أ.د. أحمد محمد وهبان

أوَ نُؤجَرُ ويأثمونَ؟!

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز الفريان1

أوَ نُؤجَرُ ويأثمونَ؟!

إليكم قصّة الإمامُ الحافظُ،
التابعيُّ الجليلُ إبراهيمُ النخعيّ.

كانَ إبراهيمُ النخعيُّ رحمهُ اللهُ تعالى أعورَ العينِ.
وكانَ تلميذهُ سليمانُ بنُ مهرانٍ أعمشَ العينِ )ضعيفَ البصرِ(

وقد روى عنهما ابنُ الجوزيّ في كتابهِ [المنتظم] أنهما سارا في أحدِ طرقاتِ الكوفةِ يريدانِ الجامعَ

وبينما هما يسيرانِ في الطريقِ

قالَ الإمامُ النخعيُّ: يا سليمان! هل لكَ أن تأخذَ طريقًا وآخذَ آخرَ؟

فإني أخشى إن مررنا سويًا بسفهائها، لَيقولونَ أعورٌ ويقودُ أعمشَ! فيغتابوننا فيأثمونَ.

فقالَ الأعمشُ: يا أبا عمران! وما عليك في أن نؤجرَ ويأثمونَ؟!

فقال إبراهيم النخعي : يا سبحانَ اللهِ! بل نَسْلَمُ ويَسْلَمونُ خيرٌ من أن نؤجرَ ويأثمونَ.

المنتظم في التاريخ (7/15).

نعم! يا سبحانَ اللهِ!

أيَّ نفوسٍ نقيةٍ هذهِ؟!

والتي لا تريدُ أن تَسْلَمَ بنفسها.

بل تَسْلَمُ ويَسْلَمُ غيرُها.

إنها نفوسٌ تغذَّتْ بمعينِ ((قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ)).

كنتُ أتساءلُ كثيرًا. لو كانَ إبراهيمُ النخعيُّ يكتبُ بيننا.

هل تُراهُ كانَ يُعممُ كلامهُ، ويُثيرُ الجدالَ، وَيُوهِمُ الآخرينَ، ويُورِّي في عباراتهِ،
ويطرحُ المُشكلَ بلا حلولٍ؛ ليؤجَرَ ويأثَمَ غيرهُ؟!!!

أم تُراهُ كانَ صريحًا ناصحًا، وبعباراتهِ واضحًا؟!

وَرَضِيَ اللهُ عن عمرَ إذ كانَ يسألُ الرجلَ فيقولُ: كيف أنت؟
فإن حمدَ اللهَ.
قال عمرُ : (( هذا الذي أردتُ منكَ )).
رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني.

تأمل معي .. إنهم يسوقونَ الناسَ سوقًا للخيرِ؛ لينالوا الأجرَ

)) هذا الذي أردتُ منكَ.. ((

أردتك أن تحمدَ اللهَ فتؤجرَ.

إنهُ يستنُّ بسنة حبيبهِ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ إذ ثبتَ عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ مثلُ ذلكَ.

فهل نتبع سنة حبيبنا صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ؟

أوَ ليسَ :

نَسْلَمُ ويَسْلَمونَ

خيرٌ من أن :

نُؤجَرُ ويأثمونَ؟!!!

منقول لذوي البصائر الحيّة ،،

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والاموات

نظام الحكم في الاسلام

كاتب الموضوع الأصلي: معضد العجمي

مــبدأ المســاواة في الإسـلام

يرى البعض من أنصاف المتعلمين أن الإسلام يقر الطبقية والتمايز بين أفراد المجتمع، ويستدلون على هذا بالآيات الكريمة التالية:

قال تعالى «وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا» (سورة الزخرف: 33)، كما قال سبحانه «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ» (سورة المجادلة: 11)، وقال جلَّ وعلا «وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ» (سورة النحل: 71).

والحقيقة التي لا مراء فيها أن الإسلام لا يقر الطبقية ولا يعترف بالتمايز بين الناس، وأكد أن المفاضلة بين أفراد المجتمع المسلم تتم وفقاً للتقوى والعمل الصالح كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى».

وقد قرر الإسلام مبدأ المساواة الإنسانية ودعا إليه، والإسلام يحترم الإنسان ويكرمه من حيث هو إنسان دون تفرقة بين جنس وجنس وبين قوم وقوم وبين لون ولون؛ فالعربي إنسان والعجمي إنسان، والأبيض إنسان والأسود إنسان، والحاكم إنسان والمحكوم إنسان والغني إنسان والفقير إنسان، والرجل إنسان والمرأة إنسان والناس جميعاً دون استثناء وإن اختلفوا وطناً ولغة ولوناً ينحدرون من سلالة واحدة تتصل بنفس واحدة خلق الله منها زوجها ثم بث منهما – آدم وحواء عليهما السلام – أبناء البشرية الذين يعمرون الأرض في مختلف أرجائها كما يقول الله تعالى في كتابه الكريم «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (سورة الحجرات: 13). وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح: (الناس سواسية كأسنان المشط الواحد. لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى).

ويختلف الناس – بلا شك – في أجناسهم فيكون منهم: السامي والآري والحامي. ويختلفون كذلك في أنسابهم وأحسابهم فيكون منهم من ينتمي إلى أسرة عريقة معروفة. ويكون منهم من ينتمي إلى أسرة صغيرة مغمورة.

كذلك يتفاوت الناس في ثرواتهم، فيكون منهم الغني، ويكون منهم الفقير ويكون منهم المتوسط الحال بين الغني وبين الفقير.

كما يتفاوت الناس في أعمالهم ووظائفهم، فيكون منهم الحاكم والأمير والقائد والوزير والمهندس وأستاذ الجامعة. ويكون منهم في الوقت نفسه الموظف الصغير وعامل البناء والطالب وعامل النظافة والحارس والجندي والنجار والسباك والكهربائي والفراش وغير ذلك من الوظائف كبيرة وصغيرة. غير أن هذا التفاوت بين أفراد المجتمع في النواحي المادية والوظيفية والعلمية شيء طبيعي وضروري لاستمرار الحياة وعمارة الأرض؛ فالمجتمع الإنساني في حاجة إلى الحاكم وإلى القائد وإلى المهندس وإلى أستاذ الجامعة وإلى الجندي وإلى عامل البناء وإلى الكهربائي والسباك والخباز وإلى غير ذلك من المهن المختلفة التي لا يمكن الاستغناء عنها بأي حال من الأحوال. ويقر الإسلام واقع التفاوت بين الناس في مواهبهم وقدراتهم وما يترتب على ذلك من تفاوتهم جهداً وعلماً وخلقاً واكتساباً للمال والعلم كما قال الله تعالى «نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ» (سورة الزخرف: 32).

وهذا التفاوت بين الناس في المستوى المادي والوظيفي والعلمي ليس دليلاً على أن الإسلام يقر الطبقية، بل هو في حقيقة الأمر تلبية واستجابة لاحتياجات الناس الحياتية: الضرورية منها والكمالية، وبطبيعة الحال فليس من المعقول أن يكون الناس كلهم في مستوى واحد. ولو كان الأمر كذلك لتعطلت الحياة وبقيت أعمال كثيرة جداً، وهامة جداً دون من يشغلها من الأيدي العاملة بحجة أنها أعمال حقيرة يأنف الإنسان من مزاولتها فتتعطل نتيجة لذلك مصالح الناس.

كما أن التفاوت في الأجر يقوم أساساً على قدرات الأفراد ومستوياتهم العلمية وظروف الحياة، وبمعنى آخر على مقدار ما يمكن أن يؤديه الفرد من عمل ومنفعة، وعلى هذا الاعتبار فمن غير الممكن أن يساوى بين أجر العامل وأجر المهندس، وبين أجر القائد وبين أجر الجندي، وبين أجر أستاذ الجامعة وبين أجر الحارس أو عامل النظافة فيها.

ويلاحظ أن الدين الإسلامي الحنيف قد أقر مبدأ المساواة بين الأفراد في كافة الحقوق المدنية والسياسية فليس هناك فرق بين شخص وآخر في الخضوع لأحكام الشريعة الإسلامية، فالأمير والشخص العادي والقائد والجندي والمدرس والطالب متساوون تماماً والجميع أمام الشرع سواء ويظهر هذا الأمر بوضوح في القصة التالية:

في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه سقطت له درع فالتقطها رجل يهودي. ورآها الإمام علي رضي الله عنه مع اليهودي فطالبه بإعادتها إليه، فرفض اليهودي وادعى أن الدرع له، فذهب الإمام علي واليهودي إلى القاضي ليحكم بينهما. فطلب القاضي من الإمام علي شهوداً على دعواه، فلم يكن عنده رضي الله عنه شهود، وعند ذلك حكم القاضي بالدرع لليهودي بحكم وضع يده عليها. فدهش اليهودي لهذا الحكم الذي لم يكن يتوقعه، واعتنق الإسلام نتيجة لذلك.

ولم يكتف الإسلام بتقرير مبدأ المساواة نظرياً بل أكده عملياً ونقله من فكرة مجردة إلى واقع ملموس وذلك بمجموعة من الأحكام والتعاليم، ففي المسجد على سبيل المثال حيث تقام صلاة الجمعة والجماعة، تزول كل الفوارق التي تميز بعض الأفراد عن البعض الآخر فمن حضر إلى المسجد أولاً أخذ مكانه في مقدمة الصفوف، وإن كان أقل الناس مالاً أو جاهاً، ومن تأخر في الحضور تأخر مكانه في المسجد مهما كان مركزه الاجتماعي أو المادي أو الوظيفي. وعلى هذا الاعتبار نرى في الصف الواحد في المسجد الغني بجانب الفقير والعالم بجوار الأمي، والحاكم بجوار المحكوم، والمعلم بجانب الطالب، والمهندس بجوار العامل لا فرق بين واحد وآخر فكلهم سواسية بين يدي الله سبحانه وتعالى.

ومن المساواة العملية التي قررها الإسلام قولاً وعملاً: المساواة أمام الأحكام الشرعية؛ فالحلال حلال للجميع، والحرام حرام على الجميع، والفرائض ملزمة للجميع، والعقوبات كذلك مفروضة على الجميع. ويظهر هذا بوضوح في حادثة المرأة المخزومية القرشية التي سرقت فقرر الرسول صلى الله عليه وسلم قطع يدها. فوسط أعيان قريش أسامة بن زيد رضي الله عنه ليشفع فيها عند رسول الله فلما تحدث أسامة بن زيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً وقال لمن حوله من الصحابة: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق منهم الشريف تركوه، وإذا سرق منهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها).. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.

نظام الحكم في الاسلام

كاتب الموضوع الأصلي: معضد العجمي

مــبدأ المســاواة في الإسـلام

يرى البعض من أنصاف المتعلمين أن الإسلام يقر الطبقية والتمايز بين أفراد المجتمع، ويستدلون على هذا بالآيات الكريمة التالية:

قال تعالى «وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا» (سورة الزخرف: 33)، كما قال سبحانه «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ» (سورة المجادلة: 11)، وقال جلَّ وعلا «وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ» (سورة النحل: 71).

والحقيقة التي لا مراء فيها أن الإسلام لا يقر الطبقية ولا يعترف بالتمايز بين الناس، وأكد أن المفاضلة بين أفراد المجتمع المسلم تتم وفقاً للتقوى والعمل الصالح كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى».

وقد قرر الإسلام مبدأ المساواة الإنسانية ودعا إليه، والإسلام يحترم الإنسان ويكرمه من حيث هو إنسان دون تفرقة بين جنس وجنس وبين قوم وقوم وبين لون ولون؛ فالعربي إنسان والعجمي إنسان، والأبيض إنسان والأسود إنسان، والحاكم إنسان والمحكوم إنسان والغني إنسان والفقير إنسان، والرجل إنسان والمرأة إنسان والناس جميعاً دون استثناء وإن اختلفوا وطناً ولغة ولوناً ينحدرون من سلالة واحدة تتصل بنفس واحدة خلق الله منها زوجها ثم بث منهما – آدم وحواء عليهما السلام – أبناء البشرية الذين يعمرون الأرض في مختلف أرجائها كما يقول الله تعالى في كتابه الكريم «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (سورة الحجرات: 13). وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح: (الناس سواسية كأسنان المشط الواحد. لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى).

ويختلف الناس – بلا شك – في أجناسهم فيكون منهم: السامي والآري والحامي. ويختلفون كذلك في أنسابهم وأحسابهم فيكون منهم من ينتمي إلى أسرة عريقة معروفة. ويكون منهم من ينتمي إلى أسرة صغيرة مغمورة.

كذلك يتفاوت الناس في ثرواتهم، فيكون منهم الغني، ويكون منهم الفقير ويكون منهم المتوسط الحال بين الغني وبين الفقير.

كما يتفاوت الناس في أعمالهم ووظائفهم، فيكون منهم الحاكم والأمير والقائد والوزير والمهندس وأستاذ الجامعة. ويكون منهم في الوقت نفسه الموظف الصغير وعامل البناء والطالب وعامل النظافة والحارس والجندي والنجار والسباك والكهربائي والفراش وغير ذلك من الوظائف كبيرة وصغيرة. غير أن هذا التفاوت بين أفراد المجتمع في النواحي المادية والوظيفية والعلمية شيء طبيعي وضروري لاستمرار الحياة وعمارة الأرض؛ فالمجتمع الإنساني في حاجة إلى الحاكم وإلى القائد وإلى المهندس وإلى أستاذ الجامعة وإلى الجندي وإلى عامل البناء وإلى الكهربائي والسباك والخباز وإلى غير ذلك من المهن المختلفة التي لا يمكن الاستغناء عنها بأي حال من الأحوال. ويقر الإسلام واقع التفاوت بين الناس في مواهبهم وقدراتهم وما يترتب على ذلك من تفاوتهم جهداً وعلماً وخلقاً واكتساباً للمال والعلم كما قال الله تعالى «نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ» (سورة الزخرف: 32).

وهذا التفاوت بين الناس في المستوى المادي والوظيفي والعلمي ليس دليلاً على أن الإسلام يقر الطبقية، بل هو في حقيقة الأمر تلبية واستجابة لاحتياجات الناس الحياتية: الضرورية منها والكمالية، وبطبيعة الحال فليس من المعقول أن يكون الناس كلهم في مستوى واحد. ولو كان الأمر كذلك لتعطلت الحياة وبقيت أعمال كثيرة جداً، وهامة جداً دون من يشغلها من الأيدي العاملة بحجة أنها أعمال حقيرة يأنف الإنسان من مزاولتها فتتعطل نتيجة لذلك مصالح الناس.

كما أن التفاوت في الأجر يقوم أساساً على قدرات الأفراد ومستوياتهم العلمية وظروف الحياة، وبمعنى آخر على مقدار ما يمكن أن يؤديه الفرد من عمل ومنفعة، وعلى هذا الاعتبار فمن غير الممكن أن يساوى بين أجر العامل وأجر المهندس، وبين أجر القائد وبين أجر الجندي، وبين أجر أستاذ الجامعة وبين أجر الحارس أو عامل النظافة فيها.

ويلاحظ أن الدين الإسلامي الحنيف قد أقر مبدأ المساواة بين الأفراد في كافة الحقوق المدنية والسياسية فليس هناك فرق بين شخص وآخر في الخضوع لأحكام الشريعة الإسلامية، فالأمير والشخص العادي والقائد والجندي والمدرس والطالب متساوون تماماً والجميع أمام الشرع سواء ويظهر هذا الأمر بوضوح في القصة التالية:

في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه سقطت له درع فالتقطها رجل يهودي. ورآها الإمام علي رضي الله عنه مع اليهودي فطالبه بإعادتها إليه، فرفض اليهودي وادعى أن الدرع له، فذهب الإمام علي واليهودي إلى القاضي ليحكم بينهما. فطلب القاضي من الإمام علي شهوداً على دعواه، فلم يكن عنده رضي الله عنه شهود، وعند ذلك حكم القاضي بالدرع لليهودي بحكم وضع يده عليها. فدهش اليهودي لهذا الحكم الذي لم يكن يتوقعه، واعتنق الإسلام نتيجة لذلك.

