أ.د. أحمد محمد وهبان

حلف وارسو

كاتب الموضوع الأصلي: خالد العيسى 6

حلف وارسو أو معاهدة وارسو (اسمها الرسمي معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المشتركين) هو منظمة عسكرية سابقة لدول أوروبا الوسطى والشرقية الشيوعية. أسست هذه المنظمة عام 1955 م لتواجه التهديدات الناشئة من أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) وكان من أبرز المحفزات لإنشائها هو انضمام ألمانيا الغربية لحلف الناتو بعد إقرار اتفاقات باريس. استمرت المنظمة في عملها خلال فترة الحرب الباردة حتى سقوط الأنظمة الشيوعية الأوروبية وتفكك الاتحاد السوفيتي (عام 1991 م) ووقتها بدأت الدول تنسحب منها واحدة تلو أخرى. حل الحلف رسميا في يوليو 1991 م.

الدولة الأوروبية الشيوعية الوحيدة التي لم تنضم لهذا الحلف هي يوغسلافيا. من أهم أهداف هذا الحلف الدفاع عن أي دولة من أعضائه إذا هوجمت. تنص المعاهدة على أهمية التعاون المشترك بين دول الحلف دون التدخل في أي من الشؤون الداخلية لدولة ما (تتبع الحلف) واحترام سيادتها واستقلالها. على الرغم من ذلك فإن هذا البند قد خرق أكثر من مرة في تاريخ هذا الحلف ففي الثورة المجرية وربيع براغ تم التدخل من دول أخرى في الحلف لقمع هذه الثورات وكانت الحجة في التدخل دائما هي أن القوى المتدخلة إنما دعيت لذلك التدخل، وبالتالي فإن البند في المعاهدة رسميا لم يخرق.

ألبانيا انسحبت من الحلف بعد الانفصال السوفيتي الصيني والذي أدى لتكوين حلفاء جدد لكلا النظامين الشيوعيين السوفيتي والصيني. انسحبت ألبانيا رسميا من الحلف عام 1968 بعد أن تبعت النظام الشيوعي الصيني.

الحرب العالمية الثانية

كاتب الموضوع الأصلي: خالد العيسى 6

أسباب الحرب

* تسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى التي غيرت رسم خريطة العالم وخاصة أوروبا.
* إبرام معاهدات عقابية خاصة لألمانيا في معاهدة فرساي سنة 1919. (خسرت ألمانيا بموجب هذه المعاهدة 12.5% من مساحتها و12% من سكانها، وحوالي 15% من إنتاجها الزراعي و10% من صناعتها و74% من إنتاجها من خام الحديد). ونصت معاهدة فرساي على ألا يزيد الجيش الألماني على مائة ألف جندي، ودفع تعويضات كبيرة للحلفاء.
* ظهور النازية بألمانيا في يناير/ كانون الثاني 1933، والفاشية بإيطاليا في أكتوبر/ تشرين الأول 1922.
* قيام حلف جديد عرف بدول المحور يضم ألمانيا وإيطاليا ثم انضمت إليه بعد ذلك اليابان.

بداية الحرب

أدولف هتلر

كان احتلال هتلر للنمسا في مارس/ آذار 1938 ثم تشيكوسلوفاكيا في العام الموالي وبولندا في سبتمبر/ أيلول 1939 ثم تهديد إيطاليا بغزو ألبانيا، سببا مباشرا في إعلان بريطانيا وفرنسا الحرب على دول المحور.

واشتعلت الحرب في أوروبا وكان الجيش الألماني متقدما على جميع الجبهات الأوروبية، فقد احتل أغلب الدول ودخلت قواته باريس. إلا أن مهاجمته للاتحاد السوفياتي في يونيو/ حزيران 1941 جعلته يترك ظهره للبريطانيين.

الولايات المتحدة والحرب

1. الإنزال بالنورماندي
في 6 يونيو /حزيران 1944 قامت قوات الحلفاء بقيادة الجنرال الأميركي دوايت أزنهاور الذي سيصبح فيما بعد رئيس الولايات المتحدة بإنزال عسكري في شمال فرنسا على شاطئ النورماندي. ود تم إنزال أكثر من 200 ألف جندي أغلبهم أميركيين والبقية بريطانيون وكنديون وفرنسيون.
وقد تم التخطيط للعملية التي تعد أكبر إنزال عسكري في القرن العشرين في بريطانيا وقد تم تحرير المنطقة من الجيش الألماني بعد أن كانت الخاسرئر في الطرفين تقدر بـ 3 آلاف قتيل و6 آلاف ما بين جريح وأسير ومفقود.
2. معركة بيرل هاربور
قامت أميركا في عهد فرانكلين روزفلت بفرض حظر بترولي على اليابان ومنع تصدير الحديد إليها تعاطفا مع حلفائها التقليديين البريطانيين والروس، فما كان من اليابان إلا أن هاجمت القطع البحرية الأميركية في ميناء بيرل هاربر بالمحيط الهادي في ديسمبر/ كانون الأول 1941 مغرقة أكثرها.

وقبل نهاية 1942 هزم الأميركيون الأسطول الياباني في معركة “ميداوي”، وهُزم القائد الألماني رومل في العلمين بمصر كما هزمت القوات الألمانية في ستالنغراد بالاتحاد السوفياتي، فبدأت هزيمة دول المحور تلوح في الأفق ودخل الحلفاء ألمانيا في ديسمبر/ كانون الأول 1944. كما أعدم الثوار الإيطاليون “موسوليني” وعلقوه من قدميه في أحد أعمدة الإنارة بميلانو. وانتحر هتلر يوم 30 أبريل/ نيسان 1945 فاستسلمت ألمانيا.

القنبلة الذرية ونهاية الحرب

كانت اليابان آخر دول المحور انهزاما، فلم توقف الحرب إلا بعد قصف مدينتيها هيروشيما وناغازاكي بأولى قنبلتين ذريتين في التاريخ، وإثر ذلك وقعت اليابان وثيقة الاستسلام بدون قيد أو شرط يوم 2 سبتمبر/ أيلول 1945، وبعدها بثلاثة أيام ارتفع العلم الأميركي فوق طوكيو.

خسائر الحرب العالمية الثانية

انتهت الحرب العالمية الثانية بعد ست سنوات من القتال الشرس، خسرت فيها البشرية حوالي 17 مليونا من العسكريين وأضعاف هذا العدد من المدنيين.

ومن أبرز نتائج تلك الحرب وخسائرها إسقاط قنبلتين ذريتين على اليابان، فالأولى كانت قنبلة يورانيوم تزن أكثر من 4.5 أطنان وتم إسقاطها في الساعة 8:15، وقد أخطأت الهدف قليلا وسقطت على بعد 800 قدم منه. وبعد ذلك بدقيقة واحدة قتل 66 ألف شخص وجرح 69 ألفا بسبب التفجير المتكون من 10 آلاف طن.

أما الثانية فكانت قنبلة بلوتونيوم وتم إسقاطها في وسط ناغازاكي، وفي لحظة واحدة انخفض عدد سكان المدينة من 422 ألفا إلى 383 ألفا لأن 39 ألفا قتلوا و25 ألفا جرحوا.

المنظمه الدوليه للهجرة

كاتب الموضوع الأصلي: سالم القحطاني

2. المنظمة الدولية للهجرة أسست عام 1951 عندما اوسست اللجنة الحكومية الدولية المؤقتة لحركة المهاجرين من أوربا , للخروج من الفوضى والتشريد في اوربا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية , تطورت بعدة صيغ وصولاً إلى عام 1989 بأسمها الحالي .

المنظمة الهيدروغرافية الدوليه

كاتب الموضوع الأصلي: سالم القحطاني

المنظمة الهيدروغرافية الدولية
أسست في عام 1921. المنظمة الهيدروغرافية الدولية تأسست كنتيجة للمؤتمرات الدولية في عام 1889.
إن المنظمة الهيدروغرافية الدولية متكونة من دولها الأعضاء بالإدارة خلال المكتب الهيدروغرافي الدولي بالمقر في موناكو. ( تضم 80 عضواً حتى الآن ) إن وظيفة المنظمة هي تنسيق علم مسح البحار والنشاطات الهيدروغرافية من الدول الأعضاء. أهداف المنظمة منصوصة من بينما دعم الأمن في الملاحة وحماية البيئة البحرية ودعم المنتجات والاستطلاعات الهيدروغرافية المنسقة والموحدة وتحسين تقنيات الدول الأعضاء لإنتاج تلك المنتجات.

الحرب البارده وانهيار الاتحاد السوفيتي

كاتب الموضوع الأصلي: ثامر المطلب4

——————————————————————————–

الحرب الباردة اصطلاح يطلق على العلاقات الجديدة التي نشات بين المنتصرين في الحرب العالمية الثانية خلال الفترة بين نهاية هذه الحرب وانهيار الاتحاد السوفيتي. عمليا كان قطبا الحرب هما الولايات المتحدة الاميركية و الاتحاد السوفيتى ،وكان هدف كل منهما الحصول على مناطق نفوذ عسكري اوسياسي وتوسيعها كلما كان ذلك ممكنا، والطرفان، وان كفا عن استخدام السلاح الا انهما لم يتوقفا عن تطوير قدراتهما العسكرية والدخول في سباق تسلح لم يشهد له العالم مثيلا من قبل وهذا السباق من ابرز سمات الحرب الباردة اضافة الى سعي كل من الطرفين للاستئثار بمناطق نفوذ علي حساب الاخر وانهاكه عن طريق اشعال حروب محدودة لاستنزاف الخصم ، ولقد التزم الطرفان بالقواعد التى شكلتها هذه المرحلة ولم يتجاوزاها الى حرب ساخنة حتى في اشد الازمات بينهما كما هو الحال في ازمة صواريخ كوبا.

الحرب الباردة ، بعكس الحرب الساخنة التي تُشعل فيها النيران ويتبادل فيها الأطراف القصف والضرب هي حرب استمرت بين الأعوام 1945 الى 1990. وكان الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه طرفاً من أطراف الحرب وكان هذا الطرف يسمى بالكتلة الشرقية او المعسكر الشرقي. ومن الجانب الاخر، الولايات المتحدة وحلفاؤها وكانوا يعرفون بالمعسكر الغربي او الكتلة الغربية.

تمثلت الحرب بالشعور المتبادل بين الطرفين بانعدام الثقة وتقديم سوء النية على حسنها. وفي مرحلة من المراحل (ازمة الصواريخ الكوبية)، تنامت الشكوك بين الطرفين بما أوحى باندلاع حرب عالمية ثالثة. وكانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يتهمون الاتحاد السوفييتي بنشر الفكر الشيوعي في العالم بينما كان الاتحاد السوفييتي يتهم الكتلة الغربية بنشر الإمبريالية ومنع الحركات الثورية.

استمرت الحرب الباردة بعد الحرب العالمية الثانية حتى عام 1990 بتفكك الاتحاد السوفيتي. وفي الفترة المذكورة، قامت عدّة صراعات مسلحة بسبب الحرب الباردة كحرب كوريا، فيتنام والغزو السوفييتي لأفغانستان. وظلّت تلك الصراعات العسكرية محدودة لعدم تعرض الكتل الكبيرة أو شعوبها للأذى.

