أ.د. أحمد محمد وهبان

انذار شديد اللهجة

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

د. محمد أبو رمان
من أراد أن يشاهد بعين ثاقبة نتائج السياسات الكارثية للنظم العربية، ومسار التدهور الذي نمضي فيه مسرعين، فإنّ ذلك يتبدى بجريمة تفجير كنيسة القديسين في اللحظة الفاصلة بين 2010 و2011، وقد وقع عشرات القتلى والجرحى، مسلمين ومسيحيين، فهو إنذار شديد اللهجة على حجم الأزمة.

الأجواء العامة كانت تؤشر بوضوح خلال الأشهر الأخيرة على ارتفاع كبير في منسوب الاحتقان المسيحي- المسلم في مصر، على خلفية قصة المسيحية التي أسلمت (كاميليا)، وما صاحبها من خطابات وتصريحات مأزومة، أدت إلى ارتفاع مستوى التعبئة والحشد على خلفية طائفية، وازدهار سوق الإشاعات والتطبيل العاطفي على ألحان موجعة من الانقسامات الاجتماعية والوطنية.

المشهد امتدّ سريعاً إلى العراق قبل قرابة شهر من الآن مع حادثة كنيسة سيدة النجاة، وقد استخدمت القاعدة ما يحدث في مصر للتذرع بما قامت به.

صحيح أنّ الاحتمال الأرجح (حتى الآن) يشير إلى مسؤولية القاعدة عن هذه المذبحة، إلاّ أنّ “أجواء الاحتقان” والتعبئة الطائفية والمذهبية هي التي توفر للقاعدة محاضن آمنة وبيئة مناسبة للنشاط والعمل، بل إنّ القاعدة نفسها أحد الأجوبة الرئيسة على أزمة النظام العربي. الدلالة الرئيسة في كل ذلك أنّ النظام العربي، الذي يفترض أن يأخذ الطريق المعاكس تماماً، يجر مجتمعه إلى مستنقعات الهويات الفرعية والعنف الاجتماعي والتوترات الداخلية، وذلك عبر سياسته الفاشلة التي ما تزال تحطّم المجتمعات وقيمها وحتى ما حققته من المدنية خلال العقود السابقة، فإنّه اليوم يتراجع تحت وطأة الأوضاع الحالية. كلمة السرّ في كل ما يحدث هي “الفساد”، إذ إنّ خشية النخب الحاكمة على مكتسبات شخصية وجهوية وعلى مناصبها، وحماية لمواردها غير المشروعة، فإنّها تقف ضد أي جهود أو حركات تسعى إلى توسيع مستوى المشاركة الشعبية في صنع السياسات، وتقمع الأصوات التي تطالب بالإصلاح والتغيير، وتلجأ إلى تعزيز حضور المنتفعين في أعلى سلم الحكم، ومن هم ليسوا أهلاً للإدارة العامة، وتعتمد بدرجة رئيسة على المنظور الأمني في إدامة حكمها وبقائها. المعارضة في العالم العربي عاقلة، وهي مكبلة بقيود كثيرة، سياسياً وثقافياً، تجعلها عاجزة عن تحريك الشارع، ولا تطالب إلاّ بتغييرات تدريجية وصولاً إلى برّ الأمان للجميع، ومع ذلك فإنّ السنوات الأخيرة شهدت تضييقاً وتراجعاً حتى عن مستويات هامشية محدودة صورية من الديمقراطية!

اليوم العفن يتفشى في المجتمعات، وهنالك عمليات تدمير ممنهجة تصل إلى مختلف المؤسسات التي كانت سابقاً أفضل حالاً، سواء التعليمية أو العلمية أو الخدماتية أو حتى البنية التحتية، بمعنى آخر: إننا نسير بتسارع نحو وضع أسوأ ليس فقط سياسياً، بل اجتماعياً وثقافياً وهو الأكثر خطورة.

نجحت النظم العربية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة في العزف على وتر النموذج العراقي، على اعتبار أنّ الوضع الحالي (بكل ما فيه) أفضل من التغيير، لكن هذه “النظرية” تفقد قيمتها يومياً مع التدهور في المشهد العام في العالم العربي عموماً.

ما يحدث يؤكّد أنّ الخيارات، إمّا أن تكون تغييراً داخلياً محسوباً ومدروساً نحو إقرار المسار الإصلاحي بكل مفرداته الحقيقية، وإما السير باتجاه سيناريو الحروب الأهلية والصراعات الداخلية، والعنف الاجتماعي.

على الأقباط والمسلمين في مصر أن يدركوا أن معركتهم الحقيقية ليست ضد بعضهم بعضا، بل هي معركة للوصول إلى دولة قانون ومواطنة ومساواة قانونية وتعددية سياسية ودينية، تنظّم العلاقة بين الجميع.

عنوان المعركة الوحيد اليوم هو الإصلاح السياسي ضد تحالف “الاستبداد والفساد”، الذي يقودنا جميعاً نحو الهاوية!

رسالة مهمة وصورة مرعبة

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

د. محمد أبو رمان
خطوة أولية صحيحة قام بها رئيس الجامعة الأردنية، د. عادل الطويسي، عندما كشف عن اتخاذ عقوبات حاسمة ضد الطلبة المتسببين في المشاجرات المخزية الأخيرة، بانتظار الإعلان عن هذه العقوبات وتقديم رسالة إعلامية وسياسية واضحة للرأي العام حول ما جرى وما ينوي الرئيس فعله لعدم تكرار ذلك.

ونتوقع أن نستمع من رئيس الجامعة، وهو شخصية أكاديمية مخضرمة نؤمّل عليه في إصلاح هذه التركة، التي تشكلت عبر سنوات من التدمير الممنهج، بأن يقوم بتوضيح ما حدث للرأي العام والمجتمع، وأن يقدم خطته لتحويل المسار، بل والقيام باستدارة كاملة.

ربما تكون المرة الأولى التي أشاهد فيها أجواء العنف الطلابي في الجامعات، يوم الخميس الماضي، عندما رأيت عشرات الشباب “الجامعي!” يجوبون شوارع الجامعة الأردنية بين كلياتها، وهم يمسكون بجذوع الأشجار التي اقتلعوها من حرم الجامعة نفسها، ويلوحون بها في هتافات بدائية تفتخر بعشائرهم وتشتم العشيرة المعنية!

