أ.د. أحمد محمد وهبان

عن الواجهات العشائرية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عريب الرنتاوي
قفز مصطلح “الواجهات العشائرية” إلى صدارة أولوياتنا الوطنية، وبات أمر “تفويضها” او “استرجاعها”، مندرجاً في سياقات نظرية الأمن الوطني، وطغت انباء التظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات و”تقطيع الطرق” المندرجة تحت هذا العنوان، على التحركات الاحتجاجية، المطلبية منها والسياسية.

قبل عامين، أزيد قليلا أو أقل قليلا، نفى وزير للداخلية وجود شيء اسمه “واجهات عشائرية”، وقال أن هذه الأراضي هي “أراضي دولة”، أو باللغة السائدة “أراضي ميري”.. اليوم، يتحدث المسؤولون بلغة مختلفة، إنهم يخطئون زميلهم السابق، أو الأسبق، ويقرّون بوجود شيء اسمه “واجهات عشائرية” وينقلون الوعود والتعهدات بإعادتها إلى أصحابها، ما شجع المزيد من العشائر على “استلال” كل ما في جعبتها من وثائق تثبت أحقيتها في هذه الواجهات، ويبرر تجديد المطالبة بها.

على أن مشكلة هذه “الواجهات العشائرية” أنها غير محددة بدقة، ولا وضع قانونياً لها، وقد جرى التصرف ببعض أجزائها، بيعاً وشراء وتأجيرا على امتداد السنوات والعقود الفائتة، من الحكومة إلى القطاع الخاص والشركات والمنشآت العامة ومؤسسات النفع إلى غير ما هنالك، وسوف تحدث فوضى شاملة، اجتماعية واقتصادية، إن جرى الأخذ بنظرية “عودة الواجهات إلى نصابها” أو بالأحرى إلى أصحابها الأصليين.

لا ندري ما الفاروق في الوضع القانوني بين “الواجهات العشائرية” و”الأراضي الميري”، ونأمل أن يرشدنا المختصون إلى طريق لفهم هذا الفارق… لا ندري أين تبدأ واجهات العشائر وأين تنتهي، أين تبدأ الأراضي الميرية وأين تنتهي… لا ندري كيف سيكون التعامل مع هذه الأراضي، هل ستبقى فضاء مفتوحاً تتحرك فيه العشائر؟… هل تتحول إلى “وقفيّات” كما حال ملكيات بعض العائلات والحمائل في فلسطين على سبيل المثال؟… هو توزع الأراضي على أبناء هذه العشائر، كيف وبأي نسبة، للذكور فقط، أم للذكور والإناث، للذكر مثل حظ الأنثى أم ضعفه… نحن لا نعرف كيف ستؤول هذه الملكيات ولا كيف سيجري التصرف بها، ومن له الحق التصرف، وبأي قدر ونسب وحدود إلى غير ما هنالك، وما الإطار والمستند القانوني لكل هذا وذاك وتلك.

في ظني أن الأصل في “الواجهات العشائرية” إنما يعود إلى زمن البداوة والترحال والرعي، لكل عشيرة مجالها الحيوي ، دون أن يكون مهماً جداً تحديد هذا المساحة بدقة، أو تسجيلها بـ”ورقة طابو”، الكل يملك كل هذه الأراضي، ولا أحد يملك فعلياً شيئاً منها… الأصل أن هذه الأراضي كانت مكرّسة للانتفاع فقط، ولم يكن أمر “الملكية الفردية” أو حتى “الملكية الجماعية” مثار نقاش أو موضع تساؤل، الأمور تغيرت اليوم، بل وتغيرت كثيراً.

فمن جهة، لم تعد لدينا بداوة مترحلة، العشائر توطّنت واستوطنت واستقرت، وانتقلت إلى أنماط أخرى من العمل والحياة والسكن، إنها الحداثة التي ضربتنا جميعاً بأجنحتها.. ومن جهة ثانية، لم تعد الأراضي كما كانت ، فما كان منها صحراء قاحلة لا قيمة له، أصبحت له قيمة، بل وقيمة سوقية عالية جداً في بعض المناطق هذه الأيام، وبات التصرف بهذه الأراضي وامتلاكها، أمراً يُحدث فرقاً في حياة الفرد والمجموع.

قضية الواجهات العشائرية، قضية قديمة، لكن الحديث بشأنها يتجدد هذه الأيام، وبطريقة مثيرة الدهشة حقاً وتستحق التأمل… ثمة من يعتقد على ما يبدو، أن الدولة في حالة تراجع، وأن العشيرة في حالة تقدم ، وأن ما لم يكن ممكناً الحصول عليه بالأمس، قد بات ممكنا استرداده اليوم… إنها لحظة تراجع “سيادة القانون” وتقدم منطق “القانون الخاص” أو “العدالة غير الرسمية”، وهي لحظة تتوازى وتتساوق، مع تراجع الدولة عموماً وتقدم العشيرة، تراجع الهوية الوطنية وانتعاش الهويات الفرعية، في كل شيء، في كل ميدان وحقل ومحفل، فلمَ تكون مسألة الأراضي والملكيات والواجهات استثناءً؟ وبفرض أن الدولة سترضخ لهذه المطالب، وتتراجع عن موقف وزيرها السابق، فإن السؤال حول كيفية التصرف بهذه الأراضي، وتوفير “التعويضات” عن الاستملاكات التي قامت عليها، سيفتح الباب أمام منازعات قضائية وعنف اجتماعي ومشاجرات عشائرية وأزمات مالية واقتصادية، نعرف أن لها أول، بيد أن أحداً لا يعرف ولن يعرف، كيف سيكون لها آخر.

“قنبلة موقوتة” أخرى تنفجر بين أيدينا، وتثقل أجندتنا الوطنية، ودائما بسبب سوء إدارتنا وتخلي حكوماتنا عن أدوارها واستقالتها من صلاحياتها، وتراجع مشروعنا في بناء دولة المواطنة والمؤسسات وسيادة القانون وتكافؤ الفرص… هي قصة أخرى تحكي فشل مشروعنا الإصلاحي الذي ترددنا في إنجازه طويلاً، وها نحن نكتشف متأخرين كم هي باهظة كلفة التردد والمراوحة والدوران حول الذات.

واشنطن وثورات المنطقة

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عريب الرنتاوي

نشاطر الرئيس الأميركي باراك أوباما “سخريته” من الموقف الإيراني المزدوج، إذ في الوقت الذي يحتفي فيه نظام طهران بنصر الثورة المصرية وانتفاضة ميدان التحرير، نراه يصدر الأوامر لرجال “الباسيج” بالتصدي للمتظاهرين سلمياً في شوارع المدن الإيرانية، وندعو كما دعا الرئيس الأميركي، نظام الملالي لرفع اليد عن الشعب الإيراني الشقيق، وإطلاق حريته في التعبير السلمي عن مواقفه واطروحاته، من دون تكفير أو تخوين، ومن دون صيحات ثأثرية وانتقامية، تطالب بقطع الرؤوس ونصب المشانق، فمن يحتفي بانتصار ثورة مصر الجماهيرية، عليه من باب أولى، أن يسمح لأبناء شعبه بحرية التعبير والاعتصام والتظاهر.

على أننا نختلف مع الرئيس الأميركي باراك أوباما في مقارباته الناعمة حيال السلوكيات التي تتبعها حكومات اليمن والبحرين ضد الجماهير المنتفضة في المنامة وعدن وصنعاء وتعز.. ونتهم الإدارة الأميركية بما اتهمت به القيادة الإيرانية: ازدواجية المعايير، فحين يتعلق الأمر بإيران، نرى أشد العبارات وأوضحها تخرج من أفواه المسؤولين الأميركيين، أما حين يتعلق الأمر بحليفهم في الحرب على الإرهاب في صنعاء، فإن عبارات من نوع ضبط النفس هي أقصى ما يمكن أن يصدر عن واشنطن، وهي عبارة توجه عادة للنظام والمتظاهرين على حد سواء، لكأن المتظاهرين هم من يطلقون الرصاص الحي والمطاطي والقنابل المسيلة للدموع على الشرطة والجيش، أو لكأنهم هم من يدفعون لبلطجية النظام من أجل الاعتداء على المتظاهرين الموقف الأميركي من مجريات الوضع البحريني لا يقل سوءا عن موقف واشنطن من انتفاضة الشعب اليمني، فهنا أيضاً ، وحين يتعلق الأمر بمن يستضيف الأسطول الأميركي الخامس، يصبح الحديث عن سلوكيات النظام، أكثر نعومة، ولا نستبعد أن تندد واشنطن بالمتظاهرين الذين يزعجون صفو وهدوء القواعد الأميركية والمرابطين فيها، مع أن أي من المتظاهرين لم يرفع شعارات “الجلاء” بعد.

إن نحن نظرنا إلى مستوى العنف والقسوة في الدول الثلاث، نرى أنها من نفس الطينة والعجينة، وهي جميعها وبكل أشكالها مرفوضة ومدانة، جملة وتفصيلاً، وهي جميعها عنف باتجاه واحد، عنف السلطة ضد الشعب، ويجب أن يقال ذلك علناً وبوضوح، حتى لا نضع الجلاد والضحية في سلة واحدة، كما يستشم من رائحة البيانات الأميركية بخصوص اليمن والبحرين.

والحقيقة أن أعداد ضحايا العنف السلطوي ضد المتظاهرين، في اليمن والبحرين فاقت أعداد ضحايا العنف السلطوي الإيراني ضد المتظاهرين، وتصبح الفجوة أكثر اتساعاً بما لا يقاس، إن نحن أخذنا بنظر الاعتبار، فارق التعداد السكاني في هذه الدول الثلاث، خصوصا بين البحرين وإيران، ومع ذلك نرى الانزعاج الأميركي للدماء الإيرانية المُراقة في الشوارع أشد بكثير من الانزعاج الأميركي للدماء البحرينية أو اليمنية المُراقة.