في الصراع الاستراتيجي بين الكتلتين، كان هناك صراع من نوع اخر تمثل في الصراعات التقنية وسباق التسلح كما لم يدّخر الطرفان جهداً في عملية التجسس واغتيال عملاء الطرف الند. وتجدر الاشارة ان الصراعات المسلحة الجانبية كحرب فيتنام ومثيلاتها أرّقت منام العالم في احتمال تطور تلك الصراعات الى حرب عالمية نووية. كان من نتائج الحرب الباردة انهيار الاتحاد السوفيتي و ميلاد النظام العالمي الجديد الذي نادى به الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الاب ،عقب نهاية حرب الخليج الاولى ، التي اسقطت شبه النظام الاقليمي العربي ، وقد سمح النظام العالمي الجديد للولايات المتحدة الاميركية القطب الذي كسب الحرب الباردةالانفراد بالسياسة العالمية وتطويعهاوفقا لمصالحها ورغباتها وفرض رؤيتها على الدول والتدخل في شؤنها وصار العالم يتشكل وفقا للنمط الاميركي من التعددية الحزبية الى التجارة الحرة والحدود المفتوحة دون مراعاة لاية خصوصية دينية او ثقافية

نشأة الليبرالية وتطورها

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الجويعي1

نشأة الليبرالية وتطورها

نشأة الليبرالية وجذورها
نشأت الليبرالية في التغيرات الاجتماعية التي عصفت بأوربا منذ بداية القرن السادس عشر الميلادي، وطبيعة التغير الاجتماعي والفكري يأتي بشكل متدرج بطيء.
وهي لم ” تتبلور كنظرية في السياسة والاقتصاد والاجتماع على يد مفكر واحد، بل أسهم عدة مفكرين في إعطائها شكلها الأساسي وطابعها المميز.
فالليبرالية ليست اللوكية ( نسبة إلى جون لوك 1632 – 1704 )، أو الروسووية ( نسبة إلى جان جاك روسو 1712-1778 ) أو الملّية ( نسبة إلى جون ستوارت ملْ 1806-1873 )، وإن كان كل واحد من هؤلاء أسهم إسهاماً بارزاً أو فعالاً في إعطائها كثيراً من ملامحها وخصائصها”( )

وقد حاول البعض تحديد بداية لبعض مجالاتها ففي موسوعة لا لاند الفلسفية “الليبرالي ( أول استعمال للفظة ) هو الحزب الأسباني الذي أراد نحو 1810م أن يدخل في أسبانيا من الطراز الإنكليزي.)( )
ويذكر الأستاذ وضاح نصر: ” أن الليبرالية في الفكر السياسي الغربي الحديث نشأت وتطورت في القرن السابع عشر، وذلك على الرغم من أن لفظتي ليبرالي وليبرالية لم تكونا متداولتين قبل القرن التاسع عشر.( )
قال منير البعلبكي :” الليبرالية(liberalism)فلسفة سياسية ظهرت في أوربا في أوائل القرن التاسع، ثم اتخذت منذ ذلك الحين أشكالاً مختلفة في أزمنة وأماكن مختلفة( )
والظاهر من تاريخ الليبرالية أنها كانت رد فعل لتسلط الكنيسة والإقطاع في العصور الوسطي بأوربا ، مما أدى إلى انتفاضة الشعوب ، وثورة الجماهير ، وبخاصة الطبقة الوسطي.والمناداة بالحرية والإخاء والمساواة، وقد ظهر ذلك في الثورة الفرنسية. وقد تبين فيما بعد أن هناك قوى شيطانية خفية حولت أهداف الثورة وغايتها( ).
وبهذا يتضح لنا أن الليبرالية في صورتها المعاصرة نشأت مع النهضة الأوربية ثم تطورت في عصور مختلفة إلى يومنا هذا.
ويرد بعض الباحثين جذور الليبرالية إلى ديمقراطيّ أثينا في القرن الخامس قبل المسيح، والرواقين في المراحل الأولى من المسيحية، ثم حرك الإصلاح البروتستانتية( ).
وقد ذكر البعلبكي أن في حركة الإصلا الديني توجهاً ليبرالياً فقال: ” كما يطلق لفظ الليبرالية كذلك على حركة في البروتستانتية المعاصرة تؤكد على الحرية العقلية ( ).
يقول الدكتور علي بن عبد الرزاق الزبيدي: ” ومن الصعب تحديد تاريخ معين لنشأة الليبرالية فجذورها تمتد عميقة في التاريخ( ).
ويعتبر جون لوك من أوائل الفلاسفة الليبراليين وفلسفة تتعلق بالليبرالية السياسية.

اقتراب تحليل النظم في علم السياسه

كاتب الموضوع الأصلي: ثامر المطلب4

شهد حقل العلوم السياسية تطوراً محلوظاً في أعقاب الحرب العالمية الثانية عجزت معه العلوم السياسية بمناهجها التقليدية عن استيعابه والإحاطة بمختلف الظواهر السياسية الجديدة المصاحبة له، الأمر الذي برزت معه حاجة ملحة لتطوير مناهج البحث في هذا الفرع من أفرع العلوم الاجتماعية، بل واستحداث اقترابات ومناهج أخرى جديدة أكثر قدرة على فهم هذه الظواهر والإحاطة بها.
لقد كان اقتراب التحليل النظمي أحد أهم هذه الاقترابات المستحدثة في نطاق الدراسات السياسية التي بدأ في التبلور والظهور مع منتصف الخمسينيات. والحقيقة أن إدخال مفهوم تحليل النظم إلى نطاق دراسة الظواهر السياسية جاء متأخراً. كما لم يكن ذلك بطريقة مباشرة، بل جاء من خلال علماء الاجتماع من أمثال”بارسونز” parsons، و”هومانز” Hommans وغيرهم الذين قاموا بتطوير مفهوم النظام الاجتماعي، ومن خلالهم تمكن عدد لا بأس به من علماء السياسة من أمثال ايستون، المون، ميتشيل، أبتر، باي، وكولمان من تطوير واستخدام اقتراب النظم في الدراسات السياسية. فلم يرجع علماء السياسة إلى الكتابات الرئيسية في تحليل النظم إلى الأسس الفكرية والمنهجية المتمثلة في النظرية العامة للنظم General systems Theory، والتي تعود جذورها إلى أعمال البيولوجي”فون بيرتا لانفي” Bertalanffy في العشرينيات من هذا القرن.
وكتاباته اللاحقة عن بيولوجية التحليل العام للنظم الصادرة عامي 1949 و 1950، والتي تناولت الخصائص الرئيسية للأنظمة البيولوجية وإمكانية استخدامها في الدراسات الاجتماعية، وكذلك كتابات الفسيولوجي”كانون” Cannon، بصفة خاصة مؤلفه”حكمة الجسد” الصادر عام 1932، والتي كان لها أيضاً دوراً بارزاً في الحركة الفكرية التي استهدفت توحيد العلوم في اطار النظرية العامة للنظم.
ويرجع الفضل الأول في تطوير وادخال اقتراب التحليل النظمي إلى حقل العلوم السياسية إلى عالم السياسة الأمريكي”ديفيد ايستون” David Easton، ومن هنا لم يكن غريباً أن يطلق بعض دارسي العلوم السياسية على اقتراب التحليل النظمي”اقتراب ايستون”. جاء تطوير ايستون لاقتراب تحليل النظم في علم السياسة تدريجياً وعلى مراحل. ففي عام 1953، نشر اللبنات الأولى لمفهوم”النظام السياسي” في كتابه Political system، والتي تطورت بصورة واضحة في مقالته العلمية المنشورة بمجلة”World Politics” عام 1956، وبصورة أكثر وضوحاً في كتابه A system Analysis of Political Life الصادرة عام 1965. والذي يرى فيه ايستون وجوب تبسيط الحياة السياسية المعقدة المركبة، والنظر إليها تحليلياً على أساس آلي منطقي على أنها مجموعة من التفاعلات التي تتم في اطار النظام السياسي من ناحية، وبينه وبين بيئته من ناحية أخرى. فوفقاً لاقتراب النظم، تميل المجتمعات والجماعات إلى أن تكون كيانات مستمرة نسبياً تعمل في اطار بيئة أشمل. هذه الكيانات يمكن نعتها بصفة النظام نظراً لأنها تمثل مجموعة من العناصر أو المتغيرات المتداخلة وذات الاعتماد المتبادل فيما بينها، والتي يمكن تحديدها وقياسها. هذه الكيانات لها أيضاً حدود مميزة تفصلها عن بيئاتها، فضلاً عن أن كل منها يميل إلى الحفاظ على ذاته من خلال مجموعة من العمليات المختلفة، خاصة عندما يتعرض للاضطراب سواء من داخل أو خارج حدوده مع بيئته الأوسع.
يؤكد ايستون أن فكرة النظم كاطار تحليل بما تتضمنه من علاقات ومفاهيم نظرية لها دلالات تطبيقية، ومن ثم فهي تمثل نقطة بداية حقيقية في تطوير الدراسات السياسية. هذا الاطار التحليلي للنظام السياسي في أبسط صوره كما يراه ايستون لا يعدو أن يكون دائرة متكاملة ذات طابع ديناميكي من التفاعلات السياسية الموجهة بصفة أساسية نحو التخصيص السلطوي للقيم في المجتمع. تبدأ هذه الدائرة الديناميكية بالمدخلات وتنتهي بالمخرجات، وتقوم عملية التغذية الاسترجاعية بالربط بين نقطتي البداية والنهاية، أي بين المدخلات والمخرجات. ويوضح الشكل التالي نموذجاً مبسطاً لتفاعلات النظام السياسي كما قدمه ايستون.
أقام ايستون اطاره التحليلي للنظام السياسي على مجموعة من”الفروض” التي تقوم بدورها على مجموعة من المفاهيم المتعلقة بمجموعة من المتغيرات السياسية الهامة التي توضح الخصائص الرئيسية للنظام السياسي. وعلى ذلك يجدر بنا قبل التعرض لهذه الفروض أن نقدم لذلك بنبذة عن المفاهمي الأساسية التي يقوم عليها اقتراب تحليل النظم.
المفاهيم الأساسية لاقتراب التحليل النظمي
لعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا أن أهم سمة شكيلة يمكن ملاحظتها على اقتراب التحليل النظمي هو كثرة المفاهيم المستخدمة في التحليل. ويعلل ايستون ذلك بالاشارة إلى أنه إذا كان من الصعوبة بمكان الوصول إلى نظرية عامة وشاملة، فإنه يمكن الاستعاضة عن ذلك بتطوير مجموعة مترابطة منطقياً من المفاهيم في اطار متكامل وعلى درجة عالية من التجريد تمكن من القيام بالتحليل، وتوجيه الاهتمام نحو المحددات الرئيسية للسلوك السياسي. كل ذلك انطلاقاً من أن المفاهيم تشير إلى متغيرات واقع الحياة السياسية. أهم هذه المفاهيم هي: النظام، البيئة، الحدود، المدخلات، المخرجات، التحويل، التغذية الاسترجاعية. وفيما يلي نبذة عن كل من هذه المفاهيم.
النظام: System
يمثل النظام وحدة التحليل الرئيسية في اقتراب التحليل النظمي. ويعرف النظام بصفة عامة بأنه مجموعة من العناصر المتفاعلة والمترابطة وظيفياً مع بعضها البعض بشكل منتظم، بما يعنيه ذلك من أن التغير في أحد العناصر المكونة للنظام يؤثر على بقية العناصر. وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم النظام يتولد عنه مفهوم آخر هو مفهوم النظام الفرعي Sub-System، إذ أن النظام قد يعتبر نظاماً في حد ذاته، كما أنه قد يعتبر هو ذاته نظاماً فرعياً في اطار نظام أعلى مستوى منه.
ألا أن الأهم من ذلك هو أن التمييز بين الأنظمة، كالتمييز بين النظام السياسي والنظام الاقتصادي مثلاً، لا وجود له في الواقع العملي، بل لا يعدو أن يكون تمييزاً ذو طبيعة تحليلية. التحليل بإيجاز هو عملية تعريف وتقييم للأجزاء التي يتكون منها الكل بهدف إدراك لهذه الأجزاء كمكونات لكل مركب مع محاولة معرفة الضوابط التي تربط علاقاتها ببعضها البعض من جهة. والقوانين التي تحكم حركة وتطور الكل المركب من جهة أخرى.
وعلى ذلك يعرف النظام السياسي بأنه مجموعة من التفاعلات السياسية التي تحدث داخل أي مجتمع، والتي يتم بمقتضاها صنع السياسات العامة. ويتكون النظام السياسي من أربعة عناصر أساسية هي: المدخلات، التحويل، المخرجات، التغذية العكسية.
البيئة: Environment
يشير مفهوم البيئة لدى ايستون بصفة أساسية إلى كل ما هو خارج حدود النظام السياسي، بعبارة أخرى تشكل البيئة كل ما هو خارج إطار النظام السياسي ولا يدخل في مكوناته.
ولما كانت فكرة النظام السياسي لا تعدو أن تكون فكرة تحليلية، فإن الفصل التعسفي بين النظام السياسي والأنظمة الاجتماعية الاخرى لا وجود له، بما يعنيه ذلك من أن النظام السياسي يتأثر ببيئته من خلال مجموعة المدخلات ويؤثر عليها من خلال مجموعة المخرجات، وهو ما سوف يتم توضحيه بعد قليل.
الحدود: Boundaries
لما كان النظام السياسي لا يوجد في فراغ، بل في اطار بيئة، كان لا بد من الفصل التحليلي بين النظام السياسي وبيئته بوضع نقاط تصورية توضح مناطق انتهاء الأنظمة الأخرى وبدء حدود النظام السياسي. بعبارة أخرى هناك حدود للنظام السياسي يمكن تمييزها تحليلياً تفصله عن المحيط أو البيئة بمختلف جوانبها، وإن كان هذا لا يعني الغاء علاقات التأثير بين النظام السياسي وبيئته الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية.. الخ التي تتم عبر الحدود.
ويضيف الموند باول في اطار تطويرهم لاقتراب تحليل النظم ليتلاءم ودراسة المجتمعات الجديدة حديثة العهد بالاستقلال إلى أن الحدود بين النظام السياسي وبيئته تختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر، وتتأثر في ذلك بالأوضاع والقيم الاجتماعية والثقافية السائدة.