ولم يكتف الإسلام بتقرير مبدأ المساواة نظرياً بل أكده عملياً ونقله من فكرة مجردة إلى واقع ملموس وذلك بمجموعة من الأحكام والتعاليم، ففي المسجد على سبيل المثال حيث تقام صلاة الجمعة والجماعة، تزول كل الفوارق التي تميز بعض الأفراد عن البعض الآخر فمن حضر إلى المسجد أولاً أخذ مكانه في مقدمة الصفوف، وإن كان أقل الناس مالاً أو جاهاً، ومن تأخر في الحضور تأخر مكانه في المسجد مهما كان مركزه الاجتماعي أو المادي أو الوظيفي. وعلى هذا الاعتبار نرى في الصف الواحد في المسجد الغني بجانب الفقير والعالم بجوار الأمي، والحاكم بجوار المحكوم، والمعلم بجانب الطالب، والمهندس بجوار العامل لا فرق بين واحد وآخر فكلهم سواسية بين يدي الله سبحانه وتعالى.

ومن المساواة العملية التي قررها الإسلام قولاً وعملاً: المساواة أمام الأحكام الشرعية؛ فالحلال حلال للجميع، والحرام حرام على الجميع، والفرائض ملزمة للجميع، والعقوبات كذلك مفروضة على الجميع. ويظهر هذا بوضوح في حادثة المرأة المخزومية القرشية التي سرقت فقرر الرسول صلى الله عليه وسلم قطع يدها. فوسط أعيان قريش أسامة بن زيد رضي الله عنه ليشفع فيها عند رسول الله فلما تحدث أسامة بن زيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً وقال لمن حوله من الصحابة: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق منهم الشريف تركوه، وإذا سرق منهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها).. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.

روزا أوتونباييڤا: رئيسة قيرغيزستان

كاتب الموضوع الأصلي: مهند مسمار 4

في 23 أغسطس 1950، ولدت روزا إسحاقنوڤا أوتونباييڤا في قيرغيزستان الإشتراكية السوڤييتية. كان أبوها إسحاق أوتونباييڤ عضواً في المحكمة العليا لإصلاح قطاع الأمن. تخرجت في 1972 من كلية الفلسفة بجامعة موسكو و صارت كبيرة الأساتذة و رئيسة قسم الفلسفة في الجامعة الوطنية القيرغيزية.

بدأت روزا عملها السياسي كأمينة ثانية للحزب الشيوعي في مجلس مقاطعة لينين بمدينة فرونزي (تسمى الآن بشكيك). و في نهاية الثمانينيات عملت كرئيسة وفد الإتحاد السوڤييتي لدى اليونسكو بپاريس، ثم عملت كسفيرة لبلادها في ماليزيا. و بحلول عام 1992 و بعد استقلال قيرغيزستان عينها الرئيس القيرغيزي عسكر أكاييڤ لتكون وزيرة للخارجية و نائبة لرئيس مجلس الوزراء، و استمرت في هذين المنصبين حتى صارت أول سفيرة لبلادها في الولايات المتحدة الأميركية و كندا. و من ثم بين عامي 1998 و 2001 عملت كأول سفيرة لبلادها في المملكة المتحدة، ثم في 2002 صارت نائبة لرئيس البعثة الخاصة للأمم المتحدة لجورجيا.

و بعد عودتها في 2004 لبلدها، صارت روزا ناشطة سياسية و أسست برفقة ثلاثة من نواب المعارضة حزباً أُطلق عليه آتاجورتا أي الوطن و ذلك استعداداً للإنتخابات البرلمانية التي كانت ستقام في فبراير 2005. و لكن روزا واجهت عقبات قانونية منعتها من الترشح لأنه يفترض أن يكون المرشح للإنتخابات قد قضى الخمس سنوات التي تسبق الإنتخابات مباشرة في قيرغيزستان، و لكن تنقلات روزا و تعيينها كسفيرة لبلادها كان يحتم عليها البقاء في الخارج و لهذا السبب لم ترشح نفسها.

كانت روزا إحدى القادة الرئيسيين لثورة التيوليپ التي جرت في مارس 2005، أطاحت هذه الثورة بالرئيس عسكر أكاييڤ الذي كان رمزاً للفساد و الإستبداد في بلاده. بعد الإطاحة بالرئيس أكاييڤ كانت روزا وزيرة الخارجية بالوكالة لبضعة أشهر في الحكومة المؤقتة التي كان كرمانبيك (قربان بيك) باكييڤ يشغل منصب رئيس الوزراء فيها. و لما انتخب باكييڤ رئيسا للبلاد و فيلكس كولوڤ رئيسا للوزراء، فشلت روزا في الحصول على التأييد الكافي من البرلمان لتصبح وزيرة للخارجية. و هذا ما جعلها تخوض انتخابات برلمانية فرعية بعد بضعة أشهر و لكن بدون جدوى.

و في 2006، لعبت روزا دوراً حيوياً في المظاهرات الناجحة التي طالبت بدستور ديموقراطي جديد. و قد كانت أيضاً رئيسة بالشراكة في حزب النهضة الوطني (أسابا). و في 2007 انتخبت روزا على قائمة مرشحي الحزب الديمقراطي الإجتماعي، و ترأست المجموعة البرلمانية المعارضة (الممثلة في الحزب الديمقراطي الإجتماعي) منذ أكتوبر 2009.

بعد انتشار أعمال الشغب و العصيان المدني بشكل واسع في العاصمة القيرغيزية بشكيك، تمت الإطاحة بالرئيس كرمانبيك باكييڤ في انقلاب نفذته المعارضة و تم انتخاب روزا من قبل رؤساء المعارضة لرئاسة الحكومة المؤقتة. كان كرمانبيك قد فر إلى منطقة جلال أباد بعد ازدياد العنف في العاصمة و اضطر إلى تقديم استقالته كرئيس للبلاد في 10 أبريل 2010 بعد عجزه عن تلقي الدعم و فر إلى كازاخستان و بعد تسعة أيام ذهب إلى مينسك بروسيا البيضاء حيث حصل على حالة النفي المحمي. و لكن في 21 أبريل تراجع عن استقالته و أعلن أنه ما يزال رئيساً لبلاده، فتعهدت روزا لتقديمه للمحاكمة.

كان أول لقاء لها بعد توليها السلطة مع نظيرها الروسي ڤلاديمير پوتين. و أعلنت عن قيام جولة انتخابية بعد ستة أشهر و أنها ستظل في منصب رئاسة الوزراء إلى حين موعد الإنتخابات. و لكن مظاهرات دامية مؤيدة للرئيس المخلوع باكييڤ كانت تجري في مسقط رأسه جلال أباد، فأعلنت الحكومة المؤقتة عن تأجيل موعد الإنتخابات إلى 2011 و تم تعيين روزا أوتونباييڤا رئيسة للبلاد. و جاء هذا التعيين بعد طرح الإستفتاء على الدستور الجديد، و لكن يحظر على روزا الترشح للإنتخابات الرئاسية و ستنتهي ولايتها في آخر 2011.

و قد أيد 90% التغييرات التي جاءت في الإستفتاء و تبعاً له ستصير قيرغيزستان جمهورية برلمانية بدلاً من جمهورية رئاسية.

تعتبر روزا حالة غير عادية بالنسبة لبلادها نظراً لوجود عدد قليل من النساء في حقل السياسة في قيرغيزستان، فقد كان لديها أربعة نواب جميعهم رجال أثناء فترة الحكومة المؤقتة بعد الإنقلاب الأخير. يشار إلى أن روزا مطلقة و أم لطفلين و تجيد التحدث – بجانب لغتها الأم القيرغيزية – بالروسية – بطلاقة – و الإنجليزية و الألمانية و الفرنسية.

ابن خلدون

كاتب الموضوع الأصلي: الباتل


بداية، يميِّز أغلب الباحثين في سيرة وحياة ابن خلدون، التي امتدَّت على مدى ستةٍ وسبعين عامًا، بين ثلاث مراحل في حياته العمريَّة: مرحلة النَّشأة والتَّكوين التي قضاها في تونس، ومرحلة النضال السياسي التي تنقَّل فيها بين المغرب الأوسط والأقصى والأندلس، ومرحلة التَّدريس والقضاء التي امتازت بِهدوء نسبي استقرَّ فيها في القاهِرة، وإن لَم يفُته أن يزورَ الشَّام والحجاز.

ويُمكن القول: إنَّ ابنَ خلدون عاش عمرًا حقيقيًّا أطْول بكثيرٍ من عمره الزَّمني؛ إذْ إنَّ العمر الحقيقيَّ يقاس بالأعمال، أمَّا العمر الزمني فيقاس بوحدات الزَّمن، فقد توزَّعت حياتُه بين التَّأليف، وتولِّي وظائف عامَّة لها أهميَّتها، وسفارات في مهمَّات رسميَّة.

بالنسبة لمقدّمته الَّتي نستقي منها أهمَّ أفكارِه الاقتصاديَّة، بدأ ابن خلدون في كتابتِها في عام 775هـ أثناءَ إقامتِه في قلعة ابن سلامة، ويصِف لنا ابن خلدون إقامتَه في هذه القلعة قائلاً: “وأقمتُ فيها أربعة أعوام، متخلِّيًا عن الشَّواغل، وشرعتُ في تأليف هذا الكتاب، وأنا مقيمٌ بها، وأكملتُ المقدِّمة على ذلك النَّحو الغريب الَّذي اهتديتُ إليْه في تلك الخلوة، فسالت فيها شآبيب الكلام والمعاني على الفكر، حتى امتخضت زبدتُها وتألَّفت نتائجها”، وقد أنهى ابن خلدون كتابة مقدمته في منتصف سنة 779هـ.

ثم إنَّ الدراسات المنْجَزة من طرف المسلمين – بَلْهَ الغربيِّين – عن شخصيَّة ابن خلدون، وبكل ما تعلَّق به من أفكار وآراء كثيرة جدًّا لا يمكن حصْرها، وإذا كان البعض قد اعتبر أنَّ ابن خلدون لم يترُك علمًا إلاَّ وتناول منه جزءًا، فمِن التَّاريخ إلى السياسة إلى الملك إلى الاقتصاد، فإنَّ علم الاقتصاد والذي لم يكن آنذاك – شأنه شأن كثير من العلوم – مستقلاًّ عن العلوم الاجتماعيَّة – قد حاز اهتمامًا كبيرًا من جانب ابن خلدون.

تشكل “أفكار” عبدالرحمن بن خلدون الاقتصاديَّة المبادئ الأساسيَّة للفكر الاقتصادي الغربي، لكن انتقاء منهم لخدمة عقيدتِهم الماديَّة النَّصرانية، التي شغلت الاقتصاديين على مدى القرنين التَّاسع عشر والعشرين، وأفرزت مدارس اقتِصادية غربية (الكلاسيكية، الاشتراكية، النيو-ليبرالية…) ومن أشْهر النظريات الاقتصاديَّة التي ظهرت في القرن العشرين: نظرية الاقتصاديّ الإنجليزي (جون مينارد كينز) (توفي 1946)، التي اكتملتْ في كتابه المنشور عام 1936، فقد أدخل (كينز) العامل النفسي في التَّحليل الاقتصاديّ.

وهذا الانتقاء الحضاري ليْس غريبًا في حقِّ هؤلاء الَّذين يُتْقِنون عمليَّة الانتقاء، وإلاَّ فكيف نفسر إسقاط نسبة الرِّبا من قِبل دولة اليابان مع الأزمة الماليَّة العالمية لهذه السنة 2009 – الَّتي يسمُّونها زورًا وبهتانًا بالفائدة – إلى مستوى الصفر؟! التي يصِفها البعض بالقزم السياسي والعملاق الاقتِصادي؛ لحصار الأزمة المالية العالميَّة التي تضرب طولاً وعرضًا أقوى بلدان العالم.

إليك – أخي القارئ الكريم – أهمَّ الأفكار التي جادت بها قريحة المؤرِّخ الإسلامي الكبير ابن خلدون – رحمه الله – التي تنصَّل الفكر الاقتصادي الغربي من الاعتراف بفضلِه الكبير عليهم في هذا المجال، وأفكار ابن خلدون لم تأتِه هكذا جزافًا، بل استقاها من كتاب الله وسنَّة حبيبنا المصطفى – صلَّى الله عليه وسلَّم – وهذا لا يعني البتَّة أنَّ ابن خلدون لم يسقط في بعض الهفوات، وهذا ليس عيبًا في حقِّ عمالقة الاجتِهاد بنوعَيْه الشَّرعي والفكري، على حد تعبير الدكتور عمر عبيد حسنه.

العدل أساس العمران الاقتصادي:

لأن “العدل تُحْفظ به العمارة فالظُّلم يخلُّ بحفظها”، ويترجم الظلم في البلد من خلال “وضْع الضّياع في أيْدي الخاصَّة”، وكذلك يقوم المفسدون “بالعدوان على النَّاس في أموالهم”؛ لذا فإنَّ ابن خلدون يُزْجِي نصيحةً ليتَ كلَّ الحكَّام الفاسدين وأعوانهم يأخذون بها: “عليْنا أن ننزع الظلم عن النَّاس؛ كي لا تخْرب الأمصار وتكسد أسواق العمران، وتقفر الديار، خاصَّة وأنَّ الشَّارع أشار في غير موضع إلى تحريم الظلم”.

يقوم ابن خلدون بالذَّهاب إلى أبعد من الحديث عن رفْع الظلم إلى المُدَد الزمنيَّة التي تستغْرِقها الدَّولة حتى تظهر آثار الظُّلم فيها، حيث يقول: “إنَّ نقْص العمران بالظُّلم يقع بالتَّدريج”، ويتوقَّف طولُ وقِصَر زمن الخراب “حسب كِبَر حجْم المِصْر”.

ويقول: “يقع الخراب بالظُّلم دفعةً واحدةً عند أخْذ أموال النَّاس مجَّانًا، والعدْوان عليْهم في الحُرم والدماء، ويقع الخراب بالتدريج”، بإحْدى الوسائل الثَّلاثة الآتية:

1- بذرائع باطلة يتوسَّل بها؛ كالمكوس (الضَّرائب) المحرَّمة والوظائف الباطلة.

2- تكْليف الأعمال وتسخير الرعايا بها حيثُ يغتصبون قيمة عملهم.

3- التَّسلُّط على النَّاس في شراء ما بأيديهم بأبْخس الأثمان.

القوانين الاقتِصاديَّة عند ابن خلدون:

وقدِ اكتشف ابنُ خلْدون قوانين اقتِصاديَّة متعدِّدة، طبعًا استِنادًا إلى كتاب الله وسنَّة الحبيب المصطفى – صلَّى الله عليْه وسلَّم – وفقه الواقع، يُمكن أن تصنَّف في مجموعتين:

الأولى: تتضمَّن قوانين تعمل على تفسير نقْل المجتمع من حالةٍ إلى حالة أخرى، أو من مرحلةٍ إلى مرحلة.

والمجموعة الثَّانية: تتضمَّن قوانين تعْمل على تفسير متغيِّرات اقتِصاديَّة معيَّنة.

من أمثِلة النَّوع الأوَّل: القانون المفسّر لعلاقة العمران بالصَّنائع، والقانون المفسّر لعلاقة العمران بالعلم والتَّعليم.

ومن أمثِلة النَّوع الثَّاني: القوانين المفسّرة للأثمان، المتضمّنة في نظريَّة القيمة عند ابن خلدون.

وفائِدة القانون عند ابن خلدون يُحَدِّدها النَّص السَّادس، فالقانون مِعْيار للصِّدق والصَّواب، أو هو مِعْيار لتَمْيِيز الحقِّ من الباطل، والقانون عنده معيار لتمْييز الحقِّ من الباطل، وبذلك تكون له مرجعيَّة بالنسبة للماضي والحاضر، ولَم يسحب ابن خلدون مرجعيَّة القانون إلى المستقْبل؛ والسَّبب في ذلِك هو إيمانه بأنَّ الغيب لله يُجريه وفْقَ إرادته.

أوجه المعاش في عصْر ابن خلدون وما يُقابِلُها في عصرِنا الرَّاهن:

يقسِّم ابن خلدون الأعمالَ إلى نوعَين: فرْدي وجماعي، كما يفرِّق من جهة أخرى بين الإنتاج اليدوي والإنتاج الحضري، ثمَّ درس ابن خلدون الأعمال وصنَّفها من حيث طبيعتُها.