لا مجال لازدواجية المعايير بعد اليوم، فالشعوب العربية لم تعد قادرة على شراء هذه البضاعة الصدئة والفاسدة، وعلى واشنطن أن تكيل بالمكيال ذاته، سواء إن اندلعت الانتفاضات والثورات في إيران أو سوريا وقطاع غزة، أو في صنعاء والمنامة، فحق الشعوب في التعبير الحر، وبكل الأشكال عن آرائها وتطلعاتها وطموحاتها، لا يمكن أن يكون محكوماً بعلاقات واشنطن بهذا النظام أو ذاك، بهذه الحكومة أو تلك، إنه حق مقدس، طالما أنه يتم بالطرق السلمية والشرعية.

نحن نعرف أن واشنطن ستبدل لغتها وخطابها ونبرتها، مع تطور الأحداث، وستبدأ بالاقتراب من الشارع، كلما اقتربت الشوارع من تحقيق أهداف ثورتها، تماماً مثلما حصل في تونس ومصر، لكن الفارق كبير، بين أن يكون التأييد الأميركي لحق الشعوب في تقرير مصائرها، مبدئياً وفي الضراء، وبين أن تقدم الدولة الأعظم على تأييد هذه الشعوب في السراء أو في ربع الساعة الأخير.

لم يُحرق علم أميركي واحد في ميدان التحرير أو شارع بورقيبة أو في ساحة اللؤلؤة أو ميدان السبعين في صنعاء، فلماذا تصر الولايات المتحدة، على الانحياز لأنظمة ديكتاتورية، هذا قضى 33 عاما على مقعد الرئاسة، وذاك قضى أربعين عاماً على رأس الحكومة، إنها أرقام قياسية دولية حقاً، لم يعد يليق بشعوبنا أن تقبل بها، بأي حال من الأحوال، وتحت أي ظرف من الظروف، ويجب اجتثاث البيئة السياسية والدستورية والتشريعية التي تنبتها، يجب الانقلاب على موازين القوى التي تجعل من بروز مثل هذه الظواهر واستمرارها، أمراً ممكناً. من حق الشعب أن يطالب بحكومات منتخبة

الحكومة أمام امتحان البلطجية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عريب الرنتاوي
إن كان من وسيلة للحكم بها على صدقية الحكومة، فإنها تتجلى اليوم في الكشف عن هوية “البلطجية” الذين اعتدوا على المتظاهرين سلمياً في ساحة المسجد الحسيني الجمعة الفائت، إحالتهم للقضاء وإلحاق القصاص العادل بهم وبمن حرضهم واستخدمهم.. بيانات الإدانة والاستنكار ليست كافية.. مكالمات الاعتذار التي تخاطب حقاً فردياً، لا تكفي لطمأنة جمهور المواطنيين ولإقناعهم بأنهم يعيشيون في دولة مؤسسات تحترم القانون وتصون سيادته.

لجنة التحقيق التي قيل أنها ستتقصى ما جرى، لا تكفي وحدها لإثارة الإحساس بالطمأنينة، فلقد أصبحنا بحاجة “للجنة تحقيق” للتحقيق في مصائر العديد من اللجان المشابهة، والتي طواها النسيان بعد أن أتمت مهمتها في امتصاص الغضب وتهدئة الخواطر.. لا نتائج تعلن، ولا مذنبين يحاسبون.. هل تذكرون التحقيق بأحداث القويسمة؟

لا يكفي أن يقال أن الحكومة لا تعرف هوية هؤلاء، كان بإمكانها أن تعرف، وأن تعرف على الفور، ولحظة وقوع الاعتداء على المتظاهرين، ولقد سئم الرأي العام الأردني شكوى الحكومات، رؤوساء الوزارات والوزراء، من أنهم لا يعرفون، وأن أشياء كثيرة تجري من وراء ظهورهم.. ألم يشتكي رئيسُ الحكومة ذات يوم، من أن انتخابات 2007 زوّرت من وراء ظهره ومن دون عمله؟…ما الذي يتبقى من القاعدة الدستورية التي تقول بولاية الحكومة العامة، إن كانت أحداث بهذا الحجم، تجري في قلب العاصمة، والشمس في عز الظيرة، من دون علم الحكومة ومن وراء ظهرها.

ندرك أنه موضوع شائك، وقد يقود إلى إدانة مراكز قوى ، لكن لا بد مما ليس منه بُدّ.. وعلى الحلقة الضيّقة من صناع القرار في بلادنا، أن يتذكروا، بأن ثورة مصر اندلعت فعلياً بعد “غزوة الجمل” في ميدان التحرير ، بعد هجوم “البلطجية” في الثامن والعشرين من يناير، مع أنه كان قد مضى على انطلاقتها أربعة أيام بلياليها…العبث في أمر كهذا خط أحمر، ومقامرة لا تحمد عقباها.

كل حكومة بحاجة لبذل جهد كبير للحصول على ثقة الناس، هذه الحكومة بحاجة لجهد استثنائي مضاعف، وثمة قناعة لدى قطاعات لا بأس بها من المواطنين، بأن بعض رموزها ينتمون إلى مدارس مناهضة للإصلاح، وآخر ما يمكن أن تكون هذه الحكومة بحاجة له، هي مشاهد من النوع التي رأيناها بالأمس في ساحة المسجد الحسيني.

ثم كيف يستقيم الحديث عن حرية الصحافة والإعلام، وعن “حرية سقفها السماء” فيما شكوى الصحفيين والمراسلين لا تنقطع عن المضايقات والتحرشات.. كيف يستقيم كل هذا وذاك، مع “الحملة المنظمة” التي تخاض ضد قناة “الحزيرة” وبعض وكالات الأنباء، ويجري التعامل مع كل تقرير ينشر ولا يعجبنا، بوصفه مؤامرة كونية، أليس في ذلك ابتزاز ما بعده ابتزاز، للصحافة ووسائل الإعلام…لا مصلحة لنا في ذلك، كل هذه الوسائل جُرّبت وثبت عقمها…

تستطيع الحكومة أن تتنصل من كل هذه الممارسات، فلم يثبت رسمياً على الأقل، أنها جزء منها، أو أنها صدرت بأوامر وتعليمات منها، لكن الحكومة معنوياً وسياسياً وحتى قانونياً، لا تستطيع التبرؤ من هذه الأفعال، وأحسب من دون مبالغة أو تطير، بأن مصير هذه الحكومة، بل ومصير المشروع الإصلاحي التي فوّضت بتنفيذه، سوف يكون رهناً بالكيفية التي ستدير بها أزمة انفلات “البلطجية” من كل عقال، فإما يقال أنها حكومة إصلاح فعلاً، وأما أن يصح فيها القول: “من أول غزواته كسر عصاته”.

يوم ليبى في حياتي

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

عريب الرنتاوي
من بنغازي، انطلقت “ثورة الفاتح”..وفي بنغازي ستلفظ هذه الثورة أنفاسها الأخيرة.. لقد انتهى عهد القذافي..انتهى عهد الجماهيرية، واللجان الشعبية، والكتاب الأخضر، وكل ما في قاموس الهريج الليبي من خزعبلات.

يوم أمس، كان يوماً ليبياً في حياتي…يا إلهي كم سعدت بسماع أصوات الأصدقاء الليبيين من بنغازي، وكم اغتنت روحي بأرواحهم المعنوية التي عانقت السماء وهي تصرخ في تحدْ ظاهر: إما نحن أو القذافي، سننتصر.

أمس استمعت عبر هواتف الأصدقاء، لأصوات عشرات ألوف الليبيين وهي تشييع عشرات الشهداء الأبرار إلى مثاويهم الأخيرة..عشرات ألوف الحناجر التي صدحت بشعار واحد: الشعب يريد اسقاط النظام..والنظام في ليبيا كما قال أخي زكريا محمد قبل أيام، هو رديف الفوضى، الفوضى غير الخلاقة وغير الأخلاقية..الفوضى التي جعلت الليبي حائرا في يوم وغده ومستقبله.

بصدورهم العارية، استقبلوا الرصاص الحي، فلا رصاص مطاطياً في ليبيا..بأجسادهم الغضة الطرية، استقبلوا قذائف الـ”14,5″ ملم، لا مزاح مع العقيد ومرتزقته..بعظامهم بنوا المتاريس لمواجهة الدبابات التي زحفت من الغرب لإعادة الشرق لبيت الطاعة، ولكن هيهات هيهات.

بخلاف دول عديدة، طور العقيد الليبي نظاما جديدا “للبلطجة والبلطجية”، هو اعتمد على “المرتزقة” و”الانكشاريين”…هذا هو الدرس الوحيد الذي حفظه من مرحلة انحطاط الدولة العثمانية.. إنكشاريون جاء بهم من أفريقيا وتشاد على وجه الخصوص، وظيفتهم الوحيدة إطلاق الرصاص مباشرة صوب الرأس والعنق والصدر…العقيد لا يريد جرحى ولا أسرى أو معتقلين..العقيد يريد الجثث على مرمى البصر، وكان له ما أراد…في يوم واحد أو يومين أسقط من الشهداء ما يفوق أعداد نظرائهم في الثورة التونسية المجيدة، وإذا ما أخذنا فارق التعداد السكاني، تكون النتيجة أضعافا مضاعفة.. في ساعات حصدت آلة القتل التي ترتب في كنف “الجماهيرية واللجان”، ما يربو على شهداء الثورة المصرية الباسلة، ومصر رعاكم الله، تزيد عن تونس بعشرين ضعفاً أو يزيد.

