواعد الشرع الأساسية، ثم صارت أشبه بالمطلقة’، وما جاء على لسان الرومي: ‘إن البلية أن فقدنا الحرية’. ويخلص الكواكبي في النهاية إلى أن التقدم مرتبط بالمحاسبة بينما التخلف مرتبط بالاستبداد.[x]

أما محمد رشيد رضا (1856-1935) فرأى أن سبب تخلف الأمة يكمن في أن المسلمين فقدوا حقيقة دينهم، وأن ذلك مما شجعه الحكام الفاسدون، لأن الإسلام الحقيقي يقوم على أمرين: الإقرار بوحدانية الله، والشورى في شؤون الدولة. واعتبر أن الحكام المستبدين حاولوا حمل المسلمين على نسيان الأمر الثاني بتشجيعهم على التخلي عن الأمر الأول.[xi] وأكد أن أعظم درس يمكن أن يستفيده أهل الشرق من الأوروبيين هو معرفة ما يجب أن تكون عليه الحكومة.[xii]

لقد حاول مفكرو القرن التاسع عشر – الذين تأثروا ولاشك بفكر وممارسة الديمقراطية الأوروبية – إثبات وجود تشابه بين الديمقراطية والمفهوم الإسلامي للشورى، وسعوا في مواجهة أزمة الحكم الخانقة والفساد والسلوك المستبد للحكام في العالم الإسلامي إلى تبرير اقتباس جوانب من النموذج الغربي اعتقدوا بتوافقها مع الإسلام وقدرتها على إخراج المجتمعات العربية من أزمتها السياسية. يرى الشيخ راشد الغنوشي بأن هؤلاء الرواد ابتداء من الطهطاوي ومروراً بخير الدين التونسي وانتهاء برشيد رضا لم يكن أحد منهم ليفكر قط في وضع الدين أو جزء منه موضع اتهام أو شبهة أو يستهدف تغييره أو تبديله، وإنما كان سعيهم يستهدف تجديد في فهم الدين وطرائق تطبيقه والاستناد إلى علماء مجددين قدامى ومحدثين لتبرير الاقتباس من الغرب على اعتبار أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، وأن الدين إنما جاء لتحقيق مصالح العباد، وأنه حيث المصلحة فثم شرع الله.

الية صنع القرار السياسي في ظل المتغيرات الدولية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العلي 0,1,4

الية صنع القرار السياسي في ظل المتغيرات الدولية

القرار في حقيقته، عبارة عن اختيار بين مجموعة بدائل مطروحة لحل مشكلة ما أو أزمة أو تسيير عمل معين . ولذلك فإننا في حياتنا العملية نكاد نتخذ يومياً مجموعة من القرارات بعضها نتنبه وندرسه والبعض الآخر يخرج عشوائياً من غير دراسة
..
الا ان عملية صنع القرار السياسي لاتاتي بصورة فجائية او طارئة او بصورة عبثية ، بل تأتي بشكل منظم ومدروس، لانها بالضرورة تحتاج الى تراكم خبرة ودراية وجهد مماثلين من الدراسة المعمقة لاوضاع معينة تدفع الجهة المعنية لاتخاذ القرار نحو ما تصبو اليه الحاجة
.
و تشكل القرارات التي تعمل على أساسها الدول بشكل عام , الروح الحركية والتفاعلية التي تنظم من خلالها مسيرة الحياة في الداخل ، اوفي علاقات تلك الدول مع العالم الخارجي ، ولذلك , فان خطورة وأهمية صناعة ذلك القرار تكون كبيرة لما قد يتسبب به من فوضى في حال لم يؤسس على قواعد علمية وعملية قوية , وهنا لابد من التأكيدعلى ضرورة الاعتناء بالقرارقبل اصداره ,لانه يمثل مكانة الدولة ومنزلتها، ويدلل على تحضر ورقي تلك الدولة , في تعاملاتها و علاقاتها مع بقية دول العالم , حيث ان هنالك ارتباط العديد من القرارات الداخلية بالعالم الخارجي
.
لذا فقد برز الاهتمام من قبل معظم دول العالم وحكوماتها بصناعة القرارات انطلاقا من تلك الأهمية البالغة .
ولذلك يكون القرار السياسي براينا هو المرآة العاكسة لفلسفة وايديولوجية واهداف النظام السياسي السائد من خلال طرح البدائل الموجودة في الدولة والعمل على المفاضلة بينها، ومن ثم اختيار افضلها حتى الوصول الى المرحلة التي يصبح فيها القرار قد بلغ مرحلة التطبيق الفعلي وفق احكام القانون الداخلي او احكام القانون الدولي .
فالارتباط الصميمي بين الفلسفة التي تتبناها الدولة وبين القرار يظهر واضحا للعيان من خلال القرار السياسي اومن خلال الاختيار الدقيق لحل المشكلة القائمة بالقرار .. فاتخاذ القرار هو بحد ذاته قرار .. والمفاضلة ما بين البدائل هو قرار والعمل على تطبيق القرار هو قرار ايضا
فالقرار اذن ومن وجهة نظر متواضعة هو اختيار مبني على توجهات مُحَدِّدة وفقا لطبيعة الترتيبات والإجراءات المزمع تنفيذها تحقيقا لهدف مقصود تتجه اليه الدولة وفق الاطار القانوني ووفق منظورها الفلسفي لتحققه من خلال ذلك القرار .