إنَّ المقصود من العملِ في نظَر ابن خلدون هو “ابتغاء الرزق”، وتعريف الرِّزْق هو “الحاصل أو المقتنَى من الأموال بعد العمل والسَّعي، إذا عادت على صاحبِها بالمنفعة وحصلت له ثمرتُها من الإنفاق في حاجاته”، لقد وضع ابنُ خلدون تعريفَه هذا بالاستِناد إلى الفِقْه ثمَّ زاده تثبيتًا الحديث؛ حيث قال – صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((إنَّما لك من مالِك ما أكلْتَ فأفنيتَ، أو لبِسْت فأبليْت، أو تصدَّقت فأمضيت)).

يرى ابنُ خلدون أنَّ المعاش إمارة، وتجارة، وفلاحة، وصناعة:

♦ أمَّا الإمارة فليستْ بِمذهب طبيعي للمعاش، وهي تشمل الجندي والشرطي والكاتب، وهي عبارةٌ عن الجبايات السلْطانيَّة في ذلك الوقت، والضَّرائب والرُّسوم في عصْرِنا الحاضر.

♦ أمَّا الفِلاحة والصِّناعة والتِّجارة، فهي الوجوه الطبيعية للمعاش.

♦ نَجد أنَّ الفلاحة متقدِّمة على القطاعات كافَّة؛ لأنَّها كانت بسيطة وطبيعيَّة فطريَّة لا تحتاج إلى نظرٍ ولا علم؛ ولهذا تنسب الفلاحة في الخليقة إلى آدمَ أبي البشَر، وهو معلِّمها والقائم عليْها، وهذا يعني أنَّها أقدم وجوه المعاش وأنسبها إلى الطبيعة.

موقف ابن خلدون من تدخُّل الدَّولة في الحياة الاقتِصادية:

يقِف ابن خلدون موقفًا متشدِّدًا من تدخُّل الدَّولة في الحياة الاقتِصاديَّة، خاصَّة في حالة الظُّلم والإفْساد والاحتِكار والتسلُّط، كما نُشاهِده عيانًا في هذا العصْر، من خلال مساعدة الدَّولة لأصحاب النفوذ المالي، والقضاء على أصحاب المقاولات الصُّغرى، الَّتي لا تتلقَّى الدَّعم من طرف الدَّولة، وبالتَّالي تتعرض للإفلاس.

لذا؛ يؤكِّد أنَّ “أكثر الأحكام السلطانية جائِرة في الغالب؛ إذِ العدل المحض إنَّما هو في الخلافة الشرعية وهي قليلة اللَّبث، فالسُّلطان والأمراء لا يتركون غنيًّا في البلاد إلاَّ وزاحموه في ماله وأملاكه، مستظلِّين بحكم سلطاني جائر من صنعهم”.

من هنا سبق في ذلك الاقتِصادي الغربي الكلاسيكي “آدم سميث” بنحو خمسة قرون.

لكن ابن خلدون يرفُض تدخُّل الدولة المباشر في الإنتاج والتِّجارة؛ لما يترتَّب عليه من أضرار اقتِصاديَّة، وأهم وجوه الضَّرر تتلخَّص في القضاء على ظروف المنافسة السَّائدة في السوق، واتِّخاذ الدَّولة وضعًا احتكاريًّا؛ لقوَّتِها الاقتِصادية، واعتمادها على نفوذها وسلطانِها في البيع والشراء، واستِنْزافها رؤوس الأموال السَّائلة لدى المنتجين والتجَّار، ممَّا يقعدهم عن السعي للكسب والمعاش، وينتهي كلُّ ذلك إلى تقليص الجباية وانخفاض موارد الدَّولة، وهي نتيجة مناقضة للهدف المبتغى من وراء تدخُّل الدَّولة في النشاط الاقتِصادي.

فمن أعظم صور الظُّلم وإفساد العمران والدَّولة في رأي ابن خلدون: “التسلط على أموال الناس بشراء ما بين أيديهم بأبخس الأثمان، ثمَّ فرض البضائع عليهم بأرْفع الأثْمان، على وجه الغصب والإكراه في الشِّراء والبيع”، فإذا تكرَّر ذلك فإنَّه يدخل على الرعايا “العنت والمضايقة وفساد الأرباح، وما يقبض آمالهم من السعي في ذلك جملة، ويؤدي إلى فساد الجباية، فإنَّ معظم الجباية إنَّما هي من الفلاحين والتجَّار، لاسيَّما بعد وضع المكوس ونمو الجباية بها، فإذا انقبض الفلاحون عن الفلاحة وقعدَ التجَّار عن التِّجارة، ذهبت الجباية جملة، أو دخلها النَّقص المتفاحش”.

وهكذا يخلص ابن خلدون إلى أنَّ تدخُّل الدَّولة في الشؤون الاقتِصاديَّة “مضرٌّ بالرّعايا ومفسد للجباية”، ويرجع ذلك لأنَّ هذا التدخُّل يقضي على المنافسة ويدعم الاحتِكار ويضيع تكافُؤ الفرص، ويضعف الحافز الاقتِصادي لدى الأفْراد.

البحث في مصْدر الثَّروة:

إذا كانت إشكاليَّة القيمة تحتلُّ أهميَّة قصوى في كتابة الكلاسيكيِّين، وماركس، وألفرد مارشال، فإنَّ ابن خلدون يُعتبر سبَّاقًا في الإقرار بالعمل كأساس للقيمة؛ وذلك من منطلق عقيدتنا ودينِنا الحنيف الَّذي يحثُّ على العمل، ولنا في رسولِنا الكريم – صلَّى الله عليْه وسلَّم، المعلِّم الأكبر – الأسوة الحسنة.

ويقول ابن خلدون – رحمه الله -: “فلا بدَّ في الرزق من سعي وعمل، ولو في تناوله وابتغائه من وجوهه”.

ويربط ابن خلدون قيمة العمل بالمنفعة المباشرة وغير المباشرة، فالحاجة إلى الأعمال والسِّلع تحدّد قيمتها، يقول: “فالكسب كما قدَّمناه قيمة الأعمال، وأنَّها متفاوتة بِحسب الحاجة إليْها، فإذا كانت الأعمال ضروريَّة في العمران عامة البلوى به،كانت قيمتها أعظم وكانت الحاجة إليها أشد”.

الضَّرائب:

يقول ابن خلدون: يقع الخراب بالتَّدريج – كما رأيْنا آنفًا – بإحدى الوسائل الثلاث الآتية:

1- بذرائع باطلة يتوسَّل بها، كالمكوس (الضَّرائب) المحرَّمة والوظائف الباطلة.

وقبل الحديث عن موقف ابن خلدون من الضَّرائب نسطِّر موقفه من الزكاة، التي جعلها حقًّا واجبًا لا إحسانًا، كما اعترف بذلك المستر “دانيل جيرج” في مُحاضرة ألقاها: “إنَّ المجتمع الغربي لم يعترِف بحق الفقراء في أموال الأغنياء إلاَّ في بداية القرْن السَّابع عشر الميلادي، عندما أصدرت ملكة بريطانيا قانونًا أسْمتْه “قانون الفقراء”.

ويتحدَّث ابن خلدون في موضع آخر عن مستوى “العبء الضريبي”، فرأى أنَّه يرتبط بدرجة التطوُّر والتحوُّل الاجتماعي والاقتصادي الذي تبلغه الدَّولة، فكلَّما نمت الدَّولة وتطوَّرت، زادت نفقاتها، ومن ثمَّ اتَّجهت نحو فرض المزيد من الضَّرائب والرسوم: “اعلم أنَّ الدَّولة تكون في أوَّلها بدويَّة كما قلنا، فتكون لذلك قليلة الحاجات؛ لعدم التَّرف وعوائده، فيكون خرْجها وإنفاقها قليلاً، ثمَّ لا تلبث أن تأخُذ بدين الحضارة في التَّرف وعوائدها، وتجري على نهج الدَّولة السَّابقة قبلها، فيكثر لذلك خراج أهل الدَّولة، ويكثر خراج السُّلطان خصوصًا كثرة بالغة بنفقته في خاصَّته وكثرة عطائه، ولا تفي بذلك الجباية، فتحتاج الدَّولة إلى الزيادة في الجباية، فتزيد في مقدار الوظائف والوزائع.

ويدرك الدَّولة الهرَم، فتقلّ الجباية وتكثر العوائد، فيستحدث صاحب الدَّولة أنواعًا من الجباية يضرِبُها على البياعات، ويفرض لها قدرًا معلومًا على الأثْمان في الأسواق، وعلى أعْيان السِّلَع في أموال المدينة، وهو على هذا مضطرٌّ لذلك بما دعاه إليْه ترف النَّاس من كثرة العطاء مع زيادة الجيوش والحامية، وربَّما يزيد ذلك في أواخِر الدَّولة زيادة بالغة، فتكسُد الأسواق لفساد الآمال، ويؤذن ذلك باختِلال العمران ويعود على الدَّولة، ولا يزال ذلك يتزايدُ إلى أن تضمحل”.

الإنفاق العام:

أي: إنَّ النَّفقات العامَّة تزيد بتطوُّر حظِّ الدَّولة من الحضارة والعمران، ويرى ابن خلدون إذًا أنَّ إنفاق الحكومة للمال العامّ في شراء السِّلَع والخدمات، وتقديم الأموال (الإعانات) لبعض المواطنين – ضروري لرواج الأسواق وتحقيق النمو الاقتِصادي، وهي ذات الأفكار التي تمثِّل المحور الرئيس للنظرية الكينزية التي أحدثت ثورة في الفكْر الاقتصادي قبيل الحرب العالميَّة الثَّانية، فزيادة الطَّلب الفعَّال المموّل من الدَّولة، في إطار مشروعات الأشْغال العامَّة والإعانات الاجتِماعيَّة – هو الحل المتميِّز الَّذي اقترحه جون مينارد كينز (اللورد كينز) للخروج من أزمة الكساد الكبير التي حاقت بالاقتِصاديَّات الغربية في فترة ما بين الحربين العالميتين.

النمو الاقتصادي وعلاقته بالعمران:

يقول ابن خلدون: “فالعمران يؤدِّي إلى زيادة الدَّخل، التي تؤدي بدوْرِها لزيادة الإنفاق، الَّذي يمثل طلبًا على السلع التَّرَفيَّة ما يؤدي إلى رواجها، ومن ثمَّ زيادة حجم إنتاجها، الأمر الذي ينجم عنه زيادة الدَّخل الذي يحقِّقه القائمون على هذا الإنتاج، ثم يتحوَّل هذا الدخل مرَّة ثانية إلى إنفاق، وتتكرَّر الدورة نفسها من جديد”.

فنظرية ابن خلدون التطورية للاقتصاد لا تتوقَّف عجلتها عند وصف الأوضاع الاقتصادية في راهنيتها، بل تتجاوزُها إلى تحليل تطوُّر الأوضاع الاقتِصاديَّة على مسافة زمنيَّة طويلة، ودراسة الآثار المترتِّبة عن حدث اقتِصادي معين، وهو ما نسمِّيه حاليًّا بالتَّخطيط الاقتصادي.

تعظيم المنافع:

أي: البحث عن أعظم منفعة، بافتراض بقاء الأشياء الأخرى على حالها؛ أي إذا استوى خياران في كلِّ شيء إلاَّ المنفعة، تمَّ الأخذ بالخيار ذي المنفعة العظمى، يقول ابن خلدون (808 هـ): “اعلم أنَّ التجارة محاولة الكسب بتنمية المال، بشراء السِّلع بالأرخص، وبيعها بالغلاء، أيًّا ما كانت السِّلْعة، من دقيق أو زرع أو حيوان أو قماش، وذلك القدْر النَّامي يسمى ربحًا، فالمحاول لذلك الربح إمَّا أن يَختزِن السِّلْعة، ويتحيَّن بها حوالة (تغيّر) الأسواق من الرّخْص إلى الغلاء، فيعظم ربْحه، وإما بأن ينقله إلى بلد آخر، تنفُق (تروج) فيه تلك السلعة أكثر من بلده الذي اشتراها فيه، فيعظم ربحه”.

نظريَّة ابن خلدون في التزايد السكَّاني:

تتَّسم نظرة ابن خلدون بالتفاؤل، على عكس مالتوس؛ وذلك تبعًا لمرجعيَّة كل منهما، فالأول إسلاميَّة والثَّاني صهيونية، فالإنسان هو سبب الظَّاهرة الاقتصاديَّة، وقد ربط بين الزيادة السكَّانية والزيادة في العمران، وعلاقتها بمستوى المعيشة، كما بحث أثر الرَّخاء في زيادة السكَّان.

وبهذا يكون ابن خلدون قد خالف النظريَّة التشاؤميَّة لروبير مالتوس، وتعامل مع القضيَّة بنوع من الموضوعيَّة في الطَّرح عوض الانسياق وراء الترَّهات المادِّيَّة، الَّتي تسعى لهدْم كرامة الإنسان والإنسانيَّة عامَّة والنُّزوع بها إلى الحيوانيَّة كما نظَر لذلك اليهودي “روبير مالتوس”:

♦ النمو السكَّاني يجلب الحاجة إلى تخصُّص الوظائف الذي بدوْرِه يؤدِّي إلى دخول أعلى.

♦ النمو السكَّاني يتركَّز أساسًا في المدن؛ لذلك سكَّان المدن ذات الحجم الكبير أكثر رفاهية من المناطق ذات الحجم السكَّاني الأقل، والسَّبب هو الاختلاف في طبيعة الوظائف التي تؤدى في المناطق المختلفة.

ودائمًا في دراسته للسَّاكنة النَّشيطة يقول ابن خلدون: “يؤدي نمو السكَّان وتطوُّر العمران إلى ظهور تقْسيم للعمل الاجتِماعي، وتخصص يزيد من مقدار الإنتاج”.

والسَّبب في ذلك كما يشرحه ابن خلدون: “أنه إذا عرف وثبت أنَّ الواحد من البشر غير مستقلٍّ بتحصيل حاجاته في معاشه، وأنَّهم متعاونون جميعًا في عمرانِهم على ذلك، والحاجة التي تحصل بتعاون طائفة منهم تسدُّ ضرورة الأكثر من عددهم أضعافًا، فالأعمال بعد الاجتماع زائدة على حاجات العاملين وضروراتِهم”.

ابن خلدون وتحليل ظاهرة التضخُّم:

ولم يغفل ابن خلدون تحليل ظاهرة التضخُّم بالقدر الذي كانت عليه في عصره، فيرى أنَّه “إذا استبحر – اتَّسع – المصر وكثُر ساكنه، رخصتْ أسعار الضَّروري من القوت وما في معناه، وغلت أسعار الكمالي من الأدم (جمع إدام، وهو ما يستمرأ به الخبز) والفواكه وما يتبعها، وإذا قلَّ ساكن المصر وضعف عمرانه، كان الأمر بالعكس”.

وتفسير ذلك هو أنَّ إنتاج السِّلع الضروريَّة يزيد بزيادة العمران حتَّى تعمّ وترخص أسعارُها، أمَّا السِّلع الكمالية فإنَّها لا تنتشِر بالقدر نفسه وترتفع أثْمانُها لثلاثة أسباب: “الأوَّل: كثرة الحاجة لمكان التَّرف في المصر بكثرة عمرانِه، والثَّاني: اعتزاز أهل الأعمال بِخدمتهم وامتهان أنفسهم لسهولة المعاش في المدينة بكثرة أقواتِها، والثالث: كثرة المترفين وكثرة حاجاتِهم إلى امتهان غيرِهم وإلى استعمال الصنَّاع في مهنهم، فيبذلون في ذلك لأهْل الأعمال أكثر من قيمة أعمالهم مزاحمةً ومنافسةً في الاستئثار بها، فيعتزُّ العمَّال والصنَّاع وأهل الحرف، وتغلو أعمالهم وتكثُر نفقات أهل المصر في ذلك”.

ويدين ابن خلدون الاحتِكار بعبارات صريحة، فيقول: إن “احتكار الزرع لتحيُّن أوقات الغلاء مشؤوم، وإنَّه يعود على فائدته (المقصود صاحبه) بالتَّلف والخسران”.

ب- ابن خلدون وظاهرة الريع: فقيمة العقارات ترتفِع مع تطوُّر العمران، ومن ثمَّ تزيد ثروات ودخول ملاَّكها دون سعي وكدٍّ من جانبِهم.

ج- ابن خلدون والنقود: يوضِّح ابن خلدون نظْرَته إلى النقود على أنَّها مقياس للقِيمة ووسيط للتَّبادُل، حيث هي حكمة إيجادها: “إنَّ المال المتردِّد بين الرعيَّة والسُّلطان، وهو حكمة إيجاده منهم إليْه ومنه إليهم”.