لا أحد غير “نظام الجماهيرية ولجانها” يجرؤ على استخدام الطائرات ضد شعب أعزل.. لا أحد غير نظام “المثابات الثورية” بمقدوره أن يقتل الرجال والنساء والشبان بدم بارد.. لقد قتلهم من قبل، بالجملة والتقسيط ، بدلالة المجزرة الأبشع في سجن أو سويلم.. وها هو يقتلهم اليوم زرافات وليسوا وحدانا في بنغازي والبيضة والكفرة وإجدابيا وغيرها من مدن القطر الليبي العزيز.

لقد سئمنا التهريج والإسفاف والكذب والادعاء.. لقد سئمنا اصطفاف نظام العقيد إلى جانب القادة الساقطين والنظم المتآكلة…فبعد أن هاجم الشعب التونسي لتخليه عن “أفضل من يمكنهم اختياره لحكمهم” ويقصد زين العابدين بن علي، كذب العقيد على الهواء مباشرة، وقال أنه يشتري لحسني مبارك ملابسه، كل ذلك قبل أن تفضح الكاميرات المخابئ السرية لملايين الدولارات والمجوهرات لزين العابدين وليلى الطرابلسي، وقبل أن تشرع البنوك السويسرية في كشف أرصدة عائلة مبارك المليونية.. لا نعرف شيئاَ عن ثروة العقيد، نحن نعرف عن ثورته.. في ليبيا الثورة والجماهيرية واللجان، لا أحد يعرف ماذا يجري في مملكة الصمت والأسرار، حتى الموازنة العامة للدولة، ظلت بدعة حتى لسنوات قلائل، أما إيرادات النفط، فلغز لا يعرفه سوى القذافي وأنجاله.

لقد سئما حروب العقيد ومعاركه الدونكيشوتية.. لقد بدد ثروة الشعب الليبي في دعم قوى وفصائل مشبوهة، وفي حملات تسويق لكتاب أخضر سطحي وساذج.. وعندما “ثاب إلى رشده” مذعوراً من مغبة تكرار سيناريو إسقاط صدام حسين، واصل صرف مليارات الدولات في تحسين صورته وإدامة نظامه، كل هذا والشعب الليبي يواجه ضنك العيش والبطالة والفقر وسوء التعليم والتخلف عن ركب العصر وروحه.

لقد سئمنا محاضراته المملة وخيامه وجماله ونسائه المدججات بالسلاح.. وكل ما نريده لليبيا ونتمنا هو أن تخظى برئيسْ طبيعي يحكمها.. نريد لليبيا أن تحيا حياة طبيعية، بعيدة عن كل هذا الجنون، نحن لا نتحدث عن الديمقراطية وموجاتها، ولا عن حقوق الإنسان ومقتضياتها، نحن نتحدث عن الحق الأساسي للإنسان الليبي في الحياة الطبيعية، فهل هذا كثير على شعب كالشعب الليبي في مفتتح القرن الحادي والعشرين ؟

قافلة الحرية …جريمة لاتغتفر

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

حماده فراعنه

ليست المرة الأولى، وقد لا تكون الأخيرة، تقترف فيها إسرائيل مجازر وجرائم حرب ضد الإنسانية، تستفز البشرية بصرف النظر عن دياناتهم أو قومياتهم أو أجناسهم، لانها كما وصفها صائب عريقات “دولة مارقة فوق القانون”، فأمثالها تم محاسبتهم من جنوب إفريقيا إلى يوغسلافيا، ومن قبلها المانيا والعديد العديد من الدول والشخصيات المجرمة التي تم نبذهم عن المجتمع الإنساني، وارتموا في الدرك الأسفل ومزابل التاريخ كدول مجرمة أوصلها قادتها للإجرام والعزلة والتلاشي.

ما فعلته إسرائيل في فلسطين، وحصار بيروت وجنين ومخيمها وغزة وبحر البقر المصرية، كل جريمة كانت تستحق إسرائيل بسببها العزلة والعقاب، ولكنها كانت تفلت بسبب الدعم الأميركي والنفاق الأوروبي، والضعف العربي الإسلامي.

سبق وللمجتمع الدولي أن تعاطف مع اليهود، ومنحهم دولة ووطناً في غير ارضهم في حدود قرار التقسيم 181، على أرض الشعب الفلسطيني، فأخذوا أكثر مما رسمه لهم قرار التقسيم عام 1947، فطردوا أهل البلاد وشردوهم وأصروا على فعلتهم، مع أن أبرز المؤرخين اليهود، ألان بابيه أقر وأرخ وأثبت التطهير العرقي الذي وقع على الفلسطينيين على أيدي اليهود عام 1948.

لا نكره اليهود، لإنهم جزءاً من عقيدتنا الإسلامية والمسيحية، ولكنهم لم يستفيدوا من محنة المحرقة على أيدي النازيين، فمارسوا المحرقة التدريجية بحق شعبنا العربي الفلسطيني، ولا زالوا، ووسعوا دائرة جرائمهم لتنال من اللبنانيين والسوريين والأردنيين والمصريين، وعلى كل من تصل طائراتهم ودباباتهم، بالقتل والإغتيال.

مذبحة قافلة الحرية والسلام وصفها الرئيس الفلسطيني على أنها مدبرة ومخطط لها، ولهذا ستكون الشعرة التي تقصم ظهر البعير الإسلامي في مواجهة اسرائيل، استراتيجيا، فقد سبق لإسرائيل وأن خسرت إيران، أقوى الدول الإسلامية حليفة لها، وها هي تخسر تركيا كدولة قوية تقف في طليعة الدول الإسلامية المتحضرة.

إسرائيل دولة قوية، تتصرف بغطرسة وتفوق، وتستطيع أن تفعل ما تشاء لأنها الأقوى على حلبة الصراع في مواجهة الشعب الفلسطيني الضعيف، ولكن غطرستها وتجاوزها للمنطق وللقيم الدولية، يحملها بذور تلاشيها وإنحسارها وهزيمتها كما حصل مع جنوب إفريقيا والمانيا وقادة يوغسلافيا.

أين بريطانيا العظمى والمانيا الفاشية وجنوب إفريقيا العنصرية والإتحاد السوفيتي العظيم، أين أصبحوا الآن رغم تفوقهم في ذلك الوقت، وهم أقوى وأكبر من اسرائيل، ألم يهزموا بسبب معاركهم ضد الشعوب وأخرهم وأقواهم الإتحاد السوفيتي الذي دفع ثمن مغامرته الحمقاء في افغانستان.

جريمة البحر ضد المتعاطفين مع الشعب الفلسطيني على أيدي جيش القتلة الإسرائيليين، إستفزت المارد الإسلامي، وهو مارد ليس بفعل عمليات إسامة بن لادن الإرهابية، بل بفعل قوة تركيا الواقعية الوسطية*، وبسبب عدالة قضية الشعب الفلسطيني، وبسب عمليات تهويد القدس وأسرلتها وصهينتها.

التبجح والتمرد والغطرسة الإسرائيلية غباء في الإدارة، وسوء الإختيار وسرعة في الإنحدار نحوالعزلة عن المجتمع الدولي، ورغبة في الإنتحار السياسي، كما فعل قادة المستعمرين، ولذلك لن تمر جريمة إغتيال المتعاطفين في قافلة الحرية والسلام التركية، كما قال رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان.

نستطيع شتم وتكرار إدانة الإحتلال ما نشاء، فلا حسيب ولا رقيب على إستعمال أقصى مفردات الإحتجاج على جريمة البحر الإسرائيلية بحق الأتراك والمسلمين قافلة الحرية، ولكن ماذا يفيد ذلك شعب فلسطين المحاصر بالإحتلال والإنقلاب ؟

الإحتلال ليس بإرادتنا ولكن الإنقلاب بأيدينا، فإذا لم يكن متوفراً الآن التخلص من الإحتلال ويحتاج لمزيد من الجهد والعمل والتضحيات، فالإنقلاب بأيدينا ونستطيع تحويله إلى أداة قوة وفعل مؤئر لمواجهة الإحتلال وإختزال عوامل الزمن لزواله وتحقيق الحرية والإستقلال والإنتصار، للشعب الفلسطيني، لـ “فتح” كما هو لـ “حماس”، وللديمقراطية كما هو للجهاد الإسلامي، ولحزب الشعب كما هو لجبهة التحرير العربية.

أهل الضفة والقدس والقطاع مقبلون على إحدى أدوات وحدتهم وتقرير قيادتهم وإنتخاب مؤسساتهم في تموز المقبل، ولذلك تستطيع “حماس” ان تتخذ قراراً سياسياً حكيماً وشجاعاً وتعلن موافقتها على إجراء الإنتخابات البلدية، استجابة لموقف اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وقرار المجلس المركزي الذي تنفذه حكومة الإئتلاف الوطني في الضفة الفلسطينية يوم 17 تموز.**

تستطيع حكومة “حماس” في غزة إعلان موافقتها على اجراء الإنتخابات البلدية، كتعبير عن حسن نية حتى في ظل هيمنة “حماس” الإنفرادية على قطاع غزة، ولكن الخطوة تمنح الفلسطينيين بارقة أمل في ظل الجريمة الإسرائيلية، وتشعرهم أن ثمة رداً حقيقياً وملموساً يستهدف وحدة الطرف الضعيف لمواجهة التفوق والغطرسة والمجرمين الإسرائيليين !!