* تقسيم القرار السياسي :
يمكننا في هذا المقام تقسيم القرار السياسي الى نوعين :
اولا: القرار السياسي المتعلق بالوضع المحلي : وهو ماتتخذه الحكومات في داخل حدودها الدولية بما تتمتع به من حقوق كونها دولة ذات سيادة لها الحق في التصرف وفق القانون بما يحقق مصلحة المواطن والوطن دون ان يشاركها احد في عملية صنع القرار ودون ان يكون صدور القرار نتيجة ضغط داخلي او خارجي من جهات غير الحكومة.
ثانيا : القرارات الخارجية والمتعلقة بالسياسة الدولية وعلاقة الدولة بالدول الاقليمية ودول العالم, وهو الأخطر بكل تأكيد , لما يترتب عليه من ارتباط بالعالم الخارجي , وما قد تنعكس سلبياته على العملية السياسية في الداخل , فيقصد به تحويل الهدف العام للدولة إلى قرار محدد , ويبنى انطلاقا من جهات تبدأ من رئيس الحكومة , ووزير الخارجية , والأجهزة الحكومية الأخرى , والسلطة التشريعية , ووسائل الإعلام والرأي العام في ذلك .

* العوامل التي تؤثر في صنع القرار السياسي:
اولا : العوامل الداخلية:
هي مجمل الظروف القائمة في إطار الدولة أي النظام السياسي و الأحزاب و جماعات الضغط السياسي ، و من المعروف أن الأنظمة الديمقراطية التي تقبل الراي والراي الاخر فان صنع القرار فيها يشهد تقدما ملموسا على ارض الواقع والسبب في ذلك هو توسيع دائرة المشاركة للاحزاب والمنظمات والصحافة والراي العام عموما من خلال الكثير من الاجراءات التي تتخذها الدولة من اجل معرفة رد الفعل حول القرار .
وعلى العكس منه بالأنظمة غير الديمقراطية ، نجد ان مساحةالراي الاخر موجودة شكلا دون مضمون ان لم نقل منعدمة تماما عن المشاركة في الحياة السياسة مع وجود الدستور فيها والذي يعطيها الحق في طرح افكارها واقتراحاتها وارائها المؤيدة او المعارضة للنظام القائم ، الاانها تبقى نصوصا قانونية غير مفعلة في هذا المجال .
العوامل الخارجية :
وهي ظروف المجتمع الدولي بشكل عام بما يتضمنه من دول و منظمات دولية ، و قد كانت عملية تأثير الوضع الخارجي مع عملية صنع القرار السياسي في الداخل ليست بذات قيمة ، والسبب ان الوضع الداخلي لم يكن يؤثر او يتاثر بما موجود خارج النطاق الداخلي ، اما بعد التطورات العالمية ودخول الكثير من المسائل الداخلية في المنظور الدولي بحيث اصبحت معالجتها تتم وفق احكام القانون الدولي وليس القانون الداخلي كحقوق الانسان والبيئة والمناخ والنزاعات الداخلية وومدى توفر الديمقراطية في الحكم وغيرذلك من امور، أصبحت البيئة الخارجية تاخذ دورا هاما في التأثير على القرار و مدى تنفيذ ه و ظهرت هذه الأهمية في المرحلة المعاصرة نتيجة وجود معطيات جديدة منها:
اولا: و جود المنظمات الدولية ومنها منظمة الامم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان ومنظمات المجتمع المدني .
ثانيا : العلاقات القانونية بين الدول وفق القانون الدولي: فكثيرا مااخذت القرارات السياسية طابعا دوليا من خلال تاثرها وتاثيرها في العالم الخارجي نتيجة العلاقات الايجابية او السلبية بين الدول.
ثالثا : قيام التكتلات العسكرية الاقتصادية : وهذه التكتلات العسكرية نؤثر في صنع القرار داخل الدول الاعضاء في هذه التكتلات لما للقرار من اهمية في مسايرة اهداف ومناهج وافكارذلك التكل ، وبما يخدم مصلحته اولا واخيرا ، وينطبق هذا الكلام على جميع انواع التكلات ، العسكرية منها اوالاقتصادية على حد سواء، اذ إن مجمل هذه العناصر تترك تأثيرها الكبير في عملية صنع القرار السياسي ، و تظهر قوة تأثير هذه العناصر على القرار السياسي كلما ضعفت قوى الوضع الداخلي او ضعف اعتماد الدولة على إمكاناتها الداخلية و ازدياد اعتمادها على الموارد الخارجية التي تزيد من تأثير قوى الضغوط الخارجية عليها .
* عملية صنع القرار:
أول خطوة لصنع القرار تبدأ بـ “مشروع القرار” حيث تتقدم الحكومة ممثلة برئيسها بالمشروع إلى السلطة التشريعية بعد اقتراح من رئيس الوزراء او احد الوزراء بهذا المشروع او اي جهة رسمية اخرى غير الحكومة
وعادة ما يكون لرئيس الجمهورية دوراً بارزاً في صناعة القرار السياسي في الدولة ذات النظام الرئاسي حيث يجمع الرئيس بين رئاسة الحكومة والجمهورية.
اما في الدول ذات النظام البرلماني والتي لها رئيس جمهورية او ملك ، فبالإضافة إلى رئيس الحكومة ، يكون لرئيس الجمهورية او الملك دوراً مراسيمياً فقط يتمثل باستقبال السفراء وتمثيل الدولة في المناسبات القومية والدولية. أما صنع القرارات االسياسة فيترك لرئيس الحكومة مع وزرائه.
إن أهمية دور رئيس الحكومة في صنع القرار السياسي تستمد عادة من السلطات الواسعة التي يمنحها له دستور الدولة، ومن طبيعة العمل في مجال السياسة الخارجية.
