أ.د. أحمد محمد وهبان

المبحث الثالث : من المسؤول عن تفكك الاتحاد السوفيتي

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الشعلان333

المبحث الثالث :ـــ دور عقيدة ترومان وخطة دالاس في تقويض الاتحاد السوفيتي

(( ان أية ثورةً لا تسوى شيأً ، ألا أذا كانت تجيد الدفاع عن نفسها )).

لينين

في 12/3/1947 ، قدم الرئيس الامريكي هاري ترومان عقيدته والتي تمثل جوهر وهدف الماسونية العالمية ، وتهدف هذه العقيدة القضاء على الشيوعية ، وفي 30/3/1948 ، تم أقرار وتطوير هذه العقيدة (( الديمقراطية )) من قبل مجلس الأمن القومي الامريكي في مذكراته التي تحمل الرقم 7 والتي نصت على (( لابد من القضاء على الشيوعية التي يقودها الاتحاد السوفيتي ، وأن تحقيق هذا الهدف له اهمية كبيرة من أجل ضمان أمن أمريكا ، ولا يمكن تحقيق هذا الهدف من خلال السياسة الدفاعية فقط ، بل يجب على الولايات المتحدة الامريكية ، أن تأخذ على عاتقها الدور القيادي لتنظيم الهجوم المضاد ، وبهدف تعبئة وتعزيز قواتنا العسكرية ، وتعبئة كل القوى المعادية للشيوعية والاتحاد السوفيتي وعلى الصعيد العالمي من أجل تخريب وتفتيت الحركة الشيوعية على الصعيد العالمي )). هذا هو الهدف الرئيس لقوى الثالوث العالمي وحلفائهم في العالـــــــم .

ان فكرة بلوغ التفوق العسكري الامريكي على الاتحاد السوفيتي منذ ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى عام 1917 ولغاية عام 1991 ، كانت موضع نقاش مستمر داخل القيادة الامريكية وحلفائهم في الغرب الرأسمالي ، وكان هدف القيادة الامريكية من ذلك هو قيادة العالم والأستحواذ على ثرواته الطبيعية ، إلا أنهم فشلوا في تحقيق التفوق العسكري على الاتحاد السوفيتي ، بل سعت القيادة السياسية السوفيتية منذ فترة حكم ستالين ولغاية عام 1984 إلى خلق التكافؤ والتوازن العسكري بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي ، وبين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية ، وهذا التكافؤ العسكري الذي حققته الأشتراكية قد أحبط وأفشل خطط ترومان ودالاس وما بعدها من خطط حتى عام 1984 .

أكد الرئيس الامريكي ترومان في رسالته الى الكونغرس الامريكي في عام 1945 الى ان (( النصر الذي أحرزناه قد وضع الشعب الامريكي أمام ضرورة دائمة وملحة إلا وهي ضرورة قيادة العالم )). وكما هو معروف أن جميع الرؤساء الامريكان منذ حكم ترومان حتى بوش الصغير وما بعده نادوا ولا يزال ينادون بفكرة ضرورة قيادة أمريكا للعالم ، فأين الشعارات البراقة التي تنادي بها الولايات المتحدة ومنها على سبيل المـــــــثــل (( الديمقراطية ، دولة القانون ، وحقوق الانسان )).

في 25/ 4/1945 ، أبلغ وزير الدفاع الامريكي ستيميسون الرئيس الامريكي ترومان ، قريباً سوف يتم صنع 3 قنابل ذريه ، وفي 10/ 5/1945 قرر البنتاغون أستهداف 4 مدن يابانية وهي :ـ هيروشيما وناغازاكي وكاكورا ونيكاتا ، من أجل أن تكون مختبراً لقوة وفاعلية السلاح الذري الامريكي ، وكما هو معروف أن القيادة الامريكية قد جربت أرهابها الذري على مدينتي هيرويشيما وناغازاكي وذهب ضحية هذا الارهاب الذري مئات الألاف من المواطنين اليابانيين الأبرياء ، وشكلت هذه الجريمة النكراء أشارة واضحة وصريحة وتحذير بشكل غير مباشر للأتحاد السوفيتي ، وبعد خمسة شهور من إنتهاء الحرب العالمية الثانية إستخدمت الولايات المتحدة ألامريكية ستراتيجية جديدة إلا وهي ستراتيجية الارهاب الذري ضد ألاتحاد السوفيتي وحلفائه .

في 16/7/1945 ، وفي محافظة ينوميكسيكوا الامريكية ، تم تفجير [ أختبار ] أول قنبلة ذرية امريكية ، وفي 16/8/1945 وفي الساعة الثامنه و14 دقيقه قصفت امريكا بالقنابل الذرية مدينتي هيروشيما وناغازاكي . أن قصف هذه المدن المسالمة بالسلاح الذري ماهو إلا جريمة وأرهاب ضد ألانسانية ، وبنفس الوقت هو أرهاب للمجتمع الدولي .

في 3/11/1945 ، قدمت هيئة ألاركان العسكرية ألامريكية تقريراً يحمل الرقم 329 وبعنوان (( حول أختيار أستخدام السلاح الذري لقصف الاتحاد السوفيتي ــ هو أكثر فاعلية لتحقيق الهدف ))؟!!، وفي 3/12/1945 قدم تقريراً يحمل رقم 1 /329 حول مشاركة برطانيا وأمريكا بالهجوم على الاتحاد السوفيتي ، وخاصة أن الهتلريين الألمان قد ألحقوا خسائر مادية وبشرية كبيرة للشعب السوفيتي حيث تجاوزت الخسائر البشرية لأكثر من 27 مليون شهيد ، وخربوا وحرقوا 1710 مدينة وأكثر من 70 الف قرية تم حرقها وتدميرها ، وتم تدمير أكثر من 6 مليون بناية وتم تخريب 31850 مصنع ومعمل ، وتم تدمير 65 ألف كيلومتر لخطوط السكك الحديدية ، وكذلك تم تدمير 4100 محطة قطار ، وتم تخريب وتدمير 36 ألف مركز بريد و 40 ألف مستوصف ومستشفى ، و 48 ألف مدرسة ، و 43 ألف مكتبة وسرق جيش هتلر الالماني 7 مليون حصان ، و 17 مليون رأس من الماشية ، و20 مليون رأس من الخنازير، و 27 مليون رأس من ألاغنام والماعز …

لقد اعتقدت القيادة الامريكية والبريطانية أن الاتحاد السوفيتي تكبد خسائر بشرية ومادية كبيرة فحان الوقت لتقويض الاتحاد السوفيتي (( حليف )) ألأمس القريب ألا ان الاستراتيجية ألامريكية ومؤسساتها العسكرية والمخابراتية قد فشلت في تحقيق هدفها حتى عام 1985 .
في أيلول عام 1946 ، صادق ترومان على وثيقه رئيسية تؤكد (( يجب على الولايات المتحدة ان تكون مستعدة لشن حرب ذرية وجرثومية ضد ألاتحاد السوفيتي )).

في أذار عام 1948 ، أصدر مجلس القومي مذكرة تحمل الرقم 7 وينص جوهرها على تحطيم وتقويض الاتحاد السوفيتي وأعلانه كبلد يمثل المصالح الحيوية للأمن ألامريكي .
في تموز عام 1948 تمت المصادقة على خطة (( خافمون )) ويعكس جوهر هذه الخطة على أن (( ألاستراتيجية ألامريكية تنطلق من تكوين قواعد عسكرية حول المصالح الحيوية لروسيا [ المقصود الاتحاد السوفيتي ] ، ومن خلال ذلك تستطيع أمريكا توجيه ضربة للمصالح الحيوية لروسيا جواً وفي حوزة أمريكا نوعين من ألسلاح تستطيع فناء ألملايين من ألجيش الروسي وهما : السلاح الجوي الاستراتيجي والقنبلة الذرية )) وكما أعتقدت (( قيادة السلاح الجوي الستراتيجي الامريكي بأن تدمير المدن ألرئيسية في الجزء ألاوربي في روسيا سيكسر العمود الفقري للجيش السوفيتي ، وأن أمريكا سوف لن تحارب وفق مبدأ (( جندي من أجل جندي )) ، لأن هذا المبدء قد الحق الهزيمة الكبرى لنابليون وهتلر في هجومهما على روسيا ـــ ألاتحاد السوفيتي وخسروا المعركة ، وتقوم ألاستراتيجية ألامريكية على أغلاق ألمجال الجوي لروسيا وبالتالي يتم تدميرها بالكامل )) .

في أب 1948 صادق مجلس ألأمن القومي ألامريكي على توجيه رقم 1/20 والذي يؤكد أن (( أهداف أمريكا حيال روسيا )) ينص على (( أن أهدافنا ألاساسية حيال روسيا هي تخفيض بأس ونفوذ موسكو حتى الحدود التي لم تشكل فيما بعد خطراً على ألسلام والأستقرار في ألعلاقات الدولية )) وكما جاء في التوجيه أيضاً (( قبل كل شيئ أن يكون ألاتحاد السوفيتي ضعيفأً من الناحية السياسية والعسكرية والنفسية بالمقارنة مع القوى ألخارجية ألمتواجدة خارج حدود رقابته ))؟!. ومع ذلك يدعون أنهم ديمقراطيون !!

في أكتوبر عام 1948، طالب رئيس ألوزراء البرطاني تشرشل الغرب بأعلان الحرب الذرية على الاتحاد السوفيتي وهذا ما يتطابق مع رأي وهدف الرئيس ألامريكي ترومان ، وخلال المدة من عام 1946 حتى عام 1948 ، كان هدف ألامبريالية ألامريكية هو تطويق ألاتحاد السوفيتي بقواعد عسكرية والعمل على تقويضة والاستحواذ على ثرواته ومنها النفط والغاز واليورانيوم …!!

في 9/4/1949 ، وبمبادرة من ألامبريالية ألامريكية ، تم ألاعلان عن تشكيل حلف الناتو وأنظم ألى هذه الحلف ألعدواني كل من برطانيا وفرنسا وايطاليا والبرتغال والنرويج وبلجيكا وهو لندا وبعد 3 سنوات أنظمت للحلف كل من تركيا واليونان وبعد نفس الفترة أنظمت ألمانيا ، وها هو اليوم توسع حلف الناتو أذ يشمل دول أوربا الشرقية وجمهوريات ألبلطيق، ويسعى قادة حلف الناتو الى ظم كل من أوكرانيا وجورجيا وغيرها من رابطة الدول المستقلة ، فأن تحقق ذلك يعني أن حلف الناتو قد تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لروسيا الأتحادية ومن هنا ينشأ الخطر والصراع بين روسيا وحلف الناتو ، وكما يهدف قادة هذا الحلف ألعدواني على تطويق روسيا والصين ومحاصرة هذه الدول .

أن هذا الحلف يشكل أداة قمع عسكرية أستخدمته وتستخدمه ألامبريالية الامريكية لتحقيق أطماعها ألعدوانية وتحث مبررات واهية، وما حدث للشعب اليوغسلافي والعراقي والافغاني إلا أدلة حية وملموسة على ممارسات هذا الحلف الوحشي ، فمن الأجدر اليوم من أن ترتفع إصوات الشعوب الحرة والأنظمة الوطنية والتقدمية واليسارية وأن تتوحد هذه القوى وتطالب بحل هذا الحلف الوحشي لانه فقد مبررات وجوده بعد أن تم حل حلف وارسو ، ويمكن أقامة حلف عسكري دولي تابع الى منظمة الأمم المتحدة وبقيادة جماعية لتحقيق الأمن والاستقرار عالمياً .

في 1/1/1950 ووفقاً لخطة (( ترومان )) المعدة من قبل الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها والتي تهدف الى أعلان الحرب ضد الاتحاد السوفيتي ، وتم التأكيد في هذه الخطة على ضرورة استخدام السلاح الذري وضرب 70 مدينه سوفيتية ، وكان مخطط أن يتم قصف موسكو وفق هذه الخطه بــ 8 قنابل ذرية ولينينغراد بــ 7 قنابل ذرية ، وكما اعتقدت القيادة الامريكية في حينها أن لديها من الموارد الكافية لتحقيق هدفها العدواني ، وأنها سوف تحتكر صناعة القنبلة الذرية ما بين 10 ــ 12سنة ً قادمةً ، وكما أكدت الولايات المتحدة الامريكية وحسب خطة (( باروخ )) من إنها سوف تحتكر أيضاً السلاح النووي ، وسوف تحتفظ بتفوقها العسكري على الاتحاد السوفيتي ، إلا أن جميع هذه الخطط العسكرية ذات الطابع العدواني والارهابي قد فشلت ويعود السبب الرئيس الى وعي وأدراك القيادة السوفيتية بمعرفة نوايا الأمبريالية ألامريكية وحلفائها ، ولعب ستالين دوراً كبيراً في أحباط هذه المخططات العدوانية وفاجئ الغرب الرأسمالي وبسرعة مذهلة عندما أعلن أن الاتحاد السوفيتي قد أمتلك القنبلة الذرية وبوقت قصير جداً بالمقارنة مع الولايات المتحدة الامريكية وهذا أن دل على شيئ فأنما يدل على قدرة النظام الاشتراكي والاقتصاد الاشتراكي في خلق المعجزات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية ، وفي ظل قيادة كفوءة ومخلصة لشعبها وفكرها وخاصة خلال الفترة من عام 1922 حتى عام 1953.

لقد شكل الاتحاد السوفيتي قوة أقتصادية وسياسية وعسكرية على الصعيد الدولي وأصبح قطباً رئيساً في تحقيق الاستقرار والامن لشعوب العالم ، وأن ظهور المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي وما حققه من منجزات أقتصادية وعسكرية … وخلال فترة قصيرة قد أثار حفيظة وعدم أرتياح قوى الثالوث العالمي ، وكان الاتحاد السوفيتي وحلفائه قد شكلوا حجر عثرةً أمام مخططات قوى الثالوث العالمي ، وناصبت هذه القوى العداء الأيديولوجي لثورة العمال والفلاحين منذ عام 1917 ولغاية عام 1984، ونورد بعض الوثائق التي تؤكد على دور هذه القوى العدوانية ودورها اللامشروع بالضد من الشعب والنظام السوفيتي :

في عام 1945 ، قدم رئيس وكالة المخابرات الامريكية إلان دالاس الماسوني والحائز على درجة الماسونية الاخيرة (( الأستاذ الاعظم )) خطة سرية الى الكونغرس الامريكي بهدف تخريب وتقويض الاتحاد السوفيتي وجاء في الخطة ((… سنخسر كل ما نملك من ذهب وقدرات ذهنية من أجل إشاعة الحمق والتفسخ بين الروس ، وسوف نزرع الفوضى في صفوفهم ، وسوف نجد لنا أنصاراً وحلفاء في روسيا نفسها ، ويجب أن نخلق ونرسخ في وعي المواطن الروسي عبادة الجنس والعنف والسادية والخيانة والكذب والخداع والأدمان على السكر والمخدرات والتعصب القومي … وكما سنزرع الفوضى والتخبط في أدارة الدولة … كل هذا سنغرسه بحذاقة وبشكل غير ملحوظ ، قليلون ، بل قليلون جداً ، أولئك الذين سيفطنون الى ما يحدث سنظع هؤلاء في وضع عاجز ….)).

مما يؤسف اليه ان خطة إلان دالاس قد تم تنفيذها 100% من قبل ميخائيل غورباتشوف وفريقه من الماسونيين والصهاينة وعملاء النفوذ وهؤلاء قوضوا دولتهم العظمى ضمن خطة دالاس ــ ترومان وتحت غطاء ما يسمى بالبيرويسترويكا والاصلاح الاقتصادي وبشكل واعي وهادف ومدروس

لقد نسقت وبرمجت قوى الثالوث العالمي مع ((عملاء النفوذ )) و(( الطابور الخامس )) في قيادة الحزب الحاكم وفي السلطتين التشريعية والتنفيذية ومع ممثلي المؤسسات الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليين والذي أطلق عليهم (( بالبراليين )) و (( الاصلاحيين )) وشكلوا هؤلاء جميعاً بقوى الثورة المضادة (( القوى البيضاء )) وهؤلاء هم أمتداد فكري ـــ أيديولوجي لقوى الثورة المضادة الذين ناصبوا العداء لثورة أكتوبر الاشتراكية منذ عام 1917 ، وشكلوا هؤلاء جميعاً بالعامل الداخلي المقوض للنظام والدولة الاشتراكية ، وأن قوى الثالوث العالمي هي الموجه للعامل الداخلي المتمثل (( بحلفائهم )) و (( اصدقاؤهم )) الشرعيين في الحزب والدولة ، وكما لعبت كل من واشنطن ولندن وبون وباريس وتل أبيب … الدور الرئيس والفاعل في عملية تفكيك الاتحاد السوفيتي ، وتعمل هذه القوى اليوم وتحت غطاء جديد مايسمى بالاصلاح الاقتصادي أو مايسمى بالليبرالية وأقتصاد السوق وغيرها من التسميات الاخرى بهدف تقويض جمهورية روسيا الاتحادية ، وكما لايستبعد من أختفاء روسيا وتفكيكها الى دويلات صغيرة على غرار ما حدث للاتحاد السوفيتي .

المبحث الثاني : من المسؤول عن تفكك الاتحاد السوفيتي

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الشعلان333

المبحث الثاني :ـ دور الحكومة العالمية والدولار و (( الطابور الخامس )) في تفكيك الاتحاد
السوفيتي

(( يجب عدم الخوف من الأعتراف بالهزيمة ، بل يجب التعلم من
تجربة الهزيمة ، يجب القيام بصورة وأكثر دقة وحذراً وتنظيمياً
بأعادة عمل ما تم عمله بصورةً رديئةً .. لذا يجب ان نتكلم
بصراحةً . أن ذلك أمراً هاماً ليس فقط من وجهة نظر الحقيقة
النظرية ، بل ومن الناحية العلمية أيضاً )) .
لينين

أدرك قادة الحكومة العالمية ان الخصم رقم 1 لهم هو الاتحاد السوفيتي فلابد من تقويضه ومن الداخل ، وحمل مشر وع الحكومة العالمية عدة أهداف وتم وضع خطة وفترة زمنية محدودة لتنفيذ هذه الاهداف وبهذا الخصوص يؤكد جنرال المخابرات السوفيتيه أ . ب. شيفياكين في كتابه الهام [ لغز أختفاء الاتحاد السوفيتي تاريخ الخيانة والمؤامرات ] أن (( عملية البيرويسترويكا كانت خطة لها عدة احتمالات ، خطة تهدف تقويض السلطة السوفيتية في الاتحاد السوفيتي والعمل على تفكيك الاتحاد السوفيتي . ان اميركا و (( الطابور الخامس )) قد حققوا نتائج كبيرةً )) ، وكان لدى أميركا 284 مؤسسه مخابراتية وصناعية وزراعية وعلمية ومعهد وجامعة ، عملت من عام 1946 ولغاية عام 1991 من اجل تفكيك الاتحاد السوفيتي .

ان أهم اهداف الحكومة العالمية وحلفائها في داخل الاتحاد السوفيتي قد تمثلت بالأتي :ـ

الهدف الاول :ـ العمل وبشكل جاد على إ ختراق الحزب الحاكم والتركيز بالدرجة الاولى على القيادة وخاصة رئيس الحزب ، وكذلك العمل مع الكوادر الرئيسية في الحزب لأن الحزب وفق الدستور السوفيتي هو الذي يقود المجتمع والدولة ، واعتبر هذا الهدف هو المفتاح الرئيس لتنفيذ بقية الاهدف الاخرى .

الهدف الثاني :ـ من الضروري ان تتم السيطرة على أهم وسائل الاعلام الحكومية وتوجيهها وبما يخدم الهدف الرئيس ، ومن أهم هذه الوسائل هي التلفزيون ، الراديو ، السينما ، والصحافة وغير ذلك .

الهدف الثالث :ـ العمل على خلق الفوضى وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، والعمل على تأجيج الصراعات القومية والدينية ، ومن الضروري أن يتم التركيز على التخريب الاقتصادي .

الهدف الرابع :ـ العمل وبشكل جاد على تجريد وأضعاف جهاز المخابرات السوفيتية [ كي ، جي ، بي ] وتجريده من قوة التأثير المباشر على مايسمى بعملية البيرويسترويكا [ أعادة البناء / التغيير ] .

الهدف الخامس :ـ العمل على أضعاف وتهميش وتخريب الجيش السوفيتي وتجريده بالتدريج من أسلحته العسكرية الهامة وخاصة سلاحه الستراتيجي النووي اذ كان ولايزال يشكل قوة الردع العسكرية الحاسمة .

يقول الرئيس الاميركي السابق بيل كلنتون (( لقد عزم ترمان على إخضاع الاتحاد السوفيتي من خلال السلاح الذري [ لكن لم تستطيع الامبريالية الاميركية من أخضاع الاتحاد السوفيتي لا بالأرهاب الذري ولابالأرهاب النووي ولابالأرهاب الاقتصادي … ] فنحن عملنا ذلك من خلال ضخ الدولارات ومساعدة (( الطابور الخامس)) .

وفي أكتوبر عام 1995 أشار كلينتون ألى انه (( في سنوات البيرويسترويكا في الاتحاد السوفيتي فأن كثيراً من رجالات الاعمال العسكرين ألامريكان لم يصدقوا بأننا سوف نحقق نجاحات كبيرة في هذه العملية [ المقصود بالبيرويسترويكا ] ، وان ننجح في زعزعة وأرباك وأضعاف الأساس الايديولوجي للاتحاد السوفيتي , ونحن إستطعنا تخريب الاتحاد السوفيتي ومن دون حرب وسفك الدماء ، وتخلصنا من أكبر خصم رئيس لنا , وهذا جعلنا ان نهيمن ونقود العالم اليوم )) . وكما أكد كلينتون أن (( هذا النجاح لايعني من إننا سوف لن نفكر ماذا سنعمل فيما بعد ، ان روسيا اليوم تملك من القوة العسكرية تنافس أمريكا ، وعليه فلدينا مهام رئيسية إتجاه روسيه ويجب حلها وهي :ـ
1ـ العمل وبشكل جدي على عدم عودة الشيوعيين الروس للسلطة مرة أخرى ، ويتم تحقيق ذلك من خلال تقديم الدعم وبكل أشكاله لأصدقاؤنا في روسيا [ ألمقصود البيرويسترويكين والاصلاحين …] ويجب علينا أن نعمل ونخلق ونوفر كل الدعم والامكانيات الممكنة والمتاحة من أجل عدم حصول الشيوعيين الروس على الاكثرية في مجلس الدوما [ البرلمان ] .
2 ـ يجب أن نعطي أهمية فائقة للانتخابات الرئاسية في روسيا لعام 1996 ، لأن القيادة الحاليه [ المقصود بوريس يلتسين وفريقه ] هي ملائمةً لنا وفي كل المقايس والمؤشرات ، ولذا يجب علينا ان لا نبخل في الانفاق على الحملة الاعلامية والدعائية في الانتخابات الرئاسية ، لان هذا الانفاق المالي سوف يعود علينا بالفائدة الكبيرة , وفي حالة تحقيق هاتين المهمتين، فخلال “10” عشرة سنوات القادمة [ 1996 ــ 2005 ] لدينا خطة أخرى لابد من تنفيذها فيما يخص وضع روسيا ، أذ اكد أن خطتنا الاستيراتيجية تتضن تنفيذ المهام الاتــيـــــة :ــ
أـ العمل على تقسيم روسيا الى دويلات صغيرة من خلال اشعال الحرب الاهلية في الجمهوريات المحلية [ الشيشان خير دليل على ذلك ] وكما لدينا خطة بالضد من يوغسلافيا على غرار خطة روسيا .
بـ العمل على أضعاف المجمع الصناعي الحربي وبعد ذلك القضاء على هذا المجمع ، ثم أضعاف وتفكيك الجيش الروسي .
ج ـ إقامة إنظمة حكم في الجمهوريات المحلية مواليا بالكامل لامريكا .

يشير كلينتون الى أنه (( في السنوات العشرة الأخيرة ، فأن العلاقة مع الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه قد برهنت وبشكل صحيح سياسة وتوجهات أمريكا ، أذ أصبحت أمريكا هي الدولة العظمى والوحيدة في العالم ، وهي القوة العسكرية العظمى في العالم . لقد أستخدمنا وبشكل إستثنائي هفوات [ نواقص ] الدبلوماسية السوفيتية وأستخدمنا وبشكل إستثنائي غطرسة غورباتشوف والفريق المحيط به وخاصة مع بعض أعضاء هذا الفريق الذين كانوا يؤيدون نهج وخطط أمريكا وكانوا منحازين لنا ولصالحنا .

لقد حققنا هذا الهدف ، الذي كان يريد تحقيقه الرئيس الامريكي ترومان ، أي القضاء على الاتحاد السوفيتي من خلال أستخدام السلاح الذري ، وحققنا هدفنا وهدف ترومان وبدون استخدام السلاح الذري )) .

في عام 1997 ــ أكد بيل كلنتون (( يجب علينا أن نضمن ونحقق وبشكل متين أمل امريكا في قيادة العالم ولفترة طويلة … لقد إنتصرنا في الحرب الباردة …)) ثم أشار (( لقد سمحنا لروسيا من أن تكون دولةً عظمى , ولكن لن نسمح لها من أن تكون امبراطوريةً ، فأمريكا هي الأمبراطورية الوحيدة في العالم )) .

يشير وزير الخارجية الامريكية السابق جيمس بيكر (( نحن انفقنا الترليونات من الدولارات خلال الـ 45 سنه الماضيه [ 1946 ـ 1991 ، وهي فترة مايسمى باالحرب الباردة ] من أجل ان ننتصر في الحرب الباردة )) لولا الخيانة في قيادة الحزب الحاكم خلال الفترة 1985 ــ 1991 لما أستطاعت الامبريالية الاميركية من تحقيق ما حققته .
يؤكد بريجينسكي (( ان الاتحاد السوفيتي ــ عملياً هو روسيا ، ولكن اطلق على روسيا إسم الاتحاد السوفيتي ، فروسيا سوف يتم تقسيمها وسوف تخضع تحت الوصاية )) أما رئيس الوزراء البرطاني السابق ميجر أذ قال (( إن مهمة روسيا بعد أن خسرت الحرب الباردة ، هي العمل على ضمان وتأمين على ماهو ضروري من مواد الخام الاولية للبلدان الرأسمالية ، ومن اجل تنفيذ هذه المهمة يجب ان يتقلص عدد سكان روسيا الى 50 مليون نسمه )) وهناك دعوات غربيةً اخرى على ضرورة تقليص عدد سكان روسيا مابين 20 ــ 30 مليون نسمه .

يشير البروفيسور ديمتري فالوفوف ، بعد ثورة اكتوبر الأشتراكية عام 1917 ، اعلنت الحركة الماسونية العالمية عداؤها ومحاربتها للاشتراكية والسلطة السوفيتية ومن مركزها الرئيس في أمريكا ، وكما يؤكد ديمتري فالوفوف (( خلال سنوات البيرويسترويكا أصبح نشاط الماسونية والماسونيين واضحاً وملموساً وبشكل علني ، ليس فقط في روسيا ، بل في عموم رابطة الدول المستقلة [ جمهوريات الاتحاد السوفيتي ] ، وأن الماسونيين متواجدين في قيادة الحزب وأكاديمية العلوم السوفيتية ،… وأن غورباتشوف عملياً رد الاعتبار للمحافل الماسونية في الاتحاد السوفيتي … وبتاريخ 16/ 1/ 1992 وفي الكرملين ، تم تقليد الرئيس الروسي بوريس يلتسين وسام مالطا الماسوني )) .

يبقى مجيئ ميخائيل غورباتشوف لرئاسة الحزب الشيوعي السوفيتي والدولة السوفيتية في أذارعام 1985 لغزاً وسؤلا ً مشروعاً لم يتم الافصاح عنه وعن كل ابعاده وخفاياه لحد ألان ؟ وان أهم ما يتميز به غورباتشوف إنه سياسي ثرثار وان أفكاره وتصريحاته تحمل إزدواجية المعنى ويخلوا من المبدئية والصراحة الحزبية وهو يجيد فن التحايل والخدعة والمراوغة وتمرير الافكار الهدامة والتخريبية ، فهو لم يكن في يوم ما شيوعياً مبدئياً وحقيقياً حتى ولو ساعة واحدة في حياته وهو لم يؤمن لا بالفكر ولابالحزب ولا بالشعب ولديه روح الانتقام وخاصة من المعارضين له في نهجه ، فهو الحرباء الماكره في تغير الوانها وحسب الضروف .
منذ اذار عام 1985 ، تسلم غورباتشوف مقاليد رئاسة الحزب وبعد فترة أصبح رئيس دولة الاتحاد السوفيتي ، أي انه جمع في يده سلطة الحزب والدولة في ان واحد وقام خلال مايسمى بالبيرويسترويكا من عام 1985 ولغاية عام 1991 بتغيرات جذرية في الميدان السياسي والاقتصادي ــ الاجتماعي والثقافي والعسكري … فأول خطوة قام بها غورباتشوف في الميدان السياسي غير اكثر من 75 بالمئه من قيادة وكوادر الحزب الرئيسيين العاملين في الحزب والسلطة التنفيذية والتشريعية ، وتم كل ذلك تحت مبررات وحجج واهية ومن أهمها (( تجديد دم الحزب )) وتم تنحية خصومه الأيديولوجين والمعارضين لنهج ما يسمى باالبيرويسترويكا تحت غطاء المحافظين والمعارضين لنهجه ، وبالمقابل تم تقديم قيادات وكوادر حزبيه ذات السلوك الانتهازي والمؤيدين بالكامل لنهجه ، وكما عمل غورباتشوف على تغير غالبية المسؤولين وخاصة في القسم الايديولوجي التابع لقيادة الحزب الحاكم ، وكذلك اقدم على تغييرات في مجال الاعلام ، أذ قام بتغيير رؤساء تحرير الصحف والمجلات والمشرفين على التلفزيون والراديو … وكان هؤلاء معارضين لنهجه البيرويسترويكي وبالنتيجة اصبح الميدان ألايديولوجي التابع للحزب ووسائل الاعلام كافة في يد وخدمة غورباتشوف وفريقه ، وتم تعين الاكسندر ياكوفلييف الماسوني الكبير وعراب البيرويسترويكا رئيس القسم الايديولوجي ومسؤول لجنة العلاقات الخارجية مع الحركة الشيوعية العالمية وأصبح ياكوفلييف (( منظر)) الحزب والدولة ويشرف على الجانب الايديولوجي والاعلامي في ظل حكم غورباتشوف ، وبنفس الوقت تم تقديم ياكوفلييف الى عضوية المكتب السياسي للحزب الحاكم ؟!.
لقد عمل غورباتشوف وفريقه الحاكم على أضعاف وتخريب الاقتصاد الاشتراكي السوفيتي وتحت غطاء وحجة (( التجديد والديمقراطية والتعجيل والتطوير …))!! إذ تم أغلاق أكثر من 50 بالمئه من المصانع والمعامل وخاصة تلك المصانع والمعامل التي تنتج السلع الضرورية للمواطنين وكما أستخدم غورباتشوف وفريقه أسلوب ألاسراع في أغلاق مؤسسات القطاع العام وتحت حجة (( غياب الجدوى الاقتصادية ))!! ونتيجة لهذه الاجراءات التخريبية واللاشرعية واللانسانية والمتعمدة ، ظهر نظام البطاقات التموينيه خلال الفترة 1988 ـ 1991 [ يقصد بنظام البطاقة التموينية هو أن كل عائلة سوفيتية تحصل من الدائرة المعنية في محل أقامتها على كابون تحدد كمية ونوعية كل سلعةً وعلى أساس عدد العائلة الواحدة وبنفس الوقت فأن هذه الكمية لاتكفي للعائلة الواحدة ] ومنذ عام 1987 بدأ غورباتشوف وفريقه هجومهم على الجيش السوفيتي ، مستغلاً إختراق الطائرة الرياضية الالمانية الاجواء السوفيتية ، ووفق الدستور الاشتراكي فأن رئيس الحزب والدولة هو القائد العام للقوات المسلحة ، وفي هذا الحادث المخطط له من قبل الدوائر الغربية ومؤسساتها المخابراتية … فهو لم يعطي امراً لقيادة السلاح الجوي السوفيتي لابأسقاط الطائرة الالمانية ولا أجبارها على الهبوط عندما اخترقت الاجواء السوفيتية وأن السلاح الجوي السوفيتي علم بها في أول خطوة للاختراق وبدأت الطائرات الحربية السوفيتية مرافقة للطائرة الالمانية ولم يتم أعطاء أمراً للقيادة العسكرية السوفيتية بأن تتخذ قراراً حاسماً ، بل هبطت الطائرة الالمانية بالقرب من الساحة الحمراء ، وكان مقرر أن تهبط هذه الطائرة في الساحة الحمراء ولكن تعذر ذلك لوجود مواطنين سوفيت وغيرهم .

نعتقد أن هذا الاختراق كان مقصوداً ويراد منه جس نبض القيادة العسكرية السوفيتية وكذلك الاهم هو معرفة موقف غورباتشوف وصدقه وأخلاصه لحلفائه في الغرب الامبريالي ، ومن خلال هذه الخطة المخطط لها أقدم غورباتشوف وفريقه في قيادة الحزب بالهجوم على القيادات العسكرية في الجيش السوفيتي الذين كانوا يعارضون نهج غورباتشوف وفريقه أذ تم أقالة العشرات من الجنرالات في الجيش السوفيتي وخاصة في السلاح الجوي ، وتم أقالة وزير الدفاع السوفيتي في وقتها ، وبنفس الوقت بدأ غورباتشوف بتقليص القوه العسكرية السوفيتية وبوتيرة سريعة ومن طرف واحد وتحت حجة (( الانفراج السلمي )) بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية ، وبعد ذلك تم سحب القوات السوفيتية المتواجدة في أوربا الشرقية وخاصة في جمهورية المانيا الديمقراطية وخلال فترة قصيرة جداً لم تتعدى السنة ، في حين كانت تقديرات الخبراء العسكرين تؤكد أن سحب القوات السوفيتية يحتاج الى أكثر من عشرة سنوات ، وبنفس الاسلوب تعامل غورباتتشوف مع أهم جهاز في السلطة السوفيتية المعروف [ كي ـ جي ـ بي ] والـــذي تم تغيير قيادته ولأكثر من مرة في زمنه ، وتم تعين باكاتين الماسوني ومن رجالات (( عملاء النفوذ )) رئيساً لجهاز المخابرات السوفيتية ، وهو بعيد كل البعد عن عمل هذا الجهاز الهام والحيوي .

من هو باكاتين ؟ [ فاديم فيكتوروفيج باكاتين من مواليد 1937 , عضو في الحزب الشيوعي السوفيتي للفتره 1964 ــ 1991 ، جنرال في الشرطة ، في عام 1983 أصبح مستشار في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي ، ومنذ عام 1986 ــ وحتى عام 1991 أصبح عضواً في اللجنه المركزية للحزب وعضو مؤتمر نواب الشعب السوفيتي ، وفي عام 1988 ، تم نقله الى موسكو وتم تعينه وزيراً للداخلية ، وفي عام 1990 أصبح عضواً في رئاسة مجلس السوفيت الاعلى ، وفي عام 1991 ــ 1992 اصبح رئيس جهاز المخابر ات السوفيتية المعروف بأسم [ كي ـ جي ـ بي ] وبعد الانقلاب (( الديمقراطي )) في عام 1991 ، قام باكاتين بتسليم وثائق هامة الى السفارة الامريكية في موسكو ، وبنفس الوقت أخبرهم بمكان جهاز التصنت الذي وضع من قبل جهاز المخابرات السوفيتية في أهم موقع ونقطة في السفارة الامريكية ، واعتبر هذا العمل خيانة كبرى وخيانة الدولة .

ان فاديم فيكتوروفيج باكاتين ، عضو الصندوق الدولي للاصلاح الاقتصادي والاجتماعي وهذا الصندوق وثيق الصلة بالنادي الماسوني المعروف بأسم (( فيزايماديستفيا )) .
لقد ساعد هذا النهج التحريفي للبيرويسترويكا على فتح الطريق واسعاً امام التنظيمات الماسونية والصهيونية وعملاء النفوذ والطابور الخامس في عموم البلاد وتحت حجة مايسمى بالتجدد والديمقراطية وحقوق الانسان والعلنية … وقد تبوءة قيادات هذه التنظيمات مواقع هامة في قيادة الحزب والدولة وساعد ذلك على التسريع في عملية الهدم والتخريب المنظم من قبل هذه التنظيمات الهدامة وان انتشارها السريع يشبه أنتشار مرض الايدز[ نقص المناعه ] الذي فتك ويفتك بشعوب العالم ولعب (( الايديولوجيون والاعلاميون )) الموالون لنهج البيرويسترويكا وهم في قيادة الحزب والسلطة وبالتنسيق والتعاون مع مايسمى بالنخبة المثقفة وخاصة من غير الروس الدور الرئيس والفعال في عملية تقويض البناء الاشتراكي وبشكل هادئ ومنظم ، أذ شكلوا هؤلاء قوى الثورة المضادة ، وكانوا هؤلاء الاداة الرئيسة الداخلية في عملية تفكيك وتخريب الحزب والسلطة والمجتمع والقضاء على منجزات الاشتراكية .
ان هؤلاء نسقو ونفذو دورهم التخريبي مع أعداء الفكر الماركسي ــ اللينيني في الغرب الامبريالي وخاصة مع الامبريالية الامريكية ومؤسساتها الاقتصادية والمالية والمخابراتية ، وبنفس الوقت فأن قوى الثورة المضادة نسقت ونفذت مخططات وأهداف المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرها من المؤسسات الدولية الاخرى .

في عام 2000 وجد في جمهورية روسيا الاتحادية فقط اكثر من 500 محفل ماسوني وبلغ عدد الاعضاء المنتمين لهذه المحافل الماسونية 2000 شخص ، وكما يوجد 10000 عضواً ينتسبون لما يسمى بالماسونية البيضاء ، أذ يعتبرون هؤلاء إنهم (( منتخبون من قبل الشعب )) !! و هم كما يدعون ايضاً يمثلون النخبة ومن اهم هذه النوادي الماسونية هي : روتاري ، وصندوق سوروس ، والنادي الروسي العالمي ، وفزايما ديستفيا ، ونوادي ماكيستروم وغيرها من النوادي الماسونية الاخرى .

ان من اهم العناصر(( القيادية )) في الحزب والسلطة والتي لعبت وبشكل واعي وهادف ومخطط على تفكيك الاتحاد السوفيتي وتقويض المنجزات الاشتراكية وفي كافة الميادين هم :ـ
غورباتشوف ، وياكوفلييف ، وشيفرنادزه ، ويلتسين ، وأرباتوف ، وبريماكوف ، ومدفيدوف ، وديمتري فالكا غونوف ، وأركادي فولسكي ، يوري أفاناسييف ، كرافجوك ، نزاربايف ، إسلام كريموف ، غيراسيموف ، شاخ نازاروف ، بوفين ، يوري ليشكوف ، غورغي يافلينسكي ، لوكين ، أناتولي تشوبايس ، الاكسندر ليبد ، ساخاروف وزوجته بونير وغوسينسكي ، وبيرزوفسكي ، وابراموفيج ، وخدركوفسكي وغيرهم من(( القاده)) و(( الكوادر)) الحزبية وان الغالبية العظمى من هؤلاء وغيرهم هم من غير الروس .

ان هؤلاء(( القادة)) و ((الكادر)) الحزبي قد نفذو وبأبداع ومهارة برنامج إلأن دالاس سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر ، وكان الهدف الرئيس من ما يسمى بالبيرويسترويكا سيئة الصيت هو تفكيك الاتحاد السوفيتي والقضاء على الاشتراكية ومنجزاتها وفي كافة الميادين وكذلك القضاء على الحزب والسلطة السوفيتية والغاء الملكية العامة لوسائل الانتاج ، والاستحواذ على ثروة الشعب لصالح فئة محدودة من المجتمع والمرتبطة سياسياً وأقتصادياً وفكرياً مع الغرب الامبريالي وخاصتة مع الولايات المتحدة الامريكية .

يشير رئيس جهاز أمن الدولة الجنرال فلاديمير كرجكوف لقد (( كانت لدينا معلومات موثقة بأن غورباتشوف ومن خلال لقائاتة في مالطا وريكافييك … قد تحدث مع القادة وخاصة مع الرئيس الامريكي حول تغيير النظام السياسي في الاتحاد السوفيتي ، وبيع جمهورية المانيا الديمقراطية وأعادة النظر وبشكل جذري في شكل العلاقات بين الاتحاد السوفيتي والبلدان الرئسمالية )). ويشير الجنرال كرجكوف وفي أحد اللقاءات الرسمية مع غورباتشوف أذ سألته : هل تعرف ماذا تكتب عنك الصحف الغربية وعن لقاؤكم في مالطا ؟ مباشرة بدأ غورباتشوف ينظر الي بعين مرعبة وخائفة وقال لي (( من أين لك هذه المعلومات )) أجبته (( جائت هذه المعلومات عبر مصادرنا الخاصة )). ثم قال غورباتشوف ” أن ماتكتبه الصحف لايعني شيئ” .

يؤكد الجنرال فلاديمير كرجكوف حول اللقاء الرسمي الذي عقد بين غورباتشوف ورئيس المانيا الغربية كَول في شمال القوقاز ، أذ أكد غورباتشوف الى كَول (( بأن جمهورية المانيا الديمقراطية سوف تنظم الى المانيا الغربية ، وأن هذا الموضوع قد حسم من حيث المبدء من قبل القيادة السوفيتية ، وكان كَول يصغي وبأهتمام كبير الى حديث غورباتشوف ، وأن كَول لم يصدق ماطرحه غورباتشوف ، بدليل طلب كَول من مترجمه الخاص من أن يعيد مرة اخرى ماقاله غورباتشوف وكرر المترجم النص مرة أخرى الى كَول وبنفس المعنى ، أن هذه الصفقة لم يعرف عنها أي مسؤل سوفيتي )) .

نعتقد أن أدوارد شيفرنادزه والأكسندر ياكوفلييف … كانو على علم بذلك ، وأن قيادة جهاز المخابرات السوفيتية هي أيضاً كانت على علم كامل ومفصل عن هذه الصفقة الخيانية ، ولكن نقول ونطرح السؤال المشروع :ـ ماهو دور رئيس المخابرات السوفيتية وجهاز غرو [ الأستخبارات العسكرية ] من هذه الصفقة اللاشرعية ؟ ماهو دور الجنرالات في الجيش السوفيتي وبعض قادة وكوادر الحزب المخلصين من هذه الصفقة ؟ وهل أنهم كانوا جميعاً في سبات طويل ؟ أم …؟!.

نعتقد أن الجنرال فلاديمير كرجكوف والذي عمل كرئيس لجنة أمن الدولة لأكثر من 30 عاماً ورئيساً لها خلال الفترة من عام 1988 حتى عام 1991 ، كانت لديه معلومات كثيرة وموثقة ولا تقبل الدحض والشك فيها حول نشاط (( الطابور الخامس )) و(( عملاء النفوذ )) والتنظيمات الماسونية والصهيونية في قيادة الحزب والسلطة خلال الفترة 1985 ــ 1991 ، وأن المتنفذين الرئيسيين للانقلاب الحكومي في أب 1991 كان يتراوح عددهم مابين 72ـ 75 شخصاً من (( قادة وكوادر)) الحزب ، وبلغ عدد المؤيدين الذين أيدو الانقلابيين في يومه الاول وفي عموم الاتحاد السوفيتي كما أشارت بعض الصحف بضعة ألاف من المتظاهرين وكانت حصة الاسد من هؤلاء من موسكو وجمهوريات البلطيق ، علماً كان عدد سكان الاتحاد لسوفيتي في وقتها ما يقارب من 300 مليون نسمة ، وأن الغالبية العظمى من هؤلاء الذين خرجوا للشارع هم للنزهة والتفرج على الدبابات والمصفحات العسكرية السوفيتية والتي غطت الشوارع الرئيسية للعاصمة موسكو ، لأنه حدث غريب لم يحدث في تاريخ الاتحاد السوفيتي . [ كاتب هذه السطور كان متواجد ميدانياً في الأحداث …] .

ان قيادة هذه (( الجماهير )) [والتي يمكن أن توصف بأنها جماهير غير واعية وغير مدركة لما يدور حولها ] كانت تقاد من قبل (( قيادة وكوادر )) الحزب الحاكم وأغلبيتهم من العناصر غير الروسية ، ونصبوا بوريس يلتسين وبالتعاون والتنسيق مع الادارة الامريكية (( كقائد للحركة الديمقراطية )) في روسيا وبعدها كرئيس لروسيا الاتحادية ، وتم أستخدم بوريس يلتسين كأداة وواجهة علنية من أجل تقويض الحزب والدولة السوفيتية ، وقد وزع هؤلاء
(( القادة )) المأكولات والمشروبات الكحوليه على المشاركين وبكميات كبيرة وبالمجان وكان تواجد رثة البروليتاريا والمشردين ليس قليلاً ؟!.
ان من حق المواطن السوفيتي ، والمتتبع للأحداث السياسية التي وقعت في الاتحاد السوفيتي وخلال الفترة من عام 1985 حتى عام 1991 طرح التساؤل المشروع والذي لم تتم الاجابة عليه ولغاية اليــوم ؟

لماذا لم يتخذ رئيس لجنة أمن الدولة ألجنرال فلاديمير كرجكوف ، أي أجراء ملموس من أجل الحفاظ على السلطة السوفيتية والحفاظ على الدولة العظمى ؟ ولماذا لم يستخدم الصلاحيات المحددة له وفق الدستور الاشتراكي والذي يؤكد على أهمية وضرورة الحفاظ على النظام الاشتراكي في الاتحاد السـوفيتي؟
لماذا لم يتخذ وزير الدفاع السوفيتي المارشال يازوف أو قيادة هيئة الاركان أو جهاز الاستخبارات العسكرية [ غرو ] أي خطوة من أجل الحفاظ على دولتهم العظمى ؟

لماذا لم يتخذ القادة والكوادر الحزبية المخلصة سواء التي كانت تشغل مواقعاً أو التي اخرجت من الحزب بهدف أخراج الطبقة العاملة والفلاحين والشبيبة للشارع من أجل احباط وافشال الانقلاب الحكومي المدعوم من قبل الامبريالية الامريكية وحلفائها ؟!.
أين دور وزارة الداخلية وقوات الامن في الحفاظ على السلطة السوفيتية والاشتراكية ومنجزاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية …؟

لماذا لم تتحرك قيادة رئاسة مجلس السوفيت الاعلى ورئيس مجلس السوفيت الاعلى بأعتبارها اعلى سلطة تشريعية منتخبة وفق الدستور بعقد اجتماع طارئ وأتخاذ القرارات الهامة من أجل الحفاظ على النظام والسلطة السوفيتية ، علماً أن البرلمان السوفيتي كان يملك صلاحيات واسعة وفق الدستور الاشتراكي من اجل الحفاظ على السلطة السوفيتية ؟

ان الدافع الرئيس للأجراءات اللاشرعية واللاديمقراطية التي أتخذتها (( قيادة البرويسترويكا )) كان يقف وراؤها موقف ايديولوجي تخريبي هادف وواعي ومخطط له تبناه كل من غورباتشوف وفريقه ، لصالح الحكومة العالمية !!.

يلاحظ ان كثير من القيادات والكوادر والاعضاء المخلصين في الحزب الشيوعي السوفيتي سواء كانوا يعملون في جهاز الحزب أو في السلطة التنفيذية والتشريعية كان لديهم موقفاً سلبياً أو موقفاً اتصف باللامبالات من تطور وتفاقم الأحداث في بلادهم بالرغم من أن غالبيتهم هم حملت الشهادات العلمية العليا وفي الميادين السياسية والاقتصادية والقانونية والفلسفية والعلوم العسكرية والامنية ، وهم كانوا يدركون ويشعرون بوجود الخطر الداهم على حزبهم وسلطتهم إلا انهم فقدو المبادرة الجريئة والمبدئية وأنتابهم الضعف والتردد وحتى الخوف من أتخاذ الموقف المبدئي والحاسم في اللحظة الحاسمة والصعبة وفي مثل هذه الأنعطافات الحادة والخطيرة يجب ان تظهر لدى القائد أو القيادة السياسية المبادرة الجريئة والحاسمة والمبدئية وفي الوقت المناسب من أجل حسم الموقف لصالحهم والتخلي من حالة التردد والارباك ، وفي حالة غياب الموقف المبدئي ، يعني ذلك ان هؤلاء القادة والكوادر قد فقدوا أهم الخصائص والسمات المبدئية للقيادة الثورية وكان نتيجة ذلك قد حلت الكارثة المأساوية ليس فقط على شعبهم وحزبهم ، بل حلت الكارثة على كافة شعوب العالم الفقيرة والحركة الثورية في العالم،

لقد خدع غورباتشوف وفريقه البيرويسترويكي الشعب والحزب الحاكم وغالبية قادة الاحزاب الشيوعية في العالم بمشروعهم الهدام اذ أعلنوا وتبنوا شعارات براقة ومظللة لحزبهم وشعبهم ، وبالنتيجة فأن نهج ما يسمى بالبيرويسترويكا قد أدى الى أختفاء الدولة السوفيتية وأختفاء أكبر حزب سياسي في العالم ، وأختفاء الجزء الهام من المعسكر الاشتراكي المتمثل بدول أوربا الشرقية ، وأختفاء حلف وارسو ومجلس التعاضد الاشتراكي ، وتم بناء نظاماً سياسياً وأقتصادياً ــ أجتماعياً لم يعرف له مثيل في تاريخ المجتمع البشري إنه نظاماً هجيناً يجمع في أن واحد كل مخلفات علاقات الانتاج العبودية والاقطاعية والرأسمالية المتخلفة ، وتم تحويل روسيا الى بلد مصدراً لأهم مواد الخام الاولية ومستورداً لاهم السلع وخاصة السلع الغذائية والسلع المعمرة من الغرب الامبريالي ، وتم تحويل روسيا الى دولة تستقبل النفايات النووية من الغرب الرأسمالي لقاء حفنة من الدولارات وحصة الاسد منها تذهب الى جيوب المتنفذين في النظام الحاكم ، ناهيك عن رجوع روسيا الاصلاحية في كثير من المؤشرات والاقتصادية والاجتماعية الى مايقارب من قرن الى الوراء واصبحت روسيا في هذه المؤشرات بمصاف البلدان النامية ، بعد ماكانت دولة عظمى تحتل المرتبة الاولى ــ الثانية عالمياً في كثير من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية .

نشرت جريدة (( VSVAT )) السلوفاكيا في عددها رقم 24 في عام 1999 , محاظرة لغورباتشوف القاها في الجامعة الامريكية في تركيا أذ قال (( وأخيراً تم القضاء على الشيوعية في العالم … والعالم بدون الشيوعية سيكون أفضل … وبعد عام 2000 سوف يدخل العالم في مرحلة الازدهار … وأن القضاء على الشيوعية في الصين سوف يؤدي بالعالم الى أن يتطور بطريق العدالة والتضامن …))؟!

ان ميخائيل غورباتشوف التحريفي ــ الأنتهازي والحرباء ، فهو فقد بصيرته لقاء حفنة من الدولارات الخضراء وباع شعبه ونظامه وبالمجان لصالح الغرب الامبريالي وان كـــــــــــــل
(( تنظيراته )) الجوفاء لم تصمد امام الواقع الاقتصادي ــ الاجتماعي ، فألى أين يسير العالم اليوم بسبب خيانة غورباتشوف وفريقه بعد أن فقد العالم توازنه السياسي والاقتصادي والعسكري ؟.

حذر لينين من قوى الثورة المضادة وأحتمال عودتها مرة أخرى اذ اشار الى (( أن انتصار الثورة على قوى الثورة المضادة لايعني هذا اختفاء قوى الثورة المضادة ، بل لايستبعد من ظهورها من جديد ، وسوف تقاوم وبشكل عنيف )).
أن أنتصار أول ثورة شعبية أشتراكية في العالم قادها حزباً ثورياً ، قد أثارت حفيظة وحقد قوى الثورة المضادة في الداخل ، وبسبب ذلك فأن قوى الثورة المضادة ناصبت العداء الطبقي والأيديولوجي لثورة أكتوبر واعلنت مقاومتها المسلحة للثورة الأشتراكية وحظيت بالدعم المادي والعسكري والأعلامي من قبل الغرب الأمبريالي بدليل شاركت في هذا الدعم 14 دولة امبريالية لمساندة قوى الثورة المضادة في الاتحاد السوفيتي بهدف تقويض أول ثورة إشتراكية في العالم وبسبب هذا التدخل تم اشعال الحرب الاهلية في الاتحاد السوفيتي للفترة من عام 1918 ولغاية عام 1922 . وبهذا الخصوص أشار وأكد رئيس الوزراء البرطاني تشرشيل على ضرورة (( خنق البلشفية في مهدها …))

ان فشل مخططات قوى الثورة المضادة على الصعيدين المحلي والخارجي بهدف تقويض ثورة اكتوبر الاشتراكية يعود السبب الرئيس الى وجود قيادة سياسية حازمة ومبدئية ، مخلصة وكفوءة مؤمنة قولاً وفعلاً بالنظرية الماركسية ــ اللينينية ، ولديها بعداً نظرياً كبيراً ، والتفاف الحزب والشعب حول قيادته الشرعية وهذه القيادة قد تمثلت في لينين وستالين بدليل تمثل نجاحهم وابداعهم النظري والثوري في أنتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 وكذلك بالأنتصار على قوى الثورة المضادة خلال فترة الحرب الاهلية وأنتصارهم على أعتى نظام فاشي عرفه المجتمع البشري والوليد الشرعي للنظام الرأسمالي خلال الفترة [1941ـ 1945] ، وكما نجحت هذه القيادة في بناء أقتصاد أشتراكي قائم على أحدث التكنلوجيا وامتلكت السلاح الذري والنووي من أجل الدفاع على الاشتراكية ومنجزاتها والسلطة السوفيتية ، وتم القضاء وبشكل نهائي على الامية والبطالة .

ان الغرب الرأسمالي لم يلجأ الى لغة الحوار مع القيادة السوفيتية لولا أنها لم تمتلك السلاح الذري والسلاح النووي ، وهم رفضوا مبدأ التعايش السلمي بين الانظمة المختلفة ، وأن السلاح الذري والنووي السوفيتي قد خلق توازناً عسكرياً لصالح المجتمع البشري خلال الفترة من عام 1946 ــ 1991 ونعمت شعوب العالم بالأستقرار السياسي والاقتصادي والعسكري النسبي ، وما حدث بعد غياب الاتحاد السوفيتي عام 1991 ولغاية اليوم من حرب اقليمية وما نجم عنها من كوارث اجتماعية واقتصادية وخسائر بشرية لاتعد ولاتحصى ، فالمسؤول الاول والاخير عما حدث لشعوب العالم من عام 1991 وحتى اليوم تتحمله الامبريالية الامريكية وحلفائهــــا .

أعلن هتلر عن خطته المعروفة بأسم خطة (( بارباروس )) ومن أهم أهدافها هـــــــــــــي :ـ
القضاء على الاتحاد السوفيتي ــ روسيا ، والقضاء على السلطة السوفيتية والاشتراكية ومنجزاتها ، والاستحواذ على ثروات الشعب الروسي ، والسيطرة على العالم وقيادتــــــــــــــــــــــــــــة .

ان تحقيق هذه الاهداف حسب وجهة نظر هتلر لابد من أعلان حربه غير العادلة ضد الشعب السوفيتي خلال الفترة 1941 ــ 1945 إلا أن هتلر وحلفائه قد فشلوا في تحقيق أهدافهم ويعود السبب الرئيس في ذلك الى القيادة الحكيمة والمبدئية والصارمة لستالين والتفاف الشعب السوفيتي حول الحزب وقيادته ، وكان ثمن الانتصار على الفاشية الالمانية من قبل الشعب السوفيتي ثمناً باهظاً ، أذ قدم مابين 27 الى 30 مليون شهيــــــــد .

ليس غريباً من أن تتطابق اهداف قوى الثورة المضادة في الاتحاد السوفيتي مع أهداف هتلر
و قادة الغرب الرأسمالي ، وهذا التطابق نابع من الحقد والعداء للأشتراكية كنظام سياسي وأقتصادي ــ أجتماعي عادل ، وليس من باب الصدفـة من ان يعلن اليميني المتطرف والماسوني وبائع الورد أناتولي تشوبايس أذ قال ومن أجل أن يتم تنفيذ عملية مايسمى بالاصلاح الاقتصادي يمكن أن نضحي بــــــــ 30 مليون روسي كثمن للاصلاح الاقتصادي ويمكن للشعب الروسي أن يعوض هذه الخسائر البشرية في المستقبل من خلال زيادة الولادات على الوفيات ، وخلال فترة مايسمى بالاصلاح الاقتصادي في روسيا الأتحادية وللفترة من عام 1992 حتى عام 2006 بلغت الخسائر البشرية بسبب تطبيق وصفة صندوق النقد والبنك الدوليين بــــــ 32 مليون شخص ، وهذا هو الثمن البشري للتحول من الاشتراكية الى الرأسمالية .
(( أنظر جريدة الغد الروسية , الرقم 24 ، أب عام 2007 باللغة الروسية ))

أعلن الرئيس الامريكي السابق غوفير (( نقول وبصراحه ، ان هدفي في الحياة هو القضاء على الاتحاد السوفيتي ))، ان الغالبية العظمى من الرؤساء الامريكان كان هدفهم المشترك هو القضاء على الشيوعية وعلى الاتحاد السوفيتي ، فغوفير وترومان … وبوش وريغان … كلينتون وبوش الابن لهم موقف واحد وموحد من الشيوعية والاتحاد السوفيتي ، بدليل يؤكد جورج بوش (( أن عائلتي لعبت دوراً هاماً في تقديم السلاح والمال الى هتلر ))؟!.

يقول ميخائيل غورباتشوف ان (( هدفي في الحياة هو القضاء على الشيوعية )) وكما يؤكد أيضاً ان هدفي الاخر هو (( تحطيم )) ( تقويض ) النظام السوفيتي من الداخل ومن أجل تحقيق ذلك استعنت بالضبط الحزبي ونقاط الضعف في تركيبته )) [مجلة الحوار العدد 8، أب ، لسنة 2001 ، صفحه 9 ، باللغة الروسية] .

وكما يشير د. ي . يوستوفسكي الى (( ان مالم يستطيع هتلر من أنجازه في حربه العدوانية ضد الاتحاد السوفيتي خلال الفترة 1941 ــ 1945 فأن (( البيريسترويكين ))
و (( الديمقراطين )) اليوم قد أنجزوا ذلك ، فتوحدوا بذكاء كل من ممثلي اقتصاد السوق والمافيا والخونة من قيادة الحزب وبعض كوادره وأعضاء ((الطابور الخامس)) الذي تم تشكيله على يد وكالة المخابرات المركزية الامريكية وجهاز الموساد )) .
[ جريدة روسيا السوفيتية ، 8/ 4/ 2002 باللغة الروسية ].

وكما يقول فالي برانت ، رئيس الحزب الاشتراكي الألماني بعد زيارته للاتحاد السوفيتي في عام 1985 أذ أكد (( في حياتي رأيت الكثير ، ولكن لم أشاهد في حياتي شخص معادي للشيوعية كما يكنها غورباتشوف وهو على رأس الكرملين )).

أن النهج اللاديمقراطي واللاشرعي للأدارة الامريكية وحلفائها كان ولايزال يقوم على مبدأ أستخدام القوة العسكرية وبشكل مباشر وأستخدام لغة الحصار الاقتصادي والارهاب السياسي والاقتصادي ومحاولة زج حلف الناتو و(( الطابور الخامس )) بهدف (( تجديد الانظمة)) من جهة وتقويض البلدان الرافظة لنهجها العدواني والتي أطلقت الادارة الامريكية على هذه البلدان بــ (( محور الشر ))!!.

أن الهدف الرئيس من كل ذلك هو الاستحواذ على ثروات الشعوب وخاصة النفط والغاز… وهذا هو جوهر مايسمى بالعولمة الامبريالية المتوحشــــة .
ان محاربة الفكر الشيوعي من قبل الامبريالية الامريكية تم ويتم اليوم تحت حجج واهية وعديدة ومن أهمها (( أشاعة الديمقراطية ، وأقتصاد السوق ، ومكافحة ما يسمى بالأرهاب الدولي ….)) ، يقوم نهج الأدارة الأمريكية اليوم على (( مبدأ )) وهو (( من لم يكن معنا …. فهو ضدنا )) ؟!!.

يؤكد غينادي زوغانوف ، رئيس كتلة نواب الشعب في مجلس الدوما الروسي [ البرلمان ] عن دور ونشاط (( الطابور الخامس )) في الاتحاد السوفيتي ــ روسيا أذ قال (( يحذر الشيوعيين من جديد من أن الوطن في خطر ، وأن الخطر لن ينببع فقط من الخارج ، بل ينبع أيظاً من الدخل ، فغارباتشوف خان وباع الاتحاد السوفيتي ، وبوريس يلتسين بارك وصادق على نهب وسلب ثروة الشعب الروسي ، وبوتين قد سلم كل أرث روسيا العظمى الذي تحقق خلال الف عام ، وهو ينفذ اليوم عملاً قذراً من أجل تخريب نظام الدولة الوطني ، وفي البلاد اليوم يوجد نشاط فعال (( للطابور الخامس)) وهذا يتمثل في البرجوازية الكمبرادورية والبيروقراطية المرتشية والاجرام المنظم [ المقصود المافيا الروسية ]. أن اتحاد هذه القوى اليوم يقوم على أساس ألايديولوجية الفاشية الليبرالية والتي تسعى [ المقصود الفاشيه الليببرالية ] الى قمع وسحق حرية الفكر ومؤسسات السلطة الشعبية وسحق كل شعور وطني وثقافة وطنية وقلع جذور الدولة . ان هدف الفاشية الليبرالية هو أقامة نظام دكتاتوري عالمي يقوم على اساس الرقابة الشاملة على المصادر المالية ، والرقابة الشاملة على مصادر الطاقة والرقابة الشاملة على وسائل الاعلام ، وكما يقوم ايضاً على أستخدام القوى العسكريه لقمع أي شعب غير مرغوب وكذلك البلدان ورجالات السياسة )).

في أب 1991 قامت قوى الثورة المضادة في الاتحاد السوفيتي بأنقلاب حكومي بالتنسيق والتعاون بين هذه القوى وأمريكا والمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية وخاصة مع صندوق النقد والبنك الدوليين ، ومما يؤسف له ان هذه القوى قد (( نجحت )) في تنفيذ مشروعها ، إلا أنه ولغاية اليوم لم يتم توضيح كل أبعاد وحقيقة الانقلاب الحكومي وكيف “فجأة ” ينهار اكبر حزب سياسي في العالم ! وكيف يلتزم الصمت جنرالات ومارشالات الجيش السوفيتي وجهاز المخابرات السوفيتية وقوات الامن الداخلي ! وكيف يتم تفكيك الدولة العظمى والطبقة العاملة وحلفائها وقفوا موقفاً سلبياً ! وكما أن الموقف الذي أتخذته منظمة الكوموسمول الشيوعية كان سلبياً أيضاً ! اما موقف الكتاب والادباء والصحفيين الثوريين لم يختلف عن موقف الطبقة العاملة السوفيتية ــ الروسية ! وغريباً حقاً ان دولة عظمى يتم تقويضها ومن قبل قادة الحزب والسلطة ! إنها مفارقة تاريخية وسياسية تستحق كل الدراسة والاهتمام من اجل تبيان موطن الخلل ، فأهل البيت أولى من غيرهم أذ كانوا فعلاً حريصين على فكرهم وتجربتهم من أن تتم دراسة وتقييم تجربة البناء الاشتراكي وخاصة منذ عام 1954 ولغاية عام 1991 .

قصة الانقلاب الحكومي

في أذار عام 1991 ، ومن خلال ممارسة الضغوطات من قبل قوى الثورة المضادة وحلفائهم في الغرب الرأسمالي ، من أن ينفذ غورباتشوف وفريقه رغبة هذه القوى وحلفائها بأجراء أستفتاء شعبي ، وتم طرح سؤالاً واحداً وهو : هل توافق على بقاء الاتحاد السوفيتي ؟. أي ان جوهر السؤال يدور حول بقاء أو عدم بقاء دولة الاتحاد السوفيتي ، حقاً أنه سؤال غريب في شكله ومضمونه !، كيف وافقت السلطة التشريعية [ مجلس نواب الشعب السوفيتي ] على هذا السؤال ؟!، وكيف وافق بعض القياديين والكوادر المخلصة في الحزب والسلطة التنفيذية على هذه الصيغة ؟!، ولكن وبالرغم من هذه اللعبة القذرة وممارسة الضغوطات والتزوير من قبل قوى الثورة المضادة ، فأن الشعب السوفيتي قد صوت بنسبة 77 بالمئه لصالح بقاء اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية ، إلا أن قوى الثورة المضادة بزعامة غورباتشوف وحلفائه في الغرب الامبريالي وخاصة في أميركا رفضوا الاخذ بالنتيجة الديمقراطية والشرعية . ومع ذلك يدعون أنهم ديمقراطيون ؟!.

في أبريل ــ أيار عام 1991 ، وبسبب الضغط السياسي الذي قام به بعض القادة المخلصين في الحزب والسلطة التنفيذية ، اضطر غورباتشوف أن يعطي الضوء الاخضر للسلطة التنفيذية والتشريعية من أجل أتخاذ الاجراءات الضرورية لاعلان حالة الطوارئ سواء على عموم الاتحاد السوفيتي أو في الجمهوريات أو المناطق (( المضطربة ))، وبدأت الجهات ذات العلاقة والاختصاص بالتهيئة لاتخاذ ما هو ضروري بهدف الحفاظ على دولة الاتحاد السوفيتي .

نعتقد ، أن ميخائيل غورباتشوف والمعروف بالحرباء قد نصب فخاً (( ذكياً ))!! لاعضاء لجنة الدولة للطوارئ ووضع لنفسه احتمالين رئيسيين وهما ، الاحتمال الاول فهو وافق من الناحية الشكلية مع أعضاء لجنة الدولة ، أي قيادة الحزب على أعلان حالة الطوارئ وفي حالة نجاحهم وتصفية قوى الثورة المضادة ، فهوا سيظهر (( بطلاً شيوعياً ))!! امام الحزب والشعب السوفيتي ، وكان يعتقد مع نفسه ان نصيب نجاح أعضاء لجنة الدولة للطوارئ كان ضئيلاً لانه يعرف ان أعضاء هذه اللجنة غير حاسمين في أتخاذ الموقف المطلوب بالرغم من أنهم يملكون سلطة حزبيه وسلطة تنفيذية كبيرة وفق الدستور علماً أن لجنة الدولة للطوارئ قد ضمت في عضويتها كل من نائب رئيس دولة الاتحاد السوفيتي ياناييف رئيساً للجنة ، ورئيس جهاز المخابرات السوفيتية الجنرال فلاديمير كرجكوف ، ووزير الدفاع السوفيتي المارشال ديمتري يازوف ، ووزير الداخلية الجنرال بوكًَو ، ورئيس الوزراء , وممثل عن المجمع الصناعي ــ الحربي ، ورئيس إتحاد الفلاحين لعموم الاتحاد السوفيتي وغيرهم من كبار المسؤولين في الحزب والسلطة التنفيذية .

اما الاحتمال الاخر والذي كان له النصيب الكبير في النجاح حسب خطة غورباتشوف ، أذ كان هو على يقين كامل من أن اعضاء لجنة الدولة للطوارئ سوف يفشلون في بسط نفوذهم وحسم الأمور لصالحهم وعلى هذا الأساس سيقوم غورباتشوف بأستخدام صلاحياته في تصفية خصومه المتمثلين بأعضاء لجنة الدولة للطوارئ ، وبنفس الوقت كان غورباتشوف ينسق نشاطه الهدام مع قوى الثورة المضادة وخاصة مع ياكوفلييف وبوريس يلتسين وغيرهم ، وهذه القوى قد اعلنت عن نفسها بأنها تمثل مايسمى بالحركة الديمقراطية في روسيا والتي أسست بدعم وأسناد الولايات المتحدة ومؤسساتها المالية والاقتصادية والمخابراتية ، ولعبت وكالة المخبارات المركزية الامريكية دوراً كبيراً في هذه اللعبة وهذا السيناريوا بهدف تحقيق حلم الرئيس الامريكي ترومان ورئيس جهاز وكالة المخابرات المركزية الامريكية ألان دالاس القاضي في تفكيك الاتحاد السوفيتي .

ان أجراءات اعضاء لجنة الدولة الطوارئ كانت متأخرة وغير حاسمة ، فأصابهم الخوف والتردد … من أجل أتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب إضافة الى ذلك غياب القائد الفاعل والحاسم والمسؤول من أجل اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب ، وعلى مايبدوا ان أعضاء لجنة الدولة للطوارئ لم يستفيدوا من خطة تنحية خروشوف التحريفي ، حيث كانت الخطة ناجحة ولمصلحة الحزب والشعب ، بالرغم من وجود ملاحظات جوهرية على تنحية (( عزل )) خروشوف من قيادة الحزب والــــــــدولــــــــة .

كان من الاجدر كما نعتقد ، على القيادات في الحزب والجيش وجهاز المخابرات السوفيتية والسلطة التشريعية من أن يتخذوا قراراً شرعياً وديمقراطياً بعزل ومحاكمة غورباتشوف وفريقه وقادة ما يسمى بالحركة الديمقراطية الروسية منذ عام 1978 ، حيث بدأت ملامح الارتداد وبالملموس وفي كافة الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية والعسكرية ، اضافة الى وجود وثائق تؤكد أرتباط قادة مايسمى بالحركة الديمقراطية وغورباتشوف وفريقه بأرتباطاتهم بالخارج وحصولهم على الدعم المادي وغير المادي وأطلق على هؤلاء بــــ (( عملاء النفوذ )) و (( الطابور الخامس )) ان كل هذه المؤشرات وغيرها كانت تؤكد على أن النظام السياسي القائم يسير نحو الهاوية والكارثة الحقيقيتين .

برقية سرية ومواقف مبدئية

بتاريخ 19/8/1991 وجه أوليغ شينين سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي برقية سرية تحمل رقم [ تسي/116] جاء فيها ” ألى السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي في الجمهوريات السوفيتيية ، وألى السكرتيريين الأوائل في اللجان المنطقية والمحلية للحزب أرتباطاً مع أعلان حالة الطوارئ في البلاد أتخذوا ألأجراءات بهدف مشاركة الشيوعيين لمساندة لجنة الدولة للطوارئ في الأتحاد السوفيتي ، وأهتدوا عملياً بنشاطاتكم وفقاً للدستور الأشتراكي السوفيتي ، وبأجتماع اللجنة المركزية ، غيرها من ألأجراءات سوف نبلغكم لاحقاً ”

يشير شينين الى أن ” هناك سبب أخر ، ألا وهو الخيانة التي أصابت مجتمعنا ليس في عام 1991 بل قبل ذلك التاريخ أي منذ عام 1985 … اذ وضع هؤلاء هدفاً رئيسياً لهم وهو أن يفككوا الاتحاد السوفيتي ويقضوا على الأشتراكية ويصبحوا أغنياء ، ويحولوا الشعب الى عبيد … أن كارثة بلادنا في أنه وجدت (( قيادة )) ليس لها صلة لابالسلطة السوفيتية ولا بالحزب الشيوعي ولا بالأشتراكية ” .

وكما يؤكد شينين ” كيف يمكن ان نفهم أن بعض أعضاء لجنة الدولة للطوارئ قالوا في مؤتمرهم الصحفي أن صديقنا غورباتشوف مريض … وقريباً سوف يلتحق بنا ، فأي مساعدة كان يتوقع أعضاء لجنة الدولة للطوارئ أن يحصلوا عليها من الشعب السوفيتي ؟ وكان من الضروري عند عودة يلتسن مخموراً ان يتم أعتقاله فوراً ، لأنه أقدم على خرق الدستور الأشتراكي السوفيتي ، ألا أن لجنة الدولة للطوارئ لم تتخذ ذلك … قليل من الدم في تلك الفترة أفضل مما يجري ألأن ، أذ يقع مئات ألألاف من القتلى وملايين من الجرحى ، بالأضافة الى عشرات الملايين من المواطنين السوفيت المشردين ”

وكما يبين شينين ألى أنه كان من ” الممكن أستخدام أسلوب القوة لحل المشكلة من أجل الحفاظ على ألاتحاد السوفيتي ، وكانت كل السلطة في يد القيادة السوفيتية وكان على أعضاء لجنة الدولة للطوارئ أن يسيروا بالأمور ألى ألنهاية “. ثم يؤكد شينين ” أنا على يقين من أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والموساد قد عملوا سوية على تقويض الأتحاد السوفيتي ” .

تشير الصحفية السوفيتية ناديجداغاريغولينا ، أن الغالبية العظمى من أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي قد جبنوا ولم يحركوا حتى أصابعهم من أجل أنقاذ الأتحاد السوفيتي .
في 19ـ 22 / 8 / 1991 ، تم أعلان حالة الطوارئ في بعض مناطق الاتحاد السوفيتي ، وأن قادة لجنة الدولة للطوارئ هم قادة الحزب والسلطة ومعظمهم ذهب للقاء غورباتشوف للتشاور معه في مقر أقامته بالقرم ، لانه كان يتمتع بالاجازة والبلد على حافة التفكك والانهيار وهم يريدون من غورباتشوف الرأي ؟ وماذا نعمل و …؟! وعلى ما يبدوا أن هؤلاء لم يمتلكوا القرار الحاسم في الوقت المناسب ، فهم كانوا في حالة من الارباك والتردد والقلق وهم لم يعرفوا ماذا يريدون ، وماذا يجب ان يفعلوا ، وكما كانت لجنة الدولة للطوارئ مخترقه ولصالح يلتسين ولصالح ما يسمى بالحركة الديمقراطية الروسية وكما ارتكبت هذه اللجنة اخطاء كثيره وفي مقدمة هذه الاخطاء هي نزول الجيش السوفيتي بأسلحته ودباباته في شوارع موسكو ، وان القيادات الفرعية للجيش ليس لديها أي تصور او أي هدف ، وماذا سيفعلون ؟ وأن اللجنة لم تبادر في توجيه نداء للشعب السوفيتي وللطبقة العاملة من أن توضح خيوط المؤامرة وأهدافها الحقيقية والتي نفذها (( عملاء النفوذ )) في قيادة الحزب والسلطة ، وهي أيظاً لن تستخدم وسائل الاعلام المختلفة وخاصة التلفزيون من أجل توعية الشعب السوفيتي بألخطر الذي وقع عليه ، وكان على هيئة رئاسة مجلس السوفيت الأعلى ورئيس البرلمان لوكيانوف من أن يعقد مؤتمراً طارئاً في 20/8/1991 لمناقشة الأوضاع الخطيرة التي تواجه البلاد ، وغيرها من الهفوات والاخطاء الجسيمة الاخرى .

لقد إستغلت قوى الثورة المضادة والمدعومة بشكل مباشر من قبل أمريكا ومؤسساتها هذه النواقص وظهر بوريس يلتسين (( القائد الديمقراطي والمنقذ )) والمدعوم من قبل مايسمى بالحركة الديمقراطية وخاصة قادتها من غير الروس والمعادين للسلطة السوفيتية والاشتراكية ، وتحرك يلتسين وبدعم اميركي مباشر باعتقال قادة لجنة الدولة للطوارئ ووجهت قوى الثورة المضادة نداءاً (( لانصارها )) للنزول للشارع وكان عددهم في اليوم الاول في العاصمة موسكوا لا يتعدى الألف شخص معظمهم من حثالة البروليتاريا الرثة وكانت القيادة اغلبها من العناصر غير الروسية وفي اليوم الثالث لم يتجاوز عدد الانصار والمؤيدين للأنقلاب الحكومي مابين 5 ــ 7 ألف شخص ، وبعد ان استلم بوريس يلتسين كامل السلطة في موسكو ، واصدر يلتسين مباشرةً مرسوماً يمنع فيه نشاط الحزب الشيوعي السوفيتي والحزب الشيوعي الروسي وتمت مصادرة ممتلكات ومقرات الحزب ومنع من العمل السياسي داخل الجيش والمخابرات والشرطة وفي مؤسسات الدولة الانتاجية والخدمية .

نعتقد لم تكن هنالك خلافات مبدئية وجدية بين غورباتشوف ويلتسين وما يسمى بالحركة الديمقراطية الداعمة ليلتسين ، وأن غورباتشوف ويلتسين لم يكونا في يوم من الايام مبدئيين ومخلصين وشيوعيين حقيقيين وكانت لديهم أهداف مشتركة وفي مقدمتها هو القضاء على الحزب الشيوعي السوفيتي والسلطة السوفيتية والاشتراكية ومنجزاتها وتفكيك الاتحاد السوفيتي وغير ذلك ، وأن وجد (( خلافاً ))!! فهو يحمل طابعاً شخصياً بحكم العلاقة الحزبية السابقة بين غورباتشوف ويلتسين ، وعندما استلم بوريس يلتسين مسؤولية العمل الحزبي في موسكو ….، هذا اولاً ، والخلاف يكمن جوهره في الاستحواذ على السلطة ورئاستها ثانياً ، والسباق بينهما من هو أكفأ في شهادة حسن السلوك والطاعة امام حلفائهم في الغرب الأمبريالي وخاصة امام الأدارة الامريكية ، ثالثاً يقول فلاديمير يمليا نوفيج حول (( المعركة )) بين غورباتشوف ــ يلتسين على أنها (( معركة بين ديكين ، هم لم يكونوا على حافة الهاوية ، بل معلقين عليها ، وهذه أدت الى نتائج مأساوية … نحن ناضالنا ضد النظام الشمولي في الاتحاد السوفيتي ولكن في النتيجة إستحوذ على السلطة بائع الورد [ المقصود أناتولي جوبايس الذي تقلد مناصب حكومية رفيعة المستوى ، ومنها نائب رئيس الوزراء للشؤن الاقتصادية ، وزير للخصخصة ، وزير للمالية ، نائب رئيس جهاز ديوان الرئاسة … ورئيس شركة الكهرباء الروسية …] ، ومحامي الطلاق [ المقصود أناتولي سوبجاك ، محافظ مدينة لينينغراد ومستشار للرئيس الروسي السابق يلتسين ] . ان هؤلاء وغيرهم كانو طابور خامس وقوى رئيسية في عملية تفكيك الاتحاد السوفيتي ودعموا بشكل مباشر من قبل الغرب الرأسمالي ومؤسساته المالية والاقتصادية وخاصة لأناتولي جوبايس)) ؟!.

في 8 ــ 9 / 12/1991 ، اجتمع كل من الرئيس الروسي بوريس يلتسين والرئيس الاوكراني القومي المتطرف عضو المكتب السياسي للحزب سابقاً كرافجوك ورئيس البرلمان البيلاروسي شوشكيفيج في مينسك واتخذ هؤلاء (( القادة )) قراراً فردياً وغير شرعياً بحل الاتحاد السوفيتي ، ومن دون الرجوع الى رأي الشعب السوفيتي ، وعدم أحترام رأيه وموقفه الذي حدده في أذار عام 1991 ، وقام يلتسين بالاتصال بالرئيس الامريكي بوش الأب وهو في وضع لا يحسد عليه وأبلغه بقرار حل الاتحاد السوفيتي ، اذ قال له ان الاتحاد السوفيتي لم يعد موجوداً من هذه اللحظة ، وكان مترجمه كوزورف الذي عينه وزير خارجية ولمدة خمس سنوات ؟!.

من حق المتتبع السياسي سواء كان مواطناً سوفيتياً ، أو غير سوفيتي من أن يطرح بعض الأسئلة المشروعة وهـــــــي :ـــــ
اين دور قادة وكوادر الحزب المخلصين الذين رفظو نهج غورباتشوف التحريفي من هذا الحدث الخطر ؟. اين دور قادة الجيش والمخابرات وقوات الداخلية السوفيتية من هذا اللقاء وقراره الخياني والمعادي لمصالح الشعب السوفيتي ؟ وهل من المعقول ان جهاز المخابرات والاستخبارات العسكرية السوفيتية لم يعرفوا شيئ عن عقد هذا الاجتماع ومكان الاجتماع ومن هو الحاظر في هذا الاجتماع ؟ وما هو هدف ذلك ؟ ولماذا لم يتم اتخاذ أي اجراء ملموس في وقتها ضد قادة هذا الاجتماع ؟ ولماذا لم يتخذ البرلمان السوفيتي أي السلطة التشريعية أي أجراء قانوني ضد القرار الفردي واللاشرعي الذي اتخذه يلتسين وكرافجوك وشوشكيفيج في مينسك ؟ ولماذا لم تخرج أي مظاهرة أستنكار من قبل الطبقة العاملة السوفيتية بالضد من هذا القرار اللاشرعي واللاديمقراطي ؟، وكأن ما حدث ما هو إلا شيئ (( حتمي وطبيعي ))؟!!.

في 25/12/1991 اعلن (( بطل )) مسرحية ما يسمى بالبيرويسترويكا ميخائيل غور باتشوف إستقالته من رئاسة الحزب والدولة ، وكما طلب غورباتشوف من قادة وكوادر واعضاء الحزب الشيوعي السوفيتي بحل الحزب !!، وبتاريخ 11/3/1985 القي غورباتشوف خطاباً امام أعضاء قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي أذ أكد فيه على (( اوعدكم أيها الرفاق المحترمون سأضع كل طاقتي وخدمتي وأخلاصي من أجل خدمة حزبنا وشعبنا وقضايا اللينينية ))؟!!.

ان ما قاله غورباتشوف عندما تسلم قيادة الحزب والدولة وما فعله هو وفريقه من عام 1985 ولغاية عام 1991 ، تؤكد حقيقة موضوعية وهي أن غورباتشوف الحرباء وفريقه لم يكونوا يوماً ما شيوعين ، وهؤلاء سلكوا طريق الخيانة العظمى وبالضد من شعبهم وحزبهم ، ومما يؤسف له أن بعض (( قادة )) الاحزاب الشيوعية اليوم يسلكون نفس سلوك غورباتشوف اليوم وتحت مبررات براقة وكاذبة ، وان غورباتشوف ومن سار ويسير على نفس نهجه سيكون مصيرهم في مزبلة التاريخ وهذا هو مكانهم الحقيقي والطبيعي .
ان مسيرة التطور الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع لايمكن ان ترجع للوراء وأن حدثت بعض التراجعات والأنكسارات فهي مؤقته ، وأن الاتجاه العام سيكون لصالح الحركة الثورية ولصالح الشعوب المناضلة من أجل التقدم والعدالة الاجــــتـمـاعـيـــة .
لقد مارس ويمارس غورباتشوف اليوم أدواراً عديدة وقذرة من أجل تخريب الحركة الشيوعية على الصعيد العالمي ، وهو اليوم مستشار في أكثر من محفل ماسوني عالمي ، وهو يتجول في العواصم الغربية كأي متسول سياسي لألقاء المحاظرات الرخيصة الثمن من أجل الحصول على الورقة الخضراء ، [ أي الدولار الامريكي ]، وبنفس الوقت يقوم بالدعاية للمأكولات الغربية ومنها (( البيتسا )) مقابل حصوله على مليون دولار ، ويبرر ذلك العمل المهين والمشين (( لحاجته )) الماسة للمال !! وهو … وهو … ،!!!.
لقد جاء تفكيك الاتحاد السوفيتي وأختفائه بفعل تضافر العاملين الداخلي والخارجي واصبح العامل الخارجي هو الموجه والمنظم لعمل وفعل العامل الداخلي ، وأن قوى الثورة المضادة نفذت برنامج الحكومة العالمية .

ويمكن القول أن عامل الخيانة لدى (( قادة )) مايسمى بالبيرويسترويكا والدور النشيط للعناصر غير الروسية التي كانت تحتل المواقع الهامة في قيادة الحزب والسلطة التنفيذية والتشريعية ، والدور القذر للدولار الأمريكي ، أن هذه العوامل وغيرها قد لعبت دوراًً رئيسياً في عملية تقويض الاتحاد السوفيتي ، هذه هي الجريمة الكبرى التي وقعت في نهاية القرن العشرين .

المبحث الاول : من المسؤول عن تفكك الاتحاد السوفيتي..

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الشعلان333

المبحث الاول :ـ (( البيرويسترويكا )) هي المشروع السري للحكومة العالمية … وبعض مـــحــــاوره !!

(( لايستطيع القيام بدور مناضل للطليعة ألى حزب يسترشد بنظرية الطليعة )).

(( لا حركةً ثوريةً بدون نظريةً ثوريةً )).

لينين

يعد غياب الاتحاد السوفيتي من المسرح السياسي الدولي أكبر جريمة كبرى حدثت في العقد الاخير من القرن العشرين ، وخلال الفترة منذ عام 1991 ولغاية اليوم ، دخل العالم في دوامة من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي ـ الاقتصادي والعسكري …، ومن أخطر ما حدث بعد غياب الاتحاد السوفيتي هو نشوب حرب الخليج الثانية أو ما (( يسمى بعاصفة الصحراء)) ضد الشعب العراقي والتي كانت البداية الحقيقية لظهور ما يسمى بالنظام العالمي الجديد ، والحرب غير العادلة ضد الشعب اليوغسلافي والافغاني والعراقي واللبناني والفلسطيني وغيرها من الحروب غير المشروعة في بلدان أسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية وان الحرب غير العادلة على الشعب العراقي هي ليست الحلقة الاخيرة من مخطط الحكومة العالمية بل يمكن القول أنها الحلقة الاولى ألرئيسية ضمن هذا المخطط اللاشرعي الذي من أحدى أهم أهدافه هو الغاء اهم النتائج السياسية الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية التي تحققت بعد أنتهاء الحرب العالمية الثانية والعمل على أعادة تقسيم العالم من جديد لصالح ممثلي الحكومة العالمية .
لقد مضى أكثر من عقدين على تفكيك وغياب الاتحاد السوفيتي ، وأن هذه الجريمة النكراء كانت ولاتزال موضع نقاش حاد بين مؤيدي وأنصار الاتحاد السوفيتي وخصومه ومن حق القارئ والسياسي أن يطرح تسأولات عديدة ومن أهمها هي ألاتيه :ـ

كيف يمكن أن يختفي الاتحاد السوفيتي كدوله عظمى وبدون أطلاق طلقة واحده ؟ ما هو دور العامل الداخلي والخارجي في عملية تفكيك الاتحاد السوفيتي ؟ هل أختفى الاتحاد السوفيتي بفعل أزمة أقتصادية ومالية أم بفعل مؤامرة دولية ؟ وما هي ألقوى الداخلية والخارجية التي ساهمت في عملية تفكيك الاتحاد السوفيتي ؟ وهل كان بالأمكان احباط وأفشال مخطط الحكومة العالمية ؟ ماهو موقف ودور الاحزاب الشيوعية العالمية من مايسمى بالبيرويسترويكا ؟ وماهو دور ومكانة الحزب الحاكم قيادة وكادر وأعضاء من هذه الخيانة العظمى ؟ ماهو دور ومكانة الطبقة العاملة وحلفائها من هذا المشروع اللامشروع ؟ ولماذا ساندت غالبية (( قادة )) الأحزاب الشيوعية لهذا ألنهج التحريفي؟!.

تؤكد النظرية الماركسية ـ اللينينية على أهمية ودور العامل الدخلي في تحديد مسار العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والايديولوجية والثقافية ، ويمكن ان يلعب العامل الداخلي دوراً فاعلاً وموجهاً لمسيرة التطور وفي جميع الاتجاهات ، ويمكن أن يلعب العامل الداخلي الدور السلبي في أرجاع عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي الى الوراء وما حدث في الاتحاد السوفيتي منذ تنفيذ ما يسمى بالبيرويسترويكا خلال الفترة 1985 ـ 1991 ألا دليل وبرهان على ذلك ، ولكن ألشيئ الجديد في عملية تفكك الاتحاد السوفيتي أصبح العامل الخارجي هو العامل الفاعل والرئيس والموجه للعامل الداخلي في تنفيذ مشروع الحكومة العالمية ، أذ وجدت قوى الثالوث العالمي أنصاراً لها وأطلق عليهم بـ ((عملاء النفوذ )) في قيادة الحزب والسلطة ونفذ (( الطابور الخامس )) هدف الحكومة العالمية ألاوهو تفكيك الاتحاد السوفيتي الى دويلات (( مستقلة ))!!.
أن السلطة السوفيتية ، والاشتراكية في الاتحاد السوفيتي لم يواجها أزمةً أقتصاديةً ـ أجتماعيةً ، ولا أزمةً ماليةً ولا أزمةً أيديولوجيةً ولا غيرها بحيث تكون هذه الازمة سبباً رئيسياً في عملية تفكيك الاتحاد السوفيتي ، أن أحد أهم الاسباب الرئيسية التي ادت الى غياب الاتحاد السوفيتي وهو عامل الخيانة العظمى وخاصة في قيادة الحزب والسلطة التنفيذية والتشريعية والى الدور السلبي الكبير ” للنخبة المثقفة ” وخاصة من العناصر غير الروسية فهؤلاء شكلوا العامل الداخلي والخارجي في أن واحد من أجل تنفيذ مشروع قوى الثالوث العالمي ، وكانت هذه (( النخبة )) تحتل المواقع القيادية في قيادة الحزب والسلطة ، وهي في يدها سلطة الاعلام والأيديولوجية وحصلوا على الضوء الاخضر من غورباتشوف وفريقه من أن ينشطوا ويحققوا ما أوكل اليهم جميعاً وتحت شعارات كاذبة وفارغة وفي مقدمـتهـــا (( البيرويسترويكا وحقوق الانسان ، والتعددية ، والتعجيل والتطوير ، والعلنية والديمقراطية …))، ويجب أن نتذكر ما قاله لينين وأكد عليه وحذر منه ، من أن أي أرتداد عن ألنهج والبناء الاشتراكي فأن حدث [ الحزب مسؤول عن كل ذلك ] هذا التحذير أكدته وزكته الحياة وبالملموس خلال الفترة 1985 ـ 1991، وشكل الأتحاد السوفيتي العقبة الرئيسية أمام تنفيذ مخطط الحكومة العالمية ، واعتبرته العدو رقم 1
وبعد تنفيذ مشروع الحكومة العالمية تم تقويض الاتحاد السوفيتي بفعل عامل الخيانة العظمى من قبل غورباتشوف وفريقه ، وبعد ذلك فأن الحكومة العالمية لم تواجه أي صعوبات جدية في تنفيذ مشروعها اللامشروع على الصعيد العالمي والعمل به وفق جدول زمني محدد ـ طبعاً ــ حسب وجهة نظرهم !!ولكن هل يمكن للحكومة العالمية أن تستمر في تنفيذ مشروعها على ألصعيد العالمي ، سيما وأن النتائج الكارثية لهذا المشروع أصبحت واضحة ومعروفة ومرئية لغالبية شعوب العالم كافة ، وفي حالة الأستمرار في تنفيذ هذا المشروع ستكون نتائجه السياسية والاجتماعية والأقتصادية والعسكرية … مأساوية على كادحي شعوب العالم ،لأن هذا المشروع في شكله ومضمونه ، مشروعاً طبقياً وأيديولوجياً يخدم مصلحة الطبقة الرأسمالية والفئه الطفيلية والمضاربة والشركات الاحتكارية الكبرى في العالم .

أن النظام الرأسمالي العالمي ، ومنذ نشؤه ولغاية اليوم واجه ويواجه أزمات عامة وشاملة ودورية ، ويكمن السبب ألرئيس في هذه الأزمات في أنها نابعه في طبيعته وأساسه الاقتصادي ـ الاجتماعي ولا يمكن أن تكون الازمة خارج نطاق ذلك ، وان هذا النظام وخاصة في مرحلته المتقدمة ـ الامبريالية ، قد عجز وفشل اليوم في معالجة أزمته العامة وأيجاد الحلول الجذرية لذلك ، بل لجأ ويلجأ اليوم قادة هذا النظام الى أيجاد حلول ترقيعية ومكلفة على كادحي وفقراء العالم أجمع ومن اخطر هذه الحلول هو أعلان الحروب غير العادلة ضد شعوب العالم وتحت مبررات واهية ومنها (( غياب حقوق الانسان ، والديمقراطية ، وتصفية أسلحة الدمار الشامل ، ومكافحة ما يسمى بالارهاب الدولي …)).

لقد أصبحت هذه ألحروب غير ألمشروعة وكأنها (( ألدواء الشافي )) وألمخرج ألرئيسي للخروج من أزمة نظامهم ألمريض ولو لفترة زمنية معينة ، أما ألاسلوب الثاني وألرخيص لمعلجة أزمة نظامهم يكمن في أسلوب ألتأمر والتجسس وتكوين شبكات عديدة من العملاء أو ما يسمى بالطابور ألخامس وتحت مسميات عديدة ومنها تشكيل (( أحزاب سياسية ))
(( ومنظمات مهنية )) و(( منظمات حقوق الانسان )) وغير ذلك بهدف تقويض الانظمة ألوطنية ألرافظة للرأسمالية كنظام سياسي وأقتصادي ــ أجتماعي وشمل هذا الاسلوب
(( حلفاء )) و(( أصدقاء )) أميركا ، وأن الهدف ألرئيسي من الاسلوبين اللاشرعيين هو الاستحواذ على ثروات شعوب العالم وخاصة في ما يتعلق بموارد الطاقة [ النفط ، ألغاز …] والهيمنة على أسواق العالم بهدف تصريف (( فائض )) ألانتاج ومنذ السبعينيات من القرن ألماضي ولغاية اليوم دخل ألنظام ألرأسمالي العالمي وخاصة ألامبريالية الامريكية ، في أزمة عامةً وشاملةً ، شملت كافة الميادين السياسية والاقتصادية ــ ألاجتماعية والأيديولوجية والعسكرية وحتى الاخلاقية ، وفي نهاية السبعينات أعلنت الادارة الاميركية وبشكل علني ووقح من أن ألدول الاشتراكية في أوربا الشرقيه وجمهوريات البلطيق تمثل مصالحها الحيوية ومن الضروري القضاء على الاشتراكية وفي جزئها الهام والمتمثل بالاتحاد السوفيتي ودول اوربا الشرقيه وتحويلها ألى دول تابعةً سياسياً وأقتصادياً وعسكرياً وفاقدة لقرارها السياسي ، ودول مصدره لأهم مواد الخام الاولية وخاصة [ ألنفط والغاز …] وتحويل هذه الدول الى سوقاً لتصريف (( فائض الانتاج )) ألرأسمالي وخاصة ألسلع ألغذائيه والكمالية والمعمرة …، فأن كل ذلك وغيره قد شكل من وجهة نظر الادارة الاميركية (( ألديمقراطية)) و(( دولة ألقانون )) المخرج ألرئيسي للازمة العامة للنظام الرأسمالي وخاصة للاقتصاد والمجتمع الامريكي .

أن ما حدث في الاتحاد السوفيتي خلال الفترة 1985 ـ 1991 ، وما يحدث اليوم في رابطة الدول المستقلة [ جمهوريات الاتحاد السوفيتي ] ما هو ألا شيئ مرعب ويفوق الخيال والتصور، فغارباتشوف وفريقه قد خانوا شعبهم وفكرهم وحزبهم ، وكما خانوا شعوب وأحزاب ألبلدان ألاشتراكية وخاصة بلدان أوربا ألشرقية وكما خانوا وغدرو أيضاً بالحركة ألشيوعية ألعالمية ، والاحزاب والانظمة الوطنية والتقدمية ، وأن غورباتشوف وفريقه ألحاليون ألذين يسيرون على نفس نهجه الكارثي وبالتنسيق مع قوى ألثالوث ألعالمي وفي مقدمتها ألامبريالية ألامريكية بهدف تخريب ،وتفتيت ألاحزاب ألشيوعية ألعالمية ومن داخلها كما فعلوا في الاتحاد السوفيتي خلال الفترة 1985ــ 1991، وأن ماحدث ويحدث اليوم في رابطة ألدول ألمستقلة وغيرها من ألدول والاحزاب ألشيوعية في العالم ألا تكريس لمشروع ألحكومة ألعالمية ، واصبح غورباتشوف وفريقه أدة طيعة ورخيصة في يد ألحكومة ألعالمية من أجل تنفيذ مشروعها على الصعيد ألعالمي ، وما حدث في ألاتحاد السوفيتي ودول أوربا ألشرقية ، وما حدث ويحدث اليوم في بلدان أسيا وأفريقيا وأميركا أللاتينيه ، وما يحدث أليوم في منطقة ألشرق ألاوسط من أبادة شبه جماعية وبأسالب مختلفة للشعوب ألعربية وخاصةً ألشعب ألفلسطيني وألشعب اللبناني وألعراقي إلا دليل ملموس على هذا النهج الخطير لهذا المشروع ألعالمي .

ان من أهم النتائج ألخطيرة لمشروع ألحكومة ألعالمية وخلال ألفترة 1985 ـ 1991 تمثلت بالأتي :ـ إختفاء الأتحاد السوفيتي والحزب الشيوعي ألسوفيتي من الساحة ألسياسية ألدولية ، وكان هذا هو إلهدف الرئيس لهذا ألمشروع ، وحل حلف وارسو ومجلس التعاضد الأشتراكي [ سيف ]، وأختفاء الدول الأشتراكية في أوربا ألشرقية ، وبيع جمهورية ألمانيا الديمقراطية الى ألمانيا ألغربية ، ومن خلال عقد صفقةً خيانةً بين غورباتشوف ـ ادوارد شيفيرنادزه وكول ، وحصل شيفيرنادزه على مبلغ زهيد نتيجة لجهوده من أجل ألاطاحة بجمهورية ألمانيا ألديمقراطية وألحاقها بألمانيا ألغربية ، وبعد هذه ألصفقة أصبحت ألمانيا ألموحدة عضوة في حلف ألناتو ، وتم تفتيت ، تقسيم ، إختراق معظم ألاحزاب ألشيوعية ألعالمية وأصبحت بعض ألاحزاب ألشيوعية في نهجها وسلوكها احزاباً أشتراكيةً ــ ديمقراطيةً أو حتى أسوء من ذلك ، هذه هي بعض النتائج ألماساوية على الصعيد ألدولي .