قرار اللجنة التنفيذية بإيفاد بعثة فلسطينية مركزية ثلاثية إلى غزة من أعضاء اللجنة التنفيذية ومن الأمناء العامين للفصائل ومن أعضاء اللجنة المركزية لحركة “فتح”، قرار حكيم ومهم، وضربة على وجه اليمين الإسرائيلي، ولأعداء الوحدة الوطنية الفلسطنية، ولكل المستفيدين من التمزق والإنقسام والإنقلاب.

الوفد الفلسطيني المركزي الزائر إلى غزة يجب أن يحمل معه الأمل والرغبة في الوحدة والحوار والتأخي والمصلحة العليا لشعب يتوق للوحدة كما يتوق للحرية والإستقلال.

وفد اللجنة التنفيذية وقادة الفصائل واللجنة المركزية لحركة “فتح” إلى غزة يجب أن يكون مقدمة لزيارة الرئيس أبو مازن للشطر الجنوبي من الوطن، لإنه رئيس الشعب المنتخب فهو لكل الفلسطينيين ورئيسهم بلا منازع.

هذا هو الرد على جريمة قافلة الحرية، ولا شك أن الشهداء الأتراك سيناموا مرتاحين لأن ارواحهم وتضحياتهم فتحت الطريق لإستعادة الوحدة بين شطري الوطن الواحد، بين الضفة والقطاع، بين رام الله وغزة، بين “فتح” و”حماس”، في مواجهة العدو الواحد الذي لا عدو للشعب الفلسطيني غيره.

القرار الجائر في تأجيل الأنتخابات

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

حمادة فراعنة

تملك حركة فتح، الكثير من المأثر والأنجازات، ماتستطيع التفاخر به والمباهاة، مما جعلها في طليعة وقيادة الشعب العربي الفلسطيني، بدءا من مبادرة تشكيل نفسها في وقت مبكر كحركة سياسية فلسطينية معنية فقط بالعمل من اجل تحرير فلسطين، وتكمن أهمية تلك المبادرة، أنها رغم امكاناتها المتواضعة، جعلت حركات سياسية كبيرة، يسارية وقومية واصولية، تقف خلف حركة فتح، بل وسعت من أجل اللحاق بها عبر الإهتمام بالمسألة الوطنية الفلسطينية، بعد أن كانت تؤمن تلك الحركات أنها قادرة على تحرير فلسطين عبر اقامة أولا الوحدة العربية أو الخلافة الإسلامية أو دولة اشتراكية، وكانت خلافاتها النظرية أو العقائدية هي الطاغية على عناوين واهتمامات الشارع العربي في الخمسينيات والستينيات، وهكذا سارت حركة فتح بعيدا عن هذه الأولويات الأيديولوجية، وتركت وراءها ستة أحزاب أصغرها أكبر منها، تلهث في الساحة الفلسطينية خلف مبادرات حركة فتح الكفاحية وهي حزب البعث وحركة القوميين العرب من التيار القومي والحزب الشيوعي الاردني والحزب الشيوعي الفلسطيني من التيار اليساري، وكلا من حركة الاخوان المسلمين وحزب التحرير الاسلامي من التيار الاصولي.

وقد برزت حركة فتح في الستينيات لثلاثة أسباب أولها تفرغها للمسألة الوطنية الفلسطينية، وثانيها ممارستها للكفاح المسلح، وثالثها انخراطها في صفوف منظمة التحرير وتحويلها الى جبهة وطنية عريضة تقود النضال الوطني الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة وخارجها بين صفوف اللاجئين، ونجاحها بالتالي في تحقيق وحدانية التمثيل الفلسطيني عبر منظمة التحرير التي خاضت المعارك السياسية في الميدان وعلى طاولة الأهتمامات الدولية، وتوجت أعمالها في التوصل الى اتفاق أوسلو الذي أدى الى الأعتراف الأسرائيلي الاميركي بالحقائق الثلاثة، الأعتراف بالشعب الفلسطيني، وبمنظمة التحرير ودورها التمثيلي وبالحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني، وعودة الموضوع والقضية وقيادة الحركة الوطنية الفلسطينية من المنفى الى الوطن، وعلى أرضية هذا الأتفاق عاد الرئيس الراحل ياسر عرفات ومعه ثلاثمائة الف فلسطيني، وجرى الأنسحاب الأسرائيلي التدريجي المتعدد المراحل، وولادة السلطة الوطنية على الارض كمشروع لبناء مؤسسات الدولة المنشودة، وقد باتت السلطة هي العنوان العملي للمشروع الفلسطيني وأداة منظمة التحرير داخل الوطن، وانخراط كافة القوى السياسية الفلسطينية في مؤسساتها حتى تلك المعارضة لاتفاق أوسلو كالجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية أوتلك المعادية له والتي عملت على اسقاطة وافشاله وفي طليعتها حركة حماس التي قادت انقلابا عبر الحسم العسكري ضد الشرعية وضد الأئتلاف الوطني وفرضت سلطتها الحزبية الأحادية على قطاع غزة*.

مقابل هذه الأنجازات التي سجلتها حركة فتح عبر التضحيات، سجلت على نفسها سلسلة من الهزائم المتكررة، بدأتها في عدم قدرتها على ضبط ايقاع العمل المسلح في مواجهة الاحتلال خلال الانتفاضة الثانية 2000-2005 وتراجعها امام اندفاع طرفين عملا على تدمير انجازات اتفاق أوسلو أولهما قوة شارون الهمجية واندفاعه في اعادة احتلال المدن الفلسطينية التي انحسر عنها الأحتلال، وثانيها امام قوة حركة حماس الصاعدة**.

وسجلت حركة فتح تراجعها وهزيمتها في الانتخابات البلدية عام 2005، وفي الانتخابات البرلمانية عام 2006، وأمام انقلاب حركة حماس وحسمها العسكري عام 2007، وفشلها في عدم قدرتها الى الآن على استعادة قطاع غزة الى حضن الشرعية الفلسطينية ***.

وأضاف قرار مجلس الوزراء يوم الخميس 10 حزيران/يونيو الداعي الى تأجيل الانتخابات البلدية، هزيمة معنوية وسياسية الى حركة فتح، حيث دلل القرار على أن الانتخابات البلدية مثلها مثل الانتخابات البرلمانية والرئاسية لاتتم في الضفة الفلسطينية بدون موافقة ورضى حركة حماس.

اللجنة المركزية لحركة فتح باستثناء عدد محدود لايتجاوز أصابع اليد الواحدة، يتحملون مسؤولية هذا القرار غير الديمقراطي، غير الصائب وغير المنصف بحق أنفسهم وقواعدهم وشعبهم، مما دفع الجبهة الشعبية وحزب الشعب وحركة المبادرة الى توجيه الملامة للقرار ونقده، وهم محقون في ذلك رغم الادراك المسبق أن الفصائل الثلاثة لاتملك شجاعة القرار في مواصلة خيار الانتخابات البلدية نحو الانتخابات التشريعية والرئاسية، ومع ذلك كان على حركة فتح استثمار موافقة الفصائل الثلاثة على المشاركة في الانتخابات البلدية لتعزيز سلطة الشرعية في الضفة الفلسطينية في مواجهة حركة حماس التي ترفض اجراء اي انتخابات في قطاع غزة لا بلدية ولا برلمانية ولا رئاسية****.

حركة حماس ترفض اجراء الانتخابات لسببين: أولهما لانها تنظيم أصولي رجعي لايؤمن من ناحية مبدأية بخيار لانتخابات، ولا يقر بالتعددية، ويرفض الاحتكام الى صناديق الأقتراع، وهذا هو حال حركة الاخوان المسلمين وكافة الفصائل الأصولية، فالانتخابات بالنسبة لها وسيلة للوصول الى السلطة، ولكنها وهي في السلطة لاتستعمل الانتخابات، فمصدر الشرعية بالنسبة لها ليست الانتخابات وصناديق الأقتراع، بل التكليف العقائدي، وهذا ماتفعله القاعدة وحزب التحرير الإسلامي اللذين يتحدثا علنا أن الإنتخابات وسيلة مستوردة وليست شكلا موروثا من عقيدتنا السمح، فقناعات الناس ورغباتهم ومصالحهم ليس لها قيمة في التراث الصولي*****.

وثانيهما لان حركة حماس ليست واثقة من نتائج الانتخابات البلدية والبرلمانية كما تحققت لها في عامي 2005 و2006 على التوالي، وهي تستدل من تجربة حركة فتح وتحاول الاستفادة منها وعدم تكرار ماحصل مع فتح وتحاشيه عن نفسها، فحركة فتح التي قادت النضال الوطني لاربعين سنة وحققت ماحققت، عاقبها شعب الضفة والقدس والقطاع على اخطائها وسوء ادارتها للسلطة الوطنية وللامتيازات الوظيفية التي حصل عليها بعض قياداتها ،فكانت حصيلة ذلك في صناديق الاقتراع البلدية عام 2005 والتشريعية 2006، فكيف سيكون مصير حركة حماس في اي انتخابات مقبلة بعد الانقلاب وسلسلة الجرائم والتصفيات الجسدية لحلفائها كما حصل مع مجموعة ممتاز دغمش ومجموعة أحمد حلس ومجموعة موسى عبد اللطيف، وتسلطها الأحادي على السلطة منفردة في قطاع غزة ، وسوء ادارتها وسبب الحصار الظالم الذي يتعرض له شعب قطاع غزة، ولهذا تقف حماس ضد الانتخابات شكلا ومضمونا وترفض الاحتكام الى صناديق الاقتراع، مستفيدة مما حصل مع حركة فتح وتجنب عقوبة الشعب الفلسطيني لها.

