أ.د. أحمد محمد وهبان

الناتو يتبنى ثالث مراجعة في استراتيجيته منذ تأسيسه

كاتب الموضوع الأصلي: مصعب البريكان(6)

«المفهوم الاستراتيجي» الجديد يحدد 3 أهداف رئيسية ولا يشير لنزاع الشرق الأوسط
لشبونة: «الشرق الأوسط21-11-2010
»
يدخل حلف شمال الأطلسي مرحلة جديدة مع تبنيه وثيقة «المفهوم الاستراتيجي» خلال قمته التي اختتمت أعمالها أمس. وعبر 11 صفحة، يعيد الحلف التأكيد على مبادئه الأساسية مع التشديد على قضايا جديدة مثل مكافحة الإرهاب والاتفاق على إقامة درع صاروخية ومواجهة تهديد الفضاء الإلكتروني.
وتشكل الوثيقة التي تمت المصادقة عليها أول من أمس ثالث مراجعة لاستراتيجية الناتو منذ قيامه. وكانت المراجعة الأولى تمت عقب انتهاء الحرب الباردة في قمة روما عام 1991، وبعدها في قمة واشنطن عام 1999. إلا أن المراجعة الثالثة التي نشرت في قمة لشبونة تعتبر الأكثر شمولية وتعتمد على مشاورات عدة أجراها أمين عام الناتو بين يوليو (تموز) 2009 ومايو (أيار) 2010. وفيما يلي أبرز النقاط في الوثيقة التي ستحدد مستقبل الحلف:
– المفهوم الاستراتيجي يبدأ بفقرة تؤكد الهدف من الحلف: «حماية حرية وأمن كل أعضائه من خلال أساليب سياسية وعسكرية». – يحدد المفهوم الاستراتيجي 3 أهداف أساسية: الدفاع والوقاية المشتركة، إدارة الأزمات، ودعم الأمن والاستقرار الدوليين. وبناء على هذه البنود الثلاثة تقسم الوثيقة. – تؤكد الوثيقة على شراكات الحلف، التي تشمل «حوار المتوسط»، أي مع الدول المطلة على البحر المتوسط و«دول مبادرة إسطنبول للتعاون» وهي دول الخليج. وبموجب الاستراتيجية الجديدة، يتعين على الحلف فتح قنوات لدول أخرى في المنطقة من أجل بناء شراكات أوسع. وأفادت مصادر من «الناتو» أن ذلك يشمل توسيع أطر التعاون بناء على التشاور مع الدول المعنية. وكلف قادة دول الناتو السفراء في مقر الحلف لبحث طبيعة هذا التوسيع خلال العام المقبل. – لم يشر المفهوم الاستراتيجي إلى نزاع الشرق الأوسط تحديدا أو إيران أو العراق، مختصرا الإشارة إلى المنطقة فقط في إطار الشراكات القائمة مع دول حوار المتوسط ودول مبادرة إسطنبول للتعاون وتعميقها.
– تنص الوثيقة على أهمية توثيق العمل مع المنظمات الدولية مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، بالإضافة إلى مزيد من التشاور مع الدول الشريكة في عملياتها العسكرية.
– تعميق العلاقات مع روسيا من أولويات الترتيب الاستراتيجي للحلف، بناء على «شراكة استراتيجية حقيقية».
– تحدد الوثيقة «الصواريخ الباليستية» كتهديد حقيقي لأراضي دول الناتو، بالإضافة إلى خطر انتشار الأسلحة النووية. وتحدد الوثيقة الإرهاب و«عدم الاستقرار والنزاعات» وهجمات «الفضاء الإلكتروني» والتغييرات المناخية والكوارث الطبيعية كتحديات يتعين على الحلف مواجهتها. – تؤكد الاستراتيجية على سياسة الردع، بالإضافة إلى الدفاع لحماية شعوبها، ويشمل الردع الأسلحة النووية والتقليدية. – وضع «المفهوم الاستراتيجي» نظام الدرع الصاروخية في قلب سياسات الردع، إذ تعهد بـ«تطوير القدرة على حماية شعوبنا وأراضينا ضد هجمات من صواريخ باليستية كجزء أساسي من دفاعنا المشترك»، بالإضافة إلى الإعلان عن نية التعاون مع دول أخرى مثل روسيا لتطبيقه.
– استنادا إلى تجربة الناتو في البلقان وأفغانستان، يشدد المفهوم الجديد على «سياسة شاملة» لإدارة الأزمات، بما فيها «أسلوب سياسي ومدني وعسكري» شامل لمعالجة الأزمات. – سيشكل الناتو «قدرة مدنية مناسبة ولكن صغيرة في مجال إدارة الأزمات» للتعاون مع منظمات مدنية مثل الأمم المتحدة.
– تشدد الوثيقة على بناء قدرات الناتو لتدريب قوات محلية في دول ثالثة، في إشارة لتجربته في التدريب في العراق وأفغانستان.
– استراتيجية الناتو للتوسع في أوروبا ما زلت قائمة والوثيقة تبقي سياسة «الباب المفتوح» لمن يريد السعي للانضمام إلى الحلف ويستوفي متطلبات الانضمام.
– خصص الجزء الأخير من الوثيقة للتشديد على أهمية موارد الناتو واستخدامها بأكثر الطرق كفاءة والتي قد تشمل تعاونا مشتركا بين دول مختلفة في جمع الموارد. وعلى الرغم من أن الحلف تقليديا لم يشرف على تطوير قدرات عسكرية مشتركة، إذ أن كل دولة لديها سيادة في وضع خططها ومشاريعها العسكرية، إلا أن تقليص الإنفاق العسكري لدى نحو نصف أعضاء الحلف جعل المفهوم الجديد يقترح تطوير قدرات مشتركة

أوروبا يقودها سياسي مرن لا يحب الظهور

كاتب الموضوع الأصلي: مصعب البريكان(6)

أوروبا يقودها سياسي مرن لا يحب الظهور
فان رومبوي.. مسيحي يؤمن بالعدالة الاجتماعية ومناور يحب إعطاء المساحة للآخرين
الاثنيـن 03 ذو القعـدة 1431 هـ 11 اكتوبر 2010 العدد 11640
عندما ألغيت زيارته للأمم المتحدة بشكل مفاجئ الشهر الماضي، توجه رئيس الاتحاد الأوروبي الجديد، هيرمان فان رومبوي، إلى مكان يقول إنه يشعر فيه بأنه في بيته: دير أفليغم، الموجود في إحدى المناطق الريفية ببروكسل، وكان قد تأسس عام 1062. أمضى فان رومبوي اليوم في غرفة بسيطة، وحضر الصلوات وتناول الطعام في قاعة واسعة يستمع فيها الرهبان إلى قراءات من مكتبة تحوي 70 ألف كتاب.
أصبح فان رومبوي، 62 عاما، فجأة رجلا بارزا يرأس مجلسا يضم قادة 27 حكومة أوروبية ويشكل العمود الفقري الحقيقي للاتحاد الأوروبي، وهي مهمة تتطلب دقة وقدرة على المناورة وإقناع الجميع، الدول الكبيرة والصغيرة وشخصيات سريعة الغضب مثل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وشخصيات أكثر تماسكا مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وكل منهما معجب بذاته وآرائه، من أجل الوصل إلى اتفاق على جداول الأعمال والسياسات.
وقد حاز فان رومبوي على إعجاب الكثيرين لحسن تعامله مع القادة الأوروبيين خلال الأزمة الكبيرة التي واجهت أوروبا هذا العام بسبب الديون اليونانية وانهيار اليورو. وقال فان رومبوي، في مقابلة أجريت في مكتبه هنا: «إذا انهارت منطقة اليورو، فإن ذلك كان سيصبح بمثابة النهاية للاتحاد الأوروبي».
ويبدو أن فان رومبوي، الذي ينتمي لطائفة الروم الكاثوليك، دائما في صراع ضد التكبر، بأسلوبه ولباسه (يحب اللون البني) وبعده عن التكلف، لكنه يخسر، في بعض الأحيان، هذه المعركة؛ فهو رجل مقتنع أن التواضع والعمل بعيدا عن الأضواء، والذي يقوم من خلاله بقيادة أوروبا وتوسيع نفوذه، هما الوسيلة الوحيدة الممكنة لتحقيق ذلك.
وعندما سئل ما إذا كان يعتبر نفسه «موجها» لرؤساء حكومة الاتحاد الأوروبي، ظهر عليه الغضب، وقال إنه يوصف بـ«الفأر الرمادي»، ووصفه أحد أعضاء البرلمان البريطاني بأنه يفتقد الكاريزما، وقد علق على ذلك قائلا: «كل حياتي المهنية كانت بهذه الصورة، لكن هناك بعض الذين يعرفون عني أكثر ولهم آراء أخرى». ويضيف، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة: «أنا قديس في بلجيكا هذه الأيام!». وقال فان رومبوي: إن الذين كانوا يريدون شخصية كاريزمية بارزة لتتكلم باسم أوروبا، وقد ترشح توني بلير بشكل علني لهذا المنصب، ارتكبوا خطأ جسيما. وأضاف: «أن تحاول أن تكون الرجل الأول في أوروبا ولا يوجد أحد حولك فإن ذلك سيمثل كارثة حقيقية. إذا كنت تريد أن تكون رئيسا بارزا لأوروبا، فهذا يعني أنك ستدخل في صراعات مباشرة مع المؤسسات الأوروبية والدول الأعضاء الأخرى. هناك فروق دقيقة، بطبيعة الحال، اعتمادا على شخصيتك، ولكن لا توجد إلا طريقة واحدة للقيام بذلك: مزيج من القيادة وإعطاء المساحة للآخرين ليقوم كل منهم بدوره. أسمي نفسي وسيطا؛ لأنه لا يمكنك أن تقود أوروبا ضد رغبات ومواقف الدول الأعضاء».
يمثل فان رومبوي، وهو خبير اقتصادي ورئيس وزراء سابق ينتمي إلى يمين الوسط في بلجيكا، صورة مختلفة للسياسيين الحاليين، صورة بعيدة كل البعد عن صورة توني بلير ونيكولا ساركوزي. وهو متزوج من عالمة أحياء منذ 33 عاما ولديه أربعة أطفال واثنان من الأحفاد.
وفان رومبوي متواضع، يحب قراءة الكتب ويقرض الشعر، يناور قليلا ويبدو سعيدا بالحديث حول كيف فقد إيمانه بالله في الثانية عشرة من عمره، عندما كان يستعد للانضمام إلى طائفة، ثم استعاد إيمانه فجأة في منتصف العشرينات من عمره. وقال: «لقد وقعت في الحب، وهي قصة حب مستمرة معي لمدى الحياة. دائما أسأل نفسي عما حدث. لكن الإيمان ليس مسألة حجج عقلانية».
وهو ديمقراطي مسيحي أوروبي تقليدي، يبعد الدين دائما عن السياسة، لكنه يؤمن بالأخلاق والعدالة الاجتماعية. وكما يعترف؛ فقد كان جمهوريا متحمسا عندما كان مراهقا، يرغب في التخلص من النظام الملكي في بلجيكا، لكن كانت له علاقة قوية بالملك بودوان الأول والآن له علاقة مع الملك ألبرت الثاني: «لذلك تركت أفكاري الجمهورية منذ فترة طويلة». والأمر الأكثر إثارة هو أن فان رومبوي يصر على أنه لم يكن يسعى وراء معظم الوظائف العليا التي تقلدها، ويرى أن ارتقاءه لهذه المناصب العليا جاء نتيجة لسلسلة من الأحداث السياسية المؤسفة والحتمية. فعندما تم الضغط عليه ليتولى رئاسة المجلس الأوروبي، كان فان رومبوي رئيسا لوزراء بلجيكا منذ ما يقل عن عام، ولم يكن معروفا تقريبا خارج بلجيكا. لكن منذ خروجه من منصب رئيس الوزراء، بدأت بلجيكا تنتقل من أزمة إلى أخرى، ولا تزال من دون حكومة مستقرة. وقد حاز إعجاب الكثيرين بسبب طريقة تعامله مع أزمة اليورو، وإدارته للخلافات العميقة بين فرنسا وألمانيا وقدرته على بسط نفوذه بطريقة هددت، أحيانا، المفوضية الأوروبية ورئيسها خوسيه مانويل باروسو.
وقد برز فان رومبوي لأنه يبدو أن لديه استراتيجية متواضعة، لكن متماسكة، لإدارة الاتحاد الأوروبي. ويقول إنه من دون تنشيط اقتصادها، لن تكون أوروبا قادرة على تحمل تكلفة نمط الحياة فيها، ويتعين على قادة الحكومات الأوروبية تحمل المسؤولية الجماعية لصالح اقتصاد دول الاتحاد ككل، وليس اقتصاد بلدانهم فقط. وقد لعب فان رومبوي دورا مهما في الجهود الرامية إلى تشديد القواعد الحاكمة لدول اليورو؛ بحيث تتم مراقبة الاقتصادات الوطنية بصورة أكثر إحكاما وفرض عقوبات على الدول غير الملتزمة.
وقال تشارلز غرانت، مدير مركز الإصلاح الأوروبي، وهو معهد أبحاث: «إن نهجه العام قائم على التحليل العقلاني الراسخ، وهو نهج متواضع في النظر إلى ما يمكنه القيام به. لقد حلل وحدد أين تقف أوروبا وأين تريد أن تذهب. وعلى الرغم من أنه لا يحصل دائما على ما يريد، فإنه يحظى باحترام الكثير من رؤساء الحكومات». ويقول لويس توباك، وهو خصم سياسي سابق وعضو في حكومة ائتلافية ضمت فان رومبوي: «إنني أحترم مهاراته، الكثيرون لا يعطونه قدره. ويتعين على المرء أن يكون حذرا للغاية دائما في التعامل معه؛ لأنه يفهم الأمور بصورة أسرع وأفضل».
وقد أمضى فان رومبوي، الذي ولد في بروكسل عام 1947، بعض الوقت في الكونغو عندما كان والده يدرس هناك. ويضيف فان رومبوي، الذي كان يقرأ الصحف في سن العاشرة: «لقد ولدت في السياسة». وكان فيه شيء مناقض لكونه طفلا. كان فان رومبوي جمهوريا في بلد لا يزال يتمتع النظام الملكي فيه بشعبية و«قد عبر عن رغبته في أن يصبح أول رئيس لبلجيكا».
كان له دور ناجح وهادئ في السياسة البلجيكية؛ حيث ترأس حزبا وأصبح نائب رئيس الوزراء ووزيرا للميزانية. وفي 1994 اقترب من رئاسة الوزراء، لكن عندما وقع تآمر ضدها، اعتذر وقال: «لا أشعر أنني مستعد لهذا المنصب».
وينظر إلى الفترة التي تولى فيها فان رومبوي منصب رئيس الوزراء على أنها كانت تسوية فعالة بشأن المشكلات بين الولونيين والفلمنكية حول الحقوق اللغوية والفيدرالية. وقال فان رومبوي: «كانت لدي مهمة هامة جدا في بلجيكا. شعرت أنني الوحيد القادر على إيجاد حل.
* خدمة «نيويورك تايمز» هناك لحظات تكون فيها غير قابل للاستبدال وفي لحظات أخرى يمكن أن تموت ويعين آخر مكانك بسهولة في اليوم التالي».
لكن فان رومبوي تولى منصب رئيس الاتحاد الأوروبي على أي حال. وعلق على ذلك قائلا: «كان العرض الوحيد الذي لم أستطع رفضه هو العرض المقدم من 26 بلدا آخر». وبعد أربعة أشهر، سقطت الحكومة البلجيكية وتعرض حزبه لأزمة. وعندما سئل ما إذا كان يشعر بالذنب لتخليه عن بلجيكا، رد قائلا: «أشعر بالأسف، وليس الذنب».
ويصف توباك فان رومبوي بأنه «شخصية واقعية، شخص لا يحب الظهور، وهذا هو السبب الرئيسي الذي جعله يصل إلى هذا المنصب. ولكن بمجرد أن يصل إلى هذا المكان يبدأ في توسيع منطقة نفوذه، وهذا ما يفعله الآن».