وبالقدر الذي ترتبط به عملية صنع القرار السياسي بالأمن القومي للدولة، فأنها ترتبط ايضاً بالعملية السياسية الديمقراطية، الإطار الاساس في عملية صنع القرار واتخاذه تعود الى سلطة الدولة التي حدد لها المشرع اختصاصا فعليا وفق مواده لاتخاذ القرار ووتفعيل اليات تنفيذه بشكل قانوني ويمكن القول ان من يتخذ القرار يتحمل المسؤولية ومن يطبق القرار يتحمل المسؤولية ايضا .
فالدول التي نطلق عليها دولة القانون ونقصد بها الدولة التي تتقلص فيها الاخطاء وتنحصر فيها الفجوة بين الواقع العملي والنص القانوني بصورة كبيرة هي دولة تسعى الى تطبيق القانون بالقانون، ودولة القانون لها سياقاتها في عملية صنع القرار، وكذا الأمر بالنسبة للدولة التي تتقلص فيها مساحات العمل بالقانون ، أوالتي يضعف فيها الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية ان يكون لاحدى هذه السلطات الدور الابرز في كيفية صناعة القرار فمثلا قد تسيطر السلطة التنفيذية على عملية صنع القرا حارمة السلطة التشريعة من هذا الحق ، او ان يكون للسلطة التشريعة دور غير فاعل في صنع القرار.او من خلال حرمان الهيئات السياسة الاخرى والفعالة في صنع القرار مع احقيتها القانونية في ذلك
وكلما مرت عملية صنع القرار بقنوات يتوازن فيها التشريعي والتنفيذي كمحصلة للتكافؤ في التخصص، وعدم التداخل في الأختصاص، كلما عكست حالة من الأستقرار والتعاطي في موضوع الديمقراطية في ظل توافق القوى تحت سقف يفترض أنه يمثل أو يعبر عن مدى تمثيل الشعب والاخذ بمعطيات جديدة ، وليس بمفهوم المكونات العرقية أوالأثنية، التي يتشكل منها المجتمع. وهنا فأن حيز الديمقراطية يتسع أويتقلص تبعاً لأتساع أوتقلص نفوذ السلطة التنفيذية للدولة في متوازية معروفة.
وتشارك في صنع القرار في النظام السياسي عدة دوائر منها الدوائر الرسمية التي تشكل بنية النظام القانونية ودوائر غير رسمية مثل ، الأحزاب المعارضة، المجتمع المدني وكذلك القوى الدولية، هذه الدوائر يستشيرها النظام السياسي من خلال هيئات استشارية تقوم بعملية الرصد والبحث والاستشراف تساعد في بلورة وبناء القرار المراد صنعه واتخاذه.
* مبدا المشروعية وعملية صنع القرار:
عملية صنع القرار ليست عملية سهلة او اعتيادية ، فهي وان كانت تختلف من دولة إلى أخرى حسب تركيبة النظام السياسي لكل دولة. إلا أنه على الرغم من هذا الاختلاف فإن هناك أصولاً مشتركة في صنع القرارا السياسي .
وموضوع صنع القرار السياسي للدولة، يحاط في اغلب الاحيان بالسرية ونوع من الغموض على اعتبار ان صنع القرار السياسي شان داخلي وامر لابد ان تنفرد به الدولة دون ان يكون لاي جهة خارجية ان تؤثر او تتعرف على الكيفية التي تم بموجبها صنع القرا ر
وعملية صنع القرار شانها شان صانعو القرار، يختلف حسب فلسفة وفكر وتوجه الدولة المعنية به وهذا التنوع في صنع القرار يضعنا امام حقيقة قانونية مفادها : ان الوضع القانوني والدستوري داخل مؤسسات الدولة قد يتناسب عكسيا مع القرار نفسه ، فاذا صدر القرار السياسي من الجهة المختصة وبموجب القانون ووفقا لمبدا المشروعية ، ونعني بالمشروعية هو الاتفاق المبدئي بين قرارات وقوانين الدولة مع احكام الدستور فان القرار السياسي سيخرج الى الضوء دون اعتراضات من جانب السطات التنفيذية او التشريعية لانه جاء مطابقا لمواد الدستور.
اما الحالة الثانية والتي تتحقق فيها العلاقة العكسية ،هي حالة القرار السياسي الصادر والمخالف لمبدأ المشروعية اي مخالف لاحكام ومبادئ الدستور، في هذه الحالة ستكون الفجوة بين الواقع والقانون فجوة عميقة تحاول الاعتراضات والانتقادات والمطالبات المختصة وغير المختصة بالرجوع الى احكام الدستور وسد الفجوة ، وقد لايكون القرار السياسي الصادر غير قانوني بحد ذاته بقدر ماتكون اليات او كيفية صنعه باطلة لمخالفتها نصا دستوريا واضحا ، فسواء كانت عمليات صنع القرار او اتخاذ القرار او تنفيذ القرار بصورة باطلة ترتب عليها اجرءات البطلان وانسحابها باثر رجعي الى الحالة التي كانت عليها قبل صدور القرار.
ان توخي صانع القرار تحقيق الهدف من القرار لايكفي من الناحية القانونية ، بل لابد من توافر شروط القرار السليم المبني على المبادئ القانونية ووفق احكام القانون ، فليست كل القرارات مطابقة للقانون ، ولايتوقف القرار السياسي على مدى مطابقته للقانون من عدمه ، كذلك يسري الحال على مجال تفعيل القرار ، فقد يصدر القرار السياسي من الناحية القانونية من دون عيب يشوبه ، الا ان الية تنفيذه تصطدم مع نص قانوني يعاد من خلالها القرار الى مرحلة صنع القرار مما يؤدي بالقرار الى اعادة صياغته وفق منظور قانوني سليم .
ان القرار السياسي ليس الا تطبيقا لفسلفة الدول بما يتفق مع سياستها الداخلية والخارجية ويحقق الهدف المطلوب من اتخاذه في تحقيق الصالح العام وفق اطار قانوني يسري عليه دون انحياز او مغالاة اوتفريط بالحقوق او اخلال بها