توازن السوق:

في سوق المنافسة الحرَّة أو السوق الحرَّة، فإنَّ آلية السعر هي التي تحدث التوازن في هذه السوق، في النظريات الاقتصاديَّة يعتبر “فالراس” هو أوَّل مَن أشار إلى ذلك، لكنَّنا سنجد أنَّ ابن خلدون قد أشار إلى هذه الفكرة قبله بردحٍ طويلٍ من الزَّمن.

يقوم قانون التَّوازن “الفالراسي” على أنَّه: “إذا كان هناك فائض في العرض، فإنَّ الأسعار تنخفض، بينما يؤدِّي فائض الطَّلب إلى ارتفاع الأسعار”.

ابن خلدون أشار إلى هذا القانون من خلال مقدّمته في موضعين:

الأوَّل: عندما أراد شرْح انخفاض أسعار الغِذاء بينما تبقى أسعار الكماليات مرتفعة.

الثَّاني: عندما يناقش تِجارة ونقل الأطعِمة من طرف التجَّار من مدينة إلى أخرى.

خاتمة:

يتبيَّن ممَّا سبق أنَّ ابن خلدون شخصيَّة شموليَّة في التَّفكير الاقتصادي؛ إذ سعى من تجرِبته الميدانيَّة وتبحُّره في العلم الشرعي إلى الخروج بمواقف وتصوُّرات اقتِصاديَّة، أصبحت إحدى الرَّكائز الأساسيَّة لبعض النظم الاقتِصادية الحاليَّة.

كما أنَّ ابن خلدون توصَّل إلى تحليلات اقتِصاديَّة مركَّزة في ظروف كانت فيها أوربَّا ما تزال قابعة في ظلمات القرون الوسطى، وما يزال فيها الفكر جامدًا.

الهوامش والمراجع المعتمدة:

ملحوظة: ابن خلدون مفكِّر وفقيه ومؤرخ إسلامي مبدع، اعترف له الغرب – على مضض، وقلَّما اعترف لغيرِه من المفكِّرين المسلمين – بفضله عليهم .

كما أنَّه ليس عيبًا أن نأخذ من الغرب ما ينفعنا، شريطة ألا يصطدِم والثَّوابت الشرعيَّة، ولله درُّ أحد العلماء الأجلاَّء إذ يقول: “فالواجب أن نأخُذ الحقَّ من كل شخص، وأن نتجنَّب الباطل مهما كان قائله”.

1- المرجع الأساس: ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، الطبعة الأولى، بيروت: دار القلم، 1978.

2- جامع، أحمد، التَّحليل الاقتصادي الكلي، القاهرة: دار النهضة العربية، 1973.

3- جامع، أحمد، النظريَّة الاقتصادية، الطبعة الرابعة، ج2، القاهرة: دار النهضة العربية، 1987.

4- د. رفعت السيد العوضي: ابن خلدون وريادته للدراسات الاقتصاديّة: دراسة في البعد المعرفيّ، مجلة إسلامية المعرفة.

5- الدكتور بن علي بلعزوز والدكتور عبدالكريم قندوز: “مبدأ “الضريبة تقتل الضريبة” بين ابن خلدون ولافر”، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، الشبكة العنكبوتية.

6- علال البوزيدي، “نظرات في الفكر المنهجي عند ابن خلدون”، مجلة الأمة، العدد 38، سنة 1404.

نشأة الليبرالية وتطورها

كاتب الموضوع الأصلي: معضد العجمي

نشأة الليبرالية وتطورها

نشأة الليبرالية وجذورها
نشأت الليبرالية في التغيرات الاجتماعية التي عصفت بأوربا منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي، وطبيعة التغير الاجتماعي والفكري يأتي بشكل متدرج بطيء.
وهي لم ” تتبلور كنظرية في السياسة والاقتصاد والاجتماع على يد مفكر واحد، بل أسهم عدة مفكرين في إعطائها شكلها الأساسي وطابعها المميز.
فالليبرالية ليست اللوكية ( نسبة إلى جون لوك 1632 – 1704 )، أو الروسووية ( نسبة إلى جان جاك روسو 1712-1778 ) أو الملّية ( نسبة إلى جون ستوارت ملْ 1806-1873 )، وإن كان كل واحد من هؤلاء أسهم إسهاماً بارزاً أو فعالاً في إعطائها كثيراً من ملامحها وخصائصها”( )

وقد حاول البعض تحديد بداية لبعض مجالاتها ففي موسوعة لا لاند الفلسفية “الليبرالي ( أول استعمال للفظة ) هو الحزب الأسباني الذي أراد نحو 1810م أن يدخل في أسبانيا من الطراز الإنكليزي.)( )
ويذكر الأستاذ وضاح نصر: ” أن الليبرالية في الفكر السياسي الغربي الحديث نشأت وتطورت في القرن السابع عشر، وذلك على الرغم من أن لفظتي ليبرالي وليبرالية لم تكونا متداولتين قبل القرن التاسع عشر.( )
قال منير البعلبكي :” الليبرالية(liberalism)فلسفة سياسية ظهرت في أوربا في أوائل القرن التاسع، ثم اتخذت منذ ذلك الحين أشكالاً مختلفة في أزمنة وأماكن مختلفة( )
والظاهر من تاريخ الليبرالية أنها كانت رد فعل لتسلط الكنيسة والإقطاع في العصور الوسطي بأوربا ، مما أدى إلى انتفاضة الشعوب ، وثورة الجماهير ، وبخاصة الطبقة الوسطي.والمناداة بالحرية والإخاء والمساواة، وقد ظهر ذلك في الثورة الفرنسية. وقد تبين فيما بعد أن هناك قوى شيطانية خفية حولت أهداف الثورة وغايتها( ).
وبهذا يتضح لنا أن الليبرالية في صورتها المعاصرة نشأت مع النهضة الأوربية ثم تطورت في عصور مختلفة إلى يومنا هذا.
ويرد بعض الباحثين جذور الليبرالية إلى ديمقراطيّ أثينا في القرن الخامس قبل المسيح، والرواقين في المراحل الأولى من المسيحية، ثم حرك الإصلاح البروتستانتية( ).
وقد ذكر البعلبكي أن في حركة الإصلا الديني توجهاً ليبرالياً فقال: ” كما يطلق لفظ الليبرالية كذلك على حركة في البروتستانتية المعاصرة تؤكد على الحرية العقلية ( ).
يقول الدكتور علي بن عبد الرزاق الزبيدي: ” ومن الصعب تحديد تاريخ معين لنشأة الليبرالية فجذورها تمتد عميقة في التاريخ( ).
ويعتبر جون لوك من أوائل الفلاسفة الليبراليين وفلسفة تتعلق بالليبرالية السياسية.

نشأة الليبرالية وتطورها

كاتب الموضوع الأصلي: معضد العجمي

نشأة الليبرالية وتطورها

نشأة الليبرالية وجذورها
نشأت الليبرالية في التغيرات الاجتماعية التي عصفت بأوربا منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي، وطبيعة التغير الاجتماعي والفكري يأتي بشكل متدرج بطيء.
وهي لم ” تتبلور كنظرية في السياسة والاقتصاد والاجتماع على يد مفكر واحد، بل أسهم عدة مفكرين في إعطائها شكلها الأساسي وطابعها المميز.
فالليبرالية ليست اللوكية ( نسبة إلى جون لوك 1632 – 1704 )، أو الروسووية ( نسبة إلى جان جاك روسو 1712-1778 ) أو الملّية ( نسبة إلى جون ستوارت ملْ 1806-1873 )، وإن كان كل واحد من هؤلاء أسهم إسهاماً بارزاً أو فعالاً في إعطائها كثيراً من ملامحها وخصائصها”( )

وقد حاول البعض تحديد بداية لبعض مجالاتها ففي موسوعة لا لاند الفلسفية “الليبرالي ( أول استعمال للفظة ) هو الحزب الأسباني الذي أراد نحو 1810م أن يدخل في أسبانيا من الطراز الإنكليزي.)( )
ويذكر الأستاذ وضاح نصر: ” أن الليبرالية في الفكر السياسي الغربي الحديث نشأت وتطورت في القرن السابع عشر، وذلك على الرغم من أن لفظتي ليبرالي وليبرالية لم تكونا متداولتين قبل القرن التاسع عشر.( )
قال منير البعلبكي :” الليبرالية(liberalism)فلسفة سياسية ظهرت في أوربا في أوائل القرن التاسع، ثم اتخذت منذ ذلك الحين أشكالاً مختلفة في أزمنة وأماكن مختلفة( )
والظاهر من تاريخ الليبرالية أنها كانت رد فعل لتسلط الكنيسة والإقطاع في العصور الوسطي بأوربا ، مما أدى إلى انتفاضة الشعوب ، وثورة الجماهير ، وبخاصة الطبقة الوسطي.والمناداة بالحرية والإخاء والمساواة، وقد ظهر ذلك في الثورة الفرنسية. وقد تبين فيما بعد أن هناك قوى شيطانية خفية حولت أهداف الثورة وغايتها( ).
وبهذا يتضح لنا أن الليبرالية في صورتها المعاصرة نشأت مع النهضة الأوربية ثم تطورت في عصور مختلفة إلى يومنا هذا.
ويرد بعض الباحثين جذور الليبرالية إلى ديمقراطيّ أثينا في القرن الخامس قبل المسيح، والرواقين في المراحل الأولى من المسيحية، ثم حرك الإصلاح البروتستانتية( ).
وقد ذكر البعلبكي أن في حركة الإصلا الديني توجهاً ليبرالياً فقال: ” كما يطلق لفظ الليبرالية كذلك على حركة في البروتستانتية المعاصرة تؤكد على الحرية العقلية ( ).
يقول الدكتور علي بن عبد الرزاق الزبيدي: ” ومن الصعب تحديد تاريخ معين لنشأة الليبرالية فجذورها تمتد عميقة في التاريخ( ).
ويعتبر جون لوك من أوائل الفلاسفة الليبراليين وفلسفة تتعلق بالليبرالية السياسية.

الدستور الامريكي واعلان الاستقلال الامريكي

كاتب الموضوع الأصلي: معضد العجمي

عيد الاستقلال ومبادئ أمريكا الراسخة…

قبل أيام من احتفال الأمريكيين بأهم أعيادهم، جاء قرار المحكمة الدستورية العليا القاضي بأن إدارة الرئيس بوش لا تملك سلطة محاكمة المشتبه في صلتهم بالإرهاب أمام محاكم عسكرية. وجاء هذا القرار التاريخي الذي تؤيد فيه أعلى سلطة في القضاء الأمريكي الدفع الذي تقدم به سليم أحمد حمدان، السائق السابق لأسامة بن لادن، زعيم القاعدة، ضد محاكمته في معتقل غوانتانامو. وبيرز حكم المحكمة الدستورية العليا احد اهم مبادىء الدستور الأمريكي المتعلق بالفصل بين السلطات، وترى المحكمة أن الرئيس الأمريكي تعدى سلطاته، ومن الواجب الإلتزام بما منحه الدستور من سلطات فقط.

تقرير واشنطن يلقي الضوء على الثورة الأمريكية وما آلت إليه من وضع ضوابط دستورية أصبحت مع مرور الوقت نموذجا يحتذي به من قبل العديد من الدول الأخرى الساعية لبناء ديمقراطيات جديدة.

عيد “الرابع من يوليو”Fourth of July ” كما يحلو للبعض تسميته، هو تذكير بما حدث عام 1776 عندما وقع ممثلو 13 ولاية أمريكية وثيقة الاستقلال عن بريطانيا لتنشأ رسميا الولايات المتحدة الأمريكية. بعد ذلك اندلعت حرب طاحنة بين أمريكا وبريطانيا انتصر فيها الجانب الأمريكي عام 1781 بعد معركة يوركتاون بولاية فرجينيا. ثم وقَّع الطرفان معاهدة فرساي 1783 في فرنسا، وكانت المعاهدة بمثابة إعلان نهاية الثورة الأمريكية. وفي عام 1787 وقع المندوبون من جميع الولايات المتحدة الثلاثة عشر آنذاك على اتفاقية دستور البلاد التي تم التصديق عليه عام 1788. وللاحتفال بعيد الاستقلال أهمية خاصة، فهو العيد الوحيد الذي يحتفل به الأمريكيون كافة (رغم الانقسام الموجود حول أي قضية هامة داخلية أو خارجية) من مختلف الخلفيات السياسية والأيديولوجية ( الليبراليون، اليساريون، المحافظون والمتطرفون، والبيض، والسود واللاتينيون والمهاجرون من كل دول العالم). عيد استقلال هو أكثر الأعياد شعبية لدى الأمريكيين، وتتمثل مظاهر هذه الاحتفالات في خروج الأفراد والعائلات للتجمع في ساحات كبيرة أعدت خصيصا لهذا الغرض في كل المدن الأمريكية كبيرها وصغيرها لإطلاق ومشاهدة الألعاب النارية والتلويح بالأعلام في تمام الساعة التاسعة من مساء هذا اليوم.”

عوامل قيام الثورة الأمريكية ضد بريطانيا
لا يحمل التاريخ القديم (نسبيا) للعلاقات بين الولايات المتحدة وبريطانيا سوى كل ما هو سيء، وبعدما نجحت بريطانيا في تأسيس عدة مستعمرات في أمريكا الشمالية، تمتعت هذه المستعمرات في البداية بالحماية العسكرية البريطانية المباشرة مخافة من امتداد النفوذ الفرنسي إليها. وبعدما زال خطر النفوذ الفرنسي، وما تزامن معه من تنامي الإحساس بالكيان الجديد المكون من المستعمرات، اتجهت بريطانيا إلى فرض ضرائب لتزيد دخل الخزينة البريطانية بما يجعلها قادرة على تمويل حروبها الكثيرة. ومثل فرض المزيد من الضرائب عند الكثير من الأمريكيين حينذاك خطا فاصلا في علاقتهم مع بريطانيا. ومع استمرار غياب المشاركة الأمريكية في صنع القارات التي تخص شئون حياتهم اليومية (خاصة ما يتعلق منها بالضرائب)، ظهر شعار لا ضرائب بدون تمثيل نيابي No taxation without Representation. ومع تمسك الحكومة البريطانية بحقها في فرض الضرائب على مستعمراتها بهدف زيادة دخل الخزينة، وأهم هذه الضرائب كان ضريبة السكر، وضريبة الدمغة(الطوابع) إلا أن الأمريكيين كانوا يرون أنهم غير ملزمين بدفع أية ضريبة لم يشاركوا في إقرارها عن طريق مجالسهم المنتخبة.

حرب الاستقلال
لم يستمر الوفاق بين الأمريكيين والبريطانيين طويلاً، فقد صدرت قوانين بريطانية جديدة تثير الغضب والاستياء لدى الأمريكيين إلى درجة أن بريطانيا أرسلت قواتها إلى كل من بوسطن ونيويورك حيث قتلت بعض المواطنين فيما سُمي بمذبحة بوسطن التي رد عليها الأمريكيون بالاحتجاج المعروف “ببوسطن تي بارتي”. وعاقبت بريطانيا المتمردين بإغلاق ميناء بوسطن وزيادة سلطة الحاكم البريطاني، وإجبار المستعمرين على إيواء وإطعام البريطانيين. ورد ممثلو المستعمرات البريطانية بتشكيل المجلس القاري الأول بفيلادلفيا والذي ضم 13 مستعمرة والذي أجبر بريطانيا على سحب القوانين القسرية. وفي الرابع من يوليو 1776 أعلن المجلس القاري الرابع الاستقلال عن بريطانيا مكونا الولايات المتحدة الأمريكية وبدأت بعد ذلك الحرب الطاحنة بين أمريكا وبريطانيا حتى انتصر الأمريكان في 1781 في معركة يوركتاون بفرجينيا. ثم وقَّع الطرفان معاهدة فرساي في 1783 وكانت بمثابة إعلان بنهاية الثورة الأمريكية. وفي عام 1787 وقع المندوبون من جميع الولايات المتحدة على اتفاقية دستور البلاد التي تم التصديق عليها في سنة 1788.