أما نتائج مشروع ما يسمى بالبيرويسترويكا على ألصعيد ألداخلي وفي ألميدان ألاقتصادي والأجتماعي فهي نتائج سلبية ونذكر من أهمها :ـ نشوب الحرب ألأهلية منذ عام 1987ولغاية 1991 وخاصةً في جمهوريات اسيا ألوسطى وغيرها من ألدول وراح ضحية هذه ألحروب مئات ألالاف من ألمواطنين ألابرياء ، وتم تأجيج ألصراعات القومية والدينية ، وظهور تيارات ذات نزعةً شوفينيةً وعنصريةً فاشيةً ، وهبوط مستمر للأنتاج ألمادي وخاصة بسبب ألخراب ألمتعمد للقطاع ألزراعي وألصناعي ، وظهور عشرات الملايين من ألمهجرين والمشردين والعاطلين عن العمل ، وتدهور الدخل الحقيقي لأكثر من 85 % من سكان رابطة الدول المستقلة ، وبالمقابل ظهور ألديناصورات والحيتان المالية التي إبتلعت ثروة الشعب ، وظهور جيش كبير من ألعاطلين عن ألعمل وخاصة وسط ألشباب ، وظهور جيش كبير من ألاطفال المشردين والأيتام الذين لايملكون لا الغذاء ولا السكن ، بل هم اليوم يتسولون في ألشوارع وأصبحت مقرات سكنهم هي محطات ألقطارات وأنفاق المترو … وعودة ألامراض التي تم ألقضاء عليها قبل اكثر من نصف قرن وعودة ألامية وخاصة بين الشباب ومن جديد ، وتنامي ألمديونية على الصعيدين المحلي والخارجي وتنامي العجوزات المالية في الميزانية ألحكومية وميزان المدفوعات والميزان التجاري ، والتضخم المفرط ، وتفشي ألجريمة والمخدرات والتلوث الاجتماعي ــ أي بيع (( ألسلع الحية ))، وهيمنة ألمافيا السياسية والأجرامية على اهم ألمفاصل الاقتصادية والمالية والأعلامية ، وتعمق الهوة ألاقتصادية والأجتماعية لصالح الاوليغارشية الحاكمة والفئة الطفيلية واللصوصية .

فهل هذا هو المطلوب من عملية ألبيرويسترويكا ألتي صفق وروج لها ألغرب واعلامه
(( الديمقراطي )) وبنفس الوقت صفقت لها بعض الأحزاب الشيوعية و(( قادتها)) نطرح سؤالاً مشروعاً على كل من أيد وبحماس وعقد ألندوات (( ألفكرية )) والتثقيف لهذا ألنهج ألخياني ؟ هل كان تطابق موقفهم مع الأعلام الغربي محض صدفة ؟ أم …؟! فهل سنحصل على جواب من هؤلاء ((ألقادة الشيوعيين))؟!.

لقد عمل غورباتشوف ــ ياكوفليف ــ شيفيرنادزه ــ يلتسين …، وبشكل هادف وواعي ومخطط على تخريب ألاقتصاد والمجتمع ألاشتراكي ، ومن خلال تطبيق ما يسمى بوصفة صندوق النقد والبنك ألدوليين، فبحجة هذه ألشعارات ومنها (( حقوق ألانسان ، التجديد والتعجيل ، والديمقراطية …)) ثم تخريب ألقطاع ألصناعي والزراعي وأضعاف كبير للقوة العسكرية ، وثم تخريب افضل نظام تعليمي وصحي واجتماعي في ألعالم ، وكما عمل هؤلاء ((ألقادة)) وبالتنسيق والتعاون مع الدوائر ألعسكرية والمخابراتية وفي مقدمتها وكالة ألمخابرات المركزية الامريكية وتحت حجة (( تقليص الانفاق والتسليح والأنفراج ))على تخريب الجيش السوفيتي ــ ألروسي من حيث الكم والنوع وكذالك تم اضعاف مكانة لجنة امن الدولة المعروفة بـ [ كي .جي .بي ] .

أن نهج ما يسمى بالبيرويسترويكا أدى ألى اشاعة الخراب والدمار والفوضى وفي كافة ألميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية …، وكان هذا هو الهدف الرئيس لقوى الثالوث ألعالمي من المشروع (( ألبيرويسترويكي )) سيئ ألصيت . يطرح سؤال مشروع :ـ ما هو هدف ألحكومة ألعالمية مابعد ذالك ؟
نعتقد أن(( نجاح )) ألحكومة ألعالمية في تفكيك ألاتحاد السوفيتي ما هو ألا الخطوة ألاولى في مشروعها ألعدواني ، فهناك أهداف أخرى رئيسية تهدف اليها ألحكومة ألعالمية من تحقيقها ومن أهمها هو الاتي :ـ

تسعى ألامبريالية ألاميركية قيادة ألعالم وألاستحواذ على أهم موارده ألطبيعية ألمتمثلة بالنفط والغاز … وأعتبرت ألادارة ألاميركية أن ألعالم كله قد أصبح يمثل مصالحها ألحيوية ؟! ياله من جنون ألعظمة ألشيطانية ، وياله من خرافة لايصدقها إلا من فقد صوابه ، وتحت معاداة ومحاربة ألفكر الاشتراكي والشيوعي ثم تقويض جمهوريات يوغسلافيا ألاتحادية ، الجمهورية ألاشتراكية ألوحيدة في أوربا ومن خلال أسلوب ألتدخل ألعسكري وبشكل غير شرعي وكانت حجة (( رائدة ألديمقراطية )) هو وجود نظام ((دكتاتوري)) في يوغسلافيا ((وغياب ألديمقراطية وحقوق ألانسان…)) وتم خلق مايسمى بالمعارضة ألسياسية وبفضل ألورقة ألخضراء ثم خلق (( ألدكاكين ألسياسية )) وتم تأجيج ألصراعات القومية والطائفية والدينية بين الشعب أليوغسلافي وبشكل واعي ومخطط له ، من اجل تحقيق الهدف الامبريالي شن حلف ألناتو بقيادة ألامبريالية ألاميركية حرباً غير عادلة ذهبت ضحيتها عشرات ألالاف من المواطنين الابرياء وثم اعتقال ألرئيس ألشرعي لجمهورية يوغسلافيا الاتحاديه من قبل قوات ألناتو الوحشية وعدم الأخذ بالديمقراطية وحقوق ألانسان التي يدعون بها ، وشكلوا محكمة لاهاي أللاقانونية لمحاكمة سلوبودان وفشلوا في ادانته في أرتكاب جرائم ضد شعبه ووصلت ألمحكمة الى طريق مسدود، فلم يبقى امام ألادارة ألاميركية واجهزتها ألمخابراتية إلا الاسلوب المخابراتي القذر إلا وهو ضرورة تصفيته وفعلاً تم تصفيته باسلوبهم الخاص والقذر وتخلصو من جريمتهم النكراء ضد ألرئيس ألشرعي وضد الشعب اليوغسلافي ، وتم تفكيك جمهورية يوغسلافيه الى دويلات (( مستقلة )) تابعة ومتخلفة .

أن احد اسباب (( نجاح )) الامبريالية الاميركية وحلفائها في تقويض النظام ألاشتراكي في يوغسلافيا يرجع الى ألدور اللامبدئي الذي اقدم عليه يلتسين ــ ثشرينوميردين ولعب اللوبي اليهودي الروسي الدور ألفاعل والموجه لنظام يلتسين من أجل ان يتخلى عن دعم وأسناد سلوبودان .

لقد أستخدمت اميركا وحلفائها حجة وهمية إلا وهي مايسمى بمكافحة الأرهاب ألدولي ، ومن خلال هذه ألبدعة تم تقويض نظام حركة طالبان التي أسسة ودعتمة ومولة ودربة وأشرفت عليه وكالة المخابرات ألمركزية الاميركية والاستخبارات ألباكستانية وكان ألهدف ألرئيسي من تقويض حركة طالبان مجيْ نظام أفغاني جديد موالي بالكامل لأمريكا ، وممارسة ألضغوطات ألسياسية والاقتصادية والعسكرية بالضد من ألصين وايران وروسيا وجمهوريات أسيا ألوسطى ناهيك عن ألهدف الهام وهو محاولة أميركا السيطرة على نفط بحر قزوين إضافه ألى ألاستفادة من تجارة ألمخدر ات والتي تدر أرباحاً خياليتةً على ألمافيا ألافغانية والمتحالفة مع بعض ألقيادات ألعسكرية وبلغ أجمالي المبيعات السنوية للمخدرات بـ 45 مليار دولار وهناك تقديرات أخرى تؤكد أكثر من ذلك بكثير .

أن حرب أميركا وحلفائها في أفغانستان كان له بدايةً ولكن نهاية هذه ألحرب غير معروفة ألنتائج ودخل حلف ألناتو في مأزق حقيقي في أفغانستان وأن ألأسلوب ألعسكري كحل قد فشل فشلاً ذريعاً ، وسوف تخسر أميركا وحلفائها وسوف يتكبدون خسائر بشرية كبيرة في حالة أستمرار تواجد قوات ألاحتلال في أفغانستان وسوف تتوحد ألمنظمات ألاسلامية مع تنظيم مايسمى بالقاعدة بالضد من التواجد العسكري للقوات الاجنبية المحتلة وسوف تحضى هذه ألتنظيمات ألاسلاميه ألتي أوجدتها [ C.I.A ] بالضد من ألاتحاد السوفيتي من قبل ((حلفاء )) و((أصدقاء )) أميركا من ألدول ألغنية سواء كان هذا ألدعم مادي اوغير مادي سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، وهنالك حقيقة يجب أن تفهمها ألادارة ألاميركية وأن ألشعوب لايمكن ترويضها ولايمكن شراؤها بالدولار .

أن رحيل قوات ألاحتلال من ألبلدان هو شيئ حتمي وموضوعي سواء كان ذلك في ألعراق أو في أفغانستان أو في جمهوريات أسيا ألوسطى أو غيرها من ألبلدان ، كما أنهزمت ورحلت ألامبريالية ألاميركية من فيتنام ولبنان والصومال وغيرها من البلدان .

لقد أستخدمت أميركا حجة جديدة ضد ألنظام ألعراقي ألسابق وهي (( تصفية أسلحة ألدمار ألشامل …))!! من خلال هذه ألحجة ألكاذبة تم تقويض ألنظام ألعراقي من خلال التدخل العسكري ألمباشر وكان ألاجدر بالادارة ألاميركية أن تستخدم أساليب كثيرةً في تحقيق ماكان يصبوا اليه الشعب ألعراقي وقواه الوطنية من خلال ألاعتماد على ألشعب ألعراقي وقواه ألسياسية ، فالشعب يملك ألحق ألكامل في عملية تقويض هذا ألنظام ، ومن الداخل فلو تم ذلك لتجنب ألشعب ألعراقي كل هذه ألمأسي والكوارث ألسياسية والاقتصادية ـ الاجتماعية والعسكرية ، إلا ان الادارة ألاميركية رفظت ذالك ، وتدخلت عسكرياً من أجل تقويض ألنظام ألعراقي ، وكان ألهدف ألرئيس هو ألاستحواذ على نفط وغاز … الشعب العراقي وتأمين الأمن للكيان ألأسرائيلي وفق ” ألمبدأ” القائل (( إنصر أخاك ضالماً أو مضلوماً )) وتنفيذ ما يسمى بمشروع ألشرق ألاوسط ألكبير (( ألجديد ))، وليس” إنقاذ” ألشعب من طاغية العراق بدليل أن ثمن (( تحرير)) ألعراق وبناء (( ألديمقراطية وحقوق ألانسان والتعددية السياسية …)) كان ثمن باهظاً أذ تجاوز ألمليون قتيل ؟ ولا زالت الاوضاع السياسية والاقتصاديةــ ألاجتماعية والأمنية غير مستقرة وهناك عشرات (( ألقنابل)) ألموقوتة في ألعراق وهي قابلة للأنفجار في أي وقت ، وأن حدث ذالك سواء كان من قبل قوى داخلية كانت أم أقليمية أو من ((ألديمقراطيات ألكبرى )) فأن مصير ألعراق أرضاً وشعباً سيكون في خطر جدي وكما لايستبعد من إختفاء ألعراق كدولةً موحدة ، أي ظهور(( دويلات)) صغيرة و((مستقلة)) وأن حدث هذا فأن من رفع شعار ألفيدرالية وطالب في تنفيذه وفي مثل هذه ألاوضاع غير ألطبيعية سيتحملون كافة ألمسؤولية أمام ألشعب ألعراقي أليوم أو غداً ، فالفدرالية مطلب شرعي ولكنها تحتاج الى ضروف وأستقرار أمني وأقتصادي ــ أجتماعي ويمكن أن يتم تحقيق الفدرالية من خلال القيام بأجراء الأستفتاء الشعبي الحر والديمقراطي وعكس ذلك فهو سابق لأوانه ويحمل هذا المشروع مخاطر جديةً على وحدة وسلامة العراق أرضاً وشعباً .

أن ” ألحجه ألذكية” التي أستخدمتها ألامبريالية ألاميركية إلا وهي خلق ، تأسيس ((معارضة سياسية)) بهدف أشاعة وأفساد ألعمل ألسياسي النظيف وتم تأسيس (( أحزاب )) و(( جمعيات)) و((منظمات)) لاتعد ولاتحصى وأغلب قيادة هذه ألاحزاب هم حلفاء وأصدقاء لأميركا ، وهذا ماحدث في رابطة ألدول ألمستقلة ودول أوربا ألشرقيه وكثير من بلدان اسيا وأفريقيا وأميركا أللاتينيه ، ومن خلال هذا النشاط اللامشروع أستطاعت ألولايات ألمتحدة ألتدخل في ألشؤون الداخلية للدول ألمستقلة بهدف تقويضها من ألداخل وبحفنةً من ألاوراق ألخضراء وهذا ألسلوك أللاقانوني لم يشمل ألدول ألرافظة لنهج سياسة ألقطب الواحد ، بل شمل أيضاً الدول الحليفة والصديقة لاميركا .

أن ما حدث ليوغسلافيا وبيلاروسيا وملدافيا وكوبا وفنزويلا وسوريا وأيران … وغيرها من الدول إلا دليل حي وملموس على هذه ألبدعة الخبيثة واللاقانونية ، ومع ذلك فهم يدعون أنهم (( ديمقراطيون ، ودولة قانون ، ومجتمع ألمدني))، ويتم أليوم وعلى مرئ ومسمع كل شعوب ألعالم في أبادة ألشعب ألفلسطيني من قبل ألكيان ألأسرائيلي والمدعوم من قبل ألصهيونية العالمية والامبريالية الاميركية وحلفائها ، وفي ظل صمت وتخاذل غالبية ألانظمة ألعربية ألمتواطئة مع أميركا ، وأن ألهدف ألرئيس من هذه ألحرب غير ألعادلة ضد ألشعب ألفلسطيني هو تشريد وقلع جذور ألشعب ألفلسطيني من أرضه ألمشروعة .

أن نهج ألامبريالية ألاميركية ألعدواني واللاشرعي والذي يتم وفق ” وصفة سحرية ” مخالفة للمنطق، ويكمن جوهر هذه الوصفة في : مكافحة ألشيوعية عالمياً ، وأستخدام الحروب غير ألعادلة لمعالجة أزمة نظامها ألهش والسائر نحو ألهاويه والزوال ، ومكافحة ما يسمى بالارهاب ألدولي وتصفية أسلحة الدمار ألشامل وخلق معارضة سياسية فاقدة لصوابها وطريقها والتي لاتحضى بأحترام وثقة شعبها ، وأستخدام سياسة ألكيل بمكيالين وغير ذالك .
أن هذا ألنهج محكوم عليه بالفشل الحتمي وسوف لن يستمر طويلاً، وسوف تدرك شعوب ألعالم وأحزابها الوطنية والتقدمية خطر هذا ألنهج ألكارثي ومن أجل أفشال هذا المخطط يتطلب قيام جبهةً وطنيةً عالميةً لمقاومةً هذا ألنهج ألمأساوي ، وهذا يعني ظهور قطب جديد وهو قطب الشعوب من أجل أعادة التوازن السياسي والأقتصادي والعسكري لصالح الأستقرار العالمي .

أن توسع حلف ألناتو، حلف الشر قد شكل ويشكل اليوم ظاهرة عسكرية وسياسية خطيرة على العالم أجمع وخاصةً بعد حل حلف وارسو ، فبيع جمهورية المانيا ألديمقراطية وانظمام دول أوربا الشرقيه وجمهوريات البلطيق [ احدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي ] الى هذا الحلف ، والعمل الحثيث من قبل أميركا على ظم كل من جورجيا وأكرانيا وأذربيجان وغيرها من ألبلدان الى حلف الناتو . أن الهدف الرئيس من ذلك هو محاصرة جمهورية روسيا ألاتحادية عسكرياً وأقتصادياً بهدف ترويضها وشل دورها وفاعليتها على صعيد رابطة الدول المستقلة وعلى الصعيد العالمي .

على ما يبدوا أن (( شهر العسل )) ـ كما يقال بين روسيا وأميركا خلال الفترة 1992ـ أب 2008 قد انتهى ، وأتسمت هذه الفترة بصفة المد والجزر في الميدان السياسي وغياب الثقة بين الأدارة الأمريكية والقيادة الروسية ، وكما يمكن القول أن نهج ألاحتواء والغطرسة والاستحواذ على ثروات ألشعوب الذي أنتهجته ألادارة ألاميركية منذ ألتسعينات من ألقرن ألماضي ولغاية أب عام 2008 قد فشل ، وهذا ألنهج أللامشروع قد ادخل ألادارة الاميركية في أزمات سياسية وأقتصادية ــ أجتماعية ومالية وعسكرية كبيرة .

يعتبر تشكيل محكمة لاهاي خرقاً للقانون والشرعية الدولية ، وهي محكمة غير دستورية أذ تم تشكيلها برأسمال صهيوني ــ أميركي ولأهداف سياسية بالدرجة ألاولى بهدف ألانتقام من جميع ألرؤساء وكبار ألمسؤلين ورجالات السياسة والاقتصاد والثقافة … ألذين ناهظوا الولايات المتحدة ألاميركية خلال فترة مايسمى بالحرب الباردة وكذلك بالضد من ألرؤساء والقادة السياسين وألذين لايزالون يعارضون ألنهج ألامبريالي ألاميركي ألمتوحش ، وكان ألرئيس اليوغسلافي الشرعي لجمهورية يوغسلافيه سلوبدان ميلوفيتيش هو ألضحية الاولى بعد غياب الاتحاد السوفيتي ، ويتحمل ألرئيس الروسي بوريس يلتسين ورئيس وزرائه فيكتور تشرنيوميردين وغيره من المقربين منهم دوراً كبيرا فيً أعتقال وتصفية ألرئيس الشرعي سلوبدان ، وفي حالة أستمرارها فسوف يدخلها ليس فقط ألرؤساء وقادة الاحزاب الوطنية واليسارية ، بل حتى (( حلفاء )) و(( أصدقاء)) أميركا ، فأميركا ليس لديها “صديق” أو “حليف” فهي لاتؤمن بذلك ، لديها مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية فقط ، وهي تستخدم أللامنطق وتتبع سياسة الكيل بمكيالين ، ومع ذلك يدعون أنهم (( ديمقراطيون))..؟!.
أن غياب الاتحاد السوفيتي في عام 1991 قد ترك فراغاً سياسيا ًوأقتصادياً وعسكرياً كبيراً على الصعيد الدولي ، وكما ترك أثاراً سلبية على الصعيد الدولي أيضاً، إذ فقدت الشعوب والدول والاحزاب الوطنية والتقدمية الحليف الامين والمدافع الوفي لها ، وبسبب ذلك دخل العالم بداية مرحلة خطيرة إلا وهي مرحلة البدايات الحقيقية للفوضى وعدم الاستقرار على الصعيد الدولي ، إذ بدأت ألامبريالية ألاميركية تنفرد وبالتدريج بالعالم لصالحها ولصالح ما يسمى بالمليار الذهبي ضاربة عرض الحائط كل القوانين والشرعية الدولية بهدف الخروج من ازمتها العامة وأنقاذ ألنظام الامبريالي من ألانحطاط والتدهور وألافلاس ولايمكن تجنب ذلك إلامن خلال ألاستحواذ المباشرعلى ثروات الشعوب وتحت مبررات واهية ، وهذا هو جوهر مشروع الحكومة العالمية ، الذي بدأ بتنفيذه الجدي منذ عام 1985 بهدف تقويض الاتحاد السوفيتي وحلفائه عبر مايسمى بالبيرويسترويكا سيئة الصيت ، أن أهم (( القادة والكوادر)) الحزبية التي عملت على تقويض دولتهم العظمى وأطلق عليهم أسم (( عملاء النفوذ )) وهم ميخائيل غورباتشوف والاسكندر ياكوفليف وأدوارد شيفرنادزه وبوريس يلتسين وكرافجوك وشوشكيفيج ومدفيدوف وفولوسكي وبيرماكوف وغافريل بوبوف وغينادي بوريولس ويغورغايدار وأناتولي سوبجاك ، وأناتولي جوبايس وكوزوروف وغيرهم من (( قادة )) و((كوادر)) الحزب في السلطة التنفيذية والتشريعية ، ولعب ((المثقفون)) من غير القومية الروسية دوراً رئيسياً في عملية تقويض السلطة السوفيتية من خلال موقعهم في السلطة وقيادتهم للاعلام المركزي للحزب الحاكم ، وكل نشاطهم جرى تحت مايسمى بالبيرويسترويكا والتجدد والتطوير …؟!، وتوج هذا النهج اللاوطني في عقد معاهدة مينسك أو ما اطلق عليها اسم ((بيليجيفسكيابوشا)) التي وقعها الرئيس الروسي يلتسين والرئيس ألاوكراني كرافجوك ورئيس البرلمان البيلاروسي شو شكيفيج في كانون الاول عام 1991.

يخطأ من يعتقد أن غياب الاتحاد السوفيتي قد شكل مايسمى بنهاية التاريخ واصبح العالم تحت مايسمى بالقطب الواحد ، أي القطب الامبريالي الاميريكي ، فأن هذا القطب ليس له مستقبل ، وهو أدخل شعوب العالم والحكومات في مأزق خطير ، مأزقاً سياسياً وأقتصادياً وأيديولوجياً وثقافياً فالعالم اليوم مرشح لظهور أكثر من قطب خلال المرحلة المقبلة ، وأن الصراع بين هذه الاقطاب سيكون صراعاً أقتصادياً وهذا الصراع يمكن أن يستمر لفترة غير قصيرة ، ونتيجة لهذا الصراع سوف يشهد العالم ومن جديد قطبين رئيسين متصارعين وعدائين وهما القطب الاشتراكي ، قطب كادحي وشغيلة العالم والقطب الامبريالي ، أي قطب الطغمة المالية الحاكمة ، فالقطب الاخير مصيره ألزوال الحتمي ، وقطب الشعوب سوف ينتصر في نهاية المطاف ، لأن الشعوب لايمكن ترويضها لابالقوة العسكرية ولابالدولار ألاميركي ولابالاعلام المزيف والمنحاز للطبقة البرجوازية الحاكمة .

ومن اهم محاور مشروع الحكومة العالمية يكمن بالأتي :ـ

ألمحور الأول:ـ العمل على تقويض ألاتحاد السوفيتي

إعتقد قادة قوى الثالوث العالمي أن الاتحاد السوفيتي يشكل عقبةً رئيسيةً في تنفيذ مشروعهم أللامشروع ، وأن تنفيذ مشروعهم لايمكن أن يكتب له ألنجاح إلامن خلال تقويض ألاتحاد السوفيتي ، وتقويضه غير ممكن لابالقوة العسكرية ولابفرض الحصار الاقتصادي ، وعليه لابد من تقويضه من الداخل ومن خلال قيادة الحزب الحكم ، وعلى أساس ذلك تم أبتداع بدعةً إلا وهي مايسمى بالبيرويسترويكا ووضع لها شعارات كاذبة ومظلة والتي تمثلت مايسمى بحقوق الانسان والديمقراطية والتعددية والتعجيل والتطوير … ووجدوا ظالتهم في (( القيادة الشابة )) المتمثلة بغارباتشوف وفريقه المرتد ، وتم تحقيق حلمهم الرئيس الا وهو تقويض الاتحاد السوفيتي ومن الداخل وبدون أطلاق طلقة واحدة .
أن قادة قوى الثالوث العالمي نسو أو يريدون أن يتناسو أن (( نجاحهم )) هو مؤقت فلا يمكن السير دائماً ولفترة طويلة عبر المنطق المخالف لسنة التطور الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع البشري ، وأن حصلت بعض الانتكاسات فهي متوقعة ومؤقتة ، فمسيرة تطور المجتمع البشري هي دائماً تسير ألى ألامام وما يصادفها من بعض الأنتكاسات والتعرجات فهي مؤقتة وزائلة فالشعوب تواقه ألى أقامة مجتمع خالي من ألاستغلال والاضطهاد وبكل أشكاله ، عالم يسوده الرخاء والعدالة والرفاهية للمجتمع.

المحور ألثاني:ـ ألعمل على تفتيت ألحركة ألشيوعية ألعالمية

أدركت الحكومة العالمية أن الحركة الشيوعية العالمية قد شكلت وتشكل العدو والخصم رقم 1 والعقبة ألرئيسية أمام تنفيذ مشروعها ، وأن أضعاف وتفتيت هذة الحركة العالمية سوف يسهل من تمرير وتنفيذ مشروعها ، وكما أعتقد قادة قوى الثالوث العالمي ، أن القضاء على الحزب الشيوعي السوفيتي الحاكم هو البداية ألاولى لأضعاف وتفتيت هذه ألحركة ، ومما يؤسف له إنها وجدت لها أنصاراً ومؤيدين وحلفاء في قيادة ألحزب ألحاكم وعلى رأسهم ميخائيل غورباتشوف وفريقه ألتحريفي ، وبعد تحقيق هدفهم في تقويض الحزب ألشيوعي السوفيتي ومن داخله ومن خلال غورباتشوف ياكوفلييف ــ شيفرنادزه … بدأو بالتحرك نحو ألاحزاب الشيوعية في ألدول الاشتراكية ألحاكمة وتم تقويض أوربا ألشرقية وبأحزابها الحاكمة من خلال التعاون والتنسيق ألوثيق بين قادة قوى ألثالوث ألعالمي وغورباتشوف وفريقه ، وبدون غورباتشوف وفريقه لما أستطاعت قوى الثالوث العالمي في تقويض ألحزب الشيوعي ألسوفيتي والاحزاب ألشيوعية ألحاكمة في أوربا ألشرقية ، هذه هي الحقيقة ألموضوعية ألمرة والتي يجب علينا ألاعتراف بها ودراستها بعلمية وموضوعية ، لانها شكلت ظاهرة خطيرةً في مسار ألحركة الشيوعية العالمية .
قامت قوى الثالوث العالمي بأختراق بعض ألاحزاب ألشيوعية سواءً كانت حاكمة أو غير حاكمة ومما يؤسف له أنها وجدت لها أنصاراً ومؤيدين في هذه ألاحزاب ، وكان الهدف الرئيس لهذه القوى هو أضعاف ألحزب وأبعاده عن نهجه ألمبدئي وتخليه عن ألثوابت ألمبدئية وفي مقدمة ذلك عدم ألاعتماد على ألنظرية ألماركسية ــ أللينينية ، أذ تم تجزئتها وتم ألاعتماد على ألماركسية فقط وتم ألتخلي عن أللينينية !!، وتم ألتخلي أيضاً عن الصراع ألطبقي ودكتاتورية ألبروليتارية والتضامن ألأممي وغيرها من الثوابت ألمبدئية ، وبالتالي تحولت هذه ألاحزاب من أحزاب شيوعية ألى أحزاب أشتراكية ديمقراطية وهي ألسند ألرئيس للنظام ألرأسمالي ، وبنفس ألوقت فان برامجها وخطابها ألسياسي هوفي خدمة ألرأسمالية سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر ، وأن هذا التوجه والسلوك لقادة هذه ألاحزاب شكل ويشكل اليوم الخيانة ألفكرية لايديولوجية الطبقة ألعاملة وحلفائها .

أن أغلب قادة ألاحزاب ألشيوعية أليوم هم كانوا كوادر متقدمةً في هذه ألاحزاب خلال فترة مايسمى بالبيريسترويكا ، وبعد ((نجاح)) ألنهج ألبيرويسترويكي أحتلت هذه (( ألكوادر الشابة)) ألمواقع ألقيادية في أحزابها ، وترعرعت وتشبعت بروحه الفاسدة والتحريفية ، ومن خلال تبؤها قيادة الحزب عملت هذه (( القيادات ألشابة ))ألجديدة وتحت غطاء وهمي وهـــــو
(( ألتجديد والتطوير والديمقراطية)) وتحت غطاء هذه الشعارات وغيرها تم أبعاد الحزب عن ايديولوجيتة العلمية ونهجه المبدئي وتم أفراغ الهوية ألطبقية واستقلالية الحزب وغير ذلك ، أن كل ذلك تم ويتم أليوم وبصرخات عالية ! وتحت مبررات ” ألتجديد والديمقراطية والاستقلالية”

أن ما حدث ويحدث اليوم في الحركة الشيوعية العالمية من وضع غير طبيعي وغير سليم وحتى يمكن القول أنه كارثي وتلقى ألمسؤلية المبدئية أليوم على المخلصين من قادة وكوادرهذه الاحزاب من أن تقف وقفةً مبدئيةً ووطنيةً لتصحيح المسار الخاطئ لنهج أحزابهم قبل فوات ألاوان ، وإلا ماذا نقول الأن يوجد في الاتحاد السوفيتي أكثر من 40 حزباً شيوعياً ؟!، وفي روسيا وحدها فقط يوجد أكثر من 5 أحزاب شيوعية ؟! هل هذه ظاهرةً صحيةً؟! ولمصلحة من؟ ومن ألمسؤل عن ذلك ؟.
وكما نشاهد اليوم وفي أغلب بلدان أوربا وبلدان أسيا وأفريقيا وأمريكا أللاتينيه وجود اكثر من ثلاثة او أربعة أحزاب شيوعية في كل بلد ؟. يطرح سؤال مشروع : من ألمسؤول عن هذا التفتت والتجزئة والذي بدأ وخاصة بعد عام 1991 ولغاية اليوم ولازالت عملية الانشطارات مستمرة ؟ فهل هذا معقول ومقبول اليوم ؟ وهل هو صدفة أم شيئ مخطط له من قبل قوى داخلية أو خارجية ؟.
أن هدف الحكومة العالمية الرئيسى هو العمل على تفتيت الاحزاب الشيوعية العالمية وشل دورها وفاعليتها على الصعيدين الداخلي والخارجي وفي النهاية أما تقويضها بشكل نهائي او حرفها عن نهجها المبدئي , ويتم تحقيق ذلك عبر وسائل متعددة ومنها على سبيل المثال : ـ العمل على إختراق هذه الاحزاب وخاصة قيادتها وكوادرها المتقدمة , استخدام اسلوب شراء الذمم من خلال تقديم المغريات المادية وغير المادية , العمل على خلق فجوة كبيرة بين القيادة والقاعدة واشاعة الارباك والفوضى الفكرية داخل هذه الاحزاب , أتباع اسلوب التصفيات الجسدية والاسقاط السياسي والايداع بالسجن وخاصة للنشطاء من قادة وكوادر الحزب ، واتباع سياسة الضغط الاقتصادي والارهاب النفسي والسياسي ، واتباع سياسة التجويع والتخريب الثقافي والايديولوجي ، والعمل على تشويه سمعة القادة والكوادر الرافظة لمشروعهم وتوجيه عدة تهم وبأساليب قذرة سواء كانت التهم سياسية أو اجتماعية أوفكرية باطلة ومزورة بهدف أضعاف ثقة القاعدة الحزبية بهم ، وكما تقوم قيادة الحكومة العالمية بالتعاون وبالتنسيق مـــع
(( انصارها ومؤيديها )) ومع (( الطابور الخامس )) من اجل تخريب هذه الاحزاب ومن داخلها وبشكل ((هادي ومنظم )) وتحت شعارات ما يسمى ((بالديمقراطية…)) وخير دليل على ما حدث في الاتحاد السوفيتي ودول اوربا الشرقية وفي البلدان ألرأسمالية ومنها أيطاليا وفرنسا …، وكذلك في بعض الاحزاب الشيوعية في البلدان العربية .

لقد تبنى ويتبنى اليوم (( الطابور الخامس)) أفكاراً وطروحات (( يسارية )) بهدف تخريب الحزب ومن الداخل ، ومما يؤسف له (( نجح الطابور الخامس )) في بعض الاحزاب الشيوعية في أبعاد خيرة القادة والكوادر والاعضاء المخلصين في الحزب وتحت أساليب ومبررات قذرةً وغير مبدئيةً ، وهي في اغلبها مفبركةً وبشكل ((هادئ وجيد )) ؟!، وان الهدف من هذا الاسلوب القذر واللامبدئي هو أضعاف ثم افراغ وشل دور ومكانة الحزب في المجتمع من خلال إبعاد النشطاء والمبدئين سواء كانوا قادة او كوادر او اعضاء من الحزب وبالنتيجة سوف يتحول هذا الحزب الثوري الى حزباً هيكلياً فقط وسوف لن يشكل أي خطر على النظام الحاكم وبالنتيجة النهائية وهي الأهم هو أن اعضاء الحزب وأصدقاؤه من جماهير الشعب سوف يفقدون الثقة بالحزب وبالفكر الماركسي ــ اللينيني وبالاشتراكية … وهذا هو الهدف الرئيس لمشروع الحكومة العالمي .

المحور الثالث :ـ العمل على تخريب وأفساد العمل السياسي

يهدف مشروع الحكومة العالمية القضاء على العمل السياسي المبدئي والمشروع والنظيف واظهاره على انه عمل (( عبثي وغير نافع …)) ولن يجلب للعاملين فيه سوى الحرمان والمأسي والكوارث لهم ولشعوبهم ، ويتم التركيز على الاحزاب الشيوعية والوطنية والتقدمية بالدرجة الاولى .
يطرح سؤال مشروع من يقف وراء هذه الادعاءات وهذا الهجوم ؟
نعتقد أن الامبريالية ألاميركية وحلفائها ، وادواتها السياسية والاقتصادية والمالية والمخابراتية والعسكرية … هي التي تقف وراء كل ذلك وغيره ، وأن كل ما حدث خلال القرن العشرين والعقد الأول من القرن 21 وما سيحدث مستقبلاً ، تتحمل ألامبريالية الاميركية وحلفائها وادواتها مسؤلية ما حدث وما سيحدث مستقبلاً .

يركز مشروع الحكومة العالمية على افساد معظم قادة الاحزاب السياسية من خلال تقديم الدعم المادي والمعنوي لهم وأعطائهم بعض المراكز في السلطتين التنفيذية والتشريعية وكذلك فسح المجال أمامهم من أجل الاستحواذ على جزء من ثروة الشعب ومن خلال تنفيذ سياسات ما يسمى بالاصلاح الاقتصادي وتنفيذ برنامج (( الخصخصة )) وابعاد دور الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وأرباك وأضعاف وتخريب قطاع التعليم والصحة وغير ذلك ، وبنفس الوقت يركز المشروع على أفساد الشباب واستخدام كافة الوسائل من أجل تحيدهم وأبعادهم عن العمل السياسي والمهني المشروع والنظيف والملتزم ، ومن اهم الوسائل التي تستخدمها ألامبريالية ألاميركية وحلفائها هي التلفزيون والسينما والراديو والصحافة الصفراء والانترنيت والفضائيات غير الملتزمة وتلعب الفضائيات والانترنيت دوراً سلبياً في أفساد وتخريب وتشويه الشباب والعمل السياسي النظيف والملتزم ، وأن مركز ألانترنيت ومعظم الفضائيات تدار وتوجه من قبل كوادر أجنبية سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر ولديها برنامج مشترك ، أي يمكن القول هناك جهةً سياسيةً لديها ايديولوجيةً تشرف وتوجه هذه الفضائيات والانترنيت بما يخدم مشروع الحكومة العالمية.

إن افساد الشباب يتم اليوم من خلال تفشي المخدرات وتعاطي الكحول وبشكل مفرط والدعوة الى تفشي التلوث الاجتماعي وتحويل الانسان الى سلعةً يباع ويشتري وبثمن بخس وهذا مايطلق عليه اليوم بتجارة (( السلع الحية )) والدعوة عبر وسائل الاعلام المختلفة بـ (( ثورة السكس)) !! والعزوف عن الزواج والحياة الطبيعية والدعوة والترويج لما يسمى بالزواج العرفي أو المدني ، اضافة الى ذلك تنامي معدلات البطالة وخاصة وسط الشباب وانحطاط المستوى المعاشي للغالبية العظمى من المواطنين وبالنتيجة سوف يؤدي كل ذلك الى تنامي معدلات الجريمة والتلوث الاجتماعي واضعاف وحدة الاسرة والمجتمع . وكما يركز مشروع الحكومة العالمية على خلق تصور لدى الغالبية العظمى من الشباب بأن التعليم لن يجلب الفائدة الكبيرة ، بل ضرورة أن يتم التوجه نحو (( البزنس )) !! لأنه يجلب الارباح الكبيرة وخلال فترة قصيرة ، وبالتالي فأن معظم الشباب اليوم هدفهم الاول هو المال ثم المال ثم المال وبغض النظر عن اسلوب تحقيق ذلك ، وأن الحصول على الشهادة اليوم يحمل مغزى أجتماعي وليس علمي واليوم تخرج غالبية الجامعات والمعاهد اشباه الاميين والسبب الرئيس يعود الى خصخصة قطاع التعليم وبسبب هذا النهج عادت من جديد الامية في كثير من البلدان المتطورة ، بعد أن اختفت الامية في بعضاً منها فأذا طغت أو سادة الامية في أي مجتمع يمكن قيادته وبسهوله وتمرير جميع المشاريع والتي هي بالضد من هذه المجتمعات ، وهذا هو بيت القصيد كما يقال ، هذا ماحدث في البلدان المتطورة ؟! فماذا سيحصل للبلدان النامية في ظل هذا المشروع الكارثي؟!.

يؤكد رجل المخابرات جون كوليمان ، أن 300 من كبار الاغنياء في العالم هم الذين يرسمون السياسة الدولية وهم في الغالب يقفون وراء تعين رؤساء الدول وأقالتهم ، وهم وراء اسقاط الحكومات الشرعية وتصفية رجالات السياسة والاقتصاد … المعارضين لنهج وسياسة الحكومة العالمية ، وكما يؤكد جون كوليمان ان كبار الاغنياء في العالم هم كانوا وراء مقتل الرئيس الاميركي جون كيندي ، ورئيس وزراء أيطاليا الدوموري ، ومن اعضاء الحكومة العالمية الرئيس الاميركي السابق جورج بوش …، وكما يؤكد كوليمان أن الاغنياء في العالم هم يقودون ويوجهون العالم من خلال المؤسسات المالية والاقتصادية والتجارية والعسكرية …الدولية ، وكذلك عبر الشركات متعددة الجنسية وعبر النوادي العالمية …؟!

المحور الرابع :ـ العمل على تقليص عدد سكان العالم

يقوم هذا المحور على برنامج مدروس من أجل تقليص عدد سكان العالم الى مليار نسمه أو ما يسمى بالمليار الذهبي [ يبلغ عدد سكان العالم حالياً اكثر من 6 مليار نسمه] وهناك تقدير اخر يهدف هذا البرنامج المالثوسي الجديد الى تقليص عدد سكان العالم ما بين 500 الى 600 مليون نسمه ، ومن أهم المبررات التي يستند عليها قادة الحكومة العالمية في برنامجهم هي :ـ ان الموارد الطبيعية في العالم في تناقص مستمر ، مقابل ذلك تزايد عدد سكان العالم ، وخاصة قي بلدان اسيا وأفريقيا واميركا اللاتينية ، وأن البلدان النامية هي التي تملك حصة ألاسد من هذه الموارد الطبيعية في العالم والتي يعتمد عليها النظام الرأسمالي في بقاؤه وديمومته وتطوره ، وبالتالي فمن الضروري العمل على تقليص عدد سكان البلدان النامية وسكان الاتحاد السوفيتي ودول أوربا الشرقية وجمهورية الصين وغيرها من الدول ، فهذا هو (( الحل الامثل)) لمعالجة أزمة النظام الامبريالي .

ان هذا الحل يكمن جوهره في الحل المالثوسي والمالثوسي الجديد ((النيومالثوسية)) المتوحشة ، ومن أهم الوسائل التي يتم استخدامها لتحقيق الهدف اللانساني واللامشروع هي :ـ
1ـ العمل على اشعال الحروب غير العادلة والتي تقوم على الكذب والأفتراء وتتسم بالأ أخلاقية وبنفس الوقت يتم العمل على تأجيج الصراعات ذات الطابع الديني القومي والطائفي …؟!.
2ـ العمل وبأشكال مختلفةً على تنامي ظاهرة الفقر والعوز والمجاعة وتفشي البطالة والامراض وزيادة معدلات الوفيات على معدلات الولادات ، وتعميق الهوة الاقتصادية ــ الاجتماعية لصالح النخبة اللصوصية الأوليغارشية الحاكمة وغيرها من الوسائل الاخرى ، ويتم تحقيق ذلك من خلال تطبيق وصفة صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجاره الدولية … وهذه هي الادوات الرئيسية للحكومة العالمية .
3ـ العمل وبكل الوسائل والاساليب الممكنة والمتاحة على تفشي المخدرات والجريمة والتعاطي وبشكل مفرط للكحول وخاصة وسط الشباب [ ذكور ــ أناث ] ، وأستخدام كافة وسائل الاعلام ومنها التلفزيون والسينما والراديو والصحافه والانترنيت … للترويج على عدم الزواج أي العزوف عنه وحث الشباب على التوجه نحو الزواج العرفي او المدني والدعوة العلنية للتلوث الأجتماعي أي الدعارة الحيوانية وهذا يعني النهاية الحتمية والكاملة لتفكيك وأنهاء الاسره
[ العائلة ] والتي تشكل النواة الرئيسية في المجتمع .
4ــ الترويج للتخلي عن القيم الانسانية النظيفة سواء داخل الاسرة او على صعيد المجتمع ، أي بمعنى اخر التمرد على كل القيم والعادات والتقاليد السلمية في العائلة والمجتمع بحجة أنها (( متخلفة )) !! وزرع أسوء القيم والعادات والتقاليد والثقافة الغربية على هذا المجتمع .
5ـ العمل وبأساليب متعدده على انتشار الامراض القديمة ــ الجديدة سواء كان ذلك بشكل مباشر او غير مباشر ، فعلى سبيل المثال يعد’ مرض الايدز(( نقص المناعة )) احد أخطر الامراض التي يعاني منها المجتمع الدولي اليوم سواء كان في أوربا أو في افريقيا او غيرها من الدول ، وستكون الوفيات بسبب هذا المرض بعشرات الملايين أو أكثر من ذلك ، وخاصة في البلدان النامية ، لأن معظم هذه الدول ليس لديها الامكانيات المادية لمعالجة اخطر كارثةً إنسانيةً ظهرت في أواسط الثمانينيات من القرن الماضي ولغاية اليوم ، وان الامبريالية الاميركية وأدارتها القمعية هي المسؤولة الاولى عن أنتشار هذه الافة الخطيرة والكارثية التي تواجه الشعوب الفقيرة ، وأعتبروا الشعوب الفقيرة (( فائض سكاني ))!! ليس له الحق في العيش الكريم ! ، وكما لايستبعد من ظهور أمراض كثيرةً وجديدةً وتحت تسميات متعددةً بهدف تقليص عدد سكان العالم ، ناهيك عن أحتمال ظهور وتفاقم المشكلة الغذائية ، والمشكلة البيئية ، ومشكلة نقص المياه التي ممكن أن تسبب الحروب وغير ذلك .

ان هذه الاساليب وغيرها وفي حالة نجاح تطبيقها سوف تؤدي فعلاً الى تقليص عدد سكان العالم لصالح النخبة الاوليغارشية الحاكمة ــ أي الطغمة المالية الحاكمة في الغرب الامبريالي ولصالح البرجوازية الحاكمة في بقية البلدان ، وهذه الطبقة البرجوازية قد أستحوذت اليوم على المال والسلطة والاعلام وتشابكت وترابطت مصالحها السياسية والاقتصادية والايديولوجية وشكلو حلفاً ظالماً ضد الشعوب الفقيرة .

لقد صرحت رئيسة وزراء بريطانيا السابقه تاتشر وبشكل علني أذ قالت يجب أن يكون عدد سكان روسيا بـ 15 مليون نسمه وشاركها بالرأي رئيس وزراء بريطانيا السابق جون ميجير اذ قال يجب ان يكون عدد سكان روسيا بـ 20ــ 30 مليون نسمه [ علماً أن الاحصاء الرسمي الحكومي يؤكد ان عدد سكان روسيا 143 مليون نسمه ]، هذا ماقالوه وبشكل علني مع جمهورية روسيا الاتحادية ، فيكيف يتم التعامل مع بلدان أسيا وافريقيا وأميركا اللاتينيه او مع دول أوربا الشرقية أو جمهوريات أسيا الوسطى ؟!.

المحور الخامس :ـ تجزئة الدول !!

يسعى قادة الحكومة العالمية الى تقسيم ((تجزئة)) غالبية دول العالم وخاصة تلك الدول التي لديها الثروات الطبيعية وخاصة النفط والغاز والحديد والغابات والماء العذب …، وكما يمكن تقسيم هذه الدول تحت أساليب وشعارات عديدةً يتم أفتعالها والترويج لها عبر وسائل الاعلام وبشكل مركز من قبل قادة الحكومة العالمية وأنصارها وحلفائها في هذه الدول ومن أهم هذه الحجج هي (( غياب الديمقراطية ، غياب حقوق الانسان ، البيريسترويكا ، وجود اسلحة دمار شامل ، وجود برنامج نووي ، الحصار السياسي والاقتصادي ، تشكيل ما يسمى بالمعارضة السياسية …)) ومن خلال هذه المبررات وغيرها يتم تقويض ، تجزئة الدول وحسب المخطط المرسوم من قبل قادة الثالوث العالمي ، فعلى سبيل المثال ، تم تفكيك الاتحاد السوفيتي عبر مايسمى بالبيرويسترويكا ، وتواجه روسيا اليوم نفس مصير الاتحاد السوفيتي ولكن تحت مايسمى بالاصلاح الاقتصادي أو الليبرالية المتوحشة ، وتم تقويض [ تفكيك ] جمهورية يوغسلافيه الاتحادية تحت حجة وجود (( دكتاتور)) و(( سلطةً دكتاتوريةً )) ألا أن الجوهر الرئيس كان هناك موقف أيديولوجي من جمهورية يوغسلافيه ، وتم تفكيك جمهورية جيكوسلوفاكيا الى جمهورية الجيك والسلوفاك ، وبعض الدول معرضة للتقسيم او التفكيك من خلال تبني شعار الفيدرالية ، وهذا مايعانيه العراق اليوم في ظل هيمنة الاحتلال الاجنبي ، وان كثير من البلدان النامية معرضة لخطر التقسيم (( التفكيك )) وأن أكثرية البلدان العربية معرضة للتفكيك ومنها مصر ولبنان وسوريا والسودان وليبيا والجزائر والعربية السعودية … فهل سيستيقظ حكام هذه البلدان لمخاطر هذا المشروع الكارثي ؟ وهل ستدرك الاحزاب الوطنية والتقدمية وقادتها لهذا الخطر المحدق ؟ وهل ستدرك الشعوب الواعية للنتائج المأساوية لمشروع الحكومة العالمية ؟ فالمستقبل القريب مليئ بالمفاجأت .

المحور السادس :ـ تقويض الحركات والاحزاب الدينية

يهدف مشروع الحكومة العالمية الى تفتيت الحركات والاحزاب الدينية وخاصة بعد نفاذ دورها ومهامها التي اوكلت اليها ومنذ العشرينات من القرن الماضي ولغاية اليوم ، وان قسماً من هذه الحركات والاحزاب قد تم تأسيسها من قبل البلدان الرأسمالية ومؤسساتها الامنية وخاصة من قبل وكالة المخابرات المركزية الاميركية والمخابرات البرطانية ، ومن أهم هذه التنظيمات على سبيل المثال هي : تنظيم القاعده بقيادة إسامه بن لادن وحركة طالبان وغيرها من التنظيمات
(( الأسلاميه )) في عدد من الدول العربية والاسلامية ، واعتبرت (( الديمقراطيات الكبرى )) ان هذه التنظيمات هي من (( أنصار الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان …))؟!.