المصدر: بقلم:زياد عبدالوهاب النعيمي

فوبيا ويكليكس : واشنطن تلاحق آســانج

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العلي 0,1,4

فوبيا ويكليكس : واشنطن تلاحق آســانج

شكل البيت الأبيض لجنة خاصة لتقييم الأضرار التي سببتها موجة البرقيات الدبلوماسية السرية التي نشرها موقع “ويكيليكس” الالكتروني وأكدت الولايات المتحدة عزمها ملاحقة مؤسس الموقع جوليان أسانج لاعتباره “خائنا” أو حتى “إرهابيا”.

تدرس الولايات المتحدة كل الوسائل المتاحة لها لتوقيف وملاحقة مؤسس موقع ويكيليكس لاعتباره “خائنا” او حتى “ارهابيا” فيما يطلب العديد من المسؤولين السياسيين رأسه بعضهم بالمعنى الحرفي للكلمة، غير ان هذه المهمة تبدو صعبة على الصعيد القانوني.

وقال بروس زاغاريس الخبير في القانون الدولي لوكالة فرانس برس “يقوم عدد كبير من المحامين في وزارة العدل في الوقت الذي اكلمكم فيه بالبحث عن القوانين والاحكام والاجتهادات التي تسمح بملاحقته باكبر فاعلية ممكنة”.

وكانت الولايات المتحدة فتحت رسميا تحقيقا جنائيا اثر كشف عشرات الاف الوثائق عن العمليات الاميركية في العراق وافغانستان هذا الصيف، بحق اي شخص مسؤول عن التسريبات التي نشرها موقع ويكيليكس، وعهد بالتحقيق الى وزارة العدل بالتعاون مع البنتاغون.
غير ان الادارة لا تخفي صعوبة هذه المهمة. وقال وزير العدل اريك هولدر بهذا الصدد “اذا كان هناك ثغرات في القانون الاميركي، فسنعمل على سدها”.