المؤلم أكثر في هذه الصورة أنّ الطلاب كانوا يلقون في طريقهم بحاويات القمامة على الأرض (هل تتخيلون حجم الدمار الأخلاقي والقيمي والجمالي لدى هؤلاء!).

الأسوأ من هذا وذاك أنهم كانوا يهتفون بشتائم بذيئة ومنحطة (تصوّروا!) بصوت جماعي وعلى مسمع من أساتذتهم والإداريين، وكذلك الطالبات!

تساءلت (في نفسي) كيف يملك هؤلاء بعد هذه “الهستيريا الغرائزية” أن يقفوا أمام زملائهم في اليوم التالي في الجامعة؟ بل ماذا تعلمواخلال السنوات الماضية؟ والسؤال الأخطر: ماذا حل بجامعاتنا حتى نشاهد موجات متتالية من العنف العشائري في حرمها، مرة بسبب فتاة وأخرى للانتخابات.

المشهد بدا مرعبا، ينذر بمستقبل كارثي مع جيل من الشباب محطم فكرياً خالٍ من القيم، بل شعرت أننا في مرحلة ما قبل الحداثة، والإسلام والحضارة أيضاً!

خلال أشهر قليلة فقط، عاد العنف الجامعي ليخلع قلوبنا من مكانها، ويشعرنا جميعاً بالقلق والتوتر، وذلك يدفع إلى الوقوف ضد أي وساطات ومحسوبيات وضغوط ستُضخّ لمنع العقوبات أو تخفيفها عن الطلبة المتسببين في هذه المشكلات، بل ووضع أنظمة تحمي الجامعات من أن تتحول إلى بؤرة استقطاب للتوترات الاجتماعية والنزوع نحو الهويات البدائية. الإصلاح مسار طويل لن يكون بين ليلة وضحاها، لكن هنالك نقطة تحول تنقله من الانحدار إلى الأمام، وهذا ما ننتظره، بصورة متدرجة واضحة معلنة، تبدأ من إعادة النظر في استثناءات القبول والكوتات التي ضخت أعداداً من الطلبة غير مؤهلين ولا مهيئين للمقعد الجامعي، وتغول الاعتبارات غير المهنية في التوظيف والتعيين، مما شوّه الهيئات التدريسية والإدارية في الجامعات.

أحد أهم الشروط استعادة الحياة الطلابية والجامعية الحقيقية، وملء الفراغ الفكري والسياسي والروحي، الذي يدفع بالشباب إلى هذه الهويات المأزومة المتخلفة، يتمثّل في حماية استقلالية الجامعة تماماً، وإطلاق النشاطات الثقافية والفكرية والسياسية فيها، بلا أي وصاية أو تدخل من جهات رسمية، قادتنا سياساتها إلى الحالة الراهنة.

الجامعة الأردنية ستحتفل العام المقبل بمرور خمسين عاماً على تأسيسها، وكلنا أمل أن يتم ذلك بعد أن نكون قد بدأنا في مسار التحول المطلوب، حتى نشعر أننا بالفعل أحدثنا قطيعة مع مرحلة التدهور السابقة، بخاصة أنّ هنالك توجهاً لتصبح “جامعة بحثية” خلال السنوات المقبلة.

أما إذا استمر المسار الحالي في الجامعات عموماً، فلنقم بيوت عزاء!

ضد حصانة الفساد

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

د. محمد أبو رمان
اقتراح سن مشروع القانون، الذي تقدّم به 12 نائباً، حول “الكسب غير المشروع” يمثّل مبادرة سبّاقة تحسب لأصحابها لإيجاد بنية تشريعية وإدارية أكثر فعالية وإقناعاً لمواجهة الفساد الذي بات يمثّل هاجساً مقلقاً للمواطنين خلال السنوات الأخيرة بصورة واضحة.

المعنى السياسي المتداول لمشروع قانون “الكسب غير المشروع” هو عبارة “من أين لك هذا؟!”، فهو قانون إن قدّرت له الولادة الصحيحة والعمر الطويل، ينبغي أن يكون بأثر رجعي ليس فقط للمسؤولين اليوم وغداً، بل للمسؤولين بالأمس، سواء الذين استفادوا من مشروع “النفط مقابل الغذاء” أو أولئك الذين اغتنوا من وراء المنصب العام، والمنح الخارجية والأموال التي كان جزءٌ كبير منها يأتي ويذهب بلا أوراق ولا وثائق رسمية، أو من عوائد التخاصية وممتلكات الدولة، أو الجمع بين العمل العام والبزنس.

يبرر اقتراح مشروع القانون الجديد الأسباب الداعية إليه بالقول “لابد من تعزيز الثقة العامة بأداء الذين يتصدون للعمل العام، ويتولون المهام والمسؤوليات السياسية والإدارية والاقتصادية والمالية والاجتماعية في الدولة، ومن ترسيخ مفهوم قدسية الأموال العامة والحس الوطني بالمسؤولية عن هذه الأموال واعتبارها بمنزلة الأموال الخاصة لكل مواطن والاعتداء عليها أو المساس بها يلحق الضرر بالاقتصاد الوطني، ويؤدي إلى فقدان الثقة العامة ويعرض المجتمع للخلل”.

المبررات السابقة تمثّل مطلباً شعبياً وسياسياً عاماً، ذلك أنّ “قدسية المال العام” وهي قيمة وطنية عليا ومهمة، لا يمكن أن “تترسّخ” في وعي الموظف الصغير والمسؤول في أسفل السلّم الإداري، ما لم تتكرس لدى المسؤولين في أعلى السلم الإداري، ولدى القيادات الإدارية والسياسية في البلاد.

المطلوب اليوم هو نقطة تحول صريحة عنوانها الرئيس “لا حصانة للفساد” بعد الآن، وترسيخ مبدأ الشفافية وحق المواطن بمعرفة أين تذهب الأموال والضرائب والموارد الوطنية، وحق الإعلام بالحصول على المعلومة في وقتها.