المدخلات: Inputs
تشتمل مدخلات النظام السياسي وفقاً لاقتراب التحليل النظمي على كل ما يتلقاه هذا النظام من بيئته. يلاحظ أن هناك ثمة اختلافات حول هذه المدخلات. فطبقاً لرأي ايستون(1956 – 1965) تشتمل مدخلات النظام السياسي على عنصرين رئيسيين فقط هما المطلب والتأييد. تشير الأولى إلى الرغبات الاجتماعية، خاصة تلك المتعلقة منها بكيفية توزيع القيم وتحقيق أهداف المجتمع، وهي في رأيه قد تكون عامة كما قد تكون محددة. وقد يكون التعبير عنها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وتشير الثانية إلى الاتجاهات والمواقف سواء المؤيد منها أو المعارض للنظام.
وتجدر الإشارة إلى أن الموند وباول في اطار دراستهم للبلدان النامية قد ميزوا بين أربعة وظائف رئيسية للنظام السياسي على مستوى المدخلات هي
وظيفة التنشئة السياسية والتجنيد السياسي Political Socialization and Recruitment، وهي العملية التي من خلالها يتم نقل ثقافة المجتمع عبر الأجيال من جيل إلى آخر. يتم ذلك بواسطة العديد من المؤسسات الاجتماعية كالأسرة، المدرسة، دور العبادة، أدوات الإعلام الجماهيري…الخ. أما وظيفة التجنيد السياسي، وهي وظيفة مرتبطة بالتنشئة السياسية، فمهمتها اسناد الأدوار السياسية إلى الأفراد بعد إكسابهم الخبرات والمهارات اللازمة للاطلاع بها. تتم هذه الوظيفة عن طريق مؤسسات سياسية كالأحزاب والنقابات.
وظيفة التعبير عن المصالح Interest Articulation، حيث تقوم الجماعات المختلفة داخل النظام بالتعبير عن مصالحها، ويفترض أن يتم ذلك من خلال القنوات الشرعية للتعبير عن المطالب، إلا أنه كثيراً ما يتم التعبير عن هذه المصالح من خلال القنوات غير الشرعية وغالباً ما يتم ذلك باستخدام العنف، الأمر الذي لا شك يؤثر على مدى استقرار النظام.
وظيفة تجميع المصالح: Interest Aggregation، ويقصد بها بلورة المطالب والموالفة بينها وتكتيلها لتقدم في شكل مقترحات تعرض على صانعي القرار. وبديهي أن وجود أبنية تقوم بتجميع المصالح كالأحزاب يخفف كثير من العبء على صانعي القرار، وبالتالي يزيد من القدرة الاستجابية للنظام السياسي.
وظيفة الاتصال السياسي، وهي وظيفة تقوم بها أجهزة الإعلام وجماعات الضغط والمصالح، وتلعب دوراً في توفير الاتصال الفعال الذي يتيح للنظام السياسي القيام بوظائفه المختلفة بصورة أيسر.
أما وليم متشل W.Mitchel(1962) في اطار تطويره لنموذج ايستون أضاف عنصراً ثالثاً إلى عنصري المدخلات السابق الإشارة إليها، وهو عنصر الموارد بمختلف أشكالها، والحقيقة أن هذا العنصر يمثل إضافة حقيقية لافتقاد نموذج ايستون له.
المخرجات: Outputs
عرفها ايستون بأنها مجموعة القرارات والأفعال والتصرفات التي يقوم بها النظام وتكون لها الصفة الإلزامية، ويتم بمقتضاها التخصيص السلطوي للقيم في المجتمع.
وبنفس الصورة وعلى غرار تقسيم المدخلات إلى مجموعة من الوظائف كما سبقت الإشارة، ميز الموند وباول ثلاثة وظائف رئيسية على مستوى المخرجات هي:
وظيفة صنع القرار Rule-making، بما يعنيه ذلك من وضع السياسات واتخاذ القرارات، ويتم ذلك من خلال السلطة التشريعية بالأساس.
وظيفة تنفيذ القواعد Rule-application، بما يعنيه ذلك من تطبيق القواعد والقرارات، ويتم ذلك بواسطة الجهاز الإداري والسلطة التنفيذية.
وظيفة التقاضي حول القواعد Rule-adjudication، بما يتطلبه من إصدار الأحكام القضائية الملزمة في حالة التنازع حول القواعد.
التحويل: Conversion
تتمثل هذه العملية في مجموعة الأنشطة والتفاعلات التي يقوم بها النظام ويحول عن طريقها مدخلاته من موارد ومطالب وتأييد إلى مخرجات، أي قرارات وسياسات تصدر عن أبنية النظام السياسي. التحويل هو بمثابة غربلة للمدخلات. وعلى عكس مفهومي المدخلات والمخرجات اللذان يمثلان عمليات تبادلية بين النظام السياسي من جهة وبيئتيه المحيطة من جهة أخرى، فإن عملية التحويل لا تعدو أن تكون عملية داخلية تتم في إطار النظام ذاته.
التغذية استرجاعية: Feedback
يقصد بها كافة عمليات التأثير الاسترجاعي للمخرجات على المدخلات، ويتم ذلك من خلال ما تحدثه المخرجات على البيئة من آثار سلباً أو إيجاباً ويكون لها تأثيرها في ذات الوقت على المدخلات. بعبارة أخرى، التغذية الاسترجاعية هي عملية يتم بمقتضاها تدفق المعلومات من البيئة إلى النظام السياسي من جديد في شكل مدخلات عن نتائج قراراته وأفعاله. التغذية الاسترجعاية بهذا المعنى تربط مدخلات النظام السياسي بمخرجاته، ومخرجاته بمدخلاته، وتعطي في ذات الوقت الطابع الديناميكي المستمر للنظام.
وتجدر الإشارة إلى أنه وفقاً لنموذج ايستون لتحليل النظم، فإن التغذية الاسترجاعية تمثل عملية هامة وحيوية لبقاء النظام واستمراره. إن علم النظام بمدى الاستجابة لقراراته وسياساته يجعله قادراً إما على المضي في طريقه بانتهاج نفس السياسة أو تعديلها، أو حتى التخلي عنها كلية، وهو ما يسميه ايستون بالتغذية الاسترجاعية الفعالة التي تضمن الاستجابة الفعالة للنظام، وإلا تعرض وجوده للخطر حال افتقادها.
بعد هذه النبذة عن أهم المفاهيم في اطار اقتراب التحليل النظمي، تجدر الإشارة إلى أن هناك ثمة مجموعة من المفاهيم الأخرى. فبعض هذه المفاهيم يوضح الخطوط العريضة لأبنية وحركة النظم مثل وصف النظام بأنه مغلق أو مفتوح. ومنها ما يدور حول المستوى الهيراركي مثل النظام الفرعي. ومنها ما يتناول جوانب التنظيم الداخل للنظم مثل مفاهيم التكامل، والاعتماد المتبادل، والتكيف، والتعلم، والنمو، والتدهور، والأزمة، والانهيار، والحمل المتعدي. كما أن منها كذلك مفاهيم تتبلور حول ضبط وتنظيم وبقاء النظام مثل مفهومي الاستقرار والتوازن.
الفروض الأساسية التي يرتكز عليها الاقتراب
يرتكز اقتراب تحليل النظم كما قدمه ايستون على مجموعة من الافتراضات لعل أهمها
(1) العملية السياسية عملية آلية ديناميكية
يفترض اقتراب التحليل النظمي أن التفاعلات السياسية بين مكونات النظام المختلفة وبعضها البعض من ناحية، وبينها وبين معطيات البيئة المحيطة تتم بصورة آلية ديناميكية. هذه الآلية والديناميكية تحكم عملية تحليل النظام السياسي وتوجهها. بعبارة أخرى، يبرز اقتراب تحليل النظم كما قدمه ايستون الطابع الديناميكي الحركي للنظام السياسي من خلال التأكيد على التفاعل بين النظام بأنظمته الفرعية والبيئية بأنظمتها المختلفة.
(2) النظام السياسي نظام مفتوح يؤثر ويتأثر بالأنظمة الأخرى
نقطة البداية في التحليل النظري لدى ايستون تفترض أن التفاعلات السياسية في اطار النظام السياسي تتم استجابة للتأثيرات البيئة. النظام السياسي بطبيعته كنظام اجتماعي قد فصل تحليلياً عن الأنظمة الاجتماعية الاخرى المشكلة للبيئة، إن ما يجعل تحديد هذه البيئة بمختلف مكوناتها أمر هام حيوي هو الافتراض الذي ينظر إلى الحياة السياسية على أنها