بعد 15 عاما.. البوسنة لا تزال تبحث عن سلم دائم

كاتب الموضوع الأصلي: مصعب البريكان(6)

الاربعـاء 18 ذو الحجـة 1431 هـ 24 نوفمبر 2010
بعد 15 عاما.. البوسنة لا تزال تبحث عن سلم دائم
ذكرى اتفاقيات وقف الحرب تمر وسط انقسامات وقضايا عالقة كثيرة

سراييفو: عبد الباقي خليفة الشرق الاوسط
احتفلت البوسنة، أمس، بالذكرى السنوية الـ15 لتوقيع اتفاقية دايتون التي أنهت الحرب فيها (1992 – 1995)، لكن سكانها من الطوائف المختلفة لا يزالون ينشدون السلم الدائم ويبحثون عن سبل إنشاء دولة طبيعية يمكنها دخول النادي الأوروبي.
ويعتبر صرب البوسنة (33 في المائة) اتفاقية دايتون بمثابة دستور أبدي للبلاد، ويحتفلون بذكراها كل عام، لأنها اعترفت بكيان لهم داخل البوسنة لأول مرة في التاريخ. بينما يرى المسلمون البوشناق (51 في المائة) أن اتفاقية دايتون كانت اتفاقية مؤقتة، ويرى الصرب في اتفاقية دايتون، اعترافا دوليا بكيانهم (جمهورية صربسكا)، أحد كياني البوسنة كما تنص على ذلك اتفاقية دايتون للسلام، التي تحتل 49 في المائة من مساحة دولة البوسنة، بينما يقع الكيان الثاني، وهو الفيدرالية البوسنية، على مساحة 51 في المائة، ويضم الكيانان إثنيات مختلفة، تشارك في السلطة، وإن كانت أغلبية سكان كيان جمهورية صربسكا، من الصرب، وكيان الفيدرالية من المسلمين. وهذا يثير كروات البوسنة (16 في المائة)، الذين لا يزالون يطالبون بكيان خاص بهم يمثلون فيه الأغلبية، على غرار جمهورية «صربسكا» والفيدرالية.
وقال الخبير في الشؤون السياسية البوسنية، فاطمير علي سباهيتش، لـ«الشرق الأوسط»: «مرت 15 عاما على اتفاقية دايتون، والكثير من المسائل لا تزال عالقة، منها عودة المهجرين، التي تنص عليها المادة السابعة من اتفاقية دايتون، لم يتم تطبيقها، وهناك من يريد أن يستغل عدم عودة المهجرين لإجراء إحصاء سكاني في أبريل (نيسان) المقبل، أي في جمهورية صربسكا، لتحقيق مكاسب سياسية، هي نتيجة لحرب الإبادة، التي يعد الاعتراف بها جريمة أخرى»، وتابع: «هناك قضايا ممتلكات الدولة، التي لم تُحل حتى الآن، والتي يريد الصرب أن يقسموها بين الكيانين ليصبح تقسيم البوسنة واقعا معاشا، وهو ما حدث بين صربيا والجبل الأسود قبل الانفصال سنة 2006».
وأردف: «هناك أيضا قضية التصويت داخل البرلمان، وآلية اتخاذ القرار في مجلس الرئاسة، فهناك من يدعو لاعتماد مبدأ الأغلبية، وهناك من يريد أن يبقى الوضع كما هو عليه، أي حق الفيتو لأي طرف من الأطراف لا يعجبه أي مشروع قرار. هذه القضايا وغيرها لا تزال عالقة على الرغم من مرور 15 عاما على توقيع اتفاقية دايتون للسلام».
لقد فشلت حتى الآن جميع محاولات تغيير الدستور في البوسنة، بسبب اختلاف الآراء، وهو ما عكسه تقرير المبعوث الدولي في مجلس الأمن الدولي الذي جدد يوم 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، مهمة قوات حفظ السلام الأوروبية في البوسنة (يوفور)، لمدة عام آخر. وقال المبعوث الدولي إلى البوسنة، فلانتينو انزكو: «بعد 15 عاما من توقيع اتفاقية دايتون، نجد أن الاستعداد للحوار والاتفاق بين الأطراف المختلفة غير مرض»، وأن «السنوات الأربع الماضية شهدت حالة من الجمود السياسي والركود في تنفيذ الإصلاحات الرئيسية، تعكس واقع التقوقع القومي لبعض الأطراف داخل البلاد، مما يعرقل التعاون والتوافق».
وكان مجلس الأمن قد جدد يوم الجمعة الماضي في بيانه بهذا الخصوص، عزمه التعاون مع جميع الأطراف المعنية بتطبيق اتفاقية دايتون، للمساعدة في تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة. وحول ذلك يرى الكاتب ماتي أيانوفيتش أن الاقتراحات لم تعد كافية، ويقول: «يبدو أن المجتمع الدولي، لا يريد أن يفرض حلا، وإنما يريد من مختلف الأطراف البوسنية أن يتوصلوا إلى حل، ولكن بعد مرور 15 سنة، لم يحدث حصول تفاهمات داخلية، فكل طرف يصر على موقفه، وعلى مطالبه، وإذا استمر المجتمع الدولي على هذا الحال، فإن الأخطار ستتفاقم أكثر»، وحذر من عودة البوسنة «إلى ما قبل اندلاع الحرب، وليس إلى اتفاقية دايتون فحسب».
وحول الموقف الدولي من الإصلاحات، والتطورات الناجمة عن سياسات كل من بروكسل وواشنطن في البوسنة، قال المعلق السياسي، ميروسلاف بيريتش: «هناك جزرة وليست هناك عصا، فالبعض يشعر بالدلال السياسي حتى وهو يستقبل العطايا الأوروبية والأميركية، وربما شعر نحوها بالمقت». ويشير إلى أن تأخر الاتحاد الأوروبي في إعفاء مواطني البوسنة والهرسك من تأشيرة الدخول الأوروبية مقارنة بدول المنطقة الأخرى، أعطى انطباعا لبعض الأطراف البوسنية أنهم يستطيعون فعل ما يشاءون في رفع سقف مطالبهم، مثل الرغبة في الانفصال أو المطالبة بكيان خاص.
وكان الاتحاد الأوروبي قرر في 8 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي رفع قيود التأشيرة عن البوسنيين، على أن يبدأ سريان ذلك في 19 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، بينما كانت هذه الخطوة قد اتخذت بحق مواطني صربيا والجبل الأسود ومقدونيا، العام الماضي. وقال بيريتش: «من شأن قرار إلغاء التأشيرة الذي اتخذ في 8 نوفمبر الحالي، أن يخفف من الأطماع، لكنه كمسكنات لتخفيف الألم، لا تزيل الأورام الخبيثة».
وكان مفوض شؤون توسيع الاتحاد الأوروبي ستفان فيلي دعا البوسنيين إلى ضرورة الإسراع بالإصلاحات الدستورية لإدماج بلادهم في الاتحاد الأوروبي، ورفض إغلاق مكتب المبعوث الدولي فلانتينو انزكو، ما لم تتوفر شروط ذلك. وبالفعل تم التمديد له عاما آخر، كما مدد مجلس الأمن مهمة القوات الأوروبية الدولية عاما آخر. وفي 16 يونيو (حزيران) الماضي، وقعت البوسنة اتفاقية الاستقرار والشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وستتقدم بملف ترشحها للاتحاد الأوروبي العام المقبل.
ويعلق بيريتش على هذه التطورات بقوله: «كل ذلك جميل وخطوات إلى الأمام، ولكنها غير كافية لإحداث نقلة نوعية في البوسنة. لا بد من مشروع دولي متكامل يساعد السياسيين المحليين للخروج من مأزق الأسقف المرفوعة والمعلقة بعد 15 عاما على توقيع اتفاقية دايتون

الأقليات الإسلامية والسياسة

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن عنبر (84)

الباب الخامس

الأقليات الإسلامية والسياسة

هذا الباب الأخير في هذا الكتاب، ويتكون من فصل واحد، يعد غاية في الأهمية؛ فإن ما قلناه في الأبواب السابقة يتعلَّق بـ(الدِّين والسياسة) بصفة عامة، أي في البلاد التي يسميها الفقهاء (دار الإسلام) ويكون المسلمون فيها هم أصحاب السلطان، ولهم الحق في أن يعيشوا في ظل الإسلام، توجههم عقيدته، وتحكمهم شريعته، وتسودهم مفاهيمه وقيمه وأخلاقه وتقاليده.

الوجود الإسلامي في الغرب:

هذا الباب يدور حول ما ينبغي للأقليات المسلمة في المجتمعات غير الإسلامية أن تفعله، وهذه الأقليات المسلمة هي التي تُمثل الوجود الإسلامي في البلاد غير الإسلامية، ولا سيما في بلاد الغرب.

وأبادر فأقول: أن من الخير للمسلمين، ومن الخير للغربيين: أن يكون هناك وجود إسلامي في الغرب، يتعامل الغربيون معه مباشرة دون وسيط، على خلاف ما يراه بعض المتشددين من المسلمين: أنه لا يجوز الإقامة في هذه البلاد (بلاد الكفر كما يسميها)، كما لا يجوز الحصول على جنسيتها، التي يعتبرها من كبائر الإثم.

ولقد عقدت في فرنسا منذ بضعة عشر عاما: ندوة فقهية علمية حضرها عدد من كبار العلماء[1]، وكان لي شرف المشاركة فيها، ناقشنا فيها هذه القضايا: مثل الإقامة في ديار الغرب، والحصول على جنسيتها، وكان رأي الأغلبية إجازة ذلك بشروطه[2]، وأن هذا يتفق مع عالمية الرسالة الإسلامية، ويتفق مع تقارب العالم الذي أمسى قرية واحدة، ويتفق مع مسعى العقلاء من الغربيين: المسلمين والغربيين إلى التفاهم والتقارب وإزالة الجفوة، والتحرُّر من رواسب التاريخ، والعمل على إقامة تعايش مشترك، يقوم على التسامح لا التعصب، والتعارف لا التناكر، والحوار لا الصدام، والتعاون لا التشاحن.

والحمد لله أن قام الوجود الإسلامي في الغرب بأقدار إلهيَّة، وأسباب طبيعية، يسَّرت وجوده، دون تخطيط ولا ترتيب منا نحن المسلمين، فينبغي لنا أن نعمل على أن يكون هذا الوجود الإسلامي همزة الوصل بيننا وبين الغربيين، تعين على تواصل المسلمين بغيرهم، وتمحو الأفكار الخاطئة الراسبة في أذهان البعض منهم، وتردُّ على الشبهات التي قد تَعرض لهم.

وهذا ما يقوم به المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث منذ تأسيسه إلى اليوم، في فتاواه التي يصدرها، وتوصياته التي يوجهها، وبياناته التي يعلنها في كل دورة من دوراته، ينصح فيها المسلمين في الغرب: أن يكونوا أقليَّة فاعلة ناشطة مؤدِّية لواجباتها، خادمة لمجتمعاتها، غير مُنعزلة عنها، ولا مُنسحبة منها، ومن قرأ فتاوى المجلس وقراراته وتوصياته وبياناته خلال الدورات التي عقدها: تبيَّن له بجلاء صحة ما نقول.

ولقد رددت على بعض المتشددين من العلماء والدعاة الذين يرفضون الوجود الإسلامي في الغرب، وفي غيره من البلاد المختلفة التي يعيش فيها غير المسلمين، في الشرق والغرب، سواء كانوا من أهل الكتاب كالمسيحين، أم من الوثنيين، مُنبِّها هنا إلى أمر مهم، وهو: أن الوجود الإسلامي لكثير من الأقليات، هو وجود أصلي، أعني: أنهم من أهل البلاد الأصليين، وليسوا طارئين ، مثل الأقليات الإسلامية في الهند والصين وتايلاند وبورما وغيرها من بلاد آسيا، ومثل كثير من الأقليات الإسلامية في عدد من أقطار إفريقيا.

(أعتقد أن من الضروري للإسلام في هذا العصر أن يكون له وجود في تلك المجتمعات المؤثرة على سياسة العالم.

الوجود الإسلامي ضرورة في أوربا والأمريكتين وأستراليا من عدة أوجه:

ضرورة تبيلغ الإسلام، وإسماع صوته، ودعوة غير المسلمين إليه. بالكلمة والحوار والأسوة.

وهو ضرورة لحضانة مَن يدخل في الإسلام ومتابعته وتنمية إيمانه، وتهيئة مناخ إسلامي يساعد على الحياة الإسلامية الصحية.

وهو ضرورة لاستقبال الوافدين و(المهاجرين) حتى يجدوا لهم (أنصارا) يحبون مَن هاجر إليهم، ويهيئون لهم جوًّا يتنفسون فيه الإسلام.

وهو ضرورة للدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية، والأرض الإسلامية، في مواجهة القوى والتيارات المعادية والمضللة.

ولا بد أن يكون للمسلمين تجمعاتهم الخاصة في ولايات ومدن معروفة، وأن تكون لهم مؤسساتهم الدينية، والتعليمية، بل والترويحية.

وأن يكون لهم علماؤهم وشيوخهم، الذين يجيبونهم إذا سألوا، ويرشدونهم إذا جهلوا، ويوفقون بينهم إذا اختلفوا.

محافظة دون انغلاق، وانفتاح دون ذوبان:

وقد قلتُ للإخوة في ديار الغربة: حاولوا أن يكون لكم مجتمعكم الصغير داخل المجتمع الكبير، وإلا ذُبتم فيه كما يذوب الملح في الماء.

اجتهدوا أن يكون لكم مؤسساتكم الدِّينية، والتربوية، والثقافية، والاجتماعية، والتروحيَّة، وهذا لا يتمُّ إلا بالتحابِّ والتعاون، فالمرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه، ويد الله مع الجماعة.

إن الذي حافظ على شخصية اليهود طوال التاريخ الماضي هو مجتمعهم الصغير المتميز بأفكاره وشعائره، وهو (حارة اليهود)، فاعملوا على إيجاد (حارة المسلمين).

لا أدعو إلى انغلاق على الذات، وعزلة عن المجتمع، فهذا والموت سواء، ولكن المطلوب هو انفتاح دون ذوبان، هو انفتاح صاحب الدعوة الذي يريد أن يفعل ويؤثر، لا المُقلد المستسلم الذي غدا كل همه أن يساير ويتأثر، ويتبع سَنن القوم شبرا بشبر، وذراعا بذراع!

إننا نشكو من مدة من نزيف العقول العربية والإسلامية، من العقول المهاجرة من النوابغ والعبقريات في مختلف التخصصات الحيوية والهامة، التي وجدت لها مكانا في ديار الاغتراب، ولم تجد لها مكانا في أوطانها.