الحكومة، قبل مجلس النواب، معنية بتقديم رسالة سياسية للرأي العام والنخب السياسية بأنّها مع إقرار توجه صارم للدولة يفتح ملفات الفساد كاملةً، من خلال بند رئيس وهو “الإثراء غير المشروع”، والعمل على استعادة أموال الدولة، ومحاسبة المسؤولين عن الفساد، الذين كانوا سبباً رئيساً في وصولنا إلى الوضع المالي والاقتصادي الراهن.

مصداقية الدولة اليوم على المحك أمام الرأي العام، ومن المعروف أنّ جزءاً كبيراً من الغضب السياسي والاحتقان الشعبي الحالي هو من الفساد المالي، الذي لم يعد سرّاً أنّه التهم المال العام وأضرّ بالمواطن الذي دفع ثمنه مضاعفاً بالضرائب والحرمان من الرفاهية الاجتماعية، وأضرّ – أيضاً- بسمعة الدولة داخلياً وخارجياً.

الأخذ بزمام المبادرة

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

د. محمد أبو رمان
دفعة من “القرارات الثورية” التي اتخذها مجلس الوزراء، تمنحنا “رسالة اطمئنان” بأنّ الوعود التي كنا نسمعها باتت قاب قوسين أو أدنى من أن تجد طريقها إلى التطبيق العملي.

فوق هذا، فإنّ إصرار الرئيس معروف البخيت على إرسال قضية “الكازينو” إلى هيئة مكافحة الفساد، وتأكيده استعداده للمثول أمام الهيئة والقضاء للتحقيق فيها، هو شجاعة حقيقية، وأنا أعرف تماماً أنه كان يدرس البدائل الأفضل بين إرسالها للنواب أم القضاء أم هيئة مكافحة الفساد التي تدرسها وتضع الإطار القانوني لها.

بالعودة إلى القرارات السياسية المهمة (دعم إنشاء نقابة معلمين، إرسال تعديل على قانون الاجتماعات العامة وقانون المطبوعات والنشر وقانون الأحزاب، إلغاء حجب المواقع الإلكترونية، إنصاف عمال المياومة..)، فإنّها تعيد بناء قدرة الدولة على الإمساك بزمام المبادرة، لا أن تلهث وراء الأحداث والأزمات، وهي المفتاح كي تقود الدولة بنفسها التغيير المطلوب، وتعبر بالجميع إلى المسار الديمقراطي الذي نطمح إليه.

هل هي قرارات لاكتساب الشعبية، كما سيروّج البعض من الرسميين؟ ولم لا؟! وهل المطلوب من الحكومة أن تقف في خندق مواجهة مع الرأي العام والشعب أم تعكس مصالح الناس ومطالبهم وحقوقهم الأساسية في حياة كريمة ومحترمة بعيداً عن محاسبتهم على آرائهم ومواقفهم، وتحفظ حقهم في حماية ثرواتهم وأموالهم ودورهم في اتخاذ القرار السياسي، وتضع مداميك العلاقة الصحية المطلوبة بين مؤسسات الدولة والمواطن؟

بالضرورة، هذه القرارات ليست نهاية المطاف، بل هي بمثابة “إحماء” للمرحلة الجديدة، التي يجب أن تكون مناقضة تماماً، سياسياً، للمراحل السابقة، وتطلق العنان للحريات العامة وللشراكة السياسية الوطنية، في البرلمان والمجتمع المدني والجامعات والإعلام، وتحرر المشهد السياسي من المنظور الأمني الذي حكمه خلال سنوات سابقة بصورة حديدية.

البوصلة، اليوم، تتجه نحو تطبيق هذه الالتزامات فوراً، وإلى التحضير لبناء طاولة الحوار الوطني من أجل قانون انتخاب جديد يمنح القائمة الحزبية ما لا يقل عن نصف مجلس النواب المقبل، وفي تطبيق “الوصفة الديمقراطية” في البلاد.

“العبور الآمن” نحو الديمقراطية الحقيقية، التي تتكرس بحكومة برلمانية، يضعنا أمام “حقل ألغام” يجب أن نعمل معاً على نزعها من طريقنا، حتى لا تنفجر في وجوهنا، ويعود “أعداء الإصلاح” للتأكيد على مقولاتهم التي كانت دوماً تحذّر من هذه الطريق. اللغم الأكبر هم من يريدون اختطاف المسار الديمقراطي باتجاهات يمينية متضاربة ومتحاربة، ويحاولون الضغط على الحكومة وبجوارها “مطبخ القرار” لتنفيذ أجنداتهم التي لا تخدم -بالتأكيد- السلامة الوطنية والسلم الاجتماعي، ولاحقاً الاستقرار السياسي.

الجملة المفتاحية، هنا، لحماية مشروع الإصلاح تتمثل في بناء “الجماعة الوطنية” وتعزيز نخبها القيادية وخطابها السياسي، بما يكفل الوصول إلى تفاهمات وتوافقات وطنية على أجندة الإصلاح السياسي، وتعزيز الجبهة الداخلية وصلابتها وحمايتها من أي خطاب احترابي داخلي يؤدي بنا في نهاية اليوم إلى حالة من الشك والتربص والريبة بين المواطن وأخيه.

هل يمكننا ترسيم “الوصفة الأردنية” للإصلاح والديمقراطية عبر مسار سلمي متدرج؟ نعم، بالتأكيد، ذلك ليس ممكناً فقط، بل ضرورة وطنية لا بديل عنها.

لماذا نقلق؟

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

د. محمد أبو رمان
لم تأتِ اللحظة الراهنة-الاستثنائية من فراغ، فقد ولّدها “الانقلاب التاريخي” في المشهد العربي، بالتوازي والتزامن مع حراك سياسي داخلي أدّى إلى رحيل حكومة سمير الرفاعي الثانية بعد مدة وجيزة على تشكيلها.

جملة هذه التطورات الكبرى أعادت هيكلة الأولويات الداخلية، ودفعت للمرة الأولى وبصورة حاسمة وواضحة بمشروع الإصلاح السياسي إلى رأس أجندة الدولة، باعتباره ضرورة، لا تقبل التأجيل، وبعد أن كان هنالك تيار رسمي عريض يقاوم ذلك ويشكك فيه، ويحذّر من نتائجه!