ان هذه التنظيمات قاتلت الجيش السوفيتي في أفغانستان في عقد الثمانينيات من القرن الماضي ، وحسب الاتفاق بين غورباتشوف ــ وشيفرنادزه والادارة الاميركية تم سحب الجيش السوفيتي من أفغانستان ، وتم تقويض النظام الوطني لجمهورية أفغانستان الديمقراطية برئاسة رئيسها الشرعي نجيب الله ، وهي صفقه تمت بين غورباتشوف وفريقه والادارة الاميركية ، وبعد فتره ظهرت (( مشاكل )) بين وكالة المخابرات المركزية الاميركية وحركة طالبان وتنظيم القاعده بزعامة بن لادن وكانت هذه الخلافات لاتحمل طابعاً أيديولوجياً ، بل على الدور اللاحق لهذه التنظيمات ، وبنفس الوقت تم إحتضان مايسمى بالعرب الافغان وغيرهم من قبل وكالة المخابرات المركزية الاميركية وجهاز الموساد في عدد من الدول العربية والاوربية على أمل أن يتم الأستعانة بهم في المستقبل عند (( الضرورة )) وبعد أحداث أيلول عام 2001 و(( فجأةً )) أصبح تنظيم القاعده وأسامه بن لادن وحركة طالبان يشكلون (( العبئ الضار والثقيل ))!! على الادارة الاميركية وحلفائها ، وتحويل بن لادن وحركته … كأرهابين دوليين !!.
ان الهدف الرئيس للادارة الاميركية هو أضعاف دور ومكانة بن لادن وتنظيم القاعده وحركة طالبان … إلى الدرجة التي لايمكن لهذه الحركات من أن تشكل خطراً جدياً وحقيقياً على مصالح اميركا وحلفائها وكذلك ان لايشكلوا خطراً على تنفيذ مشروع الحكومة العالمية إلاوهو مشروع الشرق الاوسط الكبير، وأن شعرة معاويه ــ كما يقال ــ لا زالت باقيةً بين الادارة الاميركية وهذه التنظيمات ، وتسعى امريكا اليوم على (( محاربة )) هذه التنظيمات وغيرها تحت حجة مايسمى بمكافحة الأرهاب الدولي ، وكما هو معروف أن الولايات المتحدة الامريكية ليس لديها (( حليف أو صديق )) ــ طبعاً بأستثناء الكيان الاسرائيلي ــ بل لديها مصالحها الخاصة بالدرجة الاولى ، فعندما ينتهي دور حليفها من وجهة نظرها يتم التخلي عنه وخير دليل على ذلك ، شاه أيران ، أنور الساداة ، موبوتو ، والقائمه طويلةً .
اعلن الرئيس الامريكي بوش الابن (( نحن سوف نستخدم في هذه الحرب أي نوع من السلاح نراه ضرورياً … وعلى أي بلد من بلدان العالم ، وبغض النظر عن موقعه الجغرافي أن يتخذ لنفسه قراراً ، اما إن يكون معنا او يكون مع الارهاب … وأنا اطلب من القوات الامريكية ان تكون جاهزة ومستعدة وأن الساعة قريبةً وعندما تبدأ فأنتم سوف تملؤننا فرحاً … ان نضالنا هذا من اجل الحضارة … نحن لانعرف اتجاهات هذا الصراع ، ولكن نعرف كيف ستكون نهايته ، ونحن نعرف أن الله سوف لن يكون محايدا … نجاحنا وأملنا في الوقت الحاضر وفي كل الاوقات يتعلق بنا بالدرجه الاولى … ويجب علينا ان نكشف كل خلايا الارهاب في 60 دوله أو اكثر من ذلك)) .
تقوم الولايات المتحدة الاميركية في تنفيذ مشروع الحكومة العالمية ومنذ فترةً غير قصيرةً وخاصة بعد غياب الاتحاد السوفيتي في عام 1991 وتحت مبررات عديدة وفي مقدمتها محاربة الشيوعية والقضاء على الأحزاب الأسلامية المعتدلة ، وتفتيت الاحزاب السياسية وفي مقدمتها الاحزاب الشيوعية ، وتقليص عدد سكان العالم والعمل الجاد على تجزئة وتقسيم الدول وخاصة التي تمتلك الثروات الطبيعية ، وأعلان الحرب على بعض الدول والتي اطلق عليها مايسمى بمحور الشر وهذه الدول يجب ان يتم تقويضها ومن الداخل وبأي أسلوب كان ومنها كوبا وكوريا الشماليه وبيلاروسيا ، وسوريه وأيران وأن روسيا والصين قد تم ادخالها في هذا المحور وتمارس ضغوطات سياسية وعسكرية احياناً وحسب الضرورة ومستوى درجة العلاقة بين هذه الدول والادارة الاميركية ، وكما تسعى وتهدف أميركا ألى تغيير ألدول (( الحليفة والصديقة )) لها في البلدان النامية وخاصة بعض البلدان العربية وتحت حجج عديدة عديدة . أن الجوهر الرئيس لمحاربة هذه الدول وغيرها يعود بالدرجة الاولى رفضها لسياسة الولايات المتحدة الاميركية والمتمثلة بهيمنة القطب الواحد وبناء مايسمى بالنظام العالمي الجديد ، وقيادة العالم والأستحواذ على ثرواته . هذا هو الجوهر الرئيس لمشروع مايسمى بالحكومة العالمية .

مقدمة:من المسؤول عن تفكك الاتحاد السوفيتي

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الشعلان333

ألمحتويات

مقدمة

المبحث الاول :ـ البيرويسترويكا ـ المشروع السري للحكومة العالمية … وبعض محاوره

المبحث الثاني :ـ دور الحكومة العالمية والدولار و (( الطابور الخامس )) في تفكيك الاتحاد

السوفيتي
المبحث الثالث :ـ دور عقد ترومان وخطة دالاس في تقويض الاتحاد السوفيتي

المبحث الرابع :ـ الأمبريالية الامريكية والارهاب الدولي … بعض الادلة والبراهين

المبحث الخامس :ـ مفاجأت ستالين

المبحث السادس :ـ أين يكمن الخلل ؟

المبحث السابع :ـ خطوات ضرورية

الخاتمة

المصادر

المقدمة

(( يجب أن أن نملك الشجاعة والجرأة وننظر بشكل مباشر ألى الحقيقة
المرة ـ بأن الحزب مريض )).

لينين

تعد عملية تفكيك الاتحاد السوفيتي أحدى الجرائم الكبرى التي وقعت في نهاية القرن العشرين وشكل العامل الداخلي المتمثل بقوى الثورة المضادة تحالفاً وثيقاً مع قوى الثالوث العالمي من اجل تقويض السلطة السوفيتية والقضاء على الاشتراكية ومنجزاتها السياسية الاقتصادية ـ الاجتماعية الكبيرة ، وتم تحقيق ذلك تحت غطاء مايسمى بالبيرويسترويكا سيئه الصيت شكلاً ومضموناً .

ان هذه الدراسة ما هي الا امتداد لدراساتنا ومقالاتنا التي نشرت منذ اواسط الثمانينيات من القرن الماضي ولغاية اليوم ، وقسماً من هذه الدراسات لم يتم نشرها لأن [ قلم المحرر السياسي لم يوافق عليها و …]؟ِِ! ومع ذلك يدعون بالحرية والديمقراطية وسماع الرأي الاخر؟!.
ان الهدف الرئيس من هذا العمل هو تسليط بعض الاضواء على ماحدث للاتحاد السوفيتي وتحديد اسباب الحرب الايديولوجية المعلنة وغير المعلنة التي قادتها ولاتزال تقودها قوى الثالوث العالمي بزعامة الامبريالية الاميركية ضد الاتحاد السوفيتي منذ قيام ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 وحتى عام 1991 ، ولم تكتفي قوى الثالوث العالمي بما حققته بفعل الخيانة العظمى ، بل أستمرت ولاتزال تعمل بنفس الهدف الأ وهو العمل على تفكيك روسيا الاتحادية وتحت اساليب متعددة . ان عملية تفكيك الاتحاد السوفيتي كانت ولاتزال موضع نقاش حاد بين السياسيين والأقتصاديين وعلماء الاجتماع وغيرهم ، سواء كان من قبل أنصار ومؤيدي السلطة السوفيتية ، وبين الخصوم الايديولوجين للسلطة السوفيتية ، أي خصوم الاشتراكية .

نعتقد من حق ألقارئ ، أو أي مواطن أن يطرح ألسوأل المشروع : كيف تم تفكيك وأختفاء الاتحاد السوفيتي ، كدولة عظمى سياسياً وأقتصادياً وعسكرياً ، ومن دون أطلاق أي طلقةً ضد خصومه ؟ ما هو دور العامل الداخلي والعامل الخارجي في تقويض السلطة السوفيتية ، وما هي القوى السياسية التي كانت تقف وراء هذه الانتكاسة الكبرى ؟

نعتقد ، أن الاجابة العلمية والموضوعية على هذه الأسئلة وغيرها تحتاج ألى جهداً جماعياً ، وعلمياً وموضوعياً ، وتتحمل مسئولية ذلك قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي الحالي بالدرجة الأولى .

ومما يؤسف له ولغاية اليوم لم تظهر دراسة موضوعية ورسمية توضح كامل الأ سباب الداخلية والخارجية وتبيان كافة القضايا والخفايا التي لم تطرح والتي كانت تقف وراء عملية تفكك الاتحاد السوفيتي . أن الأوان لأنجاز هذه المهمة ألتاريخية من قبل أهل البيت قبل غيرهم من أجل الاستفادة من الأخطاء وتجاوزها في المستقبل ومن أجل اعادة قيم ومبادئ وأهداف ثورة أكتوبر الاشتراكية .

أن غالبية الاحزاب الشيوعية العالمية ومنها الاحزاب الشيوعية العربية لم تعطي الأهمية لدراسة أسباب هذه الكارثة المأساوية ، التي ادت الى تقويض السلطة السوفيتية ، وأن بعض قادة الاحزاب الشيوعية ليس لديهم أصلاً الرغبة الحقيقية الموضوعية لدراسة هذه الانتكاسة المؤقتة ، مستندين على حجج واهية وغير صحيحة ، أذ يدعون أن نشر من مثل هذه الدراسات والحقائق يمكن أن يؤدي الى خلق الفوضى والارباك السياسي والفكري داخل الحزب وجماهيره حول الاشتراكية … ،

وكما نعتقد ، يجب أن يتم الافصاح الموضوعي عن كل السلبيات السياسية والأقتصادية ـــ الأجتماعية والفكرية التي رافقت عملية البناء الأشتراكي منذ عام 1917 حتى عام 1991 وبلا خوف أو تردد وبنفس الوقت يجب أبراز المنجزات العظيمة وفي كافة الميادين وبشكل موضوعي ، لأنها منجزات يمكن الأعتزاز بها ، منجزات كبيرة وكثيرة وحققت في ضروف داخلية وخارجية بالغة الصعوبة والتعقيد ، فالصعوبات والسلبيات التي رافقت هذه المسيرة الثورية لاتشكل إلا نقطة في بحر ، وأن الأعتراف بهذه السلبيات لم تنقص من دور ومكانة الحزب وسط الشعب ووسط الشغيلة ، بل العكس هو الصحيح ، فالسكوت عن الأخطاء وعدم معالجتها وبشكل علني يشكل خيانة كبرى لدى القيادة السياسية ، وبنفس الوقت يصب ذلك في خدمة الخصم الأيديولوجي المتمثل بدولة المتروبول العالمية أي بدولة أمبراطورية الشر وحلفائها .

أن هذا الجهد المتواضع يمكن القول عنه قد يشكل عاملاً محفزاً لدراسة وتقييم هذه التجربة الرائدة والفريدة في شكلها ومضمونها ، وأن هذه الدراسة المتواضعة جاءت من خلال المتابعة المستمرة لعملية التحولات السياسية والأقتصادية ـــ الأجتماعية الأشتراكية التي حدثت في الاتحاد السوفيتي خلال أكثر من ثلاثة عقود مضت .

أن هذه الدراسة مكملة للدراسات التي تم نشرها خلال الفترة المذكورة ، فهذا الجهد المتواضع هو دعوة صريحة وباباً مفتوحة ومحفزة لدراسة وتقييم رسمي وجماعي من قبل الحركة الشيوعية العالمية التي يعنيها هذا الزلزال المرير والمروع لشعوب العالم الفقيرة بشكل عام وللشعب السوفيتي بشكل خاص .

والغريب في الامر أن هؤلاء (( ألقادة )) قد نسو أويريدون أن يتناسوا مقولة لينين الهامة وهي [ كل الحقيقة للجماهير] فأيصال الحقيقة الموضوعية لجماهير الحزب حتى لو كانت مرةً ، فأن ذلك سوف يعزز دور ومكانة الحزب وسط جماهيره وليس العكس . فالعدوا الطبقي الايديولوجي كان ولا يزال وراء هذه الجريمة الكبرى وهنا يكمن جوهر الصراع الطبقي والأيديولوجي بين الرأسمالية المتوحشة والاشتراكية ، ولكن من يجيد أدارة الصراع الايديولوجي سيحصل في الغالب على نتائج مفيده له ، فهل من المعقول أن يتم حجب الحقائق الموضوعية على جماهير وكادر وأعضاء الحزب ؟ ولمصلحة من ؟ وهل من الصحيح والمعقول أن ألخصم يعرف كل شيئ تقريباً عن هذه الكارثة ، في حين جماهير وكادر هذه الاحزاب لم تعرف الكثير عن هذه الجريمة الكبرى ومحجوب عنها نشر الحقائق الموضوعية حول الخيانة الاستيراتيجية (( لقادة البيرويسترويكا )) في تفكيك دولتهم العظمى .

تناولت هذه الدراسة تحديد أهم الاسباب التي أدت الى تفكيك الاتحاد السوفيتي ، وظهور دول (( مستقلة )) وتم توضيح أن ما يسمى بالبيرويسترويكا ، كانت سيناريو علني نفذه (( قادة )) الحزب خلال الفترة 1985 ـ 1991، بهدف تقويض الحزب الشيوعي السوفيتي والسلطة السوفيتية ، ولعبت (( ألقيادة ألشابة )) ألتي خانت شعبها وفكرها الدور الرئيس في تنفيذ هذا السيناريو ، وكما تم توضيح دور العامل الخارجي المتمثل بقوى الثالوث العالمي ، وتوضيح دور كل من الرئيس الأمريكي ترومان…، ورئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ألان دالاس في زرع (( الطابور الخامس )) في قيادة الحزب وفي السلطتين التنفيذية والتشريعية بهدف تفكيك الأتحاد السوفيتي ، وكما تم توضيح دور ستالين من خلال فترة حكمه في أحباط وأفشال خطط قوى الثالوث العالمي وأنصارهم من قوى الثورة المضادة في الأتحاد السوفيتي ، كما كان يدرك ستالين وبشكل دقيق للدور الخطير الذي يمكن أن تلعبه هذه القوى على الحزب والسلطة السوفيتية وعلى اساس ذلك حذر ستالين الحزب والشعب من خطر هذا الطاعون الأسود .

العلاقات الدولية، شيء من النظرية و اخر من التطبيق

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الشعلان333

يبدل العاملون في الحقل الدبلوماسي و السياسة الخارجية الكثير من الجهد لتصريف مجهوداتهم و
توظيفها لتسيير و إدارة هذا الحقل الذي يترجم في مستوياته العليا إرادة الدولة الخارجية و نهجها
الإستراتيجي، غير أن في غالب الأحيان قد يصرفون النظر عن أطروحات الأوساط الأكاديمية و النظرية، فهل بالإمكان تجاهل العالم النظري المجرد و العالم الواقعي حيث تمارس السياسة، و هل الممارسة تحتاج إلى البناءات النظرية لتغذية و شحن أنساقها بالكم الهائل من المعلومات و التحليلات العلمية التي تنساق نحو الظواهر الدولية لتحليلها و تكييفها، و استعمال المناهج الإمبريقية القادرة على توصيف هذه الظواهر (1) وهل نحن في حاجة ماسة للمقاربات النظرية حتى ندرك و نستوعب الفعل و السلوك الدولي؟ أم أن الممارسة تنعزل بعيدا عن مجال التفكير و التأمل و تتعامل مع الأحداث دون دراسة أو توجيه مسبق ؟

من دون شك، أن العديد من صانعي القرار السياسي، يقفزون عن قصد أو بدون قصد عن النظريات و الأطر المعرفية في السياسة الخارجية، و يستعيضون بدلا عنها بأفكار خاصة بهم تنتمي إلى منظومة التوجهات العقدية و الإيديولوجية التي يعتنقونها، و المرجعيات والتجارب التاريخية التي تشكل في حد ذاتها إرثا تجريبيا و عمليا يدفع أغلب المشتغلين بالشؤون الدولية يرجعون إليها لتغليب توجه ،سلوك أو قرار معين(2).
إن أغلب العاملين في حقل العلاقات الدولية في الدول الديمقراطية، يدركون معنى صياغة تمفصلات لنظرية سياسية و محاولة تطبيقها على أرض الواقع، حيث أن التباين في وجهات النظر تجاه السياسة المتبعة، يعود بالضرورة إلى الاختلاف الجوهري حول العوامل الأساسية التي تسهم في صياغة محصلات التفاعل الدولي، و نجد في هذا الصدد العديد من نماذج مراكز الأبحاث تعمل على دراسة مكونات و دوافع القرارات الدولية بل وتوجيهها وفق نظريات و أفكار تخدم في واقع الحال هذه الدوافع.

فالنظرية في أحيان كثيرة تنعت بأنها غير بريئة، و تحتاج إلى التوقف و التأمل في ماهيتها للتيقن من الأغراض الدفينة و الكامنة وراءها، كما أشار “كوكس” عام 1982 في عبارته الشهيرة إلى أن “النظرية هي دوما من أجل أحد ما و لهدف معين” ،فنحن في حاجة دائما إلى اختبار جملة من النظريات و الأنساق الفكرية لتحليل توجه حقل العلاقات الدولية.

1/ هل النظرية مفتاح لفهم الأحداث الدولية ؟

يدل مفهوم النظرية في التمثل الشائع على الرأي الشخصي أو التمثلات و الأحكام الفردية، التي قد يتبناها شخص حول قضية ما أو مسألة معينة، لذا يشترط أن تكون النظرية مرتبطة بالممارسة و العمل, من هنا نستنتج أن مفهوم النظرية في الدلالة الشائعة تحمل بعدا برجماتيا يعبر عن أراء شخص أو مجموعة أشخاص أو اتحاد فكري نحو مسألة بعينها.(3)
ما هي إذن طبيعة العلاقة التي تجمع بين النظرية في دراسة العلاقات الدولية و تصورات ممارستها؟
في معرض الجواب عن هذا الإشكال المحوري، نعتبر أن الطرح الذي يحظى بالرواج و الجاذبية، هو الذي يشير إلى تواري و أفول دور النظرية و طغيان الفضاء الوقائعي المتشكل من نسيج الأحداث و التفاعلات الدولية، لدرجة اعتقد معها الكثير أن الأفكار لا تصنع الأحداث، و خاصة أن العديد من المفكرين لم يستطيعوا التنبؤ و توقع أحداث كسرت وتيرة التاريخ، كانهيار جدار برلين، و أدخلت بذلك مجموعة ن التفسيرات المرتكزة على منطق الحرب الباردة إلى قاعة الاحتضار.
في الحديث عن طبيعة العلاقة بين التأصيل النظري لدى الأوساط الأكاديمية و الممارسة العملية، تثار الملاحظات التالية: * لقد تزامن طرح هذا النوع من الأسئلة مع بداية الحرب الأمريكية على العراق، تلك الحرب التي ناءت فيها الأوساط البحثية و الأكاديمية بعيدا و كأنها لا علاقة لهذه الحرب بما يتم دراسته في حقل العلاقات الدولية، فعندما عقدت جمعية الدراسات الدولية ملتقى “بورتلاند” في شهر فبراير 2003، أي عشية اندلاع الحرب على العراق، لم تتعرض بأدنى إشارة لموضوع الحرب، و كان قبل ذلك أحداث الحادي عشرة من سبتمبر و الحرب على أفغانستان، و كل ما تخلل تلك الفترة من المواجهات بين الفلسطينيين و الإسرائيليين و تعثر مسلسل السلام بينهم.
* إن الطريقة التي تعامل بها الأكاديميون مع الأحداث المعاصرة اتسمت بالجمود و عدم الاهتمام، الشيء الذي يجعل من الوقت الحاضر مناسبا للبحث في الروابط بين النظرية و الممارسة(4).

* لقد نبهت أحدات الحادي عشر من سبتمبر و غزو العراق الباحثين في العلاقات الدولية إلى دور العوامل العقدية و الإيديولوجية الذاتية في إفراز سلوك معارض يعزف خارج محور الدول العظمى، الشيء الذي ساهم في اغناء النقاش و معارضة الافتراضات الكبرى الأساسية في علم الاجتماع الغربي، و لا سيما تلك التي تتعلق بعقلانية الفعل الإنساني و الاجتماعي، و ترى هذه العقلانية أن العالم يتجه نحو مصير مشترك يتسم بالديمقراطية الليبرالية و اقتصاد السوق، و لا تبالي في الوقت ذاته بالخصوصيات الذاتية للشعوب و الاختلاف الحضاري.
يبقى السؤال المحوري و الأكثر إلحاحا هو هل الأكاديميون المشتغلون بحقل العلاقات الدولية، ملزمون بالتمرس و إدراك طبيعة الاكراهات التي تفرضها الممارسة ؟ أم أنه يتوجب عليهم الابتعاد عن مجالات التفاعل، طالما أن التوجه الأكاديمي يعني أن يلتزم المرء بالحياد والموضوعية؟
إن الكثير من الباحثين حاولوا جهد الإمكان تحليل الواقع و بناء نظريات انطلاقا مما تتيحه من ممكنات معاينة متغيرات الأحداث في الواقع الدولي، و آخرون انطلقوا من البناءات الفكرية و التأملية في محاولة للاستقراء النظري الصرف، فيتم القفز عن فهم الواقع و إدراكه و تجاوزه على اثر تحليل السلوك الخارجي مع اقتراح نماذج و صيغ من العلاقات و المعاملات الدولية، و هذا ما يسمى بحرب البراديغمات
(5).« LA BATAILLE DES PARADIGMES »
2/ حول نجاعة المقاربات النظرية في فهم الواقع الدولي
إن أهم أسباب الخلافات بين هذه البراديغمات، يرجع إلى تعقد مجال العلاقات الدولية و الطابع المركب لهذه العلاقات من جهة، و الاختلاف في المنطلقات و الدوافع الإيديولوجية التي ينطلق منها كل مقترب من جهة ثانية. لاشك أن اختيار العمل بمصطلح “البراد يغم” هو أجدى و أنفع، حيث أن السمة المميزة لهذا الحقل هو نسبية هذه البراديغمات التي لا تكاد ترقى حسب العديد من الباحثين إلى مستوى النظرية، بل هناك أقطاب براديغماتية في خدمة مصالح و أهداف معينة، و بعبارة أخرى قد لا تتوفر أحيانا الشروط الموضوعية للعلمية، و يمكن الحديث عن وجود نزوعات إيديولوجية تؤطر بشكل عام توجه أصحابها.
فالنظرية الواقعية، قامت على أنقاض النظرية المثالية التي دعت إلى تجاوز الخلافات بين الدول عبر سيادة القانون الدولي و رفض طغيان مصالح الكيانات الدولتية على نسق التحالفات الدولية، ويعتبر أبرز ممثلي هذا التيار أمثال “كينان” و “مورغنتاو”أن النظام الدولي ذو طبيعة فوضوية يسيره قانون وحيد وأوحد هو فانون النزاع و الاستئثار بالمصالح الوطنية اعتمادا على منطق القوة و إشباع أنانية الإنسان،
فالواقعية حسب ما يبدو فهي حصيلة تجربة و فهم امبريقي للسياسة.
و على خلاف المدرسة الواقعية، فقد أضافت تجربة الواقعية الجديدة و طورت نظرية العلاقات الدولية، فقد قدم “كينيت وولز” في كتابه “نظرية السياسات الدولية ” سنة 1979، مفهوما جديدا للسياسة الخارجية يقوم على فهم النظام و ليس الأشخاص أو الدول- كما نهج رواد التصور الواقعي-و كذا التركيز على دراسة المظاهر الاقتصادية الدولية، مع تطوير نظرية الاستقرار الهيمني، بمعنى الحفاظ على الوضع القائم، حينما تحاول قوة عظمى فرض مفهومها و تصورها على الجميع، كما هو الشأن بالنسبة لمبادرة تأسيس مؤسسات مالية دولية ذات طبيعة ليبرالية ( أوفاق بروتن وودز) لدعم تصورها و نظرتها الإيديولوجية.
أما بالنسبة لحالة الفوضى حسب هذا الاتجاه، فإنها تدفع الدول إلى تبني مواقف واقعية، و تبقى دراسة النسق العام أو النظام المتحكم في التفاعلات الدولية، هو من أولويات هذا المقترب، في حين يحتل الدين،علم النفس، السياسة الداخلية و الاقتصاد مرتبة ثانوية.
دون التطرق لمميزات العديد من المقتربات النظرية، أعتقد أن كل براد يغم حاول تفنيد و تصويب بناءات و معطيات البراد يغم السابق، و هذا ما يفسر أيضا ظهور المدرسة السلوكية، البنائية، الليبرالية و غيرها من التيارات في العلاقات الدولية (7).
في كتابه المعنون ب “ماذا تفعل الدول بالفوضى” في سنة 1992، دفع “الكسندر ووندت” بالمقترب البنائي إلى صف الرهان المفاهيمي للعلاقات الدولية، فهذا المقترب لم يحاول البحث فقط عن فهم التعارض القائم بين العقلانية و التأملية،و لكنه فتح المجال لإعادة التفكير في الموضوعات المركزية لهذا التخصص من قبيل الفوضى في النظام الدولي،توازن القوى، المصلحة و النظام و دور المؤسسات.
و بالانخراط في هذا المنطق، فان البنائية تعتمد على سوسيولوجيا التفاعلات مع تقوية مفهوم الهوية (8).
فهذا الاتجاه يركز على تأثير الأفكار، فبدلا من النظر إلى الدولة كمعطى مسبق و الافتراض أنها تعمل من أجل بقاءها، يرى البنائيون أن الهوية تتفاعل عبر عمليات اجتماعية( تاريخية)، كما يولون أهمية للخطاب السائد في المجتمع، لأن هذا الخطاب يعكس و يشكل في الوقت ذاته المعتقدات و المصالح، و يؤسس أيضا لسلوكيات تحضي بالقبول ، فالبنائية تهتم أساسا بمصدر التحول و التغير، و هذه المقاربة حلت بشكل كبير محل الماركسية كمنظور راديكالي للشؤون الدولية.

أما بالنسبة للمقترب الليبرالي، و ضدا عن مجرى النظرية الواقعية و غيرها، فهو يعتبر الليبرالية هي الفكر المهيمن القادر على إنتاج الأبعاد التفسيرية الضرورية للعلاقات الدولية، فالتطور العلمي و التكنولوجيا المتقدمة و التحولات الاقتصادية، ساهمت بدورها في إرساء قواعد متينة لليبرالية كنموذج فكري ازدهر بداية مع رواد مدرسة القانون الدولي أمثال جون بودان(1552-1608) و غروسيوس ( في كتابه قانون الحرب و السلم سنة 1625)، هؤلاء عملوا على تمجيد الحرية الشخصية و تضخيم مكانة الفرد داخل الدولة و المجتمع و سيادة القانون على أطماع و أنانية الدول.

أما الليبرالية الجديدة، فقد تجاوزت الإطار الضيق للسيادة الوطنية، لتصل إلى وضع لبنات للتعاون الدولي على غرار دعم المنظمات و المؤسسات الإقليمية و الدولية التي ما فتئ دورها يتنامى بشكل كبير، ومن أبرز تياراتها الوظيفية و الوظيفية الجديدة، و يعتقد “ديفيد ميتيراني” أن ظهور هذه المنظمات هو تلبية حقيقية لرغبات وظيفية للرأي العام و التكنوقراط على وجه الخصوص الذين يحبذون السير في اتجاه المسار العبر الوطني، و يرجع الفضل في ذلك إلى ازدهار وسائط الاتصال و سهولة تبادل المعلومات، مما أدى إلى خلق بنية مشتركة تتمثل في المنظمات الدولية التي تتعهد بانجاز مهام الاتصال و التقارب بين الدول و الشعوب.

و ضمن تيار الليبرالية الجديدة، أشار” كارل دوتش” و هو يفكر من داخل حلقة الاندماج إلى دور التواصل و الإعلام بين الأفراد و الجماعات ، و سجل كل من” كيوهان” و” واي” أن العلاقات الدولية يجب أن تتجاوز إطار العلاقات بين الكيانات الدولية، لتدخل غمار العلاقات العبر وطنية.

من ناحية أخرى، لا يمكن إغفال نظريات أخرى دعت إلى تبني رؤى مغايرة حول الواقع الدولي، كنظرية التبعية التي طورها بعض مفكري دول العالم الثالث، و بموازاة مع ذلك برزت نظريات سياسية و أكاديمية حاولت تفسير المتغيرات الدولية بعد نهاية الحرب الباردة، وتتنبأ بنوع و طبيعة الصراعات العالمية المرتقبة من قبيل مقولة نهاية التاريخ ا “فرانسيس فوكوياما” و مقولة صراع الحضارات ل “صامويل هانتغتون” التي تختزل الصراعات المقبلة في الجوانب الدينية و الثقافية (9).
في الحقيقة، لا يمكن لمقاربة منفردة أن تدعي الإطلاق و الصرامة في استيعاب و إدراك أبعاد التعقيد المميز للسياسة العالمية، فنحن إزاء مجموعة كبيرة من الأفكار المتنافسة، وليس إزاء تقليد نظري واحد، وهذا التنافس بين النظريات يساعد على معرفة مواطن القوة و الضعف فيها، و يثير بالتالي التحويرات اللازم إجرائها عليها.

3/ قراءات متعددة لنظام دولي واحد

لقد تعددت القراءات و التحليلات للأحداث الدولية و النظام الدولي الجديد، كما أن أحداث الحادي عشرة من سبتمبر، دفعت بالعديد من المحللين إلى إعادة قراءة النظام الدولي، الذي بدأت ملامحه الأولى توحي ببوادر السيطرة و الهيمنة الأمريكية، بداية بالتدخل الأمريكي بأفغانستان ووصولا إلى التدخل العسكري في العراق، بناء على ذلك، فان الأوضاع الجيوستراتيجية لما بعد نهاية الحرب الباردة، تتطلب أكثر من أي وقت مضى لإعادة صياغة البراديغمات التي تحتكم في السابق إلى منطق التنافسية الثنائية بين القطبين و الصراع على مناطق النفوذ بين المعسكر الاشتراكي بزعامة الإتحاد السوفيتي البائد و المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.
إن هذه التحولات المركزية في بنية النظام الدولي، لم تسلم من أثارها و نتائجها الاستراتيجيات الوطنية و الجهوية، و أفرزت العديد من القراءات لمحتوى و طبيعة هذه التحولات، فمن الدارسين من ألبس النظام صبغة الأحادية القطبية، و منهم من اعتبره أقرب إلى التعددية منه إلى الأحادية ، على أن العلاقات الدولية تعرف بعد نهاية الحرب الباردة العديد من التموجات الوقائعية و المعطيات الحاسمة، مما يعطي الانطباع أن النظام الدولي لم تكتمل صورته النظامية بعد (10).

لقد عنيت مجمل هذه الدراسات بمعاينة نوعية التحول في النظام الدولي انطلاقا من مؤشرات أساسية و هي: تعدد الفاعلين، طبيعة النظام الدولي و نمط التفاعلات السائدة. فبعد انهيار طرف المعدلة في التوازن الإستراتيجي –الإتحاد السوفييتي-، أصبح الحديث عن التغيير في بنية توزيع القوة الدولية لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، مع تسجيل صعود قوى اقتصادية جديدة كاليابان و ألمانيا و الصين(11).

كما أن البعد الاقتصادي، أضحى من العوامل الأساسية المساهمة في رسم ملامح الإستراتيجية الدولية، بما يتضح من عمق الهوة الاقتصادية و المالية بين دول الشمال و الجنوب، مما يدفع إلى البحث عن تصورات جديدة في مجال السياسة الدولية و الاقتصاد الدولي (12).
و تماشيا مع البعد الاقتصادي، فان النقاش القائم حول كيفية التعامل مع الصين، يأخذ أبعادا متعددة ، ففي رأي إحدى المنظورات الواقعية، فان الصين تعد من إحدى النماذج الحديثة لتوجه القوى الصاعدة من أجل تغيير توازن القوى العالمي بأشكال يمكن أن تتخذ منحى خطيرا، وخاصة أن نفوذها المتعاظم يجعلها أكثر طموحا . ومن منظور اندماجي أخر، فان مفتاح التوجه المستقبلي للصين يتوقف على ما إذا كان سلوكها سيتغير بفعل اندماجها في الأسواق العالمية و الانتصار للمبادئ الديمقراطية، أما من وجهة نظر صراعية و في إطار سؤال الهوية، فان العلاقات بين الصين و بقية العالم سوف تتشكل بفعل تأثير عوامل الثقافة و الانتماء للحضارة الكونفوشيوسية، فهل سينضر إلى الصين كعضو طبيعي في المجموعة الدولية أو كمجتمع متميز يستحق معاملة خاصة.
و بالطريقة ذاتها، نسوق مثالا توضيحيا حول المقاربات النظرية بشأن دور حلف الشمال الأطلسي قي إدارة الأزمات الإقليمية و الدفاع عن العالم الغربي، فالمنظور الواقعي يعتبر أن توسيع الناتو يندرج ضمن مسعى توسيع النفوذ الغربي فيما وراء المجال الكلاسيكي للمصالح الأمريكية الحيوية، و هذا مقابل تراجع النفوذ الروسي و تضيق الخناق عليه من طرف الغرب في ظل استمرار نظرة التوجس لهذا البلد، ففي حين لا يحاول الغرب إزعاج الصين، أو تعريض علاقته معها للتوتر،فانه لا يمانع في إثارة حفيظة الروس و غضبهم ، مع فرض نماذج عديدة من القيود عليه استكمالا لحرب باردة قديمة (13).
أما المنظور الليبرالي، فيرى أن توسيع الناتو سيعزز الديمقراطيات الناشئة في أوربا الوسطى، و يساهم في توسيع نطاق الآليات الأطلسية في إدارة النزاع في منطقة تبقى فيها الاضطرابات أمرا واردا.
أما من منظور الواقعية الجديدة، فان إدماج دول أوربا الشرقية (جمهورية التشيك، المجر و بولندا) ضمن المجموعة الأمنية الغربية التي تتقاسم أعضاءها هوية مشتركة يجعل من الحرب أمرا مستبعدا (14).

4/ التقاطعات المنهجية للمقاربات النظرية

إن هذه المقاربات النظرية، تعكس تنوع الدراسات الأكاديمية حول الشؤون الدولية، و تظهر علامات واضحة حول التقاطع المنهجي بين هذه النظريات، فأغلب الواقعيين يعترفون بأهمية القومية ، النزعة العسكرية و الإثنية و غيرها من العوامل الوطنية، كما يقر الليبراليون بدورهم بأن القوة تعتبر عاملا محوريا في السلوك الدولي، تماما كما يؤمن البنائيون بالرأي القائل أن الأفكار و المجهودات التأملية تكتسي أهمية بالغة عندما يتم تعزيزها بموارد القوة المادية.
لقد أصبحت الحدود الفاصلة بين هذه المنظورات غير ذات معنى، إضافة إلى أنها تتسم بالمرونة إلى حد بعيد، فإنها تعطي فرصة أكبر للتحكم العقلي و الاستفادة العقلانية من كافة الأطروحات و المقاربات. فما هي إذن المنظورات التي تلقي الضوء أكثر على الشؤون الدولية المعاصرة ؟ و أي منها الأقرب إلى الفهم و التطبيق من طرف محترفي و صانعي السياسة ؟
يعتقد أن المدرسة الواقعية تبقى هي الإطار العام الأكثر شمولية و الماما بالواقع الدولي بالرغم من إبداء اهتمام كبير بعناصر أخرى كالصراع الحضاري ،الهوية والانتماء الثقافي، فان الدول ما زالت مستمرة في إعطاء أهمية كبيرة لتوازن القوى، و ما زال القلق قائما بشأن احتمال حدوث نزاع شامل.

فبالرغم من تصاعد موجة العولمة و ارتفاع وتيرة الاعتماد الاقتصادي المتبادل، فان الولايات المتحدة الأمريكية ما زالت تلعب دور الدر كي في وقت الأزمات (15)، إضافة إلى ذلك، فان الاهتمام بالقوة والأمن يفسر لنا السبب الذي جعل الأسيويين و الأوربيين يصرون على توسيع التواجد العسكري الأمريكي في مناطقهم مع صياغة مفهوم جديد للأمن ينسجم مع رغبة القوة العظمى و تصميمها على البقاء في وضع المهيمن (16)،حيث فرضت سلسلة من الاتفاقيات الأحادية الجانب لمراقبة التسلح ضد روسيا، وهيمنت على مساعي السلام في البوسنة، و أصبحت منشغلة بشكل متزايد بالقوة المتعاظمة للصين.

بالرغم من دعوات الولايات المتحدة الأمريكية المتواصلة للارتكان للوساطة والمساعي الحميدة المتعددة الأطراف، و إعطاء دور أوسع للمؤسسات الدولية، فإنها تتعامل مع الأمم المتحدة و منظمة التجارة العالمية مثلا بعدم اهتمام، كلما تعارضت توجهاتها مع مصالحها، فقد رفض الأمريكيون الانضمام إلى المجموعة الدولية لحضر الألغام الأرضية المضادة للأفراد، تماما كما رفضوا التعاون في قمة الأرض ب “كيوطو”، كما لا يخفى على أحد الموقف الأمريكي بشأن الصراع العربي الإسرائيلي المنحاز كليا لإسرائيل، التي أقدمت في الآونة الأخيرة في سابقة من نوعها إلى اعتقال وزراء و نواب فلسطينيين من قطاع غزة، تأكيدا لسياسة القوة و الكيل بمكيالين.

بالتأكيد أنه بعد نهاية الحرب الباردة، لم تنته بعد سياسة القوة و التوازن العسكري، فالواقعية تبدو أنها المقترب الأكثر فعالية ضمن نسيج البراديغمات التي انبرت في تحليل العلاقات الدولية، كما تعد من المفاتيح الفكرية الضرورية لفهم الظواهر الدولية، و مع ذلك يمكن اعتبار أن الواقعية وحدها لا تستطيع أن تفسر كل شيء، و أي قائد أو صاحب قرار سياسي متمرس، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار التفسيرات و الإيضاحات التي تمده بها المنظورات الأخرى، فالنظريات الليبرالية مثلا تحدد الإمكانيات و الوسائل التي يمكن للدولة استعمالها لتحقيق مصالح مشتركة، كما تحدد أهم القوى الاقتصادية التي تساعدها على فهم سبب اختلاف الدول في خياراتها الأساسية، إضافة إلى ذلك، فان التوجهات الليبرالية تعتقد أن الحماية و الهيمنة الأمريكية، ستقلص من مخاطر الصراعات الإقليمية و ستعزز لا محالة فرص السلام الليبرالي الديمقراطي، لذا فان الوصفة الليبرالية تصبح أكثر أهمية طالما أن الولايات المتحدة الأمريكية ستستمر في توفير الأمن و الاستقرار للعديد من المناطق.
من جانب أخر،فان النظريات البنائية تعد الأكثر نجاعة و فعالية في تحليل كيفية تغير الهويات و المصالح بمرور الزمن، بحيث ينتح عن ذلك تغير في سلوك الدول، و في حالات معينة تفجر تحولات غير متوقعة في الشؤون الدولية، وفي هذا السياق يصبح من المهم جدا معرفة ما إذا كانت الهوية في أوربا ستستمر في التحول من نطاق الدولة-الأمة إلى نطاق محلي أضيق أم إلى نطاق أوسع أي الهوية الأوربية، ومعرفة ما إذا كانت مسألة الهوية في دول الجنوب و خاصة الإسلامية منها بإمكانها أن تشكل ردا فعليا ارتداديا على الهيمنة الفكرية الغربية، و بالتالي التأثير التدريجي على خريطة العالم الثقافية و القيمية، و قد أثيرت بعد الحادي عشر من سبتمبر العديد من النقاشات حوا أزمة الهوية و الخلل الحاصل في الأنماط الفكرية و التمثلات القائمة على العنف و الإرهاب، وبهذا الخصوص ليست للواقعية الشيء الكثير لتقدمه في تفسير هذه المواضيع، وصناع القرار قد تشوب نظرتهم الغموض إذا أهملوا هذه الاحتمالات بشكل كلي.
و أخيرا فان هذه المقاربات المتقاطعة من الناحية المنهجية، ترصد جوانب هامة في السياسة الدولية، و فهمنا قد يعتريه بعض القصور ادا ما انصب اهتمامنا على إحدى المنظورات دون الأخرى، و لهذا فان الدبلوماسي أو صانع القرار يلزم عليه أن يتوفر علي ميزات خاصة أبرزها الدراية الأكاديمية و الفهم العميق لهذه الاتجاهات التي تكمل بعضها البعض، فادا كان لا ينبغي له أن يتجاهل أهمية عنصر القوة، فانه إلى جانب ذلك يجب أن يؤمن بدور القوى الوطنية و دور المؤسسات الدولية، و أن يقتنع أيضا بإمكانيات التغيير و التحول حسب المنظور البنائي(17).

الهوامش

1/ ستيفن وولت، العلاقات الدولية عالم واحد نظريات متعددة، ترجمة عادل زقاق و زيدان زياني،
HTTP.WWW.GEOCITIES.COM

2/ VOIR, XAVIER GUILLAUME : COMMENT OBTENIR LA PAIX ? CONCEPTIONS DE L’ORDRE INTERNATIONAL PAGE 18, HTTP.WWW.STOESSEL.CH/HE

3/في اللغة العربية فان لفظ النظرية مشتق من النظر الذي يحمل في دلالاته معنى التأمل العقلي و كلمة النظرية باليونانية تحمل معاني التأمل و الملاحظة العقلية، و في الفرنسية فان كلمة النظرية هي بناء أو نسق متدرج من الأفكار، يتم فيه الانتقال
من المقدمات إلى النتائج، و تكاد الدلالة اللغوية تقترب إلى حد كبير من المدلول الفلسفي للنظرية، فهذا ابن رشد يربط النظر بمفهوم الاعتبار، ولما كان الاعتبار هو القياس ، فان النظر العقلي هو أفضل أنواع البرهان لأنه يتم بأفضل أنواع القياس. أما لالاند، فيعطي للنظرية بعدا فلسفيا يقترب كثيرا من الدلالة الفرنسية، فالنظرية عنده تتعارض مع الممارسة، وتتقابل مع المعرفة العامية، لأن هذه الأخيرة معرفة امبريقية، وتتعارض أيضا مع المعرفة النفسية،لأن النظرية بناء فرضي استنتاجي وتتعارض مع المعرفة الجزئية لأن النظرية بناء شمولي.

4/ JEAN LOUIS MATRES : DE LA NECESSITE D’UNE THEORIE DES RELATIONS INTERNATIONALES, COLLECTIONS « AFRI », VOLUMME IV, 2003,PAGE 20.

5/ JEAN LOUIS MATRES : DE LA NECESSITE D’UNE THEORIE DES RELATIONS INTERNATIONALES, BIS, PAGE 21.

6/ VOIR ANN TICKNER : GENDERING WORLD POLITICS, COLOMBIA UNIVERSITY PRESS, NEWYORK.2001.

7/ ALEXANDER WENDT: CONSTRUCTIVISME ET REFLEXIVISME EN THEORIE DES REALTIONS INTERNATIONALES, COLLECTIONS AFFRI, ETUDES POLITIQUES, JURIDIQUES ET APPROCHES THEORIQUES, VOLUME III, ANNEE 2002, PAGE 2

8/ JEFFERY T « THE CONTRUCTIVST TURN IN INTERNATIONAL RELATIONS”, WORLD POLITICS, VOL 50, N°2, 1998 PAGES 324 ET 348.

9/ ادريس لكريني، العالم بين الفوضى و وهم النظام، مقال منشور في المجلة الإلكترونية حوار متمدن العدد 1549 بتاريخ 13-05- 2006
10/ جيمس دورتي و روبرت بالستغراف، النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية، ترجمة وليد عبد الحي، كاظمة للنشر و الترجمة و التوزيع-الصفحة الأولى سنة 1985.

11/ محمد عصام لعروسي، السياسة الخارجية المغربية إزاء العالم الإسلامي-مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة-أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، سنة 2006 ، جامعة محمد الخامس أكدال، الرباط، صفحة 214.

12/ MOHAMED JARI : LES TENDANCES DU SYSTEME INTERNATIONAL POST-BIPOLAIRE, RAPPORT ANNUEL SUR L’EVOLUTION DU SYSTEME INTERNATIONAL 1997 PAGE 2.

13/ ZAKI LAIDI : « PENSER L’APRES GUERRE FROIDE », IN ZAKI LAIDI, L’ORDRE MONDIAL RELACHE, SENS ET PUISSANCE APRES LA GUERRE FROIDE, PRESSE DE LA FONDATION NATIONAL DES SCIENCES POLITIQUES, 1992 PAGES 41.
14/ راجع جميل مطر، تطويع الخصم، الضغوط الغربية على روسيا، مجلة المستقبل العربي العدد 323، كانون الثاني، يناير 2006، ص 53

15/ PIERRE HASSNER : L’AMERIQUE ET LE MONDE, THEORIE ET PRATIQUE, ETUDES INTERNATIONALES, OCTOBRE 1998, PROSPECTIVES SUR LE MONDE, PAGE 302.

16/ VOIR JEAN ANN TICKNER : REVISIONING SECURITY OF WORLD POLITICS, FOREIGN AFFAIRS, VOLUMME 8, 1998.

17/ للاطلاع على بعض وظائف الدبلوماسية راجع، السفير إبراهيم يسري في، حتمية تجديد الدبلوماسية العربية، مكتبة مدبولي، 1998 ص34.

خصائص الدولة

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الشعلان333

خصائص الدولة

أولا : الشخصية المعنوية la personne morale :
الشخص المعنوي هو شخص قانوني يمتاز على الآدميين بأنه قادر على اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات .
ويترتب على الاعتراف للدولة بالشخصية القانونية إضافة إلى القدرة على التمتع بالحقوق وتحمل الالتزامات ، الفصل بين السلطة ومن يمارسها ( الحاكم ) .
إن الاعتراف بالشخصية المعنوية للدولة يعني وحدة الدولة واستقلاليتها وهذا لا يعني الاستقلالية فقط عن الأفراد المحكومين بل الاستقلالية ايضا عن الحكام وبالتالي زوال فكرة شخصية الدولة . وظهور السلطة المجردة النظامية .
إن التطور في الأنظمة السياسية وما يصاحب هذا التطور من تغيير في القائمين على السلطة لا يغير من وحدة شخصية الدولة ، التي تفسر في النهاية استمرارها وبقائها ككائن مستقل .
نتائج الشخصية المعنوية للدولة :-
1- تعتبر الدولة وحدة قانونية مستقلة ومتميزة عن الأفراد المكونين لها .
2- ان المعاهدات والاتفاقيات التي أبرمتها الدولة ، تبقى نافذة مهما تغير شكل الدولة أو نظام الحكم فيها .
3- تبقى التشريعات سارية في حالة تغيير شكل الدولة أو نظام الحكم فيها أو القائمين عليها ما لم تعدل هذه التشريعات أو تلغ .
4- إن الالتزامات المالية تبقى نافذة بغض النظر عن أي تغيير يلق بالدولة .
5- حقوق الدولة والتزاماتها تبقى قائمة ببقاء الدولة بغض النظر عن أي تغيير يلحق بشكل الدولة .
ثانيا : السيادة
إن تمتع الدولة بالسيادة يعني ان تكون لها الكلمة العليا التي لا يعلوها سلطة أو هيئة اخرى . وهذا يجعلها تسمو على الجميع وتفرض نفسها عليهم باعتبارها سلطة آمرة عليا . لذلك فسيادة الدولة تعني وببساطة انها منبع السلطات الأخرى . فالسيادة أصلية ولصيقة بالدولة وتميز الدولة عن غيرها من الجماعات السياسية الأخرى .
والسيادة وحدة واحدة لا تتجزأ مهما تعددت السلطات العامة لان هذه السلطات لا تتقاسم السيادة وانما تتقاسم الاختصاص .
مظاهر السيادة :
1- المظهر الداخلي : وهو ان تبسط السلطة السياسية سلطاتها على إقليم الدولة . بحيث تكون هي السلطة الامره التي تتمتع بالقرار النهائي .
2- المظهر الخارجي : يعني استقلالية الدولة وعدم خضوعها لدولة اخرى ( السيادة بالمظهر الخارجي مرتبطة بالاستقلال ) .
مصدر السيادة وصاحبها
أهم النظريات التي قيلت في بيان صاحب السيادة :
أولا : النظرية الثيوقراطية :-
ترجع هذه النظرية إلى ان السيادة لله وحده ، أي ان الحكم والقرار الأول والأخير لله وحده .
اختلفت التفاسير للنظرية الثيوقراطية فقسمت إلى ثلاث صور :-
1- نظرية الطبيعة الإلهية للحاكم .
2- نظرية الحق الإلهي المباشر .
3- نظرية الحق الإلهي غير المباشر .