فإذا كانت هذه حقيقة واقعة، فلا يجوز لنا بحال أن ندع هذه العقول الكبيرة تنسى عقيدتها، وأمتها وتراثها، ودارها، ولا مفر لنا من بذل الجهد معها حتى تكون عقولها وقلوبها مع أوطانها وشعوبها، مع أهليهم وإخوتهم وأخواتهم، دون أن تفرط في حق الوطن الذي تعيش فيه وتنتسب إليه.

وإنما يتحقق ذلك إذا ظلَّ ولاؤهم لله ولرسوله وللمؤمنين، وظلت هموم أمتهم تؤرقهم، ولم تشغلهم مصالحهم الخاصة عن قضايا أمتهم العامة، كما يفعل ذلك يهود العالم أينما كانوا من أجل إسرائيل.

وهذا هو واجب الحركة الإسلامية: ألا تدع هؤلاء لدوامة التيار المادي والنفعي السائد في الغرب، تبتلعهم، وأن يُذكَّروا دائما بأصلهم الذي يحنون دائما إليه)[3].

وإذا كان الوجود الإسلامي قائما في بلاد الغرب، وله حضوره الدِّيني والثقافي والاجتماعي، وأحيانا الاقتصادي، فمن الطبيعي والمنطقي أن يحاول استكمال حضوره السياسي. إذ أصبحت السياسة تتدخل في كل شيء، وإذا تركنا السياسة، فإن السياسة لا تتركنا.

لهذا كان لا بد من الإجابة على تساؤلات عدة هنا تطرحها الأقليات الإسلامية التي تعيش في الغرب، وبعضها من أهل البلاد، وبعضها مهاجرون استوطنوا وحصلوا على جنسية البلاد، وباتوا جزءا من أهلها.

هل تكتفي بالدِّين وتنعزل عن السياسة؟ أو تتمسك بالدِّين وتدخل في السياسة؟ وإذا دخلت في السياسة فهل تدخل فيها مشاركة لغيرها من الأحزاب، أو مستقلة بذاتها؟ فهل يجوز المشاركة في الأحزاب العلمانية؟ وهل يجوز إنشاء حزب يفرض عليه أن يلتزم بدستور البلاد؟ وهل يجوز للمسلم الترشح للمجالس النيابية على أساس هذه الأوضاع؟ ثم إن دخول المسلم في السياسة، يلزم منه الإقرار بالدساتير الوضعية القائمة في الدول الغربية وغيرها؟

وإذا نجح المسلم في الانتخابات، ودخل المجلس النيابي: يلزم منه أن يقسم على احترام النظام العام والعمل بالدستور، فهل يتفق هذا مع عقيدة الإسلام؟ ومع أحكام الشريعة؟

هذه تساؤلات تطرح في ساحة الأقليات في كل مكان في أوربا وغيرها.

بل أقول: إن هذه التساؤلات نفسها تطرحها بعض الفصائل الإسلامية في كثير من أقطار الإسلام ذاتها.

ومن هذه الفئات: من يرى تحريم تكوين الأحزاب السياسية، ويعدها بدعة محدثة، وضلالة في الدِّين.

ومنهم من يرى تحريم الدخول في الانتخابات، والسعي إلى عضوية المجالس النيابية، بل بعضهم يراها ضد العقيدة، ويسميها (المجالس الشركية) وبعضهم ألف رسالة سماها (القول السديد في أن دخول المجلس (النيابي) ينافي التوحيد)!

وبعضهم يعترض على صيغة القسم التي يقسمها الأعضاء على احترام الدستور، وإطاعته إلخ. وبعض الإسلاميين حلَّ هذا الإشكال، بقوله بعد كلمة الطاعة في القسم: (في غير معصية)، يقولها بصوت مسموع.

فإذا كان هذا يقال في داخل بلادنا الإسلامية، فماذا عسى أن يقال في خارج البلاد الإسلامية؟

ومن هنا لا ينبغي أن تستمد الأقلية المسلمة فقهها السياسي من هذه الفئات التي بَعُدَ بها (الغلو) عن سواء الصراط، فهذه الفئات ترى الوجود الإسلامي في هذه البلاد محظورا لا يجاز إلا من باب الضرورات، وهي ترى العيش في هذه البلاد من باب الاضطرار، كما يضطر المرء إلى استخدام المراحيض، برغم ما بها من نجاسة! كما قال بعضهم!

ومن هؤلاء من يُحرِّم على المسلم الحصول على جنسية هذه الدول، وقد يكفّر من حصل عليها، لأنه يعتبرها من الولاء للكفار[4]، وقد قال تعالى: ومَنْ يَتوَلَّهُم مِنكُم فإنَّهُ مِنهُم [المائدة:51].

ومنهم من يحرم مجرد الإقامة في هذه البلاد إلا لضرورة، والضرورة تقدر يقدرها. ولهم في ذلك شبهات رد عليها المحققون من العلماء.

إن مزية الشريعة الإسلامية: أنها شريعة واقعية، تراعي حاجات الإنسان ومطالبه، روحية كانت أو مادية، دينية كانت أو سياسية، ثقافية كانت أو اقتصادية، سواء كان يعيش في المجتمع المسلم أم خارج المجتمع المسلم، وأنها في كل ما شرعته من أحكام: تيسر ولا تعسر، وترفع الحرج، وتمنع الضرر والضرار، ولا سيما من يعيش خارج المجتمع المسلم، فهو أولى بالتخفيف ورعاية الحاجات.

ومن حاجة الأقلية المسلمة: أن تعيش متمسكة بدينها وعقيدتها وشعائرها وقيمها وآدابها، ما دامت لا تؤذي غيرها، وأن تندمج في المجتمع الذي تحيا فيه، تُنتج وتُبدع، وتبني وترقى، وتُشارك في كل أنشطته، تفعل الخير، وتُشيع الهداية، وتدعو إلى الفضيلة، وتقاوم الرذيلة، وتؤثر في المجتمع بالأسوة والدعوة ما استطاعت، ولا تذوب فيه، بحيث تفرط في مقوماتها وخصائصها العقائدية والدِّينية.

وليست كل الأقليات الإسلامية مهاجرة، فبعضها من أهل البلاد الأصليين، كلهم أو بعضهم. حتى يقول بعض الناس: يجب أن يعودوا إلى ديارهم.

ولهذا تحتاج الأقلية في أي بلد إلى أصوات تعبر عنها في المجالس التشريعية، وتدافع عن حقوقها حتى لا تصدر تشريعات تجور عليها، وتحرم عليها ما أحل الله، أو تعوقها عن أداء ما فرض الله، أو تلزمها بأمور ينكرها الشرع.

ومن الخير وجود مسلمين منتخبين في هذه المجالس –مستقلين أو منضمين إلى حزب معين– يعملون للذود عن حرماتهم، والمحاماة عن حقوقهم، باعتبارهم أقلية، لهم الحق في ممارسة حياتهم الدِّينية، وشعائرهم التعبدية، بما لا يضر الآخرين، وهم سيستميلون معهم وإلى صفهم الأحرار والمنصفين، الذين يناصرون العدل والحرية في كل زمان ومكان.

وعندنا هنا جملة قواعد شرعية ترشدنا في هذه المسيرة:

1. قاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) فإذا كان حصول المسلمين على حقوقهم الدِّينية والثقافية وغيرها، لا يتم إلا بالمشاركة في السياسة، ودخول الانتخابات، فإن هذا يصبح واجبا عليهم.

2. قاعدة (الأمور بمقاصدها) وهي قاعدة متفق عليها، مأخوذة من الحديث المشهور: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى”[5]. فمن قصد بالمشاركة السياسية: الدفاع عن حقوق المسلمين، وحريتهم الدِّينية، وهويتهم الثقافية، فهو مأجور على ذلك عند الله، ومحمود عند المسلمين.

3. قاعدة (سد الذرائع) فإذا كان اعتزال الأقلية للسياسة، وعدم مشاركتها فيها، يشكل خطرا على وجودهم الدِّيني والجماعي، ويجعلهم مهمَّشين، ويحرمهم من مزايا كثيررة، ويوقعهم في مآزق ومفاسد قد يعرف أولها ولا يعرف آخرها، فإن من المطلوب منهم: أن يسدوا الذرائع إلى هذه الأخطار، ويتوقوا هذه المفاسد والآفات، وفي الحديث: “من يتوق الشر يوقه”[6].

4. قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات، والحاجة تنزل منزلة الضرورة، خاصة كانت أو عامة) فإذا كان بالجماعة المسلمة في غير المجتمعات الإسلامية ضرورة أو حاجة إلى من يدافع عن حقوقها في بلاد الديمقراطيات، وكان من وراء ذلك بعض ما يخشى من المحظورات مثل القسم على احترام الدستور -الذي قد يتضمن ما يخالف الشرع- ونحو ذلك، مما يتحرج منه بعض المتدينين، فإن هذا الحظر يرفع بحكم الضرورة أو الحاجة فََمَنِ اضْطُرَّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلاَ إثمَ علَيه إنَّ اللهَ غفُورٌ رحِيم [البقرة:173].

5. قاعدة (المصالح المرسلة) وهي المصالح التي لم ينص الشرع على اعتبارها ولا إلغائها، ولكنها إذا عرضت على العقول تلقتها بالقَبول، وتحقق فائدة، مادية أو معنوية، للجماعة المسلمة. وقد اعتبرها الصحابة في كثير من الأمور، المهم ألا تصادم نصا قطعيا، ولا قاعدة شرعية قطعية. وأن يكون فيها للجماعة المسلمة نفع حقيقي لا متوهم.

وفي ضوء هذه القواعد: نرى أن الأولى بالمسلمين أن يشاركوا في السياسة، تحقيقا لمصلحتهم الدِّينية والجماعية، ودرءا للأخطار والمفاسد عنهم، ولا سيما أنهم إذا تركوا السياسة فإن السياسة لا تتركهم.

يستطيع المسلمون أن ينشئوا حزبا يطالب بحقوقهم وحقوق غيرهم إذا كان لهم عدد وقوة وقدرات تكفي لقيام حزب مستقل، وكان الدستور والقانون يسمحان لهم بذلك.

ويمكن للمسلمين أن يقدموا برنامجا للإصلاح والترشيد، مقتبسا من أصول فكرتهم الإسلامية، ومطعما بالنظرة والتجربة الغربية وما فيها من آفاق جديدة، تتفق مع مقاصد الشريعة وروح الإسلام.

ولا مانع أن ينضم إلى هذا الحزب أعضاء من غير المسلمين، فهو مقدم للمسلمين خاصة، وللمواطنين عامة. والمفترض في النظام الإسلامي: أنه يقدم الخير والمصلحة الحقيقية للناس كافة، مسلمين وغير مسلمين.

ويستطيع المسلمون أن ينضموا إلى أي حزب من الأحزاب السياسية التي تعمل على الساحة، ويختاروا منها ما كان أقرب إلى المبادئ الإسلامية من ناحية، وما كان أكثر تعاطفا مع المسلمين ومصالحهم من ناحية أخرى. وما كان فيه من أشياء تخالف الإسلام، يتحفظون عليها.

ولا بد أن يكون ذلك بعد دراسة علمية عملية موضوعية، يقوم بها خبراء ومتخصصون، وأن تناقش هذه الدراسة بين أهل الحل والعقد من الأقلية المسلمة في البلد. وبعد الدراسة والمناقشة والمقارنة، يقرِّر المسلمون: أيهما أفضل لهم دينا ودنيا: أهو تكوين حزب لهم أم الدخول في حزب قائم؟ وأي الأحزاب أقرب إليهم وأولى بهم؟

وقد يجدون الأولى من ذلك كله: ألا يكونوا حزبا، ولا يدخلوا في حزب، ولكن يبقون كتلة حرة مؤثرة في الانتخابات: تؤيد هذا أو ذاك، وتعطي أصواتها لهذا المرشح أو ذاك.

وعند ذاك يخطب المرشحون ودها، ويتقربون إليها، لأن هذه الأقلية، كثيرا ما يكون لها تأثير كبير في ترجيح بعض المرشحين على بعض، ولا سيما من يكون الفرق بينهما غير كبير، فتأتي أصوات الأقلية مع أحدهما، فترجح كفة ميزانه، ويفوز على خصمه.

——————————————————————————–

[1]- كان في هذه الندوة: العلاَّمة الشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة، والشيخ عبد الله بن بيَّة، والشيخ منَّاع القطان، والشيخ فيصل مولوي، والشيخ محمد العجلان، والشيخ سيد الدرش، وغيرهم.

[2]- ومن شروط ذلك: أن يأمن المسلم على نفسه وذريته في دينه وهُويته، بحيث لو شعر بخطر على ذلك، وجب عليه أن يعود من حيث أتى، حفاظًا على دينه ودين أولاده، الذي هو أغلى من كل ما يحرص الناس عليه.

[3]- انظر: أولويات الحركة الإسلامية صـ146 – 148 نشر مكتبة وهبة. القاهرة.

[4]- في بعض الأوقات أصدر علماء تونس: فتوى تحكم بالردة على من يحصل على الجنسية الفرنسية من التونسيين، لأن تونس كانت ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي الظالم المتجبر، وكان الحصول على الجنسية حينئذ بمثابة إعلان الولاء والتأييد للمستعمر الكافر، فهو ردة دينية، وخيانة وطنية، بخلاف حصول المسلم على الجنسية اليوم، فهي تقوي المسلم، وتشد أزره، وتمنحه قوة –مع إخوانه– في المحافظة على هويته، وتمكنه من تبليغ دعوته، وتعطيه امتيازات كثيرة، منها: حق الانتخاب والترشيح، دون أن يفرط في شيء من دينه.

[5]- روا البخاري في بدء الوحي (1) عن عمر بن الخطاب، ومسلم في الإمارة (1907)، وأبو داود في الطلاق (2201)، والترمذي في فضائل الجهاد (1647)، والنسائي في الطهارة، وابن ماجه في الزهد (4227).

[6]- رواه الطبراني في الأوسط (3/118) عن أبي الدرداء، والدارقطني في العلل (6/219)، وأبو نعيم في الحلية (5/174)، والبيهقي في الشعب (7/398)، وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: أخرجه الطبراني والدارقطني في العلل من حديث أبي الدرداء بسند ضعيف (3/141)، وحسنه الألباني في الصحيحة (342).

المصدر:
كتاب الدين و السياسة

ومابكم من نعمة فمن الله..

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن الزريقي 1

نعم الله لا تعد ولا تحصى ، والإنسان في هذه الدنيا يتقلب في نعم الله سبحانه وتعالى ، وإذا تحدثنا عن نعم الله سبحانه وتعالى وكيف يتعامل معها المسلم
فإننا أمام قواعد في التعامل مع هذه النعم من أهمها مايلي /
أولاً : إن نعم الله كثيرة على كل إنسان لا يمكن أن تعد، يقول تعالى: “
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَة اللَّه لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّه لَغَفُور رَحِيم ” سورة النحل (18)

قال الامام ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية : ثُمَّ نَبَّهَهُمْ عَلَى كَثْرَة نِعَمه عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانه إِلَيْهِمْ فَقَالَ” وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَة اللَّه لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّه لَغَفُور رَحِيم “
أَيْ يَتَجَاوَز عَنْكُمْ وَلَوْ طَالَبَكُمْ بِشُكْرِ نِعَمه لَعَجَزْتُمْ عَنْ الْقِيَام بِذَلِكَ وَلَوْ أَمَرَكُمْ بِهِ لَضَعُفْتُمْ وَتَرَكْتُمْ وَلَوْ عَذَّبَكُمْ لَعَذَّبَكُمْ وَهُوَ غَيْر ظَالِم لَكُمْ وَلَكِنَّهُ غَفُور رَحِيم يَغْفِر الْكَثِير وَيُجَازِي عَلَى الْيَسِير .