تشكل نظام مفتوح عرضة للتأثر بالبيئة المحيطة، وإن كان هو الآخر يؤثر فيها بدوره. وطالما أن الحياة السياسية تفهم على أنها نظام مفتوح، فإن المطالب، كما يرى ايستون، تقدم لنا أحد المفاتيح الرئيسية لفهم الطرق التي من خلالها تحدث البيئة الكلية انطباعها على عمليات النظام وعلى مخرجاته.
(3) النظام يقوم بمجموعة من الوظائف لا بد منها لاستمراره
إن ما يعطي قيمة للدراسة التحليلية للحياة السياسية كنظام سلوكي كما ينظر إليه اقتراب تحليل النظم هو التساؤل الذي يثور حول كيف أن الأنظمة السياسية تستمر في عالم يتضمن عناصر التغير كما يتضمن عناصر الاستقرار. يقول ايستون أن محاولة الإجابة على هذا التساؤل كشفت ما أسماه”دورة حياة الأنظمة السياسية”، والتي تتبلور حول مجموعة من الوظائف الهامة والحيوية التي بدونها لا يستطيع أي نظام سياسي أن يستمر وأن يحافظ على بقاؤه.
(4) البيئة تفرض على النظام ضغوطاً
على الرغم من أن البيئة بمختلف جوانبها تمثل مشكلة تحليلية خطيرة، إلا أن ايستون أ كد على أنه يمكن إلى حد كبير تبسيط الأمور فيما يتعلق بتحليل أثر البيئة إذا ما تم تركيز الاهتمام حول مجموعة من المدخلات التي يمكن استخدامها كمؤشرات تلخص المؤثرات الأكثر أهمية من حيث مدى إسهامها في خلق التوتر والضغوط التي تعبر الحدود من البيئة إلى داخل السياسي بالتركيز على مدخلين رئيسيين: المطالب، التأييد.
المطالب تفرض على النظام السياسي إذن ضغوطاً، لا بد له من أن يستجيب لها بصورة أو بأخرى. يرجع ذلك إلى أن عدم اشباع المطالب والرغبات الجماهيرية يترتب عليه تزايد الإحساس بعدم الرضى عن النظام السياسي، ومن ثم يقل الدعم والتأييد له.
الضغوط كمفهوم تشير إلى التأثيرات القادمة من البيئة نحو النظام. وإن كان ايستون يرى أنه ليست كل هذه التأثيرات البيئية تمثل توتراً وضغوطاً على النظام. فبعضها قد يلعب دوراً إيجابياً في استمرار النظام، بينما بعضها الآخر قد يكون محايداً فيما يتعلق بأحداث التواترات والضغوط، إلا أن الغالبية من هذه التأثيرات يتوقع أن تعمل في اتجاه إحداث التوترات والضغوط على النظام.
(5) النظام السياسي نظام تكيفي
يعتقد ايستون أن القدرة الحقيقية لبعض الأنظمة على الاستقرار والبقاء رغم الضغوط والتوترات غير العادية التي تتعرض لها من بيئاتها يحمل على الاعتقاد في الحقيقية أن هذه الأنظمة تمتلك بالضرورة مقدرات للاستجابة في مواجهة هذه الضغوط والتوترات. وعليه فهو يفترض أن النظام السياسي هو نظام تكيفي ويقوم في الواقع بأكثر من مجرد رد الفعل بصورة سلبية للتأثيرات البيئية.
العلاقات الأساسية التي يطرحها الاقتراب
يطرح اقتراب التحليل النظمي مجموعة من العلاقات الأساسية بين العناصر أو المتغيرات التي يتكون منها النظام السياسي من ناحية، وبينها وبين البيئة الخارجية المحيطة عبر الحدود التي تفصلها عن غيره من النظم الاجتماعية الأخرى من ناحية أخرى.
يذهب ايستون إلى أنه ما أن يوجد النظام السياسي بحدوده وأنظمته الفرعية حتى نجد أن هناك مجموعة من العلاقات القائمة بين الأنظمة المختلفة باعتبار أنها أنظمة مفتوحة تتعرض لتأثيرات من بعضها البعض. فالواقع أنه ليست هناك ثمة أنظمة اجتماعية، وبينها الأنظمة السياسية بالطبع، يمكن أن تكون معزولة تماماً عن البيئة المحيطة. وعلى ذلك فإن التحليل النظمي يجب أن يركز جل اهتمامه بدراسة العلاقات عبر الحدود بين الأنظمة وبين المدخلات والمخرجات. وعلى الرغم من أنه ليس هناك ثمة

اتفاق بين دارسي السياسة حول التسميات المتعلقة بالمفاهيم في هذا الخصوص، إذ كما سبق ورأينا أن ايستون على سبيل المثال يرى مدخلات النظام السياسي من البيئة بمختلف أنظمتها الرئيسية والفرعية تتمثل فقط في المطالب والتأييد، باعتبارهما المؤشرين الرئيسيين للطريقة التي تؤثر بها العوامل البيئية في تشكيل وإعادة تشكيل عمليات النظام السياسي، يرى الموند وكولمان مزيداً من التحديد لهذه المدخلات، على النحو السابق الإشارة إليها، كما يضيف ميتشيل عنصر الموارد كعنصر ثالث.
وعلى الرغم من أن هذه المفاهيم المتعددة تتفاوت، إلا أنها تتشابه إلى حد كبير من حيث مدلولاتها بخصوص ما يتم تبادله وانتقاله عبر الحدود بين النظام السياسي بأنظمته الفرعية ومختلف الأنظمة البيئية الأخرى. فعندما يشير ايستون أو الموند أو ميتشيل إلى المطالب أو التعبير عن المصالح أو تجميعها، فإنهم يشيرون إلى ظاهرة أمبريقية تتعلق بما يلي: من يطلب؟ ماذا؟ من من؟ كيف متى، وبأي النتائج على المشاركين وعلى النظام؟
ولكي يوضح ايستون عملية تنظيم المصالح المختلفة، اقترح بناء نموذج لمسارات هذه المطالب منذ اللحةظ الأولى لدخولها إلى النظام السياسي مروراً بمسارها نحو نقطة الخروج كسياسات وقرارات ملزمة. وعلى الرغم من اعتراف ايستون بأن التحليل النهائي لكل نظام سوف يكون فريداً، كما أن مسار المطالب سوف يكون أيضاً، إلا أنه يرى مع ذلك إمكانية التجريد في اطار تعددية الواقع لنموذج نمطي لشبكة المطالب في كل الأنظمة السياسية منذ اللحظة التي تولد فيها المطالب في شكل رغبة أو شعور أو حاجة غامضة، إلى اللحظة التي تجد فيها طريقها في النهاية عند مواضع مختلفة من القرارات السياسية. أطلق ايستون على هذا النموذج”نموذج تدفق المطالب”، والذي يمكن توضيحه في الشكل التالي
المعضلات التي يحاول الاقتراب حلها
(1) إمكانية التحليل
يختلف مفهوم ايستون عن النظام السياسي كما هو مستخدم في اقتراب تحليل النظم عن مهفوم علماء السياسة السابقين عليه في أنه يركز على الجانب التحليلي، بينما كان هؤلاء العلماء يركزون على الجانب المؤسسي القانوني. يرتبط بذلك ما أدخله اقتراب تحليل النظم من مفاهيم جديدة إلى حقل الدراسات السياسية، والتي تمت استعارتها لا فقط من العلوم الاجتماعية الأخرى كعلم الاجتماع وعلم النفس، بل أيضاً من العلوم الطبيعية، الأمر الذي لا شك كان له أكبر الأثر في إثراء العلوم السياسية.
يرتبط بذلك أيضاً شمول التحليل لمختلف عناصر النظام السياسي، بما يعنيه ذلك من كافة العمليات المتمثلة في المدخلات والمخرجات. الشمول أيضاً يعني عدم اقتصار النظام السياسي على المؤسسات الحكومية الرسمية كالسلطات الثلاث، أو على الأحزاب السياسية والجماعات الضاغطة، إنه يتسع مع الاطار التحليلي الجديد ليشمل مختلف الجماعات

والقطاعات التي تلعب دوراً مؤثراً، أو يمكنها أن تلعب دوراً مؤثراً في الحياة السياسية سواء في ذلك أكانت مع أو ضد النظام، مشروعة أم غير مشروعة كالاضرابات والمظاهرات.
أضف إلى ذلك أن اقتراب تحليل النظم كاستراتيجية عامة أو اطار تحليلي لدراسة الظاهرة السياسية أو الاجتماعية يحدد نقاط تركيز للدراسة، كما يحدد كيفية معالجة الموضوع أو الاقتراب منه، كما يقوم بتحديد وحدات التحليل المستخدمة. فضلاً عن ذلك فإن أهمية اقتراب تحليل النظم في الدراسات السياسية ترجع غلى أن عدد لا بأس به من الاقترابات الأخرى المتسخدمة في التحليل السياسي، كالاقتراب البنائي – الوظيفي والاقتراب الاتصالي تعتمد في مفاهيمها وأساسياتها على اقتراب تحليل النظم.
(2) إمكانية القياس
مع اقتراب تحليل النظم، لم يعد علماء السياسة يهتمون فقط بمجرد مقارنة الأنظمة عن طريق وجود أو عدم وجود خاصية، بل أكثر من ذلك القياس الدقيق لخصائص محددة. ويرجع ذلك بالأساس إلى الطبيعة التحليلية السلوكية لعلم السياسة، والقائمة على مجموعة كبيرة من المفاهيم التي يمكن الاستدلال عليها من خلال مجموعة من المؤشرات التي يسهل قياسها.
(3) إمكانية المقارنة
اقتراب تحليل النظم أفاد كثيراً في مجال دراسات المقارنة، لا سيما بعد تطويره على يد الموند وباول. فلما كان النظام السياسي بأبنيته المختلفة، والتي تتفاوت في بساطتها وتعقيداتها وفي درجة رقيها وتقدمها يمثل ظاهرة عالمية توجد في كل المجتمعات، حتى البسيط منها، باعتبار أنها تمتلك شكلاً أو آخر من أشكال الأبنية السياسية، فإن إمكانية المقارنة بين النظم السياسية تصير ممكنة على أساس مجموعة من الأبعاد. من هذه