1- نظرية الطبيعة الإلهية للحاكم :-
هذه النظرية تقول ان الله موجود على الأرض يعيش وسط البشر ويحكمهم ، ويجب على الأفراد تقديس الحاكم وعدم أبدا أي اعتراض . ( هذه النظرية كانت سائدة غي المماليك الفرعونية والإمبراطوريات القديمة ) .
2- نظرية الحق الإلهي المباشر :-
هذه النظرية تقول ان الحاكم يختار وبشكل مباشر من الله ( أي ان الاختيار بعيدا عن إرادة الأفراد وانه امر إلهي خارج عن إرادتهم .
تمتاز :-
I- لا تجعل الحاكم الها يعبد .
II- الحكام يستمدون سلطانهم من الله مباشرة .
III- لا يجوز للأفراد مسألة الحاكم عن أي شيء .
( تبنت الكنيسة هذه النظرية فترة صراعها مع السلطة الزمنية كما استخدمها بعض ملوك أوروبا لتدعيم سلطانهم على الشعب ) .
3- نظرية الحق الإلهي غير المباشر :-
الحاكم من البشر لكن في هذه النظرية يقوم الله باختيار الحاكم بطريقة غير مباشرة .
حيث يقوم مجموعة من الأفراد باختيار الحاكم وتكون هذه المجموعة مسيرة لا مخيرة في اختيار الحاكم أي مسيرة من الله .
الانتقادات التي وجهت للنظرية الثيوقراطية :-

– نظرية مصطنعة فقط لخدمة مصالح معينة .
2- نظرية لتبرير استبداد السلطة .
3- بعض الفقه نادى بعدم تسميتها بالنظرية الدينية على أساس انها لا تستند في جوهرها إلى الدين .
الخلافة بالإسلام :-
لم يفصل الإسلام بين الدين والدولة كما فعلت المسيحية ( دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله ) وانما جعل الإسلام الخلافة رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا .
مميزات الخلافة الإسلامية :-
1- الخليفة لا يستمد سلطاته من الله .
2- لا تقوم على أساس النظرية الثيوقراطية وانما على أساس رئاسة عامة في أمور الدين .
3- يستمد الخليفة سلطاته من الأمة .
4- تختار الأمة الخليفة بوساطة أهل الحل والعقد .
ثانيا : نظرية سيادة الأمة :-
بعض العلماء اخذ يقرب مفهوم سيادة الأمة إلى مفهوم الديمقراطية واعتبرهما تعبيران عن فكرة واحدة ولكن من ناحيتين .
حيث ان الديمقراطية هي تعبير عن الشكل السياسي اما مبدأ سيادة الأمة ، فهو عبارة عن التعبير القانوني .
أول ما ظهرت فكرة السيادة ظهرت على لسان القانونيين الذين كانوا يدافعون عن سلطات الملك في فرنسا ضد البابا والإمبراطور ، مؤكدين ان الملك يتمتع بالسيادة الكاملة في ممتلكاته ، وان هذه السلطة العليا لا ينافسه عليها أحد في الدولة .
ومع قيام الثورة الفرنسية بقيت فكرة سيادة الأمة قائمة بما لها من صفة الإطلاق والسمو والأصلة ولكنها انتقلت من الملك إلى الأمة ، لتصبح بذلك إرادة الأمة هي السلطة العليا ان لا تنافس .
ان مبدأ سيادة الأمة يعني ان الصفة الامره العليا الدولة لا ترجع إلى فرد أو أفراد معينين بل إلى وحدة مجردة ترمز إلى جميع الأفراد أي الوحدة التي تمثل المجموع بأفراده وهيئاته وأنها بالإضافة إلى ذلك مستقلة تماما عن الأفراد الذين تمثلهم وترمز إليهم .

النتائج المترتبة على مبدأ سيادة الأمة :
1- النظام النيابي التقليدي .
2- الانتخاب وظيفة وليس حقا

– الاخذ بالاقتراع المقيد .
4- النائب ممثل للامة .
5- التنكر لمفهوم الوكالة الإلزامية .
6- الاخذ بنظام المجلسين .
7- القانون تعبير عن إرادة الأمة .

* نقد مبدأ سيادة الأمة :
1- مبدأ سيادة الأمة يؤدي الاعتراف للامة بالشخصية المعنوية ، وبالتالي إلى قيام شخصين معنويين يتشاركان على إقليم واحد وهما الدولة والأمة .
2- قيل انه لا توجد حاجة في الوقت الحاضر للاخذ بنظرية سيادة الأمة .
3- تؤدي مبدأ سيادة الأمة إلى السيادة المطلقة وهذا يؤدي إلى الاستبداد ..
4- قيل ان مبدأ سيادة الأمة لا يمثل نظاما معينا .

ثالثا : نظرية سيادة الشعب :-
التطور الذي لحق بالمذهب الفردي ، والانتقادات التي وجهت إلى مبدأ سيادة الأمة هي الأسباب الكافية لظهور أصوات تنادي في التمثيل النسبي الحقيقي للشعب منظورا إليه في حقيقته وتكوينه ، لا بوصفة المجرد كوحدة متجانسة مستقلة عن الأفراد المكونين له .
تقوم نظرية سيادة الشعب على ان السيادة للجماعة بوصفها مكونه من عدد من الأفراد ، لا على أساس أنها وحدة مستقلة عن الأفراد المكونين لها .
وطبقا لنظرية سيادة الشعب تكون السيادة لكل فرد في الجماعة ، حيث إنها تنظر إلى الأفراد ذاتهم وتجعل السيادة شركة بينهم ومن ثم تنقسم وتتجزأ .
– الاختلاف بين مبدأ سيادة الأمة وسيادة الشعب
مبدأ سيادة الأمة
سيادة الشعب
السيادة لمجوع الأفراد
ينظر للمجموع من خلال الأفراد
وحدة واحدة مجردة لا تقبل التجزئة
السيادة للأفراد ، تنقسم السيادة بينهم
مستقلة عن الأفراد ذاتهم
السيادة مجزأة ومنقسمة بين الأفراد
للشعب مدلولان :-
1- المدلول الاجتماعي :-
ويشير هذا المدلول إلى كافة الأفراد الذين يقيمون على الإقليم ، والذين يتنسبون إليه عن طريق تمتعهم بجنسيتها .
2- المدلول السياسي :-
يحمل معنى أضيق من سابقة . يشمل الذين يتمتعون بالحقوق السياسية ، وهم(جمهور الناخبين) ( أي الذين تدرج أسمائهم في جداول الانتخابات ) .

النتائج المترتبة على مبدأ سيادة الشعب :
1- تجزئه السيادة بين الأفراد .
2- الانتخاب حق لا وظيفة .
3- الأخذ بالاقتراع العام .
4- العودة لمفهوم الوكالة الإلزامية ونشأة الأحزاب السياسية .
5- الأخذ بنظام التمثيل النسبي .
6- القانون تعبير عن إرادة الأغلبية .
نقد سيادة الشعب :
1- تجسيد علاقة التبعية بين النائب والناخب .
2- إن الاخذ بمبدأ سيادة الشعب لن يحل المشكلة لانه في الواقع يجزئ السيادة ويجعلها مقسمة بين أفراد الشعب .
فقه القانون العام المعاصر انقسم في تقييمه للنظريتين إلى ثلاث اتجاهات :
1- تجاه يقضي بأن سيادة الأمة مبدأ نشأ وانشر لظروف خاصة مرت به شعوب معينة .
2- تجاه يميل إلى الاخذ بمبدأ سيادة الأمة ويفضله على مبدأ سيادة الشعب .
3- تجاه يسعى إلى ترجيح مبدأ سيادة الشعب على مبدأ سيادة الأمة .

تحليل لموضوعة – القوة في العلاقات الدولية : ل – هانز مورجانث

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الشعلان333

مقدمة : Introduction
شهدت حقبة الأربعينات في القرن العشرين تحولات عديدة ، كان أبرزها ظهور الاتجاه الواقعي في العلاقات الدولية والذي جاء كرد فعل على الاتجاه المثالي، بسبب عدم صحة هذا الاتجاه، والذي قد استند قبل تلك الفترة على دراسات قامت على ما يجب أن يكون عليه المجتمع الدولي ضمن نظرة الأفضل والامثل دون أن تأخذ بالأمر الواقع كأساس لها، وتجاهلها للتاريخ، لقد نظر الاتجاه المثالي للسلوك الدولي كوحدة أساسية للتحليل وتجاهله لمبدأ القوة وتوازن القوة.
ان النظرية الواقعية تستمد مادتها الديالكتيكية في التاريخ من اجل الوصول إلى تعميم عام للسلوك الدولي، وترى بهذا الجانب إن الرأي العام يتغير بشكل سريع لذلك لابد لصانع القرار عدم الأخذ به، وترى بان الدولة القومية هي وحدة التحليل الأساسية في العلاقات الدولية ، كما يرفض الواقعيون فكرة وجود تناسق في المصالح بين الدول، بل يرون بتضارب مصالحها إلى حد الوصول إلى احتمالية حدوث الحروب، كما يعطون دور كبير لإمكانيات الدولة المتوفرة في تحديد نتيجة الصراع الدولي، والتأثير بالدول الأخرى، يرى الواقعيون بان القوة ليست مقتصرة فقط على الجانب العسكري، بل هناك جوانب أخرى كالاقتصادية والديمقراطية والإيديولوجية الخ، ومع ذلك فان الواقعيون لا يغفلوا ضرورة تحقيق السلام العالمي ولو باللجوء إلى القوة كأساس لذلك.
ان الاتجاه الواقعي الأمريكي يأتي على رأسه عالم العلاقات الدولية الأشهر “هانز مورجانثو Hans Morgenthau” مؤسس النظرية الواقعية في العلاقات الدولية ،ويؤكد “مورجانثو Morgenthau ” على فكرة القوة في العلاقات الدولية بقوله: ان عالم السياسة الدولي(السياسة الدولية – العلاقات الدولية) شأنه شأن عالم السياسة الداخلي (السياسة داخل المجتمع)هو عالم الصراع من أجل القوة ومهما تكن مرامي ذلك العالم فإن القوة هي هدفه المباشر والملح والدائم. ويتضمن العرض الشامل الذي قدمه “مورجانثو Morgenthau” لمفهوم القوة في السياسة الدولية ، تصورا محددا للأشكال المختلفة لصراعات القوة في المجتمع الدولي، فالدول طبقا لهذا التصور تتصارع من اجل الاهداف التالية :
1. سياسات الحفاظ على الوضع القائم .
2. سياسات التوسع الاستعماري .
3. دعم المكانة السياسية في المجتمع الدولي .

اولاً : سياسات الحفاظ على الوضع القائم :
يهدف هذا النوع من السياسات الخارجية حسب نظرية “مورجانثو Morgenthau” للحفاظ على التوزيع القائم للقوة في لحظة معينة من لحظات التاريخ، اي عندما تبرز توزيعات جديدة لعلاقات القوة كنتيجة لانتصار بعض الاطراف ، وهزيمة الاطراف الاخرى .
وهناك تطبيقات تاريخية عديدة لسياسات الوضع القائم بالشكل المشار اليه ، ولعل اقرب تطبيق لهذه السياسة في النسق الدولي والتي ما زالت قائمة في واقع التفاعلات الدولية الديناميكية الى يومنا هذا صعودا ونزولا. نستطيع ان نطلق عليها مرحلة نهاية او ما بعد الحرب الباردة التي تميزت في مطلعها بتفكك الاتحاد السوفيتي (المنظومة الاشتراكية الشرقية) عام 1991 وبزوغ نمطية علاقات جديدة في النسق الدولي تقوم على نمط القطب الواحد المتمثل بالولايات المتحدة الامريكية قائدة (المنظومة الرأسمالية الغربية).
الولايات المتحدة اضحت كما هو مسلم به تتربع قمة الهرم الدولي لما تملكه من مقومات مثلث القوة – القوة العسكرية ، القوة الاقتصادية ، والقوة التكنولوجية ، وان اقطاب هذا المثلث مجتمعه تمثل القوة السياسية التي هي ابرز مخرجات القوة المؤثرة في الوحدات الدولية .

وهذا ما يؤكده ” زبيغنيو بريجنسكي Zbigniew Brzezinski” في كتابه (الاختيار السيطرة على العالم ام قيادة العالم ) قائلا ً :(( مع بداية القرن الحادي والعشرين ، نجد انه لا مثيل لقوة اميركا من حيث مداها العسكري على الصعيد العالمي ، ومحورية النشاط الاقتصادي لأمريكا بالنسبة الى صحة الاقتصاد العالمي ، والتأثير الابداعي للدينامية التكنولوجية الاميركية ، ومن حيث الجاذبية العالمية للثقافة الاميركية المحض المتعدد الاوجه، اذو وفرت هذه العناصر كلها لأمريكا نفوذا سياسيا ً عالميا ً لا نظير له ، واصبحت امريكا في كافة الاحوال ضابط الايقاع العالمي وما من منافس لها على المدى المنظور)).
ولا غضاضة فان الولايات المتحدة الاميركية وبحسب البيانات الاحصائية المتوافرة قد ابانت بجلاء تأثير القوة الاميركية ومدى ارتفاع شكيمة حظورها في توزيع الادوار في النسق الدولي وهي تتربع قمة الهرم الدولي لما تتمتع به من تفوق غير متكافئ على باقي الوحدات الدولية بصورة عامة وعلى الفواعل الدولية بشكل خاص .ومن هذا المنطلق تسعى بجهد وجد للحفاظ على الوضع الراهن من طريق طرح مشروعها الامبراطوري الذي يقوم على الهيمنة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني الوصف للقدرة والقوة على التأثير وبالتالي السيطرة على وحدات النظام الدولي ومقاومة السيطرة من قبل القوى الصاعدة .
والشواهد التاريخية والاحداث التي ارتأت الولايات المتحدة الاميركية فيها ابراز سياسات الحفاظ على الوضع الراهن وفرضها على الوحدات الدولية واضحة وكثيرة ، فعلى سبيل المثال لا الحصر اقدمت الولايات المتحدة الاميركية بعد احداث 11 ايلول-سبتمبر 2001 بالإعلان وعلى لسان رئيسها آنذاك “بوش الابن Bush Jr. ” بالقول المشهور: ((من ليس معي فهو ضدي)) تحت عنوان مكافحة الارهاب واستخدمت القوة الخشنة بإفراط نتيجة لمنطق القوة والهيمنة في التفاعلات الدولية باحتلالين غير مبررين وفق مثل المجتمع الدولي العراق وافغانستان ، وهذا ما تفسره واقعية القوة التي فرضتها الولايات المتحدة واجبرت وصهرت معظم المواقف المعارضة في بوتقة واحدة لتصب في محيط الابقاء على الوضع القائم على المدى المنظور والمتوسط وبما يخدما مصالها القومية والعالمية الشاملة .
وعليه فانه من الواضح والجلي ومن خلال استقراء السياسات الاميركية والاليات المستخدمة في التأثير في رسم وتوزيع الادوار في النظام الدولي فأنها قد قطعت اشواط طويلة لبناء هذه الثقة بالقوة الاميركية وبالمكانة جاعلة لكل حقبة زمنية تاريخية بعد معين يتناسب مع تلكم المرحلة في التراتبية الدولية .
وعلى الرغم من سيل الطروحات والتوقعات التي اثارت الادعاء ببدء افول الهيمنة الاميركية على العالم ، لاحت في الافق تصورات مغايرة في دوائر صنع القرار الاميركي المتكون من المفكرين والمنظرين والدعاة والمؤولين للسياسة الاميركية اسس متغيرة تتعامل مع مواطن الضعف وبالوقت نفسه تنطلق من مكامن القوة لتفعيل ذلك ولتعضيد سياسات القوة وسد تغور وفجوات الضعف وبالتالي انعاش الهيمنة الاميركية والعمل على اطالة مداها الزمني للحفاظ على سياسات الوضع القائم ، ولعل اول ما فكرت به تلك الجهات توخيا لذلك المقصد ،كان اعادة النظر في الاستراتيجيات الامنية والعقائد العسكرية لنجد ان اليات التغيير في السياسة الدولية للولايات المتحدة قد اخذت بعدا ينسجم مع كل مرحلة ومن بين اهم وابرز الاليات المتبعة للولايات المتحدة الاميركية للحفاظ على الوضع القائم والتي فرضت نفسها على الوحدات الدولية التي كانت خارج دائرة القبول للسياسات الاميركية هي :
سياسات القوة الخشنة . Hard Power
سياسات القوة الناعمة . Soft Power
سياسات القوة الذكية . Smart Power

ثانيا : سياسات التوسع الاستعماري :
الوهلة الاولى لموضوعة التوسع الاستعماري تعطي مؤشرات ومدركات حسية للعقل البشري ( للمفهوم الاول البدائي للاستعمار) القائم على الاحتلال العسكري واستعمار الاراضي واستخدام العبيد ونهب الكنوز والوصاية المباشرة، الا ان القرن الحادي والعشرين قرن الموجة الثالثة العارمة وصدمة المستقبل بكل ما تحمله من معان هي غير مرحلة الحربين العالمية الاولى والثانية وحتى الحرب الباردة بكل مفرداتها .
وفيما يخص تحليل “هانز مورجانثو Morgenthau ” لسياسات التوسع الاستعماري فقد اخذه على ثلاث جوانب او نتيجة لثلاث عوامل :
العامل الاول : الحرب المنتصرة Victorious war:
وهو توقع الانتصار في حرب ما مما يجعل الدولة تنتقل من مرحلة الابقاء على الوضع القائم الى التغيير في علاقات القوى لصالحها، وفي الحقيقة فان الرؤية العلمية والأكاديمية وبحسب معطيات وتراكمات الفهم للعلاقات الدولية التي تنبع من مدخلات ومخرجات النظام الدولي فان الباحث يلاحظ ان هذا الهدف الثاني الذي طرحه “مورجانثو Morgenthau” وهذه السياسة تصلح لان تكون في مقدمة الاهداف التي ذكرها “مورجانثو Morgenthau ” باعتبارها خطوة اولى في سلم التفاعلات الدولية اذا ما تم تطبيقها على الولايات المتحدة الاميركية لانها خطوة للتوسع خارج نطاق الحدود وبالتالي الخروج من مرحلة السبات او العزلة لبناء الذات.
والفرادة التاريخية والإدراك المؤطر في السياسة الدولية تعطي صورة لهذه النظرية التي حددها “مورجانثو Morgenthau” بانها تشبه مرحلة العزلة للولايات المتحدة الاميركية في مطلع القرن العشرين تجاه الشؤون الاوربية الحاملة لتركة النظام الدولي القائم على الحروب ، ولذلك نلاحظ ان الرئيس الاميركي ” روزفلت” كان ملتزما بمبدأ الحياد الى ان دخلت الحرب مرحلة الذروة بهجوم الطائرات اليابانية على ميناء بيرل هاربر في 7-12-1941 حتى امر الرئيس الأمريكي (ترومان) الولايات المتحدة بالخروج عن الوضع القائم بقصف مدينة (هيروشيما Hiroshima) و(ناكازاكي Nagasaki) في عام 1945 بالقنبلة الذرية لتنتهي الحرب لصالح الولايات المتحدة ، لتبدأ بالتوسع الاستعماري وفرض نفسها بقوة على المشهد الدولي سواء بصورة مباشرة وغير مباشرة.
ولعل ابرز تلك الملامح لهذا الهدف هو التوسع الاستعماري بالقوة العسكرية كما في فيتنام لفرض الارادة الاميركية بصورة مباشرة واخرى غير مباشرة تسمى بالحرب بالنيابة كأحد انماط الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي التي سادت تلك المرحلة لتتغير في ذلك نمط علاقات القوة لصالح الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وافول القوى الاوربية التي كانت الفاعل الرئيس في النظام الدولي .
وما يجب توضيحه وتعقيبا على ما تم طرحه في المقدمة التوضيحية لسياسات التوسع الاستعماري نروم بيان ان دراسة تاريخ التوسع الامبراطوري التقليدي كان يقوم على مبدا القوة العسكرية كمحدد لروابط وعلاقات الصراع بين المتنافسين الدوليين ، فالإمبراطورية في النموذج التقليدي كانت تقوم على مراحل الارتقاء او الانحطاط. الا ان نظرية دورات الهيمنة والتوسع قامت بتطوير نماذج تحليلية جديدة وادخلت المتغير التكنولوجي كأحد مظاهر وسمات نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين في ظل ثورة المعلومات والتكنولوجيا الدقيقة ، هذا المتغير اضاف بعد اخر لعلاقات القوة والتوسع فلم يعد الاحتلال او التوسع العسكري هو الاداة الوحيدة والفاعلة الى جانب المتغير الاقتصادي من نهب الثروات وتصدير الفوائض الرأسمالية من المركز الى الاطراف وان كانت مرتكزات مهمة الا ان الانكشاف الاستراتيجي الشامل قد افقد للدول قدسية حدودها الوطنية امام الموجة الثالثة التي قال بها “الفن توفلر Alvin Toffler “.
فالتوسع الاستعماري اصبح يطلق عليه في مصطلحات علم السياسة (العولمة Globalization) بكل جوانبها ليدخل الجانب التكنولوجي والثقافي بقوة الى جانب المتغيرات والعوامل العسكرية والاقتصادية، فالتوسع عبر شبكة المعلومات الدولية الأنترنيت اصبح في عالم اليوم له فعله الفاعل تسقط دول وتغير انظمة وسياسات وتفرض ارادات عبر مسمى القوة الناعمة او اللينة التي اطلقها “جوزيف س ناي” كبديل او رديف لتعضيد القوة العسكرية والتي تتضمن ابعاداً اخلاقية وسياسية تتيح للولايات المتحدة اضفاء الشرعية على هيمنتها وسياساتها التوسعية من خلال توفير منافع عامة لبقية العالم مثل السلام والعدالة الى جانب ابراز ميزات الرأسمالية، وذلك لكسب المؤيدين ودفع المعارضين للتوجهات الاميركية وتنفيذ المخطط السياسي والنفسي المسوق للنموذج الاميركي لغايات واهداف عليا تروم وتسعى لتحقيها في الديناميكية الدولية المتغيرة .
العامل الثاني : الحرب الخاسرة Losing the war:
يفيد “هانز مورجانثو Morgenthau” بانه كما تفعل الحرب المنتصرة فعلها في خلق الدافع الى التوسع والاستعمار فقد يكون للحرب الخاسرة تأثيرات مشابهة ولكن بصورة مختلفة ، فعلاقة الخضوع التي يراد لها ان تكون مستمرة ودائمة في اطار تركيب قوة معينة تفرضه الحرب التي يخسرها احد الاطراف ، قد تدفع بهذا الطرف الخاسر الى محاولة التخلص من الوضع القائم وتبادل مراكز القوة في هذا التوزيع بحيث يتاح له ان يستولي على مركز الطرف المنتصر او منافسته وازاحته الى مركز اقل او موازاته او الحد من هيمنته لاستعادة ما فقده ، وفي حالات معينة قد لا يكون الطرف الخاسر مدفوعاً فقط في استعادة ما فقده، بل الحصول على اكثر مما فقده وهو ما يسمه “مورجانثو Morgenthau” بالسياسات الاستعمارية التي تتبناها الاطراف الخاسرة .
ويعطي في هذا العامل مثالا توضيحيا للفترة منذ عام 1919 وحتى عام 1935 بدت سياسة المانيا فيها وكأنها متقيدة وخاضعة وفي اطار حدود الوضع القائم في حين انها كانت تسعى سرا ً الى هدم ذلك الوضع وتغييره في اتجاه مختلف تماماً .. وانطلاقا ً من هذا المثال نجد ان اقرب تطبيق لهذه السياسة في الوضع الدولي الراهن هي السياسة الروسية حاملة تركة الاتحاد السوفيتي، فروسيا الاتحادية بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك المنظومة الاشتراكية وانهيار اصبحت قوة خاسرة امام الولايات المتحدة الاميركية ورضخت لسياسات الوضع القائم.
ويبدو ان روسيا الاتحادية اتبعت مقولة الجيوبوليتكي البلجيكي “جان تيريار Jean Tiriar ” الذي قال: ((كان الاتحاد السوفيتي شبيها ً بلوح من الشكولاتة، حزت فوقه حدود الجزئيات – الجمهوريات، وعندما تفتت هذه الجزئيات – الجمهوريات لم يعد كافيا ً ضمها الى بعضها لإعادة اللوح بكامله الى ما كان عليه ،فلا يمكن التوصل الى ذلك الان الا عن طريق اعادة صهر اللوح كله واعادة طبعه)).
وبانتصار الولايات المتحدة على الاتحاد السوفياتي فرض وضع للدخول وفي حقبة جديدة ، تطالب بنماذج جيوبولتيكية مبتكره، فالوضع الجيوبولتيكي لكل ما هو تقليدي من الاراضي والاقاليم والدول والاتحادات تبدل تبدلا ً حادا ً،ومن هنا كانت روسيا الاتحادية تائهة ما بين وضعها الدولي المسلوب وما بين المشاكل الداخلية المستعرة لاسيما الاقتصادية والامنية التي مثلت اهم مواطن الضعف التي اثقلت كاهل الدولة فضلاً عن ترمة وتبعات الجمهوريات المتناثرة .
واول خطوة من روسيا الاتحادية في رئاسة “بوريس يلتسين Boris Yeltsin” الانكفاء على الذات ، والمحاولة الاولى لمنع الانهيار، قررت فيه الحكومة الالتفات إلى قطاع الطاقة (اذ ان إنتاج النفط تراجع إلى النصف في أقل من عشر سنوات) الذي يحتلّ حيّزاً واسعاً وفاعلاً في الاقتصاد الروسي (البترول وحده يشكّل 15 % من صادرات البلد)عبر توجيهه إلى التصدير الخارجي البعيد، بعد اقتصاره على الاستهلاك المحلي لسد الحاجة والتصدير إلى المحيط القريب والدول الفقيرة وذلك لتعزيز الثقة في الداخل باعتبار ان الداخل انعكاس لسياسات الخارج .
لكن “اليلتسينية” تركت وراءها، تسع سنوات من التخبّط والفوضى لأسباب كثيرة تمثلت بالفساد المالي والاداري وسطوة العسكر التي تحولت الى مافيات اثرت سلبا على الوضع الاجتماعي الروسي ، في نهاية العام 1999، وبطريقة غير متوقّعة، قدّم يلتسين هدية إلى شعبه والعالم بمناسبة رأس السنة الميلادية والانتقال إلى العام 2000: استقال من منصبه ليسلّم مقاليد الحكم إلى “فلاديمير بوتين Vladimir Putin” الرجل الذي أتى به من عالم المجهول ليجعله رئيساً للوزراء في آب 1999. وفي آذار 2000 تمكّن رئيس الوزراء السابق، الذي صار رئيساً بالوكالة، من الفوز في الانتخابات الرئاسيّة. وهكذا بدأت روسيا الألفيّة الثالثة في ظل “قيصر” جديد لا يعرف عنه المراقبون إلاّ القليل، “البوتينيّة” الجديدة التي حاولت اذابه وصهر الجزئيات في بوتقة روسيا الاتحادية وبناءها في اطار موحد. من “بويتن Putin ” انطلقت روسيا للبحث بعد الحرب الخاسرة للبحث عن الدور الدولي واستعادة المكانة ومن اول ايام استلام مقاليد السلطة والشواهد كثيرة والانجازات الكبيرة التي حققها بوتين يصعب حصرها في سطور او في اتجاه معين لأنها اخذت كافة المجالات وفق استراتيجية شاملة استطاعت ان تعيد صوتها التي اصبح بعد انهيار الاتحاد السوفيتي من صوت معادي الى صوت موالي للغرب او صامت في احسن احواله للمتغيرات الدولية .
ولعل لغة الارقام تعطينا كيف استطاعت روسيا الاتحادية النهوض من جديد وان تخلق تحديا لقمة الهرم الدولي ، فعلى سبيل المثال كان الاقتصاد الروسي بمستوى متدني ولم يكن لروسيا اي احتياطات تذكر من الدولار عام 1998 الى 500 مليار دولار في عام 2008 وبلغت الاستثمارات الاجنبية في نفس العام 45 مليار دولار وبلغ الناتج القومي الاجمالي الروسي 2.376 ترليون دولار حسب تقديرات 2011 والارقام كثيرة والشاهد في ذلك ربط سياسات الحرب الخاسرة للدول بتفاعلات النسق الدولي والتأثيرات على التراتبية الدولية .
وعلى المستوى العسكري والسياسي كانت الازمة الجورجية (حرب الخمسة ايام) اكبر تحدي بعد تفكك الاتحاد السوفيتي للولايات المتحدة الاميركية، فهي رسالة عمليه فاعلة للدور الجديد لروسيا الاتحادية ، وان تحجيم النفوذ الأمريكي في المنطقة سيكون بداية لانحصار وانكسار نفوذها انطلاقا من إدراك موسكو بان جورجيا وليدة لمشروع الولايات المتحدة في المنطقة. إن المواجهة التي بدأت بين روسيا والولايات المتحدة خلال أزمة جورجيا تعتبر إيذان ببداية حقبة جديدة من العلاقات الدولية, فقد أخطأت واشنطن باستمرارها للتصعيد مع موسكو بتأكيد أنه سيتم ضم جورجيا إلى حلف الأطلنطي مستقبلا, وما صاحب ذلك من مناورات أمريكية أوكرانية في البحر الأسود, مما دفع روسيا إلى الاستمرار في التصعيد وذلك بتوعد بولندا بإمكانية استخدام السلاح النووي ضدها, وتعليق تعاون روسيا مع حلف الأطلنطي حيث أن هذه الأزمة كشفت عن التغير في النظام الدولي وما ستنطوي عليه العلاقات المستقبلية من تفاعلات بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.

العامل الثالث : ضعف امكانات القوة :
يشير “مورجانثو Morgenthau ” الى ان ضعف امكانات القوة لدى بعض الدول، تمثل بضعفها هذا للدول ذات الامكانات المتفوقة عليها من القوة وقد حدث ذلك في معظم حالات التوسع الاستعماري . وان جاذبية فراغات القوة في تحريك الدوافع الاستعمارية تعد تهديدا استعماريا للتوسع المحتمل في الكثير من الدول الاسيوية والافريقية الناشئة، حيث ان امكانات الدول من القوة تعد محدودة بالمقارنة مع غيرها لا سيما الفواعل الدوليين .غير ان “مورجانثو Morgenthau ” يضع بعض التحفظات على ما تم طرحه من افكار فيما يتعلق بضعف امكانات القوة للوحدات الدولية الضعيفة او الناشئة وهي :
أ‌- ليس من الضروري النظر الى كل سياسة خارجية على انها تهدف دعم قوة دولة من الدول على انها تعبير عن نزعة استعمارية ، ” فالإمبريالية Imperialism” هي سياسة تهدف الى تقويض دعائم الوضع القائم ، وقلب علاقات القوة القائمة بين اطرافها راسا على عقب، اما السياسات التي تنشد التعديل تاركه علاقات القوة على حاله ، فأنها لا تكون سياسات استعمارية بقدر ما هي سياسات تعمل ضمن الاطار العام للوضع الدولي القائم وغالبا ما تكون هذه السياسات مرتبطة بالدول التي تلتزم الحياد او الدول الغير قادرة على مجارات علاقات القوة بين الاطراف الدوليين، على عكس السياسة الاولى التي تهدف على قلب الوضع القائم في النسق الدولي وهذا حال معظم الدول الفاعلة لا سيما القوى الصاعدة .
ب‌- كما لا يشترط ان تكون كل سياسة هدفها الحفاظ على امبراطورية قائمة في النظام الدولي تكون إمبريالية الطابع، فهذه السياسة تكون اقرب الى الدفاع عن معادلات القوة والاوضاع الاقليمية السائدة منها الى محاولة تغييرها .وهي بالتالي موجهة ضمن اطار الوضع الدولي القائم .
ويحدد “مورجانثو Morgenthau ” ثلاث وسائل تستخدمها الدول التي تنتهج سياسات التوسع الاستعماري في الوصول الى اهدافها وهي :
• الادوات العسكرية
• الادوات الاقتصادية
• الادوات الثقافية
• الادوات العسكرية :
ان طبيعة الدور الذي تقوم به القوة العسكرية والمهام الموكلة اليها والنتائج المترتبة على اي فعل تقوم به جعلها اكبر واضخم وسائل القوة بالنسبة للدولة، فالأدوات العسكرية هي اكثر هذه الادوات شيوعا ً ، وان الميزة الكبرى التي تكلفها اداة الغزو العسكري تنبع من حقيقية اساسية مؤداها ان العلاقات الجديدة للقوة لا تتبدل كقاعدة عامة الا نتيجة حرب جديدة تشنها الدولة او الوحدة الدولية المغلوبة بالرغم من ان الظروف تكون عادة ً ضدها . ومن ناحية ثانية فان استخدام الادوات العسكرية في الغزو يستجيب لحالة سيكولوجية اساسية ،وهي الارضاء النفسي للقائد الذي يمارس هذه الوسيلة بنجاح، وهو ما لا يمكن ان يتحقق بنفس الدرجة في ظل استخدام الادوات غير العسكرية . “فنابليون Napoleon” مثلا ً كان بإمكانه ان يفرض سيطرة بلاده على أوربا بقوة الافكار والمعتقدات التي جاءت بها الثورة الفرنسية اي بالأدوات الثقافية ، لكنه فضل استخدام الوسيلة العسكرية لإشباع الحاجة النفسية التي لا يحققها سوى زهو الانتصار وكبرياؤه.
بيد ان الدول الكبرى والمتقدمة كالولايات المتحدة الاميركية لا تقوم قراراتها على فكرة القائد ذات الشخصية التسلطية التي تؤكد السيطرة على المرؤوسين وتفرض ارادتها على الارادة السياسية ، فضلا عن عدم الاكتراث لمسالة تحقيق الذات الشخصية للقائد، لان الدول تبحث عن مصالحها الشاملة وفق استراتيجيات كبرى، لان عملية صنع القرار والسياسات العليا للدول التي تتربع النسق الدولي وتتفاعل فيما بينها ، فالقائد والمستشارين والمدراء يلعبون دورا رئيسيا في هذه العملية من ناحية، ولمساهمة القرارات المتخذة في تحقيق مهام القيادة ” السياسية والعسكرية والإدارية ” نحو إنجاز أهدافها المحددة من ناحية أخرى. ويشكل اتخاذ القرار المرحلة النهائية والحاسمة في عملية صنعه، إذ تمر هذه العملية بعده مراحل تنتهي باتخاذ القرار المناسب، كما أنها تخضع لتأثيرات عدة عوامل داخلية وخارجية وبدرجات مختلفة.
يعتبر القرار الاستراتيجي من أهم القرارات التي تقدم عليها الدولة لإنجاز الأهداف الرئيسية، وتشمل أكثر من إدارة في هيكلية صنع القرار، وتأخذ عدة جوانب مؤثرة ويشترك في اتخاذها القيادة العليا للدولة، ومن هذه الخطوات لصنع القرار للتوضيح : تقرير المشكلة، جمع المعلومات، الترتيب والتحليل، تحديد الوسائل، وضع قائمة بالبدائل، تقيم البدائل‘ القرار، التنفيذ، والمتابعة.

الادوات والوسائل الاقتصادية :
تعتبر الادوات الاقتصادية متراكمة مادية تتركز على اسس القوة الاقتصادية او الموارد الاقتصادية ، ولا يمكن اغفال القوة الاقتصادية في الوقت الراهن ، فبعد ان كانت السياسة تقود الاقتصاد ، اضحى الاقتصاد يقود ويحرك السياسات ، كما يشير الكثير من الباحثين على ان القوة الاقتصادية تمثل البنى التحتية لكل السياسات والمقومات للدولة وما فوقها يمثل البنى الفوقية .( )
ويعد المتغير الاقتصادي من العوامل المهمة في قوة الدولة ، ومن ثم التوازن الدولي لما لهذا العامل من تأثير على حياة الفرد والمؤسسات لا بل على الدول ذاتها ، والقوة الاقتصادية تعني نسبة عالية من الاكتفاء الذاتي ، بالإضافة الى قدرة الدولة على تقديم المساعدات المادية والمعنوية لأصدقائها عندما تدعو الحاجة لذلك ، وبالتالي فان معطى القوة الاقتصادية هو قابلية وقدرة الدولة على ادامة الاقتصاد قويا في السلم والحرب على حد سواء .( )

وكما يقول الدكتور “اسماعيل صبري” مقلد بالنسبة للأدوات الاقتصادية فأنها وان كانت تؤدي الى توسيع اطار السيطرة (الامبريالية Imperialism) بنفس الدرجة التي يوفرها استخدام الادوات العسكرية ، الا ان هذا لا يعني ان فاعليتها دائما محدودة ، اذ انه في احوال معينة قد تكون للسيطرة الاستعمارية بالأدوات الاقتصادية ابعد النتائج واعمق التأثيرات. والادوات الاقتصادية في الاستعمار اقل مخاطرة من الادوات العسكرية واقل استفزازاً منها كذلك لطبيعتها غير المباشرة مما يوفر لها فرصا اطول للاستمرار على عكس ما يحدث في ظل التدخل العسكري والغزو والاحتلال المباشر .( )
والادوات الاقتصادية المؤثرة في الوحدات الدولية تأخذ اشكال متعددة في ظل اقتصاد السوق منها حرية التجارة والاستثمار والاقراض والتمويل الدولي والمساعدات والاعانات ، ولعل ابرز الادوات الدولية التي تتحكم بالاقتصادي العالمي التي تمثل الركائز الرئيسة له وهي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية التي تعتبر مركز سيطرة الرأسمالية على الاطراف في العالم، وكما هو موضح في الرسم الاتي :

• الادوات والوسائل الثقافية :
اما الادوات الثقافية كما يقول “مورجانثو Morgenthau ” اخبث الادوات المستخدمة في فرض السيطرة الاستعمارية واكثرها ذكاءً ، لأنها تستدف العقول والتسلط عليها وغلسها وتغذيتها بما يتوافق والغاية او الوسيلة المرجوة لهدف تلك الوحدة في التفاعلات الدولية، واتخاذها نحو تبديل علاقات القوة القائمة بين الدول، وهي من الانماط التي تعتبر مكملة للأدوات والعسكرية والاقتصادية وهذا لا يلغي اهميته في ظل ثورة المعلومات والاتصالات وسهولة وصولة المعلومة لاسيما وان الأنترنيت ومعظم وسائل المعلومات تسيطر عليها الولايات المتحدة.( )
ويضيف ايضا بان العديد من الامبراطوريات الاستعمارية التي قامت في الماضي انهارت لا لشيء الا لأنها ارتكزت على الغزو العسكرية وحده ولم تحاول التغلغل بالثقافات والافكار والمعتقدات وعقول الشعوب التي خضعت لسيطرتها بالقوة وهو امر من المؤكد كان يقوي من دعائم السيطرة التوسعية ويطيل امدها. وتعتبر الادوات الثقافية من موارد (القوة الناعمة soft power) التي تشمل الى جانب الثقافية القيم السياسية والسياسة الخارجية (عندما يراه الاخرون مشروعة وذات سلطة معنوية اخلاقية )، وقد تدل هذه العبارات بانها اقرب الى المثالية باعتبار ان”مورجانثو Morgenthau” هو الاب الروحي للمدرسة الواقعية في السياسة الدولية الاميركية التي تبتعد كثيرا عن المثالية، بيد ان الولايات المتحدة الاميركية في مطلع العقد الثاني في القرن الحادي والعشرين كثير ما اعتمدت على (القوة الناعمة soft power) سواء اكان مع القوة الصاعدة او البلدان العالم الثالث لاسيما منطقة الشرق الاوسط لتحسين الصورة من جهة وكسب القلوب من جهة اخرى .( )
فعندما تحتوي ثقافة بلد على قيم عالمية ، وتروج سياسته قيما ومصالح تشاركه فيه شعوب الدول الاخرى وتطبق على ارض الواقع ، فان امكانية حصول النتائج المرغوبة للتغير يكون عبر العلاقة التي يخلقها من الجاذبية . ونجد ان الولايات المتحدة الاميركية في العالم المعولم تستفيد من نشر ثقافتها العالمية كنهج امبراطوري نحو الهيمنة للحفاظ على الوضع القائم للنظام الدولي الذي تتربع قمته تحت نمط الاحادية القطبية .( )
فعالم اليوم يتغير بمحركاته ونوابضه واداوته وقواه والفاعلين على مسرحه ، بينما نجد ان الافكار مازالت ثابته على الاتجاهين المرسل والمستقبل لها ، فالدول الصغيرة وان كانت تحمل هوية وافكار ثابته وواضحة المعالم الان الحراك الهائل للآليات الناعمة والتسارع الفائق جعل المفكرين في سباتهم العقلي في تلك البلدان من غير وجه امام الموجة الثالثة من المعلومات فثورة المعلومات القت بضلالها على الدول وشعوبها فلم يعد للحدود والفواصل الجغرافية قدسية تذكر امام الانكشاف الاستراتيجي الشامل عبر وسائل الاعلام والانترنيت وادواته العملاقة وتكنولوجيا الفضاء من الاقمار الصناعة والطائرات المسيرة وثورة الخلايا الرمادية للصناعة الدقيقة الالكترونية التي (تبث وتستلم) (Broadcast and receive) من اي مكان وتحت اي ظرف وفي اي وقت .( )

ثالثا :سياسات المكانة في المجتمع الدولي :
قبل الدخول في تحليل سياسات المكانة في المجتمع الدولي التي حددها “مورجانثو Morgenthau ” كاحد اهداف القوة ، ندخل في الجانب المفاهيمي للمكانة، ومن هنا يمكن فهم المكانة لغوياً بدلالة المنزلة التي يتحلى بها صاحب المكانة ، والمكانة جمعها مكانات وهي المنزلة ورفعة الشأن ، يقال مثلاً (أن فلان له مكانة عند قومه ) أي يتمتع بمنزلة متميزة عن بقية القوم .
أما في القرآن الكريم فقد ورد ذكر المكانة في قوله تعالى (( ولقد مكًنَهم فيما إن مَكَنكم فيه وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة )) ويقال مكنه الله في الشيء ، أي بمعنى إستمكن الرجل من الشيء ، والمكانة يراد بها أيضاً المنزلة عند الملك أو صاحب النفوذ.
أما في النظام الدولي فأن مكانة الوحدة السياسية في بنيان النسق الدولي يحدد إلى حد بعيد سلوكها تجاه الوحدات الأخرى ، فالنسق الدولي يتسم بالترتيب التدريجي للوحدات السياسية ويتحدد ترتيب كل دولة في هذا النسق طبقاً لمجموعة من المؤشرات التي بمقتضاها تنقسم الدول إلى وحدات عليا ووحدات دنيا ، فإذا تصورنا أن المؤشرات التي تحدد مكانة الدولة في النسق الدولي هي : – القوة العسكرية ومستوى التصنيع والمستوى التعليمي والأصالة الحضارية ومستوى الدخل الفردي فأنه من المتصور أن تتمتع وحدة معينة بمكانة عالية بالنسبة للمؤشرات المذكورة وان تتمتع وحدة أخرى بمكانة دنيا بالنسبة لتلك المؤشرات.
وكما يلاحظ أيضاً إن المكانة ترتبط وتقترن بالقوة والهيبة ولاسيما إن القوة تنضج من خلال الحيوية الاقتصادية والنفوذ السياسي والقوة العسكرية ، وبما أن القوة قيمة نسبية فأن الدول تجري تقييماً على وضع قوتها الذاتية بمقارنته مع الوضع في الحكومات الأخرى وتستخدم القوة لتوسيع أهداف السياسة الدولية الأخرى وتحقيق الكفاية الاقتصادية ، بينما يراد بالهيبة الدولية الاحترام الذي يمنحه المجتمع الدولي للدول وترتكز على تصورات للقوة أو المنافسة أو على السمعة في احترام الاتفاقات الدولية.
وسياسات المكانة هي السياسة التي تهدف الى تعزيز مكانة الدولة في المجتمع الدولي واضفاء نوع من الهيبة عليها مما يسهل عليها تحقيق اهدافها سواء التي تمثلت في الحفاظ على الوضع الدولي القائم او التسلط .، ويشير الدكتور اسماعيل صبري مقلد بان :( الهدف من تطبيق سياسات المكانة هو التأثير على الدول الاخرى ، بالقوة التي تملكها الدولة بصورة فعليه ، او بالقوة التي تعتقد او تريد الاخرين ان يعتقدوا انها تملكها ) وان تنفيذ سياسات المكانة يكون على نوعين من الادوات الدبلوماسية والادوات العسكرية بمعنى القوة الناعمة والصلبة او الذكية التي تجمع بين القوتين كما اشرنا في متن البحث .
وتعتمد مكانة كل الدول على المقومات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والسياسية وكل مقوم يتفاوت مع الاخر، فضلا عن اختلاف مقوم بعينه في دولة ما عن مقوم دولة اخرى صعودا ونزولا، فضلا عن ذلك فان هناك دول تمتلك نفس مقومات القوة الا اننا نجد احدها اكثر فاعلية وتأثير، وهذا يعود الي قدرة الدولة في استثمار وتوظيف قوتها وبالتالي تأثيرها بفاعليه على الوحدات الاخرى اكثر من مثيلتها .
وللتوضيح نجد ان الولايات المتحدة الاميركية هي الاولى في المجال الاقتصادي من حيث ناتجها الاجمالي القومي الذي بلغ حسب تقديرات 2010 بنحو 14 ترليون دولار بينما الاتحاد الاوربي 6806 بليون وروسيا الاتحادية 2.376 ترليون دولار حسب تقديرات 2011 والصين 2 ترليون دولار حسب احصائية 2006، وفي لغة الارقام نلاحظ ان الولايات المتحدة الاميركية متفوقة على معظم الدول مجتمعه على الرغم من كون التحدي الاكبر للمكانة الاميركية هو التحدي الاقتصادي ، فالولايات المتحدة تسعى جاهدة مسخرة ادواتها الرأسمالية الدولية الصندوق والبنك ومنظمة التجارة العالمية لوضع الدول تحت اطار الاقتصاد العالمي الرأسمالي وعدم الخروج عليه الذي تتربعه وفق الارقام البيانية .
واذا ما تم مقارنة القوة العسكرية الاميركية فالولايات المتحدة فضلا عن امتلاكها جيش تقليدي قوامه (1.483.800) مليون جندي، فهي من الناحية النووية تعد الدولة الأولى في العالم سواء على مستوى الكم من الأسلحة أم على مستوى ما تتمتع به أسلحتها النووية من نوعية متطورة بفعل التقنية العالية المستخدمة فيها، إذ تحتفظ بأكبر عدد من الرؤوس النووية التي وصل عددها إلى حوالي 10 ألاف رأس نووي. كما تمتلك الولايات المتحدة اكبر عدد من الغواصات النووية في العالم تصل إلى 500 غواصة نووية فضلا عن امتلاكها لأكثر من 500 قاذفة استراتيجية بعيدة المدى ، اما الميزانية العسكرية للولايات المتحدة التي كانت قد بلغت 5%- 6% من إجمالي ناتجها القومي أن ميزانية وزارة الدفاع البنتاغون تساوي الميزانيات العسكرية المجتمعة للدول الـ ( 12 ) او الـ( 15 ) التي تلي الولايات المتحدة ” بعبارة أخرى، ان أنفاق الولايات المتحدة العسكري يشكل( 40 ــ 50%) من الأنفاق الدفاعي في دول العالم كافة . فالدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي مجتمعة، تنفق على الدفاع نحو (170) بليون دولار سنويا، ولكن الولايات المتحدة تنفق أكثر مـــن( 400) بليون دولار بالسنة.
واما في مجال التكنولوجيا يمكن إدراك حقيقة مهمة وهي تمتع الولايات المتحدة بموقع الصدارة العالمية في امتلاك القدرات التقنية، إذ انها تُعد الدولة الأسرع في مجالي الابتكار واستغلال التقنيات التكنولوجية الحديثة، وتمتلك نظاما للعلوم والتكنولوجيا والبحوث لا يضاهيه أي نظام أخر في العالم، ويقدر ما تخصصه الولايات المتحدة سنوياً للبحوث العلمية والتطور التقني مجموع ما تنفقه الدول الصناعية السبع التي تليها في الثروة. لاسيما وإنها تُنفق ما يزيد على (290) مليار دولار، هكذا فهي تمثل 40% من النفقات العالمية للبحث والتطوير ولها 50% من البراءات المودعة في العالم، وأن30% من المنشورات العلمية العالمية، أمريكية وأكثر من نصف الأقمار الصناعية، هي أمريكية(، وان 90% من الذين فازو بجائزة نوبل في الكيمياء و العلوم والاقتصاد، هم أمريكان.
ففي مجال المنتجات ذات التكنولوجيا العالية فقد احتلت الولايات المتحدة الأمريكية المركز الأول في أنتاج الالكترونيات بنسبة 40% مقابل 27% لليابان ، أما ما يخص أنتاج البرامج وتطويرها فتعد الولايات المتحدة اكبر منتج للبرمجيات للعالم إذ يتجاوز أنتاجها إلى 45% من حجم الإنتاج العالمي ، تليها الاتحاد الأوربي بنسبة 23% واليابان والهند بنسبة 18% .
إما على صعيد التكنولوجيا العسكرية فهي تمتلك مجمعا صناعيا ضخما ، إذ يعمل فيه أكثر من 30% من المهندسين في المجال التكنولوجي والمعلوماتي ، فهم يعملون على التطوير وإدخال التقنيات الالكتروني في المجال العسكري ليظهر لدينا ما يسمى بالأسلحة الذكية والأسلحة ذات التحكم من بعد والطائرات بدون طيار ، وهو ما جعلها أفضل من ناحية تقليل الخسائر البشرية من ناحية والدقة في إصابة الهدف فضلا عن القوة التدميرية إلى جانب تقليل نسبة الأنفاق.( )
كل هذه الارقام تعطي فكرة وواقع حتمي بان المكانة تعتمد على المقومات وان الولايات المتحدة الاميركية رغم الازمات الاقتصادية والتوسع المستمر بالقواعد والتدخلات الى جانب تحديات القوة الصاعدة المتمثلة بالصين والاتحاد الاوربي واليابان وروسيا الاتحادية وحتى (الهند والبرازيل ) في الاجل المتوسط فأنها ما زالت تتمتع بمكانة سياسية ونفوذ كبير في النسق الدولي وهي تحاول الحفاظ على الوضع القائم من خلال ادوات سياسات المكانة الناعمة والخشنة والذكية.