شكا رجل ضيق حاله ومعاشه… فقال له عالم حكيم:أتبيع بصرك بمئة ألف؟قال:
لا.قال الحكيم: أتبيع سمعك بمئة ألف؟قال: لا.قال الحكيم: فأنت الغني بما لا يباع بثمن.

ثانياً : إن النعم ابتلاء وامتحان كلها، حتى ما كان ظاهره الجزاء والإكرام فهو في الحقيقة ابتلاء جديد، يقول تعالى: “فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمنِ
وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهاننِ، كلا” سورة الفجر: 15-17 .ولو كانت النعمة إكراما لكان الرسل أغنى الناس وأكثرهم أموالا ولما كان للكفار شيء من الدنيا إطلاقا.

ثالثاً : النجاح في التعامل مع النعم إنما يكون بشكر الله تعالى على هذه النعم، والشكر أقسام:
القسم الأول / الشكر بالقلب:
ويتحقق بالاعتقاد الجازم بأن كل النعم من الله وحده لا شريك له، قال
تعالى: “وما بكم من نعمة فمن الله” سورة النحل: 53
القسم الثاني / الشكر باللسان:
هو إظهار الشكر لله بالتحميد ، و إظهار الرضا عن الله تعالى و التحدث بالنعم .
عن النعمان بن بشير قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر : ( من لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله ،
و التحدث بنعمة الله شكر و تركها كفر ، والجماعة رحمة ، و الفرقة عذاب )
والشكر العملي
يختلف من نعمة إلى أخرى، فمن رزقه الله الهداية دعا الناس إليها، ومن رزقه الله رجاحة العقل تعلم وعلم، واستخدمه في حل المشكلات خاصة كانت أم عامة ،
ومن آتاه الله مالا سخره للإنفاق في سبيل الله سرا وعلانية ، وحافظ عليه فلم يسرف فيه ولم يقتر على نفسه وعياله ، ولم يضع ماله مع من يتلفه بسوء استخدام أو نحوه ، ومن آتاه الله ولداً أحسن تربيته واصلاحه ،
فالشكر العملي أن تستخدم هذه النعم جميعا في طاعة الله لا في معصيته قال تعالى : ( اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور ) .

الرابع : أننا نتقلب بين نعم الله الظاهرة و الباطنة ، قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) (20) لقمان‏
قال الامام ابن كثير رحمه الله : يَقُول تَعَالَى مُنَبِّهًا خَلْقه عَلَى نِعَمه عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِأَنَّهُ سَخَّرَ لَهُمْ مَا فِي السَّمَاوَات مِنْ نُجُوم يَسْتَضِيئُونَ بِهَا فِي لَيْلهمْ وَنَهَارهمْ
وَمَا يَخْلُق فِيهَا مِنْ سَحَاب وَأَمْطَار وَثَلْج وَبَرَد وَجَعْله إِيَّاهَا لَهُمْ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَمَا خَلَقَ لَهُمْ فِي الْأَرْض مِنْ قَرَار وَأَنْهَار وَأَشْجَار وَزُرُوع وَثِمَار وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ نِعَمه الظَّاهِرَة وَالْبَاطِنَة مِنْ إِرْسَال الرُّسُل وَإِنْزَال الْكُتُب .

الخامس :من قواعد التعامل مع نعم الله تعالى ، بل إن اعظمها هو أن إعظم نعمة امتنها الله علينا أن هدانا لتوحيده جل جلاله : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ) فاطر‏ (3).
ثم من أعظم نعم علينا أن جعلنا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذي آتاه ربه الكتاب ( وهو القرآن العظيم ) والحكمة ( وهي السنة النبوية ) قال ربنا سبحانه ( وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ) البقرة : 231

اللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد عند الرضى ولك الحمد إذا رضيت

الإسلام والديمقراطية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن عنبر (84)

الشيخ فتحي منصور

قاضي المحكمة الشرعية – القدس

إن فكرة الديمقراطية في وقتنا الحاضر تغزو العالم عبر مساحات واسعة من النشاطات الإعلامية والثقافية سواء على مستوى الندوات أو المحاضرات أو اللقاءات المرئية أو صفحات الجرائد وغيرها، أو عبر الحملات العسكرية لغزو البلدان العربية والإسلامية لنشر (الديمقراطية) في هذه البلاد وقمع الأنظمة (الديكتاتورية).

ولا شك أن في هذه الفكرة بريقاً قوياً خاصة بالنسبة للشعوب التي تعاني من القهر والاستبداد، وقد حول هذا البريق فكرة (الديمقراطية) من بُعد فكري ونظري لترتيب السياسة في المجتمع الى ممارسات عملية تتعلق بحريات أساسية منها حرية التعبير والتنقل والتنظيم وغيرها.

فالناس عامة لا يكترثون في البحث عن الأسس الفلسفية أو الفكرية التي تنطلق منها الديمقراطية، بقدر ما يهتمون ببعض المظاهر والممارسات السياسية التي يرتاحون إليها ويثنون عليها ويودون أن تكون جزءاً من واقعهم لعلهم ينعمون ببعض (الخيرات) التي تنعم بها الشعوب التي أقامت نظماً سياسية ديمقراطية.

وقد ساد هذا الانطباع الجماهيري العام عن الديمقراطية في العالم الإسلامي والوطن العربي حتى بات المفهوم الشعبي لها مرادفاً (للحرية). ولا ينتبه الكثيرون من الناس أن الحرية قد تكون أكثر شمولاً أو أقل اتساعاً من الديمقراطية، وأن لكل مفهوماً خاصاً ربما يتقاطع مع الآخر ولا يلتقي معه بالضرورة. وربما أن هذا الأمر هو الذي قاد بعض المفكرين والباحثين المسلمين إلى القول بأن الإسلام (ديمقراطي) وأن القيم الديمقراطية قيم إسلامية يجب الدفاع عنها، وبدلاً من أن يركزوا على البحث في مجال الحريات في الإسلام، انطلقوا يتحدثون عن الحداثة الإسلامية في ثوب ديمقراطي.

* إذن ما المقصود بالديمقراطية:

لقد عرفت الديمقراطية لغوياً أنها حكم الشعب.

وقد نشأ هذا المفهوم في أثينا في الثقافة اليونانية القديمة ثم تجسدت هذه الفكرة في العصور اللاحقة في الفكر السياسي الغربي واتخذت نشاطاً نضالياً من أجل الديمقراطية بين الحكام والمحكومين بلغ أوجه خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر عندما استطاع البريطانيون من الحد من صلاحيات الملك بعد ثورتي 1649 و 1688.

وكان ل (جون لوك) دور بارز في الدعوة للديمقراطية بالمفهوم الغربي والذي عرفها بأنها (حق الأكثرية التي اكتسبت سلطة الجماعة بالاتحاد في استخدام تلك السلطة لتشريع القوانين وتنفيذها بواسطة موظفين عينوا لذلك).

أما الولايات المتحدة فلم تعرب النظام الديمقراطي إلا بعد الاستقلال (1776) وتجسدت في إعلان حقوق الإنسان وحريته. رغم أن الديمقراطية الأمريكية بقيت مشوهة إلى اليوم حيث لا يحق مثلاً الترشيح للرئاسة إلا لفئة معينة من الشعب كالبروتستانت أو البيض أو الانكلوسكسون، كما أن الثروة المالية للمرشح مقدمة على أن نوع من الكفاءات الأخرى.

أما في فرنسا فقد انفجرت الثورة سنة 1789 معلنة حقوق الإنسان والمواطن، حيث عرف جان جاك روسو الديمقراطية بما يلي:

“يستطيع صاحب السيادة في المقام الأول أن يعهد بأمانة الحكم إلى الشعب كله أو إلى الجزء الأكثر منه بحيث يكون هناك من المواطنين الحكام أكثر من المواطنين الأفراد ويطلق على هذا الشكل من الحكومة اسم ديمقراطية”.

أما (مونتسكيو) ففي معرض تقسيمه للحكومات اعتبر الحكم الديمقراطي شكلاً من أشكال الحكم الجمهوري.

فالديمقراطية في راية تحكم على أساس الفضيلة السياسية وتعني حب الدولة وحب المساواة، وفي ظل النظام الديمقراطي فإن المواطنين يختارون وفقاً لبمدأ المساواة وإمكانياتهم وقدراتهم، والسلطة التشريعية يجب أن تكون بين الأفراد كما أن التصويت يجب أن يكون عاماً.

إذن، فالديمقراطية بالمعنى اللغوي (حكم الشعب): هي قاعدة لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع في حال من الأحوال، وهو الأمر الذي يؤكده (روسو) حيث يقول (وإذا أخذنا عبارة الديمقراطية بكل معناها الدقيق نجد أن الديمقراطية الحقيقية لم توجد أبداً ولن توجد أبداً فيما يخالف النظام الطبيعية أن يحكم العدد الأكبر وأن يكون العدد الأصغر هو المحكوم ولا يمكن أن نتصور بقاء الشعب مجتمعاً على الدوام للنظر في الشؤون العامة ونستطيع أن نرى بسهولة أنه لا يمكن إقامة لجان من أجل ذلك دون تغيير في شكل الإدارة.

أما المفهوم الاصطلاحي للديمقراطية فقد أصبح يشمل معان أخرى أضيفت إليه كإعطاء الحرية للناس في تشريع القانون واختيار من ينفذه من خلال الانتخابات العامة التي تكفل المساواة للأفراد في المشاركة في الحياة السياسية حيث يكون الرأي للأغلبية.

ولا شك أن الحرية والمساواة مفاهيم تتوق إليها النفس الإنسانية التي بطبيعتها ترفض العبودية والظلم، ولذا نجد التغني بالديمقراطية واعتبارها الحكم المنشود لكل شعب مضطهد مظلوم تنطلق من هذين الشعارين اللذين ترفعهما.

إذن فالديمقراطية تعتبر منهجاً في الحكم يرمي إلى وضع حد لثنائية الحاكم والمحكوم التي سادت تاريخ أوروبا القديم والوسيط، واقترنت بانتشار الحكم الفردي وسيطرة الكنيسة وغياب القانون.

ويهدف هذا المنهج إلى استبدال هذا الوضع القديم بآخر جديد هو وضع الدولة الحديثة التي يحكمها القانون باعتبارها معبرّاً عن إرادة الشعب وملزماً للرئيس والمرؤوس معا.

ولبلوغ هذا الهدف يعتمد المنهج الديمقراطي على جملة من المبادئ الأساسية التي تتولد عنها آليات وأجهزة دستورية تختلف صيغتها التفصيلية من نظام إلى آخر، ويمكن إجمالها فيما يلي:

1. الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات والشرعية.

2. انبثاق السلطات بواسطة الانتخابات

3. الإقرار للأغلبية بأن تحكم وللأقلية بأن تعارض

4. التعددية الحزبية

5. التداول السلمي على السلطة

6. مراقبة الحكام وممارسة التأثير عليهم

7. فصل السلطات

8. ضمان حريات المعتقد والتعبير والعمل النقابي

9. حفظ مصالح الضعفاء والأقليات

10.احترام حقوق الإنسان

مقارنة عامة لبعض المفاهيم بين الديمقراطية والإسلام

مصدر التشريع

يمتاز نظام الحكم في الإسلام بخصائص أهمها:

1- الحاكمية لله

2- السيادة للأمة

3- الدولة الإسلامية واحدة في المبادئ، متعددة في الأشكال حسب الزمان والمكان.

Ø الحاكمية لله؛ تعني أن مصدر التشريع هو الله سبحانه وتعالى وحده وأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله تعالى بالوحي.

Ø الحاكم منفذ لأحكام الله تعالى في الأمة مجتهد في استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأساسية.

Ø طاعة الحاكم واجبة ما لم يخالف نصاً صريحاً.

Ø قال تعالى: ( أيا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً)

وقال تعالى: ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم).

وقال تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك).

قال تعالى( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)

أما النظام الديمقراطي، فإن حق التشريع للشعب، فالدستور وسائر القوانين هي من صنع البشر ويمثل على أفضل تقدير وفي لحظات مثالية تحكم الأكثرية بالأقلية.

وشتان بين نظام وضعه خالق الإنسان والعالم بخفايا نفسه والقادر على وضع ما يصلها من القوانين التي توصل الإنسان إلى سعادته الحقيقية وبين نظام يستمد من الإنسان الذي هو في أفضل حالات نزاهته وتجرده عن اللذات عرضة للخطأ الذي يذهب ضحيته البشر.

اختيار الحاكم

– حق اختيار الحاكم هو للأمة بواسطة أهل الحل والعقد، فالحكم بالإسلام هو عقد عن تراض بين الأمة والحاكم.

– البيعة تعني الطاعة والقبول

– الحاكم مقيد بتبني الأحكام الشرعية المستنبطة استنباطاً صحيحاً من الأدلة الشرعية ومقيد بالحلال والحرام.

– لا يخرج على الحاكم أو يعزل إلا إذا أظهر كفراً بواحاً.

عن عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المكره والمنشط، فبايعناه، فقال: فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان).

الشورى

Ø الشورى ضرورة إنسانية في جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلاقات الفردية.

قال عليه الصلاة والسلام (إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه)

وهي في النظام السياسي في الإسلام من لوازم الإيمان بالله تعالى.

قال تعالى ( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون).

Ø النظام السياسي في الإسلام نظام شوري يرفض جميع أشكال الحكم الاستبدادي وكل الأنظمة السياسية الغوغائية والفوضوية.

Ø قال تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين).

Ø الحاكم يمارس تنفيذ هذا النظام من خلال الوقوف على رأي فئة من الأمة تتصف بالذكاء والحنكة والتجربة والإخلاص للنظام والأمة، وهذه الفئة تمثل الأمة تمثيلاً حقيقياً بجميع قطاعاتها وتحاسب الحاكم محاسبة من شأنها تسديد مسيرته ودعمه في اتجاهاته الخيرة وتعينه على اتخاذ القرارات المهمة والحسم في المواقف التي تواجهه.

لما سار رسول الله r إلى بدر خرج فاستشار الناس فأشار عليه أبو بكر رضي الله عنه ثم استشارهم فأشار عليه عمر y عنه فسكت فقال رجل من الأنصار إنما يريدكم، فقالوا يا رسول الله، “والله لا نكون كما قالت بنوا إسرائيل لموسى عليه السلام (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون)، ولكن والله لو ضربت أكباد الإبل، حتى تبلغ برك الغماد لكنا معك”.

المرأة

Ø لقد وزع الإسلام الاختصاصات العملية توزيعاً يوافق طبائع الذكورة والأنوثة.

Ø كفل الإسلام للمرأة حقوقاً عديدة في المجالات السياسية، فقد أقر لها حق المشاركة السياسية من حيث إبداء الرأي، وأن الآية الكريمة (وأمرهم شورى بينهم) لم تخص الرجال دون النساء.

وقد شاركت أم سلمة في صلح الحديبة وهي التي أشارت على النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحلق رأسه.

كما عارضت أسماء بنت أبي بكر بيعة بأنها عبد الله بن الزبير للأمويين.

Ø منح الإسلام للمرأة حق التعبير عن الرأي أسوة بالرجال.