قرار حكومة الائتلاف الوطني، قرار فتحاوي بامتياز، عمل من أجله أعضاء اللجنة المركزية، غير الواثقين من نجاح جماعاتهم في المحافظات، فعملوا على اصدار القرار البائس، بتأجيل الانتخابات البلدية، وهو يدلل على أن القرار في الحكومة بيد فتح وليس بيد طرف آخر، فحركة فتح هي صاحبة القرار السياسي في الحكومة اضافة الى امتلاكها للأغلبية العددية فيما لوتم التصويت على أي قرار في مجلس الوزراء.

المشكلة أن حركة فتح حينما تتخذ قرارا خاطئا لاتدفع ثمنه وحدها فقط، بل يتم “جرجرة ” حلفائها وأصدقائها بالسلاسل الى مواقع الانكسار والهزيمة معها، وهذا سبب الأحساس بالمرارة واالفشل لدى قطاعات واسعة من أهل الضفة والقدس والقطاع الذين راهنوا على أن الانتخابات البلدية ستشكل رافعة للخيار الديمقراطي وللتعددية وصناديق الاقتراع في مواجهة خيار حركة حماس الأحادي المعادي للديمقراطية وللتعددية وللانتخابات، ولذلك بدلا من أن توجه الانتخابات البلدية صفعة للانقلاب وللتفرد وللسيطرة الحزبية، جاء القرار البائس ليعزز من سلطة التفرد الحزبي ضد الخيار الجبهوي التعددي وضد احترام خيارات الشعب في دفع قيادات جديدة منتخبة تؤكد أن الولاية هي لصاحبها وصاحب الولاية الوحيد هو الشعب وهو الذي يمنح ثقته وولايته لمن يشاء عبر صناديق القتراع.

ادارة الصراع وليس حله

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

حمادة فراعنة
ثلاث معيقات إسرائيلية تقف سداً منيعاً تحول دون التوصل إلى تفاهم الحد الأدنى الفلسطيني الإسرائيلي للصراع الذي تخطى القرن في عمره وإشتباكاته منذ مؤتمر بال الصهيوني 1897، وتطبيقاته العملية في وعد بلفور الإستعماري عام 1917 لإقامة وطن لليهود في فلسطين.

المعيق الأول: يتمثل برئيس وزراء إسرائيل نتنياهو كشخصية حزبية يقف في موقع صنع القرار لا يؤمن بالتسوية والتوصل إلى حلول منتصف الطريق مع الشعب الفلسطيني، ولا يسعى إلى تقاسم فلسطين بين الشعبين لإقامة دولتين متجاورتين تعيشان بسلام وتعاون.

ولذلك لا يستطيع نتنياهو الوصول إلى ما وصل إليه إسحق رابين الذي قتل لأنه “ساوم وتنازل وضحى بأرض إسرائيل”، وقد لعب شارون ونتنياهو دوراً تحريضياً أدى إلى إغتيال رابين لأنه توصل إلى إتفاق أوسلو مع ياسر عرفات.

وحينما تراجع شارون وأبدى موافقة على “إنهاء الإحتلال” قاد نتنياهو معركة ضد شارون، ووقف ضد واقعيته وتخليه عن قطاع غزة، وإنفصلا عن بعضهما وقاد كل منهما حزباً.

وقد أصبح نتنياهو رئيساً لليكود في مواجهة يهود أولمرت الذي تمسك بسياسة شارون القائمة على فك الإرتباط مع الفلسطينيين وتطبيق تجربة غزة الأحادية في الضفة الفلسطينية.

نتنياهو لا يستطيع ولا يملك القناعة، ولا القدرة، ولا الثقة للتوصل إلى أي إتفاق مع الشعب الفلسطيني، ومع منظمة التحرير، ومع الرئيس محمود عباس، وكلاهما أبو مازن ونتنياهو يعرفان بعضهما البعض، ويدركان بوعي إنهما ذاهبان إلى المفاوضات المباشرة بقناعة مسبقة إنهما يريدان إدارة الصراع، ولن يستطيع أي منهما تقديم ما هو مطلوب منه نحو الآخر لإنهاء الصراع، وكلاهما نتنياهو وأبو مازن يلعبان على الوقت لتمريره، ويخوضان صراعاً مكشوفاً بينهما لتحميل كل منهما للأخر إفشال المفاوضات أمام المجتمع الدولي.

ولذلك لا إتفاق ولا حل ولا تسوية في ظل إدارة نتنياهو.

والمعيق الثاني: فيما لو رضخ نتنياهو للضغوط الأميركية والأوروبية والعربية والفلسطينية وقبل الحد الأدنى للحقوق الفلسطينية والتخلي عن الأرض، سيبرز المعيق الثاني المتمثل بحزب الليكود الحاكم الأكثر تطرفاً وتشدداً من نتنياهو، ولن يستطيع نتنياهو بإعتباره رئيساً للوزراء تمرير أي إتفاق بدون إنقسام حزبه الليكود، فالليكود سيكون العقبة الكبرى في وجه أي إتفاق فلسطيني اسرائيلي.

ولكن إذا إستطاع نتنياهو إقناع قادة حزبه في الليكود بأي إتفاق فلسطيني اسرائيلي يتم التوصل إليه، سيعجز عن تمرير هذا الإتفاق في الحكومة وفي الكنيست بسبب المعيق الثالث.

المعيق الثالث: يتمثل بالإئتلاف الحكومي الذي يعتمد على حزب ليبرمان المتطرف وغيره من أحزاب الإئتلاف الأكثر تطرفاً وعداءاً للشعب الفلسطيني ورفضاً لحقوقه.

ثلاث معيقات يحتاج ازالتها لتغيير الخارطة الحزبية في اسرائيل، وتغيير الخارطة لن يتم بإنتخابات جديدة، بل عبر تراكمات سياسية وحزبية داخلية وأجواء دولية، وعمل فلسطيني دؤوب غير متوفر.

لقد دللت المعطيات السياسية أن صاحب القرار السياسي يقيم في اسرائيل وليس خلف المحيطات في الولايات المتحدة، وأن العمل والجهد الفلسطيني يجب أن يتوجه نحو إختراق المجتمع الإسرائيلي وكسر حدته وكسب انحيازات من بين صفوفه لصالح عدالة القضية الفلسطينية، ومشروعية مطالبها، وبدلاً من أن يتجه التفكير الإستراتيجي الفلسطيني نحو هذا العامل التحدي، يتهرب منه كافة قيادات المجتمع الفلسطيني وفصائله وأولها حركة “فتح” التي تهرب أعضاء لجنتها المركزية من تحمل مسؤولية الملف الإسرائيلي و”خافوا” من الإقتراب منه وبقي معلقاً بلا مسؤولية وبلا مبادرة.

واليسار الفلسطيني أكثر خوفاً وهلعاُ من قادة “فتح” من الإقتراب من هذا الملف وتحاشي التعاطي معه، والشجاع فيهم يكذب علينا ويتعامل مع الحزب الشيوعي الإسرائيلي، بل مع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، ويكتفي بذلك، وعن خجل لأنه لا يملك شجاعة إقتحام المجتمع الإسرائيلي وإختراقه وكسب صداقات من بين صفوفه.

التفكير اًلأصولي الرجعي المتخلف يسود قادة النضال الفلسطيني، وهم عاجزون في هذا العنوان، والوحيد بينهم الذي يملك شجاعة الموقف في التعامل مع هذا الملف هو الرئيس محمود عباس، ولكنه لا يعطيه الوقت والإهتمام المطلوب لجعله قضية سياسية، وبرنامجا فلسطينيا يوميا يستحق الأولوية.

لقد فشل الرئيس الأميركي أوباما بتمرير ما يراه مناسباً لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتراجع عن تصريحات وعناوين قالها ونطق بها وطالب اسرائيل بالعمل على اساسها، وقد تراجع تحت ضغط اللوبي اليهودي الإسرائيلي الصهيوني في واشنطن، ويتضح من المعطيات أنه أضعف حالاً حتى من أسلافه بوش الأب وكلينتون وبوش الأإِن، وأن الذي يتحكم بالقرار الأميركي نحو منطقتنا هو من يحكم اسرائيل، ولذلك المشكلة في اسرائيل والحل لديها وليس لدى واشنطن، ومن هنا أهمية تمزيق الجبهة الداخلية الإسرائيلية المعادية لحقوق الشعب الفلسطيني، وأهمية كسر حدتها وعدوانيتها، وأهمية كسب صداقات وإنحيازات اسرائيلية لعدالة الحقوق والمطالب الفلسطينية.

الشعب الفلسطيني يمتلك أربعة أوراق قوة في وجه المشروع الإستعماري الإسرائيلي هي:

اولاً: وجود شعب فلسطيني ذا أغلبية في الضفة والقدس والقطاع يزيد عن أربعة ملايين نسمة.

ثانياً: رفض وعداء هذا الشعب للإحتلال وللمشروع التوسعي الإستعماري الإسرائيلي.

ثالثاً: يتميز هذا الشعب على أنه منظم وحزبي ومسيس ينتمي إلى أحزاب وفصائل من “فتح” و”حماس” والديمقراطية والجهاد وحزب الشعب والمبادرة، إلى فصائل التيار القومي إلى مستقلين وطنيين لهم حضور وإحترام.

رابعاً: قضية عادلة مجسدة بقرارات الأمم المتحدة 181، 194، 242، 1397، 1515.