وامام الولايات المتحدة عمليا وسيلتان رئيسيتان لبدء ملاحقات بحق جوليان اسانج، سواء بموجب قانون مكافحة التجسس او قانون مكافحة الارهاب.

وقانون مكافحة التجسس الذي اقر ابان الحرب العالمية الاولى يجيز ملاحقة “اي شخص تلقى او حصل .. من شخص اخر على اي وثيقة او مذكرة او وثيقة خطية متعلقة بالدفاع الوطني”.

لكن سكوت سيليمان الاستاذ في جامعة ديوك حذر في تصريح لصحيفة وول ستريت جورنال من ان هذه الآلية غير مضمونة النتائج ضد الشخص الملاحق “ما لم يثبت ان لديه دافعا وانه طلب هذه المعلومات شخصيا”.

المصدر: العنوان بواسطة نظرات ـ العنوان الحقيقي :واشنطن تقرر مقاضاة مؤسس ويكليكس المصدر : الموقع الفرنسي 24 ساعة

التكنولوجيا واتخاذ القرار العسكري

كاتب الموضوع الأصلي: محمد العلي 0,1,4

التكنولوجيا واتخاذ القرار العسكري .

أصبحت تطبيقات التكنولوجيا الحديثة تستخدم للتدريب على اتخاذ القرارات في المستويات الاستراتيجية والعملياتية والتكتيكية، حيث تستخدم لعب الحرب في المستويين الاستراتيجي والعملياتي، لمساعدة صانعي القرارات والمخططين على اتخاذ أفضل القرارات اللازمة لاستخدام القوة الوطنية والأداة العسكرية، أما على المستوى التكتيكي الذي تتناوله هذه المقالة فتستخدم المشبهات ولعب الحرب، لتطوير مهارات القتال في ميدان المعركة.

قد يبدو من الوهلة الأولى أن مصطلح لعب الحرب من المصطلحات الحديثة، ولكنه في الحقيقة قديم في فكرته وتطبيقه واستخداماته، حيث يذكر أن المفكر العسكري الصيني (صن تزو) قد استخدم لعب الحرب في العصر القديم، ورغم أنها كانت تستخدم في البداية للتسلية، إلاّ أنها سرعان ما أثبتت جدواها في تدريب وتعليم الطلاب على المهن المختلفة، وفي الوقت الراهن تستخدم عديد من المنظمات تلك التمارين لتطوير القادة وتهيئتهم لعملية اتخاذ القرار في ظروف واقعية. ومن بين أنواع لعب الحرب التي تستخدم في تدريب المرؤوسين على مهارات اتخاذ القرار: تمرين القرار التكتيكي (TDE)، حيث توفّر هذه التمارين آلية فعالة لتطوير المقدرات الفردية على اتخاذ القرار تحت ظروف الضغط البدني والذهني، وفي حين أن هذه التمارين لا يمكن أن تكون هي البديل الأمثل للتمارين والتدريبات الفعلية، ولكنها تفيد في صقل المهارة الفردية لاتخاذ القرار بالحدس. وفي ظروف المعركة الحديثة التي تتسم بالضغوط وتعدد المهام تتيح تمارين القرار التكتيكية فرصة للقادة على كافة المستويات لصقل مهارات اتخاذ القرار أثناء تنفيذ سيناريوهات تضع القادة المتدربين في مواقف تتصف بالضغط الشديد، وقد شهدت الآونة الأخيرة عملية إحياء لتمارين القرار التكتيكي (TDE) كنوع من لعب الحرب بعد أن أثارت تجارب العمليات وقت السلم الاهتمام بمزايا استخدام هذه السيناريوهات لتطوير مهارات اتخاذ القرار.