الدستور… الاختراع الأمريكي الأهم

من حظ أمريكا أنها امتلكت شخصيات كبيرة في تلك اللحظة الحاسمة من بدء تاريخها، من بين هذه الشخصيات بالإضافة إلى جورج واشنطن (بطل الاستقلال الأمريكي)، توماس جيفرسون الذي ساعد جورج واشنطن كثيرا وكان شريكه في إعلان الاستقلال.
شغل جيفرسون منصب ثالث رئيس للولايات المتحدة، لكن الأهم انه كان العقل المدبر الذي شكل الفكر السياسي الأمريكي في هذه الفترة الحاسمة. وكان توماس جيفرسون من أكبر أنصار الديمقراطية والحرية. ومن إنجازاته شراء ولاية لويزيانا من نابليون بونابرت، وتأسيس جامعة فرجينيا. ويرى البعض أن تأثيره على سياسة الولايات المتحدة كان أعظم من تأثير أي زعيم سابق أو لاحق، وحتى هذا اليوم لا يزال شبحه يخيم على السياسة الأمريكية ولا تزال مبادئه تقود هذه القوة العظمى العالمية، وغالبا ما يشار إلى الديمقراطية الأمريكية بالديمقراطية الجيفرسونية كدليل على ذلك.
وأكد جيفرسون على مبدأي الحرية والديمقراطية اللذين تضمنتهما وثيقة إعلان الاستقلال الأمريكي. وترددت أصداء هذين المبدأين عبر القرنين الماضيين، وبفضل قوتهما أثرت الولايات المتحدة على الكثير من دول العالم. وتمتلك الولايات المتحدة أقدم دستور مكتوب في العالم، والدستور الأمريكي هو أكثر الصادرات الأمريكية شعبية وأقدمها. وصمم الآباء المؤسسون للولايات المتحدة دستوراً فريداً في مسار الكفاح المتواصل من أجل حرية الإنسان. تم التأكيد في الدستور على مبدأ الحكومة الدستورية، التي أملوا في أن تنتشر فكرتها إلى أبعد من أمريكا. وأعتبر توماس جيفرسون الدستور صرحا قائما، ومثالا قائما يجب أن تقتدي به الشعوب الأخرى. فكتب قائلاً “من المستحيل ألا نشعر بأننا نعمل من أجل الإنسانية جمعاء.”، لذلك السبب تبنت العديد من دول العالم نماذج دستورية مقتبسة من الدستور الأمريكي. أفكار مثل (كل الناس قد خُلقوا متساوين) وأن (خالقهم وهبهم حقوقاً معينة لا يجوز التفريط بها) قد وضعت في الصدارة كمطلب أمريكي منذ البداية، ولاحقا دعا ثوريون يسعون إلى كسر أغلال الظلم والطغيان، من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا وإفريقيا إلى آسيا إلى نفس المبادئ. وعندما أطلقت الولايات المتحدة تلك الأفكار الثورية إلى العالم عام 1776 لم تتردد إطلاقاً في الالتزام بها بصفة عامة، رغم حدوث انتكاسات تاريخية فيما يتعلق بمصير الهنود الحمر، وظاهرة عبودية الأفارقة. بالإضافة إلى تجاوزات وجرائم معاملة الأمريكيين من أصل ياباني أثناء الحرب العالمية الثانية، ومعاملة العرب والمسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر(أيلول).

أسس الدستور الأمريكي
الدستور الأمريكي بوصفه مجموعة من المبادئ السياسية والقانونية يعني في المقام الأول، خير المجتمع بأكمله وآلية لصيانة حقوق الأفراد. ويضمن الدستور الأمريكي الدفاع عن حق الفرد في الحياة والملكية، وفي حرية العبادة والتعبير. ومن أجل ضمان هذه الحريات، شدد واضعو الدستور الأمريكي على ضرورة وجود قيود لصلاحيات كل من سلطات الحكم، إضافة إلى مساواة الجميع أمام القانون، وفصل الدين عن الدولة.
وتستمد مواد الدستور الأمريكي مضمونها من نظريات الفيلسوفين الإنجليزيين توماس هوبز وجون لوك، والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، وآمن هؤلاء المفكرين بأن قبول الأفراد بالالتزام السياسي تجاه المجتمع على أساس المصلحة الذاتية والمنطق، وأدركوا تماماً مزايا مجتمع مدني تكون لأفراده حقوق وواجبات.

أهم مبادئ الدستور الأمريكي

سيادة الشعب
” نحن الشعب …نسن وننشئ هذا الدستور”، هذه الكلمات تتضمنها مقدمة الدستور وتعبر عن مبدأ سيادة الشعب، أو حكم الشعب، لقد صاغ واضعو الدستور وثيقة للحكم، وعرضوها على الشعب لنيل موافقته، استنادا إلى المفهوم القائل أن السلطة السياسية النهائية لا تكمن لدى الحكومة أو لدى أي مسئول حكومي، بل لدى الشعب. “نحن الشعب” نملك الحكم، ولكن بموجب ديمقراطيتنا التمثيلية، نفوض هيئة مؤلفة من ممثلين لنا منتخبين صلاحيات القيام بأعمال الحكم اليومية نيابة عنا، ولكن تفويض هذه الصلاحيات، لا ينال أو ينقص بأي شكل من الأشكال من حقوق الناس ومسؤولياتهم باعتبارهم هم أصحاب السيادة العليا، أن شرعية الحكم تبقى معتمدة على المحكومين، الذين يحتفظون بحقهم المكرس في أن يغيروا حكومتهم، أو يعدلوا دستورهم، بطريقة سلمية.

سيادة القانون
يقضي الدستور الأمريكي بأن يكون الحكم عادلا، امن المؤسسون بأن سيادة القانون هي شريان حياة النظام الاجتماعي الأمريكي والحريات المدنية الأساسية، وتعني سيادة القانون أن نكون محكومين في علاقاتنا مع بعضنا البعض (ومع الدولة) بمجموعة من القواعد غير المتحيزة نسبيا. وفي هذه الحالة يقل احتمال أن يصبح الشعب ضحية حكم تعسفي أو سلطوي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مبدأ سيادة القانون لا ينطبق على حقوق وحريات المواطنين فحسب، ولكنه ينطبق بالمثل على الحكام، أقام واضعو الدستور حاجزاً حامياً لحقوق وحريات الأفراد بمنعهم الفرد والدولة من تجاوز القانون الأعلى للبلاد.

الفصل بين السلطات
ضمن واضعو الدستور بتوزيعهم للعمل الحكومي على ثلاث سلطات مستقلة، أن لا تكون سلطات الحكم الرئيسية، أي التشريعية والتنفيذية والقضائية، خاضعة لاحتكار أي واحدة منها، كما حال توزيع السلطة الحكومية على ثلاث سلطات مستقلة دون قيام حكومة مركزية قوية جداً قادرة على فرض سلطتها على حكومات الولايات، وكان من المقصود جعل سلطات ومسؤوليات الحكم متداخلة. ومن أمثلة ذلك كيفية ضبط صلاحية الكونغرس في إصدار القوانين بواسطة حق النقض (الفيتو) الذي يتمتع به الرئيس، ولكن حق الرئيس هذا يمكن أيضا إبطاله بتصويت ثلثي أعضاء مجلسي الكونغرس على ذلك.
أيضا يتمتع الرئيس بصلاحية تعيين كل القضاة الفيدراليين، والسفراء، وسائر كبار الموظفين الحكوميين، ولكن كل هذه التعيينات يجب أن تقترن بموافقة مجلس الشيوخ لتصبح نافذة.

الفيدرالية
يوزع الدستور الأمريكي السلطة بين مستويين من الحكم: مستوى البلاد ككل، أو المستوى القومي، ومستوى الولايات، بما يعرف بنظام الفيدرالية. وهي النظام الذي تتقاسم فيه السلطة حكومة مركزية أو قومية واحدة مع حكومات الولايات. قضى الدستور بأن تكون الحكومة المركزية صاحبة السلطة العليا في بعض المجالات، ولكنه لم يجعل حكومات الولايات مجرد وحدات إدارية تابعة للحكومة المركزية، فعلى سبيل المثال، تكون حكومات الولايات هي المسئولة بصورة عامة عن إدارة ميزانياتها وعن سن وتنفيذ القوانين في العديد من المجالات التي تؤثر في حياة سكانها، فيما تتمتع الحكومة المركزية بإدارة السياسة الخارجية والدفاع.

الكفاح في سبيل الحقوق الفردية
عكست التعديلات العشرة الأولى للدستور الأمريكي رغبة كبيرة في الحفاظ على حقوق المواطنين الأساسية، حقوق مثل حرية التعبير، والصحافة، والتجمع والعباد، كما تمنع الكونغرس من سن فوانيين تتعلق بإنشاء دين رسمي، أو تفضيل دين على أخر، إضافة على الحق في محاكمات عادلة وعدم محاكمة نفس الشخص أكثر من مرة على نفس الجريمة.

المصادر: تقرير واشنطن

الدستور الامريكي واعلان الاستقلال الامريكي

كاتب الموضوع الأصلي: معضد العجمي

عيد الاستقلال ومبادئ أمريكا الراسخة…

قبل أيام من احتفال الأمريكيين بأهم أعيادهم، جاء قرار المحكمة الدستورية العليا القاضي بأن إدارة الرئيس بوش لا تملك سلطة محاكمة المشتبه في صلتهم بالإرهاب أمام محاكم عسكرية. وجاء هذا القرار التاريخي الذي تؤيد فيه أعلى سلطة في القضاء الأمريكي الدفع الذي تقدم به سليم أحمد حمدان، السائق السابق لأسامة بن لادن، زعيم القاعدة، ضد محاكمته في معتقل غوانتانامو. وبيرز حكم المحكمة الدستورية العليا احد اهم مبادىء الدستور الأمريكي المتعلق بالفصل بين السلطات، وترى المحكمة أن الرئيس الأمريكي تعدى سلطاته، ومن الواجب الإلتزام بما منحه الدستور من سلطات فقط.

تقرير واشنطن يلقي الضوء على الثورة الأمريكية وما آلت إليه من وضع ضوابط دستورية أصبحت مع مرور الوقت نموذجا يحتذي به من قبل العديد من الدول الأخرى الساعية لبناء ديمقراطيات جديدة.

عيد “الرابع من يوليو”Fourth of July ” كما يحلو للبعض تسميته، هو تذكير بما حدث عام 1776 عندما وقع ممثلو 13 ولاية أمريكية وثيقة الاستقلال عن بريطانيا لتنشأ رسميا الولايات المتحدة الأمريكية. بعد ذلك اندلعت حرب طاحنة بين أمريكا وبريطانيا انتصر فيها الجانب الأمريكي عام 1781 بعد معركة يوركتاون بولاية فرجينيا. ثم وقَّع الطرفان معاهدة فرساي 1783 في فرنسا، وكانت المعاهدة بمثابة إعلان نهاية الثورة الأمريكية. وفي عام 1787 وقع المندوبون من جميع الولايات المتحدة الثلاثة عشر آنذاك على اتفاقية دستور البلاد التي تم التصديق عليه عام 1788. وللاحتفال بعيد الاستقلال أهمية خاصة، فهو العيد الوحيد الذي يحتفل به الأمريكيون كافة (رغم الانقسام الموجود حول أي قضية هامة داخلية أو خارجية) من مختلف الخلفيات السياسية والأيديولوجية ( الليبراليون، اليساريون، المحافظون والمتطرفون، والبيض، والسود واللاتينيون والمهاجرون من كل دول العالم). عيد استقلال هو أكثر الأعياد شعبية لدى الأمريكيين، وتتمثل مظاهر هذه الاحتفالات في خروج الأفراد والعائلات للتجمع في ساحات كبيرة أعدت خصيصا لهذا الغرض في كل المدن الأمريكية كبيرها وصغيرها لإطلاق ومشاهدة الألعاب النارية والتلويح بالأعلام في تمام الساعة التاسعة من مساء هذا اليوم.”

عوامل قيام الثورة الأمريكية ضد بريطانيا
لا يحمل التاريخ القديم (نسبيا) للعلاقات بين الولايات المتحدة وبريطانيا سوى كل ما هو سيء، وبعدما نجحت بريطانيا في تأسيس عدة مستعمرات في أمريكا الشمالية، تمتعت هذه المستعمرات في البداية بالحماية العسكرية البريطانية المباشرة مخافة من امتداد النفوذ الفرنسي إليها. وبعدما زال خطر النفوذ الفرنسي، وما تزامن معه من تنامي الإحساس بالكيان الجديد المكون من المستعمرات، اتجهت بريطانيا إلى فرض ضرائب لتزيد دخل الخزينة البريطانية بما يجعلها قادرة على تمويل حروبها الكثيرة. ومثل فرض المزيد من الضرائب عند الكثير من الأمريكيين حينذاك خطا فاصلا في علاقتهم مع بريطانيا. ومع استمرار غياب المشاركة الأمريكية في صنع القارات التي تخص شئون حياتهم اليومية (خاصة ما يتعلق منها بالضرائب)، ظهر شعار لا ضرائب بدون تمثيل نيابي No taxation without Representation. ومع تمسك الحكومة البريطانية بحقها في فرض الضرائب على مستعمراتها بهدف زيادة دخل الخزينة، وأهم هذه الضرائب كان ضريبة السكر، وضريبة الدمغة(الطوابع) إلا أن الأمريكيين كانوا يرون أنهم غير ملزمين بدفع أية ضريبة لم يشاركوا في إقرارها عن طريق مجالسهم المنتخبة.

حرب الاستقلال
لم يستمر الوفاق بين الأمريكيين والبريطانيين طويلاً، فقد صدرت قوانين بريطانية جديدة تثير الغضب والاستياء لدى الأمريكيين إلى درجة أن بريطانيا أرسلت قواتها إلى كل من بوسطن ونيويورك حيث قتلت بعض المواطنين فيما سُمي بمذبحة بوسطن التي رد عليها الأمريكيون بالاحتجاج المعروف “ببوسطن تي بارتي”. وعاقبت بريطانيا المتمردين بإغلاق ميناء بوسطن وزيادة سلطة الحاكم البريطاني، وإجبار المستعمرين على إيواء وإطعام البريطانيين. ورد ممثلو المستعمرات البريطانية بتشكيل المجلس القاري الأول بفيلادلفيا والذي ضم 13 مستعمرة والذي أجبر بريطانيا على سحب القوانين القسرية. وفي الرابع من يوليو 1776 أعلن المجلس القاري الرابع الاستقلال عن بريطانيا مكونا الولايات المتحدة الأمريكية وبدأت بعد ذلك الحرب الطاحنة بين أمريكا وبريطانيا حتى انتصر الأمريكان في 1781 في معركة يوركتاون بفرجينيا. ثم وقَّع الطرفان معاهدة فرساي في 1783 وكانت بمثابة إعلان بنهاية الثورة الأمريكية. وفي عام 1787 وقع المندوبون من جميع الولايات المتحدة على اتفاقية دستور البلاد التي تم التصديق عليها في سنة 1788.

الدستور… الاختراع الأمريكي الأهم

من حظ أمريكا أنها امتلكت شخصيات كبيرة في تلك اللحظة الحاسمة من بدء تاريخها، من بين هذه الشخصيات بالإضافة إلى جورج واشنطن (بطل الاستقلال الأمريكي)، توماس جيفرسون الذي ساعد جورج واشنطن كثيرا وكان شريكه في إعلان الاستقلال.
شغل جيفرسون منصب ثالث رئيس للولايات المتحدة، لكن الأهم انه كان العقل المدبر الذي شكل الفكر السياسي الأمريكي في هذه الفترة الحاسمة. وكان توماس جيفرسون من أكبر أنصار الديمقراطية والحرية. ومن إنجازاته شراء ولاية لويزيانا من نابليون بونابرت، وتأسيس جامعة فرجينيا. ويرى البعض أن تأثيره على سياسة الولايات المتحدة كان أعظم من تأثير أي زعيم سابق أو لاحق، وحتى هذا اليوم لا يزال شبحه يخيم على السياسة الأمريكية ولا تزال مبادئه تقود هذه القوة العظمى العالمية، وغالبا ما يشار إلى الديمقراطية الأمريكية بالديمقراطية الجيفرسونية كدليل على ذلك.
وأكد جيفرسون على مبدأي الحرية والديمقراطية اللذين تضمنتهما وثيقة إعلان الاستقلال الأمريكي. وترددت أصداء هذين المبدأين عبر القرنين الماضيين، وبفضل قوتهما أثرت الولايات المتحدة على الكثير من دول العالم. وتمتلك الولايات المتحدة أقدم دستور مكتوب في العالم، والدستور الأمريكي هو أكثر الصادرات الأمريكية شعبية وأقدمها. وصمم الآباء المؤسسون للولايات المتحدة دستوراً فريداً في مسار الكفاح المتواصل من أجل حرية الإنسان. تم التأكيد في الدستور على مبدأ الحكومة الدستورية، التي أملوا في أن تنتشر فكرتها إلى أبعد من أمريكا. وأعتبر توماس جيفرسون الدستور صرحا قائما، ومثالا قائما يجب أن تقتدي به الشعوب الأخرى. فكتب قائلاً “من المستحيل ألا نشعر بأننا نعمل من أجل الإنسانية جمعاء.”، لذلك السبب تبنت العديد من دول العالم نماذج دستورية مقتبسة من الدستور الأمريكي. أفكار مثل (كل الناس قد خُلقوا متساوين) وأن (خالقهم وهبهم حقوقاً معينة لا يجوز التفريط بها) قد وضعت في الصدارة كمطلب أمريكي منذ البداية، ولاحقا دعا ثوريون يسعون إلى كسر أغلال الظلم والطغيان، من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا وإفريقيا إلى آسيا إلى نفس المبادئ. وعندما أطلقت الولايات المتحدة تلك الأفكار الثورية إلى العالم عام 1776 لم تتردد إطلاقاً في الالتزام بها بصفة عامة، رغم حدوث انتكاسات تاريخية فيما يتعلق بمصير الهنود الحمر، وظاهرة عبودية الأفارقة. بالإضافة إلى تجاوزات وجرائم معاملة الأمريكيين من أصل ياباني أثناء الحرب العالمية الثانية، ومعاملة العرب والمسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر(أيلول).