الأبعاد: مدى تعقد وتمايز هذه الأبنية، مدى التخصص الوظيفي لهذه الأبنية، مدى قدرة هذه الأبنية على القيام بالوظائف الموكولة إليها… إلخ.
بعبارة أخرى، كانت من نتيجة اكتشاف وظائف مشابهة أو نمطية في كل نظام سياسي، تاريخي أو معاصر، أضحى من الممكن الدراسة المقارنة للطربقة أو الطرق التي من خلالها يقوم النظام بأداء هذه الوظائف في ظل ظروف مختلفة لكل نظام. وهو الأمر الذي أضحى معه علم السياسة في وضع يمكن من الوصول إلى تعميمات تتعدى خبرة أي نظام سياسي واحد، أو أنظمة أخرى تنتمي لثقافة أو حضارة واحدة، بما يعنيه ذلك من إمكانية تقدم الدراسات المقارنة.
الانتقادات الموجهة إلى اقتراب تحليل النظم
بعد العرض السابق للجوانب الإيجابية التي أضافها اقتراب التحليل النظمي إلى حقل الدراسات السياسية، تجدر الإشارة في ختام هذا البحث إلى أهم الانتقادات التي تعرض لها الاقتراب. لعل أول الانتقادات التي وجهت إلى اقتراب تحليل النظم في الدراسات السياسية كما قدمه ايستون هو المحافظة والتحيز للوضع القائم. فالاقتراب يعطي اهتمام مبالغ فيه للاستقرار كيقمة عليا تسيطر على سلوك النظام. حتى وإن كان الاستقرار المقصود لا يفترض الجمود، بل يفترض التغيير المنظم الذي يطرأ على البيئة أو النظام أو كليهما استجابة للمطالب، إلا أنه لا يضمن التغير الثوري بما يعنيه ذلك من تحول جذري شامل للنظام السياسي، وهو الأمر الذي لا موضع له في اقتراب النظم.
الاقتراب يجعل من استمرار النظام والأمر الواقع في حد ذاته كهدف، ويعطي جل اهتمامه وتركيزه بالبحث عن مقومات استمرار النظام وتدعيمه وليس عن عوامل تغييره وتطويره. بعبارة أخرى يكشف عن عناصر الاستمرارية والاستقرارية في النظام، دون أن يستطيع تفسير كيف

ولماذا يتطور النظام من وضع إلى آخر بصورة دقيقة. ومن هنا يوجه البعض انتقاداً إلى الاقتراب باعتبار أن أغلب الدراسات التي اتبعته انتهت إلى نتائج محافظة أو مؤيدة للأمر الواقع.
هناك أيضاً انتقاد آخر يوجه إلى اقتراب تحليل النظم كما صاغه ايستون، يتمثل في التناول السريع والمبهم للعملية التحويلية. هذه العملية التي تتمثل في مجموعة الأنشطة والتفاعلات الداخلية التي يقوم بها النظام والتي بمقتضاه تتحول مدخلات النظام إلى مخرجات. اكتفى ايستون بالإشارة إلى أن هذه العملية التحويلية تحدث داخل النظام دون أن يذكر لنا بوضوح الأبنية التي تقوم بها وكيفية القيام بها. ومع ذلك يمكن القول أن وظائف النظام على مستوى المخرجات كما صاغها الموند وباول تتدارك ذلك بعض الشيء.
وحتى بعد التعديلات التي أدخلت على نموذج ايستون لتحليل النظم، فإن الاقتراب لا يزال توجه إليه الانتقادات لا سيما فيما يتعلق بصعوبة التحويل الإجرائي لكثير من المفاهيم الجديدة التي جاء بها الاقتراب، لتصبح قابلة للقياس، ومن ثم اختبار العروض وإجراء الدراسات. ولعل الصعوبات التطبيقية التي اعترضت محاولات استخدام الاقتراب، لا سيما في مجال دراسات العلاقات الدولية والنظام الدولي، أصدق دليل على ذلك

اقتراب تحليل النظم في علم السياسه

كاتب الموضوع الأصلي: ثامر المطلب4

شهد حقل العلوم السياسية تطوراً محلوظاً في أعقاب الحرب العالمية الثانية عجزت معه العلوم السياسية بمناهجها التقليدية عن استيعابه والإحاطة بمختلف الظواهر السياسية الجديدة المصاحبة له، الأمر الذي برزت معه حاجة ملحة لتطوير مناهج البحث في هذا الفرع من أفرع العلوم الاجتماعية، بل واستحداث اقترابات ومناهج أخرى جديدة أكثر قدرة على فهم هذه الظواهر والإحاطة بها.
لقد كان اقتراب التحليل النظمي أحد أهم هذه الاقترابات المستحدثة في نطاق الدراسات السياسية التي بدأ في التبلور والظهور مع منتصف الخمسينيات. والحقيقة أن إدخال مفهوم تحليل النظم إلى نطاق دراسة الظواهر السياسية جاء متأخراً. كما لم يكن ذلك بطريقة مباشرة، بل جاء من خلال علماء الاجتماع من أمثال”بارسونز” parsons، و”هومانز” Hommans وغيرهم الذين قاموا بتطوير مفهوم النظام الاجتماعي، ومن خلالهم تمكن عدد لا بأس به من علماء السياسة من أمثال ايستون، المون، ميتشيل، أبتر، باي، وكولمان من تطوير واستخدام اقتراب النظم في الدراسات السياسية. فلم يرجع علماء السياسة إلى الكتابات الرئيسية في تحليل النظم إلى الأسس الفكرية والمنهجية المتمثلة في النظرية العامة للنظم General systems Theory، والتي تعود جذورها إلى أعمال البيولوجي”فون بيرتا لانفي” Bertalanffy في العشرينيات من هذا القرن.
وكتاباته اللاحقة عن بيولوجية التحليل العام للنظم الصادرة عامي 1949 و 1950، والتي تناولت الخصائص الرئيسية للأنظمة البيولوجية وإمكانية استخدامها في الدراسات الاجتماعية، وكذلك كتابات الفسيولوجي”كانون” Cannon، بصفة خاصة مؤلفه”حكمة الجسد” الصادر عام 1932، والتي كان لها أيضاً دوراً بارزاً في الحركة الفكرية التي استهدفت توحيد العلوم في اطار النظرية العامة للنظم.
ويرجع الفضل الأول في تطوير وادخال اقتراب التحليل النظمي إلى حقل العلوم السياسية إلى عالم السياسة الأمريكي”ديفيد ايستون” David Easton، ومن هنا لم يكن غريباً أن يطلق بعض دارسي العلوم السياسية على اقتراب التحليل النظمي”اقتراب ايستون”. جاء تطوير ايستون لاقتراب تحليل النظم في علم السياسة تدريجياً وعلى مراحل. ففي عام 1953، نشر اللبنات الأولى لمفهوم”النظام السياسي” في كتابه Political system، والتي تطورت بصورة واضحة في مقالته العلمية المنشورة بمجلة”World Politics” عام 1956، وبصورة أكثر وضوحاً في كتابه A system Analysis of Political Life الصادرة عام 1965. والذي يرى فيه ايستون وجوب تبسيط الحياة السياسية المعقدة المركبة، والنظر إليها تحليلياً على أساس آلي منطقي على أنها مجموعة من التفاعلات التي تتم في اطار النظام السياسي من ناحية، وبينه وبين بيئته من ناحية أخرى. فوفقاً لاقتراب النظم، تميل المجتمعات والجماعات إلى أن تكون كيانات مستمرة نسبياً تعمل في اطار بيئة أشمل. هذه الكيانات يمكن نعتها بصفة النظام نظراً لأنها تمثل مجموعة من العناصر أو المتغيرات المتداخلة وذات الاعتماد المتبادل فيما بينها، والتي يمكن تحديدها وقياسها. هذه الكيانات لها أيضاً حدود مميزة تفصلها عن بيئاتها، فضلاً عن أن كل منها يميل إلى الحفاظ على ذاته من خلال مجموعة من العمليات المختلفة، خاصة عندما يتعرض للاضطراب سواء من داخل أو خارج حدوده مع بيئته الأوسع.
يؤكد ايستون أن فكرة النظم كاطار تحليل بما تتضمنه من علاقات ومفاهيم نظرية لها دلالات تطبيقية، ومن ثم فهي تمثل نقطة بداية حقيقية في تطوير الدراسات السياسية. هذا الاطار التحليلي للنظام السياسي في أبسط صوره كما يراه ايستون لا يعدو أن يكون دائرة متكاملة ذات طابع ديناميكي من التفاعلات السياسية الموجهة بصفة أساسية نحو التخصيص السلطوي للقيم في المجتمع. تبدأ هذه الدائرة الديناميكية بالمدخلات وتنتهي بالمخرجات، وتقوم عملية التغذية الاسترجاعية بالربط بين نقطتي البداية والنهاية، أي بين المدخلات والمخرجات. ويوضح الشكل التالي نموذجاً مبسطاً لتفاعلات النظام السياسي كما قدمه ايستون.
أقام ايستون اطاره التحليلي للنظام السياسي على مجموعة من”الفروض” التي تقوم بدورها على مجموعة من المفاهيم المتعلقة بمجموعة من المتغيرات السياسية الهامة التي توضح الخصائص الرئيسية للنظام السياسي. وعلى ذلك يجدر بنا قبل التعرض لهذه الفروض أن نقدم لذلك بنبذة عن المفاهمي الأساسية التي يقوم عليها اقتراب تحليل النظم.
المفاهيم الأساسية لاقتراب التحليل النظمي
لعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا أن أهم سمة شكيلة يمكن ملاحظتها على اقتراب التحليل النظمي هو كثرة المفاهيم المستخدمة في التحليل. ويعلل ايستون ذلك بالاشارة إلى أنه إذا كان من الصعوبة بمكان الوصول إلى نظرية عامة وشاملة، فإنه يمكن الاستعاضة عن ذلك بتطوير مجموعة مترابطة منطقياً من المفاهيم في اطار متكامل وعلى درجة عالية من التجريد تمكن من القيام بالتحليل، وتوجيه الاهتمام نحو المحددات الرئيسية للسلوك السياسي. كل ذلك انطلاقاً من أن المفاهيم تشير إلى متغيرات واقع الحياة السياسية. أهم هذه المفاهيم هي: النظام، البيئة، الحدود، المدخلات، المخرجات، التحويل، التغذية الاسترجاعية. وفيما يلي نبذة عن كل من هذه المفاهيم.
النظام: System
يمثل النظام وحدة التحليل الرئيسية في اقتراب التحليل النظمي. ويعرف النظام بصفة عامة بأنه مجموعة من العناصر المتفاعلة والمترابطة وظيفياً مع بعضها البعض بشكل منتظم، بما يعنيه ذلك من أن التغير في أحد العناصر المكونة للنظام يؤثر على بقية العناصر. وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم النظام يتولد عنه مفهوم آخر هو مفهوم النظام الفرعي Sub-System، إذ أن النظام قد يعتبر نظاماً في حد ذاته، كما أنه قد يعتبر هو ذاته نظاماً فرعياً في اطار نظام أعلى مستوى منه.
ألا أن الأهم من ذلك هو أن التمييز بين الأنظمة، كالتمييز بين النظام السياسي والنظام الاقتصادي مثلاً، لا وجود له في الواقع العملي، بل لا يعدو أن يكون تمييزاً ذو طبيعة تحليلية. التحليل بإيجاز هو عملية تعريف وتقييم للأجزاء التي يتكون منها الكل بهدف إدراك لهذه الأجزاء كمكونات لكل مركب مع محاولة معرفة الضوابط التي تربط علاقاتها ببعضها البعض من جهة. والقوانين التي تحكم حركة وتطور الكل المركب من جهة أخرى.
وعلى ذلك يعرف النظام السياسي بأنه مجموعة من التفاعلات السياسية التي تحدث داخل أي مجتمع، والتي يتم بمقتضاها صنع السياسات العامة. ويتكون النظام السياسي من أربعة عناصر أساسية هي: المدخلات، التحويل، المخرجات، التغذية العكسية.
البيئة: Environment
يشير مفهوم البيئة لدى ايستون بصفة أساسية إلى كل ما هو خارج حدود النظام السياسي، بعبارة أخرى تشكل البيئة كل ما هو خارج إطار النظام السياسي ولا يدخل في مكوناته.
ولما كانت فكرة النظام السياسي لا تعدو أن تكون فكرة تحليلية، فإن الفصل التعسفي بين النظام السياسي والأنظمة الاجتماعية الاخرى لا وجود له، بما يعنيه ذلك من أن النظام السياسي يتأثر ببيئته من خلال مجموعة المدخلات ويؤثر عليها من خلال مجموعة المخرجات، وهو ما سوف يتم توضحيه بعد قليل.
الحدود: Boundaries
لما كان النظام السياسي لا يوجد في فراغ، بل في اطار بيئة، كان لا بد من الفصل التحليلي بين النظام السياسي وبيئته بوضع نقاط تصورية توضح مناطق انتهاء الأنظمة الأخرى وبدء حدود النظام السياسي. بعبارة أخرى هناك حدود للنظام السياسي يمكن تمييزها تحليلياً تفصله عن المحيط أو البيئة بمختلف جوانبها، وإن كان هذا لا يعني الغاء علاقات التأثير بين النظام السياسي وبيئته الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية.. الخ التي تتم عبر الحدود.
ويضيف الموند باول في اطار تطويرهم لاقتراب تحليل النظم ليتلاءم ودراسة المجتمعات الجديدة حديثة العهد بالاستقلال إلى أن الحدود بين النظام السياسي وبيئته تختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر، وتتأثر في ذلك بالأوضاع والقيم الاجتماعية والثقافية السائدة.