تاريخ لعب الحرب

لا يعرف أحد بالتحديد من هو أول من ابتكر لعب الحرب، ولكن المؤرخين يعزون الفضل لضابط في الجيش البروسي يدعى (فون ريسيفتز) كأول من نقل لعب الحرب من مجال التسلية والترفيه للمجال العسكري، ففي عام 1811م صمّم ذلك الضابط لعبة مستخدماً بيادق بعلامات تمثل الوحدات، ثم نقل لاحقاً لعب الحرب من لوحة الشطرنج إلى طاولة رملية ذات معالم تمثّل طبيعة الأرض، وأصبح بإمكان اللاعبين نقل البيادق بسهولة حسب قدرات الوحدات المعنية.
وانتشرت لعبة (ريسيفيتز) في بلاط الملوك والطبقات الراقية في المجتمع، بيد أنها لم ترسخ بعد في الأوساط العسكرية المحترفة، ولم يفطن كثير من العسكريين لمزايا اللعبة. وفي عام 1824م طور ابن (ريسيفيتز) الذي كان ضابط مدفعية في الجيش البروسي نسخة معدلة من اللعبة تضمنت عدداً من التحسينات والقواعد وخرائط طبوغرافية تمثل ميدان المعركة، وحظيت اللعبة باهتمام واسع وأصبحت أخيراً ترياقاً للعسكريين، وكان من بين المعجبين بها الجنرال (فون مولتكه) الذي شيد عام 1828م نادياً لممارسة هذه اللعبة، وعندما تولى (فون مولتكه) رئاسة هيئة أركان الجيش البروسي عام 1857م ساهم في انتشار اللعبة بين العسكريين في كافة قطاعات الجيش.
وأثناء الحرب الفرنسية البروسية بين عامي 1870 1871م، ألحق الجيش البروسي هزيمة نكراء بالجيش الفرنسي المرموق في غضون خمسة شهور فقط، رغم أن الجيش البروسي كان يتألف في معظمه من قوات احتياط ومليشيات، وكان انقلاب موازين القوى في أوروبا سريعاً ومفاجئاً، مما أحدث صدمة عالمية. وقد كتب المؤرخ العسكري المشهور (مايكل هوارد) مشيراً إلى أن النصر الساحق الذي حققه الجيش البروسي كان في جانب كبير منه بسبب التنظيم والتعليم، وقد دفعت الانتصارات العسكرية التي حققها ذلك الجيش كثيراً من الدول لتحليل الإصلاحات التي أجراها البروسيون، وإدخال بعضها في المؤسسات العسكرية في تلك الدول، وكان من بين تلك الإصلاحات تعليم الضباط من خلال لعب الحرب. ومنذ ذلك الوقت أجريت العديد من التعديلات والابتكارات على لعب الحرب، وبالطبع فإن التقنية الحديثة قد أضافت بعداً جديداً للعبة، وساعدت على ممارستها بالحاسب الآلي والمشبهات، ومن بين تلك الأنواع العديدة للعب الحرب تمارين القرار التكتيكي (TDE) وفيها تعرض معضلة عسكرية للمشارك في اللعبة على شكل موقف ما، ومخطط بسيط، ثم يحدد له وقت قصير لتطوير الحل الممكن خلال ذلك الوقت ليعرضه على شكل أوامر للمرؤوسين.
ورغم عدم معرفتنا لأول من طوّر تمارين القرار التكتيكي (TDE) على وجه الدقة، ولكن الثابت أن البعض لا يقر بمزايا تطبيق تلك التمارين في الدوائر العسكرية كما حدث مع لعبة (ريسيفيتز) في السابق، بل إن الجدل يحتدم حتى حول اسمها: أهي لعبة أم تمرين؟ وبدلاً من الانسياق في مثل هذا الجدل، يبدو أنه من الحصافة النظر في فوائد تطبيقها، مع العلم بأن تمارين القرار التكتيكية ليست هي العلاج الشافي لكافة المشاكل الناجمة عن تقليص ميزانية الدفاع أو افتقار الخبرة القتالية، ولن تكون بديلاً مناسباً لتدريب الوحدات، إلا أنها في الوقت نفسه أداة فعالة يمكن أن تستخدم مع طرق وأساليب أخرى لتعليم القادة والمرؤوسين حسبما أثبتت تجارب كثير من المنظمات خارج نطاق المؤسسة العسكرية.

المصدر: المنتدى العربي للدفاع والتسليح , الرائد- فرانك بريويستر (الجيش الأمريكي)

عمر بن الخطاب و علي بن ابي طالب رضي الله عنهما …

كاتب الموضوع الأصلي: راكان الركف 8

عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب: القاسم المشترك بينهما على أرضية دورهما التاريخي

شخصيتان كبيرتان لعبتا دوراً بارزاً في التاريخ الإسلامي, تلاقيا في الكثير, واختلفا في القليل, وقد أصبح كل منهما رمزاً يُستشهد به باستمرار عبر التاريخ الإسلامي بأسره. إنهما الشخصيتان الأبرز بعد الرسول, عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب. فما الذي يجمعهما معاً؟ وما الذي يفرقهما؟….
لقد فهم عمر بن الخطاب بعمق، بعد وفاة الرسول، الوضع الاجتماعي السائد في الجزيرة العربية على أعتاب الفتوحات الإسلامية الكبرى. ومن منطق ذلك العصر, كان قد فهم أيضاً أن القاعدة الاجتماعية للدولة الإسلامية الفتية, لم تكن متجانسة. وبحسه الفطري وصل إلى استنتاج أن الاستقرار في هذه الدولة الناشئة لا يمكن أن يتم إلا بالحفاظ على التوازن الاجتماعي الداخلي في هذه الدولة. وبمعنى آخر, كان يعي بدقة, أن الدولة هي عنصر أساسي في تحقيق ذلك التوازن. ومن هنا كان حرصه الشديد مثلاً, على توزيع غنائم الفتوحات توزيعاً يحقق باستمرار هذا التوازن.