بالضرورة، فإنّ “مصداقية” الخطاب الرسمي الجديد ما تزال على المحك، بخاصة أنّ كثيراً من الناس لا يشعر بالاطمئنان لذلك، بعد أن سمعنا كلاماً معسولاً عن الإصلاح السياسي سابقاً، ورأينا مساراً معاكساً تماماً له على أرض الواقع، ما جعل من “الثقة” بالحكومات في الحضيض.

ربما ما يشجّع على قليلٍ من التفاؤل، حالياً، هو وجود حزمة قرارات غير مسبوقة في هذا الاتجاه، كإعلان الحكومة عن دعم إنشاء نقابة معلمين، إذ وضعت أياماً معدودة لتذليل العقبات التي تحول دون ذلك. وقد كانت النقابة خطاً أحمر في العقود السابقة، وما تزال لدى جهات رسمية أخرى.

بالإضافة إلى النقابة، فإنّ الحديث حالياً عن تعديل سلسلة قوانين مقيدة للحريات العامة، وفي مقدمتها قانون الاجتماعات العامة، وإعادة هيكلة مؤسسة مكافحة الفساد وتطعيمها بصلاحيات ومسؤوليات وقدرات تجعلها مؤهلة للقيام بمهماتها الكبرى.

هذه الخطوات بانتظار الخطوة الأكثر أهمية، وهي قانون انتخاب عصري يمنح القائمة الحزبية نسبة كبيرة، ومن ثم انتخابات نيابية مبكرة، تأتي ببرلمان أكثر تسييساً وقوة، وصولاً إلى “حكومة برلمانية” تكون حجر الأساس لإعادة هيكلة قواعد النظام السياسي، نحو تكريس الديمقراطية والحريات العامة وتداول السلطة والتعددية.

الطريق إلى هذا المشروع، خلال سنوات محدودة، ليست سهلة، وسيكون هنالك من يحارب لـ”فرملة” هذا الخط السياسي وإفشاله، والعودة إلى قواعد اللعبة التقليدية، بالرهان على رفع الكلفة الاجتماعية والسياسية له والتخويف من نتائجه باستخدام فزّاعات مختلفة.

الضمانة الرئيسة والحقيقية لحماية “خط الإصلاح السريع” وتدشينه تكمن بصورة رئيسة باستمرار الضغط الشعبي والزخم السياسي للدفع بهذا الاتجاه، وتوفير مظلة توافق سياسي وطني تحميه وتدافع عنه.

ما يقلقنا بشدة هي تلك البيانات والخطابات المتضاربة، التي عادت للظهور، خلال الفترة الأخيرة، وتعكس اختلافاً كبيراً في التفاهم على أسس الإصلاح وأرضيته الوطنية المشتركة، بدلاً من تقديم إطار وطني توافقي على الخطوات المطلوبة والمسار العام، ويشكل صمام أمان للجميع.

التصادم في البيانات والخطابات السياسية هو تبديد للفرصة الحالية، وحرف لمشروع الإصلاح عن مساره، ويستبطن أجنداتٍ سياسية (وبعضها شخصية) تركز على نقاط اختلاف محدودة مقابل إهدار وتجاهل المساحة الواسعة من التوافق الداخلي على نوعية الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي نريدها لوطننا في المستقبل.

ما نحتاجه حالياً هو تعزيز القوى الوطنية التي تحمل خطابات وطنية جامعة تحدد بوصلة الهدف بوضوح، وتبتعد عن معارك تنتهي إلى أزمات اجتماعية وسياسية، فنرتهن إلى القلق والشكوك بين القوى والأطراف الداخلية بدلاً من التحضير لتجديد النظام السياسي وتطويره!

حديث في التشكيل الحكومي

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عريب الرنتاوي
هل يمكن التصديق بأن هذه حكومة الدكتور معروف البخيث الثانية، ستنجز برنامجا سريعاً للإصلاح السياسي والتحوّل الديمقراطي في بلادنا.. هل يمكن الرهان على هذه الحكومة، في هذه اللحظة التاريخية الحرجة.. من سيشتري هذه الوعود، من سينام على حريرها وأوهامها.. هل هكذا تدار الامور في منعطف شديد الدقة والخطورة كالذي نعيشه ونمر فيه، حيث يحيط بنا التهديد من شتى الجهات، وتعصف بنا المخاطر من كل حدب وصوب.

والحقيقة أننا نريد أن نبدأ برئيس الحكومة الذي طالما روّج قبل التكليف، بأن الإصلاح السياسي في بلادنا سيحتاج إلى ثلاثة أو أربعة عقود من الزمان في الحد الأدنى، مذكراً الأردنيين بأن الديمقراطية في أوروبا استغرقت أضعاف هذا الوقت، من دون أن يجد حاجة لتذكيرنا بتجارب ديمقراطية، استنفدت مهام التحول نحو الديمقراطية في عشرية واحدة من السنين.

رئيس الوزراء الذي طاف بالأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات، في مشاورات فائضة عن الحاجة، يبدو أنه أخفق في إقناع قوى وشخصيات وازنة بالانضمام إلى حكومته، فبحث في أرشيف الشخصيات التي تميل الى العرفية واختار منها قبضة من الوزراء الذين طالما جادلوا في ضرورة إرجاء الإصلاح إلى ما بعد حل القضية الفلسطينية، وقاوموا إدخال أية تعديلات جوهرية على قانون الانتخابات، وحاولوا سنّ قانون رجعي وعرفي للنقابات ، شخصيات كانت تعتقد بأن الرقابة على الانتخابات، ميزة المجتمعات الخارجة من حروب أهلية أو المتحررة حديثاً من الاستعمار.

بَحَثَ في أرشيف النخب المُعاد تدويرها، واستل من بينها عدداً من “المجربين”، الذين لم يقل أحدّ بأن تجاربهم كانت مثالا يحتذى، ولم يشق أحدّ منّا الخدود لاستبقائهم على رأس وزاراتهم أو استعجل استحضارهم من جديد.. ثم رَصَدَ عدداً من الحقائب كمكافآت نهاية خدمة لعدد من الشخصيات السياسية والإعلامية، ولم ينس أن يطعّم حكومته بتمثيل حزبي باهت، يُحسب على هذه الحكومة ولا يحسب لها.. ناهيك عن اتبّاعه للسنن الحكومية غير الحميدة، في “حرق” شخصية أو شخصيتين محترمتين في كل تشكيل وزاري.