أسس الدستور الأمريكي
الدستور الأمريكي بوصفه مجموعة من المبادئ السياسية والقانونية يعني في المقام الأول، خير المجتمع بأكمله وآلية لصيانة حقوق الأفراد. ويضمن الدستور الأمريكي الدفاع عن حق الفرد في الحياة والملكية، وفي حرية العبادة والتعبير. ومن أجل ضمان هذه الحريات، شدد واضعو الدستور الأمريكي على ضرورة وجود قيود لصلاحيات كل من سلطات الحكم، إضافة إلى مساواة الجميع أمام القانون، وفصل الدين عن الدولة.
وتستمد مواد الدستور الأمريكي مضمونها من نظريات الفيلسوفين الإنجليزيين توماس هوبز وجون لوك، والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، وآمن هؤلاء المفكرين بأن قبول الأفراد بالالتزام السياسي تجاه المجتمع على أساس المصلحة الذاتية والمنطق، وأدركوا تماماً مزايا مجتمع مدني تكون لأفراده حقوق وواجبات.

أهم مبادئ الدستور الأمريكي

سيادة الشعب
” نحن الشعب …نسن وننشئ هذا الدستور”، هذه الكلمات تتضمنها مقدمة الدستور وتعبر عن مبدأ سيادة الشعب، أو حكم الشعب، لقد صاغ واضعو الدستور وثيقة للحكم، وعرضوها على الشعب لنيل موافقته، استنادا إلى المفهوم القائل أن السلطة السياسية النهائية لا تكمن لدى الحكومة أو لدى أي مسئول حكومي، بل لدى الشعب. “نحن الشعب” نملك الحكم، ولكن بموجب ديمقراطيتنا التمثيلية، نفوض هيئة مؤلفة من ممثلين لنا منتخبين صلاحيات القيام بأعمال الحكم اليومية نيابة عنا، ولكن تفويض هذه الصلاحيات، لا ينال أو ينقص بأي شكل من الأشكال من حقوق الناس ومسؤولياتهم باعتبارهم هم أصحاب السيادة العليا، أن شرعية الحكم تبقى معتمدة على المحكومين، الذين يحتفظون بحقهم المكرس في أن يغيروا حكومتهم، أو يعدلوا دستورهم، بطريقة سلمية.

سيادة القانون
يقضي الدستور الأمريكي بأن يكون الحكم عادلا، امن المؤسسون بأن سيادة القانون هي شريان حياة النظام الاجتماعي الأمريكي والحريات المدنية الأساسية، وتعني سيادة القانون أن نكون محكومين في علاقاتنا مع بعضنا البعض (ومع الدولة) بمجموعة من القواعد غير المتحيزة نسبيا. وفي هذه الحالة يقل احتمال أن يصبح الشعب ضحية حكم تعسفي أو سلطوي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن مبدأ سيادة القانون لا ينطبق على حقوق وحريات المواطنين فحسب، ولكنه ينطبق بالمثل على الحكام، أقام واضعو الدستور حاجزاً حامياً لحقوق وحريات الأفراد بمنعهم الفرد والدولة من تجاوز القانون الأعلى للبلاد.

الفصل بين السلطات
ضمن واضعو الدستور بتوزيعهم للعمل الحكومي على ثلاث سلطات مستقلة، أن لا تكون سلطات الحكم الرئيسية، أي التشريعية والتنفيذية والقضائية، خاضعة لاحتكار أي واحدة منها، كما حال توزيع السلطة الحكومية على ثلاث سلطات مستقلة دون قيام حكومة مركزية قوية جداً قادرة على فرض سلطتها على حكومات الولايات، وكان من المقصود جعل سلطات ومسؤوليات الحكم متداخلة. ومن أمثلة ذلك كيفية ضبط صلاحية الكونغرس في إصدار القوانين بواسطة حق النقض (الفيتو) الذي يتمتع به الرئيس، ولكن حق الرئيس هذا يمكن أيضا إبطاله بتصويت ثلثي أعضاء مجلسي الكونغرس على ذلك.
أيضا يتمتع الرئيس بصلاحية تعيين كل القضاة الفيدراليين، والسفراء، وسائر كبار الموظفين الحكوميين، ولكن كل هذه التعيينات يجب أن تقترن بموافقة مجلس الشيوخ لتصبح نافذة.

الفيدرالية
يوزع الدستور الأمريكي السلطة بين مستويين من الحكم: مستوى البلاد ككل، أو المستوى القومي، ومستوى الولايات، بما يعرف بنظام الفيدرالية. وهي النظام الذي تتقاسم فيه السلطة حكومة مركزية أو قومية واحدة مع حكومات الولايات. قضى الدستور بأن تكون الحكومة المركزية صاحبة السلطة العليا في بعض المجالات، ولكنه لم يجعل حكومات الولايات مجرد وحدات إدارية تابعة للحكومة المركزية، فعلى سبيل المثال، تكون حكومات الولايات هي المسئولة بصورة عامة عن إدارة ميزانياتها وعن سن وتنفيذ القوانين في العديد من المجالات التي تؤثر في حياة سكانها، فيما تتمتع الحكومة المركزية بإدارة السياسة الخارجية والدفاع.

الكفاح في سبيل الحقوق الفردية
عكست التعديلات العشرة الأولى للدستور الأمريكي رغبة كبيرة في الحفاظ على حقوق المواطنين الأساسية، حقوق مثل حرية التعبير، والصحافة، والتجمع والعباد، كما تمنع الكونغرس من سن فوانيين تتعلق بإنشاء دين رسمي، أو تفضيل دين على أخر، إضافة على الحق في محاكمات عادلة وعدم محاكمة نفس الشخص أكثر من مرة على نفس الجريمة.

المصادر: تقرير واشنطن

عمر بن الخطاب و اداره الدوله

كاتب الموضوع الأصلي: الباتل


مقدمة
إن الإدارة الصحيحة والقويمة لأي عمل مهما كان صغيرًا أو كبيرًا تحتاج إلى حكمة؛ لأن الإدارة تتعامل مع بشر وليس مع مجموعة من التروس والآلات، فرب كلمة صغيرة فعلت فعل السحر في نفس سامعها فدفعته إلى الأمام، وأيضًا رب كلمة فعلت في نفس سامعها فعل السحر فألقت به إلى الهاوية. والإدارة ” فن قيادة الرجال ” والرجال لهم مشارب شتى، ولا يستطيع أحد مهما أوتي من قوة أن يقودهم إلا بالحكمة، والحكمة أن تضع كل شيء في مكانه، الغضب والحزم والشدة في المواضع التي تحتاج إلى ذلك، واللين والتسامح والرحمة أيضًا في المواقف التي تتطلب ذلك. (موقع مفكرة الإسلام)

وقد كان عمر رضي الله عنه حكيما بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان، مما جعله مؤهلا لحمل هذه الأمانة العظيمة؛ وهي إدارة الدولة الإسلامية في هذا الوقت من التاريخ الإسلامي العظيم.

” وفي عصر الفاروق رضي الله عنه شهد النظام الإداري نقلة حضارية كبرى تمثلت في مدى اهتمام الخليفة وعنايته الفائقة بالنظم الإدارية، ففي عهده رسخت التقاليد الإدارية الإسلامية. يقول الطبري: في هذه السنة (15 هـ 636 م) فرض عمر للمسلمين الفروض ودَوَّن الدواوين، وأعطى العطايا على السابقة. وهذا يؤكد مرونة العقلية الإسلامية وقبولها لتطوير نفسها، وتمثل هذا في اهتمام الفاروق رضي الله عنه بتنظيم الدولة الإسلامية إداريا، وخاصة أن الفتوحات الإسلامية قد أدت إلى امتداد رقعة الدولة الإسلامية في عهده، ففصل السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية، وأكد استقلال القضاء، كما اهتم بأمر الأمصار والأقاليم، ووطد العلاقة بين العاصمة المركزية والولاة والعمال في أجزاء الدولة الإسلامية.

وكان عمر رضي الله عنه شديدا مع عمال الدولة الإسلامية، كان يوصيهم بأهالي الأقاليم خيرا، فيروي الطبري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس يوم الجمعة فقال: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار، إني إنما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم، وأن يقسموا فيهم فيئهم، وأن يعدلوا، فإن أشكل عليهم شيء رفعوه إلي. وقد حفظ لنا يحيى بن آدم (ثقة حافظ فاضل من كبار التاسعة مات سنة ثلاث ومائتين [ تقريب التهذيب جزء 1- صفحة 587]) وصية الفاروق رضي الله عنه للخليفة من بعده، تلك الوصية التي تلخص حرص إمام المسلمين على صالح الرعية، يقول:

(أوصي الخليفة من بعدي بأهل الأمصار خيرا فإنهم حياة المال، وغيظ العدو، وردء المسلمين، وأن يقسم بينهم فيئهم بالعدل، وألا يحمل من عندهم فضل إلا بطيب أنفسهم).

وكان رضي الله عنه إذا استعمل العمال على الأقاليم خرج معهم يشيعهم ويوصيهم فيقول: إني لم أستعملكم على أشعارهم ولا على أبشارهم، وإنما استعملتكم عليهم لتقيموا بهم الصلاة، وتقضوا بينهم بالحق، وتقسموا بالعدل، وإني لم أسلطكم على أبشارهم ولا أشعارهم، ولا تجلدوا العرب فتذلوها، ولا تجمروها فتفتنوها، ولا تغفلوا عنها فتحرموها، جردوا القرآن، وأقلوا من رواية محمد صلى الله عليه وسلم… وأنا شريككم.

وكان يقتص من عماله، فإذا شكا إليه عامل له جمع بينه وبين من شكاه فإن صح عليه أمر يجب أَخْذه به أَخَذه به.

وروى الطبري أن الفاروق رضي الله عنه خطب الناس فقال: أيها الناس، إني والله ما أرسل عمالا ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكني أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده لأقتصن منه، فوثب عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين أرأيتك إن كان رجل من أمراء المسلمين على رعيته فأدب بعض رعيته، إنك لتقصه منه؟ قال: إي والذي نفس عمر بيده إذا لأقصنه منه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه.

وكان رضي الله عنه إذا استعمل عاملا كتب له عهدا وأشهد عليه رهطا من المهاجرين والأنصار، واشترط عليه ألا يركب برذوانا، ولا يأكل نقيا، ولا يلبس رقيقا، ولا يتخذ بابا دون حاجات الناس.

وعمر بن الخطاب رضي الله عنه هو أول من وضع التأريخ وكتبه وذلك في العام السادس عشر للهجرة، كما أنه أول من وضع تقليدا بتأريخ الكتب والرسائل وختم بالطين. وهو أول من جمع الناس على إمام لصلاة التراويح في شهر رمضان وكتب بذلك إلى البلدان، وكان في العام الرابع عشر، وكان أول من حمل الدرة وضرب بها تأديبا، ومن ذلك ما فعله مع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وكان الفاروق يوزع مالا آتاه بين المسلمين، فرأى سعد يزاحم الناس حتى خلص إليه، فعلاه عمر بالدرة وقال: إنك أقبلت لا تهاب سلطان الله في الأرض، فأحببت أن أعلمك أن سلطان الله لا يهابك.

وشهد عصره بالإضافة إلى ذلك تنظيمات إدارية متنوعة فوضع أساس بيت المال ونظم أموره، وكان يعس ليلا، ويرتاد منازل المسلمين، ويتفقد أحوالهم بيديه، وكان يراقب المدينة ويحرصها من اللصوص والسراق، كما كان يراقب أسواق المدينة ويقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم، وهو في هذا كله يتأسى بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقد كان يقول: القوة في العمل ألا تؤخر عمل اليوم إلى الغد، والأمانة ألا تخالف سريرة علانية، واتقو الله عز وجل فإنما التقوى بالتوقي ومن يتق الله يقه. (تاريخ النظم والحضارة الإسلامية د/ فتحية النبراوي)

وهكذا نرى هذه العقلية الإدارية الفذة والتي تعلمت الإدارة عمليًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس سيدنا عمر رضي الله عنه ممن يحبون الكلام وكثرته، بل إن شغلهم الشاغل إنما هو العمل النافع والتطبيق العملي واستثمار كل الطاقات البشرية الموجودة لديه في خدمة الإسلام وفي خدمة البشرية أيضا.

أقاليم الدولة الإسلامية في عهد عمر رضي الله عنه
يعتبر تقسيم الولايات في عهد الفاروق امتدادا في بعض نواحيه لما كانت عليه في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه إقليميا مع وجود بعض التغيرات في المناصب القيادية لهذه الولايات في كثير من الأحيان.

1- مكة المكرمة

2- المدينة المنورة

3- الطائف

4- اليمن

5- البحرين

6- ولايات الشام

7- ولايات العراق وفارس (البصرة- الكوفة- المدائن – أذربيجان)

(عمر بن الخطاب د / علي الصلابي)

الدواوين في عهد عمر رضي الله عنه
نشأت الدواوين في عهد الفاروق رضي الله عنه، وكان ذلك نتيجة لاتساع الدولة الإسلامية، واتصال المسلمين الفاتحين عن قرب بالأنظمة الفارسية والبيزنطية في الأقاليم والتعرف على حضارتها، فانتقوا من بين ذالك ما وجدوه ملائما للاقتباس، كما أبقوا على الكثير من الأنظمة الإدارية التي ثبت لهم صلاحيتها لتلك البلاد.

وقد اخْتُلف في تحديد نشأة الديوان؛ فيحدده الطبري بالعام الخامس عشر للهجرة، بينما يذكره الماوردي في الأحكام السلطانية في العام العشرين

(تاريخ النظم والحضارة الإسلامية فتحية النبراوي)

ومن الدواوين التي أوجدها عمر

1- ديوان العطاء

لما أراد الفاروق وضع الديوان فقد وضع أسسا للمفاضلة بين المسلمين في العطاء انطلاقا من أن من قاتل وهاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس كمن لم يقاتل أو تأخر، وفرض لأهل السوابق والقدم في الإسلام

(تاريخ النظم والحضارة الإسلامية د/ فتحية النبراوي)

ويذكر ابن سلام أن عمر حين أراد تدوين الدواوين قال: بمن نبدأ؟

قالوا: ابدأ بنفسك.

قال: لا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إمامنا، فبرهطه نبدأ ثم الأقرب فالأقرب، وكان هذا بعد أن فتح الله على المسلمين العراق والشام وجنى خراجها فقال: إني رأيت أن أفرض العطاء لأهله الذين افتتحوه (كتاب الأموال)

أما الأسس التي وضعها الفاروق رضي الله عنه لترتيب أسماء الناس في الديوان فهي:

1- درجة النسب المتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم.

2- السبق في الإسلام.

3- جهاده الأعداء، ومن كان من أهل بدر يتصدرون قائمة العطاء، ويليهم في المكانة من شهد المواقع إلى الحديبية، ثم من الحديبية إلى القضاء على المرتدين.