ربما كان عمر بن الخطاب هو أول من أبدع سياسة التوازن الاجتماعي في التاريخ الإسلامي بعد محمد.
وإضافة إلى ذلك, فقد كان عمر يعي وبعمق كافٍ, أهمية النموذج في ذلك الوقت بالنسبة للبدوي الذي لم يكن قد اعتاد بعد على النظام, ولا على القوانين, ولا على الضوابط. وبسلوكه الحكيم, قدم هذا النموذج. أي أنه لم يجعل بينه وبين المسلمين أية فوارق تميزه عنهم, مما أعطى شعوراً عاماً أن هذا الخليفة هو واحد منهم. وهذا أيضاً كان أحد شروط الاستقرار المجتمعي في ذلك الوقت. والأمثلة التي يرويها التاريخ على ذلك هي كثيرة وعديدة جداً لسنا بصدد تناولها في هذه المقالة. كما أن النموذج كان ضرورياً أيضاً لشيء آخر, فانتصار الدولة المسلمة الفتية على أعتى إمبراطوريتين في ذلك الوقت, وهما الإمبراطورية البيزنطية, والإمبراطورية الفارسية, كان بحاجة عميقة إلى الوحدة الداخلية للمجتمع الإسلامي. وقد فهم عمر ذلك بدقة كبيرة. كما فهم أيضاً, أن هذه الدولة الفتية التي بناها الإسلام, يجب ألا تكون قوة منفِّرة للآخرين, بل يجب أن تتحول إلى قوة جاذبة للجميع. ولهذا فقد دعا عمر بن الخطاب جيوشه التي فتحت بلاد الشام والعراق(التي كانت شعوبها تعاني من سيطرة واضطهاد هاتين الإمبراطوريتين) إلى أن تتعامل مع شعوب هذه البلاد ليس كجيوش فاتحة وغازية, وإنما كجيوش منقذة لهم من الظلم والاضطهاد.

إذاً, لقد فهم عمر بن الخطاب محتوى عصره فهماً عميقاً, وبنزعته الإنسانية, استطاع أن يعكس هذا المحتوى, بإبداع دقيق, وهذا ما جعل دوره مميزاً بصورة واسعة في تاريخ الدولة الإسلامية. إذ إنه جمع في آن واحد, في ذاته كرجل دولة كبير, جميع الخصائص التي كان يمكن أن تجعل من الدولة الإسلامية دولة موحدة داخلياً, وجاذبة, ولديها القدرة على مجابهة مهماتها خارجياً.

لقد أزعجت سياسة عمر بن الخطاب بعض القوى التي لم تستطع في عهده أن تجيِّر سياسة الدولة الإسلامية لمصالحها الخاصة. وربما يكون سبب اغتياله يعود بالدرجة الأولى لذلك, وأتى بعد عمر بن الخطاب, الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان. وكان أحد من أوصى بهم عمر قبل وفاته. إلا أن فترته قد اختلفت تماماً عن عهد عمر.

وقد تميزت اتجاهاتها العامة بتقويض جميع الركائز التي كانت سائدة في عهد الخليفة الثاني. لقد كانت فترة عثمان بن عفان تتميز بانحياز كامل ومطلق لأغنياء قريش, وخصوصاً من قرابته. وقد كان أسيراً بصورة واضحة لأسرته ـ هذا لا يعني التشكيك بجانبه الإيماني ـ وقد انعكس ذلك في أن دور الدولة قد بدأ بالضعف, وظهر ذلك جلياً في ضعف رأس الدولة عثمان. وبدأ الخلل في التوازن الاجتماعي يظهر واضحاً* وجلياً, إذ أصبح معظم ولاة الدولة الإسلامية من أقربائه, ولم يعد الخليفة حاضناً للجميع, وإنما بدا حاضناً لأسرته وأقربائه فقط. وهنا أخذت السياسة الاقتصادية تخدم مصالح أغنياء قريش في توزيع المغانم, وفي مجال حصص المسلمين من بيت المال, ومن حيث السلطة التي بدأ يستحوذ عليها أقرباؤه رويداً رويداً, والسلطة بحد ذاتها تولد المغانم أيضاً. وبدأ يجري الإبعاد المتواصل لكل من كان ينتقد هذه التصرفات, الأمر الذي ولَّد استياءً عميقاً في أوساط جماهير المسلمين جميعاً. وقد شكل هذا الاستياء أساساً للثورة التي حدثت وأدَّت إلى مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان.