ثمة مسافة فلكية تباعد ما بين مهمات هذه الحكومة وتفويضها من جهة، وبين تكوينها ومكوناتها من جهة ثانية، وفي ظني، ومن دون أن أخشى تسرعاً أو حكماً على الأحداث قبل وقوعها، أن هذه الحكومة ليست مؤهلة أبداً لأن تكون حكومة إصلاح وتحوّل ديمقراطي.

هل بتنا عاجزين عن التقدم للأمام.. هل استنفدنا قدرتنا على التفكير والإبداع.. هل بتنا مجتمعاً، غير قادر على إنتاج النخب والأفكار والحركات والحكومات والأحزاب.. ما بالنا ندور منذ سنوات في حلقة مفرغة من العجز والمراوحة وضعف إرادة التغيير وغياب إرادة الإصلاح.

المكتوب يُقرأ من عنوانه، وعنوان مشوار الإصلاح الذي وعدنا به، بات مقروءاً بكل وضوح، في التشكيل، وها نحن أمام فرصة أخرى ضائعة، بل مُضيّعة مع سبق الترصد والإصرار.. وكل فرصة ضائعة أو مُضيّعة وأنتم بألف خير.

يامصر قومي وشدي الحيل

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عريب الرنتاوي
لم يبق مثقف أو ناشط مصري لم يدلً بدلوه فيما حدث ويحدث في بلاده خلال الأيام السبعة الفائتة… ولم يشذّ أي من هؤلاء عن قاعدة الإجماع الشعبي المطالب برحيل الرئيس مبارك وتغيير النظام… قلة قليلة من رموز النظام القديم، من طبّاليه وزمّاريه، ما زالوا على “تنكرهم” و”إنكارهم” لجديد مصر وفجرها المشرق، فيما الكثرة الكاثرة من “جوقة” الشتّامين والمنافحين عن النظام المنحل، لاذت بصمت القبور، بل أن بعضهم قرر القفز من “التايتانيك” قبل غرقها وتفسخها.

الشعب المصري في مواجهة رجل واحد، رجل يرمز لنظام بأكمله، وإن كان لا يختصره… الشعب يطالب برحيل مبارك، وهذا الأخير، يصر على خوض معركة بقائه في السلطة، حتى الرمق الأخير… لا تغيير بوجود مبارك، فقد ضيع الرجل آخر فرصه بخطابه الأخير… تهاوت ركائز النظام وقواعد استناده، من الأمن المركزي إلى الحزب الحاكم، مرورا بعباقرة لجنة السياسات ورموز تحالف السلطة والثروة، لكن رأس النظام لا ييأس ولا يلقي السلاح، فثلاثون عاماً من الجلوس فوق صدر الشعب وقلبه وعقله وضميره، لا تكفي، الرجل يريد المزيد، ومن بعده نجله، وإلا ليأخذ الطوفان مصر والمصريين.

يحدثونك عن “وطنيتهم” المزعومة، مقابل “ارتباطات المعارضة الخارجية” و”أجنداتها الدفينة”، هؤلاء الذين حوّلوا مصر إلى مزرعة للعائلة، وحديقة خلفية يتنزّه فيها الفاسدون والمفسدون في الأرض… أين هي وطنيتهم اليوم، وهم الذين يتابعون “النيران تأكل روما”، لقد أعمت السلطة عيونهم وأبصارهم… لم يخطر ببالهم ، ولم يستذكروا أن: “نيرون مات ولم تمت روما بعينيها تقاتل… وحبوب سنبلة تجف ستملأ الوادي سنابل”.

أمس وبعد أسبوع من النزال في شوارع المدن المصرية وميادينها، أبلغ الرئيس نظراءه من الحكام العرب القلقين على أنفسهم أكثر من قلقهم على سلامته، بأن القاهرة ليست تونس ولا بيروت، أية “حالة إنكار” يعيشها هؤلاء، يرون الرؤوس تتهاوى، من زين العابدين إلى سعدالدين، من تونس إلى بيروت، ويرون مئات ألوف المصريين تقودهم العمائم الأزهرية وأعمدة السلطة القضائية، فيردون على ذلك كله، بإطلاق العنان لطائراتهم الحربية “للعواء” في سماء القاهرة.

إنهم يراهنون على “تعب الشارع المصري”… إنهم يراهنون على إغراق مصر في بحر من الفوضى والخراب… انهم يستلهمون نظرية هدم المعبد و”خيار شمشون”… لكن المصريين جميعاً رددوا أمس، ومن ميدان التحرير، خلف عزة بلبغ وأحمد فؤاد نجم: “يا مصر قومي وشدي الحيل.. كل اللي تمتني عندك”… و”ما دامت مصر ولادة … وفيها الطلق والعادة… حتفضل شمسها طالعة… برغم القلعة والزنازين”.

شعب مصر خرج كالمارد من قمقمه، وهيهات أن يعود إليه… ومن يريد أن يقرأ ما الذي ستأتي الأيام القادمة، عليه أن يقرأ سطور القلق في الخطاب الإسرائيلي… عليه أن يتتبع محاولات واشنطن “إدارة تغيير مضبوط” على إيقاع الوزير السابق والنائب الحالي عمر سليمان ومقاسه… عليه أن يقرأ حالة الهلع والارتباك التي تصيب “محور عرب أمريكا” الذي فقد “محوره الرئيس”، و”عمود ارتكازه” في القاهرة أو يكاد، عليه أن يقرأ آيات الخذلان المرتسمة على وجوه الذين ظنوا أن واشنطن لن تبيع وتشتري بهم، فإذا بها تخلع هؤلاء كما يخلع المرء ثيابه المتسخة في ظهيرة يوم صيفي قائظ.

مصر حلوان والجامعات والجنود على الجبهة. مصر الفلاحين الذين “بيغيروا الكتّان بالكاكي، ويغيرو الكاكي بلون الدم”. مصر البهيّة المحروسة، نفضت عن نفسها غبار الذل والاستعباد وخرجت “تلعن الجوع والمذلة والمظالم والحكومة”، كما فعل الشيخ إمام قبل أزيد من ثلاثين عاماً.