فقد خطب عمر رضي الله فقال: (ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فقالت إليه امرأة فقالت: يا عمر يعطينا الله وتحرمنا، أليس الله سبحانه وتعالى يقول (وآتيتم إحداهم قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً)، فقال عمر، أصابت امرأة وأخطأ عمر، وفي رواية فاطرق عمر ثم قال كل الناس افقه منك يا عمر، وفي رواية أخرى امرأة أصابت ورجل أخطأ وترك الإنكار.

Ø ساوى الإسلام بين الذكور والإناث في حق التعليم والثقافة

Ø فسح الإسلام أمام المرأة مجال العمل وراعى تركيبة المرأة البيولوجية وأنوثتها.

المصدر:
http://www.passia.org/meetings/2003/Jun … ocracy.htm

الإسلام والديمقراطية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن عنبر (84)

الشيخ فتحي منصور

قاضي المحكمة الشرعية – القدس

إن فكرة الديمقراطية في وقتنا الحاضر تغزو العالم عبر مساحات واسعة من النشاطات الإعلامية والثقافية سواء على مستوى الندوات أو المحاضرات أو اللقاءات المرئية أو صفحات الجرائد وغيرها، أو عبر الحملات العسكرية لغزو البلدان العربية والإسلامية لنشر (الديمقراطية) في هذه البلاد وقمع الأنظمة (الديكتاتورية).

ولا شك أن في هذه الفكرة بريقاً قوياً خاصة بالنسبة للشعوب التي تعاني من القهر والاستبداد، وقد حول هذا البريق فكرة (الديمقراطية) من بُعد فكري ونظري لترتيب السياسة في المجتمع الى ممارسات عملية تتعلق بحريات أساسية منها حرية التعبير والتنقل والتنظيم وغيرها.

فالناس عامة لا يكترثون في البحث عن الأسس الفلسفية أو الفكرية التي تنطلق منها الديمقراطية، بقدر ما يهتمون ببعض المظاهر والممارسات السياسية التي يرتاحون إليها ويثنون عليها ويودون أن تكون جزءاً من واقعهم لعلهم ينعمون ببعض (الخيرات) التي تنعم بها الشعوب التي أقامت نظماً سياسية ديمقراطية.

وقد ساد هذا الانطباع الجماهيري العام عن الديمقراطية في العالم الإسلامي والوطن العربي حتى بات المفهوم الشعبي لها مرادفاً (للحرية). ولا ينتبه الكثيرون من الناس أن الحرية قد تكون أكثر شمولاً أو أقل اتساعاً من الديمقراطية، وأن لكل مفهوماً خاصاً ربما يتقاطع مع الآخر ولا يلتقي معه بالضرورة. وربما أن هذا الأمر هو الذي قاد بعض المفكرين والباحثين المسلمين إلى القول بأن الإسلام (ديمقراطي) وأن القيم الديمقراطية قيم إسلامية يجب الدفاع عنها، وبدلاً من أن يركزوا على البحث في مجال الحريات في الإسلام، انطلقوا يتحدثون عن الحداثة الإسلامية في ثوب ديمقراطي.

* إذن ما المقصود بالديمقراطية:

لقد عرفت الديمقراطية لغوياً أنها حكم الشعب.

وقد نشأ هذا المفهوم في أثينا في الثقافة اليونانية القديمة ثم تجسدت هذه الفكرة في العصور اللاحقة في الفكر السياسي الغربي واتخذت نشاطاً نضالياً من أجل الديمقراطية بين الحكام والمحكومين بلغ أوجه خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر عندما استطاع البريطانيون من الحد من صلاحيات الملك بعد ثورتي 1649 و 1688.

وكان ل (جون لوك) دور بارز في الدعوة للديمقراطية بالمفهوم الغربي والذي عرفها بأنها (حق الأكثرية التي اكتسبت سلطة الجماعة بالاتحاد في استخدام تلك السلطة لتشريع القوانين وتنفيذها بواسطة موظفين عينوا لذلك).

أما الولايات المتحدة فلم تعرب النظام الديمقراطي إلا بعد الاستقلال (1776) وتجسدت في إعلان حقوق الإنسان وحريته. رغم أن الديمقراطية الأمريكية بقيت مشوهة إلى اليوم حيث لا يحق مثلاً الترشيح للرئاسة إلا لفئة معينة من الشعب كالبروتستانت أو البيض أو الانكلوسكسون، كما أن الثروة المالية للمرشح مقدمة على أن نوع من الكفاءات الأخرى.

أما في فرنسا فقد انفجرت الثورة سنة 1789 معلنة حقوق الإنسان والمواطن، حيث عرف جان جاك روسو الديمقراطية بما يلي:

“يستطيع صاحب السيادة في المقام الأول أن يعهد بأمانة الحكم إلى الشعب كله أو إلى الجزء الأكثر منه بحيث يكون هناك من المواطنين الحكام أكثر من المواطنين الأفراد ويطلق على هذا الشكل من الحكومة اسم ديمقراطية”.

أما (مونتسكيو) ففي معرض تقسيمه للحكومات اعتبر الحكم الديمقراطي شكلاً من أشكال الحكم الجمهوري.

فالديمقراطية في راية تحكم على أساس الفضيلة السياسية وتعني حب الدولة وحب المساواة، وفي ظل النظام الديمقراطي فإن المواطنين يختارون وفقاً لبمدأ المساواة وإمكانياتهم وقدراتهم، والسلطة التشريعية يجب أن تكون بين الأفراد كما أن التصويت يجب أن يكون عاماً.

إذن، فالديمقراطية بالمعنى اللغوي (حكم الشعب): هي قاعدة لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع في حال من الأحوال، وهو الأمر الذي يؤكده (روسو) حيث يقول (وإذا أخذنا عبارة الديمقراطية بكل معناها الدقيق نجد أن الديمقراطية الحقيقية لم توجد أبداً ولن توجد أبداً فيما يخالف النظام الطبيعية أن يحكم العدد الأكبر وأن يكون العدد الأصغر هو المحكوم ولا يمكن أن نتصور بقاء الشعب مجتمعاً على الدوام للنظر في الشؤون العامة ونستطيع أن نرى بسهولة أنه لا يمكن إقامة لجان من أجل ذلك دون تغيير في شكل الإدارة.

أما المفهوم الاصطلاحي للديمقراطية فقد أصبح يشمل معان أخرى أضيفت إليه كإعطاء الحرية للناس في تشريع القانون واختيار من ينفذه من خلال الانتخابات العامة التي تكفل المساواة للأفراد في المشاركة في الحياة السياسية حيث يكون الرأي للأغلبية.

ولا شك أن الحرية والمساواة مفاهيم تتوق إليها النفس الإنسانية التي بطبيعتها ترفض العبودية والظلم، ولذا نجد التغني بالديمقراطية واعتبارها الحكم المنشود لكل شعب مضطهد مظلوم تنطلق من هذين الشعارين اللذين ترفعهما.

إذن فالديمقراطية تعتبر منهجاً في الحكم يرمي إلى وضع حد لثنائية الحاكم والمحكوم التي سادت تاريخ أوروبا القديم والوسيط، واقترنت بانتشار الحكم الفردي وسيطرة الكنيسة وغياب القانون.

ويهدف هذا المنهج إلى استبدال هذا الوضع القديم بآخر جديد هو وضع الدولة الحديثة التي يحكمها القانون باعتبارها معبرّاً عن إرادة الشعب وملزماً للرئيس والمرؤوس معا.

ولبلوغ هذا الهدف يعتمد المنهج الديمقراطي على جملة من المبادئ الأساسية التي تتولد عنها آليات وأجهزة دستورية تختلف صيغتها التفصيلية من نظام إلى آخر، ويمكن إجمالها فيما يلي:

1. الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات والشرعية.

2. انبثاق السلطات بواسطة الانتخابات

3. الإقرار للأغلبية بأن تحكم وللأقلية بأن تعارض

4. التعددية الحزبية

5. التداول السلمي على السلطة

6. مراقبة الحكام وممارسة التأثير عليهم

7. فصل السلطات

8. ضمان حريات المعتقد والتعبير والعمل النقابي

9. حفظ مصالح الضعفاء والأقليات

10.احترام حقوق الإنسان

مقارنة عامة لبعض المفاهيم بين الديمقراطية والإسلام

مصدر التشريع

يمتاز نظام الحكم في الإسلام بخصائص أهمها:

1- الحاكمية لله

2- السيادة للأمة

3- الدولة الإسلامية واحدة في المبادئ، متعددة في الأشكال حسب الزمان والمكان.

Ø الحاكمية لله؛ تعني أن مصدر التشريع هو الله سبحانه وتعالى وحده وأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله تعالى بالوحي.

Ø الحاكم منفذ لأحكام الله تعالى في الأمة مجتهد في استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأساسية.

Ø طاعة الحاكم واجبة ما لم يخالف نصاً صريحاً.

Ø قال تعالى: ( أيا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً)

وقال تعالى: ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم).

وقال تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك).

قال تعالى( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)

أما النظام الديمقراطي، فإن حق التشريع للشعب، فالدستور وسائر القوانين هي من صنع البشر ويمثل على أفضل تقدير وفي لحظات مثالية تحكم الأكثرية بالأقلية.

وشتان بين نظام وضعه خالق الإنسان والعالم بخفايا نفسه والقادر على وضع ما يصلها من القوانين التي توصل الإنسان إلى سعادته الحقيقية وبين نظام يستمد من الإنسان الذي هو في أفضل حالات نزاهته وتجرده عن اللذات عرضة للخطأ الذي يذهب ضحيته البشر.

اختيار الحاكم

– حق اختيار الحاكم هو للأمة بواسطة أهل الحل والعقد، فالحكم بالإسلام هو عقد عن تراض بين الأمة والحاكم.

– البيعة تعني الطاعة والقبول

– الحاكم مقيد بتبني الأحكام الشرعية المستنبطة استنباطاً صحيحاً من الأدلة الشرعية ومقيد بالحلال والحرام.

– لا يخرج على الحاكم أو يعزل إلا إذا أظهر كفراً بواحاً.

عن عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المكره والمنشط، فبايعناه، فقال: فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان).

الشورى

Ø الشورى ضرورة إنسانية في جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلاقات الفردية.

قال عليه الصلاة والسلام (إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه)

وهي في النظام السياسي في الإسلام من لوازم الإيمان بالله تعالى.

قال تعالى ( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون).

Ø النظام السياسي في الإسلام نظام شوري يرفض جميع أشكال الحكم الاستبدادي وكل الأنظمة السياسية الغوغائية والفوضوية.

Ø قال تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين).

Ø الحاكم يمارس تنفيذ هذا النظام من خلال الوقوف على رأي فئة من الأمة تتصف بالذكاء والحنكة والتجربة والإخلاص للنظام والأمة، وهذه الفئة تمثل الأمة تمثيلاً حقيقياً بجميع قطاعاتها وتحاسب الحاكم محاسبة من شأنها تسديد مسيرته ودعمه في اتجاهاته الخيرة وتعينه على اتخاذ القرارات المهمة والحسم في المواقف التي تواجهه.

لما سار رسول الله r إلى بدر خرج فاستشار الناس فأشار عليه أبو بكر رضي الله عنه ثم استشارهم فأشار عليه عمر y عنه فسكت فقال رجل من الأنصار إنما يريدكم، فقالوا يا رسول الله، “والله لا نكون كما قالت بنوا إسرائيل لموسى عليه السلام (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون)، ولكن والله لو ضربت أكباد الإبل، حتى تبلغ برك الغماد لكنا معك”.

المرأة

Ø لقد وزع الإسلام الاختصاصات العملية توزيعاً يوافق طبائع الذكورة والأنوثة.

Ø كفل الإسلام للمرأة حقوقاً عديدة في المجالات السياسية، فقد أقر لها حق المشاركة السياسية من حيث إبداء الرأي، وأن الآية الكريمة (وأمرهم شورى بينهم) لم تخص الرجال دون النساء.

وقد شاركت أم سلمة في صلح الحديبة وهي التي أشارت على النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحلق رأسه.

كما عارضت أسماء بنت أبي بكر بيعة بأنها عبد الله بن الزبير للأمويين.

Ø منح الإسلام للمرأة حق التعبير عن الرأي أسوة بالرجال.

فقد خطب عمر رضي الله فقال: (ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فقالت إليه امرأة فقالت: يا عمر يعطينا الله وتحرمنا، أليس الله سبحانه وتعالى يقول (وآتيتم إحداهم قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً)، فقال عمر، أصابت امرأة وأخطأ عمر، وفي رواية فاطرق عمر ثم قال كل الناس افقه منك يا عمر، وفي رواية أخرى امرأة أصابت ورجل أخطأ وترك الإنكار.

Ø ساوى الإسلام بين الذكور والإناث في حق التعليم والثقافة

Ø فسح الإسلام أمام المرأة مجال العمل وراعى تركيبة المرأة البيولوجية وأنوثتها.

المصدر:
http://www.passia.org/meetings/2003/Jun … ocracy.htm

الدين والسياسة وشمولية الإسلام

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن عنبر (84)

الدين والسياسة وشمولية الإسلام

بقلم الإمام حسن البنا … نقلاً عن كتاب نظرات في رسالة التعاليم لفضيلة الشيخ الخطيب
قلما تجد إنسانًا يتحدث إليك عن السياسة والإسلام إلا وجدته يفصل بينهما فصلاً، ويضع كل واحد من المعنيين في جانب فهما عند الناس لا يلتقيان ولا يجتمعان، ومن هنا سميت هذه جمعية إسلامية لا سياسية، وذلك اجتماع ديني لا سياسة فيه، ورأيت في صدر قوانين الجمعيات الإسلامية ومناهجها (لا تتعرض الجمعية للشؤون السياسية).

وقبل أن أعرض إلى هذه النظرة بتزكية أو تخطئة أحب أن ألفت النظر إلى أمرين مهمين:

أولهما: أن الفارق بعيد بين الحرية والسياسة، وقد يجتمعان وقد يفترقان، فقد يكون الرجل سياسيًا بكل ما في الكلمة من معان، وهو لا يتصل بحزب ولا يمت إليه، وقد يكون حزبيًا، ولا يدري من أمر السياسة شيئًا، وأنا حين أتكلم عن السياسة في هذه الكلمة فإنما أريد السياسة المطلقة، وهي النظر في شؤون الأمة الداخلية والخارجية غير مقيدة الحزبية بحال.. هذا أمر.

والثاني: أن غير المسلمين حينما جهلوا هذا الأمر، أو حينما أعياهم أمره وثباته في نفوس أتباعه، ورسوخه في قلوب المؤمنين به، واستعداد كل مسلم لتفديته بالنفس والمال، ولم يحاولوا أن يجرحوا في نفوس المسلمين اسم الإسلام ولا مظاهره وشكلياته، ولكنهم حاولوا أن يحصروا معناه في دائرة ضيقة تذهب بكل ما فيه من نواح قوية عملية، وإن تركت للمسلمين بعد ذلك قشورًا من الألقاب والأشكال والمظهريات لا تسمن ولا تغني من جوع… فأفهموا المسلمين أن الإسلام شيء ومسائل الاقتصاد لا تتصل به، وأن الإسلام شيء والثقافة العامة سواه، وأن الإسلام شيء يجب أن يكون بعيداً عن السياسة.

فحدثوني بربكم أيها الإخوان، إذا كان الإسلام شيئًا غير السياسة وغير الاجتماع، وغير الاقتصاد، وغير الثقافة، فما هو إذن؟.. أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر، أم هذه الألفاظ التي هي كما تقول رابعة العدوية استغفار يحتاج إلى استغفار، ألهذا أيها الإخوان نزل القرآن نظامًا كاملاً محكمًا مفصلاً ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين﴾ سورة النحل: الآية 89.