ولكنه يفتقد لعاملين إثنين ما زال عاجزاً عن إستثمارهما، وغيابهما يحول دون تحقيق تطلعاته في الإستقلال والعودة والمساواة وهما:

أولاً: توظيف إحتياطه الإستراتيجي داخل اسرائيل والمتمثل بالوسط العربي الفلسطيني، وقوته الإنتخابية لإيصال أكبر عدد من نوابه إلى الكنيست، ليكون النواب العرب هم الكتلة الثالثة في اسرائيل، وكي تكون شريكا مؤثرا في صنع القرار الإسرائيلي.

وثانياً: العمل على إختراق المجتمع الإسرائيلي وكسب انحيازات اسرائيلية كي يكون للفسطينيين لوبي اسرائيلي صديق للشعب الفلسطيني من اليسار وقوى سلام، وإتجاهات تقدمية عصرية تؤمن بالتعايش والشراكة بين الشعبين.

بدون ذلك سيبقى الحل الإستعماري الإسرائيلي هو السائد، وسيكون الإهتمام الفلسطيني منصباً على إدارة الصراع، وليس على حل الصراع، وستبقى حقوق الشعب الفلسطيني العادلة، معطلة ومعلقة حتى يتمكن الفلسطينيون من إمتلاك كامل اوراقهم وتغيير موازين القوى السياسية لصالحهم.

العنف ضد المدنيين

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

صبحي غندور
العنف رافق تاريخ الإنسانية منذ مقتل هابيل على يد شقيقه قابيل، وكلاهما من أبناء آدم عليه السلام.

ونجد في التاريخ وفي الحياة المعاصرة من هم ضدّ العنف كمبدأ، ولا يقبلون أيَّ تبريرٍ له حتى لو كان للدفاع عن النفس، ويصرّون بالمقابل على استخدام أسلوب المقاومة السلمية كوسيلة لتحقيق أهدافهم. وكان السيد المسيح عليه السلام داعياً لهذا المبدأ، كذلك حرّر المهاتما غاندي الهند من الاحتلال البريطاني بإصراره على هذا المبدأ وبأسلوبه اللاعنفي. وأيضاً قاد رجل الدين المسيحي الأميركي مارتن لوثر كينج، خلال عقد الستينات من القرن الماضي، حركة الحقوق المدنية في أميركا، وقُتل وهو يدعو إلى المقاومة المدنية اللاعنفية.

والملفت للانتباه، أنّ هذه النماذج الثلاث من دعاة مبدأ اللاعنف قد اختاروا العذاب أو الموت على يد خصومهم، كثمن لإصرارهم على الحقّ الذي يدعون إليه.

لكن سيرة الحياة البشرية لم تقتصر على سيرة ومبدأ هذه النماذج، حيث جرى “تقنين” العنف في أكثر من شريعة دينية ودنيوية وأصبح التمييز قائماً بين العنف الإجرامي وبين عنفٍ مشروع تستخدمه الحكومات والجماعات والأفراد، ويدخل في إطار “حقّ الدفاع عن النفس” ضدَّ المعتدي المباشر، وفي حدود وضوابط تختلف تبعاً للمكان والزمان وكيفيّة فهم النصوص.

غير أنّ المفهوم الإسلامي بقي واضحاً تماماً في هذا المجال، حيث النصّ القرآني:

“وقاتِلُوا في سبيلِ اللهِ الذينَ يقاتِلونَكُم وَلا تَعتَدوا، إنّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدين”. (سورة البقرة/الآية 190).

“منْ قتَلَ نفْساً بغيْر نفْسٍ أو فَسَادٍ في الأرضِ فكأنّما قتلَ النَّاسَ جميعاً، ومَنْ أحْياها فكأنّما أحيا الناسَ جميعاً” (سورة المائدة/الآية 32).

وجاء في النصّ القرآني أيضاً ما يؤكد على الإعتدال ورفض التطرّف:

“وكذلِكَ جعلناكُمْ أمَّةً وسَطاً لتكونوا شُهَداءَ على النّاس ..”. (سورة البقرة/الآية 143).

وفي النصّ القرآني أيضاً:

“وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمةً للعالمين”. (سورة الأنبياء/الآية 107).

“ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى”. (سورة فاطر/الآية 18).

“ولا تستوي الحسَنةُ ولا السيّئةُ ادْفَعْ بالتي هِيَ أحسَنُ فإذا الذي بينَكَ وبيْنَهُ عداوَةٌ كأنَّهُ وليٌّ حميم”. (سورة فُصِّلت/ الآية 34).

“وتَعاونوا على البِرِّ والتَّقوى وَلا تَعَاوَنوا على الإثْمِ والعُدْوان”. (سورة المائدة/الآية 2).

***

إذن، في الإسلام مفاهيم وضوابط واضحة لا تقبل بأيِّ حالٍ من الأحوال قتْل الأبرياء – وهو مضمون المصطلح المتداول الآن (الإرهاب)- مهما كانت الظروف والأعذار حتّى ولو لجأ إلى هذا الأسلوب الطرف المعادي نفسه.

وفي قول هابيل لقابيل (كما وردت في القرآن الكريم) حكمة بالغة لمن يعيها:

“لئِنْ بسَطْتَ إليَّ يدَكَ لتقتُلني ما أنا بباسطٍِ يدِيَ إليكَ لأقتُلَكَ إنّي أخافُ اللهَ ربَّ العالمين. إنّي أُريدُ أن تبُوْأَ بإثْمي وإثْمِكَ فَتكونَ من أصحابِ النّارِ وذلكَ جزاءُ الظالمين”. (سورة المائدة/الآيتان 28 و29).

ورغم وضوح النصوص القرآنية، وكذا الشواهد في السيرة النبوية وفي الدروس المستفادة من سيرة الخلفاء الراشدين، فإنّ العالم الإسلامي شهد ويشهد “جماعات إسلامية” عديدة أباحت وتبيح أسلوب الإرهاب (قتل الأبرياء) وتخلط بينه وبين استخدام العنف المسلّح المضبوط دينياً ودنيوياً.

طبعاً لا مقارنة عادلة هنا بين هذه الأساليب العنفية باسم الإسلام، وبين ما قامت وتقوم به حكومات ومنظمات في مختلف أنحاء العالم، وفي أزمنة متعددة، ولا علاقة لها بالمسلمين. ولعلّ أكثر الأمثلة وضوحاً على ذلك ما قامت به إدارة بوش السابقة من إشعال حروب أميركية في العالم الإسلامي، وما تقوم به كل الحكومات الإسرائيلية من أعمال إجرامية، في أكثر من مكان، ضدّ الأبرياء والمدنيين.

لكنْ من قال إنّ المبادئ والقيَم الإسلامية خاضعة للمقايضة أو لردود الفعل لصالح أساليب الجاهلية في الثأر والانتقام من غير قيدٍ أو ضابطٍ دينيٍّ وأخلاقيّ؟!

إنّ التفسير السائد الآن بأنَّ الحرب الأميركية على أفغانستان والعراق، والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ولأراضٍ عربية أخرى، هو المسؤول عن بروز ظاهرة “الإرهاب” من “جماعات إسلامية”، لهو تفسير سطحي لا يلغي احتلالاً ولا يضع حدّاً لهذه الظاهرة.

فالعمليات الإرهابية التي حدثت في أميركا عام 2001 هي التي أعطت الذرائع والتبريرات لإدارة بوش من أجل البدء في تنفيذ أجندتها الدولية، التي احتلّ فيها الشرق الأوسط مرتبة الأولوية لاعتباراتٍ إسرائيلية أكثر مما هي مصالح أميركية مباشرة في هذه الأجندة من حروب وأزمات.

ولم يختلف أسامة بن لادن، الذي تعاون خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي، مع المخابرات الأميركية إبّان حقبة صراع (الجهاد الأفغاني) ضدّ النظام الشيوعي في كابول، عن النظام العراقي السابق الذي تعاون في الفترة نفسها مع الأميركيين لمحاربة الثورة الإيرانية بعد سقوط حكم الشاه.

ثمّ أنّ الجميع يدرك كيف تأسّست حركة طالبان في أفغانستان خلال حقبة الثمانينات بدعمٍ وتسليحٍ وتشجيع من المخابرات المركزية. فأصول “جماعات القاعدة وحركة طالبان” هي في الأساس “صناعة أميركية”، وهذه الجماعات وملحقاتها التي تمارس الآن، بأسماء إسلامية، العنف الإرهابي المسلّح في أكثر من بلد على المدنيين والأبرياء، لم تظهر أصلاً لولا تجربة “المجاهدين العرب الأفغان”، والتي لم تكن نشأتها مرتبطة بظروف محلية داخلية كالفقر الاجتماعي أو غياب الديمقراطية السياسية، ولا بحالة الاحتلال الإسرائيلي أيضاً. ف”الجهاد الإسلامي” ضدّ نظام كابول الشيوعي كان يحدث بينما تجتاح إسرائيل أوّل عاصمة عربية (بيروت) وتقتل الآلاف من اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين.

ولا نعلم أيضاً أين كان “الزرقاوي” في الثمانينات (وهو الأردنيّ الجنسية الذي قُتل في العراق وكان زعيماً لجماعات القاعدة هناك)، ولِمَ لم يقاتل العدوَّ الإسرائيلي من قبل، من خلال الحدود الأردنية مع الضفة الغربية، ولِمَ لم يقم هناك بأعمال عسكرية ضدّ قوات الاحتلال الإسرائيلي لأرضٍ كانت أصلاً تحت المسؤولية الأردنية وفيها القدس الشريف ثالث الحرميْن وأولى القبلتين؟!