النظام عدو نفسه

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عريب الرنتاوي
دللت وقائع الأيام الأخيرة لانتفاضة شعب مصر، أن أخطر عدو للنظام، هو النظام نفسه، وإن فرص سقوطه ورحيله، تتعزز باستمرار جرّاء الأخطاء والخطايا التي يقارفها رموزه وأركانه.

فبعد أن بدا لـ”وهلة” أن الرئيس حسني مبارك، بخطابه العاطفي الذي دغدغ فيه مشاعر المصريين وعواطفهم، وخاطب كل ما فيهم من مخزون إنساني متسامح، موقظاً “أخلاق القرية” المستقرة في دواخلهم، نجح في استعادة قدر من التعاطف الشعبي. ولقد كان من الممكن البناء على نتائج هذا الخطاب وتداعياته، لولا لجوء أركان النظام، إلى سالف ممارساتهم وسلوكيّاتهم الاستعلائية المستبدة، وإيعازهم لرجالات الأجهزة الأمنية المنحلة وعصابات البلطجية بالهجوم على المحتجين في ميدان التحرير. هذه الخطوة بما خلّفته وخلّقته من ردود أفعال وتداعيات، امتصت مفاعيل الخطاب الرئاسي، وجعلت المصريين “لا ينظرون إلى الدمع في عيني مبارك، بل يتتبعون ما فعلته أيدي رجالاته وبلطجيته”.

وبعد المؤتمر الصحفي الأول الذي عقده رئيس الوزراء أحمد شفيق، والذي كان في خلاله “مقنعاً ومؤثراً”، وحاول بنجاح امتصاص غضب الكثير من المصريين الغاضبين، جاءت تصريحات نائب الرئيس عمر سليمان الاستفزازية، لتشطب دفعة واحدة، ما جهد رئيس الحكومة في تحقيقه، فالنائب سليمان نسب إلى المنتفضين أجندات خاصة وخارجية، وهو أقام تماثلاً ما بينهم وما بين جماعة الإخوان المسلمين، وكل من راقب المشهد المصري، يدرك تمام الإدراك أن نائب رئيس الجمهورية تصرف كضابط مخابرات، اعتاد التمترس خلف هذه الاتهامات الجاهزة المعدة مسبقاً لمواجهة الخصوم والمعارضين، ولم يتصرف كزعيم مناط به أمر إخراج مصر من محنتها واستلام الراية من سلفه.

وجاء استمرار الاعتداءات على المتظاهرين من قبل البلطجية وفلول أجهزة الأمن، بالضد من وعود سليمان وشفيق، وفي ظل “حياد مريب” للجيش، ودعوة متناغمة صدرت عن قيادته وعن نائب رئيس الجمهورية، لوقف التظاهرات والعودة للمنازل، جاء كل ذلك، ليثير مخاوف شبان مصر وشاباتها، ويزيدهم اقتناعاً بأن “النظام” لم يرفع الراية البيضاء بعد ، ولم يسلم بمطالب الثورة المصرية، وأن كل ما يفعله ويفكر فيه، ليس سوى محاولة للالتفاف على الثورة وقطع الطريق على مقاصدها وأهدافها ومراميها.

ولعل أكثر المفارقات إثارة للسخرية والغضب، تلك النبرة الإتهامية التي ما زالت تطل برأسها من ثنايا الخطاب الرسمي للنظام، وحديث بعض أركانه المتكرر عن “مؤامرة خارجية”، في اتهام صريح ومباشر للمنتفضين والقوى المحركة لهم، بأنهم عملاء للولايات المتحدة وإسرائيل، ويربط هذا الخطاب بين دعوات إسقاط النظام وضغوط واشنطن للتسريع في إنجاز عملية نقل السلطة وإستقالة مبارك.. جذر المفارقة المضحك، يكمن في كون ممثلي أكثر النظم العربية تهافتاً أمام واشنطن وتخاذلا أمام إسرائيل، هم من يلقون الاتهامات بالتهافت والتخاذل على خصوم النظام، إما الجانب المأساوي في المسألة برمتها، فيتجلى في إدراك هؤلاء كم هو مخزْ ومذل ومشين، أن يكون المرؤ تابعاً لواشنطن ومتهافتاً أمام إسرائيل، وإلا لما قذفوا خصومهم بهذه الاتهامات القذرة، ولما لجأوا إليها لحرقهم وعزلهم، فكيف ارتضى هؤلاء على أنفسهم أن يكونوا في هذا الموقع وعلى هذا الشاكلة وطوال عقود ثلاثة من السنين ؟.

لقد أتيح لنا أن نعرف عن عمر سليمان ومنه شخصياً، وخلال يومين فقط، أكثر مما سمعنا وعرفنا عنه طول ربع قرن أو يزيد، وبتنا إكثر اقتناعاً بأن بقاء الرجل في موقعه، وتوليه مهام “مرحلة ما بعد مبارك” لا يعني سوى استمرار “المباركية” من دون حسني مبارك..لا يعني سوى استمرار النظام القديم، وبنفس الأسماء والوجوه كذلك.

إن لم تنجح الثورة في تفكيك النظام القديم.. إن لم تنجح الثورة في وضع أسس صلبة لعملية انتقال السلطة، لا تترك مقاليد الحل والربط في أيدي نفر قليل من رجالات مبارك “الأوفياء”، فإن مخاطر الانتكاس وفرص النكوص على المكتسبات، ستظل قائمة، بل وقائمة بقوة.. والأمل، كل الأمل معقود، على وعي الثورة بهذه المؤامرات والمناورات، الرهان، كل الرهان، منصب على ثورة الوعي التي تجتاح الشوارع المصرية.

المسؤول الفلسيطيني والجوار الأردني

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عريب الرنتاوي
كبار المسؤولين في السلطة الفلسطينية، يحرصون على الاحتفاظ بجوازات سفرهم الأردنية، بل أن بعضهم لا يترك باباً إلا ويطرقه، من أجل الحصول على “رقم وطني أردني” وجواز سفر لمدة خمسة أعوام، مع أن معظم هؤلاء يحملون جوازات سفر دبلوماسية وأرقاما وطنية فلسطينية، وهم في قمة هرم السلطة والمنظمة، بل ولا يكفون عن إسماعنا شتى أنواع الموشّحات والتراتيل والترانيم، عن “المشروع الوطني الفلسطيني”، وعن نجاح السلطة الفلسطينية في إعادة أزيد من 200 ألف فلسطيني لاجئ إلى وطنه ، منذ أوسلو حتى اليوم؟.