هذا المعنى المتضائل لفكرة الإسلام، وهذه الحدود الضيقة التي حدد بها معنى الإسلام ، هي التي حاول خصوم الإسلام أن يحصروا فيها المسلمين، وأن يضحكوا عليهم بأن يقولوا لهم لقد تركنا لكم حرية الدين، وأن الدستور ينص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام.

الإسلام الشامل

أنا أعلن أيها الإخوان من فوق هذا المنبر بكل صراحة ووضوح وقوة، أن الإسلام شيء غير هذا المعنى الذي أراد خصومه والأعداء من أبنائه أن يحصروه فيه ويقيدوه به، وأن الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، وسماحة وقوة، وخلق ومادة، وثقافة وقانون، وأن المسلم مطالب بحكم إسلامه أن يعني بكل شؤون أمته، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

وأعتقد أن أسلافنا رضوان الله عليهم ما فهموا للإسلام معنى غير هذا، فبه كانوا يحكمون، وله كانوا يجاهدون، وعلى قواعده كانوا يتعاملون، وفي حدوده كانوا يسيرون في كل شأن من شؤون الحياة الدنيا العملية قبل شؤون الآخرة الروحية، ورحم الله الخليفة الأول إذ يقول: “لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله”.

بعد هذا التحديد العام لمعنى الإسلام الشامل، ولمعنى السياسة المجردة عن الحزبية، أستطيع أن أجهر في صراحة بأن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسياً، بعيد النظر في شؤون أمته، مهتمًا بها غيورًا عليها، واستطيع كذلك أن أقول إن هذا التحديد والتجريد أمر لا يقره الإسلام، وأن على كل جمعية إسلامية أن تضع في رأس برنامجها الاهتمام بشؤون أمتها السياسية وإلا كانت تحتاج هي نفسها إلى أن تفهم معنى الإسلام.

دعوني أيها الأخوة أسترسل معكم قليلاً في تقرير هذا المعنى الذي قد يبدوا مفاجأة غريبة على قوم تعودوا أن يسمعوا دائمًا نغمة التفريق بين الإسلام والسياسة والذي قد يدع بعض الناس يقولون بعد انصرافنا من هذا الحفل، إن جماعة الإخوان المسلمين قد تركت مبادئها، وخرجت على صفتها، وصارت جماعة سياسية بعد أن كانت جمعية دينية، ثم يذهب كل متأول في ناحية من نواحي التأويل متلمسًا أسباب هذا الانقلاب في نظره، وعلم الله أيها السادة أن الإخوان ما كانوا يومًا من الأيام غير سياسيين، ولن يكونوا يومًا من الأيام غير سياسيين، ولن يكونوا يومًا من الأيام غير مسلمين، وما فرقت دعوتهم أبدًا بين السياسة والدين، ولن يراهم الناس في ساعة من نهار حزبيين ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِين﴾ سورة القصص: الآية 55.

ومحال أن يسيروا لغاية غير غايتهم أو يعملوا لفكرة سوى فكرتهم أو يتلونوا بلون غير الإسلام الحنيف: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُون﴾ سورة البقرة: آية 138.

السياسة الداخلية

دعوني أيها الأخوة استرسل معكم في تقرير هذا المعنى، فأقول إن كان يراد بالسياسة معناها الداخلي من حيث تنظيم أمر الحكومة وبيان مهماتها وتفصيل حقوقها وواجباتها ومراقبة الحاكمين والإشراف عليهم ليطاعوا إذا أحسنوا وينقدوا إذا أساؤوا… فالإسلام قد عنى بهذه الناحية، ووضع لها القواعد والأصول وفصل حقوق الحاكم والمحكوم، وبين مواقف الظالم والمظلوم،ن ووضع لكل حداً لا يعدوه ولا يتجاوزه.

فالدساتير والقوانين المدنية والجنائية بفروعها المختلفة عرض لها الإسلام، ووضع نفسه منها بالموضع الذي يجعله أول مصادرها وأقدس منابعها، وهو حين فعل هذا إنما وضع الأصول الكلية، والقواعد العامة، والمقاعد الجامعة، وفرض على الناس تحقيقها، وترك لهم الجزئيات والتفاصيل والمقاصد الجامعة، وفرض على الناس تحقيقها، وترك لهم الجزئيات والتفاصيل يطبقونها بحسب ظروفهم وعصورهم، ويجتهدون في ذلك ما وسعتهم المصلحة، وواتاهم الاجتهاد.

وقد قرر الإسلام سلطة الأمة وأكدها، وأوصى بأن يكون كل مسلم مشرفًا تمام الإشراف على تصرفات حكومته، يقدم لها النصح والمعونة ويناقشها الحساب، وهو كما فرض على الحاكم أن يعمل لمصلحة المحكومين بإحقاق الحق وإبطال الباطل فرض على المحكومين كذلك أن يسمعوا ويطيعوا للحاكم ما كان كذلك، فإذا انحرف فقد وجب عليهم أن يقوموه على الحق ويلزموه حدود القانون ويعيدوه إلى نصاب العدالة، هذه تعاليم كلها من كتاب الله تبارك وتعالى ومن أحاديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم نتقولها ولم نخترعها، وإلى حضراتكم قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون﴾ سورة المائدة: الآية 48-50، إلى عشرات من الآيات الكريمة التي تناولت كل ما ذكرنا بالبيان والتفصيل.

ويقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم- في تقرير سلطة الأمة وتقرير الرأي العام فيها: “الدين النصيحة. قالوا : لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” رواه مسلم: ويقول أيضاً: “إن من أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر” رواه الترمذي وابن ماجه، ويقول كذلك: “سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله” مجمع الزوائد، وعزاه إلى الطبراني في المعجم الأوسط. وإلى مئات الأحاديث التي تفصل هذا المعنى وتوضحه، وتوجب على المسلمين أن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر، وأن يراقبوا حكامهم ويشرفوا على مبلغ احترامهم للحق وإنقاذهم لأحكام الله.

فهل كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين يأمر بهذا التدخل، أو الإشراف أو التناصح، أو سمة ما شئت، وحين يحض عليه، ويبين أنه الدين وأنه الجهاد الأكبر، وأن جزاءه الشهادة العظمى.. يخالف تعاليم الإسلام فيخلط السياسة بالدين، أم أن هذه هي طبيعة الإسلام الذي بعث الله نبيه – صلى الله عليه وسلم – وأننا في الوقت الذي نعدل فيه بالإسلام عن هذا المعنى نصور لأنفسنا إسلاماً خاصاً غير الذي جاء به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن ربه.

لقد تقرر هذا المعنى الفسيح للإسلام الصحيح في نفوس السلف الصالح لهذه الأمة، وخالط أرواحهم وعقولهم، وظهر في كل أدوار حياتهم الاستقلالية قبل ظهور هذا الإسلام الاستعماري الخانع الذليل.

ومن هنا أيها الإخوان كان أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يتكلمون في نظم الحكم، ويجاهدون في مناصرة الحق، ويحتملون عبء سياسة الأمة، ويظهرون على الصفة التي وصفوا أنفسهم بها “رهبان بالليل فرسان بالنهار” حتى كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الصديقة تخطب الناس في دقائق السياسة، وتصور لهم مواقف الحكومات في بيان رائع وحجة قوية، ومن هنا كانت الكتيبة التي شقت عصا الطاعة على الحجاج وحاربته وأنكرت عليه بقيادة ابن الأشعث تسمى كتيبة الفقهاء إذا كان فيها سعيد بن جبير وعامر الشعبي وأضرابهما من فقهاء التابعين وجلة علمائهم.

ومن هنا رأينا من مواقف الأئمة رضوان الله عليهم في مناصحة الملوك ومواجهة الأمراء والحكام بالحق ما يضيق بذكر بعضه – فضلاً عن كله – المقام.

ومن هنا كذلك كانت كتب الفقه الإسلامي قديماً وحديثاً فياضة بأحكام الإمارة والقضاء والشهادة الدعاوى والبيوع والمعاملات والحدود والتعزيرات، ذلك إلى أن الإسلام أحكام عملية وروحية، إن قررتها السلطة التشريعية فإنما تقوم على حراستها وإنقاذها السلطة التنفيذية والقضائية ولا قيمة لقول الخطيب كل جمعة على المنبر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ سورة المائدة: الآية 90)، في الوقت الذي يجيز فيه القانون السكر وتحمي الشرطة السكيرين وتحمي الشرطة السكرين وتقودهم إلى بيوتهم أمنين مطمئنين، ولهذا كانت تعاليم القرآن لا تنفك عن سطوة السلطان، ولهذا كانت السياسة الحكومية جزءاً من الدين، وكان من واجبات المسلم أن يعني بعلاج الناحية الحكومية كما يعني بعلاج الناحية الروحية. وذلك مواقف الإسلام من السياسة الداخلية.

السياسة الخارجية

فإن أريد بالسياسة معناها الخارجي، وهو المحافظة على استقلال الأمة وحريتها وإشعارها كرامتها وعزتها، والسير بها إلى الأهداف المجيدة التي تحتل بها مكانتها بين الأمم ومنزلتها الكريمة في الشعوب والدول، وتخليصها من استبداد غيرها بها وتدخله في شؤونها، مع تحديد الصلة بينها وبين سواها تحديدًا يفصل حقوقها جميعاً، ويوجه الدولة كلها إلى السلام العالمي العام وهو ما يسمونه (القانون الدولي).. فإن الإسلام قد عنى بذلك كل العناية وأفنى فيه بوضوح وجلاء، وألزم المسلمين أن يأخذوا بهذه الأحكام في السلم والحرب على السواء، ومن قصر في ذلك وأهمله فقد جهل الإسلام أو خرج عليه.

قرر الإسلام سيادة الأمة الإسلامية وأستاذيتها للأمم في آيات كثيرة من القرآن منها قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ سورة آل عمران الآية: 110، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (سورة البقرة: آية 143). وقوله تعالى: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُون﴾ (سورة المنافقون آية 8 ) وأكد قوامتها وأرشدها إلى طريق صيانتها وإلى ضرر تدخل غيرها في شؤونها بمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتِّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون﴾ (سورة آل عمران: آية 118)، وأشار إلى مضار الاستعمار وسوء أثره في الشعوب فقال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُون﴾ (سورة النمل: آية 27).

ثم أوجب على الأمة المحافظة على هذه السيادة، وأمرها بإعداد العدة واستكمال القوة، حتى يسير الحق محفوفاً بجلال السلطة كما هو مشرق بأنوار الهداية ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّة﴾ (سورة الأنفال: آية 6)، ولم يغفل التحذير من سورة النصر ونشوة الاعتزاز وما تجلبه من مجانبة للعدالة وهضم للحقوق، فحذر المسلمين العدوان على أية حال في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (سورة المائدة: آيةثمانية)، مع قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُو﴾ (سورة الحج: آية 41).

ومن هنا أيها الإخوة رأينا أخلاء المسجد، وأنضاء العبادة، وحفظة الكتاب الكريم، بل وأبناء الربط والزوايا من السلف رضوان الله عليهم، لا يقنعون باستقلال بلادهم، ولا بعزة قومهم، ولا بتحرير شعوبهم، ولكنهم ينسابون في الأرض، ويسيحون في آفاق البلاد فاتحين معلمين، يحررون الأمم كما تحرروا، ويهدونها بنور الله الذي اهتدوا به، ويرشدونها إلى سعادة الدنيا والآخرة، لا يغلون ولا يظلمون ولا يعتدون، ولا يستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.

ومن هنا رأينا عقبة بن نافع يخوض الأطلسي بلبة جواده قائلاً: اللهم لو علمت وراء هذا البحر أرضاً لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك، في الوقت الذي يكون فيه أبناء العباس الأشقاء قد دفن أحدهم بالطائف إلى جوار مكة، والثاني بأرض الترك من أقصى الشرق، والثالث بأفريقيا من أقصى المغرب، جهاداً في سبيل الله وابتغاء لمرضاته. وهكذا فهم الصحابة والتابعون بهم بإحسان أن السياسة الخارجية من صميم الإسلام.

الحقوق الدولية

وأحب قبل أن أختم هذا الاسترسال أن أؤكد لحضراتكم تأكيداً قاطعاً أن سياسة الإسلام داخلية أو خارجية تكفل تمام الكفالة حقوق غير المسلمين، سواء أكانت حقوقاً دولية أم كانت حقوقاً وطنية للأقليات غير المسلمة، وذلك لأن شرف الإسلام الدولي أقدس شرف عرفه التاريخ، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِين﴾ (سورة الأنفال: آية 58).

ويقول: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين﴾ (سورة التوبة: آية4) ويقول تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ (سورة الأنفال: آية 61).

ولئن كانت إيطاليا المتمدنة قد غزت الحبشة حتى استولت عليها ولم تعلن عليها حرباً ولم تسبق إلى ذلك بإنذار، وحذت حذوها اليابان الراقية فهي تحارب الصين، ولم تخطرها ولم تعلنها، فإن التاريخ لم يؤثر عن رسول الله صلى الله لعيه وسلم، ولا عن صحابته أنهم قاتلوا قوماً أو غزوا قبيلاً دون أن يوجهوا الدعوة ويتقدموا بالإنذار وينبذوا إليها على سواء.

وقد كفل الإسلام حقوق الأقليات بنص قرآن هو قول الله تبارك وتعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾ (سورة الممتحنة: آية8).

كما أن هذه السياسة الإسلامية نفسها لا تنافي أبداً الحكم الدستوري الشورى، وهي واضعة أصله ومرشدة الناس إليه في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾ (سورة الشورى: آية: 42) وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ (سورة آل عمران: آية 153). وقد كان صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه وينزل على رأي الفرد منهم متى وضح له صوابه كما فعل ذلك مع الحباب بن المنذر في غزوة بدر، ويقول لأبي بكر وعمر: “لو اجتمعتما ما خالفتكما”، وكذلك ترك عمر الأمر شورى بين المسلمين، وما زال المسلمون بخير ما كان أمرهم شورى بينهم.

سعة التشريع الإسلامي

كما أن تعاليم الإسلام وسياسته ليس فيها معنى رجعي أبداً، بل هي على أدق قواعد التشريع الصالح، وقد اعترف التشريع لكثير منها، وسيكشف الزمن للناس على جلاله ما لم يعرفوا – بأنها قد سبقته في دقة الأحكام وتصوير الأمور وسعة النظر، وشهد بذلك كثير من غير المسلمين كما ورد كثيراً في كلام المسيو لامبير وأضرابه، وأكدت ذلك مؤتمرات التشريع الدولية على أن الإسلام قد وضع من القواعد الكلية ما يترك للمسلم باباً واسعاً في الانتفاع بكل تشريع نافع مفيد لا يتعارض مع أصول الإسلام ومقاصده، وأثاب على الاجتهاد بشروطه، وقرر قاعدة المصالح المرسلة، واعتبر العرف، واحترم رأي الإمام، كل هذه القواعد تجعل التشريع الإسلامي في الذروة السامية بين الشرائع والقوانين والأحكام.