إنّ ما حدث ويحدث في عددٍ من الدول، من قبل قوات حلف الناتو أو من خلال جماعات عُنفية دينية، من أعمال عنفٍ ضدّ المدنيين، لَهُوَ ممارساتٌ تخدم منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي الطروحات الإسرائيلية عن “الخطر الإسلامي القادم على الغرب” وعن “الصراع الحتمي” بين “الشرق الإسلامي” و”الغرب المسيحي”. فإسرائيل هي الرابح الأوّل من التداعيات كلّها وعلى كلّ المستويات، بما في ذلك مساواة عمل من يقاوم احتلالها بالمنبوذ الآن من إرهاب.

*مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن

الاتحاد الامريكي والانفصال العربي

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

صبحي غندور
يتميّز خطاب أي رئيس أميركي عن “حال الاتحاد الأميركي” مطلع كلّ عام بأنّه خطاب الأجندة أو الإستراتيجية التي سيعتمدها الرئيس وإدارته، لفترةٍ من الزمن، على الصعيدين الداخلي والخارجي. وهو خطاب ينتهي عادةً بالتأكيد على “قوة الاتحاد” وعلى السعي لتعزيز هذه القوة. أي هو عملياً تطبيقٌ لمقولة: (في الاتحاد قوَّة).

وممّا يلفت الانتباه أنّ الدستور الأميركي يمنع الحكومة الاتحادية المركزية من التدخّل في صلاحيات الولايات الخمسين التي يتألف منها “الاتحاد الأميركي”، لكن هذا الدستور لا يمنع إطلاقاً الحكومة المركزية (الإدارة) من التدخّل في شؤون الدول الأخرى!.

إنّ “واشنطن” هي الآن طرَفٌ مباشر ومتدخّل في معظم القضايا والأزمات العربية الراهنة، فهي التي ألغت على سبيل المثال مرجعية الأمم المتحدة للصراع العربي/الإسرائيلي وجعلت من نفسها المرجعية والحَكم، في حين أنّها طرف مباشر داعم لإسرائيل في هذا الصراع.

و”واشنطن” أيضاً هي الآن قوة عسكرية محتلة في العراق، وهي طرف مباشر في تقرير مصيره الوطني والسياسي. وهي كذلك الآن في تقريرها لمصير السودان ووحدة أراضيه ومستقبل الأوضاع السياسية فيه. كما هي (واشنطن) طرف مباشر في ما حدث ويحدث في لبنان من تطورات سياسية وأمنية، وقد صل الأمر إلى حدّ تدخّل السفيرة الأميركية في بيروت في محاولة التأثير على بعض النواب من أجل دعم إعادة ترشيح سعد الحريري لرئاسة الحكومة بعدما أدّى التدخل الأميركي أصلاً إلى تعطيل المبادرة السعودية/السورية المشتركة.

“واشنطن” هي طرف أيضاً في الخلاف الفلسطيني/الفلسطيني، وهي عرّاب الاتفاقات والمعاهدات التي حصلت بين مصر والأردن ومنظمة التحرير مع إسرائيل، والضامن لاستمرار حكومات عربية تدعم هذه المعاهدات. وهي الآن في اليمن وأزماته السياسية والأمنية، كما هي في عموم القضايا العربية التي تتعلّق بالأمن وبالتحالفات الإقليمية، بل حتّى في أسعار النفط ونسَب تصديره!.

تُرى، هل يقبل حاكم أي ولاية أميركية بهذا المستوى من أنواع تدخّل “الحكومة الأميركية المركزية” في شؤون ولايته “الأميركية”؟!.

هذا التدخل الأميركي في شؤون البلدان العربية وقضاياها هو بمعظمه تدخل سلبي جلب ويجلب ردود فعل سلبية على السياسة الأميركية ومصالحها في المنطقة.

فما يحدث بالخفاء والعلن في المنطقة العربية، منذ مطلع هذا القرن، من تهيئةٍ سياسية وأمنية لإعادة خلط كيانات المنطقة وفرزها من جديد على أشكال مختلفة عمَّا هي عليه الآن نسبياً، هو أمرٌ معنيّةٌ به أولاً وأخيراً الإدارات الأميركية المتلاحقة.

وهذا الخلط السياسي والأمني، المنشود للمنطقة، يفسّر ما يحدث الآن فيها على جبهاتٍ عديدة ومع جهاتٍ مختلفة. فمن استفتاء حول جنوب السودان يعطي للجنوبيين حقَّ اختيار الانفصال عن الوطن، إلى مشاريع مطروحة حول مستقبل العراق وفق صيغ فيدرالية، مروراً بإثارة قضايا الأقليات الدينية والعرقية في المنطقة، وصولاً لاستخدام العديد من الجماعات ذات الأسماء الدينية أسلوب العنف المسلّح بحيث لا يكون هناك وضوح وتمييز ما بين المقاومة المشروعة (والمطلوبة ضدّ الاحتلال)، وبين الإرهاب المنبوذ الذي يستبيح كلّ شيء عدا أصحابه ويؤدي إلى مزيدٍ من الفتن والصراعات الداخلية.

وقد تصاعدت، مع هذا الخلط السياسي والأمني في المنطقة، الطروحات الأميركية والغربية عموماً عن المسألة الديمقراطية (وهي دعوة حق) لكن بشكلٍ يتزامن مع أسلوبٍ باطل وهو إثارة مسألة “حقوق الأقليات” في الأوطان العربية، بحيث يصبح هذا الطرح مزيجاً من الدعوة للديمقراطية ولإقامة “تعدّدية الكيانات” في البلد الواحد، أي المطالبة بإقامة تعدّديةٍ سياسية لكن في إطار “صيغ فيدرالية” لها.

تُرى أيضاً، لِمَ هذا التناقض الأميركي بين السياسة الحالية وبين خلاصاتٍ هامّة من تاريخ التجربة الأميركية. فاستقلال أميركا عن التاج البريطاني كان حصيلة مقاومةٍ أميركية مسلحة قادها جورج واشنطن. كذلك، في التجربة الأميركية أنَّ أبراهام لنكولن قاد الجيش الاتحادي الشمالي ضدَّ انفصال الجنوب الأميركي، ولم يكن موقف واشنطن آنذاك قائماً على حقّ “الجنوب الأميركي” بتقرير مصيره !!

أيضاً في التجربة الأميركية، أنَّ قادة 13 ولاية اجتمعوا في فيلادلفيا عام 1787 لأشهر عديدة وهم يتحاورون حول كيفية تحقيق الاتحاد والتكامل بين هذه الولايات، عوضاً عن الشرذمة فيما بينها والصراعات التي عصفت بها عقب الاستقلال الأميركي.

فلِمَ تمنع واشنطن الآن أيّة محاولة لتطوير صيغ التكامل العربي، بل بالحدّ الأدنى التضامن العربي، وتشجّع على تجزئة الكيانات القائمة عوضاً عن الاتحاد فيما بينها؟

إنَّ النظام الاتحادي الفيدرالي الديمقراطي الذي حصل بين الولايات الأميركية لم يأتِ عن طريق تجزئة وتقسيم كل ولاية ثمَّ إعادة جمعها كقطع مبعثرة في لوحةٍ فيدراليةٍ واحدة ..

إنَّ العرب يريدون لأمَّتهم ما أراده الأميركيون للأمَّة الأميركية: وهذا يعني مقاومة ضدَّ الاحتلال من أجل التحرّر الوطني.

العرب يريدون لأمَّتهم حقّ اختيار البناء الدستوري السليم المتلائم مع طبيعة الأمَّة العربية وحضارتها، والذي يكفل أيضاً حرّيات المواطنين وحقوقهم في المشاركة بصنع القرار الوطني دون أيِّ تمييز.

العرب يريدون لأمَّتهم تكاملاً بين أوطان الأمَّة الواحدة وتطويرَ صيغ العمل العربي المشترك وصولاً إلى النموذج الاتحادي الأوروبي، إنْ تعذَّر الوصول الآن إلى النموذج الفيدرالي الأميركي.

العرب يريدون في أمَّتهم حقَّ رفض أيّة دعواتٍ انفصالية أو تقسيمية في كلِّ بلدٍ عربي، وتثبيت وحدة الكيانات ووحدة الأوطان ووحدة المواطنين.

هذه هي خلاصات التجربة الأميركية في مجالات المقاومة والتحرّر، والبناء الدستوري والتكامل الاتحادي، ورفض الحالات الانفصالية، فلِمَ لا تدعو واشنطن العالم كلّه للأخذ بهذه الخلاصات عوضاً عن الممارسة الأميركية لعكسها؟

ولِمَ لا تجعل واشنطن من تجربتها نموذجاً لشعوب العالم، فتكون أميركا فعلاً بمثابة (الحلم الأميركي) لا كما هي حال سياستها “الكابوسية” الآن القائمة على التدخّل السلبي في شؤون الدول الأخرى!.

لعلّ الإجابة طبعاً، هي خوف أميركا من أنَّ تعميم نموذجها يعني تعميم بناء الدول الكبرى وولادة منافسين دوليين لها، لكن هل حالت القنابل الأميركية النووية في اليابان من ولادة المنافس الاقتصادي الياباني؟ وهل منع وجود قواتٍ أميركية في معظم دول أوروبا الغربية من أن تتّجه هذه الدول نحو التكامل والاتحاد؟ وهل أنهى تقسيم ألمانيا واحتلالها عناصر القوة وروح الاستقلال وإرادة الوحدة في الأمَّة الألمانية؟

هذه أمثلة لأميركا علّها تتّعظ بها، وهي أيضاً نماذج للمنطقة العربية كي تتمثّل بها.

فالخوف من أن تنتقل هذه الأمَّة العربية من ممارسة ديكتاتوريةٍ “عربية” في الحكم وفي الدعوة للتوحيد، إلى ديمقراطيةٍ “غربية” في أشكال الحكم مع دعوة لتقسيم الأوطان!.