بالنسبة لهؤلاء، فإن المشروع الوطني الفلسطيني ليس سوى “محاولة”، يقدمون عليها من دون أن يحرقوا جسورهم، هم لا يحتفظون بجوازات سفرهم الأردنية فحسب، بل ويتركون ثرواتهم الرئيسية في الخارج ، لقد اشتروا العقارات والبيوت، واحتفظوا لأنفسهم بحسابات مصرفية في الخارج، وأبقى الكثيرون منهم أبناءهم وبناتهم في مدارس عمان أو غيرها من العواصم.. الوجود على أرض الوطن بالنسبة لهؤلاء يشبه “نظام الإعارة” والذي ينتهي دائما بالعودة إلى نقطة الانطلاق.

بعض المسؤولين السابقين، من نفس الفصيلة والمدرسة ، غادورا “الوطن” ما أن غادورا الوظيفة، إقامتهم الرئيسة في بيوتهم التي لم تغلق يوماً في عمان.. بعضهم الآخر يحرص على “تنويع مكان إقامته” تحسباً للظروف، له بيت في عمان وآخر في دمشق أو القاهرة – وفقا لهواه السياسي وأصله ومنبته – اما الاستثمارات في دبي فتلك حكاية جديدة، لا تشبهها سوى معلومة سربها لي موظف في “مصرف ما” عن مسؤول أمني سابق، يحرص على إيداع مبالغ محترمة في حسابات أنجاله، تحسباً لعاديات الدهر، والحبل على الجرار.

بعض النواب الأفاضل والمعلقين والصحفيين ، تناولوا مؤخراً هذه الظاهرة – القديمة نوعاً ما – من زاوية الإشارة إلى ازدواجية وتناقض الاجراءات الأردنية في هذا الاتجاه، إذ في الوقت الذي تسحب فيه جنسيات مواطنين عاديين وأرقامهم الوطنية، تعطى هذه الجنسيات والأرقام الوطنية لمسؤولين فلسطينيين كبار، من غير وجه حق، حسب هؤلاء، وهذا صحيح ونحن نوافق عليه ونعرف دوافعه ولا نقبل بها أبداً.

لكن ما يهمنا في هذا المقام، مناقشة الظاهرة ذاتها من زاوية المشروع الوطني الفلسطيني ودرجة ثقة سدنته ورعاته به وبفرص نجاحه.. إنهم باختصار يكذبون علينا.. إنهم يعملون لهذا المشروع طالما ظل مصدراً للجاه والسلطة والثروة والأضواء.. وسيقفزون من سفينته فوراً ومن دون إبطاء عند أول تعثر أو انعطافة، ولهذا فهم حريصون على سياسة “مد الجسور الشخصية”، جسورهم هم وأفراد عائلاتهم وثرواتهم مع الخارج، من خلال الأردن، فيه وعبره، إنهم يرون في جواز السفر والجنسية الأخرى، طوق النجاة الذي سيستقلونه إذا ما جنحت السفينة وأشرفت على الغرق.

قبل عشر سنوات أو يزيد، كتبنا في هذه الزاوية بالذات، معلقين على موقف قادة حماس المبعدين من الأردن من مسألة الجنسية وجواز السفر الأردنيين.. يومها أخذنا عليهم إصرارهم على أردنيتهم، وقلنا كيف يمكن لزعماء ثاني تنظيم سياسي ـ عسكري على الساحة الفلسطينية أن يستمسكوا بجنسية وجواز ورقم وطني لدولة أخرى، مع أنهم بحكم علاقاتهم الدولية، لديهم جوازات سفر من دول عديدة وبأسماء عديدة، تماماً مثلما كان عليه حال قادة ومناضلي الفصائل الفلسطينية المختلفة ، وطوال ما يزيد عن ربع قرن.

اليوم، نجد لهؤلاء “العذر المخفف”، وإن كنا لا زلنا غير قابلين بموقفهم ذاك.. إذ بالقياس لموقف قادة السلطة الكبار، فإن قادة حماس في الخارج لا يحملون جوازات سفر فلسطينية لا عادية ولا دبلوماسية، وليست لديهم أرقام وطنية، ولهذا قد يكون استمساكهم بالجواز والرقم الأردنيين مفهوماً نسبياً، وأشدد على نسبياً، لكن ماذا عن هؤلاء الذين يحملون جواز السفر الدبلوماسي وبطاقة الـ”VIP”، ما بالهم لا يقنعون بما لديهم، ما بالهم ينهون عن فعلْ ويأتون بمثله؟.

خلال السنوات العشر أو الخمس عشرة الأخيرة استمعت لقصص كثيرة عن المسؤولين الفلسطينيين وجواز السفر الأردني، بعضهم لم يحمل الجنسية الأردنية طوال حياته، لم يكف عن إرسال “كتب الاسترحام” وتوسيط “سعاة الخير” للتجنس والحصول على الجواز.. أحدهم قرأ لي ذات مرة الرسالة التي كانت تطبع على غلاف الجواز وفيها طلب باسم جلالة الملك إلى البعثات الدبلوماسية الأردنية لتسهيل مهمة حامله، قرأها باعتبارها رسالة مكتوبة خصيصاً له، قبل أن أظهر له جواز سفر والدتي الذي كنت قد جددته للتو لكي تؤدي فريضة الحج، وعليه مطبوعة الرسالة ذاتها، وبنفس درجة التشديد على تقديم كل أنواع التسهيلات والعون والحماية كونها مواطنة فقط، ومن دون حاجة لأن تكون صنفاً خاصاً من البشر.

صدمتنا اليوم، أن الأسماء التي تتردد في قوائم الساعين للحصول على الجنسية والجواز والرقم الوطني، تمثل رجالات الصف الأول الفلسطيني، وما فوق الصف الأول.. وإذا كان رب البيت للطبل ضارباً، فلا يلومنّ أحدّ سكان الضفة الغربية والقدس – وحتى غزة – إن هم حرقوا في حفل جماعي جوازات سفرهم وهويّاتهم الفلسطينية، أو تقدموا بطلب التحاق جماعي بالأردن.