4- جعل أهل الفترة الواحدة طبقة واحدة في العطاء، بمعنى أن من شهد المواقع إلى الحديبية مثلا طبقة واحدة.

5- فضل أهل الحرب على قدر براعتهم في القتال.

6- البعد والقرب عن أرض العدو وفضل من قربت داره عن من بعدت داره عن العدو.

2- ديوان الجيش

ارتبطت نشأة ديوان الجيش بتدوين الدواوين، أو تسجيل أسماء الجنود وذلك لمواجهة الزيادة التي طرأت على عدد الجنود، وضرورة إحصائهم، وترتيب أمورهم، وتوفير أعطياتهم، ومن أجل ذلك كان لا بد من تخصيص ديوان للجيش.

وهناك شروط لهذا الديوان:

أ- الوصف:

1- البلوغ. 2- الحرية. 3- الإسلام.

4- السلامة من الآفات. 5- الإقدام على الحروب ومعرفة القتال.

ب- النسب والسبق في الإسلام:

يقوم بترتيب الأسماء في هذا الديوان على حسب القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ترتيبهم الواحد بعد الواحد وفقا لسبقهم في الإسلام، وإن تكافئوا فبالدين، فإن تكافئوا فبالسن فإن تقاربوا فبالشجاعة في الحروب.

جـ- الكفاية:

وهو تقدير العطاء بالكفاية، والكفاية كما قول الماوردي لها أسس:

1- عدد من يعول من الذراري.

2- عدد ما يرتبطه من الخيل والظهر.

3- الموضع الذي يحله من الغلاء والرخص.

3- ديوان الاستيفاء

الأصل في نشأة هذا الديوان هو حاجة الدولة إلى إحصاء خراج البلاد المفتوحة، وتنظيم الإنفاق في الوجوه التي يجب الإنفاق فيها، وقد وضحت أهمية هذا الديوان في الدولة الإسلامية، حين تعددت مصادر الدخل وزادت ثروة الدولة وتشعبت وجوه الإنفاق.

(تاريخ النظم والحضارة الإسلامية د/ فتحية النبراوي)

كاتب الديوان

وكاتب الديوان هو صاحب زمامه، يجب أن تتوفر فيه العدالة والكفاية وأما اختصاصاته فهي:

1- حفظ القوانين

2- استيفاء الحقوق.

3- إثبات الرفوع.

4- إخراج الأحوال؛ ويعني استشهاد صاحب الديوان على ما يثبت فيه من قوانين وحقوق.

5- تصفح الظلامات.

(الأحكام السلطانية للماوردي)

فقه عمر الإداري
من دلائل فقهه الإداري أنه كان يستفيد من كل الطاقات ويؤهلها لخدمة الإسلام:

فعن أسق قال: كنت عبدا نصرانيا لعمر، فقال: أسلم حتى نستعين بك على بعض أمور المسلمين، لأنه لا ينبغى لنا أن نستعين على أمورهم بمن ليس منهم، فأعتقني لما حضرته الوفاة وقال: اذهب حيث شئت.

من فقهه الإداري رضي الله عنه تطبيق مبدأ الشورى

كان عمر رضي الله عنه يستشير الرجال، وكان أيضا يستشير النساء، فقد كان يقدم الشفاء بنت عبد الله العدوية في الرأي، فماذا بقى بعد ذلك للمرأة حتى تبحث عنه في غير الإسلام، إذا كان أمير المؤمنين يستشيرها في أمور الدولة، ويرضى عن رأيها، وكان رضي الله عنه يعتبر نفسه أبا العيال فيمشي إلى المغيبات اللواتي غاب أزواجهن، فيقف على أبوابهن ويقول: ألكن حاجة؟ وأيتكن تريد أن تشتري شيئًا؟ فإني أكره أن تخدعن في البيع والشراء، فيرسلن معه بجواريهن، فيدخل السوق، ووراءه من جواري النساء وغلمانهن ما لا يحصى، فيشتري لهن حوائجهن ومن ليس عندها شيء اشترى لها من عنده، وإذا قدم يقول: أزواجكن في سبيل الله، وأنتن في بلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن كان عندكن من يقرأ، وإلا فاقربن من الأبواب حتى اقرأ لَكُنَّ… ويقول لهن : هذه دواة وقرطاس فادنين من الأبواب، حتى اكتب لَكُنّ، ويمر إلى المغيبات، فيأخذ كتبهن فيبعث بها إلى أزواجهن.

من سمات وخصائص الجانب الإداري عند سيدنا عمر بن الخطاب أنه كان دقيق المتابعة للولاة، والمتابعة هي عنصر هام جدا في نجاح أي خطة، وهكذا كان عمر رضي الله عنه.

نماذج للمتابعة الجيدة
” عن السائب بن جبير مولى ابن عباس وكان قد أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما زلت أسمع حديث عمر بن الخطاب أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة وكان يفعل ذلك كثيرا إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة عليها بابها وهي تقول:

تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ تَسْرِي كَوَاكِبُهُ وَأَرَّقَنِي أَنْ لَا ضَجِيعٌ أُلَاعِبُهُ

أُلَاعِبُهُ طَوْرًا وَطَوْرًا كَأَنَّمَا بَدَا قَمَرًا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ حَاجِبُهُ

يُسَرُّ بِهِ مَنْ كَانَ يَلْهُو بِقُرْبِهِ لَطِيفُ الْحَشَا لَا تَحْتَوِيهِ أَقَارِبُهُ

فَواللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ لَا شَيْءَ غَيْرَهَ لَنُفِضَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهُ

وَلَكِنَّنِي أَخْشَى رَقِيبًا مُوَكَّلًا… بَأَنْفُسِنَا لَا يُفَتِرُّ الدَّهْرُ كَاتِبُهُ

ثم تنفست الصعداء وقالت: لهان على عمر بن الخطاب وحشتي وغيبة زوجي عني. وعمر واقف يستمع قولها، فقال لها: يرحمك الله، يرحمك الله، ثم وجه إليها بكسوة، ونفقة، وكتب في أن يقدم عليها زوجها. (ذم الهوى جزء 1- صفحة 283)

إذن فهو رضي الله عنه يسن القوانين بعد التعايش الحقيقي مع المجتمع، ومعرفة مشاكله وهمومه من خلال التعامل مع الواقع مباشرة، وليس عن طريق التقارير التي ترد إليه فحسب، ولو كان فعل ذلك ما لامه أحد لحسن اختياره للولاة، ومع ذلك فهو لم يعتمد على ما يرد إليه من تقارير فحسب، بل كان كما نرى يتابع الأمور بنفسه.

عمر رضي الله عنه يتابع الأمور بنفسه.

لم يكن عمر يكتفي بأن يحسن اختيار عماله، بل كان يبذل أقصى الجهد لمتابعتهم بعد أن يتولوا أعمالهم ليطمئن على حسن سيرتهم ومخافة أن تنحرف بهم نفوسهم، وكان شعاره لهم: خير لي أن أعزل كل يوم واليا من أن أبقي ظالمًا ساعة نهار. وقال: أيما عامل لى ظلم أحدا فبلغنى مظلمته فلم أغيرها فأنا ظلمته. وقال يوما لمن حوله: أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل، أكنت قضيت ما علي؟ فقالوا: نعم. قال: لا، حتى أنظر في عمله، أعمل بما أمرته أم لا؟ وقد سار رضي الله عنه بحزم في رقابته الإدارية لعماله وتابعهم بدقة، وكانت طريقة عمر في الإدارة إطلاق الحرية للعامل في الشئون المحلية، وتقييده في المسائل العامة، ومراقبته في سلوكه وتصرفاته، وكان له جهاز سرى مربوط به لمراقبة أحوال الولاة والرعية، وقد بينت لنا المصادر التاريخية أنه يشبه اليوم (المخابرات) ويمكن هنا أن نقول: إن المخابرات في عهد عمر بن الخطاب كان هدفها الأول والأخير توفير الأمن والحماية للدولة الإسلامية، وليس التجسس على عورات الناس وبث الرعب في نفوسهم كما هو الحاصل في كثير من الأنظمة التي تحكم الناس اليوم، ومن أهدافها أيضا المتابعة الدقيقة للولاة فقد كان علمه بمن نأى عنه من عماله كمن بات معه في مهاد واحد، وعلى وساد واحد، فلم يكن في قطر من الأقطار ولا ناحية من النواحي عامل أو أمير جيش إلا وعليه عين لا يفارقه، فكانت ألفاظ من بالمشرق والمغرب عنده في كل ممس ومصبح، وأنت ترى ذلك في كتبه إلى عماله حتى كان العامل منهم ليتهم أقرب الناس إليه وأخصهم، وكانت وسائل عمر في متابعته لعماله متعددة ومنها:

طلبه من الولاة دخول المدينة نهارًا:
كان رضي الله عنه يطلب من ولاته دخول المدينة نهارًا، ولا يدخلوها بالليل حتى يظهر ما يكون قد جاءوا به من أموال ومغانم فيسهل السؤال والحساب.

طلب الوفود من الولاة.

كان عمر يطلب من الولاة أن يرسلوا وفدًا من أهل البلاد ليسألهم عن بلادهم، عن الخراج المفروض عليهم ليـتأكد بذلك من عدم ظلمهم، ويطلب شهادتهم فكان يخرج إليه مع خراج الكوفة عشرة من أهلها، ومع خراج البصرة مثلهم، فإذا حضروا أمامه شهدوا بالله أنه مال طيب ما فيه ظلم مسلم ولامعاهد وكان هذا الإجراء كفيلًا بمنع الولاة من ظلم الناس إذ لو حدث هذا لرفعه هؤلاء الموفدون إلى أمير المؤمنين وأخبروه به، كما أن عمر في الغالب كان يقوم بمناقشة هؤلاء الموفدين وسؤالهم عن بلادهم، وعن ولاتهم وسلوكهم معهم.

رسائل البريد.

كان عمر رضي الله عنه يرسل البريد إلى الولاة في الأمصار فقد كان يأمر عامل البريد العودة إلى المدينة أن ينادى في الناس من الذي يريد إرسال رسالة إلى أمير المؤمنين؟ حتى يحملها إليه دون تدخل من والى البلد، وكان صاحب البريد نفسه لا يعلم شيئًا من هذه الرسائل، وبالتالي يكون المجال مفتوحًا أمام الناس لرفع أي شكوى أو مظلمة إلى عمر نفسه دون أن يعلم الوالي أو رجاله بذلك، وحينما يصل حامل الرسائل إلى عمر ينثر ما معه من صحف، ويقرأها عمر ويرى ما فيها.

المفتش (محمد بن مسلمة)

وكان الفاروق رضي الله عنه يستعين بمحمد بن مسلمة الأنصاري في متابعة الولاة، ومحاسبتهم، والتأكد من الشكاوي التي تأتي ضدهم، فكان موقع محمد بن مسلمة كالمفتش العام في دولة الخلافة.

موسم الحج..

كان موسم الحج فرصة لعمر ليستقي أخبار رعيته وولاته، فجعله موسمًا للمراجعة والمحاسبة، واستطلاع آراء الرعية في ولاتهم، فيجتمع فيه أصحاب الشكايات والمظالم، والرقباء الذي كان عمر يبثهم في أرجاء دولته لمراقبة العمال والولاة، ويأتي العمال أنفسهم لتقديم كشف الحساب عن أعمالهم، فكان موسم الحج ( جمعية عمومية ) كأرقى ما تكون الجمعيات العمومية في عصر من العصور.

جولة تفتيشية حول الأقاليم.

كان تفكير عمر قبل مقتله أن يجول على الولايات شخصيًا لمراقبة العمال، لتفقد أحوال الرعية، والاطمئنان على أحوال الدولة المترامية الأطراف، وقال: لئن عشت إن شاء الله لأسيرن في الرعية حولًا، فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع دوني، أما عمالهم فلا يرفعونها إليّ، وأما هم فلا يصلون إليّ، فأسير إلى الشام فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الجزيرة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين، ثم والله لنعم الحول هذا.

ولم يكتف الفاروق بالمراقبة عن طريق هذه الزيارات، بل عمد إلى طريقة أخرى، وهي إرسال كميات من الأموال إلى الولاة، وإرسال من يراقبهم حتى يعرف كيف تصرفوا فيها.

سياسة عمر مع الولاة
سياسة عمر في عزل الولاة

سعد بن أبي وقاص

اجتمع نفر من أهل الكوفة بزعامة الجراح بن سنان الأسدي فشكوا أميرهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى أمير المؤمنين عمر، وذلك في حال اجتماع المجوس في نهاوند لغزو المسلمين، فلم يشغلهم ما داهم المسلمين في ذلك، ولقد كان سعد عادلًا رحيمًا بالرعية، قويًا حازمًا على أهل الباطل والشقاق، عطوفًا على أهل الحق والطاعة، ومع ذلك شكاه هؤلاء القوم ممن لا يطيقون حكم الحق، ويريدون أن يحققوا شيئًا من أهوائهم، وقد وقتوا لشكواهم وقتًا رأوا أنه أدعى لسماع أمير المؤمنين منهم حيث إن المسلمين مُقْبلون على معركة مصيرية تستدعي اتفاق الكلمة.

وقد استجاب أمير المؤمنين لطلبهم في التحقيق في أمر شكواهم مع علمه بأنهم أهل هوى وشر، فبعث عمر رضي الله عنه محمد بن مسلمة ليتأكد من دعاوي الشاكين، وفي هذا بيان لمنهج الصحابة رضي الله عنه في التحقيق في قضايا الخلاف التي تجري بين المسؤلين ومن تحت ولايتهم.

وعزل عمر رضي الله عنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه درءًا للفتن وإماتتها وهي في مهدها قبل أن تستفحل، فتسبب الشقاق والفرقة وربما القتال.

هذا وقد استبقى عمر سعدًا رضي الله عنه في المدينة وأقر من استخلفه سعد على الكوفة بعده، وصار سعدًا من مستشاري عمر في المدينة، ثم جعله من الستة المرشحين للخلافة حين طعن، ثم أوصى الخليفة من بعده بأن يستعمل سعدًا وقال: فإني لم أعزله عن سوء، وقد خشيت أن يلحقه من ذلك.

عزل خالد بن الوليد

وجد أعداء الإسلام في سعة خيالهم وشدة حقدهم مجالًا واسعًا لتصيد الروايات التي تظهر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مظهرمشين، فإذا لم يجدوا شفاء نفوسهم، اختلقوا ما ظنوه يجوز على عقول القارئين، لكي يصبح أساسًا ثابتًا لما يتناقله الرواة، وتسطره كتب المؤلفين، وقد تعرض عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد رضي الله عنهما لمفتريات أعداء الإسلام، الذين حاولوا تشويه صفحات تاريخنا المجيد، ووقفوا كثيرًا عند أسباب عزل عمر لخالد بن الوليد رضي الله عنهما وألصقوا التهم الباطلة بالرجلين العظيمين، وأتوا بروايات لا تقوم على أساس عند المناقشة، ولا تقوم على برهان أمام التحقيق العلمي النزيه.

عزل عمر رضي الله عنه خالدًا في المرة الأولى عن القيادة العامة، وإمارة الأمراء في الشام، وكانت هذه المرة في السنة الثالثة عشرة من الهجرة غداة تولي عمر الخلافة بعد وفاة أبي بكرالصديق رضي الله عنه.

وفي ” قنسرين ” من قرى بلاد شمال الشام جاء العزل الثاني لخالد وذلك في السنة السابعة عشرة من الهجرة، ومجمل أسباب العزل فيما يلي:

أ- حماية التوحيد:

ففي قول عمر رضي الله عنه: ولكن الناس فتنوا به، فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا به. يظهر خشية عمر رضي الله عنه من فتنة الناس بخالد، وظنهم أن النصر يسير في ركاب خالد، فيضعف اليقين أن النصر من عند الله، سواء أكان خالدًا على رأس الجيش أم لا.

وعن ذلك يقول حافظ إبراهيم: في تخوف عمر:

وَقِيلَ خَالَفْتَ يَا فَارُوقُ صَاحِبَنَا فِيهِ وَقَدْ كَانَ أَعْطَى الْقَوْسَ بَارِيهَا

فَقَدْ خِفْتَ افْتِتَانَ الْمُسْلِمِينَ بِهِ وَفِتْنَةُ النَّفْسِ أَعْيَتْ مَنْ يُدَاوِيهَا

ب- اختلاف النظر في صرف المال.

