أ.د. أحمد محمد وهبان

التربيه

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله القاسم٣٣٦

التربية مشكلة إنسانية قديمة معقَّدة، لا يكاد الناس يعتقدون أنهم انتهوا فيها إلى رأي حتى تظهر لهم صور جديدة من الحياة تضطرهم إلى العدول عن هذا الرأي أو إلى تعديله، ذلك بأن جوانب هذه المشكلة متعددة تتناول كل ما في الحياة، والأمر يبدو لك جليًّا واضحًا حين تذكر الغرض من التربية والنواحي التي تتناولها، فهناك التربية الروحية، والتربية العقلية، والتربية الاجتماعية، والتربية البدنية، وما يتصل بالوجود الإنساني من شئون.

ولقد تناول الفلاسفة والعلماء والأخلاقيون هذه الجوانب جميعًا، وحدَّد كلٌّ منهم ما يراه الغرض من التربية وطرائقها على الوجه الذي يتفق مع الصورة التي يرسمها لنفسه من الحياة.

وقد شُغِل المفكرون والكتَّاب الأوربيون في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بهذه المشكلة أكثر مما شُغِل أمثالهم بها في غير هذين القرنين، وسبب ذلك أن أوروبا كانت إبَّان هذين القرنين في حال انتقال سياسي واجتماعي خطير نحو الديموقراطية، فكان لا بد لها من التفكير في مشكلة التربية لتوائم بين حياة الفرد وحياة الجماعة. كان ظل الكنيسة يتقلص، وكانت السلطة المدنية تحل محلها في سياسة الدولة، فلم تبقَ ثمة حاجة بأن تخضع الأسرة ويخضع الفرد للكنيسة بالقدر الذي كانا يخضعان به من قبلُ، وكان سلطان الملوك والأشراف يتراجع على حين كانت الحرية الفردية تتقدم إلى مكان الصدارة من الحياة السياسية والاجتماعية، فلم يكن بدٌّ من أن تتقدم الحرية الفردية إلى هذا المكان، وكان النظام الاقتصادي يمر بمثل هذا التطور، فكانت المبادئ الاشتراكية تنادي بفكرة العدالة الاجتماعية في ظل الحرية، فكان حتمًا أن تتجه العقلية الفردية مثل هذا الاتجاه، وكان طبيعيًّا أن ينادي المفكرون والكتَّاب بتربية الناشئة تربيةً تكفل تمثلها هذه الأفكار والسير في الحياة على هداها.

وأنت حين تقرأ ما كتبه جان جاك روسو في كتابه (إميل أو التربية)، وما كتبه الفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر في كتابه (التربية)، وما جاء في كتاب (التربية الاستقلالية) وفي غيره من كتب ذلك العهد، تراه متأثرًا إلى حدٍّ بعيد بهذا التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي، متجهًا كله إلى إعداد الفرد لتلقي هذه الأفكار التي سادت ذلك العهد.

ليس معنى هذا أن الآراء والمبادئ التي نودي بها من قبلُ قد قُلِبت كلها رأسًا على عقب، بل بقي كثير منها موضع إيمان الناس خلال الأجيال إلى وقتنا الحاضر، والأمر كذلك فيما يتعلق بالأخلاق بنوع خاص، فلم يَقُلْ أحد يومًا إن الصدق رذيلة أو إن النفاق فضيلة، ولكن التربية تتناول شئونًا كثيرة كما قدمنا، هي التي تنظم سلوكنا في الحياة، والتعليم بعض هذا الشئون ذات الأثر في تنظيم السلوك، لذلك يتعذر فصل التفكير فيها عن التفكير في التربية بصورة مطلقة.

مرت نُظُم التربية في مصر بأطوار مختلفة، كما مرت بأطوار مختلفة في غيرها من البلاد، على أن هذه النظم كانت تستمد أصولها من تاريخ مصر منذ عهد الفراعنة، ثم كانت تطعم هذه الأصول بما استنبطه مفكروها حتى استقر بها الإسلام، فتأثرت نُظُم التربية فيها بتعاليمه إلى أبعد مدًى، من غير أن تفقد طابعها القومي في كثير من الشئون، واستمر الحال على ذلك قرونًا متوالية، كانت بعضها قرون نهضة وازدهار، وبعضها قرون تدهور وانحلال، على أن الاتجاه فيها جميعًا بقي اتجاهًا شرقيًّا لا يمت إلى الغرب بصلة، حتى كان القرن التاسع عشر، وحتى بدأت صلات مصر بأوروبا تتزايد وتجعل إسماعيل باشا يقول إن بلاده أصبحت كقطعة من أوروبا، عند ذلك بدأت في نُظُم التربية وفي طرائق التفكير، اتجاهاتٌ جديدةٌ لا تزال هي السائدة إلى وقتنا الحاضر.

وهذه النظم الجديدة تتأثر إلى حد كبير بما تتأثر به مثيلاتها في البلاد الأخرى، ذلك أن التطور الذي حدث في هذا القرن العشرين، والذي قرَّب بين أجزاء العالم بواسطة المواصلات السريعة، قد غيَّر وجه العالم إلى حدٍّ بعيد، وقد مزج الشرق والغرب مزجًا لم يكن يدور بخاطر أحد في القرن الماضي، ولم يكن يدور بخاطر (رديارد كبلنج) يوم قال: الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا. وهذا التطور الذي لا يزال في بدايته سيثير من النتائج والآثار ما لا تستطيع أمة التخلص منه.

وهذا التطور يحملنا على أن نأخذ منه بنصيب كبير في نظم التربية عندنا، فنجعلها نظمًا عملية تساير الوقت، وإن بقيت متأثرة بتاريخنا ومقومات قوميتنا، على أننا يجب أن نصور نحن هذه النظم ولا نكتفي فيها بتقليد غيرنا، حتى لا يكون شأننا عند محاولة هذا التقليد كشأن الغراب في قصة «كليلة ودمنة»، حين أراد أن يقلِّد الحجلة فتخلَّع في مشيته وصار أقبح الطير مشيًا.

وأنا حين أتحدث عن النظم العملية في التربية، ترتسم أمام ذهني التربية البدنية، وكيف تطورت مما كانت عليه إلى ما صارت إليه، وترتسم كذلك أمام ذهني تربيتنا العقلية وما مرت به من أطوار، ولست أريد أن أفيض في القول في هذا الموضوع وما يتصل به، وحسبي أن أنبه إلى أهمية الموضوع ليتولاه المختصون بالبحث، وليقدروا أن التربية في مقدمة ما تنهض الأمم على أساسه نهضةً سليمة القواعد والبنيان.

ملاحظات للمبتدئين في الكتابه العلميه

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله القاسم٣٣٦

من آنٍ لآخر أتلقَّى رسائل من أشخاص يفكرون جديًّا في أن يعملوا كُتَّابًا علميين، بعضهم لا يملك أدنى فكرة عن كيفية البدء، بينما بدأ البعض الآخر بالفعل لكنهم يرغبون في معرفة كيف يحسنون أداءهم. وعادةً ما أردُّ عليهم برسالة بريد إلكتروني سريعة لكي أتمكن من العودة إلى محاولتي الشخصية لاكتشاف كيف يصبح المرء كاتبًا علميًّا؛ ولذا، فكرت أنه من الأفضل للجميع — أي أنا ومن يتصلون بي — أن أكتب ردًّا مفصلًا (وسأنشر كذلك النسخة الأخيرة من هذه التدوينة على موقعي الشخصي).

ودعوني أبدأ بالتنبيه التالي: قد لا أكون الشخص المناسب لإسداء نصائح حول هذا الموضوع؛ فقد اكتشفت مجال العمل هذا بالصدفة دون أي تخطيط في أوائل التسعينيات عندما كانت الصحافة من المجالات شديدة الاختلاف عن غيرها؛ لذا، فإجابة سؤال «كيف أُصبح كاتبًا علميًّا؟» ليست إجابةً للسؤال «كيف أصبحتَ كاتبًا علميًّا؟»

كنت في طفولتي أكتب قصصًا، وأرسم رسومًا كاريكاتورية، وأُحاكي في محاولاتٍ يعوزها التوفيق كتابة رواية «واترشيب داون». وعندما وصلت إلى الجامعة، كنت أكتب في المجالين الروائي وغير الروائي معًا، بينما تخصَّصتُ في اللغة الإنجليزية كي أتعلم من كبار الكُتَّاب، محاولًا في الوقت نفسه تجنب الانغماس في متاهة النظرية الأدبية الهدَّامة. وبعد التخرج، قضيت عامين متنقلًا بين عدة وظائف بينما ظللت أكتب قصصًا قصيرة دون مساعدة من أحد، لكني أدركت تدريجيًّا أني تعوزني الأفكار الضرورية للكتابة.

وفي عام ١٩٨٩، راسلت بعض المجلات للاستعلام عن وظائف لخريجٍ مبتدئ، فتلقيت ردًّا من مجلة تُدعى «ديسكفر» يفيد بأنهم في حاجة إلى مساعد مدقق لغوي. حصلت على الوظيفة، لكني اكتشفت أني لست على درجة الكفاءة المطلوبة في هذه المهنة؛ وهو ما يعني أني كنت مدققًا لغويًّا دون المستوى. ولحسن الحظ، سمح لي رؤسائي من المحررين وقتئذٍ البدء في التحقق من صحة الحقائق الواردة بالتحقيقات، وهي الوظيفة التي يزعم البعض بأنها أفضل طريقة لتعلُّم كيفية الكتابة عن العلم. وأُتيحت لي فرصة كتابة بعض المقالات القصيرة، وأدركت أنها تجربة تختلف عن جميع تجارب الكتابة التي مارستها من قبل؛ فكنت أكتب حول عالم الطبيعة، لكني اكتشفت في الطبيعة غرابة تفوق ما تخيلت. وكان العلماء على استعداد لمساعدتي في فهم اكتشافاتهم. عملتُ في مجلة «ديسكفر» طيلة عشرة أعوام، وقضيت آخر أربعة منها في منصب محرر أول، ثم اتجهت بعد ذلك للعمل المستقل عبر كتابة الكتب والمقالات الخاصة، وغيرها من أنواع الكتابة.

بعبارةٍ أخرى، لم أكن أعلم أثناء دراستي الجامعية أني أريد العمل ككاتب علمي. وبينما درست بعض المقررات العلمية لأني كنت أستمتع بها، لم أحصل على شهادة في مجال العلوم، ولم أسجل لإتمام أي دراسات عليا في الصحافة العلمية؛ فلم يكن لديَّ سوى حسن تمييزٍ ساعدني في إدراك أني قد استغرقت في العمل في مجال يرضيني إلى هذا الحد.

يقدم ما ذكرته آنفًا سببًا يجعل القارئ يشكك في نصيحتي، أما حقيقة أني عملت طوال السنوات الخمس الأولى من حياتي المهنية دون اتصال بشبكة الإنترنت، فهي سبب آخر. ولم يكن لديَّ بريد إلكتروني؛ ففي ذلك الوقت لم يرَ ناشرو المجلات فائدة من توصيل أجهزة الكمبيوتر التي يعملون عليها بأسلاك التليفونات للاتصال بالإنترنت. وهكذا بدأ تدريبي على الكتابة العلمية الذي كان جزءًا من عملي في زمن عتيق؛ حيث كانت المجلات والصحف تسيطر على الكتابة العلمية سيطرة شبه احتكارية، وكانت البدائل الوحيدة هي المجلات الخاصة التي يطبعها أصحابها بأنفسهم على نحوٍ بدائي، والتي كانت تحقق جزءًا ضئيلًا من مبيعات المجلات الكبيرة، لكنها فشلت في جذب المعلِنين الذين يُغدقون أموالًا طائلة على إعلاناتهم.