المدخلات: Inputs
تشتمل مدخلات النظام السياسي وفقاً لاقتراب التحليل النظمي على كل ما يتلقاه هذا النظام من بيئته. يلاحظ أن هناك ثمة اختلافات حول هذه المدخلات. فطبقاً لرأي ايستون(1956 – 1965) تشتمل مدخلات النظام السياسي على عنصرين رئيسيين فقط هما المطلب والتأييد. تشير الأولى إلى الرغبات الاجتماعية، خاصة تلك المتعلقة منها بكيفية توزيع القيم وتحقيق أهداف المجتمع، وهي في رأيه قد تكون عامة كما قد تكون محددة. وقد يكون التعبير عنها بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وتشير الثانية إلى الاتجاهات والمواقف سواء المؤيد منها أو المعارض للنظام.
وتجدر الإشارة إلى أن الموند وباول في اطار دراستهم للبلدان النامية قد ميزوا بين أربعة وظائف رئيسية للنظام السياسي على مستوى المدخلات هي
وظيفة التنشئة السياسية والتجنيد السياسي Political Socialization and Recruitment، وهي العملية التي من خلالها يتم نقل ثقافة المجتمع عبر الأجيال من جيل إلى آخر. يتم ذلك بواسطة العديد من المؤسسات الاجتماعية كالأسرة، المدرسة، دور العبادة، أدوات الإعلام الجماهيري…الخ. أما وظيفة التجنيد السياسي، وهي وظيفة مرتبطة بالتنشئة السياسية، فمهمتها اسناد الأدوار السياسية إلى الأفراد بعد إكسابهم الخبرات والمهارات اللازمة للاطلاع بها. تتم هذه الوظيفة عن طريق مؤسسات سياسية كالأحزاب والنقابات.
وظيفة التعبير عن المصالح Interest Articulation، حيث تقوم الجماعات المختلفة داخل النظام بالتعبير عن مصالحها، ويفترض أن يتم ذلك من خلال القنوات الشرعية للتعبير عن المطالب، إلا أنه كثيراً ما يتم التعبير عن هذه المصالح من خلال القنوات غير الشرعية وغالباً ما يتم ذلك باستخدام العنف، الأمر الذي لا شك يؤثر على مدى استقرار النظام.
وظيفة تجميع المصالح: Interest Aggregation، ويقصد بها بلورة المطالب والموالفة بينها وتكتيلها لتقدم في شكل مقترحات تعرض على صانعي القرار. وبديهي أن وجود أبنية تقوم بتجميع المصالح كالأحزاب يخفف كثير من العبء على صانعي القرار، وبالتالي يزيد من القدرة الاستجابية للنظام السياسي.
وظيفة الاتصال السياسي، وهي وظيفة تقوم بها أجهزة الإعلام وجماعات الضغط والمصالح، وتلعب دوراً في توفير الاتصال الفعال الذي يتيح للنظام السياسي القيام بوظائفه المختلفة بصورة أيسر.
أما وليم متشل W.Mitchel(1962) في اطار تطويره لنموذج ايستون أضاف عنصراً ثالثاً إلى عنصري المدخلات السابق الإشارة إليها، وهو عنصر الموارد بمختلف أشكالها، والحقيقة أن هذا العنصر يمثل إضافة حقيقية لافتقاد نموذج ايستون له.
المخرجات: Outputs
عرفها ايستون بأنها مجموعة القرارات والأفعال والتصرفات التي يقوم بها النظام وتكون لها الصفة الإلزامية، ويتم بمقتضاها التخصيص السلطوي للقيم في المجتمع.
وبنفس الصورة وعلى غرار تقسيم المدخلات إلى مجموعة من الوظائف كما سبقت الإشارة، ميز الموند وباول ثلاثة وظائف رئيسية على مستوى المخرجات هي:
وظيفة صنع القرار Rule-making، بما يعنيه ذلك من وضع السياسات واتخاذ القرارات، ويتم ذلك من خلال السلطة التشريعية بالأساس.
وظيفة تنفيذ القواعد Rule-application، بما يعنيه ذلك من تطبيق القواعد والقرارات، ويتم ذلك بواسطة الجهاز الإداري والسلطة التنفيذية.
وظيفة التقاضي حول القواعد Rule-adjudication، بما يتطلبه من إصدار الأحكام القضائية الملزمة في حالة التنازع حول القواعد.
التحويل: Conversion
تتمثل هذه العملية في مجموعة الأنشطة والتفاعلات التي يقوم بها النظام ويحول عن طريقها مدخلاته من موارد ومطالب وتأييد إلى مخرجات، أي قرارات وسياسات تصدر عن أبنية النظام السياسي. التحويل هو بمثابة غربلة للمدخلات. وعلى عكس مفهومي المدخلات والمخرجات اللذان يمثلان عمليات تبادلية بين النظام السياسي من جهة وبيئتيه المحيطة من جهة أخرى، فإن عملية التحويل لا تعدو أن تكون عملية داخلية تتم في إطار النظام ذاته.
التغذية استرجاعية: Feedback
يقصد بها كافة عمليات التأثير الاسترجاعي للمخرجات على المدخلات، ويتم ذلك من خلال ما تحدثه المخرجات على البيئة من آثار سلباً أو إيجاباً ويكون لها تأثيرها في ذات الوقت على المدخلات. بعبارة أخرى، التغذية الاسترجاعية هي عملية يتم بمقتضاها تدفق المعلومات من البيئة إلى النظام السياسي من جديد في شكل مدخلات عن نتائج قراراته وأفعاله. التغذية الاسترجعاية بهذا المعنى تربط مدخلات النظام السياسي بمخرجاته، ومخرجاته بمدخلاته، وتعطي في ذات الوقت الطابع الديناميكي المستمر للنظام.
وتجدر الإشارة إلى أنه وفقاً لنموذج ايستون لتحليل النظم، فإن التغذية الاسترجاعية تمثل عملية هامة وحيوية لبقاء النظام واستمراره. إن علم النظام بمدى الاستجابة لقراراته وسياساته يجعله قادراً إما على المضي في طريقه بانتهاج نفس السياسة أو تعديلها، أو حتى التخلي عنها كلية، وهو ما يسميه ايستون بالتغذية الاسترجاعية الفعالة التي تضمن الاستجابة الفعالة للنظام، وإلا تعرض وجوده للخطر حال افتقادها.
بعد هذه النبذة عن أهم المفاهيم في اطار اقتراب التحليل النظمي، تجدر الإشارة إلى أن هناك ثمة مجموعة من المفاهيم الأخرى. فبعض هذه المفاهيم يوضح الخطوط العريضة لأبنية وحركة النظم مثل وصف النظام بأنه مغلق أو مفتوح. ومنها ما يدور حول المستوى الهيراركي مثل النظام الفرعي. ومنها ما يتناول جوانب التنظيم الداخل للنظم مثل مفاهيم التكامل، والاعتماد المتبادل، والتكيف، والتعلم، والنمو، والتدهور، والأزمة، والانهيار، والحمل المتعدي. كما أن منها كذلك مفاهيم تتبلور حول ضبط وتنظيم وبقاء النظام مثل مفهومي الاستقرار والتوازن.
الفروض الأساسية التي يرتكز عليها الاقتراب
يرتكز اقتراب تحليل النظم كما قدمه ايستون على مجموعة من الافتراضات لعل أهمها
(1) العملية السياسية عملية آلية ديناميكية
يفترض اقتراب التحليل النظمي أن التفاعلات السياسية بين مكونات النظام المختلفة وبعضها البعض من ناحية، وبينها وبين معطيات البيئة المحيطة تتم بصورة آلية ديناميكية. هذه الآلية والديناميكية تحكم عملية تحليل النظام السياسي وتوجهها. بعبارة أخرى، يبرز اقتراب تحليل النظم كما قدمه ايستون الطابع الديناميكي الحركي للنظام السياسي من خلال التأكيد على التفاعل بين النظام بأنظمته الفرعية والبيئية بأنظمتها المختلفة.
(2) النظام السياسي نظام مفتوح يؤثر ويتأثر بالأنظمة الأخرى
نقطة البداية في التحليل النظري لدى ايستون تفترض أن التفاعلات السياسية في اطار النظام السياسي تتم استجابة للتأثيرات البيئة. النظام السياسي بطبيعته كنظام اجتماعي قد فصل تحليلياً عن الأنظمة الاجتماعية الاخرى المشكلة للبيئة، إن ما يجعل تحديد هذه البيئة بمختلف مكوناتها أمر هام حيوي هو الافتراض الذي ينظر إلى الحياة السياسية على أنها