كان عمر رضي الله عنه يرى أن فترة تأليف القلوب، وإغراء ضعاف العقيدة بالمال والعطاء قد انتهت، وصار الإسلام في غير حاجة إلى هؤلاء، وأنه يجب أن يوكل الناس إلى إيمانهم.

بينما يرى خالد بن الوليد أن من معه من ذوي البأس والمجاهدين في ميدانه، ممن لم تخلص نياتهم لمحض ثواب الله، أمثال هؤلاء في حاجة إلى من يقوي عزيمتهم، ويثير حماستهم من هذا المال.

ولا شك أن عمر وخالدًا اجتهدا فيما ذهبا إليه ولكن عمر أدرك أمورًا لم يدركها خالد رضي الله عنهما.

جـ اختلاف منهج عمر عن منهج خالد في السياسة العامة.

فقد كان عمر يصر على أن يستأذن الولاة منه في كل صغيرة وكبيرة، بينما يرى خالد أن من حقه أن يعطي الحرية كاملة من غير الرجوع لأحد في الميدان الجهادي، وتطلق يده في كل التصرفات إيمانًا منه بأن الشاهد يرى ما لا يراه الغائب.

ولعل من الأسباب التي دعت عمر إلى عزل خالد أيضًا، إفساح المجال لطلائع جديدة من القيادات.

حتى تتوافر في المسلمين نماذج كثيرة أمثال خالد، والمثنى وعمرو بن العاص، ثم ليدرك الناس أن النصر ليس رهنًا برجل واحد مهما كان هذا الرجل.

شروط عمر في الولاة
لم يكن ينظر إلى صلاح الرجل في ذاته، ولكن إلى صلاحه للولاية، لذلك كان يولي أناسًا وأمامه من هو أتقى منهم وأكثر علمًا. وأشد عبادة، وكان يقول: إني لأتحرج أن استعمل الرجل وأنا أجد أقوى منه. وكان يستعمل رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، ويدع من هو أفضل منهم مثل عثمان بن عفان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، ونظرائهم لقوة أولئك على العمل والبصر به، ولإشراف عمر عليهم وهيبتهم له.

قال عمر يوما لأصحابه:

دلوني على رجل استعمله على أمر قد أهمني. قالوا: فلان.

قال: لا حاجة لنا فيه، قالوا: من تريد؟ قال: أريد رجلًا إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، وإن كان أميرهم كان كأنه رجل منهم.

قالوا: ما نعرف هذه الصفة إلا في الربيع بن زياد الحارثي.

قال: صدقتم. فولاه.

من لا يرحم لا يرحم.

أمر عمر رضي الله عنه بكتابة عهد لرجل قد ولاه، فبينما الكاتب يكتب جاء صبي فجلس في حجر عمر فلاطفه، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين لي عشرة من الأبناء ما دنا أحد منهم مني قال عمر: فما ذنبي إن كان الله عز وجل نزع الرحمة من قلبك، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، ثم قال: مزق الكتاب، فإنه إذا لم يرحم أولاده فكيف يرحم الرعية.

قواعد عمر في تعينن الولاة وشروطه عليهم

1- القوة والأمانة.

وقد طبق الفاروق رضي الله عنه هذه القاعدة، ورجح الأقوى من الرجال على القوي، فقد عزل عمرُ شرحبيلَ بن حسنة وعيّن بدله معاوية،

فقال له شرحبيل: أمن سخطة عزلتني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكني أريد رجلًا أقوى من رجل.

ومن أجمل ما أُثر عن عمر في هذا المعنى قوله: اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة.

2- مقام العلم في التولية

وقد جرى عمر الفاروق رضي الله عنه على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تولية أمراء الجيوش خاصة. قال الطبري: إن أمير المؤمنين كان إذا اجتمع إليه جيش من أهل الإيمان أمّر عليهم رجلًا من أهل الفقه والعلم.

وكان عمر يستعمل قومًا ويدع أفضل منهم لبصرهم بالعمل، وكان التفضيل هنا إنما يعني أن أولئك الذين تركهم عمر كانوا أفضل دينًا، وأكثر ورعًا، وأكرم أخلاقًا ولكن خبرتهم في تصريف الأمور أقل من غيرهم، فليس من الضروري أن يجتمع الأمران كلاهما معًا، وهذه القاعدة التي وضعها عمر، ما زالت متبعة حتى اليوم في أرقى الدول، ذلك بأن المتدين الورع الخلوق إذا لم تكن له بصيرة في شئون الحكم، قد يكون عرضة لخديعة أصحاب الأهواء المضللين، أما المحنك المجرب، فإنه يعرف من النظرة السريعة، معاني الألفاظ وما وراء الألفاظ من معان، وهذا هو السبب الذي دعا عمر بن الخطاب لاستبعاد رجل لا يعرف الشر، فقد سأل عن رجل أراد أن يوليه عملًا فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنه لا يعرف الشر. فقال عمر لمخاطبه: ويحك ذلك أدنى أن يقع فيه. وهذا لا يعني أن يكون العامل غير متصف بالقوة والأمانة والعلم والكفاية وغيرها من الصفات التي يستلزمها منطق الحكم والإدارة، وإنما يقع التفاضل بين هذه الصفات، ويكون الرجحان لما سماه عمر بن الخطاب: البصر بالعمل.

3- أهل الوبر وأهل المدر.

جعل الوالى من القوم.

من الملاحظ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان في كثير من الأحيان يولى بعض الناس على قومهم، إذا رأى في ذلك مصلحة، ورأى الرجل جديرا بالولاية، ومن ذلك توليته جابر بن عبد الله البجلي على قومه بجيلة، حينما وجههم إلى العراق، وكذلك تولية سلمان الفارسى على المدائن، وتولية نافع بن الحارث على مكة، وعثمان بن أبى العاص على الطائف، ولعله كان يرمي من وراء ذلك إلى أهداف معينة يستطيع تحقيقها ذلك الشخص أكثر من غيره.

فكان عمر ينظر حين يعيّن أحد عماله، إلى بعض الخصائص والطباع والعادات، والأعراف، فلقد عُرف أنه كان ينهي عن استعمال رجل من أهل الوبر على أهل المدر، وأهل الوبر هم ساكنوا الخيام، وأهل المدر هم ساكنوا المدن، وهذه نظرة دقيقة في اختيار الموظفين، فلكل من أهل الوبر والمدر خصائص وأخلاق وعادات وأعراف مختلفة، ومن الطبيعي أن يكون الوالي عارفًا بنفسية الرعية، وليس من العدل أن يتولى أمرها رجل جاهل بها، فقد يرى العرف نكرًا، وقد يرى الطبيعي غريبًا، فيؤدي ذلك إلى غير ما يتوخاه المجتمع من أهداف يسعى إلى تحقيقها.

4- الرحمة والشفقة على الرعية.

كان عمر رضي الله عنه يتوخى في ولاته الرحمة والشفقة على الرعية، وكم من مرة أمر قادته في الجهاد ألا يغزو بالمسلمين، ولا ينزلوهم منزل هلكة

وخطب عمر ولاته فقال: اعلموا أنه لا حلم أحب إلى الله تعالى، ولا أعم من حلم إمام ورفيقه، وأنه ليس أبغض إلى الله ولا أعم من جهل إمام وخرقه، واعلموا أنه من يأخذ بالعافية فيمن بين ظهرانيه يرزق العافية فيمن هو دونه.

5- لا يولي أحدًا من أقاربه.

كان عمر رضي الله عنه حريصًا على أن لا يولي أحدًا من أقاربه رغم كفاية بعضهم، وسبقه إلى الإسلام مثل سعيد بن زيد ابن عمه، وعبد الله بن عمر ابنه، وقد سمعه رجل من أصحابه يشكو إعضال أهل الكوفة به في أمر ولاتهم، ويقول عمر: لوددت أني وجدت رجلًا قويًا، أمينًا مسلمًا استعمله عليهم، فقال الرجل: أنا والله أدلك عليه، عبد الله بن عمر، فقال عمر: قاتلك الله، والله ما أردت الله بهذا. ويقول: من استعمل رجلًا لمودة أو قرابة لا يشغله إلا ذلك فقد خان الله ورسوله.

6- لا يعطي من طلبها.

كان لا يولي عملًا لرجل يطلبه، وأراد أن يستعمل رجلًا فبدر الرجل بطلب العمل، فقال له: قد كنا أردناك لذلك، ولكن من طلب هذا الأمر لم يعن عليه.

وقد سار على هذا النهج اقتداء بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

7- منع العمال من مزاولة التجارة، وإحصاء ثرواتهم عند تعيينهم:

كان عمر رضي الله عنه يمنع عماله وولاته من الدخول في الصفقات العامة سواء أكانوا بائعين أو مشترين، وكان عمر رضي الله عنه يحصي أموال العمال والولاة ليحاسبهم على ما زادوه بعد الولاية مما لا يدخل في عداد الزيادة المعقولة، ومن تعلل منهم بالتجارة لم يقبل منه دعواه وكان يقول لهم: إنما بعثناكم ولاة ولم نبعثكم تجارًا. وروى أن عاملًا لعمر بن الخطاب اسمه الحارث بن كعب بن وهب، ظهر عليه الثراء، فسأله عمر عن مصدر ثرائه فأجاب: خرجت بنفقة معي فاتجرت بها، فقال عمر: أما والله ما بعثناكم لتتّجروا، وأخذ منه ما حصل عليه من ربح.

8- شروط عمر على عماله..

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا استعمل عاملًا كتب عليه كتابًا، وأشهد عليه رهطًا من الأنصار: أن لا يركب برذونًا، ولا يأكل نقيًا، ولا يغلق بابه دون حاجات المسلمين، ثم يقول: اللهم فاشهد.

وهذه الشروط تعني الالتزام بحياة الزهد، والتواضع للناس، هي خطوة أولى في إصلاح الأمة بحملها على التوسط في المعيشة، واللباس والمركب فهذه الحياة التي تقوم على الاعتدال حتى تستقيم أمورها، وهي خطة حكيمة، فإن عمر لا يستطيع أن يلزم جميع أفراد الأمة بأمر لا يعتبر واجبا في الإسلام، ولكنه يستطيع أن يلزم بذلك الولاة والقادة، وإذا التزموا فإنهم القدوة الأولى في المجتمع وهي خطة ناجحة في إصلاح المجتمع وحمايته من أسباب الانهيار.

المشورة في اختيار الولاة

كان اختيار الولاة يتم بعد مشاورة الخليفة لكبار الصحابة، استشار عمر رضي الله عنه الصحابة فيمن يولى على الكوفة فقال لهم:

من يعذرني من أهل الكوفة من تجنيهم على أمرائهم إن استعملت عليهم لينًا استضعفوه، وإن استعملت عليهم شديدًا شكوه، ثم قال: يا أيها الناس ماتقولون في رجل ضعيف غير أنه مسلم تقي، وآخر قوي مشدد أيهما الأصلح للإمارة؟ فتكلم المغيرة بن شعبة فقال: يا أمير المؤمنين إن الضعيف المسلم إسلامه لنفسه وضعفه عليك وعلى المسلمين، والقوى المشدد فشداده على نفسه وقوته لك وللمسلمين فأعمل في ذلك رأيك، فقال عمر: صدقت يا مغيرة، ثم ولاه الكوفة وقال له: انظر أن تكون ممن يأمنه الأبرار ويخافه الفجار، فقال المغيرة: أفعل ذلك يا أمير المؤمنين.

اختبار العمال قبل التولية

كان عمر رضي الله عنه يختبرعماله قبل أن يوليهم، وقد يطول هذا الاختبار كما يوضحه الأحنف بن قيس حين قال: قدمت على عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، فاحتبسني عنده حولًا فقال: يا أحنف قد بلوتك وخبرتك، فرأيت أن علانيتك حسنة، وأنا أرجو أن تكون سريرتك مثل علانيتك، وإنا كنا نتحدث إنما يهلك هذه الأمة كل منافق عليم. ثم قال له عمر: أتدرى لم احتبستك؟ وبين له أنه أراد اختباره ثم ولاّه، ومن نصائح عمر للأحنف: يا أحنف، من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شىء عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه.

المرسوم الخلافي

وقد اشتهر عن عمر رضي الله عنه أنه حينما كان حين ينتهي من اختيار الوالى واستشارة المستشارين يكتب للوالى كتابا يسمى عهد التعيين أو الاستعمال عند كثير من المؤرخين ويمكننا أن نسميه مجازًا (المرسوم الخلافى) في تعيين العامل أو الأمير، وقد وردت العديد من نصوص التعيين لعمال عمر، ولكن المؤرخين يكادون يتفقون على أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا استعمل عاملًا كتب له كتابا وأشهد عليه رهطا من المهاجرين والأ نصار، واشترط عليه شروطا في الكتاب، وقد يكون الشخص المرشح للولاية غائبا، فيكتب له عمر عهدا يأمره فيه بالتوجه إلى ولايته، ومثال ذلك كتابه إلى العلاء الحضرمى عامله على البحرين أمره بالتوجه إلى البصرة لولايتها بعد عتبة بن غزوان، وفي حال عزل أمير وتعيين آخر مكانه، فإن الوالى الجديد كان يحمل خطابا يتضمن عزل الأول وتعيينه مكانه، وذلك مثل كتاب عمر مع أبى موسى الأ شعرى حين عزل المغيرة بن شعبة عن ولاية البصرة وعيّن أبا موسى مكانه.

الاجتهاد والإدارة
يقول الدكتور أحمد شلبي.

” وكان الاجتهاد من أبرز الجوانب في حياة عمر خلال حقبة خلافته الحافلة بالأحداث، فحفظ الدين، ورفع راية الجهاد، وفتح البلاد، ونشر العدل بين العباد، وأنشأ أول وزارة مالية في الإسلام، وكون جيشًا نظاميًا للدفاع وحماية الحدود، ونظم المرتبات والأرزاق، ودوّن الدواوين، وعيّن الولاة والعمال والقضاة، وأقر النقود للتداول الحياتي، ورتب البريد، وأنشأ نظام الحسبة، وثبت التأريخ الهجري، وأبقى الأرض المفتوحة دون قسمة، وخطط المدن الإسلامية وبناها، فهو بحق أمير المؤمنين، وباني الدولة الإسلامية “.

ويقول المستشار علي علي منصور.

إن رسالة عمر في القضاء إلى أبي موسى الأشعري قبل أربعة عشر قرنًا من الزمن دستور للقضاء والمتقاضين، وهي أكمل ما وصلت إليه قوانين المرافعات الوضعية، وقوانين استقلال القضاة.

اجتهاد عمر في التشريع

جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أبي بكر الصديق، وواصلت جيوش المسلمين زحفها، ففتحت بلاد فارس والشام ومصر من بلاد الروم، وكثرت الغنائم وواجه عمر مشكلات جديدة في إرسال الجيوش، وإمدادها وتنظيم الجند وحكم البلاد التي تفتح بحكم الله، وكلما أمعن المسلمون في الغزو وأبعدوا في الأرض كثرت المشكلات التي تواجههم، وقد وُفّق الفاروق لحل هذه المشكلات وتدبير أمور الدولة في حكم الأقطار البعيدة عنه، والقريبة منه توفيقًا كبيرا، وظلت حياة المسلمين مستقيمة في حياة عمر استقامتها في حياة أبي بكر الصديق، فكلاهما ساس الناس كما كان يسوسهم الرسول صلى الله عليه وسلم، والتزم الفاروق بالقرآن الكريم وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أبي بكر ومشورة الصحابة في حل ما عرض له من مشكلات التي نشأت عن طريق الفتوح، فكلما طرأت له مشكلة وجد حلها في كتاب الله عز وجل، فإن لم يجد ففي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجد ففي سيرة أبي بكر الصديق، فإن لم يجد دعا أولي الأمر والرأي من المهاجرين والأنصار فشاورهم حتى يجد الحل للمشكلة، أو المشكلات التي عرضت له.

من يستشعر المسئولية لا ينام

” عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن له وقت ينام فيه فكان ينعس وهو قاعد فقيل له: يا أمير المؤمنين ألا تنام؟ فقال: كيف أنام إن نمت بالنهار ضيعت أمور المسلمين وإن نمت بالليل ضيعت حظي من الله عز وجل ” (صفة الصفوة جزء 2- صفحة 382).