لم يجد الثائرون على عثمان أجدر بالخلافة من علي بن أبي طالب, فيما يتعلق بتلبية مطالب الجماهير الأوسع من المسلمين. وقد كان علي في البداية متردداً في ذلك, إلا أن ضغط الجموع وتحميلهم إياه المسؤولية في حال رفضه, قد أجبره على القبول. وفي الوقت نفسه كان هناك مرشحون آخرون يتطلعون إلى الخلافة, ومن أبرزهم, طلحة, والزبير, وهما من أغنياء قريش, إلا أنهما لم يستطيعا الحصول على تأييد الجماهير الثائرة.

وفي عهد علي بن أبي طالب بدأت مرحلة أخرى من مراحل الدولة الإسلامية تميزت بالعودة إلى النهج العمري من حيث مسألة العدالة, ومن حيث العودة إلى المسائل الأخلاقية في التعامل مع المسلمين. كانت اندفاعات الثوار تضغط على علي وتطالبه بسياسة أكثر جذرية ـ حسب مفاهيمنا المعاصرة. الأمر الذي أدى إلى فقدان أحد الأركان الأساسية في سياسة عمر وهو ركن التوازن الاجتماعي. لم يكن باستطاعة علي الذي انحاز إلى جانب الثائرين أن يحقق هذا التوازن الذي شكّل، كما قلنا سابقاً, إحدى الركائز الأساسية في سياسة عمر بن الخطاب. إن عدم تحقيق هذا التوازن قد أدى إلى الاضطرابات اللاحقة, في عهد علي بن أبي طالب, وإلى عدم تمكنه من توحيد الدولة الإسلامية.

لقد تمرَّد عليه الولاة, وخصوصاً معاوية بن أبي سفيان, والي دمشق. كما أن جبهة الثائرين على عليّ لم تكن موحدة في غاياتها, فالزبير وطلحة, وهما كما قلنا, من أثرياء قريش, لم يكونا مسرورين من خلافة علي, ووجداً في سياسته تهديداً لمصالحهما، وبدلاً من أن تهتم الدولة الإسلامية الفتية بتوطيد دولتها التي بدأت بالاتساع كثيراً, فقد انصب الجهد الأساسي في عهد علي بن أبي طالب باتجاه حل هذه التناقضات الواسعة التي بدأت بتهديد هذه الدولة بالتقويض.

لقد انتهت فترة علي بن أبي طالب باستلام معاوية للخلافة, أي, بانتصاره عملياً. وقد كان ذلك طبيعياً لعوامل عدة, فالصراع كان يجري داخل الدولة الإسلامية من أجل استتباب السلطة للطبقة الاجتماعية المؤهلة لها تاريخياً, في ذلك العصر. أي, سلطة مالكي الثروة. ولم يكن باستطاعة فقراء المسلمين أن يكونوا هم الحكام, لأنهم كانوا آنذاك), غير مؤهلين لذلك. بيد أن فترة علي قد تركت بصماتها التاريخية التي لا تمحى. انطلاقاً من تناوله المسألة الإسلامية من الناحية التي تخدم مصالح الجماهير الشعبية آنذاك, وإضافة إلى الجانب الأخلاقي الرفيع الذي كان يتمتع به علي بن أبي طالب, والذي لم يساوم به ولا عليه إطلاقاًً, وهذا أهم ما كان يجمعه بعمر بن الخطاب, فقد تحول علي تاريخياً, إلى رمز للمعارضة عبر تاريخ الدولة الإسلامية.

لقد اشترك عمر وعلي, في أخلاقية رفيعة ميزتهما عن الآخرين. وإضافة إلى ذلك, فالرجلان, رغم أنهما كانا خليفتين, إلا أنهما لم يتخلَّيا بتاتاً عن مسألة الشورى بين المسلمين. كما أنهما, لم يميزا نفسيهما عن سائر المسلمين الآخرين. وكانا صارمين تجاه نفسيهما, وتجاه أولادهما أيضاً. وبهذا، فإن كلاً من الرجلين قد شكل نموذجاً يحتذى به. وكانا صادقين, ويقترن لديهما القول بالعمل.

وبصرف النظر عما يجمع ويفرق بين الخليفتين عمر وعلي, فقد بقي اسماهما رمزين كبيرين في تاريخ الإسلام, يعكسان طموح المسلمين نحو العدالة وضد الاستبداد. وهذا ما أعطاهما مكانين بارزين في التاريخ, لا يمكن تجاهلهما مطلقاً.

تعال اخرجنا

كاتب الموضوع الأصلي: وليد العتيبي1

قال الرياش : خرج الناس بالبصرة ينظرون هلال رمضان فرآه رجل منهم ولم يزل يومئ اليه حتى رآه غيره وعاينوه فلما كان هلال الفطر جاء احدهم الى ذلك الرجل فدق عليه الباب وقال له : تعال اخرجنا مما ادخلتنا فيه