المصادر
1. احمد ثابت ، مكانة الولايات المتحدة الأمريكية في النظام العالمي : دور القوة والتوازن الدولي الجديد، مجلة السياسة الدولية، القاهرة، العدد(171)،يناير 2008.
2. احمد نوري النعيمي ، السياسة الخارجية ،الدار الجامعية للطباعة والنشر والترجمة، جامعة بغداد ، كلية العلوم السياسية ، 2009.
3. اسماعيل صبري مقلد ، نظريات السياسة الدولية دراسة تحليلية مقارنة ، منشورات ذات السلاسل ، الكويت ، 1987.
4. بشير عبد الفتاح ،تجديد الهيمنة الاميركية ، اوراق الجزيرة ،مركز الجزيرة للدراسات ، العدد 18 ، ط1، 2010
5. بول سالم ، الولايات المتحدة والعولمة : معالم الهيمنة في مطلع القرن الحادي والعشرين ، كتاب العرب والعولمة ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1998.
6. بيير هاسنر وجوستان فاييس، واشنطن والعالم، معضلة القوى العظمى ، ترجمة: قاسم مقداد، قضايا راهنة (13)،الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق ، 2008.
7. جماعة من كبار اللغويين العرب ، المعجم العربي الأساسي ( لاروس ) ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1989.
8. جوزيف س ناي ، القوة الناعمة ، وسيلة للنجاح في السياسة الدولية ، ترجمة :محمد توفيق البجيرمي ،مطبعة العبيكان ، ط1 ، المملكة العربية السعودية، 2007.
9. جوزيف س ناي ، القوة الناعمة ، وسيلة للنجاح في السياسة الدولية ، ترجمة :محمد توفيق البجيرمي ،مطبعة العبيكان ، ط1 ، المملكة العربية السعودية، 2003.ش
10. خليل حسين ، النظام العالمي الجديد والمتغيرات الدولية ، دار المنهل اللبناني ، ط1 ،لبنان، 2009.
11. ديفيد جومبرت، الحرية والقوة في عصر المعلومات، في: الدور المتغير للمعلومات في الحرب، مجلة دراسات عالمية، مركز الأمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، ابو ظبي، العدد(53)، 2004 .
12. روبرت كانتور ، السياسة الدولية المعاصرة ، ترجمة : أحمد ظاهر ، مركز الكتاب الأردني، 1998.
13. زايد عبيد الله مصباح ، السياسة الدولية بين النظرية والممارسة ، دار الرواد ، طرابلس ، ليبيا ، ط1 ، 2002
14. زبيغبنو بريجنسكي ، الاختيار السيطرة على العالم ام قيادة العالم، ترجمة: عمر الايوبي ، دار الكتاب العربي ، بيروت – لبنان،2004
15. سليم كاطع علي ،مقومات القوة الامركية واثرها على النظام الدولي ، مجلة دراسات دولية ، العدد 42، ، تشرين الاول 2009.
16. عامر هاشم عواد ، التحول في العلاقات الروسية الاميركية ، المجلة العربية للعلوم السياسية ، الجمعية العربية للعلوم السياسية بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية ، العدد 26 ، ربيع 2010 .
17. علي حرب المصالح والمصائر ، صناعة الحياة المشتركة ، الدرار العربية للعلوم ناشرون ، منشورات الاختلاف ، بيروت ط1، 2010.
18. الكسندر دوغين، اسس الجيوبولتيكا، مستقبل روسيا الجيوبولتيكي، ترجمة: عماد حاتم ، دار الكتاب الجديد المتحدة ،ط1، طرابلس – ليبيا، 2004.
19. ليليا شيفتسوفا، روسيا بوتين ، ترجمة : بسام شيحا ، الدار العربية للعلوم ، ط1 ، بيروت – لبنان ، 2006.
20. محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي ، مختار الصحاح ، دار الرسالة ، الكويت ، 1987
21. محمد وائل القيسي، مكانة العراق في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الخليج العربي”دراسة مستقبلية”،رسالة ماجستير”غير منشورة” كلية العلوم السياسية ،جامعة النهرين ، 2010.
22. موسوعة الويكيبيديا، على شبكة المعلومات الدولية الأنترنيت: http://ar.wikipedia.org/wiki
23. نورهان الشيخ, السياسة الروسية وحدود الدور في الشرق الأوسط, مجلة دراسات شرق أوسطية, ربيع 2007, السنة:11, العدد:39, ص:125-126، انظر ايضا : حرب القوقاز بداية أم نهاية, على شبكة المعلومات الدولية الانترنيت: http://www.arabrenewal.org/articles/187 … OYIE1.html
24. هيرفريد مونكر، الامبراطوريات ، منطق الهيمنة العالمية من روما القديمة الى الولايات المتحدة الامريكية ، ترجمة: عدنان عباس علي ، دراسات مترجمة العدد ( 28) ، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ابو ظبي – الامارات العربية المتحدة ، 2008.
25. يامن خالد يسوف ، واقع التوازن الدولي بعد الحرب الباردة واحتمالاته المستقبلية، وزارة الثقافة ، الهيئة العامة السورية للكتاب ، 2010.
26. Ross. Joel. E.1970. ” Management By Information System”, N. Jersey, Englewood: Gliffs, Printice- Hall, Inc.

تحليل لموضوعة – القوة في العلاقات الدولية : ل – هانز مورجانث

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الشعلان333

مقدمة : Introduction
شهدت حقبة الأربعينات في القرن العشرين تحولات عديدة ، كان أبرزها ظهور الاتجاه الواقعي في العلاقات الدولية والذي جاء كرد فعل على الاتجاه المثالي، بسبب عدم صحة هذا الاتجاه، والذي قد استند قبل تلك الفترة على دراسات قامت على ما يجب أن يكون عليه المجتمع الدولي ضمن نظرة الأفضل والامثل دون أن تأخذ بالأمر الواقع كأساس لها، وتجاهلها للتاريخ، لقد نظر الاتجاه المثالي للسلوك الدولي كوحدة أساسية للتحليل وتجاهله لمبدأ القوة وتوازن القوة.
ان النظرية الواقعية تستمد مادتها الديالكتيكية في التاريخ من اجل الوصول إلى تعميم عام للسلوك الدولي، وترى بهذا الجانب إن الرأي العام يتغير بشكل سريع لذلك لابد لصانع القرار عدم الأخذ به، وترى بان الدولة القومية هي وحدة التحليل الأساسية في العلاقات الدولية ، كما يرفض الواقعيون فكرة وجود تناسق في المصالح بين الدول، بل يرون بتضارب مصالحها إلى حد الوصول إلى احتمالية حدوث الحروب، كما يعطون دور كبير لإمكانيات الدولة المتوفرة في تحديد نتيجة الصراع الدولي، والتأثير بالدول الأخرى، يرى الواقعيون بان القوة ليست مقتصرة فقط على الجانب العسكري، بل هناك جوانب أخرى كالاقتصادية والديمقراطية والإيديولوجية الخ، ومع ذلك فان الواقعيون لا يغفلوا ضرورة تحقيق السلام العالمي ولو باللجوء إلى القوة كأساس لذلك.
ان الاتجاه الواقعي الأمريكي يأتي على رأسه عالم العلاقات الدولية الأشهر “هانز مورجانثو Hans Morgenthau” مؤسس النظرية الواقعية في العلاقات الدولية ،ويؤكد “مورجانثو Morgenthau ” على فكرة القوة في العلاقات الدولية بقوله: ان عالم السياسة الدولي(السياسة الدولية – العلاقات الدولية) شأنه شأن عالم السياسة الداخلي (السياسة داخل المجتمع)هو عالم الصراع من أجل القوة ومهما تكن مرامي ذلك العالم فإن القوة هي هدفه المباشر والملح والدائم. ويتضمن العرض الشامل الذي قدمه “مورجانثو Morgenthau” لمفهوم القوة في السياسة الدولية ، تصورا محددا للأشكال المختلفة لصراعات القوة في المجتمع الدولي، فالدول طبقا لهذا التصور تتصارع من اجل الاهداف التالية :
1. سياسات الحفاظ على الوضع القائم .
2. سياسات التوسع الاستعماري .
3. دعم المكانة السياسية في المجتمع الدولي .

اولاً : سياسات الحفاظ على الوضع القائم :
يهدف هذا النوع من السياسات الخارجية حسب نظرية “مورجانثو Morgenthau” للحفاظ على التوزيع القائم للقوة في لحظة معينة من لحظات التاريخ، اي عندما تبرز توزيعات جديدة لعلاقات القوة كنتيجة لانتصار بعض الاطراف ، وهزيمة الاطراف الاخرى .
وهناك تطبيقات تاريخية عديدة لسياسات الوضع القائم بالشكل المشار اليه ، ولعل اقرب تطبيق لهذه السياسة في النسق الدولي والتي ما زالت قائمة في واقع التفاعلات الدولية الديناميكية الى يومنا هذا صعودا ونزولا. نستطيع ان نطلق عليها مرحلة نهاية او ما بعد الحرب الباردة التي تميزت في مطلعها بتفكك الاتحاد السوفيتي (المنظومة الاشتراكية الشرقية) عام 1991 وبزوغ نمطية علاقات جديدة في النسق الدولي تقوم على نمط القطب الواحد المتمثل بالولايات المتحدة الامريكية قائدة (المنظومة الرأسمالية الغربية).
الولايات المتحدة اضحت كما هو مسلم به تتربع قمة الهرم الدولي لما تملكه من مقومات مثلث القوة – القوة العسكرية ، القوة الاقتصادية ، والقوة التكنولوجية ، وان اقطاب هذا المثلث مجتمعه تمثل القوة السياسية التي هي ابرز مخرجات القوة المؤثرة في الوحدات الدولية .

وهذا ما يؤكده ” زبيغنيو بريجنسكي Zbigniew Brzezinski” في كتابه (الاختيار السيطرة على العالم ام قيادة العالم ) قائلا ً :(( مع بداية القرن الحادي والعشرين ، نجد انه لا مثيل لقوة اميركا من حيث مداها العسكري على الصعيد العالمي ، ومحورية النشاط الاقتصادي لأمريكا بالنسبة الى صحة الاقتصاد العالمي ، والتأثير الابداعي للدينامية التكنولوجية الاميركية ، ومن حيث الجاذبية العالمية للثقافة الاميركية المحض المتعدد الاوجه، اذو وفرت هذه العناصر كلها لأمريكا نفوذا سياسيا ً عالميا ً لا نظير له ، واصبحت امريكا في كافة الاحوال ضابط الايقاع العالمي وما من منافس لها على المدى المنظور)).
ولا غضاضة فان الولايات المتحدة الاميركية وبحسب البيانات الاحصائية المتوافرة قد ابانت بجلاء تأثير القوة الاميركية ومدى ارتفاع شكيمة حظورها في توزيع الادوار في النسق الدولي وهي تتربع قمة الهرم الدولي لما تتمتع به من تفوق غير متكافئ على باقي الوحدات الدولية بصورة عامة وعلى الفواعل الدولية بشكل خاص .ومن هذا المنطلق تسعى بجهد وجد للحفاظ على الوضع الراهن من طريق طرح مشروعها الامبراطوري الذي يقوم على الهيمنة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني الوصف للقدرة والقوة على التأثير وبالتالي السيطرة على وحدات النظام الدولي ومقاومة السيطرة من قبل القوى الصاعدة .
والشواهد التاريخية والاحداث التي ارتأت الولايات المتحدة الاميركية فيها ابراز سياسات الحفاظ على الوضع الراهن وفرضها على الوحدات الدولية واضحة وكثيرة ، فعلى سبيل المثال لا الحصر اقدمت الولايات المتحدة الاميركية بعد احداث 11 ايلول-سبتمبر 2001 بالإعلان وعلى لسان رئيسها آنذاك “بوش الابن Bush Jr. ” بالقول المشهور: ((من ليس معي فهو ضدي)) تحت عنوان مكافحة الارهاب واستخدمت القوة الخشنة بإفراط نتيجة لمنطق القوة والهيمنة في التفاعلات الدولية باحتلالين غير مبررين وفق مثل المجتمع الدولي العراق وافغانستان ، وهذا ما تفسره واقعية القوة التي فرضتها الولايات المتحدة واجبرت وصهرت معظم المواقف المعارضة في بوتقة واحدة لتصب في محيط الابقاء على الوضع القائم على المدى المنظور والمتوسط وبما يخدما مصالها القومية والعالمية الشاملة .
وعليه فانه من الواضح والجلي ومن خلال استقراء السياسات الاميركية والاليات المستخدمة في التأثير في رسم وتوزيع الادوار في النظام الدولي فأنها قد قطعت اشواط طويلة لبناء هذه الثقة بالقوة الاميركية وبالمكانة جاعلة لكل حقبة زمنية تاريخية بعد معين يتناسب مع تلكم المرحلة في التراتبية الدولية .
وعلى الرغم من سيل الطروحات والتوقعات التي اثارت الادعاء ببدء افول الهيمنة الاميركية على العالم ، لاحت في الافق تصورات مغايرة في دوائر صنع القرار الاميركي المتكون من المفكرين والمنظرين والدعاة والمؤولين للسياسة الاميركية اسس متغيرة تتعامل مع مواطن الضعف وبالوقت نفسه تنطلق من مكامن القوة لتفعيل ذلك ولتعضيد سياسات القوة وسد تغور وفجوات الضعف وبالتالي انعاش الهيمنة الاميركية والعمل على اطالة مداها الزمني للحفاظ على سياسات الوضع القائم ، ولعل اول ما فكرت به تلك الجهات توخيا لذلك المقصد ،كان اعادة النظر في الاستراتيجيات الامنية والعقائد العسكرية لنجد ان اليات التغيير في السياسة الدولية للولايات المتحدة قد اخذت بعدا ينسجم مع كل مرحلة ومن بين اهم وابرز الاليات المتبعة للولايات المتحدة الاميركية للحفاظ على الوضع القائم والتي فرضت نفسها على الوحدات الدولية التي كانت خارج دائرة القبول للسياسات الاميركية هي :
سياسات القوة الخشنة . Hard Power
سياسات القوة الناعمة . Soft Power
سياسات القوة الذكية . Smart Power

ثانيا : سياسات التوسع الاستعماري :
الوهلة الاولى لموضوعة التوسع الاستعماري تعطي مؤشرات ومدركات حسية للعقل البشري ( للمفهوم الاول البدائي للاستعمار) القائم على الاحتلال العسكري واستعمار الاراضي واستخدام العبيد ونهب الكنوز والوصاية المباشرة، الا ان القرن الحادي والعشرين قرن الموجة الثالثة العارمة وصدمة المستقبل بكل ما تحمله من معان هي غير مرحلة الحربين العالمية الاولى والثانية وحتى الحرب الباردة بكل مفرداتها .
وفيما يخص تحليل “هانز مورجانثو Morgenthau ” لسياسات التوسع الاستعماري فقد اخذه على ثلاث جوانب او نتيجة لثلاث عوامل :
العامل الاول : الحرب المنتصرة Victorious war:
وهو توقع الانتصار في حرب ما مما يجعل الدولة تنتقل من مرحلة الابقاء على الوضع القائم الى التغيير في علاقات القوى لصالحها، وفي الحقيقة فان الرؤية العلمية والأكاديمية وبحسب معطيات وتراكمات الفهم للعلاقات الدولية التي تنبع من مدخلات ومخرجات النظام الدولي فان الباحث يلاحظ ان هذا الهدف الثاني الذي طرحه “مورجانثو Morgenthau” وهذه السياسة تصلح لان تكون في مقدمة الاهداف التي ذكرها “مورجانثو Morgenthau ” باعتبارها خطوة اولى في سلم التفاعلات الدولية اذا ما تم تطبيقها على الولايات المتحدة الاميركية لانها خطوة للتوسع خارج نطاق الحدود وبالتالي الخروج من مرحلة السبات او العزلة لبناء الذات.
والفرادة التاريخية والإدراك المؤطر في السياسة الدولية تعطي صورة لهذه النظرية التي حددها “مورجانثو Morgenthau” بانها تشبه مرحلة العزلة للولايات المتحدة الاميركية في مطلع القرن العشرين تجاه الشؤون الاوربية الحاملة لتركة النظام الدولي القائم على الحروب ، ولذلك نلاحظ ان الرئيس الاميركي ” روزفلت” كان ملتزما بمبدأ الحياد الى ان دخلت الحرب مرحلة الذروة بهجوم الطائرات اليابانية على ميناء بيرل هاربر في 7-12-1941 حتى امر الرئيس الأمريكي (ترومان) الولايات المتحدة بالخروج عن الوضع القائم بقصف مدينة (هيروشيما Hiroshima) و(ناكازاكي Nagasaki) في عام 1945 بالقنبلة الذرية لتنتهي الحرب لصالح الولايات المتحدة ، لتبدأ بالتوسع الاستعماري وفرض نفسها بقوة على المشهد الدولي سواء بصورة مباشرة وغير مباشرة.
ولعل ابرز تلك الملامح لهذا الهدف هو التوسع الاستعماري بالقوة العسكرية كما في فيتنام لفرض الارادة الاميركية بصورة مباشرة واخرى غير مباشرة تسمى بالحرب بالنيابة كأحد انماط الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي التي سادت تلك المرحلة لتتغير في ذلك نمط علاقات القوة لصالح الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وافول القوى الاوربية التي كانت الفاعل الرئيس في النظام الدولي .
وما يجب توضيحه وتعقيبا على ما تم طرحه في المقدمة التوضيحية لسياسات التوسع الاستعماري نروم بيان ان دراسة تاريخ التوسع الامبراطوري التقليدي كان يقوم على مبدا القوة العسكرية كمحدد لروابط وعلاقات الصراع بين المتنافسين الدوليين ، فالإمبراطورية في النموذج التقليدي كانت تقوم على مراحل الارتقاء او الانحطاط. الا ان نظرية دورات الهيمنة والتوسع قامت بتطوير نماذج تحليلية جديدة وادخلت المتغير التكنولوجي كأحد مظاهر وسمات نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين في ظل ثورة المعلومات والتكنولوجيا الدقيقة ، هذا المتغير اضاف بعد اخر لعلاقات القوة والتوسع فلم يعد الاحتلال او التوسع العسكري هو الاداة الوحيدة والفاعلة الى جانب المتغير الاقتصادي من نهب الثروات وتصدير الفوائض الرأسمالية من المركز الى الاطراف وان كانت مرتكزات مهمة الا ان الانكشاف الاستراتيجي الشامل قد افقد للدول قدسية حدودها الوطنية امام الموجة الثالثة التي قال بها “الفن توفلر Alvin Toffler “.
فالتوسع الاستعماري اصبح يطلق عليه في مصطلحات علم السياسة (العولمة Globalization) بكل جوانبها ليدخل الجانب التكنولوجي والثقافي بقوة الى جانب المتغيرات والعوامل العسكرية والاقتصادية، فالتوسع عبر شبكة المعلومات الدولية الأنترنيت اصبح في عالم اليوم له فعله الفاعل تسقط دول وتغير انظمة وسياسات وتفرض ارادات عبر مسمى القوة الناعمة او اللينة التي اطلقها “جوزيف س ناي” كبديل او رديف لتعضيد القوة العسكرية والتي تتضمن ابعاداً اخلاقية وسياسية تتيح للولايات المتحدة اضفاء الشرعية على هيمنتها وسياساتها التوسعية من خلال توفير منافع عامة لبقية العالم مثل السلام والعدالة الى جانب ابراز ميزات الرأسمالية، وذلك لكسب المؤيدين ودفع المعارضين للتوجهات الاميركية وتنفيذ المخطط السياسي والنفسي المسوق للنموذج الاميركي لغايات واهداف عليا تروم وتسعى لتحقيها في الديناميكية الدولية المتغيرة .
العامل الثاني : الحرب الخاسرة Losing the war:
يفيد “هانز مورجانثو Morgenthau” بانه كما تفعل الحرب المنتصرة فعلها في خلق الدافع الى التوسع والاستعمار فقد يكون للحرب الخاسرة تأثيرات مشابهة ولكن بصورة مختلفة ، فعلاقة الخضوع التي يراد لها ان تكون مستمرة ودائمة في اطار تركيب قوة معينة تفرضه الحرب التي يخسرها احد الاطراف ، قد تدفع بهذا الطرف الخاسر الى محاولة التخلص من الوضع القائم وتبادل مراكز القوة في هذا التوزيع بحيث يتاح له ان يستولي على مركز الطرف المنتصر او منافسته وازاحته الى مركز اقل او موازاته او الحد من هيمنته لاستعادة ما فقده ، وفي حالات معينة قد لا يكون الطرف الخاسر مدفوعاً فقط في استعادة ما فقده، بل الحصول على اكثر مما فقده وهو ما يسمه “مورجانثو Morgenthau” بالسياسات الاستعمارية التي تتبناها الاطراف الخاسرة .
ويعطي في هذا العامل مثالا توضيحيا للفترة منذ عام 1919 وحتى عام 1935 بدت سياسة المانيا فيها وكأنها متقيدة وخاضعة وفي اطار حدود الوضع القائم في حين انها كانت تسعى سرا ً الى هدم ذلك الوضع وتغييره في اتجاه مختلف تماماً .. وانطلاقا ً من هذا المثال نجد ان اقرب تطبيق لهذه السياسة في الوضع الدولي الراهن هي السياسة الروسية حاملة تركة الاتحاد السوفيتي، فروسيا الاتحادية بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك المنظومة الاشتراكية وانهيار اصبحت قوة خاسرة امام الولايات المتحدة الاميركية ورضخت لسياسات الوضع القائم.
ويبدو ان روسيا الاتحادية اتبعت مقولة الجيوبوليتكي البلجيكي “جان تيريار Jean Tiriar ” الذي قال: ((كان الاتحاد السوفيتي شبيها ً بلوح من الشكولاتة، حزت فوقه حدود الجزئيات – الجمهوريات، وعندما تفتت هذه الجزئيات – الجمهوريات لم يعد كافيا ً ضمها الى بعضها لإعادة اللوح بكامله الى ما كان عليه ،فلا يمكن التوصل الى ذلك الان الا عن طريق اعادة صهر اللوح كله واعادة طبعه)).
وبانتصار الولايات المتحدة على الاتحاد السوفياتي فرض وضع للدخول وفي حقبة جديدة ، تطالب بنماذج جيوبولتيكية مبتكره، فالوضع الجيوبولتيكي لكل ما هو تقليدي من الاراضي والاقاليم والدول والاتحادات تبدل تبدلا ً حادا ً،ومن هنا كانت روسيا الاتحادية تائهة ما بين وضعها الدولي المسلوب وما بين المشاكل الداخلية المستعرة لاسيما الاقتصادية والامنية التي مثلت اهم مواطن الضعف التي اثقلت كاهل الدولة فضلاً عن ترمة وتبعات الجمهوريات المتناثرة .
واول خطوة من روسيا الاتحادية في رئاسة “بوريس يلتسين Boris Yeltsin” الانكفاء على الذات ، والمحاولة الاولى لمنع الانهيار، قررت فيه الحكومة الالتفات إلى قطاع الطاقة (اذ ان إنتاج النفط تراجع إلى النصف في أقل من عشر سنوات) الذي يحتلّ حيّزاً واسعاً وفاعلاً في الاقتصاد الروسي (البترول وحده يشكّل 15 % من صادرات البلد)عبر توجيهه إلى التصدير الخارجي البعيد، بعد اقتصاره على الاستهلاك المحلي لسد الحاجة والتصدير إلى المحيط القريب والدول الفقيرة وذلك لتعزيز الثقة في الداخل باعتبار ان الداخل انعكاس لسياسات الخارج .
لكن “اليلتسينية” تركت وراءها، تسع سنوات من التخبّط والفوضى لأسباب كثيرة تمثلت بالفساد المالي والاداري وسطوة العسكر التي تحولت الى مافيات اثرت سلبا على الوضع الاجتماعي الروسي ، في نهاية العام 1999، وبطريقة غير متوقّعة، قدّم يلتسين هدية إلى شعبه والعالم بمناسبة رأس السنة الميلادية والانتقال إلى العام 2000: استقال من منصبه ليسلّم مقاليد الحكم إلى “فلاديمير بوتين Vladimir Putin” الرجل الذي أتى به من عالم المجهول ليجعله رئيساً للوزراء في آب 1999. وفي آذار 2000 تمكّن رئيس الوزراء السابق، الذي صار رئيساً بالوكالة، من الفوز في الانتخابات الرئاسيّة. وهكذا بدأت روسيا الألفيّة الثالثة في ظل “قيصر” جديد لا يعرف عنه المراقبون إلاّ القليل، “البوتينيّة” الجديدة التي حاولت اذابه وصهر الجزئيات في بوتقة روسيا الاتحادية وبناءها في اطار موحد. من “بويتن Putin ” انطلقت روسيا للبحث بعد الحرب الخاسرة للبحث عن الدور الدولي واستعادة المكانة ومن اول ايام استلام مقاليد السلطة والشواهد كثيرة والانجازات الكبيرة التي حققها بوتين يصعب حصرها في سطور او في اتجاه معين لأنها اخذت كافة المجالات وفق استراتيجية شاملة استطاعت ان تعيد صوتها التي اصبح بعد انهيار الاتحاد السوفيتي من صوت معادي الى صوت موالي للغرب او صامت في احسن احواله للمتغيرات الدولية .
ولعل لغة الارقام تعطينا كيف استطاعت روسيا الاتحادية النهوض من جديد وان تخلق تحديا لقمة الهرم الدولي ، فعلى سبيل المثال كان الاقتصاد الروسي بمستوى متدني ولم يكن لروسيا اي احتياطات تذكر من الدولار عام 1998 الى 500 مليار دولار في عام 2008 وبلغت الاستثمارات الاجنبية في نفس العام 45 مليار دولار وبلغ الناتج القومي الاجمالي الروسي 2.376 ترليون دولار حسب تقديرات 2011 والارقام كثيرة والشاهد في ذلك ربط سياسات الحرب الخاسرة للدول بتفاعلات النسق الدولي والتأثيرات على التراتبية الدولية .
وعلى المستوى العسكري والسياسي كانت الازمة الجورجية (حرب الخمسة ايام) اكبر تحدي بعد تفكك الاتحاد السوفيتي للولايات المتحدة الاميركية، فهي رسالة عمليه فاعلة للدور الجديد لروسيا الاتحادية ، وان تحجيم النفوذ الأمريكي في المنطقة سيكون بداية لانحصار وانكسار نفوذها انطلاقا من إدراك موسكو بان جورجيا وليدة لمشروع الولايات المتحدة في المنطقة. إن المواجهة التي بدأت بين روسيا والولايات المتحدة خلال أزمة جورجيا تعتبر إيذان ببداية حقبة جديدة من العلاقات الدولية, فقد أخطأت واشنطن باستمرارها للتصعيد مع موسكو بتأكيد أنه سيتم ضم جورجيا إلى حلف الأطلنطي مستقبلا, وما صاحب ذلك من مناورات أمريكية أوكرانية في البحر الأسود, مما دفع روسيا إلى الاستمرار في التصعيد وذلك بتوعد بولندا بإمكانية استخدام السلاح النووي ضدها, وتعليق تعاون روسيا مع حلف الأطلنطي حيث أن هذه الأزمة كشفت عن التغير في النظام الدولي وما ستنطوي عليه العلاقات المستقبلية من تفاعلات بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.

العامل الثالث : ضعف امكانات القوة :
يشير “مورجانثو Morgenthau ” الى ان ضعف امكانات القوة لدى بعض الدول، تمثل بضعفها هذا للدول ذات الامكانات المتفوقة عليها من القوة وقد حدث ذلك في معظم حالات التوسع الاستعماري . وان جاذبية فراغات القوة في تحريك الدوافع الاستعمارية تعد تهديدا استعماريا للتوسع المحتمل في الكثير من الدول الاسيوية والافريقية الناشئة، حيث ان امكانات الدول من القوة تعد محدودة بالمقارنة مع غيرها لا سيما الفواعل الدوليين .غير ان “مورجانثو Morgenthau ” يضع بعض التحفظات على ما تم طرحه من افكار فيما يتعلق بضعف امكانات القوة للوحدات الدولية الضعيفة او الناشئة وهي :
أ‌- ليس من الضروري النظر الى كل سياسة خارجية على انها تهدف دعم قوة دولة من الدول على انها تعبير عن نزعة استعمارية ، ” فالإمبريالية Imperialism” هي سياسة تهدف الى تقويض دعائم الوضع القائم ، وقلب علاقات القوة القائمة بين اطرافها راسا على عقب، اما السياسات التي تنشد التعديل تاركه علاقات القوة على حاله ، فأنها لا تكون سياسات استعمارية بقدر ما هي سياسات تعمل ضمن الاطار العام للوضع الدولي القائم وغالبا ما تكون هذه السياسات مرتبطة بالدول التي تلتزم الحياد او الدول الغير قادرة على مجارات علاقات القوة بين الاطراف الدوليين، على عكس السياسة الاولى التي تهدف على قلب الوضع القائم في النسق الدولي وهذا حال معظم الدول الفاعلة لا سيما القوى الصاعدة .
ب‌- كما لا يشترط ان تكون كل سياسة هدفها الحفاظ على امبراطورية قائمة في النظام الدولي تكون إمبريالية الطابع، فهذه السياسة تكون اقرب الى الدفاع عن معادلات القوة والاوضاع الاقليمية السائدة منها الى محاولة تغييرها .وهي بالتالي موجهة ضمن اطار الوضع الدولي القائم .
ويحدد “مورجانثو Morgenthau ” ثلاث وسائل تستخدمها الدول التي تنتهج سياسات التوسع الاستعماري في الوصول الى اهدافها وهي :
• الادوات العسكرية
• الادوات الاقتصادية
• الادوات الثقافية
• الادوات العسكرية :
ان طبيعة الدور الذي تقوم به القوة العسكرية والمهام الموكلة اليها والنتائج المترتبة على اي فعل تقوم به جعلها اكبر واضخم وسائل القوة بالنسبة للدولة، فالأدوات العسكرية هي اكثر هذه الادوات شيوعا ً ، وان الميزة الكبرى التي تكلفها اداة الغزو العسكري تنبع من حقيقية اساسية مؤداها ان العلاقات الجديدة للقوة لا تتبدل كقاعدة عامة الا نتيجة حرب جديدة تشنها الدولة او الوحدة الدولية المغلوبة بالرغم من ان الظروف تكون عادة ً ضدها . ومن ناحية ثانية فان استخدام الادوات العسكرية في الغزو يستجيب لحالة سيكولوجية اساسية ،وهي الارضاء النفسي للقائد الذي يمارس هذه الوسيلة بنجاح، وهو ما لا يمكن ان يتحقق بنفس الدرجة في ظل استخدام الادوات غير العسكرية . “فنابليون Napoleon” مثلا ً كان بإمكانه ان يفرض سيطرة بلاده على أوربا بقوة الافكار والمعتقدات التي جاءت بها الثورة الفرنسية اي بالأدوات الثقافية ، لكنه فضل استخدام الوسيلة العسكرية لإشباع الحاجة النفسية التي لا يحققها سوى زهو الانتصار وكبرياؤه.
بيد ان الدول الكبرى والمتقدمة كالولايات المتحدة الاميركية لا تقوم قراراتها على فكرة القائد ذات الشخصية التسلطية التي تؤكد السيطرة على المرؤوسين وتفرض ارادتها على الارادة السياسية ، فضلا عن عدم الاكتراث لمسالة تحقيق الذات الشخصية للقائد، لان الدول تبحث عن مصالحها الشاملة وفق استراتيجيات كبرى، لان عملية صنع القرار والسياسات العليا للدول التي تتربع النسق الدولي وتتفاعل فيما بينها ، فالقائد والمستشارين والمدراء يلعبون دورا رئيسيا في هذه العملية من ناحية، ولمساهمة القرارات المتخذة في تحقيق مهام القيادة ” السياسية والعسكرية والإدارية ” نحو إنجاز أهدافها المحددة من ناحية أخرى. ويشكل اتخاذ القرار المرحلة النهائية والحاسمة في عملية صنعه، إذ تمر هذه العملية بعده مراحل تنتهي باتخاذ القرار المناسب، كما أنها تخضع لتأثيرات عدة عوامل داخلية وخارجية وبدرجات مختلفة.
يعتبر القرار الاستراتيجي من أهم القرارات التي تقدم عليها الدولة لإنجاز الأهداف الرئيسية، وتشمل أكثر من إدارة في هيكلية صنع القرار، وتأخذ عدة جوانب مؤثرة ويشترك في اتخاذها القيادة العليا للدولة، ومن هذه الخطوات لصنع القرار للتوضيح : تقرير المشكلة، جمع المعلومات، الترتيب والتحليل، تحديد الوسائل، وضع قائمة بالبدائل، تقيم البدائل‘ القرار، التنفيذ، والمتابعة.

الادوات والوسائل الاقتصادية :
تعتبر الادوات الاقتصادية متراكمة مادية تتركز على اسس القوة الاقتصادية او الموارد الاقتصادية ، ولا يمكن اغفال القوة الاقتصادية في الوقت الراهن ، فبعد ان كانت السياسة تقود الاقتصاد ، اضحى الاقتصاد يقود ويحرك السياسات ، كما يشير الكثير من الباحثين على ان القوة الاقتصادية تمثل البنى التحتية لكل السياسات والمقومات للدولة وما فوقها يمثل البنى الفوقية .( )
ويعد المتغير الاقتصادي من العوامل المهمة في قوة الدولة ، ومن ثم التوازن الدولي لما لهذا العامل من تأثير على حياة الفرد والمؤسسات لا بل على الدول ذاتها ، والقوة الاقتصادية تعني نسبة عالية من الاكتفاء الذاتي ، بالإضافة الى قدرة الدولة على تقديم المساعدات المادية والمعنوية لأصدقائها عندما تدعو الحاجة لذلك ، وبالتالي فان معطى القوة الاقتصادية هو قابلية وقدرة الدولة على ادامة الاقتصاد قويا في السلم والحرب على حد سواء .( )

وكما يقول الدكتور “اسماعيل صبري” مقلد بالنسبة للأدوات الاقتصادية فأنها وان كانت تؤدي الى توسيع اطار السيطرة (الامبريالية Imperialism) بنفس الدرجة التي يوفرها استخدام الادوات العسكرية ، الا ان هذا لا يعني ان فاعليتها دائما محدودة ، اذ انه في احوال معينة قد تكون للسيطرة الاستعمارية بالأدوات الاقتصادية ابعد النتائج واعمق التأثيرات. والادوات الاقتصادية في الاستعمار اقل مخاطرة من الادوات العسكرية واقل استفزازاً منها كذلك لطبيعتها غير المباشرة مما يوفر لها فرصا اطول للاستمرار على عكس ما يحدث في ظل التدخل العسكري والغزو والاحتلال المباشر .( )
والادوات الاقتصادية المؤثرة في الوحدات الدولية تأخذ اشكال متعددة في ظل اقتصاد السوق منها حرية التجارة والاستثمار والاقراض والتمويل الدولي والمساعدات والاعانات ، ولعل ابرز الادوات الدولية التي تتحكم بالاقتصادي العالمي التي تمثل الركائز الرئيسة له وهي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية التي تعتبر مركز سيطرة الرأسمالية على الاطراف في العالم، وكما هو موضح في الرسم الاتي :

• الادوات والوسائل الثقافية :
اما الادوات الثقافية كما يقول “مورجانثو Morgenthau ” اخبث الادوات المستخدمة في فرض السيطرة الاستعمارية واكثرها ذكاءً ، لأنها تستدف العقول والتسلط عليها وغلسها وتغذيتها بما يتوافق والغاية او الوسيلة المرجوة لهدف تلك الوحدة في التفاعلات الدولية، واتخاذها نحو تبديل علاقات القوة القائمة بين الدول، وهي من الانماط التي تعتبر مكملة للأدوات والعسكرية والاقتصادية وهذا لا يلغي اهميته في ظل ثورة المعلومات والاتصالات وسهولة وصولة المعلومة لاسيما وان الأنترنيت ومعظم وسائل المعلومات تسيطر عليها الولايات المتحدة.( )
ويضيف ايضا بان العديد من الامبراطوريات الاستعمارية التي قامت في الماضي انهارت لا لشيء الا لأنها ارتكزت على الغزو العسكرية وحده ولم تحاول التغلغل بالثقافات والافكار والمعتقدات وعقول الشعوب التي خضعت لسيطرتها بالقوة وهو امر من المؤكد كان يقوي من دعائم السيطرة التوسعية ويطيل امدها. وتعتبر الادوات الثقافية من موارد (القوة الناعمة soft power) التي تشمل الى جانب الثقافية القيم السياسية والسياسة الخارجية (عندما يراه الاخرون مشروعة وذات سلطة معنوية اخلاقية )، وقد تدل هذه العبارات بانها اقرب الى المثالية باعتبار ان”مورجانثو Morgenthau” هو الاب الروحي للمدرسة الواقعية في السياسة الدولية الاميركية التي تبتعد كثيرا عن المثالية، بيد ان الولايات المتحدة الاميركية في مطلع العقد الثاني في القرن الحادي والعشرين كثير ما اعتمدت على (القوة الناعمة soft power) سواء اكان مع القوة الصاعدة او البلدان العالم الثالث لاسيما منطقة الشرق الاوسط لتحسين الصورة من جهة وكسب القلوب من جهة اخرى .( )
فعندما تحتوي ثقافة بلد على قيم عالمية ، وتروج سياسته قيما ومصالح تشاركه فيه شعوب الدول الاخرى وتطبق على ارض الواقع ، فان امكانية حصول النتائج المرغوبة للتغير يكون عبر العلاقة التي يخلقها من الجاذبية . ونجد ان الولايات المتحدة الاميركية في العالم المعولم تستفيد من نشر ثقافتها العالمية كنهج امبراطوري نحو الهيمنة للحفاظ على الوضع القائم للنظام الدولي الذي تتربع قمته تحت نمط الاحادية القطبية .( )
فعالم اليوم يتغير بمحركاته ونوابضه واداوته وقواه والفاعلين على مسرحه ، بينما نجد ان الافكار مازالت ثابته على الاتجاهين المرسل والمستقبل لها ، فالدول الصغيرة وان كانت تحمل هوية وافكار ثابته وواضحة المعالم الان الحراك الهائل للآليات الناعمة والتسارع الفائق جعل المفكرين في سباتهم العقلي في تلك البلدان من غير وجه امام الموجة الثالثة من المعلومات فثورة المعلومات القت بضلالها على الدول وشعوبها فلم يعد للحدود والفواصل الجغرافية قدسية تذكر امام الانكشاف الاستراتيجي الشامل عبر وسائل الاعلام والانترنيت وادواته العملاقة وتكنولوجيا الفضاء من الاقمار الصناعة والطائرات المسيرة وثورة الخلايا الرمادية للصناعة الدقيقة الالكترونية التي (تبث وتستلم) (Broadcast and receive) من اي مكان وتحت اي ظرف وفي اي وقت .( )

ثالثا :سياسات المكانة في المجتمع الدولي :
قبل الدخول في تحليل سياسات المكانة في المجتمع الدولي التي حددها “مورجانثو Morgenthau ” كاحد اهداف القوة ، ندخل في الجانب المفاهيمي للمكانة، ومن هنا يمكن فهم المكانة لغوياً بدلالة المنزلة التي يتحلى بها صاحب المكانة ، والمكانة جمعها مكانات وهي المنزلة ورفعة الشأن ، يقال مثلاً (أن فلان له مكانة عند قومه ) أي يتمتع بمنزلة متميزة عن بقية القوم .
أما في القرآن الكريم فقد ورد ذكر المكانة في قوله تعالى (( ولقد مكًنَهم فيما إن مَكَنكم فيه وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة )) ويقال مكنه الله في الشيء ، أي بمعنى إستمكن الرجل من الشيء ، والمكانة يراد بها أيضاً المنزلة عند الملك أو صاحب النفوذ.
أما في النظام الدولي فأن مكانة الوحدة السياسية في بنيان النسق الدولي يحدد إلى حد بعيد سلوكها تجاه الوحدات الأخرى ، فالنسق الدولي يتسم بالترتيب التدريجي للوحدات السياسية ويتحدد ترتيب كل دولة في هذا النسق طبقاً لمجموعة من المؤشرات التي بمقتضاها تنقسم الدول إلى وحدات عليا ووحدات دنيا ، فإذا تصورنا أن المؤشرات التي تحدد مكانة الدولة في النسق الدولي هي : – القوة العسكرية ومستوى التصنيع والمستوى التعليمي والأصالة الحضارية ومستوى الدخل الفردي فأنه من المتصور أن تتمتع وحدة معينة بمكانة عالية بالنسبة للمؤشرات المذكورة وان تتمتع وحدة أخرى بمكانة دنيا بالنسبة لتلك المؤشرات.
وكما يلاحظ أيضاً إن المكانة ترتبط وتقترن بالقوة والهيبة ولاسيما إن القوة تنضج من خلال الحيوية الاقتصادية والنفوذ السياسي والقوة العسكرية ، وبما أن القوة قيمة نسبية فأن الدول تجري تقييماً على وضع قوتها الذاتية بمقارنته مع الوضع في الحكومات الأخرى وتستخدم القوة لتوسيع أهداف السياسة الدولية الأخرى وتحقيق الكفاية الاقتصادية ، بينما يراد بالهيبة الدولية الاحترام الذي يمنحه المجتمع الدولي للدول وترتكز على تصورات للقوة أو المنافسة أو على السمعة في احترام الاتفاقات الدولية.
وسياسات المكانة هي السياسة التي تهدف الى تعزيز مكانة الدولة في المجتمع الدولي واضفاء نوع من الهيبة عليها مما يسهل عليها تحقيق اهدافها سواء التي تمثلت في الحفاظ على الوضع الدولي القائم او التسلط .، ويشير الدكتور اسماعيل صبري مقلد بان :( الهدف من تطبيق سياسات المكانة هو التأثير على الدول الاخرى ، بالقوة التي تملكها الدولة بصورة فعليه ، او بالقوة التي تعتقد او تريد الاخرين ان يعتقدوا انها تملكها ) وان تنفيذ سياسات المكانة يكون على نوعين من الادوات الدبلوماسية والادوات العسكرية بمعنى القوة الناعمة والصلبة او الذكية التي تجمع بين القوتين كما اشرنا في متن البحث .
وتعتمد مكانة كل الدول على المقومات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والسياسية وكل مقوم يتفاوت مع الاخر، فضلا عن اختلاف مقوم بعينه في دولة ما عن مقوم دولة اخرى صعودا ونزولا، فضلا عن ذلك فان هناك دول تمتلك نفس مقومات القوة الا اننا نجد احدها اكثر فاعلية وتأثير، وهذا يعود الي قدرة الدولة في استثمار وتوظيف قوتها وبالتالي تأثيرها بفاعليه على الوحدات الاخرى اكثر من مثيلتها .
وللتوضيح نجد ان الولايات المتحدة الاميركية هي الاولى في المجال الاقتصادي من حيث ناتجها الاجمالي القومي الذي بلغ حسب تقديرات 2010 بنحو 14 ترليون دولار بينما الاتحاد الاوربي 6806 بليون وروسيا الاتحادية 2.376 ترليون دولار حسب تقديرات 2011 والصين 2 ترليون دولار حسب احصائية 2006، وفي لغة الارقام نلاحظ ان الولايات المتحدة الاميركية متفوقة على معظم الدول مجتمعه على الرغم من كون التحدي الاكبر للمكانة الاميركية هو التحدي الاقتصادي ، فالولايات المتحدة تسعى جاهدة مسخرة ادواتها الرأسمالية الدولية الصندوق والبنك ومنظمة التجارة العالمية لوضع الدول تحت اطار الاقتصاد العالمي الرأسمالي وعدم الخروج عليه الذي تتربعه وفق الارقام البيانية .
واذا ما تم مقارنة القوة العسكرية الاميركية فالولايات المتحدة فضلا عن امتلاكها جيش تقليدي قوامه (1.483.800) مليون جندي، فهي من الناحية النووية تعد الدولة الأولى في العالم سواء على مستوى الكم من الأسلحة أم على مستوى ما تتمتع به أسلحتها النووية من نوعية متطورة بفعل التقنية العالية المستخدمة فيها، إذ تحتفظ بأكبر عدد من الرؤوس النووية التي وصل عددها إلى حوالي 10 ألاف رأس نووي. كما تمتلك الولايات المتحدة اكبر عدد من الغواصات النووية في العالم تصل إلى 500 غواصة نووية فضلا عن امتلاكها لأكثر من 500 قاذفة استراتيجية بعيدة المدى ، اما الميزانية العسكرية للولايات المتحدة التي كانت قد بلغت 5%- 6% من إجمالي ناتجها القومي أن ميزانية وزارة الدفاع البنتاغون تساوي الميزانيات العسكرية المجتمعة للدول الـ ( 12 ) او الـ( 15 ) التي تلي الولايات المتحدة ” بعبارة أخرى، ان أنفاق الولايات المتحدة العسكري يشكل( 40 ــ 50%) من الأنفاق الدفاعي في دول العالم كافة . فالدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي مجتمعة، تنفق على الدفاع نحو (170) بليون دولار سنويا، ولكن الولايات المتحدة تنفق أكثر مـــن( 400) بليون دولار بالسنة.
واما في مجال التكنولوجيا يمكن إدراك حقيقة مهمة وهي تمتع الولايات المتحدة بموقع الصدارة العالمية في امتلاك القدرات التقنية، إذ انها تُعد الدولة الأسرع في مجالي الابتكار واستغلال التقنيات التكنولوجية الحديثة، وتمتلك نظاما للعلوم والتكنولوجيا والبحوث لا يضاهيه أي نظام أخر في العالم، ويقدر ما تخصصه الولايات المتحدة سنوياً للبحوث العلمية والتطور التقني مجموع ما تنفقه الدول الصناعية السبع التي تليها في الثروة. لاسيما وإنها تُنفق ما يزيد على (290) مليار دولار، هكذا فهي تمثل 40% من النفقات العالمية للبحث والتطوير ولها 50% من البراءات المودعة في العالم، وأن30% من المنشورات العلمية العالمية، أمريكية وأكثر من نصف الأقمار الصناعية، هي أمريكية(، وان 90% من الذين فازو بجائزة نوبل في الكيمياء و العلوم والاقتصاد، هم أمريكان.
ففي مجال المنتجات ذات التكنولوجيا العالية فقد احتلت الولايات المتحدة الأمريكية المركز الأول في أنتاج الالكترونيات بنسبة 40% مقابل 27% لليابان ، أما ما يخص أنتاج البرامج وتطويرها فتعد الولايات المتحدة اكبر منتج للبرمجيات للعالم إذ يتجاوز أنتاجها إلى 45% من حجم الإنتاج العالمي ، تليها الاتحاد الأوربي بنسبة 23% واليابان والهند بنسبة 18% .
إما على صعيد التكنولوجيا العسكرية فهي تمتلك مجمعا صناعيا ضخما ، إذ يعمل فيه أكثر من 30% من المهندسين في المجال التكنولوجي والمعلوماتي ، فهم يعملون على التطوير وإدخال التقنيات الالكتروني في المجال العسكري ليظهر لدينا ما يسمى بالأسلحة الذكية والأسلحة ذات التحكم من بعد والطائرات بدون طيار ، وهو ما جعلها أفضل من ناحية تقليل الخسائر البشرية من ناحية والدقة في إصابة الهدف فضلا عن القوة التدميرية إلى جانب تقليل نسبة الأنفاق.( )
كل هذه الارقام تعطي فكرة وواقع حتمي بان المكانة تعتمد على المقومات وان الولايات المتحدة الاميركية رغم الازمات الاقتصادية والتوسع المستمر بالقواعد والتدخلات الى جانب تحديات القوة الصاعدة المتمثلة بالصين والاتحاد الاوربي واليابان وروسيا الاتحادية وحتى (الهند والبرازيل ) في الاجل المتوسط فأنها ما زالت تتمتع بمكانة سياسية ونفوذ كبير في النسق الدولي وهي تحاول الحفاظ على الوضع القائم من خلال ادوات سياسات المكانة الناعمة والخشنة والذكية.