هذه معان أحب أيها السادة أن تذيع بيننا وأن نذيعها في الناس، فإن كثيرين لازالوا يفهمون من معنى النظام الإسلامي ما لا يتفق بحال مع الحقيقة، وهم لهذا ينفرون منه ويحاربون الدعوة إليه، ولو فقهوه على وجه لرجعوا به ولكانوا من أوائل أنصاره وأشدهم تحمساً له وأعلاهم صوتاً في الدعوة إليه.

المصدر:
http://lazeeez.com/qalam/i-344-119.html

الدين والسياسة وشمولية الإسلام

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن عنبر (84)

الدين والسياسة وشمولية الإسلام

بقلم الإمام حسن البنا … نقلاً عن كتاب نظرات في رسالة التعاليم لفضيلة الشيخ الخطيب
قلما تجد إنسانًا يتحدث إليك عن السياسة والإسلام إلا وجدته يفصل بينهما فصلاً، ويضع كل واحد من المعنيين في جانب فهما عند الناس لا يلتقيان ولا يجتمعان، ومن هنا سميت هذه جمعية إسلامية لا سياسية، وذلك اجتماع ديني لا سياسة فيه، ورأيت في صدر قوانين الجمعيات الإسلامية ومناهجها (لا تتعرض الجمعية للشؤون السياسية).

وقبل أن أعرض إلى هذه النظرة بتزكية أو تخطئة أحب أن ألفت النظر إلى أمرين مهمين:

أولهما: أن الفارق بعيد بين الحرية والسياسة، وقد يجتمعان وقد يفترقان، فقد يكون الرجل سياسيًا بكل ما في الكلمة من معان، وهو لا يتصل بحزب ولا يمت إليه، وقد يكون حزبيًا، ولا يدري من أمر السياسة شيئًا، وأنا حين أتكلم عن السياسة في هذه الكلمة فإنما أريد السياسة المطلقة، وهي النظر في شؤون الأمة الداخلية والخارجية غير مقيدة الحزبية بحال.. هذا أمر.

والثاني: أن غير المسلمين حينما جهلوا هذا الأمر، أو حينما أعياهم أمره وثباته في نفوس أتباعه، ورسوخه في قلوب المؤمنين به، واستعداد كل مسلم لتفديته بالنفس والمال، ولم يحاولوا أن يجرحوا في نفوس المسلمين اسم الإسلام ولا مظاهره وشكلياته، ولكنهم حاولوا أن يحصروا معناه في دائرة ضيقة تذهب بكل ما فيه من نواح قوية عملية، وإن تركت للمسلمين بعد ذلك قشورًا من الألقاب والأشكال والمظهريات لا تسمن ولا تغني من جوع… فأفهموا المسلمين أن الإسلام شيء ومسائل الاقتصاد لا تتصل به، وأن الإسلام شيء والثقافة العامة سواه، وأن الإسلام شيء يجب أن يكون بعيداً عن السياسة.

فحدثوني بربكم أيها الإخوان، إذا كان الإسلام شيئًا غير السياسة وغير الاجتماع، وغير الاقتصاد، وغير الثقافة، فما هو إذن؟.. أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر، أم هذه الألفاظ التي هي كما تقول رابعة العدوية استغفار يحتاج إلى استغفار، ألهذا أيها الإخوان نزل القرآن نظامًا كاملاً محكمًا مفصلاً ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين﴾ سورة النحل: الآية 89.

هذا المعنى المتضائل لفكرة الإسلام، وهذه الحدود الضيقة التي حدد بها معنى الإسلام ، هي التي حاول خصوم الإسلام أن يحصروا فيها المسلمين، وأن يضحكوا عليهم بأن يقولوا لهم لقد تركنا لكم حرية الدين، وأن الدستور ينص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام.

الإسلام الشامل

أنا أعلن أيها الإخوان من فوق هذا المنبر بكل صراحة ووضوح وقوة، أن الإسلام شيء غير هذا المعنى الذي أراد خصومه والأعداء من أبنائه أن يحصروه فيه ويقيدوه به، وأن الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، وسماحة وقوة، وخلق ومادة، وثقافة وقانون، وأن المسلم مطالب بحكم إسلامه أن يعني بكل شؤون أمته، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

وأعتقد أن أسلافنا رضوان الله عليهم ما فهموا للإسلام معنى غير هذا، فبه كانوا يحكمون، وله كانوا يجاهدون، وعلى قواعده كانوا يتعاملون، وفي حدوده كانوا يسيرون في كل شأن من شؤون الحياة الدنيا العملية قبل شؤون الآخرة الروحية، ورحم الله الخليفة الأول إذ يقول: “لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله”.

بعد هذا التحديد العام لمعنى الإسلام الشامل، ولمعنى السياسة المجردة عن الحزبية، أستطيع أن أجهر في صراحة بأن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسياً، بعيد النظر في شؤون أمته، مهتمًا بها غيورًا عليها، واستطيع كذلك أن أقول إن هذا التحديد والتجريد أمر لا يقره الإسلام، وأن على كل جمعية إسلامية أن تضع في رأس برنامجها الاهتمام بشؤون أمتها السياسية وإلا كانت تحتاج هي نفسها إلى أن تفهم معنى الإسلام.

دعوني أيها الأخوة أسترسل معكم قليلاً في تقرير هذا المعنى الذي قد يبدوا مفاجأة غريبة على قوم تعودوا أن يسمعوا دائمًا نغمة التفريق بين الإسلام والسياسة والذي قد يدع بعض الناس يقولون بعد انصرافنا من هذا الحفل، إن جماعة الإخوان المسلمين قد تركت مبادئها، وخرجت على صفتها، وصارت جماعة سياسية بعد أن كانت جمعية دينية، ثم يذهب كل متأول في ناحية من نواحي التأويل متلمسًا أسباب هذا الانقلاب في نظره، وعلم الله أيها السادة أن الإخوان ما كانوا يومًا من الأيام غير سياسيين، ولن يكونوا يومًا من الأيام غير سياسيين، ولن يكونوا يومًا من الأيام غير مسلمين، وما فرقت دعوتهم أبدًا بين السياسة والدين، ولن يراهم الناس في ساعة من نهار حزبيين ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِين﴾ سورة القصص: الآية 55.

ومحال أن يسيروا لغاية غير غايتهم أو يعملوا لفكرة سوى فكرتهم أو يتلونوا بلون غير الإسلام الحنيف: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُون﴾ سورة البقرة: آية 138.

السياسة الداخلية

دعوني أيها الأخوة استرسل معكم في تقرير هذا المعنى، فأقول إن كان يراد بالسياسة معناها الداخلي من حيث تنظيم أمر الحكومة وبيان مهماتها وتفصيل حقوقها وواجباتها ومراقبة الحاكمين والإشراف عليهم ليطاعوا إذا أحسنوا وينقدوا إذا أساؤوا… فالإسلام قد عنى بهذه الناحية، ووضع لها القواعد والأصول وفصل حقوق الحاكم والمحكوم، وبين مواقف الظالم والمظلوم،ن ووضع لكل حداً لا يعدوه ولا يتجاوزه.

فالدساتير والقوانين المدنية والجنائية بفروعها المختلفة عرض لها الإسلام، ووضع نفسه منها بالموضع الذي يجعله أول مصادرها وأقدس منابعها، وهو حين فعل هذا إنما وضع الأصول الكلية، والقواعد العامة، والمقاعد الجامعة، وفرض على الناس تحقيقها، وترك لهم الجزئيات والتفاصيل والمقاصد الجامعة، وفرض على الناس تحقيقها، وترك لهم الجزئيات والتفاصيل يطبقونها بحسب ظروفهم وعصورهم، ويجتهدون في ذلك ما وسعتهم المصلحة، وواتاهم الاجتهاد.

وقد قرر الإسلام سلطة الأمة وأكدها، وأوصى بأن يكون كل مسلم مشرفًا تمام الإشراف على تصرفات حكومته، يقدم لها النصح والمعونة ويناقشها الحساب، وهو كما فرض على الحاكم أن يعمل لمصلحة المحكومين بإحقاق الحق وإبطال الباطل فرض على المحكومين كذلك أن يسمعوا ويطيعوا للحاكم ما كان كذلك، فإذا انحرف فقد وجب عليهم أن يقوموه على الحق ويلزموه حدود القانون ويعيدوه إلى نصاب العدالة، هذه تعاليم كلها من كتاب الله تبارك وتعالى ومن أحاديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم نتقولها ولم نخترعها، وإلى حضراتكم قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون﴾ سورة المائدة: الآية 48-50، إلى عشرات من الآيات الكريمة التي تناولت كل ما ذكرنا بالبيان والتفصيل.

ويقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم- في تقرير سلطة الأمة وتقرير الرأي العام فيها: “الدين النصيحة. قالوا : لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” رواه مسلم: ويقول أيضاً: “إن من أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر” رواه الترمذي وابن ماجه، ويقول كذلك: “سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله” مجمع الزوائد، وعزاه إلى الطبراني في المعجم الأوسط. وإلى مئات الأحاديث التي تفصل هذا المعنى وتوضحه، وتوجب على المسلمين أن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر، وأن يراقبوا حكامهم ويشرفوا على مبلغ احترامهم للحق وإنقاذهم لأحكام الله.

فهل كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين يأمر بهذا التدخل، أو الإشراف أو التناصح، أو سمة ما شئت، وحين يحض عليه، ويبين أنه الدين وأنه الجهاد الأكبر، وأن جزاءه الشهادة العظمى.. يخالف تعاليم الإسلام فيخلط السياسة بالدين، أم أن هذه هي طبيعة الإسلام الذي بعث الله نبيه – صلى الله عليه وسلم – وأننا في الوقت الذي نعدل فيه بالإسلام عن هذا المعنى نصور لأنفسنا إسلاماً خاصاً غير الذي جاء به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن ربه.

لقد تقرر هذا المعنى الفسيح للإسلام الصحيح في نفوس السلف الصالح لهذه الأمة، وخالط أرواحهم وعقولهم، وظهر في كل أدوار حياتهم الاستقلالية قبل ظهور هذا الإسلام الاستعماري الخانع الذليل.

ومن هنا أيها الإخوان كان أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يتكلمون في نظم الحكم، ويجاهدون في مناصرة الحق، ويحتملون عبء سياسة الأمة، ويظهرون على الصفة التي وصفوا أنفسهم بها “رهبان بالليل فرسان بالنهار” حتى كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الصديقة تخطب الناس في دقائق السياسة، وتصور لهم مواقف الحكومات في بيان رائع وحجة قوية، ومن هنا كانت الكتيبة التي شقت عصا الطاعة على الحجاج وحاربته وأنكرت عليه بقيادة ابن الأشعث تسمى كتيبة الفقهاء إذا كان فيها سعيد بن جبير وعامر الشعبي وأضرابهما من فقهاء التابعين وجلة علمائهم.

ومن هنا رأينا من مواقف الأئمة رضوان الله عليهم في مناصحة الملوك ومواجهة الأمراء والحكام بالحق ما يضيق بذكر بعضه – فضلاً عن كله – المقام.

ومن هنا كذلك كانت كتب الفقه الإسلامي قديماً وحديثاً فياضة بأحكام الإمارة والقضاء والشهادة الدعاوى والبيوع والمعاملات والحدود والتعزيرات، ذلك إلى أن الإسلام أحكام عملية وروحية، إن قررتها السلطة التشريعية فإنما تقوم على حراستها وإنقاذها السلطة التنفيذية والقضائية ولا قيمة لقول الخطيب كل جمعة على المنبر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾ سورة المائدة: الآية 90)، في الوقت الذي يجيز فيه القانون السكر وتحمي الشرطة السكيرين وتحمي الشرطة السكرين وتقودهم إلى بيوتهم أمنين مطمئنين، ولهذا كانت تعاليم القرآن لا تنفك عن سطوة السلطان، ولهذا كانت السياسة الحكومية جزءاً من الدين، وكان من واجبات المسلم أن يعني بعلاج الناحية الحكومية كما يعني بعلاج الناحية الروحية. وذلك مواقف الإسلام من السياسة الداخلية.

السياسة الخارجية

فإن أريد بالسياسة معناها الخارجي، وهو المحافظة على استقلال الأمة وحريتها وإشعارها كرامتها وعزتها، والسير بها إلى الأهداف المجيدة التي تحتل بها مكانتها بين الأمم ومنزلتها الكريمة في الشعوب والدول، وتخليصها من استبداد غيرها بها وتدخله في شؤونها، مع تحديد الصلة بينها وبين سواها تحديدًا يفصل حقوقها جميعاً، ويوجه الدولة كلها إلى السلام العالمي العام وهو ما يسمونه (القانون الدولي).. فإن الإسلام قد عنى بذلك كل العناية وأفنى فيه بوضوح وجلاء، وألزم المسلمين أن يأخذوا بهذه الأحكام في السلم والحرب على السواء، ومن قصر في ذلك وأهمله فقد جهل الإسلام أو خرج عليه.

قرر الإسلام سيادة الأمة الإسلامية وأستاذيتها للأمم في آيات كثيرة من القرآن منها قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ سورة آل عمران الآية: 110، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (سورة البقرة: آية 143). وقوله تعالى: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُون﴾ (سورة المنافقون آية 8 ) وأكد قوامتها وأرشدها إلى طريق صيانتها وإلى ضرر تدخل غيرها في شؤونها بمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتِّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون﴾ (سورة آل عمران: آية 118)، وأشار إلى مضار الاستعمار وسوء أثره في الشعوب فقال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُون﴾ (سورة النمل: آية 27).

ثم أوجب على الأمة المحافظة على هذه السيادة، وأمرها بإعداد العدة واستكمال القوة، حتى يسير الحق محفوفاً بجلال السلطة كما هو مشرق بأنوار الهداية ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّة﴾ (سورة الأنفال: آية 6)، ولم يغفل التحذير من سورة النصر ونشوة الاعتزاز وما تجلبه من مجانبة للعدالة وهضم للحقوق، فحذر المسلمين العدوان على أية حال في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (سورة المائدة: آيةثمانية)، مع قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُو﴾ (سورة الحج: آية 41).

ومن هنا أيها الإخوة رأينا أخلاء المسجد، وأنضاء العبادة، وحفظة الكتاب الكريم، بل وأبناء الربط والزوايا من السلف رضوان الله عليهم، لا يقنعون باستقلال بلادهم، ولا بعزة قومهم، ولا بتحرير شعوبهم، ولكنهم ينسابون في الأرض، ويسيحون في آفاق البلاد فاتحين معلمين، يحررون الأمم كما تحرروا، ويهدونها بنور الله الذي اهتدوا به، ويرشدونها إلى سعادة الدنيا والآخرة، لا يغلون ولا يظلمون ولا يعتدون، ولا يستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.

ومن هنا رأينا عقبة بن نافع يخوض الأطلسي بلبة جواده قائلاً: اللهم لو علمت وراء هذا البحر أرضاً لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك، في الوقت الذي يكون فيه أبناء العباس الأشقاء قد دفن أحدهم بالطائف إلى جوار مكة، والثاني بأرض الترك من أقصى الشرق، والثالث بأفريقيا من أقصى المغرب، جهاداً في سبيل الله وابتغاء لمرضاته. وهكذا فهم الصحابة والتابعون بهم بإحسان أن السياسة الخارجية من صميم الإسلام.

الحقوق الدولية

وأحب قبل أن أختم هذا الاسترسال أن أؤكد لحضراتكم تأكيداً قاطعاً أن سياسة الإسلام داخلية أو خارجية تكفل تمام الكفالة حقوق غير المسلمين، سواء أكانت حقوقاً دولية أم كانت حقوقاً وطنية للأقليات غير المسلمة، وذلك لأن شرف الإسلام الدولي أقدس شرف عرفه التاريخ، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِين﴾ (سورة الأنفال: آية 58).