تشكل نظام مفتوح عرضة للتأثر بالبيئة المحيطة، وإن كان هو الآخر يؤثر فيها بدوره. وطالما أن الحياة السياسية تفهم على أنها نظام مفتوح، فإن المطالب، كما يرى ايستون، تقدم لنا أحد المفاتيح الرئيسية لفهم الطرق التي من خلالها تحدث البيئة الكلية انطباعها على عمليات النظام وعلى مخرجاته.
(3) النظام يقوم بمجموعة من الوظائف لا بد منها لاستمراره
إن ما يعطي قيمة للدراسة التحليلية للحياة السياسية كنظام سلوكي كما ينظر إليه اقتراب تحليل النظم هو التساؤل الذي يثور حول كيف أن الأنظمة السياسية تستمر في عالم يتضمن عناصر التغير كما يتضمن عناصر الاستقرار. يقول ايستون أن محاولة الإجابة على هذا التساؤل كشفت ما أسماه”دورة حياة الأنظمة السياسية”، والتي تتبلور حول مجموعة من الوظائف الهامة والحيوية التي بدونها لا يستطيع أي نظام سياسي أن يستمر وأن يحافظ على بقاؤه.
(4) البيئة تفرض على النظام ضغوطاً
على الرغم من أن البيئة بمختلف جوانبها تمثل مشكلة تحليلية خطيرة، إلا أن ايستون أ كد على أنه يمكن إلى حد كبير تبسيط الأمور فيما يتعلق بتحليل أثر البيئة إذا ما تم تركيز الاهتمام حول مجموعة من المدخلات التي يمكن استخدامها كمؤشرات تلخص المؤثرات الأكثر أهمية من حيث مدى إسهامها في خلق التوتر والضغوط التي تعبر الحدود من البيئة إلى داخل السياسي بالتركيز على مدخلين رئيسيين: المطالب، التأييد.
المطالب تفرض على النظام السياسي إذن ضغوطاً، لا بد له من أن يستجيب لها بصورة أو بأخرى. يرجع ذلك إلى أن عدم اشباع المطالب والرغبات الجماهيرية يترتب عليه تزايد الإحساس بعدم الرضى عن النظام السياسي، ومن ثم يقل الدعم والتأييد له.
الضغوط كمفهوم تشير إلى التأثيرات القادمة من البيئة نحو النظام. وإن كان ايستون يرى أنه ليست كل هذه التأثيرات البيئية تمثل توتراً وضغوطاً على النظام. فبعضها قد يلعب دوراً إيجابياً في استمرار النظام، بينما بعضها الآخر قد يكون محايداً فيما يتعلق بأحداث التواترات والضغوط، إلا أن الغالبية من هذه التأثيرات يتوقع أن تعمل في اتجاه إحداث التوترات والضغوط على النظام.
(5) النظام السياسي نظام تكيفي
يعتقد ايستون أن القدرة الحقيقية لبعض الأنظمة على الاستقرار والبقاء رغم الضغوط والتوترات غير العادية التي تتعرض لها من بيئاتها يحمل على الاعتقاد في الحقيقية أن هذه الأنظمة تمتلك بالضرورة مقدرات للاستجابة في مواجهة هذه الضغوط والتوترات. وعليه فهو يفترض أن النظام السياسي هو نظام تكيفي ويقوم في الواقع بأكثر من مجرد رد الفعل بصورة سلبية للتأثيرات البيئية.
العلاقات الأساسية التي يطرحها الاقتراب
يطرح اقتراب التحليل النظمي مجموعة من العلاقات الأساسية بين العناصر أو المتغيرات التي يتكون منها النظام السياسي من ناحية، وبينها وبين البيئة الخارجية المحيطة عبر الحدود التي تفصلها عن غيره من النظم الاجتماعية الأخرى من ناحية أخرى.
يذهب ايستون إلى أنه ما أن يوجد النظام السياسي بحدوده وأنظمته الفرعية حتى نجد أن هناك مجموعة من العلاقات القائمة بين الأنظمة المختلفة باعتبار أنها أنظمة مفتوحة تتعرض لتأثيرات من بعضها البعض. فالواقع أنه ليست هناك ثمة أنظمة اجتماعية، وبينها الأنظمة السياسية بالطبع، يمكن أن تكون معزولة تماماً عن البيئة المحيطة. وعلى ذلك فإن التحليل النظمي يجب أن يركز جل اهتمامه بدراسة العلاقات عبر الحدود بين الأنظمة وبين المدخلات والمخرجات. وعلى الرغم من أنه ليس هناك ثمة

اتفاق بين دارسي السياسة حول التسميات المتعلقة بالمفاهيم في هذا الخصوص، إذ كما سبق ورأينا أن ايستون على سبيل المثال يرى مدخلات النظام السياسي من البيئة بمختلف أنظمتها الرئيسية والفرعية تتمثل فقط في المطالب والتأييد، باعتبارهما المؤشرين الرئيسيين للطريقة التي تؤثر بها العوامل البيئية في تشكيل وإعادة تشكيل عمليات النظام السياسي، يرى الموند وكولمان مزيداً من التحديد لهذه المدخلات، على النحو السابق الإشارة إليها، كما يضيف ميتشيل عنصر الموارد كعنصر ثالث.
وعلى الرغم من أن هذه المفاهيم المتعددة تتفاوت، إلا أنها تتشابه إلى حد كبير من حيث مدلولاتها بخصوص ما يتم تبادله وانتقاله عبر الحدود بين النظام السياسي بأنظمته الفرعية ومختلف الأنظمة البيئية الأخرى. فعندما يشير ايستون أو الموند أو ميتشيل إلى المطالب أو التعبير عن المصالح أو تجميعها، فإنهم يشيرون إلى ظاهرة أمبريقية تتعلق بما يلي: من يطلب؟ ماذا؟ من من؟ كيف متى، وبأي النتائج على المشاركين وعلى النظام؟
ولكي يوضح ايستون عملية تنظيم المصالح المختلفة، اقترح بناء نموذج لمسارات هذه المطالب منذ اللحةظ الأولى لدخولها إلى النظام السياسي مروراً بمسارها نحو نقطة الخروج كسياسات وقرارات ملزمة. وعلى الرغم من اعتراف ايستون بأن التحليل النهائي لكل نظام سوف يكون فريداً، كما أن مسار المطالب سوف يكون أيضاً، إلا أنه يرى مع ذلك إمكانية التجريد في اطار تعددية الواقع لنموذج نمطي لشبكة المطالب في كل الأنظمة السياسية منذ اللحظة التي تولد فيها المطالب في شكل رغبة أو شعور أو حاجة غامضة، إلى اللحظة التي تجد فيها طريقها في النهاية عند مواضع مختلفة من القرارات السياسية. أطلق ايستون على هذا النموذج”نموذج تدفق المطالب”، والذي يمكن توضيحه في الشكل التالي
المعضلات التي يحاول الاقتراب حلها
(1) إمكانية التحليل
يختلف مفهوم ايستون عن النظام السياسي كما هو مستخدم في اقتراب تحليل النظم عن مهفوم علماء السياسة السابقين عليه في أنه يركز على الجانب التحليلي، بينما كان هؤلاء العلماء يركزون على الجانب المؤسسي القانوني. يرتبط بذلك ما أدخله اقتراب تحليل النظم من مفاهيم جديدة إلى حقل الدراسات السياسية، والتي تمت استعارتها لا فقط من العلوم الاجتماعية الأخرى كعلم الاجتماع وعلم النفس، بل أيضاً من العلوم الطبيعية، الأمر الذي لا شك كان له أكبر الأثر في إثراء العلوم السياسية.
يرتبط بذلك أيضاً شمول التحليل لمختلف عناصر النظام السياسي، بما يعنيه ذلك من كافة العمليات المتمثلة في المدخلات والمخرجات. الشمول أيضاً يعني عدم اقتصار النظام السياسي على المؤسسات الحكومية الرسمية كالسلطات الثلاث، أو على الأحزاب السياسية والجماعات الضاغطة، إنه يتسع مع الاطار التحليلي الجديد ليشمل مختلف الجماعات

والقطاعات التي تلعب دوراً مؤثراً، أو يمكنها أن تلعب دوراً مؤثراً في الحياة السياسية سواء في ذلك أكانت مع أو ضد النظام، مشروعة أم غير مشروعة كالاضرابات والمظاهرات.
أضف إلى ذلك أن اقتراب تحليل النظم كاستراتيجية عامة أو اطار تحليلي لدراسة الظاهرة السياسية أو الاجتماعية يحدد نقاط تركيز للدراسة، كما يحدد كيفية معالجة الموضوع أو الاقتراب منه، كما يقوم بتحديد وحدات التحليل المستخدمة. فضلاً عن ذلك فإن أهمية اقتراب تحليل النظم في الدراسات السياسية ترجع غلى أن عدد لا بأس به من الاقترابات الأخرى المتسخدمة في التحليل السياسي، كالاقتراب البنائي – الوظيفي والاقتراب الاتصالي تعتمد في مفاهيمها وأساسياتها على اقتراب تحليل النظم.
(2) إمكانية القياس
مع اقتراب تحليل النظم، لم يعد علماء السياسة يهتمون فقط بمجرد مقارنة الأنظمة عن طريق وجود أو عدم وجود خاصية، بل أكثر من ذلك القياس الدقيق لخصائص محددة. ويرجع ذلك بالأساس إلى الطبيعة التحليلية السلوكية لعلم السياسة، والقائمة على مجموعة كبيرة من المفاهيم التي يمكن الاستدلال عليها من خلال مجموعة من المؤشرات التي يسهل قياسها.
(3) إمكانية المقارنة
اقتراب تحليل النظم أفاد كثيراً في مجال دراسات المقارنة، لا سيما بعد تطويره على يد الموند وباول. فلما كان النظام السياسي بأبنيته المختلفة، والتي تتفاوت في بساطتها وتعقيداتها وفي درجة رقيها وتقدمها يمثل ظاهرة عالمية توجد في كل المجتمعات، حتى البسيط منها، باعتبار أنها تمتلك شكلاً أو آخر من أشكال الأبنية السياسية، فإن إمكانية المقارنة بين النظم السياسية تصير ممكنة على أساس مجموعة من الأبعاد. من هذه

الأبعاد: مدى تعقد وتمايز هذه الأبنية، مدى التخصص الوظيفي لهذه الأبنية، مدى قدرة هذه الأبنية على القيام بالوظائف الموكولة إليها… إلخ.
بعبارة أخرى، كانت من نتيجة اكتشاف وظائف مشابهة أو نمطية في كل نظام سياسي، تاريخي أو معاصر، أضحى من الممكن الدراسة المقارنة للطربقة أو الطرق التي من خلالها يقوم النظام بأداء هذه الوظائف في ظل ظروف مختلفة لكل نظام. وهو الأمر الذي أضحى معه علم السياسة في وضع يمكن من الوصول إلى تعميمات تتعدى خبرة أي نظام سياسي واحد، أو أنظمة أخرى تنتمي لثقافة أو حضارة واحدة، بما يعنيه ذلك من إمكانية تقدم الدراسات المقارنة.
الانتقادات الموجهة إلى اقتراب تحليل النظم
بعد العرض السابق للجوانب الإيجابية التي أضافها اقتراب التحليل النظمي إلى حقل الدراسات السياسية، تجدر الإشارة في ختام هذا البحث إلى أهم الانتقادات التي تعرض لها الاقتراب. لعل أول الانتقادات التي وجهت إلى اقتراب تحليل النظم في الدراسات السياسية كما قدمه ايستون هو المحافظة والتحيز للوضع القائم. فالاقتراب يعطي اهتمام مبالغ فيه للاستقرار كيقمة عليا تسيطر على سلوك النظام. حتى وإن كان الاستقرار المقصود لا يفترض الجمود، بل يفترض التغيير المنظم الذي يطرأ على البيئة أو النظام أو كليهما استجابة للمطالب، إلا أنه لا يضمن التغير الثوري بما يعنيه ذلك من تحول جذري شامل للنظام السياسي، وهو الأمر الذي لا موضع له في اقتراب النظم.
الاقتراب يجعل من استمرار النظام والأمر الواقع في حد ذاته كهدف، ويعطي جل اهتمامه وتركيزه بالبحث عن مقومات استمرار النظام وتدعيمه وليس عن عوامل تغييره وتطويره. بعبارة أخرى يكشف عن عناصر الاستمرارية والاستقرارية في النظام، دون أن يستطيع تفسير كيف

ولماذا يتطور النظام من وضع إلى آخر بصورة دقيقة. ومن هنا يوجه البعض انتقاداً إلى الاقتراب باعتبار أن أغلب الدراسات التي اتبعته انتهت إلى نتائج محافظة أو مؤيدة للأمر الواقع.
هناك أيضاً انتقاد آخر يوجه إلى اقتراب تحليل النظم كما صاغه ايستون، يتمثل في التناول السريع والمبهم للعملية التحويلية. هذه العملية التي تتمثل في مجموعة الأنشطة والتفاعلات الداخلية التي يقوم بها النظام والتي بمقتضاه تتحول مدخلات النظام إلى مخرجات. اكتفى ايستون بالإشارة إلى أن هذه العملية التحويلية تحدث داخل النظام دون أن يذكر لنا بوضوح الأبنية التي تقوم بها وكيفية القيام بها. ومع ذلك يمكن القول أن وظائف النظام على مستوى المخرجات كما صاغها الموند وباول تتدارك ذلك بعض الشيء.
وحتى بعد التعديلات التي أدخلت على نموذج ايستون لتحليل النظم، فإن الاقتراب لا يزال توجه إليه الانتقادات لا سيما فيما يتعلق بصعوبة التحويل الإجرائي لكثير من المفاهيم الجديدة التي جاء بها الاقتراب، لتصبح قابلة للقياس، ومن ثم اختبار العروض وإجراء الدراسات. ولعل الصعوبات التطبيقية التي اعترضت محاولات استخدام الاقتراب، لا سيما في مجال دراسات العلاقات الدولية والنظام الدولي، أصدق دليل على ذلك

صراع الحضارات بالمفهوم الاسلامي

كاتب الموضوع الأصلي: ثامر المطلب4

تقوم العلاقات الإنسانية في الرؤية الإسلامية، على أساس التعارف والتعاون على البر والتقوى، من منطلق وحدة الجنس البشري ووحدة الأصل المنبثق عن المشيئة الإلهية. يقول اللَّه تعالى في محكم تنزيله : { ياأيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند اللَّه أتقاكم} (17). والتعارف في المصطلح القرآني يتعدَّى المعنى اللغوي المباشر، إلى معاني أعمق مفهوماً وأوسع دلالة. فلقد خلق الناس وجعلهم شعوباً شتى وقبائل متفرقة يسعون في الأرض من أجل غاية سامية قدرها الخالق سبحانه، هي التعارفُ فيما بينهم، الذي يرتقى إلى مستوى أعلى هو (تبادل المعرفة) أو (تبادل المعارف) بكل ما في المعنيين من دلالات لغوية ومعرفية وإنسانية عميقة. فكلما اتسعت مساحة المعرفة المتبادلة بين الشعوب والأمم، على مختلف المستويات، ضاقت مساحة الخلاف وانزوى الاختلاف وتَرَاجَعَ وفقد القدرة على التأثير السلبي الذي يُلحق أفدح الأضرار بالمجتمعات الإنسانية.

أما التقوى التي هي القاعدة الثانية للعلاقات الإنسانية والتي كُلف الإنسان بها وبالدعوة إليها وبالتعاون عليها، فهي كما يقول الشيخ محمود شلتوت، يرحمه اللَّه : >أما تقوى اللَّه تعالى، فهي ترفع في معناها العام إلى اتقاء الإنسان كل ما يضره في نفسه وفي جنسه، وما يحول بينه وبين المقاصد الشريفة والكمال الممكن في الدنيا والآخرة. والتقوى ليست خاصة بنوع من الطاعات، ولا بشيء من المظاهر، وإنما هي كما قلنا، اتقاء الإنسان كل ما يضره في نفسه وفي جنسه، وما يحول بينه وبين الكمال الممكن. ومن ثمرات التقوى حصول الفرقان ــ ما يفرق به المرء بين الخير والشر والضارّ والنافع في هذه الحياة ــ ، فالعلم الصحيح، والقوّة، والعمل النافع، والخلق الكريم، وما إلى ذلك من آثار التقوى، والتقوى هي الشجرة والفرقان هو الثمرة< (18).

فهذا المفهوم العميق والشامل للتقوى الذي يجمع أطراف الخير ومكارم البر ووجوه الإحسان وفضائل الأعمال، هو الذي يؤكد أهمية التعاون الإنساني على البر والتقوى. يقول تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} (19)، فالتعارف يؤدي إلى التعاون على البر والتقوى وهما جماع الخير والمنافع للإنسانية في كل الأزمنة والأمكنة، بهما تتحقق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، أما الإثم والعدوان، فهما جماع الشرور والأضرار والتشوّهات التي تلحق بالفطرة السويّة، وتُفضي إلى الحروب والنزاعات، وتؤجّج نيران الصراع المدمّر للحضارة الإنسانية.

و(التدافع الحضاري) في المفهوم الإسلامي، هوسنة اللَّه في الكون، لا (الصراع الحضاري أو الصدام الحضاري). وليس يعني ذلك أن الحياة تسير وفق خط بياني صاعد ومطّرد تتحقق فيه المصالح والمنافع للناس كافة في جميع الأحوال وتترقى ذواتهم، وأن الخير والشر لا يتصادمان، وإنما القصد من ذلك أن التدافع يُبطل الصراع، وأن الخير يغلب على الشر، وأن الحضارات تَتَواصَلُ وتَتَلاقَحُ وتَتَدافَعُ ولا تَتَصَارَعُ، وأن {اللَّه متمّ نوره ولو كره الكافرون}(20)، ونورُ اللَّه في هذا السياق القرآني، هو المشيئة الإلهية، والإيمان بالله ونصرة المؤمنين، وهو الخير والعدل والفضيلة ومكارم الأخلاق والسلام في النفس وفي الأرض، وتلك هي مقوّمات الحضارة التي تخدم الإنسان، مصداقاً لقوله تعالى {واللَّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)(21)، وأمرُ اللَّه في هذا السياق القرآني أيضاً، هو مشيئته تعالى الغالبة، وهو الحق والعدل اللذان هما قاعدتا الحضارة التي يسعد الإنسان في كنفها ويُبدع ويعمّر الأرض ويصلح ولا يفسد.

وفي المفهوم الإسلامي، فإن الصراع حالةٌ عارضةٌ، وهو شذوذٌ عن القاعدة، وليس طبيعةً من طبائع الحضارات، لأنه يَتَنافَى والفطرة الإنسانية، وهو نقيضُ التفاعل الحضاري الذي قامت الحضارة الإسلامية على أساسه، وهو إلى ذلك كلِّه، البديلُ الموضوعيُّ للفوضى التي تسود الأوساط الفكرية والسياسية في العالم اليوم، من جرّاء شيوع مفاهيم مغلوطة ورؤى مشوّشة وتحليلات مغرضة تدفع بحركة الفكر العالمي وبالسياسة الدولية على وجه العموم، نحو مناطق مجهولةٍ محفوفةٍ بالمخاطر التي تتهدَّد الإنسانية في حاضرها وفي مستقبلها.

إن الترويج لفكرة صراع الحضارات أو صدامها، يخدم أغراض فئة من البشر تسعى إلى إحكام سيطرتها على مقاليد الأمور في العالم أجمع، وهي أغراض ليست بريئة، وليست لها صلة بالأهداف الإنسانية النبيلة التي تنبع من المبادئ والقيم الحضارية البانية للإنسان وللعمران وللحضارة.

الامبراطوريه الامريكيه الى اين

كاتب الموضوع الأصلي: ثامر المطلب4

الإمبراطورية الأمريكية إلى أين؟
يخلص الدكتور يحيى الجمل في مقاله الرائق والماتع “الإمبراطوريات صعودًا وسقوطًا” إلى احتمالين:

– الاحتمال الأول: أنه مع استمرار التوجه الإمبراطوري سيزداد العالم توترًا وعنفا، وستزداد الكراهية لأمريكا الدولة في شتى أنحاء المعمورة, وليس في المنطقة العربية فحسب.

– الاحتمال الثاني: أن تنتصر القوى العاقلة في المجتمع الأمريكي، وهي قوى موجودة مؤثرة. وسيؤدي هذا إلى مزيد من العقلانية والتوازن مع قوى العالم المختلفة، سواء في أوربا أو في الشرق الأوسط أو الشرق الأقصى. وعلى هذا الاحتمال تختفي الضربات الاستباقية، ويستعيد التنظيم العالمي عافيته، وتعود منظمة الأمم المتحدة لتؤدي وظيفتها الحقيقية في المجتمع الدولي، وتخرج عن أن تكون مجرد أداة في يد أمريكا.. ولا تظل أمريكا شاردة بعيدة عن الاتفاقيات الدولية، التي توصل لها العالم من أجل تخفيف حدة التوتر، وتحقيق قدر أكثر من العدالة الدولية

وهكذا في الاحتمالين لابد أن يسقط نجم “الإمبراطورية” ويميل إلى الغروب بعدما تكبد السماء، حتى وإن اختلفت الطرق والأساليب: أحد الطريقين يؤدي إلى سقوط الإمبراطورية نتيجة التناطح مع العالم والاستعلاء عليه. والطريق الآخر يؤدي إلى ذوبان الإمبراطورية لتصبح قطبا من أقطاب متعددة.

كما يستطيع العالم الإسلامي -بعد نصر من الله- أن يكون قوة عالمية اقتصادية واستراتيجية دون موارد وشروط إضافية إلى ما هو قائم ومتحقق بالفعل، فما يلزم العالم الإسلامي هو إرادة سياسية وتوظيف معقول لموارده وإمكاناته، ولا يلزمه في الوقت الحاضر قوة عسكرية وتكنولوجيا إضافية، ولا أن يخوض حروبًا وصراعات ومغامرات عسكرية وسياسية. وستكون نهضة العالم الإسلامي سريعة لا تحتاج إلى زمن طويل بسبب توفر المؤهلات والشروط اللازمة، ولكن المشكلة ستكون في الابتداء الفعلي والإرادة والرغبة، هذا بالإضافة إلى التخلص من الهيمنة الاستعمارية التي تعي ربما أكثر من المسلمين هذه القوى والموارد الكامنة

وخلاصة القول: أن أسوأ الإمبراطوريات في التاريخ البشري كله هي تلك التي تجمع بين قوة العضلات وضعف العقل، وقديما قيل: العاقل يضع عقله قبل لسانه، أما الأحمق فيضع لسانه قبل عقله.. وعجبًا للأمة العربية الإسلامية، بكوارثها ونكباتها المتتالية، وجراحاتها الغائرة، ما زالت بعد كل هذا إمعة في يد الصلف والجبروت الأمريكي، في كل الملمات والمدلهمات.. فوا أسفا، ثم وا أسفا على أحوال هؤلاء..

فالمستجير “بأمريكا” لكربته كالمستجير من الرمضاء بالنار

وإشارة أخيرة وهي لفضيلة الدكتور سلمان بن فهد العودة حفظه الله في محاضرته القيمة تحت عنوان (نهاية التاريخ) يقول: “ليس سقوط الحضارة أو الدولة كسقوط فرد مثلا أو تغير حكومة يتم في خلال يوم أو شهر أو سنة! السقوط عملية بطيئة، وأسباب القوة الموجودة في القوى الغربية لا تزول كلها دفعة واحدة، منها ما يظل يقاوم عوامل الضعف ويثبت لمدة طويلة، وقد يتوقف الهبوط أحيانًا وقد يحدث ارتفاع طفيف، فهم أشبه ما يكونون بإنسان ينزل من جبل بقوة، وأحيانا يستطيع أن يصعد خطوات إلى أعلى لكن المؤشر النهائي يدل على سقوط وتراجع مستمر