المصادر
1. احمد ثابت ، مكانة الولايات المتحدة الأمريكية في النظام العالمي : دور القوة والتوازن الدولي الجديد، مجلة السياسة الدولية، القاهرة، العدد(171)،يناير 2008.
2. احمد نوري النعيمي ، السياسة الخارجية ،الدار الجامعية للطباعة والنشر والترجمة، جامعة بغداد ، كلية العلوم السياسية ، 2009.
3. اسماعيل صبري مقلد ، نظريات السياسة الدولية دراسة تحليلية مقارنة ، منشورات ذات السلاسل ، الكويت ، 1987.
4. بشير عبد الفتاح ،تجديد الهيمنة الاميركية ، اوراق الجزيرة ،مركز الجزيرة للدراسات ، العدد 18 ، ط1، 2010
5. بول سالم ، الولايات المتحدة والعولمة : معالم الهيمنة في مطلع القرن الحادي والعشرين ، كتاب العرب والعولمة ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1998.
6. بيير هاسنر وجوستان فاييس، واشنطن والعالم، معضلة القوى العظمى ، ترجمة: قاسم مقداد، قضايا راهنة (13)،الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق ، 2008.
7. جماعة من كبار اللغويين العرب ، المعجم العربي الأساسي ( لاروس ) ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1989.
8. جوزيف س ناي ، القوة الناعمة ، وسيلة للنجاح في السياسة الدولية ، ترجمة :محمد توفيق البجيرمي ،مطبعة العبيكان ، ط1 ، المملكة العربية السعودية، 2007.
9. جوزيف س ناي ، القوة الناعمة ، وسيلة للنجاح في السياسة الدولية ، ترجمة :محمد توفيق البجيرمي ،مطبعة العبيكان ، ط1 ، المملكة العربية السعودية، 2003.ش
10. خليل حسين ، النظام العالمي الجديد والمتغيرات الدولية ، دار المنهل اللبناني ، ط1 ،لبنان، 2009.
11. ديفيد جومبرت، الحرية والقوة في عصر المعلومات، في: الدور المتغير للمعلومات في الحرب، مجلة دراسات عالمية، مركز الأمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، ابو ظبي، العدد(53)، 2004 .
12. روبرت كانتور ، السياسة الدولية المعاصرة ، ترجمة : أحمد ظاهر ، مركز الكتاب الأردني، 1998.
13. زايد عبيد الله مصباح ، السياسة الدولية بين النظرية والممارسة ، دار الرواد ، طرابلس ، ليبيا ، ط1 ، 2002
14. زبيغبنو بريجنسكي ، الاختيار السيطرة على العالم ام قيادة العالم، ترجمة: عمر الايوبي ، دار الكتاب العربي ، بيروت – لبنان،2004
15. سليم كاطع علي ،مقومات القوة الامركية واثرها على النظام الدولي ، مجلة دراسات دولية ، العدد 42، ، تشرين الاول 2009.
16. عامر هاشم عواد ، التحول في العلاقات الروسية الاميركية ، المجلة العربية للعلوم السياسية ، الجمعية العربية للعلوم السياسية بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية ، العدد 26 ، ربيع 2010 .
17. علي حرب المصالح والمصائر ، صناعة الحياة المشتركة ، الدرار العربية للعلوم ناشرون ، منشورات الاختلاف ، بيروت ط1، 2010.
18. الكسندر دوغين، اسس الجيوبولتيكا، مستقبل روسيا الجيوبولتيكي، ترجمة: عماد حاتم ، دار الكتاب الجديد المتحدة ،ط1، طرابلس – ليبيا، 2004.
19. ليليا شيفتسوفا، روسيا بوتين ، ترجمة : بسام شيحا ، الدار العربية للعلوم ، ط1 ، بيروت – لبنان ، 2006.
20. محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي ، مختار الصحاح ، دار الرسالة ، الكويت ، 1987
21. محمد وائل القيسي، مكانة العراق في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الخليج العربي”دراسة مستقبلية”،رسالة ماجستير”غير منشورة” كلية العلوم السياسية ،جامعة النهرين ، 2010.
22. موسوعة الويكيبيديا، على شبكة المعلومات الدولية الأنترنيت: http://ar.wikipedia.org/wiki
23. نورهان الشيخ, السياسة الروسية وحدود الدور في الشرق الأوسط, مجلة دراسات شرق أوسطية, ربيع 2007, السنة:11, العدد:39, ص:125-126، انظر ايضا : حرب القوقاز بداية أم نهاية, على شبكة المعلومات الدولية الانترنيت: http://www.arabrenewal.org/articles/187 … OYIE1.html
24. هيرفريد مونكر، الامبراطوريات ، منطق الهيمنة العالمية من روما القديمة الى الولايات المتحدة الامريكية ، ترجمة: عدنان عباس علي ، دراسات مترجمة العدد ( 28) ، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ابو ظبي – الامارات العربية المتحدة ، 2008.
25. يامن خالد يسوف ، واقع التوازن الدولي بعد الحرب الباردة واحتمالاته المستقبلية، وزارة الثقافة ، الهيئة العامة السورية للكتاب ، 2010.
26. Ross. Joel. E.1970. ” Management By Information System”, N. Jersey, Englewood: Gliffs, Printice- Hall, Inc.

تحليل لموضوعة – القوة في العلاقات الدولية : ل – هانز مورجانث

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الشعلان333

مقدمة : Introduction
شهدت حقبة الأربعينات في القرن العشرين تحولات عديدة ، كان أبرزها ظهور الاتجاه الواقعي في العلاقات الدولية والذي جاء كرد فعل على الاتجاه المثالي، بسبب عدم صحة هذا الاتجاه، والذي قد استند قبل تلك الفترة على دراسات قامت على ما يجب أن يكون عليه المجتمع الدولي ضمن نظرة الأفضل والامثل دون أن تأخذ بالأمر الواقع كأساس لها، وتجاهلها للتاريخ، لقد نظر الاتجاه المثالي للسلوك الدولي كوحدة أساسية للتحليل وتجاهله لمبدأ القوة وتوازن القوة.
ان النظرية الواقعية تستمد مادتها الديالكتيكية في التاريخ من اجل الوصول إلى تعميم عام للسلوك الدولي، وترى بهذا الجانب إن الرأي العام يتغير بشكل سريع لذلك لابد لصانع القرار عدم الأخذ به، وترى بان الدولة القومية هي وحدة التحليل الأساسية في العلاقات الدولية ، كما يرفض الواقعيون فكرة وجود تناسق في المصالح بين الدول، بل يرون بتضارب مصالحها إلى حد الوصول إلى احتمالية حدوث الحروب، كما يعطون دور كبير لإمكانيات الدولة المتوفرة في تحديد نتيجة الصراع الدولي، والتأثير بالدول الأخرى، يرى الواقعيون بان القوة ليست مقتصرة فقط على الجانب العسكري، بل هناك جوانب أخرى كالاقتصادية والديمقراطية والإيديولوجية الخ، ومع ذلك فان الواقعيون لا يغفلوا ضرورة تحقيق السلام العالمي ولو باللجوء إلى القوة كأساس لذلك.
ان الاتجاه الواقعي الأمريكي يأتي على رأسه عالم العلاقات الدولية الأشهر “هانز مورجانثو Hans Morgenthau” مؤسس النظرية الواقعية في العلاقات الدولية ،ويؤكد “مورجانثو Morgenthau ” على فكرة القوة في العلاقات الدولية بقوله: ان عالم السياسة الدولي(السياسة الدولية – العلاقات الدولية) شأنه شأن عالم السياسة الداخلي (السياسة داخل المجتمع)هو عالم الصراع من أجل القوة ومهما تكن مرامي ذلك العالم فإن القوة هي هدفه المباشر والملح والدائم. ويتضمن العرض الشامل الذي قدمه “مورجانثو Morgenthau” لمفهوم القوة في السياسة الدولية ، تصورا محددا للأشكال المختلفة لصراعات القوة في المجتمع الدولي، فالدول طبقا لهذا التصور تتصارع من اجل الاهداف التالية :
1. سياسات الحفاظ على الوضع القائم .
2. سياسات التوسع الاستعماري .
3. دعم المكانة السياسية في المجتمع الدولي .

اولاً : سياسات الحفاظ على الوضع القائم :
يهدف هذا النوع من السياسات الخارجية حسب نظرية “مورجانثو Morgenthau” للحفاظ على التوزيع القائم للقوة في لحظة معينة من لحظات التاريخ، اي عندما تبرز توزيعات جديدة لعلاقات القوة كنتيجة لانتصار بعض الاطراف ، وهزيمة الاطراف الاخرى .
وهناك تطبيقات تاريخية عديدة لسياسات الوضع القائم بالشكل المشار اليه ، ولعل اقرب تطبيق لهذه السياسة في النسق الدولي والتي ما زالت قائمة في واقع التفاعلات الدولية الديناميكية الى يومنا هذا صعودا ونزولا. نستطيع ان نطلق عليها مرحلة نهاية او ما بعد الحرب الباردة التي تميزت في مطلعها بتفكك الاتحاد السوفيتي (المنظومة الاشتراكية الشرقية) عام 1991 وبزوغ نمطية علاقات جديدة في النسق الدولي تقوم على نمط القطب الواحد المتمثل بالولايات المتحدة الامريكية قائدة (المنظومة الرأسمالية الغربية).
الولايات المتحدة اضحت كما هو مسلم به تتربع قمة الهرم الدولي لما تملكه من مقومات مثلث القوة – القوة العسكرية ، القوة الاقتصادية ، والقوة التكنولوجية ، وان اقطاب هذا المثلث مجتمعه تمثل القوة السياسية التي هي ابرز مخرجات القوة المؤثرة في الوحدات الدولية .

وهذا ما يؤكده ” زبيغنيو بريجنسكي Zbigniew Brzezinski” في كتابه (الاختيار السيطرة على العالم ام قيادة العالم ) قائلا ً :(( مع بداية القرن الحادي والعشرين ، نجد انه لا مثيل لقوة اميركا من حيث مداها العسكري على الصعيد العالمي ، ومحورية النشاط الاقتصادي لأمريكا بالنسبة الى صحة الاقتصاد العالمي ، والتأثير الابداعي للدينامية التكنولوجية الاميركية ، ومن حيث الجاذبية العالمية للثقافة الاميركية المحض المتعدد الاوجه، اذو وفرت هذه العناصر كلها لأمريكا نفوذا سياسيا ً عالميا ً لا نظير له ، واصبحت امريكا في كافة الاحوال ضابط الايقاع العالمي وما من منافس لها على المدى المنظور)).
ولا غضاضة فان الولايات المتحدة الاميركية وبحسب البيانات الاحصائية المتوافرة قد ابانت بجلاء تأثير القوة الاميركية ومدى ارتفاع شكيمة حظورها في توزيع الادوار في النسق الدولي وهي تتربع قمة الهرم الدولي لما تتمتع به من تفوق غير متكافئ على باقي الوحدات الدولية بصورة عامة وعلى الفواعل الدولية بشكل خاص .ومن هذا المنطلق تسعى بجهد وجد للحفاظ على الوضع الراهن من طريق طرح مشروعها الامبراطوري الذي يقوم على الهيمنة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني الوصف للقدرة والقوة على التأثير وبالتالي السيطرة على وحدات النظام الدولي ومقاومة السيطرة من قبل القوى الصاعدة .
والشواهد التاريخية والاحداث التي ارتأت الولايات المتحدة الاميركية فيها ابراز سياسات الحفاظ على الوضع الراهن وفرضها على الوحدات الدولية واضحة وكثيرة ، فعلى سبيل المثال لا الحصر اقدمت الولايات المتحدة الاميركية بعد احداث 11 ايلول-سبتمبر 2001 بالإعلان وعلى لسان رئيسها آنذاك “بوش الابن Bush Jr. ” بالقول المشهور: ((من ليس معي فهو ضدي)) تحت عنوان مكافحة الارهاب واستخدمت القوة الخشنة بإفراط نتيجة لمنطق القوة والهيمنة في التفاعلات الدولية باحتلالين غير مبررين وفق مثل المجتمع الدولي العراق وافغانستان ، وهذا ما تفسره واقعية القوة التي فرضتها الولايات المتحدة واجبرت وصهرت معظم المواقف المعارضة في بوتقة واحدة لتصب في محيط الابقاء على الوضع القائم على المدى المنظور والمتوسط وبما يخدما مصالها القومية والعالمية الشاملة .
وعليه فانه من الواضح والجلي ومن خلال استقراء السياسات الاميركية والاليات المستخدمة في التأثير في رسم وتوزيع الادوار في النظام الدولي فأنها قد قطعت اشواط طويلة لبناء هذه الثقة بالقوة الاميركية وبالمكانة جاعلة لكل حقبة زمنية تاريخية بعد معين يتناسب مع تلكم المرحلة في التراتبية الدولية .
وعلى الرغم من سيل الطروحات والتوقعات التي اثارت الادعاء ببدء افول الهيمنة الاميركية على العالم ، لاحت في الافق تصورات مغايرة في دوائر صنع القرار الاميركي المتكون من المفكرين والمنظرين والدعاة والمؤولين للسياسة الاميركية اسس متغيرة تتعامل مع مواطن الضعف وبالوقت نفسه تنطلق من مكامن القوة لتفعيل ذلك ولتعضيد سياسات القوة وسد تغور وفجوات الضعف وبالتالي انعاش الهيمنة الاميركية والعمل على اطالة مداها الزمني للحفاظ على سياسات الوضع القائم ، ولعل اول ما فكرت به تلك الجهات توخيا لذلك المقصد ،كان اعادة النظر في الاستراتيجيات الامنية والعقائد العسكرية لنجد ان اليات التغيير في السياسة الدولية للولايات المتحدة قد اخذت بعدا ينسجم مع كل مرحلة ومن بين اهم وابرز الاليات المتبعة للولايات المتحدة الاميركية للحفاظ على الوضع القائم والتي فرضت نفسها على الوحدات الدولية التي كانت خارج دائرة القبول للسياسات الاميركية هي :
سياسات القوة الخشنة . Hard Power
سياسات القوة الناعمة . Soft Power
سياسات القوة الذكية . Smart Power

ثانيا : سياسات التوسع الاستعماري :
الوهلة الاولى لموضوعة التوسع الاستعماري تعطي مؤشرات ومدركات حسية للعقل البشري ( للمفهوم الاول البدائي للاستعمار) القائم على الاحتلال العسكري واستعمار الاراضي واستخدام العبيد ونهب الكنوز والوصاية المباشرة، الا ان القرن الحادي والعشرين قرن الموجة الثالثة العارمة وصدمة المستقبل بكل ما تحمله من معان هي غير مرحلة الحربين العالمية الاولى والثانية وحتى الحرب الباردة بكل مفرداتها .
وفيما يخص تحليل “هانز مورجانثو Morgenthau ” لسياسات التوسع الاستعماري فقد اخذه على ثلاث جوانب او نتيجة لثلاث عوامل :
العامل الاول : الحرب المنتصرة Victorious war:
وهو توقع الانتصار في حرب ما مما يجعل الدولة تنتقل من مرحلة الابقاء على الوضع القائم الى التغيير في علاقات القوى لصالحها، وفي الحقيقة فان الرؤية العلمية والأكاديمية وبحسب معطيات وتراكمات الفهم للعلاقات الدولية التي تنبع من مدخلات ومخرجات النظام الدولي فان الباحث يلاحظ ان هذا الهدف الثاني الذي طرحه “مورجانثو Morgenthau” وهذه السياسة تصلح لان تكون في مقدمة الاهداف التي ذكرها “مورجانثو Morgenthau ” باعتبارها خطوة اولى في سلم التفاعلات الدولية اذا ما تم تطبيقها على الولايات المتحدة الاميركية لانها خطوة للتوسع خارج نطاق الحدود وبالتالي الخروج من مرحلة السبات او العزلة لبناء الذات.
والفرادة التاريخية والإدراك المؤطر في السياسة الدولية تعطي صورة لهذه النظرية التي حددها “مورجانثو Morgenthau” بانها تشبه مرحلة العزلة للولايات المتحدة الاميركية في مطلع القرن العشرين تجاه الشؤون الاوربية الحاملة لتركة النظام الدولي القائم على الحروب ، ولذلك نلاحظ ان الرئيس الاميركي ” روزفلت” كان ملتزما بمبدأ الحياد الى ان دخلت الحرب مرحلة الذروة بهجوم الطائرات اليابانية على ميناء بيرل هاربر في 7-12-1941 حتى امر الرئيس الأمريكي (ترومان) الولايات المتحدة بالخروج عن الوضع القائم بقصف مدينة (هيروشيما Hiroshima) و(ناكازاكي Nagasaki) في عام 1945 بالقنبلة الذرية لتنتهي الحرب لصالح الولايات المتحدة ، لتبدأ بالتوسع الاستعماري وفرض نفسها بقوة على المشهد الدولي سواء بصورة مباشرة وغير مباشرة.
ولعل ابرز تلك الملامح لهذا الهدف هو التوسع الاستعماري بالقوة العسكرية كما في فيتنام لفرض الارادة الاميركية بصورة مباشرة واخرى غير مباشرة تسمى بالحرب بالنيابة كأحد انماط الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي التي سادت تلك المرحلة لتتغير في ذلك نمط علاقات القوة لصالح الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وافول القوى الاوربية التي كانت الفاعل الرئيس في النظام الدولي .
وما يجب توضيحه وتعقيبا على ما تم طرحه في المقدمة التوضيحية لسياسات التوسع الاستعماري نروم بيان ان دراسة تاريخ التوسع الامبراطوري التقليدي كان يقوم على مبدا القوة العسكرية كمحدد لروابط وعلاقات الصراع بين المتنافسين الدوليين ، فالإمبراطورية في النموذج التقليدي كانت تقوم على مراحل الارتقاء او الانحطاط. الا ان نظرية دورات الهيمنة والتوسع قامت بتطوير نماذج تحليلية جديدة وادخلت المتغير التكنولوجي كأحد مظاهر وسمات نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين في ظل ثورة المعلومات والتكنولوجيا الدقيقة ، هذا المتغير اضاف بعد اخر لعلاقات القوة والتوسع فلم يعد الاحتلال او التوسع العسكري هو الاداة الوحيدة والفاعلة الى جانب المتغير الاقتصادي من نهب الثروات وتصدير الفوائض الرأسمالية من المركز الى الاطراف وان كانت مرتكزات مهمة الا ان الانكشاف الاستراتيجي الشامل قد افقد للدول قدسية حدودها الوطنية امام الموجة الثالثة التي قال بها “الفن توفلر Alvin Toffler “.
فالتوسع الاستعماري اصبح يطلق عليه في مصطلحات علم السياسة (العولمة Globalization) بكل جوانبها ليدخل الجانب التكنولوجي والثقافي بقوة الى جانب المتغيرات والعوامل العسكرية والاقتصادية، فالتوسع عبر شبكة المعلومات الدولية الأنترنيت اصبح في عالم اليوم له فعله الفاعل تسقط دول وتغير انظمة وسياسات وتفرض ارادات عبر مسمى القوة الناعمة او اللينة التي اطلقها “جوزيف س ناي” كبديل او رديف لتعضيد القوة العسكرية والتي تتضمن ابعاداً اخلاقية وسياسية تتيح للولايات المتحدة اضفاء الشرعية على هيمنتها وسياساتها التوسعية من خلال توفير منافع عامة لبقية العالم مثل السلام والعدالة الى جانب ابراز ميزات الرأسمالية، وذلك لكسب المؤيدين ودفع المعارضين للتوجهات الاميركية وتنفيذ المخطط السياسي والنفسي المسوق للنموذج الاميركي لغايات واهداف عليا تروم وتسعى لتحقيها في الديناميكية الدولية المتغيرة .
العامل الثاني : الحرب الخاسرة Losing the war:
يفيد “هانز مورجانثو Morgenthau” بانه كما تفعل الحرب المنتصرة فعلها في خلق الدافع الى التوسع والاستعمار فقد يكون للحرب الخاسرة تأثيرات مشابهة ولكن بصورة مختلفة ، فعلاقة الخضوع التي يراد لها ان تكون مستمرة ودائمة في اطار تركيب قوة معينة تفرضه الحرب التي يخسرها احد الاطراف ، قد تدفع بهذا الطرف الخاسر الى محاولة التخلص من الوضع القائم وتبادل مراكز القوة في هذا التوزيع بحيث يتاح له ان يستولي على مركز الطرف المنتصر او منافسته وازاحته الى مركز اقل او موازاته او الحد من هيمنته لاستعادة ما فقده ، وفي حالات معينة قد لا يكون الطرف الخاسر مدفوعاً فقط في استعادة ما فقده، بل الحصول على اكثر مما فقده وهو ما يسمه “مورجانثو Morgenthau” بالسياسات الاستعمارية التي تتبناها الاطراف الخاسرة .
ويعطي في هذا العامل مثالا توضيحيا للفترة منذ عام 1919 وحتى عام 1935 بدت سياسة المانيا فيها وكأنها متقيدة وخاضعة وفي اطار حدود الوضع القائم في حين انها كانت تسعى سرا ً الى هدم ذلك الوضع وتغييره في اتجاه مختلف تماماً .. وانطلاقا ً من هذا المثال نجد ان اقرب تطبيق لهذه السياسة في الوضع الدولي الراهن هي السياسة الروسية حاملة تركة الاتحاد السوفيتي، فروسيا الاتحادية بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك المنظومة الاشتراكية وانهيار اصبحت قوة خاسرة امام الولايات المتحدة الاميركية ورضخت لسياسات الوضع القائم.
ويبدو ان روسيا الاتحادية اتبعت مقولة الجيوبوليتكي البلجيكي “جان تيريار Jean Tiriar ” الذي قال: ((كان الاتحاد السوفيتي شبيها ً بلوح من الشكولاتة، حزت فوقه حدود الجزئيات – الجمهوريات، وعندما تفتت هذه الجزئيات – الجمهوريات لم يعد كافيا ً ضمها الى بعضها لإعادة اللوح بكامله الى ما كان عليه ،فلا يمكن التوصل الى ذلك الان الا عن طريق اعادة صهر اللوح كله واعادة طبعه)).
وبانتصار الولايات المتحدة على الاتحاد السوفياتي فرض وضع للدخول وفي حقبة جديدة ، تطالب بنماذج جيوبولتيكية مبتكره، فالوضع الجيوبولتيكي لكل ما هو تقليدي من الاراضي والاقاليم والدول والاتحادات تبدل تبدلا ً حادا ً،ومن هنا كانت روسيا الاتحادية تائهة ما بين وضعها الدولي المسلوب وما بين المشاكل الداخلية المستعرة لاسيما الاقتصادية والامنية التي مثلت اهم مواطن الضعف التي اثقلت كاهل الدولة فضلاً عن ترمة وتبعات الجمهوريات المتناثرة .
واول خطوة من روسيا الاتحادية في رئاسة “بوريس يلتسين Boris Yeltsin” الانكفاء على الذات ، والمحاولة الاولى لمنع الانهيار، قررت فيه الحكومة الالتفات إلى قطاع الطاقة (اذ ان إنتاج النفط تراجع إلى النصف في أقل من عشر سنوات) الذي يحتلّ حيّزاً واسعاً وفاعلاً في الاقتصاد الروسي (البترول وحده يشكّل 15 % من صادرات البلد)عبر توجيهه إلى التصدير الخارجي البعيد، بعد اقتصاره على الاستهلاك المحلي لسد الحاجة والتصدير إلى المحيط القريب والدول الفقيرة وذلك لتعزيز الثقة في الداخل باعتبار ان الداخل انعكاس لسياسات الخارج .
لكن “اليلتسينية” تركت وراءها، تسع سنوات من التخبّط والفوضى لأسباب كثيرة تمثلت بالفساد المالي والاداري وسطوة العسكر التي تحولت الى مافيات اثرت سلبا على الوضع الاجتماعي الروسي ، في نهاية العام 1999، وبطريقة غير متوقّعة، قدّم يلتسين هدية إلى شعبه والعالم بمناسبة رأس السنة الميلادية والانتقال إلى العام 2000: استقال من منصبه ليسلّم مقاليد الحكم إلى “فلاديمير بوتين Vladimir Putin” الرجل الذي أتى به من عالم المجهول ليجعله رئيساً للوزراء في آب 1999. وفي آذار 2000 تمكّن رئيس الوزراء السابق، الذي صار رئيساً بالوكالة، من الفوز في الانتخابات الرئاسيّة. وهكذا بدأت روسيا الألفيّة الثالثة في ظل “قيصر” جديد لا يعرف عنه المراقبون إلاّ القليل، “البوتينيّة” الجديدة التي حاولت اذابه وصهر الجزئيات في بوتقة روسيا الاتحادية وبناءها في اطار موحد. من “بويتن Putin ” انطلقت روسيا للبحث بعد الحرب الخاسرة للبحث عن الدور الدولي واستعادة المكانة ومن اول ايام استلام مقاليد السلطة والشواهد كثيرة والانجازات الكبيرة التي حققها بوتين يصعب حصرها في سطور او في اتجاه معين لأنها اخذت كافة المجالات وفق استراتيجية شاملة استطاعت ان تعيد صوتها التي اصبح بعد انهيار الاتحاد السوفيتي من صوت معادي الى صوت موالي للغرب او صامت في احسن احواله للمتغيرات الدولية .
ولعل لغة الارقام تعطينا كيف استطاعت روسيا الاتحادية النهوض من جديد وان تخلق تحديا لقمة الهرم الدولي ، فعلى سبيل المثال كان الاقتصاد الروسي بمستوى متدني ولم يكن لروسيا اي احتياطات تذكر من الدولار عام 1998 الى 500 مليار دولار في عام 2008 وبلغت الاستثمارات الاجنبية في نفس العام 45 مليار دولار وبلغ الناتج القومي الاجمالي الروسي 2.376 ترليون دولار حسب تقديرات 2011 والارقام كثيرة والشاهد في ذلك ربط سياسات الحرب الخاسرة للدول بتفاعلات النسق الدولي والتأثيرات على التراتبية الدولية .
وعلى المستوى العسكري والسياسي كانت الازمة الجورجية (حرب الخمسة ايام) اكبر تحدي بعد تفكك الاتحاد السوفيتي للولايات المتحدة الاميركية، فهي رسالة عمليه فاعلة للدور الجديد لروسيا الاتحادية ، وان تحجيم النفوذ الأمريكي في المنطقة سيكون بداية لانحصار وانكسار نفوذها انطلاقا من إدراك موسكو بان جورجيا وليدة لمشروع الولايات المتحدة في المنطقة. إن المواجهة التي بدأت بين روسيا والولايات المتحدة خلال أزمة جورجيا تعتبر إيذان ببداية حقبة جديدة من العلاقات الدولية, فقد أخطأت واشنطن باستمرارها للتصعيد مع موسكو بتأكيد أنه سيتم ضم جورجيا إلى حلف الأطلنطي مستقبلا, وما صاحب ذلك من مناورات أمريكية أوكرانية في البحر الأسود, مما دفع روسيا إلى الاستمرار في التصعيد وذلك بتوعد بولندا بإمكانية استخدام السلاح النووي ضدها, وتعليق تعاون روسيا مع حلف الأطلنطي حيث أن هذه الأزمة كشفت عن التغير في النظام الدولي وما ستنطوي عليه العلاقات المستقبلية من تفاعلات بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.

العامل الثالث : ضعف امكانات القوة :
يشير “مورجانثو Morgenthau ” الى ان ضعف امكانات القوة لدى بعض الدول، تمثل بضعفها هذا للدول ذات الامكانات المتفوقة عليها من القوة وقد حدث ذلك في معظم حالات التوسع الاستعماري . وان جاذبية فراغات القوة في تحريك الدوافع الاستعمارية تعد تهديدا استعماريا للتوسع المحتمل في الكثير من الدول الاسيوية والافريقية الناشئة، حيث ان امكانات الدول من القوة تعد محدودة بالمقارنة مع غيرها لا سيما الفواعل الدوليين .غير ان “مورجانثو Morgenthau ” يضع بعض التحفظات على ما تم طرحه من افكار فيما يتعلق بضعف امكانات القوة للوحدات الدولية الضعيفة او الناشئة وهي :
أ‌- ليس من الضروري النظر الى كل سياسة خارجية على انها تهدف دعم قوة دولة من الدول على انها تعبير عن نزعة استعمارية ، ” فالإمبريالية Imperialism” هي سياسة تهدف الى تقويض دعائم الوضع القائم ، وقلب علاقات القوة القائمة بين اطرافها راسا على عقب، اما السياسات التي تنشد التعديل تاركه علاقات القوة على حاله ، فأنها لا تكون سياسات استعمارية بقدر ما هي سياسات تعمل ضمن الاطار العام للوضع الدولي القائم وغالبا ما تكون هذه السياسات مرتبطة بالدول التي تلتزم الحياد او الدول الغير قادرة على مجارات علاقات القوة بين الاطراف الدوليين، على عكس السياسة الاولى التي تهدف على قلب الوضع القائم في النسق الدولي وهذا حال معظم الدول الفاعلة لا سيما القوى الصاعدة .
ب‌- كما لا يشترط ان تكون كل سياسة هدفها الحفاظ على امبراطورية قائمة في النظام الدولي تكون إمبريالية الطابع، فهذه السياسة تكون اقرب الى الدفاع عن معادلات القوة والاوضاع الاقليمية السائدة منها الى محاولة تغييرها .وهي بالتالي موجهة ضمن اطار الوضع الدولي القائم .
ويحدد “مورجانثو Morgenthau ” ثلاث وسائل تستخدمها الدول التي تنتهج سياسات التوسع الاستعماري في الوصول الى اهدافها وهي :
• الادوات العسكرية
• الادوات الاقتصادية
• الادوات الثقافية
• الادوات العسكرية :
ان طبيعة الدور الذي تقوم به القوة العسكرية والمهام الموكلة اليها والنتائج المترتبة على اي فعل تقوم به جعلها اكبر واضخم وسائل القوة بالنسبة للدولة، فالأدوات العسكرية هي اكثر هذه الادوات شيوعا ً ، وان الميزة الكبرى التي تكلفها اداة الغزو العسكري تنبع من حقيقية اساسية مؤداها ان العلاقات الجديدة للقوة لا تتبدل كقاعدة عامة الا نتيجة حرب جديدة تشنها الدولة او الوحدة الدولية المغلوبة بالرغم من ان الظروف تكون عادة ً ضدها . ومن ناحية ثانية فان استخدام الادوات العسكرية في الغزو يستجيب لحالة سيكولوجية اساسية ،وهي الارضاء النفسي للقائد الذي يمارس هذه الوسيلة بنجاح، وهو ما لا يمكن ان يتحقق بنفس الدرجة في ظل استخدام الادوات غير العسكرية . “فنابليون Napoleon” مثلا ً كان بإمكانه ان يفرض سيطرة بلاده على أوربا بقوة الافكار والمعتقدات التي جاءت بها الثورة الفرنسية اي بالأدوات الثقافية ، لكنه فضل استخدام الوسيلة العسكرية لإشباع الحاجة النفسية التي لا يحققها سوى زهو الانتصار وكبرياؤه.
بيد ان الدول الكبرى والمتقدمة كالولايات المتحدة الاميركية لا تقوم قراراتها على فكرة القائد ذات الشخصية التسلطية التي تؤكد السيطرة على المرؤوسين وتفرض ارادتها على الارادة السياسية ، فضلا عن عدم الاكتراث لمسالة تحقيق الذات الشخصية للقائد، لان الدول تبحث عن مصالحها الشاملة وفق استراتيجيات كبرى، لان عملية صنع القرار والسياسات العليا للدول التي تتربع النسق الدولي وتتفاعل فيما بينها ، فالقائد والمستشارين والمدراء يلعبون دورا رئيسيا في هذه العملية من ناحية، ولمساهمة القرارات المتخذة في تحقيق مهام القيادة ” السياسية والعسكرية والإدارية ” نحو إنجاز أهدافها المحددة من ناحية أخرى. ويشكل اتخاذ القرار المرحلة النهائية والحاسمة في عملية صنعه، إذ تمر هذه العملية بعده مراحل تنتهي باتخاذ القرار المناسب، كما أنها تخضع لتأثيرات عدة عوامل داخلية وخارجية وبدرجات مختلفة.
يعتبر القرار الاستراتيجي من أهم القرارات التي تقدم عليها الدولة لإنجاز الأهداف الرئيسية، وتشمل أكثر من إدارة في هيكلية صنع القرار، وتأخذ عدة جوانب مؤثرة ويشترك في اتخاذها القيادة العليا للدولة، ومن هذه الخطوات لصنع القرار للتوضيح : تقرير المشكلة، جمع المعلومات، الترتيب والتحليل، تحديد الوسائل، وضع قائمة بالبدائل، تقيم البدائل‘ القرار، التنفيذ، والمتابعة.

الادوات والوسائل الاقتصادية :
تعتبر الادوات الاقتصادية متراكمة مادية تتركز على اسس القوة الاقتصادية او الموارد الاقتصادية ، ولا يمكن اغفال القوة الاقتصادية في الوقت الراهن ، فبعد ان كانت السياسة تقود الاقتصاد ، اضحى الاقتصاد يقود ويحرك السياسات ، كما يشير الكثير من الباحثين على ان القوة الاقتصادية تمثل البنى التحتية لكل السياسات والمقومات للدولة وما فوقها يمثل البنى الفوقية .( )
ويعد المتغير الاقتصادي من العوامل المهمة في قوة الدولة ، ومن ثم التوازن الدولي لما لهذا العامل من تأثير على حياة الفرد والمؤسسات لا بل على الدول ذاتها ، والقوة الاقتصادية تعني نسبة عالية من الاكتفاء الذاتي ، بالإضافة الى قدرة الدولة على تقديم المساعدات المادية والمعنوية لأصدقائها عندما تدعو الحاجة لذلك ، وبالتالي فان معطى القوة الاقتصادية هو قابلية وقدرة الدولة على ادامة الاقتصاد قويا في السلم والحرب على حد سواء .( )

وكما يقول الدكتور “اسماعيل صبري” مقلد بالنسبة للأدوات الاقتصادية فأنها وان كانت تؤدي الى توسيع اطار السيطرة (الامبريالية Imperialism) بنفس الدرجة التي يوفرها استخدام الادوات العسكرية ، الا ان هذا لا يعني ان فاعليتها دائما محدودة ، اذ انه في احوال معينة قد تكون للسيطرة الاستعمارية بالأدوات الاقتصادية ابعد النتائج واعمق التأثيرات. والادوات الاقتصادية في الاستعمار اقل مخاطرة من الادوات العسكرية واقل استفزازاً منها كذلك لطبيعتها غير المباشرة مما يوفر لها فرصا اطول للاستمرار على عكس ما يحدث في ظل التدخل العسكري والغزو والاحتلال المباشر .( )
والادوات الاقتصادية المؤثرة في الوحدات الدولية تأخذ اشكال متعددة في ظل اقتصاد السوق منها حرية التجارة والاستثمار والاقراض والتمويل الدولي والمساعدات والاعانات ، ولعل ابرز الادوات الدولية التي تتحكم بالاقتصادي العالمي التي تمثل الركائز الرئيسة له وهي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية التي تعتبر مركز سيطرة الرأسمالية على الاطراف في العالم، وكما هو موضح في الرسم الاتي :

• الادوات والوسائل الثقافية :
اما الادوات الثقافية كما يقول “مورجانثو Morgenthau ” اخبث الادوات المستخدمة في فرض السيطرة الاستعمارية واكثرها ذكاءً ، لأنها تستدف العقول والتسلط عليها وغلسها وتغذيتها بما يتوافق والغاية او الوسيلة المرجوة لهدف تلك الوحدة في التفاعلات الدولية، واتخاذها نحو تبديل علاقات القوة القائمة بين الدول، وهي من الانماط التي تعتبر مكملة للأدوات والعسكرية والاقتصادية وهذا لا يلغي اهميته في ظل ثورة المعلومات والاتصالات وسهولة وصولة المعلومة لاسيما وان الأنترنيت ومعظم وسائل المعلومات تسيطر عليها الولايات المتحدة.( )
ويضيف ايضا بان العديد من الامبراطوريات الاستعمارية التي قامت في الماضي انهارت لا لشيء الا لأنها ارتكزت على الغزو العسكرية وحده ولم تحاول التغلغل بالثقافات والافكار والمعتقدات وعقول الشعوب التي خضعت لسيطرتها بالقوة وهو امر من المؤكد كان يقوي من دعائم السيطرة التوسعية ويطيل امدها. وتعتبر الادوات الثقافية من موارد (القوة الناعمة soft power) التي تشمل الى جانب الثقافية القيم السياسية والسياسة الخارجية (عندما يراه الاخرون مشروعة وذات سلطة معنوية اخلاقية )، وقد تدل هذه العبارات بانها اقرب الى المثالية باعتبار ان”مورجانثو Morgenthau” هو الاب الروحي للمدرسة الواقعية في السياسة الدولية الاميركية التي تبتعد كثيرا عن المثالية، بيد ان الولايات المتحدة الاميركية في مطلع العقد الثاني في القرن الحادي والعشرين كثير ما اعتمدت على (القوة الناعمة soft power) سواء اكان مع القوة الصاعدة او البلدان العالم الثالث لاسيما منطقة الشرق الاوسط لتحسين الصورة من جهة وكسب القلوب من جهة اخرى .( )
فعندما تحتوي ثقافة بلد على قيم عالمية ، وتروج سياسته قيما ومصالح تشاركه فيه شعوب الدول الاخرى وتطبق على ارض الواقع ، فان امكانية حصول النتائج المرغوبة للتغير يكون عبر العلاقة التي يخلقها من الجاذبية . ونجد ان الولايات المتحدة الاميركية في العالم المعولم تستفيد من نشر ثقافتها العالمية كنهج امبراطوري نحو الهيمنة للحفاظ على الوضع القائم للنظام الدولي الذي تتربع قمته تحت نمط الاحادية القطبية .( )
فعالم اليوم يتغير بمحركاته ونوابضه واداوته وقواه والفاعلين على مسرحه ، بينما نجد ان الافكار مازالت ثابته على الاتجاهين المرسل والمستقبل لها ، فالدول الصغيرة وان كانت تحمل هوية وافكار ثابته وواضحة المعالم الان الحراك الهائل للآليات الناعمة والتسارع الفائق جعل المفكرين في سباتهم العقلي في تلك البلدان من غير وجه امام الموجة الثالثة من المعلومات فثورة المعلومات القت بضلالها على الدول وشعوبها فلم يعد للحدود والفواصل الجغرافية قدسية تذكر امام الانكشاف الاستراتيجي الشامل عبر وسائل الاعلام والانترنيت وادواته العملاقة وتكنولوجيا الفضاء من الاقمار الصناعة والطائرات المسيرة وثورة الخلايا الرمادية للصناعة الدقيقة الالكترونية التي (تبث وتستلم) (Broadcast and receive) من اي مكان وتحت اي ظرف وفي اي وقت .( )

ثالثا :سياسات المكانة في المجتمع الدولي :
قبل الدخول في تحليل سياسات المكانة في المجتمع الدولي التي حددها “مورجانثو Morgenthau ” كاحد اهداف القوة ، ندخل في الجانب المفاهيمي للمكانة، ومن هنا يمكن فهم المكانة لغوياً بدلالة المنزلة التي يتحلى بها صاحب المكانة ، والمكانة جمعها مكانات وهي المنزلة ورفعة الشأن ، يقال مثلاً (أن فلان له مكانة عند قومه ) أي يتمتع بمنزلة متميزة عن بقية القوم .
أما في القرآن الكريم فقد ورد ذكر المكانة في قوله تعالى (( ولقد مكًنَهم فيما إن مَكَنكم فيه وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة )) ويقال مكنه الله في الشيء ، أي بمعنى إستمكن الرجل من الشيء ، والمكانة يراد بها أيضاً المنزلة عند الملك أو صاحب النفوذ.
أما في النظام الدولي فأن مكانة الوحدة السياسية في بنيان النسق الدولي يحدد إلى حد بعيد سلوكها تجاه الوحدات الأخرى ، فالنسق الدولي يتسم بالترتيب التدريجي للوحدات السياسية ويتحدد ترتيب كل دولة في هذا النسق طبقاً لمجموعة من المؤشرات التي بمقتضاها تنقسم الدول إلى وحدات عليا ووحدات دنيا ، فإذا تصورنا أن المؤشرات التي تحدد مكانة الدولة في النسق الدولي هي : – القوة العسكرية ومستوى التصنيع والمستوى التعليمي والأصالة الحضارية ومستوى الدخل الفردي فأنه من المتصور أن تتمتع وحدة معينة بمكانة عالية بالنسبة للمؤشرات المذكورة وان تتمتع وحدة أخرى بمكانة دنيا بالنسبة لتلك المؤشرات.
وكما يلاحظ أيضاً إن المكانة ترتبط وتقترن بالقوة والهيبة ولاسيما إن القوة تنضج من خلال الحيوية الاقتصادية والنفوذ السياسي والقوة العسكرية ، وبما أن القوة قيمة نسبية فأن الدول تجري تقييماً على وضع قوتها الذاتية بمقارنته مع الوضع في الحكومات الأخرى وتستخدم القوة لتوسيع أهداف السياسة الدولية الأخرى وتحقيق الكفاية الاقتصادية ، بينما يراد بالهيبة الدولية الاحترام الذي يمنحه المجتمع الدولي للدول وترتكز على تصورات للقوة أو المنافسة أو على السمعة في احترام الاتفاقات الدولية.
وسياسات المكانة هي السياسة التي تهدف الى تعزيز مكانة الدولة في المجتمع الدولي واضفاء نوع من الهيبة عليها مما يسهل عليها تحقيق اهدافها سواء التي تمثلت في الحفاظ على الوضع الدولي القائم او التسلط .، ويشير الدكتور اسماعيل صبري مقلد بان :( الهدف من تطبيق سياسات المكانة هو التأثير على الدول الاخرى ، بالقوة التي تملكها الدولة بصورة فعليه ، او بالقوة التي تعتقد او تريد الاخرين ان يعتقدوا انها تملكها ) وان تنفيذ سياسات المكانة يكون على نوعين من الادوات الدبلوماسية والادوات العسكرية بمعنى القوة الناعمة والصلبة او الذكية التي تجمع بين القوتين كما اشرنا في متن البحث .
وتعتمد مكانة كل الدول على المقومات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والسياسية وكل مقوم يتفاوت مع الاخر، فضلا عن اختلاف مقوم بعينه في دولة ما عن مقوم دولة اخرى صعودا ونزولا، فضلا عن ذلك فان هناك دول تمتلك نفس مقومات القوة الا اننا نجد احدها اكثر فاعلية وتأثير، وهذا يعود الي قدرة الدولة في استثمار وتوظيف قوتها وبالتالي تأثيرها بفاعليه على الوحدات الاخرى اكثر من مثيلتها .
وللتوضيح نجد ان الولايات المتحدة الاميركية هي الاولى في المجال الاقتصادي من حيث ناتجها الاجمالي القومي الذي بلغ حسب تقديرات 2010 بنحو 14 ترليون دولار بينما الاتحاد الاوربي 6806 بليون وروسيا الاتحادية 2.376 ترليون دولار حسب تقديرات 2011 والصين 2 ترليون دولار حسب احصائية 2006، وفي لغة الارقام نلاحظ ان الولايات المتحدة الاميركية متفوقة على معظم الدول مجتمعه على الرغم من كون التحدي الاكبر للمكانة الاميركية هو التحدي الاقتصادي ، فالولايات المتحدة تسعى جاهدة مسخرة ادواتها الرأسمالية الدولية الصندوق والبنك ومنظمة التجارة العالمية لوضع الدول تحت اطار الاقتصاد العالمي الرأسمالي وعدم الخروج عليه الذي تتربعه وفق الارقام البيانية .
واذا ما تم مقارنة القوة العسكرية الاميركية فالولايات المتحدة فضلا عن امتلاكها جيش تقليدي قوامه (1.483.800) مليون جندي، فهي من الناحية النووية تعد الدولة الأولى في العالم سواء على مستوى الكم من الأسلحة أم على مستوى ما تتمتع به أسلحتها النووية من نوعية متطورة بفعل التقنية العالية المستخدمة فيها، إذ تحتفظ بأكبر عدد من الرؤوس النووية التي وصل عددها إلى حوالي 10 ألاف رأس نووي. كما تمتلك الولايات المتحدة اكبر عدد من الغواصات النووية في العالم تصل إلى 500 غواصة نووية فضلا عن امتلاكها لأكثر من 500 قاذفة استراتيجية بعيدة المدى ، اما الميزانية العسكرية للولايات المتحدة التي كانت قد بلغت 5%- 6% من إجمالي ناتجها القومي أن ميزانية وزارة الدفاع البنتاغون تساوي الميزانيات العسكرية المجتمعة للدول الـ ( 12 ) او الـ( 15 ) التي تلي الولايات المتحدة ” بعبارة أخرى، ان أنفاق الولايات المتحدة العسكري يشكل( 40 ــ 50%) من الأنفاق الدفاعي في دول العالم كافة . فالدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي مجتمعة، تنفق على الدفاع نحو (170) بليون دولار سنويا، ولكن الولايات المتحدة تنفق أكثر مـــن( 400) بليون دولار بالسنة.
واما في مجال التكنولوجيا يمكن إدراك حقيقة مهمة وهي تمتع الولايات المتحدة بموقع الصدارة العالمية في امتلاك القدرات التقنية، إذ انها تُعد الدولة الأسرع في مجالي الابتكار واستغلال التقنيات التكنولوجية الحديثة، وتمتلك نظاما للعلوم والتكنولوجيا والبحوث لا يضاهيه أي نظام أخر في العالم، ويقدر ما تخصصه الولايات المتحدة سنوياً للبحوث العلمية والتطور التقني مجموع ما تنفقه الدول الصناعية السبع التي تليها في الثروة. لاسيما وإنها تُنفق ما يزيد على (290) مليار دولار، هكذا فهي تمثل 40% من النفقات العالمية للبحث والتطوير ولها 50% من البراءات المودعة في العالم، وأن30% من المنشورات العلمية العالمية، أمريكية وأكثر من نصف الأقمار الصناعية، هي أمريكية(، وان 90% من الذين فازو بجائزة نوبل في الكيمياء و العلوم والاقتصاد، هم أمريكان.
ففي مجال المنتجات ذات التكنولوجيا العالية فقد احتلت الولايات المتحدة الأمريكية المركز الأول في أنتاج الالكترونيات بنسبة 40% مقابل 27% لليابان ، أما ما يخص أنتاج البرامج وتطويرها فتعد الولايات المتحدة اكبر منتج للبرمجيات للعالم إذ يتجاوز أنتاجها إلى 45% من حجم الإنتاج العالمي ، تليها الاتحاد الأوربي بنسبة 23% واليابان والهند بنسبة 18% .
إما على صعيد التكنولوجيا العسكرية فهي تمتلك مجمعا صناعيا ضخما ، إذ يعمل فيه أكثر من 30% من المهندسين في المجال التكنولوجي والمعلوماتي ، فهم يعملون على التطوير وإدخال التقنيات الالكتروني في المجال العسكري ليظهر لدينا ما يسمى بالأسلحة الذكية والأسلحة ذات التحكم من بعد والطائرات بدون طيار ، وهو ما جعلها أفضل من ناحية تقليل الخسائر البشرية من ناحية والدقة في إصابة الهدف فضلا عن القوة التدميرية إلى جانب تقليل نسبة الأنفاق.( )
كل هذه الارقام تعطي فكرة وواقع حتمي بان المكانة تعتمد على المقومات وان الولايات المتحدة الاميركية رغم الازمات الاقتصادية والتوسع المستمر بالقواعد والتدخلات الى جانب تحديات القوة الصاعدة المتمثلة بالصين والاتحاد الاوربي واليابان وروسيا الاتحادية وحتى (الهند والبرازيل ) في الاجل المتوسط فأنها ما زالت تتمتع بمكانة سياسية ونفوذ كبير في النسق الدولي وهي تحاول الحفاظ على الوضع القائم من خلال ادوات سياسات المكانة الناعمة والخشنة والذكية.

المصادر
1. احمد ثابت ، مكانة الولايات المتحدة الأمريكية في النظام العالمي : دور القوة والتوازن الدولي الجديد، مجلة السياسة الدولية، القاهرة، العدد(171)،يناير 2008.
2. احمد نوري النعيمي ، السياسة الخارجية ،الدار الجامعية للطباعة والنشر والترجمة، جامعة بغداد ، كلية العلوم السياسية ، 2009.
3. اسماعيل صبري مقلد ، نظريات السياسة الدولية دراسة تحليلية مقارنة ، منشورات ذات السلاسل ، الكويت ، 1987.
4. بشير عبد الفتاح ،تجديد الهيمنة الاميركية ، اوراق الجزيرة ،مركز الجزيرة للدراسات ، العدد 18 ، ط1، 2010
5. بول سالم ، الولايات المتحدة والعولمة : معالم الهيمنة في مطلع القرن الحادي والعشرين ، كتاب العرب والعولمة ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1998.
6. بيير هاسنر وجوستان فاييس، واشنطن والعالم، معضلة القوى العظمى ، ترجمة: قاسم مقداد، قضايا راهنة (13)،الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق ، 2008.
7. جماعة من كبار اللغويين العرب ، المعجم العربي الأساسي ( لاروس ) ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1989.
8. جوزيف س ناي ، القوة الناعمة ، وسيلة للنجاح في السياسة الدولية ، ترجمة :محمد توفيق البجيرمي ،مطبعة العبيكان ، ط1 ، المملكة العربية السعودية، 2007.
9. جوزيف س ناي ، القوة الناعمة ، وسيلة للنجاح في السياسة الدولية ، ترجمة :محمد توفيق البجيرمي ،مطبعة العبيكان ، ط1 ، المملكة العربية السعودية، 2003.ش
10. خليل حسين ، النظام العالمي الجديد والمتغيرات الدولية ، دار المنهل اللبناني ، ط1 ،لبنان، 2009.
11. ديفيد جومبرت، الحرية والقوة في عصر المعلومات، في: الدور المتغير للمعلومات في الحرب، مجلة دراسات عالمية، مركز الأمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، ابو ظبي، العدد(53)، 2004 .
12. روبرت كانتور ، السياسة الدولية المعاصرة ، ترجمة : أحمد ظاهر ، مركز الكتاب الأردني، 1998.
13. زايد عبيد الله مصباح ، السياسة الدولية بين النظرية والممارسة ، دار الرواد ، طرابلس ، ليبيا ، ط1 ، 2002
14. زبيغبنو بريجنسكي ، الاختيار السيطرة على العالم ام قيادة العالم، ترجمة: عمر الايوبي ، دار الكتاب العربي ، بيروت – لبنان،2004
15. سليم كاطع علي ،مقومات القوة الامركية واثرها على النظام الدولي ، مجلة دراسات دولية ، العدد 42، ، تشرين الاول 2009.
16. عامر هاشم عواد ، التحول في العلاقات الروسية الاميركية ، المجلة العربية للعلوم السياسية ، الجمعية العربية للعلوم السياسية بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية ، العدد 26 ، ربيع 2010 .
17. علي حرب المصالح والمصائر ، صناعة الحياة المشتركة ، الدرار العربية للعلوم ناشرون ، منشورات الاختلاف ، بيروت ط1، 2010.
18. الكسندر دوغين، اسس الجيوبولتيكا، مستقبل روسيا الجيوبولتيكي، ترجمة: عماد حاتم ، دار الكتاب الجديد المتحدة ،ط1، طرابلس – ليبيا، 2004.
19. ليليا شيفتسوفا، روسيا بوتين ، ترجمة : بسام شيحا ، الدار العربية للعلوم ، ط1 ، بيروت – لبنان ، 2006.
20. محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي ، مختار الصحاح ، دار الرسالة ، الكويت ، 1987
21. محمد وائل القيسي، مكانة العراق في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الخليج العربي”دراسة مستقبلية”،رسالة ماجستير”غير منشورة” كلية العلوم السياسية ،جامعة النهرين ، 2010.
22. موسوعة الويكيبيديا، على شبكة المعلومات الدولية الأنترنيت: http://ar.wikipedia.org/wiki
23. نورهان الشيخ, السياسة الروسية وحدود الدور في الشرق الأوسط, مجلة دراسات شرق أوسطية, ربيع 2007, السنة:11, العدد:39, ص:125-126، انظر ايضا : حرب القوقاز بداية أم نهاية, على شبكة المعلومات الدولية الانترنيت: http://www.arabrenewal.org/articles/187 … OYIE1.html
24. هيرفريد مونكر، الامبراطوريات ، منطق الهيمنة العالمية من روما القديمة الى الولايات المتحدة الامريكية ، ترجمة: عدنان عباس علي ، دراسات مترجمة العدد ( 28) ، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ابو ظبي – الامارات العربية المتحدة ، 2008.
25. يامن خالد يسوف ، واقع التوازن الدولي بعد الحرب الباردة واحتمالاته المستقبلية، وزارة الثقافة ، الهيئة العامة السورية للكتاب ، 2010.
26. Ross. Joel. E.1970. ” Management By Information System”, N. Jersey, Englewood: Gliffs, Printice- Hall, Inc.

تحليل لموضوعة – القوة في العلاقات الدولية : ل – هانز مورجانث

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الشعلان333

مقدمة : Introduction
شهدت حقبة الأربعينات في القرن العشرين تحولات عديدة ، كان أبرزها ظهور الاتجاه الواقعي في العلاقات الدولية والذي جاء كرد فعل على الاتجاه المثالي، بسبب عدم صحة هذا الاتجاه، والذي قد استند قبل تلك الفترة على دراسات قامت على ما يجب أن يكون عليه المجتمع الدولي ضمن نظرة الأفضل والامثل دون أن تأخذ بالأمر الواقع كأساس لها، وتجاهلها للتاريخ، لقد نظر الاتجاه المثالي للسلوك الدولي كوحدة أساسية للتحليل وتجاهله لمبدأ القوة وتوازن القوة.
ان النظرية الواقعية تستمد مادتها الديالكتيكية في التاريخ من اجل الوصول إلى تعميم عام للسلوك الدولي، وترى بهذا الجانب إن الرأي العام يتغير بشكل سريع لذلك لابد لصانع القرار عدم الأخذ به، وترى بان الدولة القومية هي وحدة التحليل الأساسية في العلاقات الدولية ، كما يرفض الواقعيون فكرة وجود تناسق في المصالح بين الدول، بل يرون بتضارب مصالحها إلى حد الوصول إلى احتمالية حدوث الحروب، كما يعطون دور كبير لإمكانيات الدولة المتوفرة في تحديد نتيجة الصراع الدولي، والتأثير بالدول الأخرى، يرى الواقعيون بان القوة ليست مقتصرة فقط على الجانب العسكري، بل هناك جوانب أخرى كالاقتصادية والديمقراطية والإيديولوجية الخ، ومع ذلك فان الواقعيون لا يغفلوا ضرورة تحقيق السلام العالمي ولو باللجوء إلى القوة كأساس لذلك.
ان الاتجاه الواقعي الأمريكي يأتي على رأسه عالم العلاقات الدولية الأشهر “هانز مورجانثو Hans Morgenthau” مؤسس النظرية الواقعية في العلاقات الدولية ،ويؤكد “مورجانثو Morgenthau ” على فكرة القوة في العلاقات الدولية بقوله: ان عالم السياسة الدولي(السياسة الدولية – العلاقات الدولية) شأنه شأن عالم السياسة الداخلي (السياسة داخل المجتمع)هو عالم الصراع من أجل القوة ومهما تكن مرامي ذلك العالم فإن القوة هي هدفه المباشر والملح والدائم. ويتضمن العرض الشامل الذي قدمه “مورجانثو Morgenthau” لمفهوم القوة في السياسة الدولية ، تصورا محددا للأشكال المختلفة لصراعات القوة في المجتمع الدولي، فالدول طبقا لهذا التصور تتصارع من اجل الاهداف التالية :
1. سياسات الحفاظ على الوضع القائم .
2. سياسات التوسع الاستعماري .
3. دعم المكانة السياسية في المجتمع الدولي .

اولاً : سياسات الحفاظ على الوضع القائم :
يهدف هذا النوع من السياسات الخارجية حسب نظرية “مورجانثو Morgenthau” للحفاظ على التوزيع القائم للقوة في لحظة معينة من لحظات التاريخ، اي عندما تبرز توزيعات جديدة لعلاقات القوة كنتيجة لانتصار بعض الاطراف ، وهزيمة الاطراف الاخرى .
وهناك تطبيقات تاريخية عديدة لسياسات الوضع القائم بالشكل المشار اليه ، ولعل اقرب تطبيق لهذه السياسة في النسق الدولي والتي ما زالت قائمة في واقع التفاعلات الدولية الديناميكية الى يومنا هذا صعودا ونزولا. نستطيع ان نطلق عليها مرحلة نهاية او ما بعد الحرب الباردة التي تميزت في مطلعها بتفكك الاتحاد السوفيتي (المنظومة الاشتراكية الشرقية) عام 1991 وبزوغ نمطية علاقات جديدة في النسق الدولي تقوم على نمط القطب الواحد المتمثل بالولايات المتحدة الامريكية قائدة (المنظومة الرأسمالية الغربية).
الولايات المتحدة اضحت كما هو مسلم به تتربع قمة الهرم الدولي لما تملكه من مقومات مثلث القوة – القوة العسكرية ، القوة الاقتصادية ، والقوة التكنولوجية ، وان اقطاب هذا المثلث مجتمعه تمثل القوة السياسية التي هي ابرز مخرجات القوة المؤثرة في الوحدات الدولية .

وهذا ما يؤكده ” زبيغنيو بريجنسكي Zbigniew Brzezinski” في كتابه (الاختيار السيطرة على العالم ام قيادة العالم ) قائلا ً :(( مع بداية القرن الحادي والعشرين ، نجد انه لا مثيل لقوة اميركا من حيث مداها العسكري على الصعيد العالمي ، ومحورية النشاط الاقتصادي لأمريكا بالنسبة الى صحة الاقتصاد العالمي ، والتأثير الابداعي للدينامية التكنولوجية الاميركية ، ومن حيث الجاذبية العالمية للثقافة الاميركية المحض المتعدد الاوجه، اذو وفرت هذه العناصر كلها لأمريكا نفوذا سياسيا ً عالميا ً لا نظير له ، واصبحت امريكا في كافة الاحوال ضابط الايقاع العالمي وما من منافس لها على المدى المنظور)).
ولا غضاضة فان الولايات المتحدة الاميركية وبحسب البيانات الاحصائية المتوافرة قد ابانت بجلاء تأثير القوة الاميركية ومدى ارتفاع شكيمة حظورها في توزيع الادوار في النسق الدولي وهي تتربع قمة الهرم الدولي لما تتمتع به من تفوق غير متكافئ على باقي الوحدات الدولية بصورة عامة وعلى الفواعل الدولية بشكل خاص .ومن هذا المنطلق تسعى بجهد وجد للحفاظ على الوضع الراهن من طريق طرح مشروعها الامبراطوري الذي يقوم على الهيمنة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني الوصف للقدرة والقوة على التأثير وبالتالي السيطرة على وحدات النظام الدولي ومقاومة السيطرة من قبل القوى الصاعدة .
والشواهد التاريخية والاحداث التي ارتأت الولايات المتحدة الاميركية فيها ابراز سياسات الحفاظ على الوضع الراهن وفرضها على الوحدات الدولية واضحة وكثيرة ، فعلى سبيل المثال لا الحصر اقدمت الولايات المتحدة الاميركية بعد احداث 11 ايلول-سبتمبر 2001 بالإعلان وعلى لسان رئيسها آنذاك “بوش الابن Bush Jr. ” بالقول المشهور: ((من ليس معي فهو ضدي)) تحت عنوان مكافحة الارهاب واستخدمت القوة الخشنة بإفراط نتيجة لمنطق القوة والهيمنة في التفاعلات الدولية باحتلالين غير مبررين وفق مثل المجتمع الدولي العراق وافغانستان ، وهذا ما تفسره واقعية القوة التي فرضتها الولايات المتحدة واجبرت وصهرت معظم المواقف المعارضة في بوتقة واحدة لتصب في محيط الابقاء على الوضع القائم على المدى المنظور والمتوسط وبما يخدما مصالها القومية والعالمية الشاملة .
وعليه فانه من الواضح والجلي ومن خلال استقراء السياسات الاميركية والاليات المستخدمة في التأثير في رسم وتوزيع الادوار في النظام الدولي فأنها قد قطعت اشواط طويلة لبناء هذه الثقة بالقوة الاميركية وبالمكانة جاعلة لكل حقبة زمنية تاريخية بعد معين يتناسب مع تلكم المرحلة في التراتبية الدولية .
وعلى الرغم من سيل الطروحات والتوقعات التي اثارت الادعاء ببدء افول الهيمنة الاميركية على العالم ، لاحت في الافق تصورات مغايرة في دوائر صنع القرار الاميركي المتكون من المفكرين والمنظرين والدعاة والمؤولين للسياسة الاميركية اسس متغيرة تتعامل مع مواطن الضعف وبالوقت نفسه تنطلق من مكامن القوة لتفعيل ذلك ولتعضيد سياسات القوة وسد تغور وفجوات الضعف وبالتالي انعاش الهيمنة الاميركية والعمل على اطالة مداها الزمني للحفاظ على سياسات الوضع القائم ، ولعل اول ما فكرت به تلك الجهات توخيا لذلك المقصد ،كان اعادة النظر في الاستراتيجيات الامنية والعقائد العسكرية لنجد ان اليات التغيير في السياسة الدولية للولايات المتحدة قد اخذت بعدا ينسجم مع كل مرحلة ومن بين اهم وابرز الاليات المتبعة للولايات المتحدة الاميركية للحفاظ على الوضع القائم والتي فرضت نفسها على الوحدات الدولية التي كانت خارج دائرة القبول للسياسات الاميركية هي :
سياسات القوة الخشنة . Hard Power
سياسات القوة الناعمة . Soft Power
سياسات القوة الذكية . Smart Power

ثانيا : سياسات التوسع الاستعماري :
الوهلة الاولى لموضوعة التوسع الاستعماري تعطي مؤشرات ومدركات حسية للعقل البشري ( للمفهوم الاول البدائي للاستعمار) القائم على الاحتلال العسكري واستعمار الاراضي واستخدام العبيد ونهب الكنوز والوصاية المباشرة، الا ان القرن الحادي والعشرين قرن الموجة الثالثة العارمة وصدمة المستقبل بكل ما تحمله من معان هي غير مرحلة الحربين العالمية الاولى والثانية وحتى الحرب الباردة بكل مفرداتها .
وفيما يخص تحليل “هانز مورجانثو Morgenthau ” لسياسات التوسع الاستعماري فقد اخذه على ثلاث جوانب او نتيجة لثلاث عوامل :
العامل الاول : الحرب المنتصرة Victorious war:
وهو توقع الانتصار في حرب ما مما يجعل الدولة تنتقل من مرحلة الابقاء على الوضع القائم الى التغيير في علاقات القوى لصالحها، وفي الحقيقة فان الرؤية العلمية والأكاديمية وبحسب معطيات وتراكمات الفهم للعلاقات الدولية التي تنبع من مدخلات ومخرجات النظام الدولي فان الباحث يلاحظ ان هذا الهدف الثاني الذي طرحه “مورجانثو Morgenthau” وهذه السياسة تصلح لان تكون في مقدمة الاهداف التي ذكرها “مورجانثو Morgenthau ” باعتبارها خطوة اولى في سلم التفاعلات الدولية اذا ما تم تطبيقها على الولايات المتحدة الاميركية لانها خطوة للتوسع خارج نطاق الحدود وبالتالي الخروج من مرحلة السبات او العزلة لبناء الذات.
والفرادة التاريخية والإدراك المؤطر في السياسة الدولية تعطي صورة لهذه النظرية التي حددها “مورجانثو Morgenthau” بانها تشبه مرحلة العزلة للولايات المتحدة الاميركية في مطلع القرن العشرين تجاه الشؤون الاوربية الحاملة لتركة النظام الدولي القائم على الحروب ، ولذلك نلاحظ ان الرئيس الاميركي ” روزفلت” كان ملتزما بمبدأ الحياد الى ان دخلت الحرب مرحلة الذروة بهجوم الطائرات اليابانية على ميناء بيرل هاربر في 7-12-1941 حتى امر الرئيس الأمريكي (ترومان) الولايات المتحدة بالخروج عن الوضع القائم بقصف مدينة (هيروشيما Hiroshima) و(ناكازاكي Nagasaki) في عام 1945 بالقنبلة الذرية لتنتهي الحرب لصالح الولايات المتحدة ، لتبدأ بالتوسع الاستعماري وفرض نفسها بقوة على المشهد الدولي سواء بصورة مباشرة وغير مباشرة.
ولعل ابرز تلك الملامح لهذا الهدف هو التوسع الاستعماري بالقوة العسكرية كما في فيتنام لفرض الارادة الاميركية بصورة مباشرة واخرى غير مباشرة تسمى بالحرب بالنيابة كأحد انماط الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي التي سادت تلك المرحلة لتتغير في ذلك نمط علاقات القوة لصالح الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وافول القوى الاوربية التي كانت الفاعل الرئيس في النظام الدولي .
وما يجب توضيحه وتعقيبا على ما تم طرحه في المقدمة التوضيحية لسياسات التوسع الاستعماري نروم بيان ان دراسة تاريخ التوسع الامبراطوري التقليدي كان يقوم على مبدا القوة العسكرية كمحدد لروابط وعلاقات الصراع بين المتنافسين الدوليين ، فالإمبراطورية في النموذج التقليدي كانت تقوم على مراحل الارتقاء او الانحطاط. الا ان نظرية دورات الهيمنة والتوسع قامت بتطوير نماذج تحليلية جديدة وادخلت المتغير التكنولوجي كأحد مظاهر وسمات نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين في ظل ثورة المعلومات والتكنولوجيا الدقيقة ، هذا المتغير اضاف بعد اخر لعلاقات القوة والتوسع فلم يعد الاحتلال او التوسع العسكري هو الاداة الوحيدة والفاعلة الى جانب المتغير الاقتصادي من نهب الثروات وتصدير الفوائض الرأسمالية من المركز الى الاطراف وان كانت مرتكزات مهمة الا ان الانكشاف الاستراتيجي الشامل قد افقد للدول قدسية حدودها الوطنية امام الموجة الثالثة التي قال بها “الفن توفلر Alvin Toffler “.
فالتوسع الاستعماري اصبح يطلق عليه في مصطلحات علم السياسة (العولمة Globalization) بكل جوانبها ليدخل الجانب التكنولوجي والثقافي بقوة الى جانب المتغيرات والعوامل العسكرية والاقتصادية، فالتوسع عبر شبكة المعلومات الدولية الأنترنيت اصبح في عالم اليوم له فعله الفاعل تسقط دول وتغير انظمة وسياسات وتفرض ارادات عبر مسمى القوة الناعمة او اللينة التي اطلقها “جوزيف س ناي” كبديل او رديف لتعضيد القوة العسكرية والتي تتضمن ابعاداً اخلاقية وسياسية تتيح للولايات المتحدة اضفاء الشرعية على هيمنتها وسياساتها التوسعية من خلال توفير منافع عامة لبقية العالم مثل السلام والعدالة الى جانب ابراز ميزات الرأسمالية، وذلك لكسب المؤيدين ودفع المعارضين للتوجهات الاميركية وتنفيذ المخطط السياسي والنفسي المسوق للنموذج الاميركي لغايات واهداف عليا تروم وتسعى لتحقيها في الديناميكية الدولية المتغيرة .
العامل الثاني : الحرب الخاسرة Losing the war:
يفيد “هانز مورجانثو Morgenthau” بانه كما تفعل الحرب المنتصرة فعلها في خلق الدافع الى التوسع والاستعمار فقد يكون للحرب الخاسرة تأثيرات مشابهة ولكن بصورة مختلفة ، فعلاقة الخضوع التي يراد لها ان تكون مستمرة ودائمة في اطار تركيب قوة معينة تفرضه الحرب التي يخسرها احد الاطراف ، قد تدفع بهذا الطرف الخاسر الى محاولة التخلص من الوضع القائم وتبادل مراكز القوة في هذا التوزيع بحيث يتاح له ان يستولي على مركز الطرف المنتصر او منافسته وازاحته الى مركز اقل او موازاته او الحد من هيمنته لاستعادة ما فقده ، وفي حالات معينة قد لا يكون الطرف الخاسر مدفوعاً فقط في استعادة ما فقده، بل الحصول على اكثر مما فقده وهو ما يسمه “مورجانثو Morgenthau” بالسياسات الاستعمارية التي تتبناها الاطراف الخاسرة .
ويعطي في هذا العامل مثالا توضيحيا للفترة منذ عام 1919 وحتى عام 1935 بدت سياسة المانيا فيها وكأنها متقيدة وخاضعة وفي اطار حدود الوضع القائم في حين انها كانت تسعى سرا ً الى هدم ذلك الوضع وتغييره في اتجاه مختلف تماماً .. وانطلاقا ً من هذا المثال نجد ان اقرب تطبيق لهذه السياسة في الوضع الدولي الراهن هي السياسة الروسية حاملة تركة الاتحاد السوفيتي، فروسيا الاتحادية بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك المنظومة الاشتراكية وانهيار اصبحت قوة خاسرة امام الولايات المتحدة الاميركية ورضخت لسياسات الوضع القائم.
ويبدو ان روسيا الاتحادية اتبعت مقولة الجيوبوليتكي البلجيكي “جان تيريار Jean Tiriar ” الذي قال: ((كان الاتحاد السوفيتي شبيها ً بلوح من الشكولاتة، حزت فوقه حدود الجزئيات – الجمهوريات، وعندما تفتت هذه الجزئيات – الجمهوريات لم يعد كافيا ً ضمها الى بعضها لإعادة اللوح بكامله الى ما كان عليه ،فلا يمكن التوصل الى ذلك الان الا عن طريق اعادة صهر اللوح كله واعادة طبعه)).
وبانتصار الولايات المتحدة على الاتحاد السوفياتي فرض وضع للدخول وفي حقبة جديدة ، تطالب بنماذج جيوبولتيكية مبتكره، فالوضع الجيوبولتيكي لكل ما هو تقليدي من الاراضي والاقاليم والدول والاتحادات تبدل تبدلا ً حادا ً،ومن هنا كانت روسيا الاتحادية تائهة ما بين وضعها الدولي المسلوب وما بين المشاكل الداخلية المستعرة لاسيما الاقتصادية والامنية التي مثلت اهم مواطن الضعف التي اثقلت كاهل الدولة فضلاً عن ترمة وتبعات الجمهوريات المتناثرة .
واول خطوة من روسيا الاتحادية في رئاسة “بوريس يلتسين Boris Yeltsin” الانكفاء على الذات ، والمحاولة الاولى لمنع الانهيار، قررت فيه الحكومة الالتفات إلى قطاع الطاقة (اذ ان إنتاج النفط تراجع إلى النصف في أقل من عشر سنوات) الذي يحتلّ حيّزاً واسعاً وفاعلاً في الاقتصاد الروسي (البترول وحده يشكّل 15 % من صادرات البلد)عبر توجيهه إلى التصدير الخارجي البعيد، بعد اقتصاره على الاستهلاك المحلي لسد الحاجة والتصدير إلى المحيط القريب والدول الفقيرة وذلك لتعزيز الثقة في الداخل باعتبار ان الداخل انعكاس لسياسات الخارج .
لكن “اليلتسينية” تركت وراءها، تسع سنوات من التخبّط والفوضى لأسباب كثيرة تمثلت بالفساد المالي والاداري وسطوة العسكر التي تحولت الى مافيات اثرت سلبا على الوضع الاجتماعي الروسي ، في نهاية العام 1999، وبطريقة غير متوقّعة، قدّم يلتسين هدية إلى شعبه والعالم بمناسبة رأس السنة الميلادية والانتقال إلى العام 2000: استقال من منصبه ليسلّم مقاليد الحكم إلى “فلاديمير بوتين Vladimir Putin” الرجل الذي أتى به من عالم المجهول ليجعله رئيساً للوزراء في آب 1999. وفي آذار 2000 تمكّن رئيس الوزراء السابق، الذي صار رئيساً بالوكالة، من الفوز في الانتخابات الرئاسيّة. وهكذا بدأت روسيا الألفيّة الثالثة في ظل “قيصر” جديد لا يعرف عنه المراقبون إلاّ القليل، “البوتينيّة” الجديدة التي حاولت اذابه وصهر الجزئيات في بوتقة روسيا الاتحادية وبناءها في اطار موحد. من “بويتن Putin ” انطلقت روسيا للبحث بعد الحرب الخاسرة للبحث عن الدور الدولي واستعادة المكانة ومن اول ايام استلام مقاليد السلطة والشواهد كثيرة والانجازات الكبيرة التي حققها بوتين يصعب حصرها في سطور او في اتجاه معين لأنها اخذت كافة المجالات وفق استراتيجية شاملة استطاعت ان تعيد صوتها التي اصبح بعد انهيار الاتحاد السوفيتي من صوت معادي الى صوت موالي للغرب او صامت في احسن احواله للمتغيرات الدولية .
ولعل لغة الارقام تعطينا كيف استطاعت روسيا الاتحادية النهوض من جديد وان تخلق تحديا لقمة الهرم الدولي ، فعلى سبيل المثال كان الاقتصاد الروسي بمستوى متدني ولم يكن لروسيا اي احتياطات تذكر من الدولار عام 1998 الى 500 مليار دولار في عام 2008 وبلغت الاستثمارات الاجنبية في نفس العام 45 مليار دولار وبلغ الناتج القومي الاجمالي الروسي 2.376 ترليون دولار حسب تقديرات 2011 والارقام كثيرة والشاهد في ذلك ربط سياسات الحرب الخاسرة للدول بتفاعلات النسق الدولي والتأثيرات على التراتبية الدولية .
وعلى المستوى العسكري والسياسي كانت الازمة الجورجية (حرب الخمسة ايام) اكبر تحدي بعد تفكك الاتحاد السوفيتي للولايات المتحدة الاميركية، فهي رسالة عمليه فاعلة للدور الجديد لروسيا الاتحادية ، وان تحجيم النفوذ الأمريكي في المنطقة سيكون بداية لانحصار وانكسار نفوذها انطلاقا من إدراك موسكو بان جورجيا وليدة لمشروع الولايات المتحدة في المنطقة. إن المواجهة التي بدأت بين روسيا والولايات المتحدة خلال أزمة جورجيا تعتبر إيذان ببداية حقبة جديدة من العلاقات الدولية, فقد أخطأت واشنطن باستمرارها للتصعيد مع موسكو بتأكيد أنه سيتم ضم جورجيا إلى حلف الأطلنطي مستقبلا, وما صاحب ذلك من مناورات أمريكية أوكرانية في البحر الأسود, مما دفع روسيا إلى الاستمرار في التصعيد وذلك بتوعد بولندا بإمكانية استخدام السلاح النووي ضدها, وتعليق تعاون روسيا مع حلف الأطلنطي حيث أن هذه الأزمة كشفت عن التغير في النظام الدولي وما ستنطوي عليه العلاقات المستقبلية من تفاعلات بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.

العامل الثالث : ضعف امكانات القوة :
يشير “مورجانثو Morgenthau ” الى ان ضعف امكانات القوة لدى بعض الدول، تمثل بضعفها هذا للدول ذات الامكانات المتفوقة عليها من القوة وقد حدث ذلك في معظم حالات التوسع الاستعماري . وان جاذبية فراغات القوة في تحريك الدوافع الاستعمارية تعد تهديدا استعماريا للتوسع المحتمل في الكثير من الدول الاسيوية والافريقية الناشئة، حيث ان امكانات الدول من القوة تعد محدودة بالمقارنة مع غيرها لا سيما الفواعل الدوليين .غير ان “مورجانثو Morgenthau ” يضع بعض التحفظات على ما تم طرحه من افكار فيما يتعلق بضعف امكانات القوة للوحدات الدولية الضعيفة او الناشئة وهي :
أ‌- ليس من الضروري النظر الى كل سياسة خارجية على انها تهدف دعم قوة دولة من الدول على انها تعبير عن نزعة استعمارية ، ” فالإمبريالية Imperialism” هي سياسة تهدف الى تقويض دعائم الوضع القائم ، وقلب علاقات القوة القائمة بين اطرافها راسا على عقب، اما السياسات التي تنشد التعديل تاركه علاقات القوة على حاله ، فأنها لا تكون سياسات استعمارية بقدر ما هي سياسات تعمل ضمن الاطار العام للوضع الدولي القائم وغالبا ما تكون هذه السياسات مرتبطة بالدول التي تلتزم الحياد او الدول الغير قادرة على مجارات علاقات القوة بين الاطراف الدوليين، على عكس السياسة الاولى التي تهدف على قلب الوضع القائم في النسق الدولي وهذا حال معظم الدول الفاعلة لا سيما القوى الصاعدة .
ب‌- كما لا يشترط ان تكون كل سياسة هدفها الحفاظ على امبراطورية قائمة في النظام الدولي تكون إمبريالية الطابع، فهذه السياسة تكون اقرب الى الدفاع عن معادلات القوة والاوضاع الاقليمية السائدة منها الى محاولة تغييرها .وهي بالتالي موجهة ضمن اطار الوضع الدولي القائم .
ويحدد “مورجانثو Morgenthau ” ثلاث وسائل تستخدمها الدول التي تنتهج سياسات التوسع الاستعماري في الوصول الى اهدافها وهي :
• الادوات العسكرية
• الادوات الاقتصادية
• الادوات الثقافية
• الادوات العسكرية :
ان طبيعة الدور الذي تقوم به القوة العسكرية والمهام الموكلة اليها والنتائج المترتبة على اي فعل تقوم به جعلها اكبر واضخم وسائل القوة بالنسبة للدولة، فالأدوات العسكرية هي اكثر هذه الادوات شيوعا ً ، وان الميزة الكبرى التي تكلفها اداة الغزو العسكري تنبع من حقيقية اساسية مؤداها ان العلاقات الجديدة للقوة لا تتبدل كقاعدة عامة الا نتيجة حرب جديدة تشنها الدولة او الوحدة الدولية المغلوبة بالرغم من ان الظروف تكون عادة ً ضدها . ومن ناحية ثانية فان استخدام الادوات العسكرية في الغزو يستجيب لحالة سيكولوجية اساسية ،وهي الارضاء النفسي للقائد الذي يمارس هذه الوسيلة بنجاح، وهو ما لا يمكن ان يتحقق بنفس الدرجة في ظل استخدام الادوات غير العسكرية . “فنابليون Napoleon” مثلا ً كان بإمكانه ان يفرض سيطرة بلاده على أوربا بقوة الافكار والمعتقدات التي جاءت بها الثورة الفرنسية اي بالأدوات الثقافية ، لكنه فضل استخدام الوسيلة العسكرية لإشباع الحاجة النفسية التي لا يحققها سوى زهو الانتصار وكبرياؤه.
بيد ان الدول الكبرى والمتقدمة كالولايات المتحدة الاميركية لا تقوم قراراتها على فكرة القائد ذات الشخصية التسلطية التي تؤكد السيطرة على المرؤوسين وتفرض ارادتها على الارادة السياسية ، فضلا عن عدم الاكتراث لمسالة تحقيق الذات الشخصية للقائد، لان الدول تبحث عن مصالحها الشاملة وفق استراتيجيات كبرى، لان عملية صنع القرار والسياسات العليا للدول التي تتربع النسق الدولي وتتفاعل فيما بينها ، فالقائد والمستشارين والمدراء يلعبون دورا رئيسيا في هذه العملية من ناحية، ولمساهمة القرارات المتخذة في تحقيق مهام القيادة ” السياسية والعسكرية والإدارية ” نحو إنجاز أهدافها المحددة من ناحية أخرى. ويشكل اتخاذ القرار المرحلة النهائية والحاسمة في عملية صنعه، إذ تمر هذه العملية بعده مراحل تنتهي باتخاذ القرار المناسب، كما أنها تخضع لتأثيرات عدة عوامل داخلية وخارجية وبدرجات مختلفة.
يعتبر القرار الاستراتيجي من أهم القرارات التي تقدم عليها الدولة لإنجاز الأهداف الرئيسية، وتشمل أكثر من إدارة في هيكلية صنع القرار، وتأخذ عدة جوانب مؤثرة ويشترك في اتخاذها القيادة العليا للدولة، ومن هذه الخطوات لصنع القرار للتوضيح : تقرير المشكلة، جمع المعلومات، الترتيب والتحليل، تحديد الوسائل، وضع قائمة بالبدائل، تقيم البدائل‘ القرار، التنفيذ، والمتابعة.

الادوات والوسائل الاقتصادية :
تعتبر الادوات الاقتصادية متراكمة مادية تتركز على اسس القوة الاقتصادية او الموارد الاقتصادية ، ولا يمكن اغفال القوة الاقتصادية في الوقت الراهن ، فبعد ان كانت السياسة تقود الاقتصاد ، اضحى الاقتصاد يقود ويحرك السياسات ، كما يشير الكثير من الباحثين على ان القوة الاقتصادية تمثل البنى التحتية لكل السياسات والمقومات للدولة وما فوقها يمثل البنى الفوقية .( )
ويعد المتغير الاقتصادي من العوامل المهمة في قوة الدولة ، ومن ثم التوازن الدولي لما لهذا العامل من تأثير على حياة الفرد والمؤسسات لا بل على الدول ذاتها ، والقوة الاقتصادية تعني نسبة عالية من الاكتفاء الذاتي ، بالإضافة الى قدرة الدولة على تقديم المساعدات المادية والمعنوية لأصدقائها عندما تدعو الحاجة لذلك ، وبالتالي فان معطى القوة الاقتصادية هو قابلية وقدرة الدولة على ادامة الاقتصاد قويا في السلم والحرب على حد سواء .( )

وكما يقول الدكتور “اسماعيل صبري” مقلد بالنسبة للأدوات الاقتصادية فأنها وان كانت تؤدي الى توسيع اطار السيطرة (الامبريالية Imperialism) بنفس الدرجة التي يوفرها استخدام الادوات العسكرية ، الا ان هذا لا يعني ان فاعليتها دائما محدودة ، اذ انه في احوال معينة قد تكون للسيطرة الاستعمارية بالأدوات الاقتصادية ابعد النتائج واعمق التأثيرات. والادوات الاقتصادية في الاستعمار اقل مخاطرة من الادوات العسكرية واقل استفزازاً منها كذلك لطبيعتها غير المباشرة مما يوفر لها فرصا اطول للاستمرار على عكس ما يحدث في ظل التدخل العسكري والغزو والاحتلال المباشر .( )
والادوات الاقتصادية المؤثرة في الوحدات الدولية تأخذ اشكال متعددة في ظل اقتصاد السوق منها حرية التجارة والاستثمار والاقراض والتمويل الدولي والمساعدات والاعانات ، ولعل ابرز الادوات الدولية التي تتحكم بالاقتصادي العالمي التي تمثل الركائز الرئيسة له وهي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية التي تعتبر مركز سيطرة الرأسمالية على الاطراف في العالم، وكما هو موضح في الرسم الاتي :

• الادوات والوسائل الثقافية :
اما الادوات الثقافية كما يقول “مورجانثو Morgenthau ” اخبث الادوات المستخدمة في فرض السيطرة الاستعمارية واكثرها ذكاءً ، لأنها تستدف العقول والتسلط عليها وغلسها وتغذيتها بما يتوافق والغاية او الوسيلة المرجوة لهدف تلك الوحدة في التفاعلات الدولية، واتخاذها نحو تبديل علاقات القوة القائمة بين الدول، وهي من الانماط التي تعتبر مكملة للأدوات والعسكرية والاقتصادية وهذا لا يلغي اهميته في ظل ثورة المعلومات والاتصالات وسهولة وصولة المعلومة لاسيما وان الأنترنيت ومعظم وسائل المعلومات تسيطر عليها الولايات المتحدة.( )
ويضيف ايضا بان العديد من الامبراطوريات الاستعمارية التي قامت في الماضي انهارت لا لشيء الا لأنها ارتكزت على الغزو العسكرية وحده ولم تحاول التغلغل بالثقافات والافكار والمعتقدات وعقول الشعوب التي خضعت لسيطرتها بالقوة وهو امر من المؤكد كان يقوي من دعائم السيطرة التوسعية ويطيل امدها. وتعتبر الادوات الثقافية من موارد (القوة الناعمة soft power) التي تشمل الى جانب الثقافية القيم السياسية والسياسة الخارجية (عندما يراه الاخرون مشروعة وذات سلطة معنوية اخلاقية )، وقد تدل هذه العبارات بانها اقرب الى المثالية باعتبار ان”مورجانثو Morgenthau” هو الاب الروحي للمدرسة الواقعية في السياسة الدولية الاميركية التي تبتعد كثيرا عن المثالية، بيد ان الولايات المتحدة الاميركية في مطلع العقد الثاني في القرن الحادي والعشرين كثير ما اعتمدت على (القوة الناعمة soft power) سواء اكان مع القوة الصاعدة او البلدان العالم الثالث لاسيما منطقة الشرق الاوسط لتحسين الصورة من جهة وكسب القلوب من جهة اخرى .( )
فعندما تحتوي ثقافة بلد على قيم عالمية ، وتروج سياسته قيما ومصالح تشاركه فيه شعوب الدول الاخرى وتطبق على ارض الواقع ، فان امكانية حصول النتائج المرغوبة للتغير يكون عبر العلاقة التي يخلقها من الجاذبية . ونجد ان الولايات المتحدة الاميركية في العالم المعولم تستفيد من نشر ثقافتها العالمية كنهج امبراطوري نحو الهيمنة للحفاظ على الوضع القائم للنظام الدولي الذي تتربع قمته تحت نمط الاحادية القطبية .( )
فعالم اليوم يتغير بمحركاته ونوابضه واداوته وقواه والفاعلين على مسرحه ، بينما نجد ان الافكار مازالت ثابته على الاتجاهين المرسل والمستقبل لها ، فالدول الصغيرة وان كانت تحمل هوية وافكار ثابته وواضحة المعالم الان الحراك الهائل للآليات الناعمة والتسارع الفائق جعل المفكرين في سباتهم العقلي في تلك البلدان من غير وجه امام الموجة الثالثة من المعلومات فثورة المعلومات القت بضلالها على الدول وشعوبها فلم يعد للحدود والفواصل الجغرافية قدسية تذكر امام الانكشاف الاستراتيجي الشامل عبر وسائل الاعلام والانترنيت وادواته العملاقة وتكنولوجيا الفضاء من الاقمار الصناعة والطائرات المسيرة وثورة الخلايا الرمادية للصناعة الدقيقة الالكترونية التي (تبث وتستلم) (Broadcast and receive) من اي مكان وتحت اي ظرف وفي اي وقت .( )

ثالثا :سياسات المكانة في المجتمع الدولي :
قبل الدخول في تحليل سياسات المكانة في المجتمع الدولي التي حددها “مورجانثو Morgenthau ” كاحد اهداف القوة ، ندخل في الجانب المفاهيمي للمكانة، ومن هنا يمكن فهم المكانة لغوياً بدلالة المنزلة التي يتحلى بها صاحب المكانة ، والمكانة جمعها مكانات وهي المنزلة ورفعة الشأن ، يقال مثلاً (أن فلان له مكانة عند قومه ) أي يتمتع بمنزلة متميزة عن بقية القوم .
أما في القرآن الكريم فقد ورد ذكر المكانة في قوله تعالى (( ولقد مكًنَهم فيما إن مَكَنكم فيه وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة )) ويقال مكنه الله في الشيء ، أي بمعنى إستمكن الرجل من الشيء ، والمكانة يراد بها أيضاً المنزلة عند الملك أو صاحب النفوذ.
أما في النظام الدولي فأن مكانة الوحدة السياسية في بنيان النسق الدولي يحدد إلى حد بعيد سلوكها تجاه الوحدات الأخرى ، فالنسق الدولي يتسم بالترتيب التدريجي للوحدات السياسية ويتحدد ترتيب كل دولة في هذا النسق طبقاً لمجموعة من المؤشرات التي بمقتضاها تنقسم الدول إلى وحدات عليا ووحدات دنيا ، فإذا تصورنا أن المؤشرات التي تحدد مكانة الدولة في النسق الدولي هي : – القوة العسكرية ومستوى التصنيع والمستوى التعليمي والأصالة الحضارية ومستوى الدخل الفردي فأنه من المتصور أن تتمتع وحدة معينة بمكانة عالية بالنسبة للمؤشرات المذكورة وان تتمتع وحدة أخرى بمكانة دنيا بالنسبة لتلك المؤشرات.
وكما يلاحظ أيضاً إن المكانة ترتبط وتقترن بالقوة والهيبة ولاسيما إن القوة تنضج من خلال الحيوية الاقتصادية والنفوذ السياسي والقوة العسكرية ، وبما أن القوة قيمة نسبية فأن الدول تجري تقييماً على وضع قوتها الذاتية بمقارنته مع الوضع في الحكومات الأخرى وتستخدم القوة لتوسيع أهداف السياسة الدولية الأخرى وتحقيق الكفاية الاقتصادية ، بينما يراد بالهيبة الدولية الاحترام الذي يمنحه المجتمع الدولي للدول وترتكز على تصورات للقوة أو المنافسة أو على السمعة في احترام الاتفاقات الدولية.
وسياسات المكانة هي السياسة التي تهدف الى تعزيز مكانة الدولة في المجتمع الدولي واضفاء نوع من الهيبة عليها مما يسهل عليها تحقيق اهدافها سواء التي تمثلت في الحفاظ على الوضع الدولي القائم او التسلط .، ويشير الدكتور اسماعيل صبري مقلد بان :( الهدف من تطبيق سياسات المكانة هو التأثير على الدول الاخرى ، بالقوة التي تملكها الدولة بصورة فعليه ، او بالقوة التي تعتقد او تريد الاخرين ان يعتقدوا انها تملكها ) وان تنفيذ سياسات المكانة يكون على نوعين من الادوات الدبلوماسية والادوات العسكرية بمعنى القوة الناعمة والصلبة او الذكية التي تجمع بين القوتين كما اشرنا في متن البحث .
وتعتمد مكانة كل الدول على المقومات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والسياسية وكل مقوم يتفاوت مع الاخر، فضلا عن اختلاف مقوم بعينه في دولة ما عن مقوم دولة اخرى صعودا ونزولا، فضلا عن ذلك فان هناك دول تمتلك نفس مقومات القوة الا اننا نجد احدها اكثر فاعلية وتأثير، وهذا يعود الي قدرة الدولة في استثمار وتوظيف قوتها وبالتالي تأثيرها بفاعليه على الوحدات الاخرى اكثر من مثيلتها .
وللتوضيح نجد ان الولايات المتحدة الاميركية هي الاولى في المجال الاقتصادي من حيث ناتجها الاجمالي القومي الذي بلغ حسب تقديرات 2010 بنحو 14 ترليون دولار بينما الاتحاد الاوربي 6806 بليون وروسيا الاتحادية 2.376 ترليون دولار حسب تقديرات 2011 والصين 2 ترليون دولار حسب احصائية 2006، وفي لغة الارقام نلاحظ ان الولايات المتحدة الاميركية متفوقة على معظم الدول مجتمعه على الرغم من كون التحدي الاكبر للمكانة الاميركية هو التحدي الاقتصادي ، فالولايات المتحدة تسعى جاهدة مسخرة ادواتها الرأسمالية الدولية الصندوق والبنك ومنظمة التجارة العالمية لوضع الدول تحت اطار الاقتصاد العالمي الرأسمالي وعدم الخروج عليه الذي تتربعه وفق الارقام البيانية .
واذا ما تم مقارنة القوة العسكرية الاميركية فالولايات المتحدة فضلا عن امتلاكها جيش تقليدي قوامه (1.483.800) مليون جندي، فهي من الناحية النووية تعد الدولة الأولى في العالم سواء على مستوى الكم من الأسلحة أم على مستوى ما تتمتع به أسلحتها النووية من نوعية متطورة بفعل التقنية العالية المستخدمة فيها، إذ تحتفظ بأكبر عدد من الرؤوس النووية التي وصل عددها إلى حوالي 10 ألاف رأس نووي. كما تمتلك الولايات المتحدة اكبر عدد من الغواصات النووية في العالم تصل إلى 500 غواصة نووية فضلا عن امتلاكها لأكثر من 500 قاذفة استراتيجية بعيدة المدى ، اما الميزانية العسكرية للولايات المتحدة التي كانت قد بلغت 5%- 6% من إجمالي ناتجها القومي أن ميزانية وزارة الدفاع البنتاغون تساوي الميزانيات العسكرية المجتمعة للدول الـ ( 12 ) او الـ( 15 ) التي تلي الولايات المتحدة ” بعبارة أخرى، ان أنفاق الولايات المتحدة العسكري يشكل( 40 ــ 50%) من الأنفاق الدفاعي في دول العالم كافة . فالدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي مجتمعة، تنفق على الدفاع نحو (170) بليون دولار سنويا، ولكن الولايات المتحدة تنفق أكثر مـــن( 400) بليون دولار بالسنة.
واما في مجال التكنولوجيا يمكن إدراك حقيقة مهمة وهي تمتع الولايات المتحدة بموقع الصدارة العالمية في امتلاك القدرات التقنية، إذ انها تُعد الدولة الأسرع في مجالي الابتكار واستغلال التقنيات التكنولوجية الحديثة، وتمتلك نظاما للعلوم والتكنولوجيا والبحوث لا يضاهيه أي نظام أخر في العالم، ويقدر ما تخصصه الولايات المتحدة سنوياً للبحوث العلمية والتطور التقني مجموع ما تنفقه الدول الصناعية السبع التي تليها في الثروة. لاسيما وإنها تُنفق ما يزيد على (290) مليار دولار، هكذا فهي تمثل 40% من النفقات العالمية للبحث والتطوير ولها 50% من البراءات المودعة في العالم، وأن30% من المنشورات العلمية العالمية، أمريكية وأكثر من نصف الأقمار الصناعية، هي أمريكية(، وان 90% من الذين فازو بجائزة نوبل في الكيمياء و العلوم والاقتصاد، هم أمريكان.
ففي مجال المنتجات ذات التكنولوجيا العالية فقد احتلت الولايات المتحدة الأمريكية المركز الأول في أنتاج الالكترونيات بنسبة 40% مقابل 27% لليابان ، أما ما يخص أنتاج البرامج وتطويرها فتعد الولايات المتحدة اكبر منتج للبرمجيات للعالم إذ يتجاوز أنتاجها إلى 45% من حجم الإنتاج العالمي ، تليها الاتحاد الأوربي بنسبة 23% واليابان والهند بنسبة 18% .
إما على صعيد التكنولوجيا العسكرية فهي تمتلك مجمعا صناعيا ضخما ، إذ يعمل فيه أكثر من 30% من المهندسين في المجال التكنولوجي والمعلوماتي ، فهم يعملون على التطوير وإدخال التقنيات الالكتروني في المجال العسكري ليظهر لدينا ما يسمى بالأسلحة الذكية والأسلحة ذات التحكم من بعد والطائرات بدون طيار ، وهو ما جعلها أفضل من ناحية تقليل الخسائر البشرية من ناحية والدقة في إصابة الهدف فضلا عن القوة التدميرية إلى جانب تقليل نسبة الأنفاق.( )
كل هذه الارقام تعطي فكرة وواقع حتمي بان المكانة تعتمد على المقومات وان الولايات المتحدة الاميركية رغم الازمات الاقتصادية والتوسع المستمر بالقواعد والتدخلات الى جانب تحديات القوة الصاعدة المتمثلة بالصين والاتحاد الاوربي واليابان وروسيا الاتحادية وحتى (الهند والبرازيل ) في الاجل المتوسط فأنها ما زالت تتمتع بمكانة سياسية ونفوذ كبير في النسق الدولي وهي تحاول الحفاظ على الوضع القائم من خلال ادوات سياسات المكانة الناعمة والخشنة والذكية.

المصادر
1. احمد ثابت ، مكانة الولايات المتحدة الأمريكية في النظام العالمي : دور القوة والتوازن الدولي الجديد، مجلة السياسة الدولية، القاهرة، العدد(171)،يناير 2008.
2. احمد نوري النعيمي ، السياسة الخارجية ،الدار الجامعية للطباعة والنشر والترجمة، جامعة بغداد ، كلية العلوم السياسية ، 2009.
3. اسماعيل صبري مقلد ، نظريات السياسة الدولية دراسة تحليلية مقارنة ، منشورات ذات السلاسل ، الكويت ، 1987.
4. بشير عبد الفتاح ،تجديد الهيمنة الاميركية ، اوراق الجزيرة ،مركز الجزيرة للدراسات ، العدد 18 ، ط1، 2010
5. بول سالم ، الولايات المتحدة والعولمة : معالم الهيمنة في مطلع القرن الحادي والعشرين ، كتاب العرب والعولمة ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1998.
6. بيير هاسنر وجوستان فاييس، واشنطن والعالم، معضلة القوى العظمى ، ترجمة: قاسم مقداد، قضايا راهنة (13)،الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق ، 2008.
7. جماعة من كبار اللغويين العرب ، المعجم العربي الأساسي ( لاروس ) ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1989.
8. جوزيف س ناي ، القوة الناعمة ، وسيلة للنجاح في السياسة الدولية ، ترجمة :محمد توفيق البجيرمي ،مطبعة العبيكان ، ط1 ، المملكة العربية السعودية، 2007.
9. جوزيف س ناي ، القوة الناعمة ، وسيلة للنجاح في السياسة الدولية ، ترجمة :محمد توفيق البجيرمي ،مطبعة العبيكان ، ط1 ، المملكة العربية السعودية، 2003.ش
10. خليل حسين ، النظام العالمي الجديد والمتغيرات الدولية ، دار المنهل اللبناني ، ط1 ،لبنان، 2009.
11. ديفيد جومبرت، الحرية والقوة في عصر المعلومات، في: الدور المتغير للمعلومات في الحرب، مجلة دراسات عالمية، مركز الأمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، ابو ظبي، العدد(53)، 2004 .
12. روبرت كانتور ، السياسة الدولية المعاصرة ، ترجمة : أحمد ظاهر ، مركز الكتاب الأردني، 1998.
13. زايد عبيد الله مصباح ، السياسة الدولية بين النظرية والممارسة ، دار الرواد ، طرابلس ، ليبيا ، ط1 ، 2002
14. زبيغبنو بريجنسكي ، الاختيار السيطرة على العالم ام قيادة العالم، ترجمة: عمر الايوبي ، دار الكتاب العربي ، بيروت – لبنان،2004
15. سليم كاطع علي ،مقومات القوة الامركية واثرها على النظام الدولي ، مجلة دراسات دولية ، العدد 42، ، تشرين الاول 2009.
16. عامر هاشم عواد ، التحول في العلاقات الروسية الاميركية ، المجلة العربية للعلوم السياسية ، الجمعية العربية للعلوم السياسية بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية ، العدد 26 ، ربيع 2010 .
17. علي حرب المصالح والمصائر ، صناعة الحياة المشتركة ، الدرار العربية للعلوم ناشرون ، منشورات الاختلاف ، بيروت ط1، 2010.
18. الكسندر دوغين، اسس الجيوبولتيكا، مستقبل روسيا الجيوبولتيكي، ترجمة: عماد حاتم ، دار الكتاب الجديد المتحدة ،ط1، طرابلس – ليبيا، 2004.
19. ليليا شيفتسوفا، روسيا بوتين ، ترجمة : بسام شيحا ، الدار العربية للعلوم ، ط1 ، بيروت – لبنان ، 2006.
20. محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي ، مختار الصحاح ، دار الرسالة ، الكويت ، 1987
21. محمد وائل القيسي، مكانة العراق في الاستراتيجية الأمريكية تجاه الخليج العربي”دراسة مستقبلية”،رسالة ماجستير”غير منشورة” كلية العلوم السياسية ،جامعة النهرين ، 2010.
22. موسوعة الويكيبيديا، على شبكة المعلومات الدولية الأنترنيت: http://ar.wikipedia.org/wiki
23. نورهان الشيخ, السياسة الروسية وحدود الدور في الشرق الأوسط, مجلة دراسات شرق أوسطية, ربيع 2007, السنة:11, العدد:39, ص:125-126، انظر ايضا : حرب القوقاز بداية أم نهاية, على شبكة المعلومات الدولية الانترنيت: http://www.arabrenewal.org/articles/187 … OYIE1.html
24. هيرفريد مونكر، الامبراطوريات ، منطق الهيمنة العالمية من روما القديمة الى الولايات المتحدة الامريكية ، ترجمة: عدنان عباس علي ، دراسات مترجمة العدد ( 28) ، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ابو ظبي – الامارات العربية المتحدة ، 2008.
25. يامن خالد يسوف ، واقع التوازن الدولي بعد الحرب الباردة واحتمالاته المستقبلية، وزارة الثقافة ، الهيئة العامة السورية للكتاب ، 2010.
26. Ross. Joel. E.1970. ” Management By Information System”, N. Jersey, Englewood: Gliffs, Printice- Hall, Inc.