ويقول: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين﴾ (سورة التوبة: آية4) ويقول تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ (سورة الأنفال: آية 61).

ولئن كانت إيطاليا المتمدنة قد غزت الحبشة حتى استولت عليها ولم تعلن عليها حرباً ولم تسبق إلى ذلك بإنذار، وحذت حذوها اليابان الراقية فهي تحارب الصين، ولم تخطرها ولم تعلنها، فإن التاريخ لم يؤثر عن رسول الله صلى الله لعيه وسلم، ولا عن صحابته أنهم قاتلوا قوماً أو غزوا قبيلاً دون أن يوجهوا الدعوة ويتقدموا بالإنذار وينبذوا إليها على سواء.

وقد كفل الإسلام حقوق الأقليات بنص قرآن هو قول الله تبارك وتعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾ (سورة الممتحنة: آية8).

كما أن هذه السياسة الإسلامية نفسها لا تنافي أبداً الحكم الدستوري الشورى، وهي واضعة أصله ومرشدة الناس إليه في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾ (سورة الشورى: آية: 42) وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ (سورة آل عمران: آية 153). وقد كان صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه وينزل على رأي الفرد منهم متى وضح له صوابه كما فعل ذلك مع الحباب بن المنذر في غزوة بدر، ويقول لأبي بكر وعمر: “لو اجتمعتما ما خالفتكما”، وكذلك ترك عمر الأمر شورى بين المسلمين، وما زال المسلمون بخير ما كان أمرهم شورى بينهم.

سعة التشريع الإسلامي

كما أن تعاليم الإسلام وسياسته ليس فيها معنى رجعي أبداً، بل هي على أدق قواعد التشريع الصالح، وقد اعترف التشريع لكثير منها، وسيكشف الزمن للناس على جلاله ما لم يعرفوا – بأنها قد سبقته في دقة الأحكام وتصوير الأمور وسعة النظر، وشهد بذلك كثير من غير المسلمين كما ورد كثيراً في كلام المسيو لامبير وأضرابه، وأكدت ذلك مؤتمرات التشريع الدولية على أن الإسلام قد وضع من القواعد الكلية ما يترك للمسلم باباً واسعاً في الانتفاع بكل تشريع نافع مفيد لا يتعارض مع أصول الإسلام ومقاصده، وأثاب على الاجتهاد بشروطه، وقرر قاعدة المصالح المرسلة، واعتبر العرف، واحترم رأي الإمام، كل هذه القواعد تجعل التشريع الإسلامي في الذروة السامية بين الشرائع والقوانين والأحكام.

هذه معان أحب أيها السادة أن تذيع بيننا وأن نذيعها في الناس، فإن كثيرين لازالوا يفهمون من معنى النظام الإسلامي ما لا يتفق بحال مع الحقيقة، وهم لهذا ينفرون منه ويحاربون الدعوة إليه، ولو فقهوه على وجه لرجعوا به ولكانوا من أوائل أنصاره وأشدهم تحمساً له وأعلاهم صوتاً في الدعوة إليه.

المصدر:
http://lazeeez.com/qalam/i-344-119.html

((الإسلام والديمقراطية))

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن عنبر (84)

((الإسلام والديمقراطية))

الشيخ فتحي منصور
قاضي المحكمة الشرعية – القدس

إن فكرة الديمقراطية في وقتنا الحاضر تغزو العالم عبر مساحات واسعة من النشاطات الإعلامية والثقافية سواء على مستوى الندوات أو المحاضرات أو اللقاءات المرئية أو صفحات الجرائد وغيرها، أو عبر الحملات العسكرية لغزو البلدان العربية والإسلامية لنشر (الديمقراطية) في هذه البلاد وقمع الأنظمة (الديكتاتورية).

ولا شك أن في هذه الفكرة بريقاً قوياً خاصة بالنسبة للشعوب التي تعاني من القهر والاستبداد، وقد حول هذا البريق فكرة (الديمقراطية) من بُعد فكري ونظري لترتيب السياسة في المجتمع الى ممارسات عملية تتعلق بحريات أساسية منها حرية التعبير والتنقل والتنظيم وغيرها.

فالناس عامة لا يكترثون في البحث عن الأسس الفلسفية أو الفكرية التي تنطلق منها الديمقراطية، بقدر ما يهتمون ببعض المظاهر والممارسات السياسية التي يرتاحون إليها ويثنون عليها ويودون أن تكون جزءاً من واقعهم لعلهم ينعمون ببعض (الخيرات) التي تنعم بها الشعوب التي أقامت نظماً سياسية ديمقراطية.

وقد ساد هذا الانطباع الجماهيري العام عن الديمقراطية في العالم الإسلامي والوطن العربي حتى بات المفهوم الشعبي لها مرادفاً (للحرية). ولا ينتبه الكثيرون من الناس أن الحرية قد تكون أكثر شمولاً أو أقل اتساعاً من الديمقراطية، وأن لكل مفهوماً خاصاً ربما يتقاطع مع الآخر ولا يلتقي معه بالضرورة. وربما أن هذا الأمر هو الذي قاد بعض المفكرين والباحثين المسلمين إلى القول بأن الإسلام (ديمقراطي) وأن القيم الديمقراطية قيم إسلامية يجب الدفاع عنها، وبدلاً من أن يركزوا على البحث في مجال الحريات في الإسلام، انطلقوا يتحدثون عن الحداثة الإسلامية في ثوب ديمقراطي.

* إذن ما المقصود بالديمقراطية:

لقد عرفت الديمقراطية لغوياً أنها حكم الشعب.

وقد نشأ هذا المفهوم في أثينا في الثقافة اليونانية القديمة ثم تجسدت هذه الفكرة في العصور اللاحقة في الفكر السياسي الغربي واتخذت نشاطاً نضالياً من أجل الديمقراطية بين الحكام والمحكومين بلغ أوجه خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر عندما استطاع البريطانيون من الحد من صلاحيات الملك بعد ثورتي 1649 و 1688.

وكان ل (جون لوك) دور بارز في الدعوة للديمقراطية بالمفهوم الغربي والذي عرفها بأنها (حق الأكثرية التي اكتسبت سلطة الجماعة بالاتحاد في استخدام تلك السلطة لتشريع القوانين وتنفيذها بواسطة موظفين عينوا لذلك).

أما الولايات المتحدة فلم تعرب النظام الديمقراطي إلا بعد الاستقلال (1776) وتجسدت في إعلان حقوق الإنسان وحريته. رغم أن الديمقراطية الأمريكية بقيت مشوهة إلى اليوم حيث لا يحق مثلاً الترشيح للرئاسة إلا لفئة معينة من الشعب كالبروتستانت أو البيض أو الانكلوسكسون، كما أن الثروة المالية للمرشح مقدمة على أن نوع من الكفاءات الأخرى.

أما في فرنسا فقد انفجرت الثورة سنة 1789 معلنة حقوق الإنسان والمواطن، حيث عرف جان جاك روسو الديمقراطية بما يلي:

“يستطيع صاحب السيادة في المقام الأول أن يعهد بأمانة الحكم إلى الشعب كله أو إلى الجزء الأكثر منه بحيث يكون هناك من المواطنين الحكام أكثر من المواطنين الأفراد ويطلق على هذا الشكل من الحكومة اسم ديمقراطية”.

أما (مونتسكيو) ففي معرض تقسيمه للحكومات اعتبر الحكم الديمقراطي شكلاً من أشكال الحكم الجمهوري.

فالديمقراطية في راية تحكم على أساس الفضيلة السياسية وتعني حب الدولة وحب المساواة، وفي ظل النظام الديمقراطي فإن المواطنين يختارون وفقاً لبمدأ المساواة وإمكانياتهم وقدراتهم، والسلطة التشريعية يجب أن تكون بين الأفراد كما أن التصويت يجب أن يكون عاماً.

إذن، فالديمقراطية بالمعنى اللغوي (حكم الشعب): هي قاعدة لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع في حال من الأحوال، وهو الأمر الذي يؤكده (روسو) حيث يقول (وإذا أخذنا عبارة الديمقراطية بكل معناها الدقيق نجد أن الديمقراطية الحقيقية لم توجد أبداً ولن توجد أبداً فيما يخالف النظام الطبيعية أن يحكم العدد الأكبر وأن يكون العدد الأصغر هو المحكوم ولا يمكن أن نتصور بقاء الشعب مجتمعاً على الدوام للنظر في الشؤون العامة ونستطيع أن نرى بسهولة أنه لا يمكن إقامة لجان من أجل ذلك دون تغيير في شكل الإدارة.

أما المفهوم الاصطلاحي للديمقراطية فقد أصبح يشمل معان أخرى أضيفت إليه كإعطاء الحرية للناس في تشريع القانون واختيار من ينفذه من خلال الانتخابات العامة التي تكفل المساواة للأفراد في المشاركة في الحياة السياسية حيث يكون الرأي للأغلبية.

ولا شك أن الحرية والمساواة مفاهيم تتوق إليها النفس الإنسانية التي بطبيعتها ترفض العبودية والظلم، ولذا نجد التغني بالديمقراطية واعتبارها الحكم المنشود لكل شعب مضطهد مظلوم تنطلق من هذين الشعارين اللذين ترفعهما.

إذن فالديمقراطية تعتبر منهجاً في الحكم يرمي إلى وضع حد لثنائية الحاكم والمحكوم التي سادت تاريخ أوروبا القديم والوسيط، واقترنت بانتشار الحكم الفردي وسيطرة الكنيسة وغياب القانون.

ويهدف هذا المنهج إلى استبدال هذا الوضع القديم بآخر جديد هو وضع الدولة الحديثة التي يحكمها القانون باعتبارها معبرّاً عن إرادة الشعب وملزماً للرئيس والمرؤوس معا.

ولبلوغ هذا الهدف يعتمد المنهج الديمقراطي على جملة من المبادئ الأساسية التي تتولد عنها آليات وأجهزة دستورية تختلف صيغتها التفصيلية من نظام إلى آخر، ويمكن إجمالها فيما يلي:

1. الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات والشرعية.

2. انبثاق السلطات بواسطة الانتخابات

3. الإقرار للأغلبية بأن تحكم وللأقلية بأن تعارض

4. التعددية الحزبية

5. التداول السلمي على السلطة

6. مراقبة الحكام وممارسة التأثير عليهم

7. فصل السلطات

8. ضمان حريات المعتقد والتعبير والعمل النقابي

9. حفظ مصالح الضعفاء والأقليات

10.احترام حقوق الإنسان

مقارنة عامة لبعض المفاهيم بين الديمقراطية والإسلام

مصدر التشريع

يمتاز نظام الحكم في الإسلام بخصائص أهمها:

1- الحاكمية لله

2- السيادة للأمة

3- الدولة الإسلامية واحدة في المبادئ، متعددة في الأشكال حسب الزمان والمكان.

Ø الحاكمية لله؛ تعني أن مصدر التشريع هو الله سبحانه وتعالى وحده وأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله تعالى بالوحي.

Ø الحاكم منفذ لأحكام الله تعالى في الأمة مجتهد في استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها الأساسية.

Ø طاعة الحاكم واجبة ما لم يخالف نصاً صريحاً.

Ø قال تعالى: ( أيا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً)

وقال تعالى: ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم).

وقال تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك).

قال تعالى( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم)

أما النظام الديمقراطي، فإن حق التشريع للشعب، فالدستور وسائر القوانين هي من صنع البشر ويمثل على أفضل تقدير وفي لحظات مثالية تحكم الأكثرية بالأقلية.

وشتان بين نظام وضعه خالق الإنسان والعالم بخفايا نفسه والقادر على وضع ما يصلها من القوانين التي توصل الإنسان إلى سعادته الحقيقية وبين نظام يستمد من الإنسان الذي هو في أفضل حالات نزاهته وتجرده عن اللذات عرضة للخطأ الذي يذهب ضحيته البشر.

اختيار الحاكم

– حق اختيار الحاكم هو للأمة بواسطة أهل الحل والعقد، فالحكم بالإسلام هو عقد عن تراض بين الأمة والحاكم.

– البيعة تعني الطاعة والقبول

– الحاكم مقيد بتبني الأحكام الشرعية المستنبطة استنباطاً صحيحاً من الأدلة الشرعية ومقيد بالحلال والحرام.

– لا يخرج على الحاكم أو يعزل إلا إذا أظهر كفراً بواحاً.

عن عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المكره والمنشط، فبايعناه، فقال: فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان).

الشورى

Ø الشورى ضرورة إنسانية في جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلاقات الفردية.

قال عليه الصلاة والسلام (إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه)

وهي في النظام السياسي في الإسلام من لوازم الإيمان بالله تعالى.

قال تعالى ( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون).

Ø النظام السياسي في الإسلام نظام شوري يرفض جميع أشكال الحكم الاستبدادي وكل الأنظمة السياسية الغوغائية والفوضوية.

Ø قال تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين).

Ø الحاكم يمارس تنفيذ هذا النظام من خلال الوقوف على رأي فئة من الأمة تتصف بالذكاء والحنكة والتجربة والإخلاص للنظام والأمة، وهذه الفئة تمثل الأمة تمثيلاً حقيقياً بجميع قطاعاتها وتحاسب الحاكم محاسبة من شأنها تسديد مسيرته ودعمه في اتجاهاته الخيرة وتعينه على اتخاذ القرارات المهمة والحسم في المواقف التي تواجهه.

لما سار رسول الله r إلى بدر خرج فاستشار الناس فأشار عليه أبو بكر رضي الله عنه ثم استشارهم فأشار عليه عمر y عنه فسكت فقال رجل من الأنصار إنما يريدكم، فقالوا يا رسول الله، “والله لا نكون كما قالت بنوا إسرائيل لموسى عليه السلام (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون)، ولكن والله لو ضربت أكباد الإبل، حتى تبلغ برك الغماد لكنا معك”.

المرأة

Ø لقد وزع الإسلام الاختصاصات العملية توزيعاً يوافق طبائع الذكورة والأنوثة.

Ø كفل الإسلام للمرأة حقوقاً عديدة في المجالات السياسية، فقد أقر لها حق المشاركة السياسية من حيث إبداء الرأي، وأن الآية الكريمة (وأمرهم شورى بينهم) لم تخص الرجال دون النساء.

وقد شاركت أم سلمة في صلح الحديبة وهي التي أشارت على النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحلق رأسه.

كما عارضت أسماء بنت أبي بكر بيعة بأنها عبد الله بن الزبير للأمويين.

Ø منح الإسلام للمرأة حق التعبير عن الرأي أسوة بالرجال.

فقد خطب عمر رضي الله فقال: (ألا لا تغالوا في صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فقالت إليه امرأة فقالت: يا عمر يعطينا الله وتحرمنا، أليس الله سبحانه وتعالى يقول (وآتيتم إحداهم قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً)، فقال عمر، أصابت امرأة وأخطأ عمر، وفي رواية فاطرق عمر ثم قال كل الناس افقه منك يا عمر، وفي رواية أخرى امرأة أصابت ورجل أخطأ وترك الإنكار.

Ø ساوى الإسلام بين الذكور والإناث في حق التعليم والثقافة

Ø فسح الإسلام أمام المرأة مجال العمل وراعى تركيبة المرأة البيولوجية وأنوثتها.