وإذا كان “حال الاتحاد الأميركي” ما زال قوياً بفعل قوة الدستور الأميركي واستمرار “الاتحاد” بين الولايات الأميركية، فإنّ “الحال العربي” سيبقى ضعيفاً طالما أنّ الحياة الدستورية السليمة ما زالت مغيَّبَة والصراعات الداخلية والعربية هي السائدة!.

*مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن

التغير ليس سهلا والنتائج ليست سريعة

كاتب الموضوع الأصلي: محمد النشوان9

صبحي غندور
تساؤلات عديدة ترافق الآن حركات التغيير والثورات الحاصلة في المنطقة العربية. فصحيح أنّ هذه الحركات الشعبية الساعية للتغيير هي كلّها نابعةٌ من إرادات وطنية محلية، وهادفةٌ إلى تحقيق إصلاحات دستورية واقتصادية واجتماعية تحتاجها فعلاً بلدان هذه الثورات، لكن ما هو غير واضح حتّى الآن مدى التغييرات التي ستحدث في هذه المجتمعات، وهل ستقتصر على تغيير في الأشخاص وصيغ الحكم أم ستشمل التحالفات والسياسات الخارجية، ثمّ ما صورة البديل المنشود عن الحكم المرفوض!.

أيضاً، من القضايا المثيرة للانتباه الآن عدم وجود وضوح في هويّة القوى التي تقوم بعمليات التغيير وقيادة الثورات الشعبية. فالثورات هي جسر وممر، وليست مستقرّاً للشعوب. هي وسيلة انتقال من ضفّة لأخرى، والناس جميعاً يعرفون الضفّة السائدة أو التي يُثار عليها لكن ما زالت ملامح الضفة الأخرى، رغم الحديث عن لونها الديمقراطي المنشود، غامضة.

فمن المسائل التي ترتبط في مرحلة ما بعد الثورات، تبرز قضية السياسة الخارجية كمحور هام لأيِّ بلدٍ عربي، إذ يتوجّب على المتغيرات الجارية في المنطقة العربية أن تتعامل مع الصراع العربي/الصهيوني وتفرّعاته التي فرضت مثلاً التطبيع مع إسرائيل على دول بعيدة عن أرض الصراع كموريتانيا وبعض دول الخليج العربي. وفي هذا الصراع أيضاً جوانب ثقافية واقتصادية إضافةً إلى وجود محاور إقليمية تفرض نفسها حتماً على أي بلد عربي يعيش الآن حالة ثورة وتغيير داخلي.

المسألة الديمقراطية على أهمّيتها غير منعزلة أيضأ عن الموقف من محاولات الهيمنة الأجنبية على بلدان المنطقة وثرواتها، وعمَّا هو موجود من قواعد عسكرية أجنبية ومن صراعات دولية وإقليمية على أرض العرب.

كذلك، نجد من المسائل الغامضة الآن بعد التحوّلات الكبرى التي تشهدها المنطقة، قضية العلاقات العربية/العربية، وما يرتبط بصيغ التعاون العربي المنشود، والذي به تصون الأوطان العربية نفسها من التدخّلات الخارجية. فالتأكيد على الهويّة العربية لأوطان المنطقة وشعوبها هو سياج أمنٍ خارجي كما هو أيضاً حاجةٌ داخلية ترتبط بوحدة المصالح وبأهمّية التكامل بين بلدان المنطقة.

وستطمئنّ الأمَّة العربية لكلِّ تغيير يحدث الآن فيها إذا كانت سماته المشتركة هي الديمقراطية والتحرّر الوطني والهويّة العربية. فلا ينفصل نجاح واحدة من هذه السمات عن الحاجة للنجاح أيضاً في السمات الأخرى.

التغيير الشامل والكامل لن يكون سهلاً في أيِّ بلدٍ عربي، لكن من المهمّ أن يكون شاملاً للأشخاص وصيغ الحكم والسياسات، وأن يكون كاملاً في كلِّ مجال فلا يكتفي بأشكال التغيير بل يكون محقّقاً فعلاً لما تطمح اليه الشعوب من عدل سياسي واجتماعي، ومن ضمانات لحرّية الوطن والمواطن معاً، ومن بناء دستوري يحقّق المشاركة الشعبية في الحكم ويساوي بين جميع المواطنين ويصون وحدة الأرض والشعب.

إنّ المنطقة العربية تشهد الآن ظاهرة “الثورات الديمقراطية” بمعزل عن أيّة قضية أخرى، حتّى بمعزل عن حرّية بعض الأوطان من الهيمنة الأجنبية.

ومن الطبيعي أن يتحرّك الشارع العربي للمطالبة بأوضاع أفضل ومن أجل حقّ المشاركة الفعّالة في الحياة العامّة، لكن المشكلة أنّ بعض الحركات السياسية المشاركة في الثورات الشعبية تحتاج هي نفسها إلى آفاق فكرية واضحة المعالم، وإلى أطر تنظيمية سليمة البناء، وإلى قيادات مخلصة للأهداف..

أيضاً، فإنّ الواقع العربي الراهن تختلط فيه مفاهيم كثيرة لم تُحسَم بعدُ فكرياً أو سياسياً. وهذه المفاهيم هي أساس مهم في الحركة والتنظيم والأساليب، كما هي في الأفكار والغايات والأهداف. فما هو الموقف من التعدّدية بمختلف أنواعها داخل المجتمع، وما هو الفاصل بين المقاومة المشروعة وبين الإرهاب المرفوض، وما هي العلاقة بين حرّية الوطن وبين حرّية المواطنين؟ وكيف يمكن الجمع بين الديمقراطية وبين الحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي في كلّ بلد؟ وهل طريق الديمقراطية يمرّ في تجزئة الكيانات؟ ثمّ ما هي آفاق هذا التغيير المنشود من حيث العلاقة مع إسرائيل، وهل ستكون “الشرق أوسطية” هي الإطار الجامع لدول المنطقة مستقبلاً أم ستكون هناك خطوات جدّية نحو تكامل عربي شامل يعزّز الهويّة العربية المشتركة ويأخذ بالنموذج الاتحادي الأوروبي كصيغة مستقبلية للعلاقة بين الدول العربية؟

طبعاً، هو إنجاز كبير حدث ويحدث حتّى الآن في أكثر من بلد عربي. فإيقاف حال الانهيار والانحطاط والفساد السياسي والتحكّم بأرزاق الناس وبرقابها.. كلّها مكاسب كبيرة لأي شعب خضع لحكم ظالمٍ ومستبدٍّ وفاسد، لكن سؤال “ماذا بعد” هو أيضاً مسألة هامة تستوجب عدم الركون لحدوث التغيير فقط. حتماً هناك مسافة زمنية مطلوبة لتحقيق البناء. فهدم الموجود هو دائماً أسهل بكثير من بناء المرغوب، فلا ينتظرنَّ أحدٌ نتائج سريعة من أي تغيير حدث، لكنْ أيضاً يجب ألا يُكتَفى حصراً بما حدث. هي ثوراتٌ وحركات تغيير حديثة الولادة ولم تنضج بعد، لكنّها بحاجة لرعاية أهلها حتى تبلغ رشدها.

لقد توفّرت في هذه الثورات لغاية الآن عوامل إيجابية كثيرة: الإرادة والعزم على إحداث التغيير مهما كانت التضحيات، الشجاعة في الصمود والمواجهة مع حالات العنف السلطوي، الحرص على سلمية التحرك، عدم الشعارات الفئوية التي تُنفر الآخرين من قطاعات الشعب المتعدّدة، والدور الفاعل للجيل الجديد في عمليات التواصل التقني من أجل التعبئة الشعبية للتحرّك. لكن هذه الإيجابيات لا تمنع وجودَ مخاوف من سلبيات قائمة أصلاً في بعض المجتعات العربية التي فيها انقسامات طائفية ومذهبية أو أيضاً نوازع إنفصالية كما هو الحال في جنوب اليمن. فالمطلوب دستورياً هو ديمقراطية تحقّق فصل السلطات وليس فصل الكيانات.

إنّ الحرّية، بمعناها الشامل، كانت وستبقى، ركناً مهمّاً في كلّ الرسالات السماوية، والقيم الإنسانية العامة. الحرّية تبقى عاجزةً وناقصة إذا لم تترابط فيها مسألة التحرّر من سيطرة الخارج مع مسألة التحرّر من الاستبداد الداخلي. الحرّية، التي هي كالطير، بحاجة إلى تكامل جناحي الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية، كي تستطيع التحليق عالياً. الحرّية هي القضية الملازمة لوجود الإنسان أينما وُجد ومنذ بدء الحياة الإنسانية على الأرض. الحرّية هي التي ترتبط بحقّ الاختيار، وبالتالي، الارتباط مع ميزة الإنسان بأنّه صاحب إرادة ومشيئة لعمل شيء ما أو عكسه.

كذلك، فإنّ التعامل مع المسألة الديمقراطية في المنطقة العربية لا يمكن أن يتمّ بمعزل عن تحدّيات الوجود الإسرائيلي وأطماعه السياسية والاقتصادية، وتحدّيات الإرادة الأجنبية في فرض التجزئة والتخلّف منذ عشرات السنين على الأمّة العربية.

إنّ الديمقراطية السياسية والتكامل الاتحادي وجهان لمشروع عربيّ واحد لمستقبل أفضل، وعماد هذا المشروع هو مفهوم الحرّية الشامل للمواطن العربي وللأوطان العربية، للإنسان وللأرض معاً.

*مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن