أ.د. أحمد محمد وهبان

أثر انهيار الأخلاق في انهيار الحضارات

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله سليمان ٣٣٦

أثر انهيار الأخلاق في انهيار الحضارات
مما لا شك فيه أن حضارات الأمم تبنى بالأخلاق والقيم، وأن انهيارها مرتبط بالانحلال والانحراف عن منهج الله الواحد الأحد. يقول ابن خلدون: “إذا تأذن الله بانقراض الملك من أمة حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل وسلوك طريقها، وهذا ما حدث في الأندلس، وأدى فيما أدى إلى ضياعه”.

وأدرك هذه الحقيقة أيضًا أحد كتاب النصارى واسمه (كوندي)، حيث قال: “العرب هووا عندما نسوا فضائلهم التي جاءوا بها، وأصبحوا على قلب متقلب يميل إلى الخفة والمرح والاسترسال بالشهوات”. وصدق الله العظيم القائل: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16].
مما سبق يتبين لنا أن أهم عوامل سقوط بلاد الأندلس هو العامل الأخلاقي، وسقوط الأندلس بدأت معالمه ومظاهره قبل سقوط غرناطة بوقت مبكر، وذلك بعد أن قام على أنقاض الدولة الأموية بالأندلس العديد من الدويلات الإسلامية المتناحرة المتنازعة، والتي صورها الشاعر بقوله:
مما يزهدني في أرض أندلـس *** أسمـاء معتمـد فيها ومعتضـد
ألقاب مملكة في غير موضعهـا *** كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد

ومما ينبغي التنبه له أن الضعف التدريجي للمسلمين في الأندلس والذي أدى إلى خروجهم من تلك الديار، لم ينشأ من فراغ كما لم يكن وليد يوم وليلة، بل كان نتيجة لعدة عوامل وأسباب يمكن إجمالها فيما يلي:
1- انحراف كثير من مسلمي الأندلس عن منهج الله.
2- موالاة العدو النصراني والتخلي عن الجهاد.
3- التفرق والتشرذم.
4- تكالب القوى النصرانية عليهم.
ويعتبر الضعف الخلقي عند المسلمين في الأندلس قبل سقوطها أحد النتائج التي تمخضت عن الانحراف عن منهج الله، وقد كان لهذا الضعف مظاهر وصور منها:
1- الأنانية وحب الذات.
2- التشبه بالعدو وتقليده.
3- انتشار المجون والخلاعة بين المسلمين.
1- الأنانية وحب الذات:
بعد أن قامت دولة ملوك الطوائف بعد الدولة الأموية في الأندلس، تنافس أولئك على السلطة، وانتشر بينهم العداء المستحكم والخصام الدائم؛ فالكثير منهم لا همّ له إلا تحقيق مصلحته الذاتية وإشباع أنانيته ووجوده في السلطة، ولو على حساب المسلمين!!

وقد أدرك هذه الحقيقة الكثير من المؤرخين لهذه المرحلة، منهم أبو حيان الأندلسي الذي قال: “دهرنا هذا قد غربل أهليه أشد غربلة، فسفسف أخلاقهم، وسفّه أحلامهم، وخبث ضمائرهم…”.

ويقول المراكشي: وصار الأمر في غاية الأخلوقة (الأضحوكة) والفضيحة، أربعة كلهم يتسمى بأمير المؤمنين في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخًا في مثلها.

وقال ابن حزم: “اللهم إننا نشكو إليك تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم، وبعمارة قصور يتركونها عما قريب عن عمارة شريعتهم اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم…”.

وقال في موضع آخر عنهم: “والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم بادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حرم المسلمين وأبنائهم، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعًا، فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس”.
2- التشبه بالعدو وتقليده:
للمسلمين شخصيتهم المستقلة التي تميزوا بها عن غيرهم من الشعوب والأمم، وقد ظل مسلمو الأندلس خلال القرون الثلاثة الأولى لوجودهم في الأندلس محافظين على شخصيتهم تلك التي تأصلت فيها الأخلاق والقيم النبيلة، ولكنهم بعد أن دبّ الضعف إليهم وعصفت بهم الفتن، وضعف الوازع الديني عند بعضهم، بدءوا بالتخلي عن بعض تلك الأخلاق، والتأثر بأخلاق وعادات غريبة عليهم وعلى مجتمعهم.

ذكر ابن الخطيب أن جند مسلمي الأندلس تشبهوا بالنصارى في زيهم وأسلحتهم، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل إن بعض مسلمي الأندلس قلد النصارى في الاحتفال بأعيادهم ومناسباتهم الشركية، وهناك فئة أخرى كانت تحضر مجالسهم وتشاركهم أفراحهم، من هؤلاء منذر بن يحيى أمير سرقسطة، فقد بالغ في التشبه بالنصارى وموالاتهم، حيث كان يحضر عقود المصاهرة التي كانت تتم بين أبنائهم.

ولا شك أن لذلك أثرًا في كسر الحاجر النفسي بين المسلمين وأعدائهم، فزالت مهابة المسلمين عند النصارى حينما تخلوا عن أصالتهم وأخلاقهم الإسلامية، حيث أصبحوا حقيرين في عين عدوهم، وأقل من أن يهتم بهم.
3- الخلاعة والمجون:
وكان ذلك من أعظم الأسباب أثرًا في انهيار الدولية الإسلامية في الأندلس، حيث كان شرب الخمور والاستغراق في الملذات والإكثار من الجواري والنساء – كان ذلك قاسمًا مشتركًا بين كثير من ملوك الطوائف، وغرقوا في مستنقع الفواحش والرذيلة. ويبدو هذا جليًّا لكل من طالع أخبارهم، واستغل هذا الأمر بعض الوزراء والموظفين الذين رغبوا أن يستبدوا بالحكم والسلطان.

قال أحد شعراء تلك الفترة عن الخمر:
فجُلّ حيـاتي من سكرهـا *** جرت مني الخمرة مجرى الدم

وكان أهل تلك الفترة يتفاخرون بكثرة آلات الطرب والغناء، حيث يقولون: عند فلان عودان أو ثلاثة وأربعة وأكثر من ذلك.

وامتد ذلك ليصل إلى حد الاستخفاف بالدين عند بعض الناس، فقد ذكر ابن حزم أن إبراهيم بن سيار النظام كبير المعتزلة في الأندلس تعلق بحب غلام نصراني، فألف له كتابًا في تفضيل التثليث على التوحيد؛ تقربًا إليه!!
مما سبق ذكره نقول ختامًا:
إن قصة خروجنا من الأندلس لم تكن قصة عدو قوي انتصر علينا بقدر ما كانت قصة هزيمتنا أمام أنفسنا.. قصة ضياعنا وأكلنا بعضنا بعضًا، كما تأكل الحيوانات المنقرضة بعضها بعضًا.

كان الترامي في أحضان العدو ممكنا‏.‏‏.‏ وكان التنازل له عن الأرض ممكنًا‏.‏‏.‏ وكان الخلاف بين بعضهم وبعض لدرجة الاستنجاد بالعدو ممكنًا‏.‏‏.‏!!
أجل‏.. كان كل هذا ممكنًا إلا شيئًا واحدًا.‏‏. إلا العودة إلى الإسلام الصحيح الخالي من حب السلطة واستعباد الدنيا‏، والأمر بالاعتصام بحبل الله وحده وعدم التفرقة..‏ كل شيء كان ممكنًا -في عُرْفهم- إلا هذا‏.‏
ما أشبه الليلة بالبارحة! فحالنا في هذه الأيام من جهة استعلاء عدونا علينا، وتمكُّنه منا إنما هو بذنوبنا {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165].
فقد بعدنا وبعدنا جدًّا عن ديننا، وانتشرت رذائل الأخلاق بيننا، وتشبهنا بل ووالينا أعداءنا، وتفرقنا شذر مذر، ويوم أن نعود إلى ديننا سيعود لنا عزنا {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

الإحساس بالاشمئزاز – ميزة إنسانية وجذورها ثقافية ..

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله سليمان ٣٣٦

الإحساس بالاشمئزاز – ميزة إنسانية وجذورها ثقافية ..

صورة

لماذا تثير بعض الحيوانات كالجرذان والعنكبوت أو الأطعمة المتعفنة الشعور بالاشمئزاز؟ ولماذا لا يستطيع البعض حتى النظر إلى بعض الأطعمة بدعوى أنها تثير القرف، فيما تمثل إحدى الأكلات المحببة في بلدان وثقافات أخرى؟

صعد كنوت فورمان السلم الحديدي لبلوغ أحد أحواض معالجة مياه الصرف الصحي، الذي كست سطحه رغوة بيضاء وتكومت في بعض أجزاءه دوائر من الفوط الصحية. بعد لحظات، غطس كنوت فورمان في هذا الحوض لمباشرة عمله. ذلك أن مهنته هي الغطس في أحواض معالجة مياه الصرف الصحي لتحرير أنابيب التهوية من بقايا الشعر، ومن الواقي الذكري والفوط الصحية التي تمنع تسرب الهواء بمقدار كافٍ، مما يعيق الباكتاريا من أداء مهمتها.

وما يعتبره هذا الرجل مهنة كغيرها من المهن، يثير لدى الغالبية العظمى من الناس إحساسا بالقرف الشديد قد يصل إلى حدّ الإغماء. إنه إحساس، وإن كان غير محتمل، لكن له إيجابياته لأنه يحمينا من خطر التعرض للسموم والإصابة ببعض الأمراض الخطيرة.، حسب البروفيسور هارالد أويلر، أستاذ الطب النفسي في جامعة كاسل الألمانية.

ردة فعل واحدة – والأسباب عديدة

لبعض يرى في مهنة كنوت فورمان أمرا مثيرا للاشمئزاز، لكنه يقول إنها مهنة كغيرها من المهن…
هناك حقيقة لا يجادل حولها اثنان في مختلف أقطار المعمورة، وتكمن في أن ما يطرحه الجسم البشري من براز أو بول أو قيح أو الأطعمة المتعفنة وبعض الزواحف والحيوانات كالجرذان والدود واليرقات مثيرة للاشمئزاز والقرف. ورغم اختلاف الثقافات واللغات، إلا أن طريقة التعبير واحدة، تتمثل في سحب الأنف والشفة العليا إلى الأعلى، أما الشفة السفلى فتميل إلى الأسفل.

لكن إذا تعلق الأمر بالأطعمة، فهنا تختلف الأذواق: فمثلا أكلة بالوت الشعبية والمحببة في الفلبين هي بالنسبة للبعض “في غاية القرف”؛ فهي تعدّ من بيض البط الذي يتم احتضانه لبضعة أسابيع إلى أن يتكون جنين بمنقار وشعر، ثم يُسلق البيض في الماء ويؤكل مع الملح.

والإحساس بالإشمئزاز يتعلمه الإنسان منذ الطفولة

البروفسور هارلد أويلر، أستاذ في الطب النفسي من جامعة كاسل الألمانية..
يرى المختصون أن الإحساس بالقرف، هو أيضا من الأشياء التي نتعلمها في مسار حياتنا. ذلك أن الطفل، وإلى غاية ربيعه الثاني، لا يفرق بين الأشياء ويضع كل ما عثرت عليه يده في فمه، حتى وإن كان ذلك براز الحيوانات أو حلزونة تنزلق على السائل المخاطي اللزج الذي تفرزه.

في العام الثالث يتكون لدى الأطفال قوانين الإحساس بالقرف تماما كما هو شائع بين الكبار. ومن بين هذه القوانين، أن أي شيء كان له اتصال مباشر بأشياء تثير الاشمئزاز يصبح بدوره كذلك. ومن هذا المنظور، لن يستطيع أي شخص شرب كوب من الحليب إذا ما سقطت بداخله ذبابة. أما القانون الثاني فمتعلق بالشبه، بمعنى أن لا أحد يرغب في شرب العصير من نونية السرير حتى وإن خرجت الأخيرة لتوها من المصنع.

ويوضح البروفيسور أويلار أن ذلك مرتبط “بتداعي المعاني”، لأننا نقضي على هذا الإحساس كلّما تكررت المواجهة مع الأشياء التي تثير لدينا الإحساس بالاشمئزاز. وبهذا نمرن أنفسنا لتجاوز هذا الإحساس، الأمر الذي يؤكده كنوت فورمان والذي يعمل داخل أحواض تنقية مياه الصرف الصحي. وقد عبر عما يصادفه يوميا بالقول، “إنني أرى في فضلات الجسم البشري أكواما من الطين فقط”.

نظرية الدولة عند ابن خلدون

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله سليمان ٣٣٦

نظرية الدولة عند ابن خلدون

يعتبر عبد الرحمن بن خلدون من الشخصيات الإسلامية الفذة في العصور الوسيطة ، وهو مغربي الميلاد والنشأة والثقافة ، فقد ولد في تونس سنة 732هـ (1332م)، وأقام في المغرب حتى عام 784هـ ، حيث انتقل إلى مصر ، ومكث بها ما يناهز ربع قرن ( 784 – 808هـ)، حيث توفي ودفن في مقابرها سنة 1406م.
لقد كانت شخصية ابن خلدون ولا تزال جذابة من كل جوانبها ، ولكن جانبيْن اثنيْن منها قد جذبا أنظار القدامى والمحدثين من الباحثين ، وهما الجانب الفكري والثقافي ، والجانب السياسي. وتتميز نظرياته بأنَّها على الغالب صالحة لكل زمان ومكان لأنَّها مستقاة من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، فهذا المؤرخ العلامة حفظ أول ما حفظ القرآن الكريم ، ثُمَّ الحديث النبوي الشريف ، ودرس التفسير والفقه ، واللغة العربية والأدب، ثُمَّ غاص في أعماق معاني القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة ، واستقى منهما نظرياته في العمران ، والدولة والاقتصاد ، والتاريخ ، والتربية ، وعلم الاجتماع.
وعندما أقدم للقارئ الكريم فكر عبد الرحمن بن خلدون السياسي والاقتصادي والاجتماعي إنَّما أقدمه ليدرك أنَّ العقلية العربية والإسلامية قادرة على الفكر والاستنباط والتحليل، واستحداث نظريات علمية، أي أنَّنا أمة قادرة على التنظير ، وأنَّ مفتاح عقولنا، ومرشدها القرآن الكريم ، والأحاديث النبوية الشريفة. وهما السلاح الذي يجب أن نتسلح بهما لصالح دنيانا ومعاشنا وآخرتنا.
كما نجد في نظريات ابن خلدون السياسية والاقتصادية والاجتماعية، طريقاً نستدل بها على الطرق المثلى للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تسعى إليه حكوماتنا وشعوبنا.
يرصد لنا ابن خلدون كافة خبراته وإمكاناته العلمية والعملية ليقدم لنا دراسة جديدة عملية تنطبق فيها فكرة التاريخ الجديد على المجتمعات البشرية ، وفي هذه الدراسة تنطبق على الدولة ، فالشريحة أو النموذج الذي طبَّق عليه ابن خلدون قوانينه العامة وآراءه العامة كانت على الدولة الإسلامية ،هذا التطبيق لم يخل من تجربة ابن خلدون العملية للحياة العملية من تدرجه في المناصب السياسية ، كل هذا أثَّر بشكل مباشر وغير مباشر على أفكاره السياسية ، وعلى إعماله لهذه الأفكار تطبيقاً على الدولة الإسلامية بوحداتها السياسية المختلفة ومستوياتها الثقافية المتنوعة.
وابن خلدون يمثل نقطة تحول في كتابة التاريخ الإنساني ، وفي تأسيسه لعلم الاجتماع ، ومن الظلم أن نقارنه بمفكري أوربا في عصر النهضة كدانتي مثلاً ، فإن كان دانتي قد هزَّ الفكر الإنساني في أوربا ، فإنَّ ابن خلدون قد هزَّ الفكر الإنساني العالمي ،لأنَّ ابن خلدون وضع خطة جديدة وآراء جديدة ،بل وضع قوانين جديدة يمكن تطبيقها ، وتنسحب على كل المجتمعات البشرية ، انطلاقاً من أنَّ الإنسان لا يعيش إلاَّ في مجتمع ،وإذا عاش في مجتمع، فلابد أن يعيش مع شعب ،وإذا عاش مع شعب لابد أن يعيش على أرض ، ولكي تظل العلاقة قائمة بين هؤلاء الناس أو القبائل أو الشعب، أو هذه المجموعة البشرية لابد من أن ينظمها حاكم ،وأنواع الحاكم تدرجت من حاكم بسيط «شيخ قبيلة» إلى حاكم مطلق ،استطاع أن يستخدم كل الوسائل التي هيأها له هذا التجمع البشري ،أو هذا العمران ، واستطاع أن يستغل هذا ويصبح هو الحاكم المطلق ، وإذا أصبح حاكماً مطلقاً استطاع أن يؤسس دولة ، فإذا أسَّس الدولة التي طبَّق عليها ابن خلدون نظريته ، مرَّت الدولة بمراحل مختلفة ، هذه المراحل وجدت صحة في التطبيق عندما ننظر إلى أية دولة الآن نجد أنَّها تمر بنفس المراحل التي وضعها ابن خلدون في مقدمته.
ويقول ابن خلدون أنَّ هناك للدولة خمسة أطوار ، وأربعة أجيال أسرية : فالأطوار (مرحلة البداية والتأسيس ، توطيد الحاكم نفوذه إلى أن يصبح حاكماً مطلقاً ، يبعد نفسه عن عصبيته ، يعتمد على المرتزقة في الدفاع عن الدولة ، المرتزقة تقضي على الملك) .
تعريف ابن خلدون للدولة :
يُعرِّف ابن خلدون الدولة بأنَّها « كائن حي له طبيعته الخاصة به، ويحكمها قانون السببية ، وهي مؤسسة بشرية طبيعية وضرورية ، وهي أيضاً وحدة سياسية واجتماعية لا يمكن أن تقوم الحضارة إلاَّ بها».
قانون السببية عند ابن خلدون :
مفاده أنَّ الوقائع الاجتماعية والأحداث التاريخية خاضعة للحتمية، وليست بفعل المصادفة لارتباط الأسباب بالمسببات،والسبب عند ابن خلدون النظر في الأسباب ، كما استخدمها القرآن الكريم للوصول إلى الحكم دون البحث في ماهية الشيء أو وجوده ، كما يفعل الفلاسفة الذين يبحثون في ماهية الله ،وهذا منهي عنه في الإسلام.
قانون التشابه عند ابن خلدون :
هو التشابه بين الماضي والحاضر ، وأنَّ المجتمعات البشرية تتشابه من بعض الوجوه، ويرجع هذا التشابه إلى :
1- الوحدة العقلية للجنس البشري .
2- ميل الإنسان إلى التقليد، ويتجلى هذا التقليد في:
أ- تقليد الناس لأصحاب السلطة .
ب – تقليد أصحاب السلطة لأصحاب السلطة السابقة.
ج – أنَّ المغلوبين أصحاب الدولة التي زالت وانتهت يقلِّدون أصحاب الدولة الجديدة.
والتقليد عند ابن خلدون قانون عام يدفع بحركة التطور إلى الأمام ،لأنَّ التقليد يكون للأفضل.
قانون التباين عند ابن خلدون:
يرى ابن خلدون أنَّ المجتمعات ليست متماثلة بصفة مطلقة ، بل توجد بينها فروق يجب أن يلاحظها المؤرخ ، ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض المؤرخين عدم إدراكهم لهذه الفروق.
ضرورة الدولة:
يرى ابن خلدون أنَّ حاجة الإنسان للغذاء والكساء والمأوى والدفاع عن النفس هي التي تدفعه إلى الانتظام في مجتمع إنساني، فالإنسان لا يستطيع أن يسد حاجته للغذاء بمفرده،لأنَّ ذلك يتطلب أعمالاً كثيرة لا يستطيع أن يقوم بها بمفرده ،فلابد من تعاونه مع رفاقه.
والإنسان معرض للخطر ليس من جانب الحيوانات المفترسة فحسب ،بل من جانب أخيه الإنسان ،لذا لابد من وجود سلطة تحول دون اعتداء الناس بعضهم على البعض الآخر،وهذا ما أسماه ابن خلدون بـ «الوازع»، أو «وازع حاكم» ،وعبَّر عنها المستشرق «أرين روزنتال2» بـ «السلطة الرادعة» ، ولها القوة الرادعة في منع الناس من قتل أو إيذاء بعضهم البعض ،حيث أنَّ العداوة والعنف سائدتان في طبيعتهم الحيوانية ،وهذه السلطة تكون في يد الملك أو السلطان.
أسس الدولة عند ابن خلدون:
ويرى ابن خلدون أنَّ الدولة لا تقوم إلاَّ على أساسيْن :
أولهما : الشوكة والعصبية المعبر عنهما بالجند.
وثانيهما : المال الذي هو قوام أولئك الجند ، وإقامة ما يحتاج إليه الملك من الأحوال.
فالدولة في أولها تكون بدوية ،حيث يكون الإنفاق معقولاً ،ولذا يكون هناك إمعان في الجباية والإسراف ، وإذا عظم المال انتشر الترف الذي يؤدي إلى انهيار الدولة ، فإنَّ نفقات السلطان وأصحاب الدولة تتضاعف ، وينتشر الإسراف بين الرعايا ، وتمتد أيديهم إلى أموال الدولة من جهة ، ومن جهة أخرى يبدأ الجند في التجاسر على السلطة ، فيضطر السلطان إلى مضاعفة الضرائب ، فيختل اقتصاد البلاد ، ولكن الجباية مقدارها محدود، كما لا يستطيع رفع الضرائب إلى ما لا نهاية ،ولذا يضطر إلى الاستغناء عن عدد من الجند حتى يوفر مرتباتهم ،فتضعف حمايته، وتتجاسر عليه الدول المجاورة أو القبائل التي ما تزال محتفظة بعصبيتها.
مفهوم العصبية عند ابن خلدون:
إنَّ العصبية عند ابن خلدون لا تشمل أبناء الأسرة الواحدة الذين تربطهم بعضهم بالبعض الآخر صلة الرحم فحسب ، بل هي تتسع لتشمل أهل الولاء والحلف ، وفي مواقع أخرى نجد ابن خلدون يضم الرق والمرتزقة، وهم من يُطلق عليهم اسم «المصطنعين إلى العصبية» ،أمَّا النسب فيعتبره أمر وهمي فائدته هو الترابط الذي يوجده ، وبهذا يكون معنى العصبية عند ابن خلدون مرادف لمفهوم العصبية ، وبهذا لم يخرج عن المفهوم الإسلامي الذي نبذ العصبية القبلية .
أنظمة الحكم عند ابن خلدون:
لقد حدَّد ابن خلدون أنظمة الحكم بثلاث هي :
1- حكم يستند إلى شرع الله «الخلافة».
2- سياسة عقلية ، وهي تضطلع بمصالح الدنيا فقط ،واستشهد بحكومة الفرس.
3- سياسة مدنية، وهي مثالية مفترضة مثل المدن الفاضلة عند الفلاسفة ، وهي بعيدة الوقوع.
ويقرر ابن خلدون في صراحة كاملة أنَّ الحكومة التي يجب أن تسوس شؤون مجتمع العمران ،هي الحكومة الإسلامية لما فيها من حفاظ على مصالح الناس في دنياهم وسلامة مصيرهم في آخرتهم ، فيقول : «والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي على مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ ترجع أحوال الدنيا كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة ،فهي في الحقيقة خلافة عند صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به».
ويبين ابن خلدون أنَّ وظيفة الخلافة دينية اجتماعية سياسية ، وذمَّ الملك القائم على العصبية ،لأنَّه يؤدي إلى القهر ، ورفض المُلك القائم على السياسة وحدها لأنَّه مجرد من الصبغة الدينية التي نظَّمتها شريعة السماء في حراسة نور الله ، ويستشهد ابن خلدون بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ،فيذكر قوله تعالى : (ومَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : «إنَّما هي أعمالكم تُرد إليكم».
وبيَّن ابن خلدون سبب تسمية الخليفة بذلك بأنَّه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنَّ الإنسان خليفة الله في الأرض لقوله تعالى : (إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) ، فالله جعل الخليفة نائباً عنه في القيام بأمور عباده ليحملهم على مصالحهم ،ويردهم عن مضارهم.
وبذلك يتفق مع الإمام الماوردي في توصيف الخلافة بأنَّها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا ، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع.
نظرية الدولة عند ابن خلدون:
لقد نظر ابن خلدون للدولة على أنَّها كائن حي يولد وينمو ، ثُمَّ يهرم ليفنى.فللدولة عمر مثلها مثل الكائن الحي تماماً ،وقد حدَّد ابن خلدون عمر الدولة بمائة وعشرين عاماً ،لأنَّه يرى أنَّ العمر الطبيعي للأشخاص كما زعم الأطباء والمنجمون مائة وعشرين عاماً ، ولا تعدو الدول في الغالب هذا العمر إلاّ إن عرض لها عارض آخر من فقدان المطالب مستشهداً بقوله تعالى : (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ) ، وذكر أنَّها تتكون من ثلاثة أجيال كل جيل عمره أربعون سنة ، وذلك لأنَّه اعتبر متوسط عمر الشخص أربعين سنة ، حيث يبلغ النضج إلى غايته مستشهداً بقوله تعالى : (حَتَّى إذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) .
ولهذا بيَّن أنَّ متوسط عمر الشخص الواحد هو عمر الجيل ، ويؤيد ذلك في حكمة التيه الذي وقع لبني إسرائيل في أربعين سنة ، والمقصود بالأربعين سنة فيه فناء الجيل لإحياء ونشأة جيل آخر لم يعهد الذل ولا عرفه.
وقد ضرب ابن خلدون أمثلة لأعمار الدولة على بعض الدول مثل : (المرابطين والموحدين والمرينيين في المغرب ، وملوك الطوائف في الأندلس ، والحمدانيين في حلب) .
أجيال الدولة:
الجيل الأول : يعيش في الريف والبوادي حياة بدوية خشنة بعيدة عن الترف ، وتتميز بقوة العصبية والبسالة والافتراس «العنف» ، والاشتراك في المجد، ويكون جانبهم مرهوب ، والناس لهم غالبون.
الجيل الثاني : هو الذي يتحقق على يديه الملك ويؤسس الدولة ، وفيه ينتقل من البداوة إلى الحضارة، ومن سكنى البوادي والريف إلى المدن ، ومن شظف العيش إلى ترفه ، ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد به ، وكسل الباقين عن السعي فيه ، ومن عز الاستطالة إلى ذل الاستكانة ، وتنكسر فيه سورة العصبية بعض الشيء ، ويعيش على ذكريات الجيل الأول.
الجيل الثالث: ينسون عهد البداوة والخشونة كأنَّها لم تكن، ويفقدون حلاوة العز والعصبية، بما فيهم من ملكه القهر ، ويبلغ فيهم الترف غايته ، ويصيرون فيه عيالاً على الدولة ، وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة ، وتسقط العصبية تماماً ، ويضطر صاحب الدولة إلى الاستظهار بسواهم من أهل النجدة ، ويستكثر بالموالي.
الجيل الرابع: لا يكاد يذكره لأنَّه فقد الاحترام والسلطة.
أطوار الدولة:
الطور الأول : هو طور التأسيس ،وفيه يكون السلطان جديد العهد بالملك.لذا فهو لا يستغني عن العصبية ، وإنَّما يعتمد عليها لإرساء قواعد ملكه، فيكون الحكم في هذه المرحلة مشتركاً نوعاً ما بين الملك وبين قومه وعشيرته، ويتميز هذا الطور ببداوة المعيشة ،وبانخفاض مستواها ،فلم يعرف الغزاة الجدد بعد الترف.ويشترك الجميع في الدفاع عن الدولة لوجود الشجاعة والقوة البدنية.
الطور الثاني : هو الانفراد بالملك ،ويرى ابن خلدون أنَّ الانفراد بالسلطة ميل طبيعي وفطري لدى البشر ،ولذا فإنَّ السلطان عندما يرى ملكه قد استقر يعمل على قمع العصبية ، كما يعمل على الانفراد بالحكم ، واستبعاد أهل عصبيته من ممارسة الحكم ، وعندئذ يتحول من رئيس عصبية إلى ملك .وقد يفعل ذلك أوَّل من أسَّس الدولة ، وقد لا يفعل ، فلا تدخل الدولة في هذا الطور الثاني إلاَّ مع ثاني زعيم أو ثالث ، ويتوقف ذلك على قوة صمود العصبية.
ويضطر السلطان إلى الاستعانة بالموالي للتغلب على أصحاب العصبية ،أي أنَّه يبدأ في هذه المرحلة الاعتماد على جيش منظم من أجل المحافظة على المُلك.
الطور الثالث: وهو طور الفراغ والدعة: وفي هذا الطور يتم تحصيل ثمرات الملك وتخليد الآثار وبُعد الصيت ، فالدولة في هذا الطور تبلغ قمة قوتها ، ويتفرغ السلطان لشؤون الجباية ، وإحصاء النفقات والقصد فيها ، ولتخليد ملكه بأن يبني المباني العظيمة الشاهدة على عظمته ، وفي هذه المرحلة يستمتع الجميع : السلطان بمجده ، وحاشيته بما يغدقه عليها السلطان.
الطور الرابع: هو طور القنوع والمسالمة : وفي هذا الطور يكون صاحب الدولة قانعاً بما بناه أسلافه مقلداً لهم قدر ما يستطيع ، والدولة في هذه المرحلة تكون في حالة تجمد فلا شيء جديد يحدث ، وتغير يطرأ ، كأن الدولة تنتظر بداية النهاية.
الطور الخامس : هو طور الإسراف والتبذير ، ويكون صاحب الدولة في هذا الدور متلفاً لما جمعه أسلافه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته ، فيكون مخرباً لما كان سلفه يؤسسون ، وهادماً لما كانوا يبنون.
وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم ، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا برء منه إلى أن تنقرض.
ويرى ابن خلدون أنَّ بداية انحلال الدولة يرجع إلى عنصرين هما: انحلال العصبية ، والانحلال المالي نتيجة تبذير السلطان ، ولهذا تنهار الدولة سياسياً واقتصادياً.
الأسس الإسلامية في نظرية الدولة عند ابن خلدون:
بنى ابن خلدون نظريته على أنَّ للدولة أعماراً مثل أعمار البشر على الأسس القرآنية ، فالقرآن الكريم ينص على أنَّ للدولة أعماراً ينتهي كيانها بنهايتها ،ثُمَّ تخلفها دولاً أخرى أكثر نظاماً ،وأشد قوة ،وأوفر صلاحاً، من ذلك قوله تعالى : (وكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ). والقرية هنا ، وفي آيات أخرى هي الدولة أو الدول ،والقرية الظالمة هنا هي الدولة الفاسدة ،فالظلم هو أشد ألوان الفساد .
والمرحلة الثانية في حياة الدولة ، وعمرها هي مرحلة القوة والنماء ،ورغد العيش ،ولين الحياة مع الحفاظ على نعم الله ،والامتثال لأوامره ونواهيه ،وهذه المرحلة تستمد من الآية الكريمة (وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ والْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ،فإذا مالت إلى البطر والظلم انتهى الأمر بها إلى الانحلال والضياع فتدخل في المرحلة الثالثة ،وهي مرحلة السقوط ،ويتمثل ذلك في الآية الكريمة : (وتِلْكَ القُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً) .
على هذه الأسس القرآنية استمد ابن خلدون هذه الأطوار الثلاثة ، وهي طور النشأة والميلاد ،وطور القوة والارتقاء ، وطور التفتت والسقوط ،أمَّا الطور الثاني في الدولة عند ابن خلدون ، فهو مرحلة انتقالية للطور الثالث ، والطور الرابع مرحلة انتقالية للطور الخامس ، وقد استمد هذين الطورين من الواقع التاريخي للعالم الإسلامي،ومن القرآن الكريم استقى فصله بعنوان «الظلم مؤذن بخراب العمران» .
أمثلة أطوار الدولة من واقع الدولة الإسلامية:
طور التأسيس: وقد ضرب ابن خلدون مثلاً بالدولة الإسلامية في طور تأسيسها ، وهو عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وعهد الخلفاء الراشدين ، والذي قضى فيه الإسلام على العصبية القبلية القائمة على التفاخر بالآباء والأنساب ،وحلَّ محلها الأخوة في الدين لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، وقوله تعالى : (إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ) ،فآخى بين الأوس والخزرج وسمَّاهم بالأنصار ،وآخى بينهم وبين المهاجرين .
وبعد وفاة الرسول صلى الله عليهم وسلم قامت الخلافة ولم يقم ملك ، وكانوا محافظين على حياة البداوة من خشونة العيش والبعد عن الترف بالرغم من أنَّ المال الذي جاءهم من فتوحات الشام والعراق وفارس لا يحصر ،وقد بلغ نصيب الفارس الواحد في بعض الغزوات ثلاثين ألفاً من الذهب ،ومع ذلك كان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يرقع ثوبه بالجلد.وبالرغم ممَّا جاءهم من مال حلال من الفيء والغنائم ،لم يكن يصرفهم فيها بإسراف ،وإنَّما كانوا على قصد في أحوالهم.
ولما وقعت الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما ، وهي مقتضى العصبية كان طريقهم فيها الحق والاجتهاد ، ولم يكونوا في محاربتهم لغرض دنيوي أو لإيثار باطل على حق ، وإنَّما اختلف اجتهادهم في الحق واقتتلوا عليه ، وإن كان المُصيب علياً كرَّم الله وجهه ، فلم يكن معاوية ـ رضي الله عنه ـ قائماً فيها بقصد الباطل ، وإنَّما قصد الحق وأخطأ.
طور الانفراد بالمجد : يمثله قيام الدولة الأموية إلى سقوط الدولة العباسية : كان خلفاء بني أمية يسيرون على الحق حتى نهاية عصر عمر بن عبد العزيز ، ثُمَّ بعد ذلك استعمل خلفاؤهم طبيعة الملك في أغراضهم الدنيوية ، ونسوا ما كان عليه سلفهم من تحري القصد فيها واعتماد الحق ، فانصرف الناس عنهم وأيَّدوا الدعوة العباسية ،وصرف العباسيون الملك في وجوه الحق ما استطاعوا حتى جاء بنو الرشيد فكان منهم الصالح ومنهم الطالح ، ثُمّ أفضى الأمر إلى بنيهم ، فأعطوا الملك والترف حقه ، وانغمسوا في الدنيا وباطلها ، ونبذوا الدين وراءهم فأذن الله بحربهم ، وانتزاع الأمر من أيدي العرب جملة.
هذا ولو طبقنا باقي أطوار الدولة على الدولة الإسلامية في العصرين الأموي والعباسي نجد أنَّ الدولة الأموية لمَّا قرَّب بعض الخلفاء عرب الشمال «المضرية» على عرب الجنوب «القيسية» أصبح هناك تناحراً بين العرب .
وفي عصر الدولة العباسية أدخل الموالي ، وأدخل السودان والأتراك والصقالبة والأرمن ،وعناصر أخرى كثيرة دخلت في الدولة الإسلامية ،تناحرت هذه العناصر ،كل يتعصب لبني جلدته ،وكل يتعصب لتركيز سلطانه ،وبذلك ضعف الخلفاء ،وظهرت إمرة الأمراء ، وأصبح الخليفة لا حول له ولا قوة ، وقوي جند المرتزقة ، واستولوا على كل ما في خزانة الدولة ، وأصبح الخليفة يسترضي الجند المرتزقة لأنَّهم هم عدته وسلاحه بعد أن أبعد عصبيته ،وأهله ، فلمَّا تخْلو الخزينة ، ويشغب الجند يصبح الخليفة لا قيمة له ، ويمشي حافي القدميْن ، وتُسمل عينه ، ويمكن أن تصبح مدة وزارة شخص يوم أو ثلاثة أيام ،أو شهر ،وتضعف الدولة ، وينقض عليها العداء من كل جانب ، كما حدث مع المغول والصليبيين ، وينقض المماليك على الحكم كما حدث في مصر ،ثُمّ بعد ذلك تنهار الدولة تماماً.
والدرس الذي نستقيه من تاريخنا أنَّ أية دولة أياً كانت تنهار من الدعة والترف.
***
النظرية الاقتصادية:
ممَّا يميز نظريات ابن خلدون السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية أنَّ أكثرها قابل للتطبيق في كل زمان ومكان.
كما يعد ابن خلدون أول مفكر عالمي يرى أهمية الاقتصاد للسياسة، ففي الفصل الذي بعنوان « نقصان الدفع يؤدي إلى نقصان الإيراد» يقول : «السبب في ذلك أنَّ الدولة والسلطان هما السوق الأعظم في العالم… إذا حجب السلطان البضائع والأموال والإيراد، أو فقدت فلم يصرفها في مصارفها قلَّ حينئذ ما بأيدي الحاشية والحامية ، وقلَّت نفقاتهم ، وهم معظم المشترين (السواد) وهجرت الأسواق (يقع الكساد) وتضعف أرباح المنتجات ،فتقل الجبايات لأنَّ الجبايات والضرائب تأتي من الزراعة والتجارة والتبادل التجاري الجيد والمعاملات التجارية ،وطلب الناس للفوائد والأرباح ،ووبال ذلك عائد على الدولة بالنقص لقلة الجبايات الناتجة عن نقصان ثروة الحاكم أو الدولة … فالمال إنَّما هو متردد بين الحاكم والرعية منه إليهم ومنهم إليه ،فإذا منعه (حبسه عنده) فقدته الرعية.
فهنا نجد ابن خلدون قد اعتبر الدولة هي السوق الأعظم أو قوة إنتاجية أو سوق منتجة ،فإن كسدت وقلَّت مصارفها لحِقَ الكساد بقية السوق ، وما توصل إليه ابن خلدون في هذا يعتبر اليوم من مفاخر علم الاقتصاد.
فقد اعتبر الدولة منتجة بحمايتها لمصادر الإنتاج ، وتأخذ الضرائب مقابل حمايتها لهذه الثروات ، ويرى أنَّ قلة الضرائب تؤدي إلى زيادة الاعتماد لتزايد الاغتباط بقلة المغرم ،وبزيادة الضرائب يحدث العكس.
نظرية القيمة والأثمان عند ابن خلدون:
لقد سبق ابن خلدون آدم سميث في وضع أسس نظرية القيمة والأثمان وهي من أدق الأمور في الاقتصاد، وبذلك يعد ابن خلدون رائدا عظيما في علم الاقتصاد.
نظرية النقود عند ابن خلدون :
للنقود في نظر ابن خلدون خاصية ترتبت عليها وظيفتان : أمَّا الخاصية فهي الثبات النقدي.
وأمَّا الوظيفتان فهما : اتخاذ النقود أداة مبادلة ،وفي الوقت نفسه اتخاذها أداة ادخار.
وفي الإشارة إلى خاصية الثبات النقدي ، يقول : « وإن اقتنى سواهما -أي الذهب والفضة- في بعض الأحيان ـ فإنَّما هو لقصد تحصيلهما بما يقع في غيرهما من حوالة الأسواق التي هما عنها بمعزل».
ثُمَّ هي أداة مبادلة عند ابن خلدون لأنَّها «قيمة لكل متمول» ،أو «مستودع القيمة» ، وإلاَّ لم يحصل أحد من اقتنائها على شيء ،وهي عنده أيضاً أداة ادخار حيث يقول : «إنَّ الذهب والفضة هما الذخيرة والقنية لأهل العالم غالباً…» .
وممَّا لاشك فيه أنَّ ظاهرة الثبات النقدي كانت السبب الأول في صيرورة الذهب والفضة مستودع القيمة ،وفي اتخاذها أداة للادخَّار والمبادلة.
وكون الذهب والفضة بمعزل عن حوالة الأسواق التي تحدث لغيرهما عند ابن خلدون يرجع إلى أنَّ الإنتاج منهما ليس مضموناً ،حيثُ أنَّ نتيجة استغلال أي منجم منهما تخضع لعدة عوامل مختلفة ، حتى أنَّ النتيجة قد تكون معاكسة ، ومن ثَمَّ فقد كان للطابع الاحتمالي للإنتاج ،بالإضافة إلى ضآلة القدر المنتج بالفعل بالنسبة للموجود في الأسواق ،الأثر الكبير في جعل عرض الذهب والفضة في الأسواق يكاد يكون ثابتاً بصورة منتظمة دائماً .
العلاقة بين النقود وبين القدرة الإنتاجية للدولة:
لقد اكتشف ابن خلدون أنَّ قوة الدولة وتقدمها العمراني «الحضاري» لا يُقاس بمقدار ما يتوافر لها من معادن كالذهب والفضة، وإنَّما يكون نتيجة لقدرتها على الإنتاج الذي يجلب لها الذهب والفضة ، فيقول : «إنَّ الأموال من الذهب والفضة ، والجواهر والأمتعة ،إنَّما هي معادن ومكاسب كالحديد والنحاس والرصاص ،وسائر العقارات والمعادن ،والعمران يظهرها بالأعمال الإنسانية ،ويزيد فيها أو ينقصها ،وما يوجد منها بأيدي الناس فهو متناقل متوارث ،وربما انتقل من قُطرٍ إلى قُطر ،ومن دولة إلى دولة أخرى بحسب أغراضه ،والعمران الذي يستدعى له ،فالنقود يوفرها أو ينقصها العُمران».
ويضرب مثلاً لذلك : «أقطار المشرق مثل : مصر والشَّام وعراق العجم والهند والصين ،وناحية الشمال ،وأقطار ما وراء البحر الرومي لما كثر عمرانها ،كيف كثر المال فيها وعظمت دولها ،وتعددت مدنها وحواضرها ، وعظمت متاجرها وأحوالها … فإنَّه يبلغنا في باب الغنى والرفاهية غرائب تسير الركبان بحديثها ،وربما تتلقى بالإنكار ،ويحسب من يسمعها من العامة أنَّ ذلك لزيادة أموالهم ،أو لأنَّ المعادن الذهبية والفضية أكثر بأرضهم، أو لأنَّ ذهب الأقدمين من الأمم استأثروا به دون غيرهم ،وليس كذلك ،فمعدن الذهب إنَّما هو من بلاد السودان ،وجميع ما في أرضهم من البضاعة ،فإنَّما يجلبونه إلى غير بلادهم للتجارة ،فلو كان المال عتيداً موفوراً لديهم لما جلبوا بضائعهم إلى سواهم يبتغون بها الأموال ، ولاستغنوا عن أموال الناس بالجملة.
وهذا الكلام من ابن خلدون في توضيح العلاقة بين كمية النقود وبين القدرة الإنتاجية في الدولة ،وأثر هذه القدرة على عمرانها يوضح مدى تفوق ابن خلدون على التجاريين في تحليل وظيفة النقود ،كما يظهر أيضاً تفوقه على آدم سميث الذي كان يرى أنَّ التجارة الخارجية إنَّما هي تصريف الفائض عن الاستهلاك المحلي ،حيث بيَّن ابن خلدون أنَّها تكون لتبادل المنفعة وللحصول على الذهب والفضة ابتغاء الحصول بهما على السلع الأخرى.
العلاقة بين الرخاء وبين سرعة تداول النقود في « نظرية ابن خلدون»:
يرى ابن خلدون أنَّ النقود يوفرها أو ينقصها العمران ،فالعمران بما يحققه من رخاء نتيجة للنقود التي يجلبها للبلاد الغنية يؤدي إلى سرعة تداول النقود ، وكثرة التعامل فينتج عن ذلك ارتفاع كمية النقود المتبادلة ، فهو يقول : «إنَّ المصر يؤدي إلى كثرة التعامل ،واستفحال العمران وتأثر الثروات الكبيرة» كما يقول : «إنَّ العمران يظهر النقود بالأعمال الإنسانية ،ويزيد فيها أو ينقصها».
وهكذا يقرر ابن خلدون أهمية سرعة التداول للمال وأثرها على : زيادة العمران ،وزيادة الأموال بينهما ،بينما يحل الكساد إذا كان هناك إبطاء في حركة التداول.
الاحتكار عند ابن خلدون:
تحدث ابن خلدون عن الاحتكار ،وبيَّن أنَّه أعظم ألوان الظلم الذي يؤدي إلى إفساد العمران والدولة ،وعرَّفه بأنه التسلط على أموال الناس بشراء ما بين أموالهم بأبخس الأثمان ،ثُمَّ فرض البضائع عليهم بأعلى الأثمان على وهم الغصب والإكراه في الشراء والبيع ،وبيَّن أنَّ نتيجة ذلك يؤدي إلى كساد الأسواق ،وتوقف معاش الرعايا ، وبيَّن سبب لجوء الدولة أو السلطان إلى الاحتكار هو حاجتهما إلى الإكثار من المال بأخذهم بأسباب الترف ،فتكثر نفقاتهم ،فيرفعون الجبايات ،ولا يزال الترف يزيد والجبايات تزيد وتشتد حاجة الدولة إلى المال فتدخل في مزاحمة الناس في نشاطاتهم الاقتصادية وتجنح للاحتكار .
حكم الشرع للاحتكار :
وبيَّن ابن خلدون حكم الشرع للاحتكار بتحريمه، وقد استند في ذلك على قول النبي صلى الله عليه وسلم ( المحتكر عاص وملعون) ،وذلك لرفع الضر عن الناس ووقايتهم من المحتكرين في حبس الأقوات وغيرها من ضروريات الحياة.
نظرية (تجارة السلطان مضرة للرعايا مفسدة للجباية):
وقبل أن أشرح هذه النظرية ،وتطبيقها على بعض أنظمة الحكم المعاصرة أريد أن أوضح للقارئ الكريم معنى «السلطان» ،و «الجباية» وفق المفهوم المعاصر ،فالسلطان يُفهم منه السلطان الحاكم ،ويُفهم منه أيضاً نظام الحكم أو الحكومة .
أمَّا الجباية ،فهي دخل الدولة من الأموال أو ميزانيتها طبقاً لاصطلاح عصرنا.
لقد جرى بعض الحكَّام في الماضي ،وفي الحاضر غير البعيد على الاتجار وممارسة الزراعة ـ وبعضهم في وقتنا الحالي يتاجر في البترول مثل الرئيس الأمريكي الحالي «جورج بوش»؛إذ يملك شركات للبترول ، ويذكر ابن خلدون ذلك في مقام محاولة السلطان تعويض النقص في جبايته ،فيعمد حيناً إلى فرض المكوس على مبيعات التجار للرعايا وعلى الأسواق ،أو بزيادة المكوس إذ كانت قد استحدثت من قبل ،أو بمقاسمة العمال والجباة ، وامتكاك (أي امتصاص) عظامهم طبقاً لعبارة ابن خلدون،وأخيراً يعمد السلطان إلى ممارسة التجارة والزراعة ،وهو ما لا يجمل به ،ولا يستقيم معه رخاء الدولة ومصالح الرعية ،ولا الوفاء بما يحتاج إليه بيت المال.
ويدين ابن خلدون هذا السلوك من قِبَل الحاكم ويُقبِّحه ، ويقرر أنَّه «غلط عظيم وإدخال الضرر على الرعايا من وجوه متعددة» ،نلخصها لكم عما أورده ابن خلدون في الآتي :
– مضايقة الرعايا من الفلاَّحين والتجار لعدم التكافؤ بين رأس مال السلطان، ورؤوس أموالهم المحدودة مما يدخل على النفوس من ذلك غم ونكد.
– لا يجد السلطان من يناقشه في شرائه فيبخس الأثمان على من يشتري منهم.
– كما يقوم بإرغام التجار على شراء غلاَّته من زرع وخلافه ، وغالباً ما تبقى تلك البضائع بأيديهم فترة طويلة تحسباً لتحسن السوق ،فإذا دعتهم الضرورة إلى شيء من المال باعوا تلك السلع بأبخس ثمن.ويستطرد ابن خلدون في سياق هذا المقام قائلاً : « وربما يتكرر ذلك على التاجر والفلاح منهم بما يذهب رأس ماله فيقعد عن سوقه ،فإذا انقبض الفلاَّحون عن الفلاحة وقعد التجار عن التجارة ذهبت الجباية جملة ،أو دخلها النقص المتفاحش».
– نلاحظ أنَّ ابن خلدون لم يذكر الصناعة لأنَّها كانت آنذاك بدائية ،وليست كما هي اليوم ، إذ يُسهم بعض الحكام في ممارستها ويعمد البعض الآخر إلى مصادرتها ومصادرة أرض الفلاحة ،وتحريم التجارة على الرعايا ،وما يترتب على ذلك من قلة الجباية ،وقيام الدولة بالاستدانة التي تعرضها للإفلاس.
وهذا يبيِّن لنا مدى بعد نظر ابن خلدون ،حيث جاء زمن سيطرت بعض أنظمة الحكم على كل شيء ، ومنع الناس من حرية البيع والشراء ،وتثمير أموالهم ،فكانت حال بعض الدول المعاصرة من الفقر والضنك والاستدانة ،ويؤكد ابن خلدون على التنبيه إلى الخطر الناجم عن هذا السلوك فيما يشبه الزجر قائلاً : «فافهم ذلك».
والحقيقة أنَّ ابن خلدون ،وهو يعرض نظريته هذه لم يكن مستوحياً إياها من استقرائه التاريخ وحسب ،ولا من واقع عاشه ،وكوارث شهدها ،وتجارب خاضها فقط ،وإنَّما كانت حادثة بعينها ناضحة على فكره منسربة من أعماقه ،تلك الحادثة هي وقفة عمر بن الخطَّاب من أبي بكر الصديق رضي الله عنهما حين ولي أبو بكر أمر المسلمين بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ،فقد أصبح أبو بكر ذات يوم ،وقد صار خليفة ـ وعلى ساعده أبراد ـ أي أثواب مخططة ـ يذهب بها إلى السوق ،فلقيه الفاروق عمر وسأله: أين تُريد؟ فقال الخليفة :إلى السوق ،قال: تصنع ماذا ،وقد وُلِّيت أمر المسلمين ؟ قال أبو بكر : فمن أين أُطعم عيالي ؟ فصحبه عمر ،وذهبا إلى أبي عبيدة أمين بيت مال المسلمين ليفرض له قوته وقوت عياله،ففرض له ستة آلاف درهم في العام.
إنَّ ما يصدر عن عمر وأبي بكر وأبي عبيدة يعتبر تشريعاً إسلامياً أصيلاً ،فثلاثتهم من كبار الصحابة وأعلامهم ،وهم في مقدمة حواريي رسول صلى الله .فهذه الحادثة تحتاج منا إلى وقفة تأمل طويلة للاستفادة منها،والتي تؤكد لنا أنَّ اتجار السلطان ـ شخصاً كان أو نظاماً ـ محرَّم في الإسلام قد بيَّن ابن خلدون أسباب تحريمها فيما سبق ذكره .
والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما الحل إذن ،إن كان الإسلام يُحرِّم اتجار السلطان أو النظام الحاكم ،فكيف ينمو دخل الدولة؟
لم يفت على ابن خلدون إيراد الحل والذي يتلخص في هذه العبارة : «إنَّ أوَّل ما ينمي الجباية ويثريها ويديم نماءها إنَّما يكون بالعدل في أهل الأموال والنظر لهم بذلك ،فبذلك تنبسط آمالهم ،وتنشرح صدورهم للأخذ في تثمير الأموال وتنميتها ،فتعظم منها جباية السلطان».
ومفهوم العدل في أهل الأموال عند ابن خلدون هو تأمين أموال الناس ،وعدم مصادرتها ،وإفساح المجال أمامهم للنشاط التجاري والزراعي والإنتاج ،وعدم الغلو في فرض المكوس ،ومراقبة السلطان لأنصاره وحاشيته من مضايقة أصحاب النشاط الاقتصادي ، وكأنَّما يريد ابن خلدون أن يُنبِّه إلى القاعدة الاقتصادية الحديثة التي فحواها أنَّ رأس المال حسَّاس ،وينشط حيثُ العدل والأمن والاستقرار ،ويهرب ويختفي حيثُ الظُّلم والفساد والفوضى والمصادرات.
وثاني ما ينمي دخل الدولة (الجباية) بمعنى أن يمتنع السلطان عن التجارة والفلاحة ،وعن منافسة العاملين بها في أنشطتهم وحركتهم .
كما ينبه ابن خلدون إلى مخاطر أخرى تؤدي إلى فساد الرعية واضطراب أحوالهم وهو ما يقوم به بعض ذوي النفوذ ،ويسميهم بالمتغلبين الذين يشترون السلع والغلاَّت من الواردين على بلدهم ،ثُمَّ يفرضون لها من الأثمان المجحفة ما يشاءون ، وهو ما يشبه في هذه الأيام أصحاب الوكالات الحصرية الذين يتمتعون بنفوذ إقتصادي وإجتماعي نتيجة للدعم السياسي الذي يحصلون عليه سواءً من داخل بلدانهم أم من خارج بلدانهم بواسطة ضغوط مختلفة تمارس على الدولة لإطلاق يد هذا الكفيل أو ذاك .
وهناك من التجَّار والفلاَّحين من لهم مداخلة مع السلطان ،وهؤلاء يحملونه على التجارة والزراعة ،فيحصل في غرضه من جمع المال في وقت قصير ،وخاصةً أنَّه لن يتعرَّض للمغارم أو المكوس ،ولكن ذلك يعود على السلطان بضرر كبير يتمثل في نقص جبايته ،وفي هذا يعمد ابن خلدون إلى تحذير السلطان من هؤلاء المنتفعين ووجوب الإعراض عن سعايتهم المضرة بجبايته وسلطانه ، ويشبه هذا النشاط التجاري والصناعي الذي يقوم به الحكام والمسؤولين هذه الأيام بأسماء مستعارة أو بواجهات تجارية معروفة .
***
نظرية العمران كما تصورها ابن خلدون تبدو متشبعة النواحي متزاحمة الموضوعات ، عسيرة الهضم إلا إذا قرأت مع الصبر والتزام الأناة ودقة المتابعة بين فصول كتاب العمران والمقدمة. ذلك لأن ابن خلدون عميق الفكر ، متدفق الإنتاج .
ويمكن تلخيص نظرية ابن خلدون في العمران في العناصر الآتية :
التاريخ خبر:
التاريخ خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو العمران البشري ومن ثم فإن تنقيته من الزيف ، وتصويب أحداثه يشكلان المنطلق الأول لتصور العمران البشري ، ولذلك فقد وضع ابن خلدون منهجاً لكتابة التاريخ ولتصحيح أحداث التاريخ وأخباره ، يقوم على الجرح والتعديل والتحليل واستنطاق الأحداث للوصول إلى صواب الاستنتاج.
الإنسان مدني :
الإنسان مدني بالطبع ، ومن ثم كان لا بد من أن يصنع مجتمعاً يجري في نطاقه التعاون على إنتاج القوت الذي يهيئ له العيش والأدوات التي تهيئ له أسباب الدفاع عن حياته ، وإلا انتفى وجوده وما أراد الله من اعتمار العالم ، واستخلافه فيه.
أصل العمران:
العمران البدوي أصل العمران الحضري ، ولكل من المجتمعين ألوان من العادات والسلوك وأنماط في الحياة تفرضها طبيعية كل منهما ، وهي في المجتمع الحضري أكثر قابلية للتطور الذي يؤدي إلى قمة العمران ثم ما يتبع ذلك من تقلص وانحسار في أحقاب زمنية متلاحقة متكررة تكاد تكون قانوناً ثابتاً.
العمران والصنائع:
لا يتم العمران ، ويرقى إلا بوجود الصنائع متمثلة في الفلاحة والصناعة والتجارة ، فعليها جميعاً يتوقف رخاء المجتمع ورفاهيته. وكلما ارتقت الصناعة ، وراجت التجارة ، وعم الرخاء وانتعش الاقتصاد كان لذلك أثره في رفاهية المجتمع البشري ورقيه وبلوغه مراحل الترف والنعيم.
العلم والتعليم:
العلم والتعليم أمران أساسيان في العمران مرتبطان به إيجاباً وسلباً ، فحيث يزدهر العمران تكاد تكون سوق العلم نافقة ، فإذا لم يتوفر العلم في المجتمع صارت الرحلة في طلبه أمراً ضرورياً ، ومن ثم فحيث يزدهر العلم يرقى العمران ، والعكس صحيح.
مواقع المدن:
حسن اختيار مواقع المدن والأمصار ضروري لاستدامة العمران ؛ وذلك من حيث المنعة ، وسهولة الدفاع عنها ، ومن حيث توفر الخيرات وكثرة الأرزاق كالقرب من الماء العذب ، وضمان المراعي للسائمة ومراعاة وجود المزارع حولها لتزويدها بأنواع الطعام.
ضرورة العمران:
الملك المنظم ضرورة العمران للحفاظ على المجتمع وتنظيم شؤونه وحماية الثغور ، وبعث البعوث ، وجباية الأموال ، ودفع الظلم ، ونشر العدل ، وعمران الأرض ، وإسعاد الناس في دنياهم ، وتهيئة ما يسعد آخرتهم ، وذلك بحملهم على اتباع الشريعة.
الحكم إسلامي:
نظام الحكم في العمران الخلدوني إسلامي يقوم بشؤونه خليفة أو إمام يحكم بمقتضى الشريعة التي يصفها ابن خلدون ، بعد أن رفض أساليب الحكم الأخرى ، بقوله : ( وإذا كانت – أي الشريعة مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها ، كانت سياسية دينية نافعة في الحياة الدنيا ، والآخرة ، وذلك أن الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط فالمقصود بهم إنما هو دينهم المفضي بهم إلى السعادة في آخرتهم ، صراط الله الذي له السماوات وما في الأرض ، فجاءت الشرائع بحملهم على ذلك في جميع أحوالهم من عبادة ومعاملة حتى في الملك الذي هو طبيعي للاجتماع الإنساني ، فأجرته على منهاج الدين ليكون الكل محوطاً بنظر الشارع ).
الملك والعصبية:
العصبية تؤدي إلى المنعة ، والغلبة تسمو إلى الرياسة ، والرياسة تبعث على التطلع إلى الملك، ومن ثم فإن الملك لا يقوم أصلاً بغير العصبية ، ويظل قوياً بقوتها ، ويضعف بضعها.
أعمار الدول:
للدول أعمار كأعمار الأشخاص ، تبدأ قوية تحت قيادة منشئيها ، ولا يكاد ينتهي الجيل الثالث حتى تكون قد أشرفت على الزوال . وللعمران في نطاق الدولة مرحلة تألق وازدهار تكون قمته في الجيل الثاني ، ومن ثم يكون العمران البشري بكل مكوناته الأساسية والجزئية مرتبطاً بحركة الكائن الحي الذي هو الإنسان ، في تطوره من حيث المولد والنمو والارتقاء والضعف والانحلال والزوال.
إن ابن خلدون يلخص هذه النقطة الأخيرة التي تشكل وحدها نظرية عنده ، وتشكل قانوناً عند المعنيين بفكره في هذه الكلمات : إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر ، وإنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال ، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار ، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول.
لقد لقيت نظرية العمران وغيرها من أفكار ابن خلدون الكثير من العناية من قبل مئات الدارسين على مستوى العالم المتحضر خلال القرنين الأخيرين سواء نطاق القبول أو المعارضة ، ولكن الحقيقة التي لا شك فيها أن أحداً قبل ابن خلدون سواء من علماء المسلمين أو غير المسلمين لم يعرض لدراسة الظواهر الاجتماعية دراسة تحليلية أدت إلى نتائج ومقررات مثل التي أدت إليها دراسة ابن خلدون.
ابن خلدون في مرآة الغرب :
لقد تابع كثير من علماء الغرب من مفكرين ومستشرقين ومؤرخين أعمال ابن خلدون ودرسوا أفكاره بإعجاب كبير ، ولكن عدداً كبيراً منهم نزع عنه صفته الإسلامية ، وبعضهم الآخر جرده من هويته العربية ، مستكثرين على العرب والمسلمين أن يكون منهم عالم ومفكر مثل ابن خلدون ، مع وجود مئات العلماء والمسلمين أمثال ابن خلدون كل في ميدانه مثل : ابن النفيس وابن الهيثم ، والبيروني ، والرازي ، والكي ، وابن سينا ، والفارابي ، وغيرهم كثير.
فيلسوف التاريخ:
وقد أطلق الفيلسوف الأسباني (خوسيه أورتيجا أي جاست) على ابن خلدون لقب فيلسوف التاريخ الإفريقي، كما تعتبر المقدمة من حيث الزمن أول كتاب يؤلف في فلسفة التاريخ.
أما المستشرق الأسباني بونس بويجس Pons Bigues يؤكد أن ابن خلدون من أعظم الشخصيات تمثيلاً للتاريخ الفلسفي البعيد المدى ، وينسبه إلى أصل أسباني ، ويذهب المستشرق الأسباني (ريبيرا) في الفخر به قائلاً : (إن الوطن الأسباني يستطيع بحق أن ينسب إليه أعظم إنتاج تاريخي في العلوم الإسلامية).
نظرية للحضارة:
وهناك مؤرخ إسباني آخر هو رافائيل ألتاميرا Rafael Altamira يجري تعقيبات على آراء ابن خلدون في افتتاحية المقدمة ووصفه لعلم التاريخ ، والشروط التي ينبغي توفرها في المؤرخ ، ثم يقول : إن المقدمة هي نظرية للحضارة حقيقية وكاملة ، ثم يجري بعض التحفظات على المغالاة في تقدير قيمة ما أسماه بابتكارات ابن خلدون ، ولكنه يصف ابن خلدون بأنه قوة عقلية جبارة ، ومخترع عبقري ، يبني فوق سوابق ضئيلة عمل هو في معظمه جديد.
ويضع (استيفان كلزيو) ابن خلدون في مقدمة فلاسفة التاريخ والاقتصاد والاجتماع على حد سواء ، يقول : (إذا كانت نظريات ابن خلدون عن حياة المجتمع المعقدة تضعه في مقدمة فلاسفة التاريخ ، فإن فهمه الدور الذي يؤديه العمل والملكية والأجور يضعه في مقدمة علماء الاقتصاد المحدثين ، كما استطاع في العصور الوسطى أن يكتشف مبادئ العدالة الاجتماعية والاقتصاد السياسي قبل كونسيدران الفرنسي الاشتراكي (1808-1893) وكارل ماركس الألماني (1818-1883) وباكونين الاقتصادي الاجتماعي الروسي (1814- 1876)
مكتشف ميدان التاريخ:
ويفرد ناتانيل شميث N.Schmid الأستاذ السابق بجامعة كورنل بأمريكا دراسة عن ابن خلدون كمؤرخ اجتماعي وفيلسوف ، ويرى إمكان وضعه في صف مؤرخين عالميين مثل تيودور الصقلي ونقولا الدمشقي ، وتروجويومبيو من مؤرخي القرن الأول الميلادي ، أو جاتيرر وشلستر من مؤرخي القرن الثامن عشر .
كما يقرر شميت أيضاً أن ابن خلدون هو الذي اكتشف ميدان التاريخ الحقيقي وطبيعته ، وهو أول من استطاع أن ينظر إلى التاريخ كعلم خاص يبحث الحقائق التي تقع في دائرته ، بل إن أحداً غير ابن خلدون لم يقل إن التاريخ علم خاص موضوعه بحث جميع الظواهر الاجتماعية في حياة الإنسان ، ثم يستطرد قائلاً : إن ابن خلدون برغم طابعه الإسلامي ، فهو فيلسوف مثل أوجست كونت وتوماس بكل ، وهربرت سبنسر.
ويكتب المؤرخ الألماني ( فون فيسيندونك Von Wesendonk بحثاً عن ابن خلدون في مجلة دويتشه رونتشاور بعنوان: ( ابن خلدون مؤرخ الحضارة العربي في القرن الرابع عشر) يقرر فيه أن أبن خلدون من أصل عربي نزح إلى الأندلس ، ويشيد بالمبادئ التي توصل إليها ، والتي يرى أنها تدعو إلى التأمل الصادق الدقيق ، ثم يقول : ( يقف مؤرخ الحضارة الإسلامي العظيم وحيداً في المشرق لم يعقبه خلف ، ولم ينسج على منواله ناسج ، ويستطرد قائلاً : وتدوي ميول المفكر السياسي الإفريقي في معترك الحوادث مهما كانت وجهتها دوياً يتردد صداه في عالم عصرنا).
عمل الحياة:
ويتحدث المؤرخ البريطاني الشهير المعاصر آرنولد توينبي Arnold Toynbee عن ابن خلدون حديث الثناء والإعجاب بشخصه وريادته العلمية ، يقول توينبي عن ابن خلدون : ( إنه آخر عضو من نجومنا المؤرخين) ، وأطلق عن المقدمة ، باعتبارها العمل الجليل الذي قام به ابن خلدون (عمل الحياة) ، وكما يبدو أن آرنولد توينبي الذي شن حملة شعواء على الحضارة الإسلامية قال بحتمية التاريخ متأثراً بقانون السببية عند ابن خلدون ، ولكنه لم يشر إلى ذلك.
وتقف باحثة روسية معاصرة هي (سيفيتلانا باتسييفا) من ابن خلدون وفكره موقف الإعجاب والانبهار من حيث منهجه التاريخي ، وهدفه منه ، وتبدي رأيها على هذا النحو: هدف ابن خلدون أن يجعل من التاريخ وعاء ضخماً يستوعب سائر ما يحدث في العمران ، وهو ما تسعي إليه المحاولات الحديثة في كتابة التاريخ، تلك النزعة التي تجلت في المؤتمر الدولي للتاريخ الذي عقد في باريس سنة 1950م ، وبها التزمت المجلة التاريخية الفرنسية. وتمضي الباحثة الروسية قائلة: ( ويكفي ابن خلدون فخراً أن يكون حدسه ألهمه هذا التصور العريض للتاريخ ، وهداه إلى رسمه كفاية عبر عنها بدقة مدهشة سابقة لعصره وإمكاناته).
ومن علماء الغرب الذين درسوا ابن خلدون من فطن إلى أثر الإسلام في فكره ، وربط بين شخصه وعقيدته الدينية ربطاً واضحاً مباشراً ، ومن هؤلاء الباحثين العالم الاجتماعي المرموق ( لفيج جمبلوفتش) الذي يعلي من قدر ابن خلدون ويسجل له قصب السبق في ابتكار علم الاجتماع على شخصيات كبيرة من أمثال ( كونت وفيكو) يقول جمبلوفتش: ( لقد أردنا أن ندلل على أنه قبل أوجست كونت ، بل قبل فيكو الذي أراد الإيطاليون أن يجعلوا منه أول اجتماعي أوربي ، جاء مسلم تقي ، فدرس الظواهر الاجتماعية بعقل متزن وأتى في هذا الموضوع بآراء عميقة ، وإن ما كتبه هو ما نسميه اليوم علم الاجتماع ).
أما المستشرق البريطاني هاملتون جيب يقرر أن ابن خلدون أنه كان من كبار علماء المسلمين، ومن الشخصيات المرموقة في مذهب الإمام مالك ، وأنه على سعة أفقه لم يصدر رأياً وحداً يجافي تعاليم الإسلام بل إن مفاهيمه المتطورة كانت تطويعاً للمجتمع من منطلق روح المبادئ الإسلامية.
وهكذا نجد كيف استطاع ابن خلدون بفكره الفذ ونظرياته العبقرية أن ينال كل هذا الاعتراف من كبار مؤرخي العالم وباحثيه على عبقريته وابتكاراته وسبقه لعلماء الغرب فيما ابتكره في التاريخ والسياسة والاقتصاد والاجتماع.

مجلة المنار ، الأعداد 75، 76، 77، 1424هـ.

نظام الحكم في الإسلام

كاتب الموضوع الأصلي: سلمان عبدالله

إن نظام الحكم في الإسلام الذي فرضه رب العالمين هو نظام الخـلافة، الذي يُـنصَّب فيه خليفة بالبيعة على كتاب الله وسنة رسوله للحكم بما أنزل الله. والأدلة على ذلك كثيرة مستفيضة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة:
أما الكتاب فقد قـال تعالى مخاطباً الرسـول عليه الصـلاة والسـلام:{فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ} [048:005] ٍٍٍ وقال: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكٍَ} [049:005]. وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكم بينهم بما أنزل الله هو خطاب لأمته صلوات الله وسلامه عليه، ومفهومه أن يوجِدوا حاكماً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكم بينهم بما أنزل الله، والأمر في الخطاب يفيد الجزم؛ لأن موضوع الخطاب فرض، وهذا قرينة على الجزم كما في الأصول، والحاكم الذي يحكم بين المسلمين بما أنزل الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الخليفة. ونظام الحكم على هذا الوجه هو نظام الخـلافة. هذا فضلاً عن أن إقامة الحدود وسائر الأحكام واجبة، وهذه لا تقام إلا بالحاكم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أي أن إيجاد الحاكم الذي يقيم الشرع هو واجب. والحاكم على هذا الوجه هو الخليفة، ونظام الحكم هو نظام الخـلافة.

وأما السنة فقد رُوي عن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» رواه مسلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم فرض على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة، ووصف من يموت وليس في عنقه بيعة بأنه مات ميتة جاهلية. والبيعة لا تكون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا للخليفة ليس غير. فالحديث يوجب وجود بيعة في عنق كل مسلم، أي وجود خليفة يستحق في عنق كل مسلم بيعة بوجوده. وروى مسلم عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الإمام جُنة يُقاتَل من ورائه ويُتقى به». وروى مسلم عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين، فسمعته يُحدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم». فهذه الأحاديث فيها وصف للخليفة بأنه جُنة، أي وقاية. فوصف الرسول بأن الإمام جنة هو إخبار فيه مدح لوجود الإمام، فهو طلب؛ لأن الإخبار من الله ومن الرسول، إن كان يتضمن الذم فهو طلب ترك، أي نهي، وإن كان يتضمن المدح فهو طلب فعل، فإن كان الفعل المطلوب يترتب على فعله إقامة الحكم الشرعي، أو يترتب على تركه تضييعه، كان ذلك الطلب جازماً. وفي هذه الأحاديث أيضاً أن الذين يسوسون المسلمين هم الخلفاء، وهو يعني طلب إقامتهم. على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بطاعة الخلفاء، وبقتال من ينازعهم في خلافتهم. وهذا يعني أمراً بـإقامة خليفة، والمحافظة على خلافته بقتال كل من ينازعه. فقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمره قلبه، فليطعه إن استطاع. فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر». فالأمر بطاعة الإمام أمر بـإقامته، والأمر بقتال من ينازعه قرينة على الجزم في دوام إيجاده خليفة واحداً.

وأما إجماع الصحابة فإنهم، رضوان الله عليهم، أجمعوا على لزوم إقامة خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته، وأجمعوا على إقامة خليفة لأبي بكر، ثم لعمر، ثم لعثمان، بعد وفاة كل منهم. وقد ظهر تأكيد إجماع الصحابة على إقامة خليفة من تأخيرهم دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب وفاته، واشتغالهم بنصب خليفة له، مع أن دفن الميت عقب وفاته فرض. والصحابة الذين يجب عليهم الاشتغال في تجهيز الرسول ودفنه اشتغل قسم منهم بنصب الخليفة عن الاشتغال بدفن الرسول، وسكت قسم منهم عن هذا الاشتغال، وشاركوا في تأخير الدفن ليلتين مع قدرتهم على الإنكار، وقدرتهم على الدفن، فقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ضحى الاثنين، وبقي دون دفن ليلة الثلاثاء ونهار الثلاثاء حيث بويع أبو بكر رضي الله عنه ثم دفن الرسول صلى الله عليه وسلم وسط الليل، ليلة الأربعاء، أي تأخر الدفن ليلتين، وبويع أبو بكر قبل دفن الرسول صلى الله عليه وسلم. فكان ذلك إجماعاً على الاشتغال بنصب الخليفة عن دفن الميت، ولا يكون ذلك إلا إذا كان نصب الخليفة أوجب من دفن الميت. وأيضاً فإن الصحابة كلهم أجمعوا طوال أيام حياتهم على وجوب نصب الخليفة. ومع اختلافهم على الشخص الذي يُنتخب خليفة، فإنهم لم يختلفوا مطلقاً على إقامة خليفة، لا عند وفاة رسول الله، ولا عند وفاة أي خليفة من الخلفاء الراشدين. فكان إجماع الصحابة دليلاً صريحاً وقوياً على وجوب نصب الخليفة.

نظام الحكم في الإسلام

كاتب الموضوع الأصلي: سلمان عبدالله

إ
ن نظام الحكم في الإسلام الذي فرضه رب العالمين هو نظام الخـلافة، الذي يُـنصَّب فيه خليفة بالبيعة على كتاب الله وسنة رسوله للحكم بما أنزل الله. والأدلة على ذلك كثيرة مستفيضة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة:
أما الكتاب فقد قـال تعالى مخاطباً الرسـول عليه الصـلاة والسـلام:{فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ} [048:005] ٍٍٍ وقال: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكٍَ} [049:005]. وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكم بينهم بما أنزل الله هو خطاب لأمته صلوات الله وسلامه عليه، ومفهومه أن يوجِدوا حاكماً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكم بينهم بما أنزل الله، والأمر في الخطاب يفيد الجزم؛ لأن موضوع الخطاب فرض، وهذا قرينة على الجزم كما في الأصول، والحاكم الذي يحكم بين المسلمين بما أنزل الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الخليفة. ونظام الحكم على هذا الوجه هو نظام الخـلافة. هذا فضلاً عن أن إقامة الحدود وسائر الأحكام واجبة، وهذه لا تقام إلا بالحاكم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أي أن إيجاد الحاكم الذي يقيم الشرع هو واجب. والحاكم على هذا الوجه هو الخليفة، ونظام الحكم هو نظام الخـلافة.

وأما السنة فقد رُوي عن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» رواه مسلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم فرض على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة، ووصف من يموت وليس في عنقه بيعة بأنه مات ميتة جاهلية. والبيعة لا تكون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا للخليفة ليس غير. فالحديث يوجب وجود بيعة في عنق كل مسلم، أي وجود خليفة يستحق في عنق كل مسلم بيعة بوجوده. وروى مسلم عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الإمام جُنة يُقاتَل من ورائه ويُتقى به». وروى مسلم عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين، فسمعته يُحدّث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم». فهذه الأحاديث فيها وصف للخليفة بأنه جُنة، أي وقاية. فوصف الرسول بأن الإمام جنة هو إخبار فيه مدح لوجود الإمام، فهو طلب؛ لأن الإخبار من الله ومن الرسول، إن كان يتضمن الذم فهو طلب ترك، أي نهي، وإن كان يتضمن المدح فهو طلب فعل، فإن كان الفعل المطلوب يترتب على فعله إقامة الحكم الشرعي، أو يترتب على تركه تضييعه، كان ذلك الطلب جازماً. وفي هذه الأحاديث أيضاً أن الذين يسوسون المسلمين هم الخلفاء، وهو يعني طلب إقامتهم. على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بطاعة الخلفاء، وبقتال من ينازعهم في خلافتهم. وهذا يعني أمراً بـإقامة خليفة، والمحافظة على خلافته بقتال كل من ينازعه. فقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمره قلبه، فليطعه إن استطاع. فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر». فالأمر بطاعة الإمام أمر بـإقامته، والأمر بقتال من ينازعه قرينة على الجزم في دوام إيجاده خليفة واحداً.

وأما إجماع الصحابة فإنهم، رضوان الله عليهم، أجمعوا على لزوم إقامة خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته، وأجمعوا على إقامة خليفة لأبي بكر، ثم لعمر، ثم لعثمان، بعد وفاة كل منهم. وقد ظهر تأكيد إجماع الصحابة على إقامة خليفة من تأخيرهم دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب وفاته، واشتغالهم بنصب خليفة له، مع أن دفن الميت عقب وفاته فرض. والصحابة الذين يجب عليهم الاشتغال في تجهيز الرسول ودفنه اشتغل قسم منهم بنصب الخليفة عن الاشتغال بدفن الرسول، وسكت قسم منهم عن هذا الاشتغال، وشاركوا في تأخير الدفن ليلتين مع قدرتهم على الإنكار، وقدرتهم على الدفن، فقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ضحى الاثنين، وبقي دون دفن ليلة الثلاثاء ونهار الثلاثاء حيث بويع أبو بكر رضي الله عنه ثم دفن الرسول صلى الله عليه وسلم وسط الليل، ليلة الأربعاء، أي تأخر الدفن ليلتين، وبويع أبو بكر قبل دفن الرسول صلى الله عليه وسلم. فكان ذلك إجماعاً على الاشتغال بنصب الخليفة عن دفن الميت، ولا يكون ذلك إلا إذا كان نصب الخليفة أوجب من دفن الميت. وأيضاً فإن الصحابة كلهم أجمعوا طوال أيام حياتهم على وجوب نصب الخليفة. ومع اختلافهم على الشخص الذي يُنتخب خليفة، فإنهم لم يختلفوا مطلقاً على إقامة خليفة، لا عند وفاة رسول الله، ولا عند وفاة أي خليفة من الخلفاء الراشدين. فكان إجماع الصحابة دليلاً صريحاً وقوياً على وجوب نصب الخليفة.

مدينة بابل العراقية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله سليمان ٣٣٦

مدينة بابل العراقية

1) اسم بابل:
جاء اسم بابل من لفظ “باب ايلو” من اللغة الاكدية ومعناه “باب الله” ونفس اللفظ ترجمة الكلمة السومرية “كادنجرا” وتظهر أهمية بابل في العصور القديمة من ورود ذكرها في الكتاب المقدس أكثر من مائتي مرة. وهو اسم العاصمة العظيمة لمملكة بابل القديمة “شنعار” المذكورة في تك 10: 10 و 14: 1 والأسماء الأخرى التي أطلقت على المدينة كثيرة، منها “تندير” مركز الحياة و “ايريدوكي” المدينة الطيبة آي الفردوس، إذ كان البابليون يعتقدون أن جنة عدن في بقعتها و “سو-انا” اليد العالية، ويظن أن المعنى “ذات الأسوار العالية”.

2) تاريخ تأسيس بابل:

جاء في تك 10: 9 أن مؤسس “بابلي” هو “نمرود” على أن البابليين ينسبونها إلى “مردوخ” إلههم الأكبر وقد بناها مع “ارك واكد وكلنة” وهيكلها الشهير. ولا يعرف بالضبط تاريخ تأسيسها ولكنه من المؤكد أنه يرجع إلى الأزمنة البدائية (يذكر رجال الحفريات أن الطبقة السفلى لبابل ترجع إلى نحو 40000 سنة ق. م.).

وصار إلههم الأعظم “مردوخ” رأس مجموعة الآلهة البابلية. بسبب نفوذ بابل كعاصمة، إذ كانت محجّ عبادته وبسبب مركز برج بابل العظيم الذي كانوا يتناقلون عنه أموراً عديدة (انظر “برج بابل”).
وقد بلغت بابل ذروة مجدها في القرن الثامن عشر قبل الميلاد في عصر حامورابي المشترع العظيم من الأسرة البابيلة الأولى، وكذلك في القرن السادس قبل الميلاد في عصر الملك نبوخذ نصر في الأسرة الكلدانية.

3) وصف أسوار بابل وبوّاباتها:
وصف “هيرودتس” المدينة فبيّن أنها تقع في سهل عظيم خصيب مربع الشكل ضلعه نحو 14 ميلاً فيكون محيطها نحو 56 ميلاً ومساحتها نحو 196 ميلاً مربعاً.وبما أن هذه المساحة هائلة وبما أن أثار الأسوار لم يعثر عليها في بعض الأماكن فقد تطرق الشك إلى هذا التقدير.

ومما ذكره “هيرودتس” أن المدينة كانت محاطة بخندق عميق عريض مملوء بالماء. ووراء ذلك سور علوه نحو 300 قدم وعرضه نحو 87 قدماً. ومع أن بابل بقيت محجراً يقتلع منه البناؤون مواد البناء لمدة ألفي سنة، إلا أنه لا زال من الغريب أن تختفي كمية الطوب الهائلة هذه بدون أن يترك أي أثر يدل عليها.

4) مركز بابل وأقسامها وشوارعها وهيكلها:
كانت المدينة مبنية على جانبي نهر الفرات. وفي نقطة تقابل السور بالنهر كان ينثني مسافة على الجانبين ليكون حاجزاً تعلوه الاستحكامات. وكانت بيوتها ترتفع إلى دورين أو ثلاثة أو أربعة. وشوارعها كانت مستقيمة ويظهر أنها كانت تتقاطع في زوايا قائمة كشوارع يصل إلى النهر بوابة نحاسية كبيرة تحميه. وفي داخل السور الخارجي بنوا سوراً آخر لا يقل عنه قوة إلا أنه يحصر مساحة أقل. وكانت الأرض بين السورين تستخدم كمزرعة للفواكه أو الخضراوات أو كانت تستخدم كمنتزهات. وكل قسم من أقسام المدينة كان يحوي بنائين عظيمين: احدهما قصر الملك تحيط به استحكامات قوية والآخر هيكل “بيل” وهو بناء له بوابات نحاسية ويمتد فرسخين لكل جانب (الفرسخ 8/1 ميل أي نحو 220 ياردة).

داخل هذا المزار المقدس برج صلد في مربع ضلعه نحو فرسخ تعلوه أبراج مدرّجة تصل إلى ثمانية. وحول الأبراج مصاعد من التراب في نقطة الوسط منها مسطح يرتاح فيه الصاعد. وعلى أعلى برج منها خلوة (حجرة) كبيرة فيها مقعد وطاولة مذهبة. ليس فيها تمثال ولا يبيت فيها أحد، إلا امرأة من الشعب تختارها الآلهة. وفي خلوة أخرى سفلية تجد تمثالاً ذهبياً “لبيل” جالساً وكان كرسيه وموطئ قدميه أيضاً من الذهب وبقربه طاولة مذهّبة. وكان وزن المعدن الثمين في كل هذه نحو 800 وزنة. إن إصلاحات ومنشآت نبوخذ نصر الذي كان يتمشى على سطح قصره وانتفخ بالكبرياء فقال “أليست هي بابل العظيمة التي بنيتها” (دانيال 4: 30)هذه الإصلاحات كانت حقاً ضخمة وبديعة. والسجل الذي تركه هذا الملك يشير إلىهذه العظمة, كما ويثبتها ما كتبه المؤرخون اليونان بعد ذلك.

9) القوَّة الحربية لبابل:
كانت هذه المملكة مؤلفة من أمم وشعوب مختلفة من ساميين وطورانيين وكوشيين وغيرهم. أما أصحاب السلطة فكانوا الساميين. واشتهر شعب هذه المملكة بشدة اليأس والإقدام. وفي أيام نبوخذ نصر هاجموا جميع البلدان الواقعة مابين دجلة والنيل. وكان صدى صليل سيوفهم يملأ أعدائهم رعباً. وأما أصوات مركباتهم فكانت كرعد قاصف (1ر 4: 29وحز 26: 10).وقلما حاقت بهم هزيمة أو أخفقوا في غزوة من غزواتهم. واشتهرت فرسانهم بالبسالة والنجدة. وقد جاء في النبي حبقوق 1: 8 شيء من وصف سرعة خيولهم وحدتها. وامتازت جنودهم بجودة رمي السهام وطعن الرماح وضرب السيوف – فحيثما توجهوا توجه معهم الظفر, وحيثما ساروا, سار معهم الرعب الذي امتلأت منه قلوب أعدائهم. وهابتهم من أجله الأمم المجاورة, ولاسيما الشعب اليهودي الذي كان يرى شرب كأس الحمام أهون من ملاقاة تلك الجيوش الجرارة. فكانوا يمثلون بالقتلى ويرتكبون في معاملة المسبيين والأسرى ما لم يسبقهم أحد إلى شرّ منه أو إلى مثله سوى الأشوريين.

10) صناعة بابل:
واشتهرت هذه الأمة بجودة الصناعة, كحفر الحجارة الثمينة ورسم الصور على الصخور والآجر (حز 23: 14). وقد وجد في آثارهم آنية من زجاج وخزف على هيئات مختلفة بالغة الجمال. وأما منسوجات بابل فكانت على غاية الإتقان منذ القدم ومما يثبت ذلك ذكر رداء شنعاري نفيس في سفر يشوع 7: 21 وقد أتقنوا صنع الأقمشة حتى اشتهرت بضاعتهمهذه عند الرومانيين الذين كانوا يتفاخرون بها ويشترونها بأثمان غالية. قيل أنه كان معلّقاً في مقصورة الإمبراطور نيرون نسيج بابلي موشّى بصور تيلغ قيمته 32300 جنيه انكليزي. وكاموا, فضلاً عن أحكام نسجها, يلونونها بألوان غاية في الحسن والإبداع. ويرسمون عليها الأصداف والحيوانات من مفترسة وغير مفترسة. وبالاختصار فقد كانت أقمشتهم فائقة الحسن والجمال, فكانت الأمم المعاصرة لهم ترغب فيها كل الرغبة كما هو الحال في أيامنا الحاضرة بالنظر إلى جودة الأقمشة الشرقية كالبسط الكردية والفارسية, فإن منها ما لا تقلّ قيمته عمّا كانت تصنعه في بابل. ولا عجب إذا حذا أهل المشرق في هذه الصناعة حذو أسلافهم البابليين, وانتقل إليهم ما كان فيهم من الدراية والحذق والمهارة.

11) لباس أهل بابل:
وأما لباس الطبقات العليا فكان قميصاً من الكتان إلى القدمين, وفوقه حلة من الصوف – وكانت أحذيتهم خفّا نعله من الخشب. وأما شعورهم فكانوا يلفونها, وبعد دهنها بجميع أنواع الطيب والعطر, بعمامة بيضاء. وأما العامة فكان لباسهم رداء واحداً فقط.

12) علوم أهل بابل:
ومن جملة العلوم التي امتاز أهل هذه المملكة علم الفلك ولهم فيه أبحاث دقيقة. فإنهم كانوا يعينون أوقات الخسوف والكسوف قبل حلولها. وقد وصف “هيرودس” خمس كسوفات ذكرها أولئك الفلكيون القدماء. ومما يستحق الاعتبار في هذا الفن معرفتهم السيارات الخمس, ووضعهم جدولاً للثوابت (النجوم) وتعيينهم الأبراج, حتى أنهم توصلوا إلى تحقيق طول السنة الشمسية, واخترعوا المزولة أيضاً. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في صفحات قاموس الكتاب المقدس والأقسام الأخرى). ولا ينكر عليهم إلاّ خلطهم علم الهيئة (الفلك) بعلم التنجيم. فكان علماؤهم عرّافين ومنجمين وسحرة معاً. وكان البابليون يكتبون الخط المسماري علو لوحات فخارية, وكانت كتابتهم تشمل أناشيد ينية وشرائع وبعض القصص عن الخليقة أو الطوفان مثلاً, ولذلك شملت كتاباتهم شيئاً من التاريخ ومن علوم الفلك والتنجيم وشملت بعض الخطابات والرسائل والوثائق التجارية.

13) ثروة أهل بابل وأخلاقهم:
كانت بابل, فضلاً عن شهرتها العلمية, مدينة ذات تجارة واسعة براً وبحراً. فكان تجارها يجلبون من المدن المجاورة لهم, الذهب والعاج والقرمز واللؤلؤ, وهذا ما كانوا يجلبونه من خليج العجم. وهكذا كثرت ثروتهم وزاد مجدهم وغناهم, فصارت نساؤهم تتزين بجميع أنواع الحلي والمجوهرات, وعاشوا بالتنعم والترفه.

على أن كثرة تنعمهم عادت عليهم بالدمار والخراب. وحطّ التأنق في المعيشة من منزلتهم مادياً وأدبياً. فصارت بناتهم نحيفات ضعيفات البنية. وأخذ الجهل من البابليين كل مأخذ فأدمنوا شرب المسكرات فزادوا تعجرفاً وتكبراً, وكثر الفجور بين سكان هذه المدينة حتى كانت العذارى تباع في الأسواق, والنساء يرتكبن الفحشاء, خالعات العذار, سدّاً لعوزهن, بعد أن كنَّ على أعظم جانب من الغنى واليسر. وكن يستعملن من ضروب الحيل وأنواع التدليس ما يفوق الوصف لإغراء الرجال, وإيقاعهم في اشراكهن إرواء لميولهن الفاسدة.

14) آلهة بابل واضمحلال مملكتها:
كان حكام هذه الدولة من النوع المطلق. وديانتها وثنية كما سبق, ومن آلهتهم بيل- ونبو- ومردوخ. وصنعوا لها أصناماً عديدة وشادوا لها هياكل على غاية من الفخامة كهيكل بيل وبرج نمرود وغيرهما من الهياكل المزخرفة التي أغاظوا بها الله تعالى. فغضب عليهم وسلّمهم إلى أيدي غيرهم من الأمم الذين تغلبوا عليهم ودمّروا بلادهم من الأمم الذين تغلبوا عليهم ودمّروا بلادهم وسبوا عيالهم.

وحالتها الحاضرة مطابقة لما قاله الله بفم أنبيائه القديسين, إذ يقول: “1 مر على مياهها فتنشف أنهرها فيدخلها العدو على حين غفلة”. وقد تم كلامه تعالى في بابل العظيمة حين دخلها كورش الفارسي في سنة 539 ق.م. وذكر هيرودتس أن العدو دخل المدينة وأكثر أهلها غافلون فلم يشعروا بالخطر الآتي عليهم, فنهب الأعداء جميع أمتعتهم وأموالهم إذ لم تكن لهم فرصة أن يخفوا منها شيئاً. فجاء ذلك طبقاً لما قال ارميا النبي (50: 37) وأرسل سيفاً على خزائنها فتنهب. وقد وردت نبوات أخرى بالقضاء على بابل مثل 1 ش 13 و14: 1-23 و21: 1-10 و46: 1 و2 و47: 1- 3 وارميا ص 50 وص 51 ورؤ 18: 10 انظر أيضاً تحت كلمات “كلديا” و “نبو” و “نبوخذ نصر”.

محمد مصطفى البرادعي

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن العريني 20

محمد مصطفى البرادعي (17 يونيو 1942) دبلوماسي وسياسي مصري، حاصل على جائزة نوبل للسلام سنة 2005 أثناء عمله في الوكالة الدولية للطاقة الذرية كمدير لها. ومؤسس الجمعية الوطنية للتغيير.
البرادعي حالياً رئيس حزب الدستور الذي يهدف، حسب تعريف الحزب، إلى توحيد القوات السياسية المصرية الذي تؤمن بالحريات العامة ومدنية الدولة، من أجل حماية وتعزيز مبادئ وأهداف ثورة 25 يناير 2011.[2]
يقود منذ 5 ديسمبر 2012 جبهة الإنقاذ الوطني، وهي تحالف لأبرز الأحزاب المصرية المعارضة لقرارات رئيس الجمهورية محمد مرسي.[3]
بعد انقلاب 3 يوليو العسكري الذي جاء بعد تظاهرات للمعارضة المصرية كان البرادعي من أبرز المرشحين لتولي منصب رئيس الوزراء.[4][5] وأصدر الرئيس المؤقت عدلي منصور في 9 يوليو 2013 قراراً جمهورياً بتعيين محمد البرادعى نائباً لرئيس الجمهورية للعلاقات الخارجية [6].
في 14 أغسطس 2013 أعلن إستقالته من منصبه إحتجاجا على فض أعصامات مؤيدي مرسي بالقوة

نشأته
ولد في كفر الزيات (في محافظة الغربية في مصر). والده مصطفى البرادعي محام ونقيب سابق للمحامين. تخرج من كلية الحقوق في جامعة القاهرة سنة 1962 بدرجة ليسانس الحقوق. وتزوج من عايدة الكاشف، وهي مُدرِّسة في رياض أطفال مدرسة فينا الدولية، ولهما ابنان. ابنتهما ليلي محامية وابنهما مصطفى مدير استوديو في محطة تلفزة خاصة، وكانا يعيشان في لندن، لكنهما عادا إلى مصر عام 2009.

حياته العملية
بدأ الدكتور محمد البرادعي حياته العملية موظفا في وزارة الخارجية المصرية في قسم إدارة الهيئات سنة 1964م حيث مثل بلاده في بعثتها الدائمة لدي الأمم المتحدة في نيويورك وفي جنيف. استقال البرادعي من منصبه بوزارة الخارجية المصرية إعتراضا على بعض بنود اتفاقية كامب ديفيد بعد عمله بها حوالي 20 عاما. سافر إلى الولايات المتحدة للدراسة، ونال سنة 1974 شهادة الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة نيويورك. عاد إلى مصر في سنة 1974 حيث عمل مساعدا لوزير الخارجية إسماعيل فهمي ثم مسؤولا عن برنامج القانون الدولي في معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحوث سنة 1980م، كما كان أستاذا زائرا للقانون الدولي في مدرسة قانون جامعة نيويورك بين سنتي 1981 و1987.
اكتسب خلال عمله كأستاذ وموظف كبير في الأمم المتحدة خبرة بأعمال وصيرورات المنظمات الدولية خاصة في مجال حفظ السلام والتنمية الدولية، وحاضَرَ في مجال القانون الدولي والمنظمات الدولية والحد من التسلح والاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وألَّف مقالات وكتبا في تلك الموضوعات، وهو عضو في منظمات مهنية عدة منها اتحاد القانون الدولي والجماعة الأمريكية للقانون الدولي.
التحق بالوكالة الدولية للطاقة الذرية سنة 1984 حيث شغل مناصب رفيعة منها المستشار القانوني للوكالة، ثم في سنة 1993 صار مديرًا عامًا مساعدًا للعلاقات الخارجية، حتي عُيِّن رئيسا للوكالة الدولية للطاقة الذرية في 1 ديسمبر 1997 خلفًا للسويدي هانز بليكس وذلك بعد أن حصل على 33 صوتًا من إجمالي 34 صوتًا في اقتراع سري للهيئة التنفيذية للوكالة، وأعيد اختياره رئيسا لفترة ثانية في سبتمبر 2001 ولمرة ثالثة في سبتمبر 2005.

جدل حوله
بسبب اضطلاع الوكالة الدولية للطاقة النووية بدور في التفتيش على الأسلحة النووية وبسبب السياسة الأمريكية الساعية إلى تقييد امتلاك دول لتلك التقنيات، فقد ثار حول محمد البرادعي جدلا خصوصا فيما تعلق بقضيتي أسلحة العراق قبل غزوها سنة 2003 والبرنامج النووي الإيراني وسعي الولايات المتحدة لإقصائه عن رياسة الوكالة ثم منعه من رياستها لدورة ثالثة.

علاقته بإيران
كشفت صحيفة يديعوت احرونوت الإسرائيلية استناداً لمصادر رفيعة في الحكومة الإسرائيلية على ان البرادعي كان عميلاً إيرانياً خلال فترة عمله بالوكالة الدولية للطاقة الذرية وانه لم يقدم تقريراً واحداً يدين البرنامج النووي الإيراني على عكس ما كان يقدمه ضد برنامج العراق النووي.[7][8] في حين كانت تقارير البرادعي بخصوص العراق بالتأكيد على ان عبارات “مهمة غير منجزة”، “أسئلة معلقة”، ” وثائق ناقصة” وما إلى ذلك حسب موقع الرابطة العراقية.[9] وقد كشف موقع “فري ريبابلك” في ديسمبر 2004 عن ان زوجة البرادعي عايدة كاشف إيرانية وانها بنت عم آية الله محمد رضا مهدوي كني (رئيس مجلس الخبراء الإيراني) الحالي.[10][11] وكشف الدكتور كامران بيرنيه لموقع إيطالي مختص بالشؤون الإيرانية عن وجود علاقة بين آية الله مهدوي كنى (كاني) وزوجة البرادعي والتي وصفها بالقوية وبالتالي فان البرادعي نسيب لأحد اكثر الرجال نفوذا في إيران.[12][13][14] يقول الكاتب حمدي السعيد سالم في بحث طويل عن ان البرادعي سرب معلومات مهمة لإيران لمواجهة الغرب وانه معجب جداً بالنمط الإيراني حيث قال ذات مره ان نجاد ونصر الله يزدادون شعبية وان إيران فيها انتخابات ولكن أين الانتخابات في العالم العربي؟[15]

وفي 2011 نفى محمد البرادعي في حوار مع الإعلامي عمرو الليثي أن زوجته إيرانية أو إنها تحمل أي جنسية أخرى [16].

أسلحة العراق واحتلالها
كان البرادعي قد أثار منذ 2003 تساؤلات حول دوافع ورُشد الإدارة الأمريكية في دعواها للحرب على العراق بدعوى حيازتها لأسلحة دمار شامل، إذ كان قد رأس هو وهانز بلكس فرق مفتشي الأمم المتحدة في العراق، وصرح في بيانه أمام مجلس الأمن في في 27 يناير 2003، قُبَيل غزو الولايات المتحدة العراق، “إن فريق الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـم يعثر حتي الآن على أي أنشطة نووية مشبوهة في العراق”[17][18]. كما لم يأت تقرير هانز بلِكس رئيس فرق التفتيش على أسلحة الدمار الشامل[19] بما يفيد وجود أيا منها في العراق، وإن كان لا ينفي وجود برامج ومواد بهدف إنتاج أسلحة بيولوجية وكيميائية سابقا. كما كرّر ذلك في كلمته أمام مجلس الأمن في 7 مارس 2003[20]
وكان هانز بلكس قد صرّح عند بدء التحقيق في مبررات حرب الولايات المتحدة على العراق بأن دِك تشيني نائب الرئيس الأمريكي قد أبلغهم بأنهم سيسعون إلى الانتقاص من مصداقيتهم في حال عدم الوصول إلى تبرير للحرب.[22].

السعي لإزاحته عن رئاسة الوكالة
عارضت الولايات المتحدة ترشّح محمد البرادعي لمدة ثالثة كرئيس للوكالة الدولية، كما أثارت صحيفة واشنطن بوست جدلا حول ما أعلنته [23] من قيام الولايات المتحدة بالتنصت على مكالماته على أمل العثور على ما يساعدها على إزاحته عن رئاسة الوكالة.
بالرغم من عدم وجود مترشحين منافسين على رئاسة الوكالة في ذلك الوقت، سعت الولايات المتحدة إلى إقناع وزير الخارجيه الأسترالي الأسبق ألكسندر داونر بالترشح إلا إنه رفض فتأجل قرار مجلس محافظي الوكالة حتي نهاية مايو 2005، عندما أسقطت الولايات المتحدة اعتراضاتها على رئاسته في 9 يونيو بعد مقابلة بينه وبين كوندوليسا رايس حيث فشلت الولايات المتحدة في الحصول على دعم كافي من دول أخرى لاقصاء البرادعي، وكان من ضمن الدول التي أيدت اعادة انتخاب البرادعي فرنسا وألمانيا والصين وروسيا.
و بعد فوزه برياسة دورة جديدة للوكالة سنة 2005، سعت حكومة الولايات المتحدة إلى إزاحة البرادعي عن رياسة الوكالة الدولية للطاقة الذرية[24] وكذلك سعت إسرائيل [25].

مفاجأة انتخابات الرئاسة الأمريكية 2004
قبل عشرة أيام من موعد انتخابات الرئاسة الأمريكية في 2004، أثار البرادعي تساؤلات حول مآل 377 طنا من المتفجرات اختفت في العراق بعد سيطرة الجيش الأمريكي عليها، فيما شكل مفاجأة أكتوبر في السياسة الأمريكية لتلك الانتخابات.

العودة إلى الوطن
وصل إلى القاهرة يوم الجمعة الموافق 19 فبراير 2010 وكان في استقباله في مطار القاهرة العديد من النشطاء السياسيين المصريين وعدد غير قليل من الشباب من عدة مناطق ومحافظات مختلفة في مظاهرة ترحيب بعودته لوطنه قدرت بحوالي ألفي شخص من أعمار وفئات اجتماعية مختلفة رافعين أعلام مصر والعديد من اللافتات التي عبرت عن ترحيبهم به وتأييدهم للرجل في ما اعتزمه من إصلاحات سياسية وإعادة الديمقراطية التي افتقدها الشباب المصري في ظل النظام الحالي.
في الأسبوع الأول لوصوله اجتمع مع عدد من قادة التيارات السياسية المختلفة والنشطاء السياسيين كما قام بزيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسي كما قام عدد من القنوات الفضائية المستقلة باستضافته في عدد من البرامج الحوارية لتقديم نفسه للشعب والتعرف على رؤيته السياسية وخططه للمستقبل إلا أن هذه البرامج جاءت مبكرة بعض الشيء مما أعطي انطباعا مبكرا بأن الرجل لم يعد نفسه الإعداد الكامل للمرحلة القادمة. إلا أن الأسبوع الأول لوصوله إلى مصر قد انتهي بإعلان تشكيل جمعية وطنية برئاسته للضغط على النظام لتعديل الدستور وإلغاء الطوارئ تجمع في عضويتها مجموعة من النشطاء من التيارات المعارضة المختلفة.
في خضم هذا التواتر والحراك السياسي تلاحظ غياب الإعلام الرسمي تماما عن متابعة أخباره كما لو كان الأمر هامشيا أو لا يرتقي إلى مستوي المتابعة الرسمية رغم المتابعة الشعبية الجارفة التي ظهرت في شكل آلاف من التعليقات الجادة والحوارات القيمة على عدد غير قليل من المواقع الإلكترونية لصحف مستقلة والمواقع الحوارية لتجمعات الشباب المصري، مما كان له أثره الواضح على اكتسابه المزيد من الشعبية نتيجة لذلك.
في سبتمبر 2010 نشرت عدد من الصحف المصرية، صورا عائلية خاصة لأسرة الدكتور محمد البرادعي، بعدما نقلتها “صديقة مجهولة” لابنته ليلي البرادعي عن صفحتها على موقع “فيس بوك” تقول أنها متزوجة من شخص بريطاني مسيحي (وهو مخالف للشريعة الإسلامية) وهذا ما تم نفيه من سفير النمسا السابق والذي كان قد شهد على عقد زواج ليلي البرادعي على الشريعة الإسلامية في سفارة مصر بالنمسا بعد اعلان زوجها إسلامه.[28] والذي اعتبرها أنصار البرادعي خطوة تعكس تدني مستوي المواجهة مع الخصوم السياسيين للنظام.
قبل أنتخابات مجلس الشعب المصرية لعام 2010 دعا دكتور محمد البرادعي قوي المعارضة المصرية المختلفة وعلي رأسها الإخوان المسلمون وحزب الوفد لمقاطعة الانتخابات البرلمانية بهدف سحب الشرعية من نظام مبارك والحزب الوطني نظرا للتوقعات بقيام نظام مبارك بتزوير الانتخابات عن طريق تواطيْ قوات الشرطة والبلطجية كما جرت العادة في الانتخابات السابقة وبالأخص عام 2005 ولكن المعارضة المصرية اصرت على المشاركة الا انهم قد اتخذوا قرارا بالانسحاب من الانتخابات بعد الجولة الأولي من الانتخابات حيث فاق التزوير كل التوقعات ولم يحصل الإخوان المسلمون على أي مقعد على عكس انتخابات 2005 وكان هذا بسبب سياسة أحمد عز أمين التنظيم ورجل جمال مبارك في الحزب الوطني باستخدام وسائل وتكتيكات انتخابية جديدة ومبتكرة في تزوير الانتخابات ونتيجة لذلك أعلن الإخوان المسلمون وحزب الوفد كل بشكل منفصل انسحابهم من الانتخابات اعتراضا على التزوير ومن أجل نزع الشرعية من البرلمان.
وكنتيجة لذلك حذر دكتور البرادعي نظام مبارك من تداعيات تزوير انتخابات مجلس الشعب وقال أن النظام لم يترك للشعب المصري أي سبيل للتغير سوي الانفجار

ائزة نوبل
في أكتوبر 2005 نال محمد البرادعي جائزة نوبل للسلام مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنحت الجائزة للوكالة ومديرها اعترافا بالجهود المبذولة من جانبهما لاحتواء انتشار الأسلحة النووية.

تتألف الجائزة من شهادة وميدالية ذهبية و 10 ملايين كرونا سويدية (تساوي وقتها حوالي 1.3 مليون دولار) مناصفة بين الوكالة ومديرها. وقال البرادعي إن نصيبه من الجائزة التي سيحصل عليها ستذهب إلى دورٍ لرعاية الأيتام في بلده مصر، وأن نصيب الوكالة سيستخدم في إزالة الألغام الأرضية من الدول النامية.
وصفت صحيفة “الإصلاح السياسي العالمي” الأمريكية (Global POlicy Reform) نيل البرادعي جائزةَ نوبل بأنه صفعة لسياسة بوش النووية Nobel Prize Slaps Bush Nuke Policy – GPF.

جوائز أخري
جائزة فرانكلين د. روزفلت للحريات الأربع (2006) (The Franklin D. Roosevelt Four Freedoms Award)
جائزة الطبق الذهبي من الأكاديمية الاوروامريكية للإنجاز (The Golden Plate award from the American Academy of Achievement)
جائزة جيت تراينور (Jit Trainor) من جامعة جورج تاون للتميز في الأداء الدبلوماسي
جائزة أمن الإنسانية من مجلس العلاقات العامة الإسلامي (The Human Security award from the Muslim Public Affairs Council)
جائزة المؤسسة من مجلس كرانس مونتانا (The Prix de la Fondation award from the Crans Montana Forum)
جائزة الأثير، أعلى وسام وطني جزائري
جائزة الحمامة الذهبية للسلام من الرئيس الإيطالي
حامي شرفي لجماعة الفلسفة في كلية الثالوث في دبلن (2006)، مماثلا لآخرين ممن نالوا جائزة نوبل للسلام مثل دزموند توتو وجون هيوم
وشاح النيل من الطبقة العليا، أعلى تكريم مدني من الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك
جائزة الإسهام المتميز في الاستخدامات السلمية للتقنية النووية من الاتحاد النووي العالمي (سبتمبر 2007)
جائزة موستار 2007 للسلام العالمي من مركز موستار للسلام والتعاون بين الإثنيات
جائزة “الذرة من أجل السلام” عام 2007 من قبل المعهد الدولي للسلام المستدامة(IISP) والمجلس العالمي للعمال النووية (WONUC)
جائزة الرابطة النووية العالمية عام 2007 (مشتركة مع وكالة الطاقة الذرية)
جائزة دلتا للتفاهم العالمي عام 2009.

كما نال البرادعي شهادات دكتوراة فخرية من جامعات نيويورك، وماريلاند، والجامعة الأمريكية في القاهرة، والجامعة المتوسطية الحرة في باري، وجامعة سوكا في اليابان، وجامعة تسنغوا في بكين ومعهد بوخارست للتقانة، والجامعة التقنية في مدريد، وجامعة كونكو في سيول، جامعة فلورنسا، وجامعة بوينوس آيرِس، وجامعة كويو الوطنية في الأرجنتين وجامعة أمهرست وجامعة ترينيتي

محمد مصطفى البرادعي

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن العريني 20

محمد مصطفى البرادعي (17 يونيو 1942) دبلوماسي وسياسي مصري، حاصل على جائزة نوبل للسلام سنة 2005 أثناء عمله في الوكالة الدولية للطاقة الذرية كمدير لها. ومؤسس الجمعية الوطنية للتغيير.
البرادعي حالياً رئيس حزب الدستور الذي يهدف، حسب تعريف الحزب، إلى توحيد القوات السياسية المصرية الذي تؤمن بالحريات العامة ومدنية الدولة، من أجل حماية وتعزيز مبادئ وأهداف ثورة 25 يناير 2011.[2]
يقود منذ 5 ديسمبر 2012 جبهة الإنقاذ الوطني، وهي تحالف لأبرز الأحزاب المصرية المعارضة لقرارات رئيس الجمهورية محمد مرسي.[3]
بعد انقلاب 3 يوليو العسكري الذي جاء بعد تظاهرات للمعارضة المصرية كان البرادعي من أبرز المرشحين لتولي منصب رئيس الوزراء.[4][5] وأصدر الرئيس المؤقت عدلي منصور في 9 يوليو 2013 قراراً جمهورياً بتعيين محمد البرادعى نائباً لرئيس الجمهورية للعلاقات الخارجية [6].
في 14 أغسطس 2013 أعلن إستقالته من منصبه إحتجاجا على فض أعصامات مؤيدي مرسي بالقوة

نشأته
ولد في كفر الزيات (في محافظة الغربية في مصر). والده مصطفى البرادعي محام ونقيب سابق للمحامين. تخرج من كلية الحقوق في جامعة القاهرة سنة 1962 بدرجة ليسانس الحقوق. وتزوج من عايدة الكاشف، وهي مُدرِّسة في رياض أطفال مدرسة فينا الدولية، ولهما ابنان. ابنتهما ليلي محامية وابنهما مصطفى مدير استوديو في محطة تلفزة خاصة، وكانا يعيشان في لندن، لكنهما عادا إلى مصر عام 2009.

حياته العملية
بدأ الدكتور محمد البرادعي حياته العملية موظفا في وزارة الخارجية المصرية في قسم إدارة الهيئات سنة 1964م حيث مثل بلاده في بعثتها الدائمة لدي الأمم المتحدة في نيويورك وفي جنيف. استقال البرادعي من منصبه بوزارة الخارجية المصرية إعتراضا على بعض بنود اتفاقية كامب ديفيد بعد عمله بها حوالي 20 عاما. سافر إلى الولايات المتحدة للدراسة، ونال سنة 1974 شهادة الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة نيويورك. عاد إلى مصر في سنة 1974 حيث عمل مساعدا لوزير الخارجية إسماعيل فهمي ثم مسؤولا عن برنامج القانون الدولي في معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحوث سنة 1980م، كما كان أستاذا زائرا للقانون الدولي في مدرسة قانون جامعة نيويورك بين سنتي 1981 و1987.
اكتسب خلال عمله كأستاذ وموظف كبير في الأمم المتحدة خبرة بأعمال وصيرورات المنظمات الدولية خاصة في مجال حفظ السلام والتنمية الدولية، وحاضَرَ في مجال القانون الدولي والمنظمات الدولية والحد من التسلح والاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وألَّف مقالات وكتبا في تلك الموضوعات، وهو عضو في منظمات مهنية عدة منها اتحاد القانون الدولي والجماعة الأمريكية للقانون الدولي.
التحق بالوكالة الدولية للطاقة الذرية سنة 1984 حيث شغل مناصب رفيعة منها المستشار القانوني للوكالة، ثم في سنة 1993 صار مديرًا عامًا مساعدًا للعلاقات الخارجية، حتي عُيِّن رئيسا للوكالة الدولية للطاقة الذرية في 1 ديسمبر 1997 خلفًا للسويدي هانز بليكس وذلك بعد أن حصل على 33 صوتًا من إجمالي 34 صوتًا في اقتراع سري للهيئة التنفيذية للوكالة، وأعيد اختياره رئيسا لفترة ثانية في سبتمبر 2001 ولمرة ثالثة في سبتمبر 2005.

جدل حوله
بسبب اضطلاع الوكالة الدولية للطاقة النووية بدور في التفتيش على الأسلحة النووية وبسبب السياسة الأمريكية الساعية إلى تقييد امتلاك دول لتلك التقنيات، فقد ثار حول محمد البرادعي جدلا خصوصا فيما تعلق بقضيتي أسلحة العراق قبل غزوها سنة 2003 والبرنامج النووي الإيراني وسعي الولايات المتحدة لإقصائه عن رياسة الوكالة ثم منعه من رياستها لدورة ثالثة.

علاقته بإيران
كشفت صحيفة يديعوت احرونوت الإسرائيلية استناداً لمصادر رفيعة في الحكومة الإسرائيلية على ان البرادعي كان عميلاً إيرانياً خلال فترة عمله بالوكالة الدولية للطاقة الذرية وانه لم يقدم تقريراً واحداً يدين البرنامج النووي الإيراني على عكس ما كان يقدمه ضد برنامج العراق النووي.[7][8] في حين كانت تقارير البرادعي بخصوص العراق بالتأكيد على ان عبارات “مهمة غير منجزة”، “أسئلة معلقة”، ” وثائق ناقصة” وما إلى ذلك حسب موقع الرابطة العراقية.[9] وقد كشف موقع “فري ريبابلك” في ديسمبر 2004 عن ان زوجة البرادعي عايدة كاشف إيرانية وانها بنت عم آية الله محمد رضا مهدوي كني (رئيس مجلس الخبراء الإيراني) الحالي.[10][11] وكشف الدكتور كامران بيرنيه لموقع إيطالي مختص بالشؤون الإيرانية عن وجود علاقة بين آية الله مهدوي كنى (كاني) وزوجة البرادعي والتي وصفها بالقوية وبالتالي فان البرادعي نسيب لأحد اكثر الرجال نفوذا في إيران.[12][13][14] يقول الكاتب حمدي السعيد سالم في بحث طويل عن ان البرادعي سرب معلومات مهمة لإيران لمواجهة الغرب وانه معجب جداً بالنمط الإيراني حيث قال ذات مره ان نجاد ونصر الله يزدادون شعبية وان إيران فيها انتخابات ولكن أين الانتخابات في العالم العربي؟[15]

وفي 2011 نفى محمد البرادعي في حوار مع الإعلامي عمرو الليثي أن زوجته إيرانية أو إنها تحمل أي جنسية أخرى [16].

أسلحة العراق واحتلالها
كان البرادعي قد أثار منذ 2003 تساؤلات حول دوافع ورُشد الإدارة الأمريكية في دعواها للحرب على العراق بدعوى حيازتها لأسلحة دمار شامل، إذ كان قد رأس هو وهانز بلكس فرق مفتشي الأمم المتحدة في العراق، وصرح في بيانه أمام مجلس الأمن في في 27 يناير 2003، قُبَيل غزو الولايات المتحدة العراق، “إن فريق الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـم يعثر حتي الآن على أي أنشطة نووية مشبوهة في العراق”[17][18]. كما لم يأت تقرير هانز بلِكس رئيس فرق التفتيش على أسلحة الدمار الشامل[19] بما يفيد وجود أيا منها في العراق، وإن كان لا ينفي وجود برامج ومواد بهدف إنتاج أسلحة بيولوجية وكيميائية سابقا. كما كرّر ذلك في كلمته أمام مجلس الأمن في 7 مارس 2003[20]
وكان هانز بلكس قد صرّح عند بدء التحقيق في مبررات حرب الولايات المتحدة على العراق بأن دِك تشيني نائب الرئيس الأمريكي قد أبلغهم بأنهم سيسعون إلى الانتقاص من مصداقيتهم في حال عدم الوصول إلى تبرير للحرب.[22].

السعي لإزاحته عن رئاسة الوكالة
عارضت الولايات المتحدة ترشّح محمد البرادعي لمدة ثالثة كرئيس للوكالة الدولية، كما أثارت صحيفة واشنطن بوست جدلا حول ما أعلنته [23] من قيام الولايات المتحدة بالتنصت على مكالماته على أمل العثور على ما يساعدها على إزاحته عن رئاسة الوكالة.
بالرغم من عدم وجود مترشحين منافسين على رئاسة الوكالة في ذلك الوقت، سعت الولايات المتحدة إلى إقناع وزير الخارجيه الأسترالي الأسبق ألكسندر داونر بالترشح إلا إنه رفض فتأجل قرار مجلس محافظي الوكالة حتي نهاية مايو 2005، عندما أسقطت الولايات المتحدة اعتراضاتها على رئاسته في 9 يونيو بعد مقابلة بينه وبين كوندوليسا رايس حيث فشلت الولايات المتحدة في الحصول على دعم كافي من دول أخرى لاقصاء البرادعي، وكان من ضمن الدول التي أيدت اعادة انتخاب البرادعي فرنسا وألمانيا والصين وروسيا.
و بعد فوزه برياسة دورة جديدة للوكالة سنة 2005، سعت حكومة الولايات المتحدة إلى إزاحة البرادعي عن رياسة الوكالة الدولية للطاقة الذرية[24] وكذلك سعت إسرائيل [25].

مفاجأة انتخابات الرئاسة الأمريكية 2004
قبل عشرة أيام من موعد انتخابات الرئاسة الأمريكية في 2004، أثار البرادعي تساؤلات حول مآل 377 طنا من المتفجرات اختفت في العراق بعد سيطرة الجيش الأمريكي عليها، فيما شكل مفاجأة أكتوبر في السياسة الأمريكية لتلك الانتخابات.

العودة إلى الوطن
وصل إلى القاهرة يوم الجمعة الموافق 19 فبراير 2010 وكان في استقباله في مطار القاهرة العديد من النشطاء السياسيين المصريين وعدد غير قليل من الشباب من عدة مناطق ومحافظات مختلفة في مظاهرة ترحيب بعودته لوطنه قدرت بحوالي ألفي شخص من أعمار وفئات اجتماعية مختلفة رافعين أعلام مصر والعديد من اللافتات التي عبرت عن ترحيبهم به وتأييدهم للرجل في ما اعتزمه من إصلاحات سياسية وإعادة الديمقراطية التي افتقدها الشباب المصري في ظل النظام الحالي.
في الأسبوع الأول لوصوله اجتمع مع عدد من قادة التيارات السياسية المختلفة والنشطاء السياسيين كما قام بزيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسي كما قام عدد من القنوات الفضائية المستقلة باستضافته في عدد من البرامج الحوارية لتقديم نفسه للشعب والتعرف على رؤيته السياسية وخططه للمستقبل إلا أن هذه البرامج جاءت مبكرة بعض الشيء مما أعطي انطباعا مبكرا بأن الرجل لم يعد نفسه الإعداد الكامل للمرحلة القادمة. إلا أن الأسبوع الأول لوصوله إلى مصر قد انتهي بإعلان تشكيل جمعية وطنية برئاسته للضغط على النظام لتعديل الدستور وإلغاء الطوارئ تجمع في عضويتها مجموعة من النشطاء من التيارات المعارضة المختلفة.
في خضم هذا التواتر والحراك السياسي تلاحظ غياب الإعلام الرسمي تماما عن متابعة أخباره كما لو كان الأمر هامشيا أو لا يرتقي إلى مستوي المتابعة الرسمية رغم المتابعة الشعبية الجارفة التي ظهرت في شكل آلاف من التعليقات الجادة والحوارات القيمة على عدد غير قليل من المواقع الإلكترونية لصحف مستقلة والمواقع الحوارية لتجمعات الشباب المصري، مما كان له أثره الواضح على اكتسابه المزيد من الشعبية نتيجة لذلك.
في سبتمبر 2010 نشرت عدد من الصحف المصرية، صورا عائلية خاصة لأسرة الدكتور محمد البرادعي، بعدما نقلتها “صديقة مجهولة” لابنته ليلي البرادعي عن صفحتها على موقع “فيس بوك” تقول أنها متزوجة من شخص بريطاني مسيحي (وهو مخالف للشريعة الإسلامية) وهذا ما تم نفيه من سفير النمسا السابق والذي كان قد شهد على عقد زواج ليلي البرادعي على الشريعة الإسلامية في سفارة مصر بالنمسا بعد اعلان زوجها إسلامه.[28] والذي اعتبرها أنصار البرادعي خطوة تعكس تدني مستوي المواجهة مع الخصوم السياسيين للنظام.
قبل أنتخابات مجلس الشعب المصرية لعام 2010 دعا دكتور محمد البرادعي قوي المعارضة المصرية المختلفة وعلي رأسها الإخوان المسلمون وحزب الوفد لمقاطعة الانتخابات البرلمانية بهدف سحب الشرعية من نظام مبارك والحزب الوطني نظرا للتوقعات بقيام نظام مبارك بتزوير الانتخابات عن طريق تواطيْ قوات الشرطة والبلطجية كما جرت العادة في الانتخابات السابقة وبالأخص عام 2005 ولكن المعارضة المصرية اصرت على المشاركة الا انهم قد اتخذوا قرارا بالانسحاب من الانتخابات بعد الجولة الأولي من الانتخابات حيث فاق التزوير كل التوقعات ولم يحصل الإخوان المسلمون على أي مقعد على عكس انتخابات 2005 وكان هذا بسبب سياسة أحمد عز أمين التنظيم ورجل جمال مبارك في الحزب الوطني باستخدام وسائل وتكتيكات انتخابية جديدة ومبتكرة في تزوير الانتخابات ونتيجة لذلك أعلن الإخوان المسلمون وحزب الوفد كل بشكل منفصل انسحابهم من الانتخابات اعتراضا على التزوير ومن أجل نزع الشرعية من البرلمان.
وكنتيجة لذلك حذر دكتور البرادعي نظام مبارك من تداعيات تزوير انتخابات مجلس الشعب وقال أن النظام لم يترك للشعب المصري أي سبيل للتغير سوي الانفجار

ائزة نوبل
في أكتوبر 2005 نال محمد البرادعي جائزة نوبل للسلام مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنحت الجائزة للوكالة ومديرها اعترافا بالجهود المبذولة من جانبهما لاحتواء انتشار الأسلحة النووية.

تتألف الجائزة من شهادة وميدالية ذهبية و 10 ملايين كرونا سويدية (تساوي وقتها حوالي 1.3 مليون دولار) مناصفة بين الوكالة ومديرها. وقال البرادعي إن نصيبه من الجائزة التي سيحصل عليها ستذهب إلى دورٍ لرعاية الأيتام في بلده مصر، وأن نصيب الوكالة سيستخدم في إزالة الألغام الأرضية من الدول النامية.
وصفت صحيفة “الإصلاح السياسي العالمي” الأمريكية (Global POlicy Reform) نيل البرادعي جائزةَ نوبل بأنه صفعة لسياسة بوش النووية Nobel Prize Slaps Bush Nuke Policy – GPF.

جوائز أخري
جائزة فرانكلين د. روزفلت للحريات الأربع (2006) (The Franklin D. Roosevelt Four Freedoms Award)
جائزة الطبق الذهبي من الأكاديمية الاوروامريكية للإنجاز (The Golden Plate award from the American Academy of Achievement)
جائزة جيت تراينور (Jit Trainor) من جامعة جورج تاون للتميز في الأداء الدبلوماسي
جائزة أمن الإنسانية من مجلس العلاقات العامة الإسلامي (The Human Security award from the Muslim Public Affairs Council)
جائزة المؤسسة من مجلس كرانس مونتانا (The Prix de la Fondation award from the Crans Montana Forum)
جائزة الأثير، أعلى وسام وطني جزائري
جائزة الحمامة الذهبية للسلام من الرئيس الإيطالي
حامي شرفي لجماعة الفلسفة في كلية الثالوث في دبلن (2006)، مماثلا لآخرين ممن نالوا جائزة نوبل للسلام مثل دزموند توتو وجون هيوم
وشاح النيل من الطبقة العليا، أعلى تكريم مدني من الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك
جائزة الإسهام المتميز في الاستخدامات السلمية للتقنية النووية من الاتحاد النووي العالمي (سبتمبر 2007)
جائزة موستار 2007 للسلام العالمي من مركز موستار للسلام والتعاون بين الإثنيات
جائزة “الذرة من أجل السلام” عام 2007 من قبل المعهد الدولي للسلام المستدامة(IISP) والمجلس العالمي للعمال النووية (WONUC)
جائزة الرابطة النووية العالمية عام 2007 (مشتركة مع وكالة الطاقة الذرية)
جائزة دلتا للتفاهم العالمي عام 2009.

كما نال البرادعي شهادات دكتوراة فخرية من جامعات نيويورك، وماريلاند، والجامعة الأمريكية في القاهرة، والجامعة المتوسطية الحرة في باري، وجامعة سوكا في اليابان، وجامعة تسنغوا في بكين ومعهد بوخارست للتقانة، والجامعة التقنية في مدريد، وجامعة كونكو في سيول، جامعة فلورنسا، وجامعة بوينوس آيرِس، وجامعة كويو الوطنية في الأرجنتين وجامعة أمهرست وجامعة ترينيتي

مملكة معين تاريخ وحضارة

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله سليمان ٣٣٦

الدولة المعينية

تعدّ الدولة المعينية من أقدم الدول العربية التي بلغنا خبرها، وقد عاشت وازدهرت بين “1350 – 630 ق. م.” تقريباً على رأي بعض العلماء. وقد بلغتنا أخبارها من الكتابات المدونة بالمسند و الكتب الكلاسيكية. أما المؤلفات العربية وذكرت إنه هو و “براقش” من أبنية التبابعة.
وأقدم من ذكر المعينيين من الكتاب “الكلاسيكيين” “ديودورس الصقلي” و “سترابون” “سترابو
وقد ظهرت هذه الدولة في الجوف، والجوف منطقة سهلة بين نجران وحضرموت، أرضها خصبة منطقة. وقد زارها السائح “نيبور” Niebuhar ووصفها. وذكر الهمداني جملة مواضع فيها، ولم يعرف شيئاً عن أصحابها.
ومن هذه: معين، ونشق: وبراقش، وكمنا وغيرها. وقد كانت عاصمة تلك الدولة “القرن” “قرن” “قرنو”، وهي: “قرنة
وليس بين الباحثين في تأريخ المعينين اتفاق على تأريخ مبدأ هذه الدولة ولا منتهاه، ف “كلاسر” مثلاً يرى إن الأبجدية التي استعملها المعينيون في كتاباتهم ترجع إلى الألف الثانية أو الألف الثالثة قبل الميلاد، وهذا يعني إن تأريخ هذا الشعب يرجع إلى ما قبل هذا العهد، فالمعينيون على هذا هم أقدم عهداً من العبرانيين. ويعارض هذا الرأي “هاليقي” و “ميلر” D.H. Muller و “موردتمن” Mordtmann و “ماير” E. Meyer و “شبرنكر” Sprenger و “ليدزبارسكي” Lidzbarski وغيرهم. ويرون إن نظرية “كلاسر” هذه مبالِغة، وأن مبدأ هذه الدولة لا يتجاوز الألف الأولى قبل المسيح بكثير. ويرى “هومل” Hommel إن من الممكن إن يكون بدأ تأريخ دولة “معين” ما بين “1500 – 1200 ق. م.” ونهاية حكومتها في عام “705 ق. م.”. وجعل “فلبي” مبدأ حكم أول ملك من ملوكها في عام 1120 ق. م. وحكم آخر ملك نعرفه من ملوكها في عام 630 ق. م.
والملوك الذين وردت أسماؤهم في الكتابات المعينية، ليسوا هم كل ملوك معين، بل هم جمهرة منهم. ولا استبعد احتمال حصول المنقبين في المستقبل على عدد آخر من أسماء ملوك جدد لا نعرف من أمرهم اليوم شيئاً، قد يزيد عددهم على هذا العدد المعروف. وقد يبلغ أضعافه.

حكومة معين
حكومة معين حكومة ملكية يرأسها حاكم يلقب بلقب “ملك”، غير إن هذه الحكومة وكذلك الحكومات الملكية الأخرى في العربية الجنوبية، جوزت إن يشترك شخص أو شخصان أو ثلاثة مع الملك في حمل لقب “ملك”، إذا كان حامل ذلك اللقب من أقرباء الملك الأدنين، كأن يكون ابنه أو شقيقه. فقد وصلت إلينا جملة كتابات، لقب فيها أبناء الملك أو أشقاؤه بلقب ملك، وذكروا مع الملك في النصوص. ولكننا لم نعثر على كتابات لقب فيها أحد بهذا اللقب، وهو بعيد عن الملك، أي ليس من أقربائه المرتبطين به برابطة الدم. كما إننا لا نجد هذه المشاركة في اللقب في كل الكتابات، وهذا مما حملنا على الظن بأن هذه المشاركة في اللقب، كانت في ظروف خاصة وفي حالات استثنائية، وهذا خصصت بأبناء الملك أو بأشقائه، وهذا أيضاً لم ترد في كل الكتابات، بل وردت في عدد منها هو قلة بالنسبة إلى ما لدينا الآن من نصوص.
ولم تبح لنا أية كتابة من الكتابات العربية الجنوبية بسر هذه المشاركة أكانت مجرد مجاملة وحمل لقب، أم كانت مشاركة حقيقية، أي إن الذين اشتركوا معه أيضاً في تولي أعمال الحكم كلية، أو بتولي عمل معين مهن الأعمال، بأن يوكل الملك من يخوله حمل اللقب القيام بوظيفة معينة ? ولم تبح لنا تلك الكتابات بأسرار الدوافع التي حملت أولئك الملوك على السماح لأولئك الأشخاص بمشاركتهم في حمل اللقب، أكانت قهرية كأن يكون الملك ضعيفاً مغلوباً على امره، ولهذا يضطر مكرهاً إلى إشراك غيره معه من أقربائه الأدنين لإسناده ولتقوية مركزه،أم كانت برضى من الملك ورغبة منه، فلا إكراه في الموضوع ولا إجبار ?.
ويظهر من الكتابات المعينية أيضاً إن الحكم في معين، لم يكن حكماً ملكياً تعسفياً، السلطة الفعلية مركزة في أيدي الملوك، بل كان الحكم فيها معتدلاً استشارياً يستشير الملوك أقربائهم ورجال الدين وسادات القبائل ورؤساء المدن، ثم يبرمون أمرهم، و يصدرون أحكامهم على شكل أوامر ومراسيم تفتتح بأسماء آلهة معين، ثم يذكر اسم الملك، وتعلن كتابة ليطلع عليها الناس.
وقد كانت المدن حكومات، لكل مدينة حكومتها الخاصة بها، وهذا كان في استطاعتنا أن نقول إن حكومة معين هي حكومات مدن، كل مدينة فيها حكومة صغيرة لها آلهة خاصة تتسمى ب اسمها، وهيئات دينية، و مجتمع يقال له: “عم”، بمعنى أمة وقوم وجماعة. و لكل مدينة مجلس استشاري يردير شؤونها في السلم وفي الحرب، و هو الذي يفصل فيما يقع بين الناس من خصومات وينظر في شؤون الجماعة “عم”.
وكان رؤساء القبائل يبنون دوراً، يتخذونها مجالس، يجتمعون فيها لتمضية الوقت وللبت في الأمور و للفصل بين أتباعهم في خلافاتهم، ويسجلون أيام تأسيسها وبنائها، كما يسجلون الترميمات والتحسينات التي يدخلونها على البناية. وتعرف هذه الدور عندهم بلفظة “مزود”. ولكل كل مدينة “مزود”، وقد يكون لها جملة “مزاود”، وذلك بأن يكون لشعابها وأقسامها مزاود خاصة بها، للنظر فيما يحدث في ذلك الشعب من خلاف. ويمكن تشبيه المزود بدار الندوة عند أهل مكة، وهي دار ة قُصَيّ بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمراً إلا فيها، يتشاورون فيها في أمور السلم والحرب.