عن الجيش والثورة

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عريب الرنتاوي
قفز مصطلح “الواجهات العشائرية” إلى صدارة أولوياتنا الوطنية، وبات أمر “تفويضها” او “استرجاعها”، مندرجاً في سياقات نظرية الأمن الوطني، وطغت انباء التظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات و”تقطيع الطرق” المندرجة تحت هذا العنوان، على التحركات الاحتجاجية، المطلبية منها والسياسية.

قبل عامين، أزيد قليلا أو أقل قليلا، نفى وزير للداخلية وجود شيء اسمه “واجهات عشائرية”، وقال أن هذه الأراضي هي “أراضي دولة”، أو باللغة السائدة “أراضي ميري”.. اليوم، يتحدث المسؤولون بلغة مختلفة، إنهم يخطئون زميلهم السابق، أو الأسبق، ويقرّون بوجود شيء اسمه “واجهات عشائرية” وينقلون الوعود والتعهدات بإعادتها إلى أصحابها، ما شجع المزيد من العشائر على “استلال” كل ما في جعبتها من وثائق تثبت أحقيتها في هذه الواجهات، ويبرر تجديد المطالبة بها.

على أن مشكلة هذه “الواجهات العشائرية” أنها غير محددة بدقة، ولا وضع قانونياً لها، وقد جرى التصرف ببعض أجزائها، بيعاً وشراء وتأجيرا على امتداد السنوات والعقود الفائتة، من الحكومة إلى القطاع الخاص والشركات والمنشآت العامة ومؤسسات النفع إلى غير ما هنالك، وسوف تحدث فوضى شاملة، اجتماعية واقتصادية، إن جرى الأخذ بنظرية “عودة الواجهات إلى نصابها” أو بالأحرى إلى أصحابها الأصليين.

لا ندري ما الفاروق في الوضع القانوني بين “الواجهات العشائرية” و”الأراضي الميري”، ونأمل أن يرشدنا المختصون إلى طريق لفهم هذا الفارق… لا ندري أين تبدأ واجهات العشائر وأين تنتهي، أين تبدأ الأراضي الميرية وأين تنتهي… لا ندري كيف سيكون التعامل مع هذه الأراضي، هل ستبقى فضاء مفتوحاً تتحرك فيه العشائر؟… هل تتحول إلى “وقفيّات” كما حال ملكيات بعض العائلات والحمائل في فلسطين على سبيل المثال؟… هو توزع الأراضي على أبناء هذه العشائر، كيف وبأي نسبة، للذكور فقط، أم للذكور والإناث، للذكر مثل حظ الأنثى أم ضعفه… نحن لا نعرف كيف ستؤول هذه الملكيات ولا كيف سيجري التصرف بها، ومن له الحق التصرف، وبأي قدر ونسب وحدود إلى غير ما هنالك، وما الإطار والمستند القانوني لكل هذا وذاك وتلك.

في ظني أن الأصل في “الواجهات العشائرية” إنما يعود إلى زمن البداوة والترحال والرعي، لكل عشيرة مجالها الحيوي ، دون أن يكون مهماً جداً تحديد هذا المساحة بدقة، أو تسجيلها بـ”ورقة طابو”، الكل يملك كل هذه الأراضي، ولا أحد يملك فعلياً شيئاً منها… الأصل أن هذه الأراضي كانت مكرّسة للانتفاع فقط، ولم يكن أمر “الملكية الفردية” أو حتى “الملكية الجماعية” مثار نقاش أو موضع تساؤل، الأمور تغيرت اليوم، بل وتغيرت كثيراً.

فمن جهة، لم تعد لدينا بداوة مترحلة، العشائر توطّنت واستوطنت واستقرت، وانتقلت إلى أنماط أخرى من العمل والحياة والسكن، إنها الحداثة التي ضربتنا جميعاً بأجنحتها.. ومن جهة ثانية، لم تعد الأراضي كما كانت ، فما كان منها صحراء قاحلة لا قيمة له، أصبحت له قيمة، بل وقيمة سوقية عالية جداً في بعض المناطق هذه الأيام، وبات التصرف بهذه الأراضي وامتلاكها، أمراً يُحدث فرقاً في حياة الفرد والمجموع.

قضية الواجهات العشائرية، قضية قديمة، لكن الحديث بشأنها يتجدد هذه الأيام، وبطريقة مثيرة الدهشة حقاً وتستحق التأمل… ثمة من يعتقد على ما يبدو، أن الدولة في حالة تراجع، وأن العشيرة في حالة تقدم ، وأن ما لم يكن ممكناً الحصول عليه بالأمس، قد بات ممكنا استرداده اليوم… إنها لحظة تراجع “سيادة القانون” وتقدم منطق “القانون الخاص” أو “العدالة غير الرسمية”، وهي لحظة تتوازى وتتساوق، مع تراجع الدولة عموماً وتقدم العشيرة، تراجع الهوية الوطنية وانتعاش الهويات الفرعية، في كل شيء، في كل ميدان وحقل ومحفل، فلمَ تكون مسألة الأراضي والملكيات والواجهات استثناءً؟ وبفرض أن الدولة سترضخ لهذه المطالب، وتتراجع عن موقف وزيرها السابق، فإن السؤال حول كيفية التصرف بهذه الأراضي، وتوفير “التعويضات” عن الاستملاكات التي قامت عليها، سيفتح الباب أمام منازعات قضائية وعنف اجتماعي ومشاجرات عشائرية وأزمات مالية واقتصادية، نعرف أن لها أول، بيد أن أحداً لا يعرف ولن يعرف، كيف سيكون لها آخر.

“قنبلة موقوتة” أخرى تنفجر بين أيدينا، وتثقل أجندتنا الوطنية، ودائما بسبب سوء إدارتنا وتخلي حكوماتنا عن أدوارها واستقالتها من صلاحياتها، وتراجع مشروعنا في بناء دولة المواطنة والمؤسسات وسيادة القانون وتكافؤ الفرص… هي قصة أخرى تحكي فشل مشروعنا الإصلاحي الذي ترددنا في إنجازه طويلاً، وها نحن نكتشف متأخرين كم هي باهظة كلفة التردد والمراوحة والدوران حول الذات.