بالطبع تغيَّر كل هذا؛ فمثلًا، تحولت مجلة «بوينج بوينج» — وهي إحدى المجلات البدائية — إلى موقع إلكتروني ناجح للغاية. واستغرق الكثير من العاملين بمجال الكتابة العلمية وقتًا طويلًا جدًّا لإدراك أن التغيير قادم، وحاول الكثيرون تجاهله ما إن شهدوه. وفي حالتي، اكتشفت العالم الإلكتروني بالصدفة كما عثرت صدفةً على مجال الكتابة العلمية؛ فمع حلول بدايات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بدأت أستمتع بكتابة عدد قليل من المدونات العلمية. وعندما قررت مجلة «ناتشرال هيستوري» التوقف عن نشر مقالاتي، أدركت أن المقال — كنوع أدبي — سيصعب بيعه لمحررين آخرين؛ لذا، أنشأت مدونة لا أكون فيها مضطرًّا لإقناع أحدٍ بمقالاتي.

بدت المدونات في ذلك الوقت كإحدى وسائل التسلية الغريبة، ولم أكن أتوقع — مثل الجميع — أن تصبح في النهاية في قلب الصحافة العلمية. وكذلك لم أدرك أن الصحافة العلمية التقليدية — والصحافة على وجه العموم — كانت تخضع لتغيُّر جذري. وربما يكون التعبير الأفضل لوصف هذه العملية — بناءً على مَن توجه له الحديث — هو الانسلاخ أو الانهيار.

لهذا السبب أشعر من ناحيتي — وأنا أكتب هذه التدوينة عام ٢٠١٣ — بأني سعيد الحظ؛ لأني استطعت في النهاية كسب قوتي بالعمل كاتبًا علميًّا، لكني حذر جدًّا فيما يتعلق بنصح الآخرين بالعمل في هذا المجال. وإذا قررتَ أنك ترغب في أن تصبح كاتبًا علميًّا، فلتتأكد أن انطباعك عن المجال يتسم بالدقة؛ وإذا كانت لديك صورة ضبابية عن الصحافة كما كانت قرابة عام ١٩٩٠، فعليك تحديث تصوراتك.

تمتعت الصحف الأمريكية بازدهار عظيم عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الازدهار وصل إلى ذروته زهاء عام ١٩٩٠. أما الآن فالصحف توظف عددًا أقل من الأفراد مقارنةً بعام ١٩٥٠؛ فخلال سنوات الازدهار عينت الصحف العديد من الكُتَّاب العلميين لتحرير الأقسام العلمية الأسبوعية، والتي بلغ عددها أثناء قمة ازدهارها — عام ١٩٨٩ — ٩٥ قسمًا في الولايات المتحدة، أما الآن فلا يوجد سوى ١٩. فعندما تحاول الصحف الاستمرار في تحقيق أرباح عبر تخفيض الإنفاق (وهي استراتيجية غير حكيمة بالمرة، لكنها تساعد في تحسين شكل دفاتر الحسابات على المدى القصير)، فغالبًا ما يكون القسم العلمي هو أول الأقسام الملغاة.

ينطبق هذا أيضًا على المجلات، فإذا كان تصورك عن الصحافة العلمية في المجلات يرجع إلى عهد إدارة الرئيس ريجان، فقد حان الوقت لتقييم هذا الموقف؛ إذ شَهدت حقبة الثمانينيات نموًّا مدهشًا للمجلات المخصصة للعلم فحسب، مثل «ديسكفر» و«أومني» و«ساينس دايجيست» وغيرها. وعيَّنت المجلات الكبرى مثل «تايم» و«نيوزويك» أطقم عمل تعمل بدوام كامل للكتابة عن العلم فحسب. بلى، فلتصدَّق عينيك؛ لقد أطلقتُ على مجلة «نيوزويك» لتوِّي وصف المجلة الكبرى. قد تبدو تلك المجلات الآن في حالة انهيار، لكنها امتلكت في يوم من الأيام مبانيَ في مانهاتن تعلوها لافتات تحمل أسماءها. ومثل ما شهدته الصحف من قبل، تشهد المجلات الآن فترة انحدار، وكثيرٌ من المجلات العلمية التي انتشرت في الماضي أُغلقت الآن تمامًا.

مع ذلك تشهد بعض مراكز الكتابة العلمية ازدهارًا، ومن ضمنها ما تُصْدِر المطبوعات التقليدية التي تحاول ابتكار طرق جديدة للبقاء على الساحة، إضافةً إلى المطبوعات الجديدة التي لا تحمل على عاتقها تاريخ الصحافة المؤلم. وعلى الأرجح لن تدعم تلك المنافذ القديمة والجديدة عدد الكُتَّاب العلميين نفسه الذي شهدته حقبة الثمانينيات؛ لسبب بسيط هو أن مقالًا منشورًا في صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» ومقالًا آخر منشورًا في صحيفة «بوسطن جلوب» لم يَعُدْ يفصلهما عن بعضهما الثلاثة آلاف ميل الفاصلة بين المدينتين؛ فمن الممكن الاطلاع على المقالين في علامتَي تبويب متجاورتين على المتصفح نفسه. من ناحية أخرى، سيكون من العبث مد التوجه نحو الصحافة العلمية في خط مستقيم من مرحلة الانحدار السابقة إلى أن يصل إلى نقطة الصفر.

إذا كنت قد اكتسبت رؤية مستبصرة حول الصحافة العلمية، فالسؤال التالي الذي يجب أن تطرحه على نفسك هو: «هل أرغب في العمل بهذا المجال؟» ما إن تشرع في الكتابة العلمية لا تتوقع أن تحظى تلقائيًّا بوظيفة ضمن طاقم العمل، وحزمة تقاعد، وقائمة من الموضوعات المثيرة التي يمكنك الكتابة عنها على مدار الخمسين سنة التالية؛ فإنك بدخولك المجال ستدخل أيضًا في منافسة شرسة سواء على وظيفة لخريج مبتدئ أو على مهام الكتابة الحرة، وقد يكون الراتب زهيدًا حتى في المطبوعات البارزة؛ لذا، عليك أن تتمتع بالقوة اللازمة للتكيُّف مع هذه البيئة. أما تعرضك للرفض فهو ليس كارثة تُنهي الحياة المهنية في عالم الكتابة العلمية، بل هو جزء طبيعي من التجربة.

لو ظللت مصممًا على العمل بهذا المجال فربما تتساءل: «كيف أبدأ الكتابة عن العلم؟» والإجابة هي: بأن تشرع في الكتابة. الأمر يشبه العزف على آلة الترومبون، فإذا ذهبت إلى فرقة لموسيقى الجاز وأخبرتهم أنك — بعد تفكير طويل — تعتقد أن العمل كعازف ترومبون سيمثل تجربة ممتعة، فعلى الأرجح لن يقبلوك على الفور بالفرقة، لكنهم سيرغبون في سماع عزفك. وقد يساعدك مدرس لآلة الترومبون على أن تصبح عازفًا أفضل، وكذلك العزف في الفرق المدرسية. لكن الأهم من هذا كله هو الساعات التي تقضيها دومًا في التدريب بمفردك على العزف.

أوجه هذه النصيحة على وجه الخصوص لطلاب الدراسات العليا في مجال العلوم ممن يعتقدون أن الكتابة عن العلم أكثر إمتاعًا من ممارسته. وأتفق معهم في هذا الرأي لكن هذا لا يعني أن اجتهادهم في الدراسة بعد التخرج قد أعدهم جيدًا للكتابة عن العلم لجمهور غير متخصص؛ حيث إن أسلوب الكتابة المستخدَم لنشر بحث علمي في مجلة «أمريكان جورنال أوف بوتاني» يختلف عن أسلوب الكتابة المستخدَم لنشر تحقيق في مجلة «أتلانتيك»؛ فتعلُّم كيفية الكتابة عن العلم يتطلب جهدًا. ولكي تبدأ العمل عليك أولًا البحث عن موضوعات وكتابة مئات الكلمات كل يوم. ولا تقنط إذا كنت لا تزال تشعر — بعد عدة أشهر — أنك بدأت تمتلك لتوك مفاتيح الكتابة عن الفيزياء لجمهور عريض؛ فالأمر ليس سهلًا.

أحد الأساليب النافعة لتعلُّم كيفية الكتابة هو تحليل أسلوب كبار الكتاب العلميين. فإذا كنت معجبًا بالكاتب جون ماكفي فلتفتِّش في كتابه «تاريخ العالم السالف»، وتأمل الطريقة التي يجمع بها قصصه. وإذا رغبت أن تصبح كاتبًا علميًّا فلتُلقِ نظرة على أفضل الأعمال التي كُتبت في هذا المجال مثل كتب سيدارتا موكيرجي وستيفن بينكر، أو تفقَّد هذه القائمة المليئة بالمصادر التي أعدتها مدونة «ذا لووم» لقرائها عام ٢٠٠٩. لا تنتظر أن يعطيَك أحد مجموعة تعليمات رسمية؛ فليس لهذا وجود.

وبالطبع لكي تعزز مهارتك في الكتابة ستحتاج إلى موضوع تكتب عنه، ولحسن الحظ يحفل عالم العلم بأحداث لا تنتهي، بدءًا من الأبحاث الجديدة وانتهاءً بالقضايا الجدلية المستجدة. ويمكنك التدقيق في البيانات الصحفية أو البحث عبر المجلات أو التحدث فحسب مع الناس لمعرفة المستجدات. لا تشعر بوجود التزام يدفعك إلى الكتابة حول ما يكتب عنه الآخرون، ما لم يكن لديك جديد يقال في تلك المواضيع. فمن السهولة بمكان على معظم الصحفيين تجاهل صلب الموضوع الذي يكتبون عنه؛ لذا، لا تخشَ أن تنحوَ نحوًا مختلفًا.

لا بد لكل كاتب علمي مبتدئ مِن اتخاذ قرار حول المسار الذي سيسلكه. وفي حالتي لقد سلكت المسار المتهور المتعرج الذي وصفته آنفًا، لكني شاهدت آخرين يسلكون مسارات مختلفة إلى حدٍّ كبير قادتْهم إلى حياة مهنية راسخة؛ فبدأ بعضهم بإنشاء مدونات خاصة بهم حيث علَّموا أنفسهم الكتابة أمام جمهور. أما البعض الآخر فسلكوا — بالاعتماد على أنفسهم — طريق الكتابة الحرة، بادئين بالمطبوعات الصغيرة، ثم استغلوها للنشر في كبرى الصحف والمجلات. وقد سجل بعضهم لإتمام الدراسات العليا في الصحافة العلمية، حيث دُرِّبوا على يد كُتَّاب محنكين متمرِّسين، ثم عُيِّنوا كمتدربين لدى بعض الصحف والمجلات البارزة. وبينما انضم بعض العلماء المتدربين إلى برنامج «زمالة وسائل الإعلام» الذي ترعاه الرابطة الأمريكية للنهوض بالعلم، انحرف آخرون إلى اتجاهات غير متوقعة؛ إذ بدءوا في مجال الكتابة العلمية ثم أصبحوا منتجين إذاعيين على سبيل المثال، أو عملوا في مجال الرسوم المتحركة، أو في مجال تصميم التطبيقات. في تلك الأيام من الضروري أن تكون على استعداد لسَلْك اتجاهٍ لم يكن في وسعك توقعه في البداية.

وإلى جانب البراعة في كتابة المقالات ذاتها، هناك مهارة أخرى هامة لا تحظى عادةً بالتقدير، وهي تعلم كيفية كتابة عرض جيد للحصول على عمل حر؛ إذ يجب عليك جذب المحررين كي يكلفوك بمهمة. ويتطلب ذلك بضعة أمور؛ أولًا: لا بد من أن تفهم بوضوحٍ تام الموضوعَ الذي تريد الكتابة عنه بحيث تستطيع وصفه بإيجاز وبأسلوب مقنع. وعليك كذلك إدراك روح كل مطبوعة تتعامل معها؛ إذ تفخر بعض المجلات بتركيزها الشديد على الموضوعات الأكاديمية، بينما تَعتبر مجلات أخرى نفسها موجِّهة للقراء محبي الاطلاع الذين تعوزهم الخبرة. وتهتم بعض المجلات اهتمامًا أكبر بالأسلوب الروائي الجذاب، بينما تضع مجلات أخرى التفاصيل العلمية فوق أي شيء آخر؛ لذا، عليك إدراك الفرق، ومن ثَمَّ اكتشاف الموضوعات التي لا يستطيع المحررون إيجادها بأنفسهم؛ الموضوعات التي يتوقون لرؤيتها على صفحات مجلاتهم.

في وسعي الاستفاضة في هذا العرض، لكن هناك من أدَّى المهمة نفسها وينبغي لي ألا أكرر مجهوداتهم الرائعة.

إذنْ، هذا هو كل ما ورد بذهني ردًّا على الخطابات التي أتلقاها، مع أنني لست واثقًا من أنني استطعت تغطية كل شيء أو ما إذا كنت قد أغفلت أمرًا هامًّا.

ملاحظات للمبتدئين في الكتابه العلميه

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله القاسم٣٣٦

من آنٍ لآخر أتلقَّى رسائل من أشخاص يفكرون جديًّا في أن يعملوا كُتَّابًا علميين، بعضهم لا يملك أدنى فكرة عن كيفية البدء، بينما بدأ البعض الآخر بالفعل لكنهم يرغبون في معرفة كيف يحسنون أداءهم. وعادةً ما أردُّ عليهم برسالة بريد إلكتروني سريعة لكي أتمكن من العودة إلى محاولتي الشخصية لاكتشاف كيف يصبح المرء كاتبًا علميًّا؛ ولذا، فكرت أنه من الأفضل للجميع — أي أنا ومن يتصلون بي — أن أكتب ردًّا مفصلًا (وسأنشر كذلك النسخة الأخيرة من هذه التدوينة على موقعي الشخصي).

ودعوني أبدأ بالتنبيه التالي: قد لا أكون الشخص المناسب لإسداء نصائح حول هذا الموضوع؛ فقد اكتشفت مجال العمل هذا بالصدفة دون أي تخطيط في أوائل التسعينيات عندما كانت الصحافة من المجالات شديدة الاختلاف عن غيرها؛ لذا، فإجابة سؤال «كيف أُصبح كاتبًا علميًّا؟» ليست إجابةً للسؤال «كيف أصبحتَ كاتبًا علميًّا؟»

كنت في طفولتي أكتب قصصًا، وأرسم رسومًا كاريكاتورية، وأُحاكي في محاولاتٍ يعوزها التوفيق كتابة رواية «واترشيب داون». وعندما وصلت إلى الجامعة، كنت أكتب في المجالين الروائي وغير الروائي معًا، بينما تخصَّصتُ في اللغة الإنجليزية كي أتعلم من كبار الكُتَّاب، محاولًا في الوقت نفسه تجنب الانغماس في متاهة النظرية الأدبية الهدَّامة. وبعد التخرج، قضيت عامين متنقلًا بين عدة وظائف بينما ظللت أكتب قصصًا قصيرة دون مساعدة من أحد، لكني أدركت تدريجيًّا أني تعوزني الأفكار الضرورية للكتابة.

وفي عام ١٩٨٩، راسلت بعض المجلات للاستعلام عن وظائف لخريجٍ مبتدئ، فتلقيت ردًّا من مجلة تُدعى «ديسكفر» يفيد بأنهم في حاجة إلى مساعد مدقق لغوي. حصلت على الوظيفة، لكني اكتشفت أني لست على درجة الكفاءة المطلوبة في هذه المهنة؛ وهو ما يعني أني كنت مدققًا لغويًّا دون المستوى. ولحسن الحظ، سمح لي رؤسائي من المحررين وقتئذٍ البدء في التحقق من صحة الحقائق الواردة بالتحقيقات، وهي الوظيفة التي يزعم البعض بأنها أفضل طريقة لتعلُّم كيفية الكتابة عن العلم. وأُتيحت لي فرصة كتابة بعض المقالات القصيرة، وأدركت أنها تجربة تختلف عن جميع تجارب الكتابة التي مارستها من قبل؛ فكنت أكتب حول عالم الطبيعة، لكني اكتشفت في الطبيعة غرابة تفوق ما تخيلت. وكان العلماء على استعداد لمساعدتي في فهم اكتشافاتهم. عملتُ في مجلة «ديسكفر» طيلة عشرة أعوام، وقضيت آخر أربعة منها في منصب محرر أول، ثم اتجهت بعد ذلك للعمل المستقل عبر كتابة الكتب والمقالات الخاصة، وغيرها من أنواع الكتابة.

بعبارةٍ أخرى، لم أكن أعلم أثناء دراستي الجامعية أني أريد العمل ككاتب علمي. وبينما درست بعض المقررات العلمية لأني كنت أستمتع بها، لم أحصل على شهادة في مجال العلوم، ولم أسجل لإتمام أي دراسات عليا في الصحافة العلمية؛ فلم يكن لديَّ سوى حسن تمييزٍ ساعدني في إدراك أني قد استغرقت في العمل في مجال يرضيني إلى هذا الحد.

يقدم ما ذكرته آنفًا سببًا يجعل القارئ يشكك في نصيحتي، أما حقيقة أني عملت طوال السنوات الخمس الأولى من حياتي المهنية دون اتصال بشبكة الإنترنت، فهي سبب آخر. ولم يكن لديَّ بريد إلكتروني؛ ففي ذلك الوقت لم يرَ ناشرو المجلات فائدة من توصيل أجهزة الكمبيوتر التي يعملون عليها بأسلاك التليفونات للاتصال بالإنترنت. وهكذا بدأ تدريبي على الكتابة العلمية الذي كان جزءًا من عملي في زمن عتيق؛ حيث كانت المجلات والصحف تسيطر على الكتابة العلمية سيطرة شبه احتكارية، وكانت البدائل الوحيدة هي المجلات الخاصة التي يطبعها أصحابها بأنفسهم على نحوٍ بدائي، والتي كانت تحقق جزءًا ضئيلًا من مبيعات المجلات الكبيرة، لكنها فشلت في جذب المعلِنين الذين يُغدقون أموالًا طائلة على إعلاناتهم.

بالطبع تغيَّر كل هذا؛ فمثلًا، تحولت مجلة «بوينج بوينج» — وهي إحدى المجلات البدائية — إلى موقع إلكتروني ناجح للغاية. واستغرق الكثير من العاملين بمجال الكتابة العلمية وقتًا طويلًا جدًّا لإدراك أن التغيير قادم، وحاول الكثيرون تجاهله ما إن شهدوه. وفي حالتي، اكتشفت العالم الإلكتروني بالصدفة كما عثرت صدفةً على مجال الكتابة العلمية؛ فمع حلول بدايات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بدأت أستمتع بكتابة عدد قليل من المدونات العلمية. وعندما قررت مجلة «ناتشرال هيستوري» التوقف عن نشر مقالاتي، أدركت أن المقال — كنوع أدبي — سيصعب بيعه لمحررين آخرين؛ لذا، أنشأت مدونة لا أكون فيها مضطرًّا لإقناع أحدٍ بمقالاتي.

بدت المدونات في ذلك الوقت كإحدى وسائل التسلية الغريبة، ولم أكن أتوقع — مثل الجميع — أن تصبح في النهاية في قلب الصحافة العلمية. وكذلك لم أدرك أن الصحافة العلمية التقليدية — والصحافة على وجه العموم — كانت تخضع لتغيُّر جذري. وربما يكون التعبير الأفضل لوصف هذه العملية — بناءً على مَن توجه له الحديث — هو الانسلاخ أو الانهيار.

لهذا السبب أشعر من ناحيتي — وأنا أكتب هذه التدوينة عام ٢٠١٣ — بأني سعيد الحظ؛ لأني استطعت في النهاية كسب قوتي بالعمل كاتبًا علميًّا، لكني حذر جدًّا فيما يتعلق بنصح الآخرين بالعمل في هذا المجال. وإذا قررتَ أنك ترغب في أن تصبح كاتبًا علميًّا، فلتتأكد أن انطباعك عن المجال يتسم بالدقة؛ وإذا كانت لديك صورة ضبابية عن الصحافة كما كانت قرابة عام ١٩٩٠، فعليك تحديث تصوراتك.

تمتعت الصحف الأمريكية بازدهار عظيم عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الازدهار وصل إلى ذروته زهاء عام ١٩٩٠. أما الآن فالصحف توظف عددًا أقل من الأفراد مقارنةً بعام ١٩٥٠؛ فخلال سنوات الازدهار عينت الصحف العديد من الكُتَّاب العلميين لتحرير الأقسام العلمية الأسبوعية، والتي بلغ عددها أثناء قمة ازدهارها — عام ١٩٨٩ — ٩٥ قسمًا في الولايات المتحدة، أما الآن فلا يوجد سوى ١٩. فعندما تحاول الصحف الاستمرار في تحقيق أرباح عبر تخفيض الإنفاق (وهي استراتيجية غير حكيمة بالمرة، لكنها تساعد في تحسين شكل دفاتر الحسابات على المدى القصير)، فغالبًا ما يكون القسم العلمي هو أول الأقسام الملغاة.

ينطبق هذا أيضًا على المجلات، فإذا كان تصورك عن الصحافة العلمية في المجلات يرجع إلى عهد إدارة الرئيس ريجان، فقد حان الوقت لتقييم هذا الموقف؛ إذ شَهدت حقبة الثمانينيات نموًّا مدهشًا للمجلات المخصصة للعلم فحسب، مثل «ديسكفر» و«أومني» و«ساينس دايجيست» وغيرها. وعيَّنت المجلات الكبرى مثل «تايم» و«نيوزويك» أطقم عمل تعمل بدوام كامل للكتابة عن العلم فحسب. بلى، فلتصدَّق عينيك؛ لقد أطلقتُ على مجلة «نيوزويك» لتوِّي وصف المجلة الكبرى. قد تبدو تلك المجلات الآن في حالة انهيار، لكنها امتلكت في يوم من الأيام مبانيَ في مانهاتن تعلوها لافتات تحمل أسماءها. ومثل ما شهدته الصحف من قبل، تشهد المجلات الآن فترة انحدار، وكثيرٌ من المجلات العلمية التي انتشرت في الماضي أُغلقت الآن تمامًا.

مع ذلك تشهد بعض مراكز الكتابة العلمية ازدهارًا، ومن ضمنها ما تُصْدِر المطبوعات التقليدية التي تحاول ابتكار طرق جديدة للبقاء على الساحة، إضافةً إلى المطبوعات الجديدة التي لا تحمل على عاتقها تاريخ الصحافة المؤلم. وعلى الأرجح لن تدعم تلك المنافذ القديمة والجديدة عدد الكُتَّاب العلميين نفسه الذي شهدته حقبة الثمانينيات؛ لسبب بسيط هو أن مقالًا منشورًا في صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» ومقالًا آخر منشورًا في صحيفة «بوسطن جلوب» لم يَعُدْ يفصلهما عن بعضهما الثلاثة آلاف ميل الفاصلة بين المدينتين؛ فمن الممكن الاطلاع على المقالين في علامتَي تبويب متجاورتين على المتصفح نفسه. من ناحية أخرى، سيكون من العبث مد التوجه نحو الصحافة العلمية في خط مستقيم من مرحلة الانحدار السابقة إلى أن يصل إلى نقطة الصفر.

إذا كنت قد اكتسبت رؤية مستبصرة حول الصحافة العلمية، فالسؤال التالي الذي يجب أن تطرحه على نفسك هو: «هل أرغب في العمل بهذا المجال؟» ما إن تشرع في الكتابة العلمية لا تتوقع أن تحظى تلقائيًّا بوظيفة ضمن طاقم العمل، وحزمة تقاعد، وقائمة من الموضوعات المثيرة التي يمكنك الكتابة عنها على مدار الخمسين سنة التالية؛ فإنك بدخولك المجال ستدخل أيضًا في منافسة شرسة سواء على وظيفة لخريج مبتدئ أو على مهام الكتابة الحرة، وقد يكون الراتب زهيدًا حتى في المطبوعات البارزة؛ لذا، عليك أن تتمتع بالقوة اللازمة للتكيُّف مع هذه البيئة. أما تعرضك للرفض فهو ليس كارثة تُنهي الحياة المهنية في عالم الكتابة العلمية، بل هو جزء طبيعي من التجربة.

لو ظللت مصممًا على العمل بهذا المجال فربما تتساءل: «كيف أبدأ الكتابة عن العلم؟» والإجابة هي: بأن تشرع في الكتابة. الأمر يشبه العزف على آلة الترومبون، فإذا ذهبت إلى فرقة لموسيقى الجاز وأخبرتهم أنك — بعد تفكير طويل — تعتقد أن العمل كعازف ترومبون سيمثل تجربة ممتعة، فعلى الأرجح لن يقبلوك على الفور بالفرقة، لكنهم سيرغبون في سماع عزفك. وقد يساعدك مدرس لآلة الترومبون على أن تصبح عازفًا أفضل، وكذلك العزف في الفرق المدرسية. لكن الأهم من هذا كله هو الساعات التي تقضيها دومًا في التدريب بمفردك على العزف.

أوجه هذه النصيحة على وجه الخصوص لطلاب الدراسات العليا في مجال العلوم ممن يعتقدون أن الكتابة عن العلم أكثر إمتاعًا من ممارسته. وأتفق معهم في هذا الرأي لكن هذا لا يعني أن اجتهادهم في الدراسة بعد التخرج قد أعدهم جيدًا للكتابة عن العلم لجمهور غير متخصص؛ حيث إن أسلوب الكتابة المستخدَم لنشر بحث علمي في مجلة «أمريكان جورنال أوف بوتاني» يختلف عن أسلوب الكتابة المستخدَم لنشر تحقيق في مجلة «أتلانتيك»؛ فتعلُّم كيفية الكتابة عن العلم يتطلب جهدًا. ولكي تبدأ العمل عليك أولًا البحث عن موضوعات وكتابة مئات الكلمات كل يوم. ولا تقنط إذا كنت لا تزال تشعر — بعد عدة أشهر — أنك بدأت تمتلك لتوك مفاتيح الكتابة عن الفيزياء لجمهور عريض؛ فالأمر ليس سهلًا.

أحد الأساليب النافعة لتعلُّم كيفية الكتابة هو تحليل أسلوب كبار الكتاب العلميين. فإذا كنت معجبًا بالكاتب جون ماكفي فلتفتِّش في كتابه «تاريخ العالم السالف»، وتأمل الطريقة التي يجمع بها قصصه. وإذا رغبت أن تصبح كاتبًا علميًّا فلتُلقِ نظرة على أفضل الأعمال التي كُتبت في هذا المجال مثل كتب سيدارتا موكيرجي وستيفن بينكر، أو تفقَّد هذه القائمة المليئة بالمصادر التي أعدتها مدونة «ذا لووم» لقرائها عام ٢٠٠٩. لا تنتظر أن يعطيَك أحد مجموعة تعليمات رسمية؛ فليس لهذا وجود.

وبالطبع لكي تعزز مهارتك في الكتابة ستحتاج إلى موضوع تكتب عنه، ولحسن الحظ يحفل عالم العلم بأحداث لا تنتهي، بدءًا من الأبحاث الجديدة وانتهاءً بالقضايا الجدلية المستجدة. ويمكنك التدقيق في البيانات الصحفية أو البحث عبر المجلات أو التحدث فحسب مع الناس لمعرفة المستجدات. لا تشعر بوجود التزام يدفعك إلى الكتابة حول ما يكتب عنه الآخرون، ما لم يكن لديك جديد يقال في تلك المواضيع. فمن السهولة بمكان على معظم الصحفيين تجاهل صلب الموضوع الذي يكتبون عنه؛ لذا، لا تخشَ أن تنحوَ نحوًا مختلفًا.

لا بد لكل كاتب علمي مبتدئ مِن اتخاذ قرار حول المسار الذي سيسلكه. وفي حالتي لقد سلكت المسار المتهور المتعرج الذي وصفته آنفًا، لكني شاهدت آخرين يسلكون مسارات مختلفة إلى حدٍّ كبير قادتْهم إلى حياة مهنية راسخة؛ فبدأ بعضهم بإنشاء مدونات خاصة بهم حيث علَّموا أنفسهم الكتابة أمام جمهور. أما البعض الآخر فسلكوا — بالاعتماد على أنفسهم — طريق الكتابة الحرة، بادئين بالمطبوعات الصغيرة، ثم استغلوها للنشر في كبرى الصحف والمجلات. وقد سجل بعضهم لإتمام الدراسات العليا في الصحافة العلمية، حيث دُرِّبوا على يد كُتَّاب محنكين متمرِّسين، ثم عُيِّنوا كمتدربين لدى بعض الصحف والمجلات البارزة. وبينما انضم بعض العلماء المتدربين إلى برنامج «زمالة وسائل الإعلام» الذي ترعاه الرابطة الأمريكية للنهوض بالعلم، انحرف آخرون إلى اتجاهات غير متوقعة؛ إذ بدءوا في مجال الكتابة العلمية ثم أصبحوا منتجين إذاعيين على سبيل المثال، أو عملوا في مجال الرسوم المتحركة، أو في مجال تصميم التطبيقات. في تلك الأيام من الضروري أن تكون على استعداد لسَلْك اتجاهٍ لم يكن في وسعك توقعه في البداية.

وإلى جانب البراعة في كتابة المقالات ذاتها، هناك مهارة أخرى هامة لا تحظى عادةً بالتقدير، وهي تعلم كيفية كتابة عرض جيد للحصول على عمل حر؛ إذ يجب عليك جذب المحررين كي يكلفوك بمهمة. ويتطلب ذلك بضعة أمور؛ أولًا: لا بد من أن تفهم بوضوحٍ تام الموضوعَ الذي تريد الكتابة عنه بحيث تستطيع وصفه بإيجاز وبأسلوب مقنع. وعليك كذلك إدراك روح كل مطبوعة تتعامل معها؛ إذ تفخر بعض المجلات بتركيزها الشديد على الموضوعات الأكاديمية، بينما تَعتبر مجلات أخرى نفسها موجِّهة للقراء محبي الاطلاع الذين تعوزهم الخبرة. وتهتم بعض المجلات اهتمامًا أكبر بالأسلوب الروائي الجذاب، بينما تضع مجلات أخرى التفاصيل العلمية فوق أي شيء آخر؛ لذا، عليك إدراك الفرق، ومن ثَمَّ اكتشاف الموضوعات التي لا يستطيع المحررون إيجادها بأنفسهم؛ الموضوعات التي يتوقون لرؤيتها على صفحات مجلاتهم.

في وسعي الاستفاضة في هذا العرض، لكن هناك من أدَّى المهمة نفسها وينبغي لي ألا أكرر مجهوداتهم الرائعة.

إذنْ، هذا هو كل ما ورد بذهني ردًّا على الخطابات التي أتلقاها، مع أنني لست واثقًا من أنني استطعت تغطية كل شيء أو ما إذا كنت قد أغفلت أمرًا هامًّا.

اثر السياسه في اخلاق المجتمع

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله القاسم٣٣٦

في الحياة ألغاز يحار الناس في حلها، ومن الكُتَّاب من يُنفق مجهودًا غير قليل في محاولة حلِّ هذه الألغاز؛ فأيهما أسبق في الحياة: الدجاجة أم البيضة؟ ولعل من ألغاز الحياة ما بين سياسة أمة من الأمم وأخلاقها من تفاعُل؛ فهل هي السياسة التي تؤثر في أخلاق الأمة؟ أو أن أخلاق الأمة هي التي توجه سياستها؟ وعندنا أن الأمرين متلازمان تمام التلازم، وأن نظام الحكم في أمة من الأمم، والطريقة التي ينفذ بها هذا النظام ليس إلا ظاهرة من ظاهرات حياة الأمة النفسية، وبالتالي من ظاهرات أخلاقها، ومع ذلك فلطريقة الحكم في الأمم أثر في أخلاق الجيل الذي يخضع لهذه الطريقة، وفي الأجيال التي تتأثر به بطبيعة الحال.

لما انتهت الحرب العظمى الماضية، كانت الفكرة البلشفية التي استولت على نظام الحكم في روسيا تهدد أكثر ممالك أوروبا، فكان أثرها في ألمانيا والنمسا وإيطاليا واضحًا أكثر من وضوحه في فرنسا وإنجلترا، وكانت الثورة تهدد هذه الدول وتقلب نظمها رأسًا على عقب. إذ ذاك قام موسوليني في إيطاليا وجمَع حوله أنصار رأيه في محاربة البلشفية من الفاشست، وزحفوا على روما واستولوا على الحكم فيها، وبدءوا يقيمون نظامًا جديدًا غير النظام الديمقراطي التقليدي الذي كان معروفًا في إيطاليا يومئذ، ومن ذلك الوقت بدأت إيطاليا تتجه في حياتها كلها اتجاهًا جديدًا، وبدأ زعيمها موسوليني يضع لها مُثلًا عليا، ويغرس في نفوس أبنائها آمالًا لم تكن معروفة عندهم من قبل؛ بذلك بدأ الشعب الإيطالي يحس لنفسه بمكانة في العالم غير المكانة المتواضعة التي كانت له قبل الحرب الكبرى وبعدها وإلى أن تولى موسوليني مقاليد الحكم فيه. ووجه هذا الشعور الجديد أخلاق الشعب الإيطالي وجهة جديدة حجبت ما كان فيها من ضعف، وأبرزت ما فيها من قوة، وهيَّأت لإيطاليا أسباب السؤدد، ومكنتها من أن تقف وحدها بعد خمس عشرة سنة من بدء الحكم الفاشستي موقفًا حيَّر العالم كله.

ومثل ألمانيا ليس أقل إثارة للملاحظة من مثل إيطاليا؛ فهذه الأمة التي خرجت هزيمة من الحرب الكبرى، والتي أملى الحلفاء عليها في معاهدة فرساي ما أملوا، قد استطاعت أن تسترد قوتها وكرامتها ومكانتها الدولية في خمس عشرة سنة منذ انتهاء الحرب. هذا بينما بقيت دول غيرها محطمة هشيمة ضعيفة الرجاء في استرداد مكانتها، كل همها أن تتصل بدولة أخرى لتنقذها من المهانة التي هوت إليها.

أفهي القدرة السياسية التي استطاعت أن تبلغ بإيطاليا وبألمانيا هذا المبلغ، بينما قعدت هذه القدرة بغيرهما عن إدراك المكانة التي تطمع في إدراكها، أم أن أخلاق هذه الشعوب هي التي مهدت للمقدرة السياسية السبيل؟ في رأينا أن ثمة تلازمًا وثيقًا بين الأمرين: بين الأخلاق والسياسة، وهذا التلازم يبدو واضحًا في مثل آخر حديث بشكل أوثق اتصالًا بهذين المثلين؛ ذلك مثل الإمبراطورية البريطانية، فقد قيل عن هذه الإمبراطورية أنها هرمت وأصبحت غير قادرة على أن تعمل شيئًا أكثر من الدفاع عن كيانها دفاع الهرم المتدلي إلى الفناء، فلما كانت المشكلة الدولية الأخيرة بين إيطاليا والحبشة، ورأت إنكلترا كيانها كإمبراطورية مهددًا، نهضت نهضة جديدة قوية تدل على أن حيويتها ما تزال قوية متوثبة، وقد دلَّ الشعب الإنكليزي — بما أبداه في مختلف أدوار هذه الأزمة الأخيرة — على أن ما عرف عنه من متانة خلقية وجلد قوي ما يزالان ذوي أثر فعال في حياته السياسية العامة.

هذا التلازم بين السياسة وخلق المجتمع يجعل للسياسة في الأمم القوية الخلق أثرًا يزيد خلقها قوة، وفي الأمم الضعيفة الخلق أثرًا يساير هذا الضعف حتى يغير الله ما بهذه الأمة من ضعف حين تغير ما بنفسها، وعلة ذلك بسيطة واضحة، فإن الأمم القوية الخلق هي التي يحكم فيها الرأي العام على الحاكم والمحكوم جميعًا، فيها تُعتَبر الحكومة وكيلةً عن الشعب مأجورة على وكالتها، فإذا هي حادت عن حدود الوكالة حاسبها الشعب على ذلك حسابًا عسيرًا بالثورة عليها وبإسقاطها، والحكومة في مثل هذه الشعوب تعتبر الثورة حقًّا من حقوق الشعب، فهي تتفاداها بالنظم الديمقراطية.

والحقيقة أن الانتخابات العامة التي تقيم حكومة وتسقط أخرى ليست إلا ثورة منظمة تصالح عليها الملوك مع شعوبهم في الأمم القوية الخلق، فبدل أن تقوم الطوائف صاحبة النفوذ بحرب أهلية تسقط الحكومة أو تنتهي بانتصار الحكومة وبإذعان هذه الطوائف، تواضع أهل هذه الأمم الديمقراطية على تصوير هذه الثورة بصورة أقرب ما يستطاع إلى الهدوء، وهذا هو ما دعا إلى وصف الانتخابات بالحرب الانتخابية وبالمعارك الانتخابية؛ فهي في الواقع حرب بين طائفتين أو عدة طوائف كل واحدة تريد الاستيلاء على الحكم والاستئثار بالأمر، فإذا ما انتهت هذه المعارك بانتصار طائفة؛ تولت الحكم كما لو كانت قد حدثت ثورة دموية بالعنف انتهت إلى انتصار فريق وهزيمة فريق آخر.

هذا ما يحدث في الأمم القوية الخلق، وهو الذي يجعل الحياة الديمقراطية فيها تبقى أبدًا، لا يستطيع أحد أن يعصف بها؛ لأن الذي يعصف بالحياة النيابية يجب أن يكون أقوى أبدًا من الأمة نفسها، أما في الأمم الضعيفة فأثر السياسة في الأخلاق يختلف، بل يتفاوت عن أثرها في الأمم القوية تفاوتًا بيِّنًا؛ في الأمم الضعيفة الخلق تعتبر الأمة الحاكم سيدًا لا وكيلًا مأجورًا، ولذلك تفشو في طوائفها أخلاق المحسوبية والمحاباة والرياء، فإذا قام من أبنائها أشخاص أقوياء الخلق اعتبروا الحاكم وكيلًا عنهم وأردوا محاسبته كوكيل، فثار الحاكم عليهم، فلم يجدوا النصير الذي يستطيع أن يُمكِّنهم من التغلب على الحاكم؛ بل رأوا على العكس من ذلك نظرات اللوم توجه إليهم على أنهم ارتكبوا وزرًا يجب عليهم أن يؤدوا ثمنه، وأن ينالهم جزاؤه.

لما تحرجت الأحوال في مصر في آخر عهد المغفور له الخديوي الأول إسماعيل باشا، وازداد تدخل الدول بسبب الدين العام، ألَّفت الحكومة المصرية مجلس نواب اختير من سراة البلاد وأعيانها؛ ليكون إلى جانب الحكومة يعاونها في موقفها الدولي الدقيق، وآن لهذا المجلس أن يجتمع، ووقف رئيسه يريد أن يضع التقاليد البرلمانية، فكان من أول ما ذكره لنواب الأمة أن يجلس المؤيدون منهم للحكومة في مقاعد اليمين من المجلس، وأن يجلس معارضوها في مقاعد اليسار. هنالك تزاحم النواب جميعًا بالمناكب إلى مقاعد اليمين يريد كل واحد منهم أن يكون في أشد المقاعد تأييدًا للحكومة، ولما سئلوا في ذلك أنكروا أن يكون لحكومة الجناب العالي الخديوي معارض، وأنهم جميعًا خدَّام الحكومة. هذه هي قصة يقرؤها المصري ابن اليوم فيعجب، ولكن عجبه لا يبلغ عجب الإنكليزي إذا قرأها؛ فالإنكليزي يخالف صاحبه في الرأي السياسي مخالفة صارخة، ويكون الواحد منهم محافظًا من غلاة المحافظين، والآخر اشتراكيًّا من غلاة الاشتراكيين، ثم لا يغير ذلك من علاقاتهم الشخصية ولا من صداقتهم، وقد يتناقشون وتبلغ بهم الحدة غايتها، ثم لا يكون لذلك أي أثر في معاملاتهم؛ لأن كل واحد منهم يؤمن بأن صاحبه يصدر عن عقيدة صادقة يعتبرها تحقق المصلحة العامة وإن أضرَّت بمصلحته الذاتية، وكفى بالمرء في الحياة فخارًا أن لا يصدر في أعماله إلا عن عقيدة وإيمان.

إذا وجد في أمة ضعيفة عدد من أبنائها يصدرون في أعمالهم عن عقيدة وإيمان، ولا يردهم إهدار مصالحهم عن المضي في العمل بعقيدتهم والدعوة إلى إيمانهم؛ كان هؤلاء النواة التي تُقوِّي من ضعف الأمة وتمتن من خلقها. أما وقد ضربنا المثل بإيطاليا في أول هذا الفصل، فإنه يجب أن نشير إلى أن عقيدة موسوليني وإيمانه بها إلى حد استعداده التضحية بحياته في سبيلها هي التي ثقلت إيطاليا من موقفها الذي كان يهدد وجودها بعد الحرب الماضية مباشرة إلى الموقف الذي تقفه اليوم في السياسة والأخلاق؛ فالشخصية القوية تجذب إليها من يؤمنون بمثل إيمانها، وتدفع إليهم قوةً وبأسًا، وتزيدهم إيمانًا وثباتًا، وما دامت المُثل العليا أكبر قدرًا عند هؤلاء من الحياة ذاتها، وما داموا يعرفون كيف يتمنون الموت صادقين في سبيل عقيدتهم وإيمانهم، فليس يسيرًا أن تتغلب عليهم قوة من القوى.

ونختم هذا البحث بالإشارة إلى ما كان من المهاتما غاندي في الهند وفي العالم بأسره من أثر كبير في السياسة وفي الخلق جميعًا؛ فقد بلغ من أمر هذا الأثر أنه طوَّر حياة الطوائف في الهند، وطوَّر علاقات إنجلترا بها، ومن قبل أن يكون لغاندي هذا الأثر في الهند كان له مثله وأكبر منه في جنوبي أفريقيا.

من هذا كله يتضح ما بين السياسة والأخلاق من تلازم في الأمم القوية وفي الأمم الضعيفة، وهذا التلازم هو الذي يدعو إلى حيرة من يريدون أن يجعلوا للسياسة أثرها في الأخلاق، وللأخلاق أثرها في الحياة السياسية. والواقع أن في هذه التفرقة كما في كثير من مثلها ما يدعو إلى الوقوع في الخطأ، أما إدراك ما بين الأمرين من تلازم، وإدراك ما بينهما وبين الحياة الاقتصادية والعلمية والحياة العامة إجمالًا من تلازم؛ فهذا الذي ييسر الوقوف على الحقيقة في حياة المجتمع.

الغضب وآدبه

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله القاسم٣٣٦

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد : ” فإن الغضب عدو العقل ، وهو له كالذئب للشاة قلَّ ما يتمكن منه إلا اغتاله “( ) , والغضب من الصفات التي ندر أن يسلم منه أحد بل تركه بالكلية صفة نقص لا كمال -كما سيأتي بيانه- ” والغضب ينسي الحرمات ، ويدفن الحسنات ، ويخلق للبريء جنايات ” ( ) وقد قيل :

وعين الرضا عن كل عيب كليلة : ولكن عين السخط تبدي المساويا( )
كما قيل : وعين البغض تبرز كل عيب : وعين الحب لا تجد العيوبا( )

وكثير منا لا يحسن الغضب إن غضب , ولم نرب أنفسنا وأولادنا كيف نغضب ولماذا نغضب وفي هذه الخاطرة جمعت ما يَسَّر الله – تعالى – جمعه من آيات ، وأحاديث , وحكم , وشعر , وغيرها مما يتعلق بهذا الموضوع سائلا المولى جل جلاله التوفيق والسداد .

تعريف الغضب
عَرَّف الغضبَ جمعٌ من علماء اللغة وغيرهم ، واختلفت العبارات ، واتفقت الثمرة فكلمة ( الغضب ) يدرك معناها الصغير ، والكبير بلا تكلف أو تعب فتوضيح الواضحات – كما يقال – من الفاضحات ، وقد يزيده غموضا وإشكالا قال المناوي –رحمه الله تعالى – ” والغضب كيفية نفسانية وهو بديهي التصور “ا.هـ ( ) ومع ذلك لابد من ذكر شيء من ذلك :
قال القرطبي -رحمه الله تعالى- ” والغضب في اللغة : الشدة ، ورجل غضوب أي شديد الخلق ، والغضوب الحية الخبيثة ؛ لشدتها , والغضبة : الدرقة من جلد البعير يطوى بعضها على بعض سميت بذلك لشدتها ” ا.هـ ( )
وقيل في معناه : تغيُّر يحصل عند فوران دم القلب ليحصل عنه التشفي في الصدر .( )
وقيل : الغضب إرادة الإضرار بالمغضوب عليه .

أسباب الغضب :
بواعث الغضب ، وأسبابه كثيرة جدا ، والناس متفاوتون فيها ، فمنهم مَن يَغضب لأمر تافه لا يُغضب غيره وهكذا ، فمِن أسباب الغضب :

أولا : العُجب : فالعجب بالرأي والمكانة والنسب والمال سبب للعداوة إن لم يُعقل بالدين وذلك برده ودفعه فالعجب قرين الكِبْر وملازم له , والكِبْر من كبائر الذنوب فقد قال النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- ( لا يدخل الجنة مَن في قلبه مثقال ذرة من كِبر ) ( ) وقال النبي –صلى الله عليه وسلم- ( ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام )( ) وعن ابن عباس –رضي الله عنهما – مرفوعا ( المهلكات ثلاث إعجاب المرء بنفسه وشح مطاع وهوى متبع )( ). ولهذا فقد كان السلف يُحذرون من أسباب العُجب ، ولو لم تكن مباشرة فعن سليم بن حنظلة قال : بينا نحن حول أُبي بن كعب نمشي خلفه إذ رآه عمر فعلاه بالدرة ، فقال : أنظر يا أمير المؤمنين ما تصنع ؟ فقال : “إن هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع” ( ).
وجاء أن يحيى بن زكريا لقي عيسى بن مريم -صلى الله عليهما وسلم- فقال : أخبرني بما يُقرِّب من رضا الله ، وما يُبعد من سخط الله ؟ فقال : ” لا تغضب ” . قال : الغضب ما يبدأه وما يعيده ؟ قال : ” التعزز والحمية والكبرياء والعظمة ” ( ).

ثانيا / المراء : قال عبد الله بن الحسين : ” المراء رائد الغضب فأخزى الله عقلا يأتيك به الغضب ” ا.هـ ( ) وللمراء آفات كثيرة منها : الغضب لهذا فقد نهى الشارع عنه قال النبي –صلى الله عليه وآله وسلم – ( أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا )( )

ثالثا : المزاح
إن المـزاح بدؤه حلاوة : لكنما آخـره عـداوة
يحتد منه الرجل الشريف : ويجتري بسخفه السخيف ( )
فتجد بعض المكثرين من المزاح يتجاوز الحد المشروع منه : إما بكلام لا فائدة منه ، أو بفعل مؤذ قد ينتج عنه ضرر بالغ ثم يزعم بعد ذلك أنه كان يمزح ؛ لذا قال النبي –صلى الله عليه وسلم- ( لا يأخذن أحدكم متاع صاحبه جادا ولا لاعبا ) ( )
وقال أبو هقان :
مازح صديقك ما أحب مزاحا : وتوق منه في المزاح مزاحا
فلربما مزح الصــديق بمزحة : كانت لباب عداوة مفتاحا
ذكر خالد بن صفوان المزاح فقال : يَصُكُّ أحدكم صاحبه بأشد من الجندل , ويُنشقه أحرق من الخردل , ويُفرغ عليه أحرَّ من المرجل ثم يقول : إنما كنت أمازحك .
قال محمود الوراق :
تَلََقَّى الفتى أخاه وخدنه : في لحن منطقه بما لا يُغتفر
ويقول كنت ممازحا وملاعبا : هيهات نارك في الحشا تتسعر
ألهبتها وطفقت تضحك لاهيـا : مما بـه وفؤاده يتـفطر
أو ما علمت ومثل جهلك يتقى : أن المزاح هو السباب الأكبر( )
وقال عمر بن عبد العزيز –رحمه الله تعالى – ” إياك والمزاح فإنه يجر القبيح ويورث الضغينة “( )
واحذر ممازحة تعود عداوة : إن المزاح على مقدمة الغضب
وقال ميمون بن مهران –رحمه الله تعالى- ” إذا كان المزاح أمام الكلام كان آخره اللطم والشتام ” .

رابعا : بذاءة اللسان وفحشه : بشتم أو سب أو تعيير مما يوغل الصدور , ويثير الغضب ، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يبغض الفاحش البذيء )( ) .
ومن أسباب الغضب أيضا : الغدر وشدة الحرص على فضول المال والجاه قال الغزالي -رحمه الله تعالى- ” ومن أشد البواعث عليه عند أكثر الجهال : تسميتهم الغضب شجاعة ورجولية وعزة نفس وكِبر همة “ا.هـ( ).

أنواع الغضب :
الأول : الغضب المحمود : وهو ما كان لله –تعالى- عندما تنتهك محارمه ، وهذا النوع ثمرة من ثمرات الإيمان إذ أن الذي لا يغضب في هذا المحل ضعيف الإيمان قال تعالى عن موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- بعد علمه باتخاذ قومه العجل ( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأعراف :150) .
أما غضب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فلا يُعرف إلا أن تنتهك محارم الله –تعالى- فعن عائشة – رضي الله عنها – قالت : ما ضرب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم – شيئا قط بيده ، ولا امرأة ، ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله ، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله -عز وجل- ( ).
ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال : خرج رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم – على أصحابه وهم يختصمون في القدر فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب فقال : ( بهذا أمرتم ؟ أو لهذا خلقتم ؟ تضربون القرآن بعضه ببعض بهذا هلكت الأمم قبلكم ) فقال عبد الله بن عمرو : ما غبطت نفسي بمجلس تخلفت فيه عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ما غبطت نفسي بذلك المجلس وتخلفي عنه .( ) ، وما أكثر ما تنتهك محارم الله تعالى في هذا الزمان علنا وسرا ، فكثير من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة لا همَّ لها سوى نشر الرذيلة ، ومحاربة الفضيلة ، وإشاعة الفاحشة ، وبث الشبهات ، وتزيين المنكر ، وإنكار المعروف ، والاستهزاء بالدين وشعائره فهذا كله مما يوجب الغضب لله –تعالى- وهو من الغضب المحمود ، وعلامة على قوة الإيمان ، وهو ثمرة لحفظ الأوطان ،وسلامة الأبدان ، وتظهر ثمرة الغضب هنا بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والرد على الشبهات أما السكوت المطبق مع القدرة على التغيير فسبب للهلاك فعن زينب بنت جحش –رضي الله عنها – أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم- استيقظ من نومه وهو يقول : ( لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ) – وحلق بأصبعه وبالتي تليها – قلت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال :( نعم إذا كثر الخبث )( ) .
وكذلك من الغضب المحمود : الغضب لما يحدث للمسلمين من سفك للدماء ، وانتهاك للأعراض ، واستباحة للأموال ، وتدمير للبلدان بلا حق .

الثاني : الغضب المذموم :
وهو ما كان في سبيل الباطل والشيطان كالحمية الجاهلية ، والغضب بسبب تطبيق الأحكام الشرعية ، وانتشار حلق تحفيظ القرآن الكريم ، ومعاداة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بسبب محاربتهم للرذيلة ، وكذا الدفاع عن المنكرات كالتبرج والسفور ، وسفر المرأة بلا محرم ، ويظهر ذلك جليا في كتابة بعض كُتَّاب الصحف فتجد أحدهم يغضب بسبب ذلك ، ولا همَّ له سوى مسايرة العصر !! سواء وافق الشرع المطهر أو خالفه فالحق عندهم ما وافق هواهم والباطل ما حدَّ من مبتغاهم قال تعالى ( لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) )أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (النور:52) .

الثالث : الغضب المباح :
وهو الغضب في غير معصية الله –تعالى- ولم يتجاوز حدَّه كأن يجهل عليه أحد , وكظمه هنا خير وأبقى قال تعالى ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(آل عمران : 134) ومما يُذكر هنا أن جارية لعلي بن الحسين جعلت تسكب عليه الماء , فتهيأ للصلاة , فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فشجه , فرفع علي بن الحسين رأسه إليها ، فقالت الجارية : إن الله -عز وجل – يقول :(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) فقال لها : قد كظمت غيظي . قالت (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) فقال لها : قد عفا الله عنك . قالت : (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) قال : اذهبي فأنت حرة ( ).
وتغضب حتى إذا ما ملكتَ : أطعتَ الرضا وعصيتَ الغضب ( )
وقال نوح بن حبيب : كنت عند ابن المبارك فألحوا عليه . فقال : هاتوا كتبكم حتى أقرأ . فجعلوا يرمون إليه الكتب من قريب ومن بعيد ، وكان رجل من أهل الري يسمع كتاب الاستئذان فرمى بكتابه فأصاب صلعة ابن المبارك حرفُ كتابه فانشق ، وسال الدم , فجعل ابن المبارك يعالج الدم حتى سكن ثم قال : سبحان الله كاد أن يكون قتال ثم بدأ بكتاب الرجل فقرأه ( ).
قال ابن حبان –رحمه الله تعالى- ” والخلق مجبولون على الغضب ، والحلم معا ، فمن غضب وحلم في نفس الغضب فإن ذلك ليس بمذموم ما لم يخرجه غضبه إلى المكروه من القول والفعل على أن مفارقته في الأحوال كلها أحمد ” ا.هـ ( )

درجات الناس في قوة الغضب :
الأولى : التفريط : ويكون ذلك بفقد قوة الغضب بالكلية أو بضعفها .
الثانية : الإفراط : ويكون بغلبة هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين ولا تبقى للمرء معها بصيرة ونظر ولا فكرة ولا اختيار .
الثالثة : الاعتدال : وهو المحمود وذلك بأن ينتظر إشارة العقل والدين ( ).

علاج الغضب :
( ما أنزل الله داء إلا وأنزل له شفاء )( ) ومن الأدوية لعلاج داء الغضب :
أولا : الاستعاذة بالله من الشيطان
قال تعالى ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (فصلت:36) عن سليمان بن صرد -رضي الله عنه – قال : كنت جالسا مع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ورجلان يستبان فأحدهما احمر وجهه , وانتفخت أوداجه , فقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ( إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد ) فقالوا له : إن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال :( تعوذ بالله من الشيطان ) فقال : وهل بي جنون .( ) . قال ابن القيم -رحمه الله تعالى – ” وأما الغضب فهو غول العقل يغتاله كما يغتال الذئب الشاة وأعظم ما يفترسه الشيطان عند غضبه وشهوته ” ا.هـ( )

ثانيا : تغيير الحال
عن أبى ذر -رضي الله عنه -أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال ( إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع ) ( ).

ثالثا : ترك المخاصمة والسكوت
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي –رحمه الله تعالى ” ومن الأمور النافعة أن تعلم أن أذية الناس لك وخصوصا في الأقوال السيئة لا تضرك بل تضرهم إلا إن أشغلت نفسك في الاهتمام بها , وسوغت لها أن تملك مشاعرك , فعند ذلك تضرك كما ضرتهم , فإن أنت لم تصنع لها بالا , لم تضرك شيئا ” .

يخاطبني السفيه بكل قبح : فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة وأزيد حلما : كعود زاده الإحراق طيبا

عن ابن عباس -رضي الله عنهما -عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال ( علموا وبشروا ولا تعسروا وإذا غضب أحدكم فليسكت ) ( ). قال ابن رجب -رحمه الله تعالى- ” وهذا أيضا دواء عظيم للغضب ؛ لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه كثيرا من السباب وغيره مما يعظم ضرره , فإذا سكت زال هذا الشر كله عنده , وما أحسن قول مورق العجلي -رحمه الله- ما امتلأتُ غضبا قط ولا تكلمتُ في غضب قط بما أندم عليه إذا رضيت ” ا.هـ( )
قال سالم ابن ميمون الخواص :

إذا نطق السفيه فلا تجبه : فخير من إجابته السكوتُ
سكتُّ عن السفيه فظن أني : عييتُ عن الجواب وما عييتُ
شرار الناس لو كانوا جميعا : قذى في جوف عيني ما قذيتُ
فلستُ مجاوبا أبدا سفيها : خزيتُ لمن يجافيه خزيتُ ( )

وقيل : ولقد أمر على السفيه يسبني : فمررت ثـمَّتَ قلتُ لا يعنيني
وقال الصفدي :
واستشعر الحلم في كل الأمور ولا : تسرع ببادرة يوما إلى رجل
وإن بليت بشخص لا خلاق له : فكن كأنك لم تسمع ولم يقل

رابعا : الوضوء
عن عطية السعدي -رضي الله عنه – قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ( إن الغضب من الشيطان ؛ وإن الشيطان خلق من النار ، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ )( ) .
وفي حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- مرفوعا ( ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم إلى حمرة عينيه ، وانتفاخ أوداجه فمن أحس بشيء من ذلك فليلصق وضوء )( ) .

خامسا : استحضار الأجر العظيم لكظم الغيظ
فمن استحضر الثواب الكبير الذي أعده الله تعالى لمن كتم غيظه وغضبه كان سببا في ترك الغضب والانتقام للذات , وبتتبع بعض الأدلة من الكتاب والسنة نجد جملة من الفضائل لمن ترك الغضب منها :
1/ الظفر بمحبة الله تعالى والفوز بما عنده قال تعالى ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:134) ومرتبة الإحسان هي أعلا مراتب الدين .
وقال تعالى ( فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) (الشورى:37) .
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ( ثلاثة مَن كنَّ فيه آواه الله في كنفه , وستر عليه برحمته وأدخله في محبته ) قيل : ما هن يا رسول الله ؟ قال : ( مَن إذا أُعطي شكر , وإذا قَدر غفر , وإذا غَضب فتر ) ( ).
2/ ترك الغضب سبب لدخول الجنة
عن أبي الدرداء -رضي الله عنه – قال : قلت : يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة . قال : ( لا تغضب ولك الجنة ) ( ).
3/ المباهاة به على رؤوس الخلائق
عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال ( مَن كظم غيظا وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي الحور شاء ) ( ) .
4/ النجاة من غضب الله تعالى
عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال : قلت يا رسول الله ما يمنعني من غضب الله ؟ قال ( لا تغضب ) ( )فالجزاء من جنس العمل ، ومن ترك شيئا لله عوضه الله تعالى خيرا منه.
وقال أبو مسعود البدري –رضي الله عنه- : كنت أضرب غلاما لي بالسوط فسمعت صوتا من خلفي ( اعلم أبا مسعود ) فلم أفهم الصوت من الغضب قال : فلما دنا مني إذا هو رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فإذا هو يقول : ( اعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود ) قال : فألقيت السوط من يدي . فقال : ( اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام ) قال : فقلت لا أضرب مملوكا بعده أبدا ( ) .
وكان أبو الدرداء –رضي الله عنه – يقول ” أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب واحذر أن تظلم من لا ناصر له إلا الله ” ا.هـ( )
5/ زيادة الإيمان
قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ( وما من جرعة أحب إلي من جرعة غيظ يكظمها عبد ، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانا ) ( ).
6/ كظم الغيظ من أفضل الأعمال
عن ابن عمر -رضي الله عنهما-قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- (ما من جرعة أعظم أجرا ثم الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله ) ( ) .
قال ابن تيمية –رحمه الله تعالى-: ” ما تجرع عبد جرعة أعظم من جرعة حلم عند الغضب ، وجرعة صبر عند المصيبة ، وذلك لأن أصل ذلك هو الصبر على المؤلم ، وهذا هو الشجاع الشديد الذي يصبر على المؤلم ، والمؤلم إن كان مما يمكن دفعه أثار الغضب ، وإن كان مما لا يمكن دفعه أثار الحزن ، ولهذا يحمر الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار القدرة ، ويصفر عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز ” ا.هـ ( )

سادسا : الإكثار من ذكر الله تعالى
قال تعالى ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:28) فمن اطمئن قلبه بذكر الله تعالى كان أبعد ما يكون عن الغضب قال عكرمة -رحمه الله تعالى -في قوله تعالى (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ )(الكهف:24) ” إذا غضبت ” ( ).

سابعا : العمل بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رجلا قال للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أوصني . قال ( لا تغضب ) فردد مرارا قال (لا تغضب ) ( ) . وهنيئا لمن امتثل هذه الوصية وعمل بها ولا شك أنها وصية جامعة مانعة لجميع المسلمين ، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي –رحمه الله تعالى-” هذا الرجل ظن أنها وصية بأمر جزئي , وهو يريد أن يوصيه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بكلام كلي , ولهذا ردد . فلما أعاد عليه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- , عرف أن هذا كلام جامع , وهو كذلك ؟ فإن قوله : ( لا تغضب ) يتضمن أمرين عظيمين : أحدهما : الأمر بفعل الأسباب , والتمرن على حسن الخلق , والحلم والصبر , وتوطين النفس على ما يصيب الإنسان من الخلق , من الأذى القولي والفعلي . فإذا وفق لها العبد , وورد عليه وارد الغضب , احتمله بحسن خلقه , وتلقاه بحلمه وصبره , ومعرفته بحسن عواقبه , فإن الأمر بالشيء أمر به , وبما لا يتم إلا به , والنهي عن الشيء أمر بضده , وأمر بفعل الأسباب التي تعين العبد على اجتناب المنهي عنه , وهذا منه . الثاني : الأمر – بعد الغضب – أن لا ينفذ غضبه : فإن الغضب غالبا لا يتمكن الإنسان من دفعه ورده , ولكنه يتمكن من عدم تنفيذه . فعليه إذا غضب أن يمنع نفسه من الأقوال والأفعال المحرمة التي يقتضيها الغضب . فمتى منع نفسه من فعل آثار الغضب الضارة , فكأنه في الحقيقة لم يغضب . وبهذا يكون العبد كامل القوة العقلية , والقوة القلبية ” ا.هـ ( )
قال ميمون بن مهران : جاء رجل إلى سلمان -رضي الله عنه -فقال : يا أبا عبد الله أوصني . قال : لا تغضب . قال : أمرتني أن لا أغضب وإنه ليغشاني ما لا أملك . قال : فإن غضبت فاملك لسانك ويدك .( )

ثامنا : النظر في نتائج الغضب
فكثير الغضب تجده مصابا بأمراض كثيرة كالسكري والضغط والقولون العصبي وغيرها مما يعرفها أهل الاختصاص , كما أنه بسببه تصدر من الغاضب تصرفات قولية أو فعلية يندم عليها بعد ذهاب الغضب روي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال ” لذة العفو يلحقها حمد العاقبة , ولذة التشفي يلحقها ذم الندم ” ( ). وقيل : من أطاع الغضب أضاع الأرب .
وقال الكريزي :
ولم أر في الأعداء حين اختبرتهم : عدوا لعقل المرء أعدى من الغضب ( )
وقال ابن رجب -رحمه الله تعالى- ” والغضب هو غليان دم القلب المؤذي عنه خشية وقوعه أو طلبا للانتقام ممن حصل له منه الأذى بعد وقوعه ، وينشأ من ذلك كثير من الأفعال المحرمة كالقتل والضرب وأنواع الظلم والعدوان ، وكثير من الأقوال المحرمة كالقذف والسب والفحش , وربما ارتقى إلى درجة الكفر كما جرى لجبلة بن الأيهم ” ا.هـ( ) وكثيرا ما نسمع أن والدا قتل ولده ، أو ولدا قتل والده فضلا عن غيرهم بسبب الغضب ، وكم ضاع من خير وأجر وفضل بسبب الغضب ، وكم حلت من مصيبة ودمار وهلاك بسبب الغضب ، وبسبب ساعة غضب قطعت الأرحام ، ووقع الطلاق ، وتهاجر الجيران ، وتعادى الإخوان ، وقامت بين الدول الحروب … عن وائل -رضي الله عنه- قال : إني لقاعد مع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم – إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة فقال : يا رسول الله هذا قتل أخي . فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ( أقتلته ) ؟ فقال : إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة . قال : نعم قتلته . قال : ( كيف قتلته ) ؟ قال : كنت أنا وهو نحتطب من شجرة فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته .( )
قال مروان بن الحكم في وصيته لابنه عبد العزيز : ” وإن كان بك غضب على أحد من رعيتك فلا تؤاخذه به عند سورة الغضب ، واحبس عنه عقوبتك حتى يسكن غضبك ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب منطفئ الجمرة فإن أول من جعل السجن كان حليما ذا أناة ” ا.هـ( ) .
وكتب عمر بن عبد العزيز –رحمه الله تعالى-إلى عامل من عماله ” أن لا تعاقب عند غضبك ، وإذا غضبت على رجل فاحبسه فإذا سكن غضبك فأخرجه فعاقبه على قدر ذنبه ” ا.هـ( )
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى – ” إن الغضب مرض من الأمراض ، وداء من الأدواء فهو في أمراض القلوب نظير الحمى والوسواس والصرع في أمراض الأبدان فالغضبان المغلوب في غضبه كالمريض والمحموم والمصروع المغلوب في مرضه والمبرسم المغلوب في برسامه ” ا.هـ( ) وقال -رحمه الله تعالى – ” إذا اقتدحت نار الانتقام من نار الغضب ابتدأت بإحراق القادح ، أَوْثِقْ غضبك بسلسلة الحلم فإنه كلب إن أفلت أتلف ” ا.هـ( )
وقال المعتمر بن سليمان : كان رجل ممن كان قبلكم يغضب , ويشتد غضبه فكتب ثلاث صحائف , فأعطى كل صحيفة رجلا , وقال للأول : إذا اشتد غضبي فقم إلي بهذه الصحيفة وناولنيها . وقال للثاني : إذا سكن بعض غضبي فناولنيها . وقال للثالث : إذا ذهب غضبي فناولنيها . وكان في الأولى : اقصر فما أنت وهذا الغضب إنك لست بإله إنما أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضا . وفي الثانية : ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء . وفي الثالثة : احمل عباد الله على كتاب الله فإنه لا يصلحهم إلا ذاك .ا.هـ( )

تاسعا : أن تعلم أن القوة في كظم الغيظ ورده
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال ( ليس الشديد بالصُّرَعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) .( ) قال ابن القيم –رحمه الله تعالى – ” أي مالك نفسه أولى أن يسمى شديدا من الذي يصرع الرجال ” ا.هـ( ).
وقال ابن تيمية –رحمه الله تعالى – ” ولهذا كان القوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح دون ما لا يصلح فأما المغلوب حين غضبه فليس هو بشجاع ولا شديد ” ا.هـ( )
وقال الزرقاني -رحمه الله تعالى- ” لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ , وقد ثارت عليه شدة من الغضب , فقهرها بحلمه , وصرعها بثباته ، وعدم عمله بمقتضى الغضب كان كالصرعة الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه ” ا.هـ( )
ليست الأحلام في حال الرضا : إنما الأحلام في حال الغضب
وعن أنس -رضي الله عنه – أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مر بقوم يصطرعون فقال ( ما هذا ) ؟ فقالوا : يا رسول الله فلان ما يصارع أحدا إلا صرعه . فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم – ( أفلا أدلكم على مَن هو أشد منه رجل ظلمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه ) ( ).
ألا إن حلم المرء أكـرم نسبة : تسامى بها عند الفخار حليم
فياربِّ هب لي منك حلما فإنني : أرى الحلم لم يندم عليه كريم
قال المسترشد بالله في وصيته لقاضيه علي بن الحسين الزينبي ” أن يجعل التواضع والوقار شيمته , والحلم دأبه وخليقته , فيكظم غيظه عند احتدام أواره واضطرام ناره مجتنبا عزة الغضب الصائرة إلى ذلة الاعتذار ” ا.هـ( )

عاشرا : قبول النصيحة والعمل بها
فعلى من شاهد غاضبا أن ينصحه ، ويذكره فضل الحلم ، وكتم الغيظ ، وعلى المنصوح قبولُ ذلك قال ابن عباس -رضي الله عنهما- استأذن الحر بن قيس لعيينة فأذن له عمر فلما دخل عليه قال : هي يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزْل( أي العطاء الكثير) ولا تحكم بيننا بالعدل فغضب عمر حتى همَّ به . فقال له الحر : يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف:199) وإن هذا من الجاهلين . والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه , وكان وقافا عند كتاب الله.( ) . قال ابن القيم رحمه الله تعالى :” وهكذا الغضبان فإنه إذا اشتد به الغضب يألم بحمله فيقول ما يقول ، ويفعل ما يفعل ؛ ليدفع عن نفسه حرارة الغضب فيستريح بذلك , وكذلك يلطم وجهه , ويصيح صياحا قويا , ويشق ثيابه , ويلقي ما في يده ؛ دفعا لألم الغضب , وإلقاء لحمه منه , وكذلك يدعو على نفسه وأحب الناس إليه فهو يتكلم بصيغة الطلب والاستدعاء والدعاء , وهو غير طالب لذلك في الحقيقة فكذلك يتكلم بصيغة الإنشاء وهو غير قاصد لمعناها , ولهذا يأمر الملوك وغيرهم عند الغضب بأمور يعلم خواصهم أنهم تكلموا بها دفعا لحرارة الغضب وأنهم لا يريدون مقتضاها فلا يمتثله خواصهم بل يؤخرونه فيحمدونهم على ذلك إذا سكن غضبهم , وكذلك الرجل وقت شدة الغضب يقوم ليبطش بولده أو صديقه فيحول غيره بينه وبين ذلك فيحمدهم بعد ذلك كما يحمد السكران والمحموم ونحوهما من يحول بينه وبين ما يهم بفعله في تلك الحالة ” ا.هـ( )
والحلم آفته الجهل المضرُّ به : والعقل آفته الإعجاب والغضب

الحادي عشر : أخذ الدروس من الغضب السابق
فلو استحضر كل واحد منا قبل أن يُنفذ غضبه الحاضر ثمرةَ غضبٍ سابقٍ ندم عليه بعد إنفاذه لما أقدم على ما تمليه عليه نفسه الأمارة بالسوء مرة ثانية , فمنع الغضب أسهل من إصلاح ما يفسده قال ابن حبان –رحمه الله تعالى – ” سرعة الغضب من شيم الحمقى كما أن مجانبته من زي العقلاء , والغضب بذر الندم فالمرء على تركه قبل أن يغضب أقدر على إصلاح ما أفسد به بعد الغضب ” ا.هـ( )
لا تغضبن على قوم تحبهم : فليس ينجيك من أحبابك الغضب( )

الثاني عشر : اجتناب وإزالة أسباب الغضب : وقد ذكرت جملة منها .
قال الشيخ السعدي –رحمه الله تعالى – ” ومن الأسباب الموجبة للسرور وزوال الهم والغم : السعي في إزالة الأسباب الجالبة للهموم , وفي تحصيل الأسباب الجالبة للسرور , وذلك بنسيان ما مضى من المكاره التي لا يمكنه ردُّها , ومعرفته أن اشتغال فكره فيها من باب العبث والمحال , وأن ذلك حمق وجنون ” ا.هـ ( )

الثالث عشر : معرفة أن المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة فتركه إغلاق لباب من أبواب العصيان :
قال ابن القيم رحمه الله تعالى ” ولما كانت المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة , وكان نهاية قوة الغضب القتل , ونهاية قوة الشهوة الزنى جمع الله –تعالى- بين القتل والزنى , وجعلهما قرينين في سورة الأنعام , وسورة الإسراء , وسورة الفرقان , وسورة الممتحنة , والمقصود أنه سبحانه أرشد عباده إلى ما يدفعون به شر قوتي الغضب والشهوة من الصلاة والاستعاذة ” ا.هـ( ) .

الرابع عشر : قال ابن حبان -رحمه الله تعالى- ” لو لم يكن في الغضب خصلة تذم إلا إجماع الحكماء قاطبة على أن الغضبان لا رأي له لكان الواجب عليه الاحتيال لمفارقته بكل سبب ” ا.هـ( ) لذا فقد قال النبي –صلى الله عليه وآله وسلم – ( لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان ) ( ) قال ابن القيم –رحمه الله تعالى- ” إن الفقهاء اختلفوا في صحة حكم الحاكم في الغضب على ثلاثة أقوال وهي ثلاثة أوجه في مذهب احمد : أحدها : لا يصح و لا ينفذ ؛ لأن النهي يقتضي الفساد . والثاني : ينفذ . والثالث : إن عرض له الغضب بعد فهم الحكم نفذ حكمه , وإن عرض له قبل ذلك لم ينفذ ” ا.هـ( ) وقال معللا المنع ” إنما كان ذلك لأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه , ويمنعه من كمال الفهم , ويحول بينه وبين استيفاء النظر , ويعمي عليه طريق العلم والقصد ” ا.هـ( ) لهذا كان من وصية أمير المؤمنين عمر لأبي موسى الأشعري –رضي الله عنهما- في القضاء ” وإياك والغضب والقلق والضجر ” ( ) .

صور من هدي السلف عند الغضب
سب رجل ابن عباس -رضي الله عنهما – فلما فرغ قال : يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها ؟ فنكس الرجل رأسه واستحى ( ).
وقال أبو ذر –رضي الله عنه- لغلامه : لِمَ أرسلت الشاة على علف الفرس ؟ قال : أردت أن أغيظك . قال : لأجمعن مع الغيظ أجرا أنت حر لوجه الله تعالى ( ) .
وأسمع رجل أبا الدرداء – رضي الله عنه- كلاما , فقال : يا هذا لا تغرقن في سبنا ودع للصلح موضعا فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه .
قال الأحنف بن قيس –رحمه الله تعالى – لابنه : يا بني إذا أردت أن تواخي رجلا فأغضبه , فإن أنصفك وإلا فاحذره ( ).
إذا كنت مختصا لنفسك صاحبا : فمن قبل أن تلقاه بالود أغضبه
فإن كان في حال القطيعة منصفا : وإلا فقد جربته فتجنبـــه
وقال محمد بن حماد الكاتب :
فأعجب من ذا وذا أنني : أراك بعين الرضا في الغضب( )
وأختم بما رواه عطاء بن السائب عن أبيه قال : صلى بنا عمار بن ياسر -رضي الله عنه- صلاة فأوجز فيها فقال له بعض القوم : لقد خففت أو أوجزت الصلاة ، فقال : أما على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ، فلما قام تبعه رجل من القوم هو أنه كنى عن نفسه فسأله عن الدعاء ثم جاء فأخبر به القوم ( اللهم بعلمك الغيب , وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي , وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي اللهم , وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة , وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب , وأسألك القصد في الفقر والغنى , وأسألك نعيما لا ينفد , وأسألك قرة عين لا تنقطع , وأسألك الرضاء بعد القضاء , وأسألك برد العيش بعد الموت , وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك ضراء مضرة ولا فتنة مضلة , اللهم زينا بزينة الإيمان , واجعلنا هداة مهتدين ) ( ) والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وزاد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين حرر في 25/10/1426هـ

الغضب وآدبه

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله القاسم٣٣٦

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد : ” فإن الغضب عدو العقل ، وهو له كالذئب للشاة قلَّ ما يتمكن منه إلا اغتاله “( ) , والغضب من الصفات التي ندر أن يسلم منه أحد بل تركه بالكلية صفة نقص لا كمال -كما سيأتي بيانه- ” والغضب ينسي الحرمات ، ويدفن الحسنات ، ويخلق للبريء جنايات ” ( ) وقد قيل :

وعين الرضا عن كل عيب كليلة : ولكن عين السخط تبدي المساويا( )
كما قيل : وعين البغض تبرز كل عيب : وعين الحب لا تجد العيوبا( )

وكثير منا لا يحسن الغضب إن غضب , ولم نرب أنفسنا وأولادنا كيف نغضب ولماذا نغضب وفي هذه الخاطرة جمعت ما يَسَّر الله – تعالى – جمعه من آيات ، وأحاديث , وحكم , وشعر , وغيرها مما يتعلق بهذا الموضوع سائلا المولى جل جلاله التوفيق والسداد .

تعريف الغضب
عَرَّف الغضبَ جمعٌ من علماء اللغة وغيرهم ، واختلفت العبارات ، واتفقت الثمرة فكلمة ( الغضب ) يدرك معناها الصغير ، والكبير بلا تكلف أو تعب فتوضيح الواضحات – كما يقال – من الفاضحات ، وقد يزيده غموضا وإشكالا قال المناوي –رحمه الله تعالى – ” والغضب كيفية نفسانية وهو بديهي التصور “ا.هـ ( ) ومع ذلك لابد من ذكر شيء من ذلك :
قال القرطبي -رحمه الله تعالى- ” والغضب في اللغة : الشدة ، ورجل غضوب أي شديد الخلق ، والغضوب الحية الخبيثة ؛ لشدتها , والغضبة : الدرقة من جلد البعير يطوى بعضها على بعض سميت بذلك لشدتها ” ا.هـ ( )
وقيل في معناه : تغيُّر يحصل عند فوران دم القلب ليحصل عنه التشفي في الصدر .( )
وقيل : الغضب إرادة الإضرار بالمغضوب عليه .

أسباب الغضب :
بواعث الغضب ، وأسبابه كثيرة جدا ، والناس متفاوتون فيها ، فمنهم مَن يَغضب لأمر تافه لا يُغضب غيره وهكذا ، فمِن أسباب الغضب :

أولا : العُجب : فالعجب بالرأي والمكانة والنسب والمال سبب للعداوة إن لم يُعقل بالدين وذلك برده ودفعه فالعجب قرين الكِبْر وملازم له , والكِبْر من كبائر الذنوب فقد قال النبي –صلى الله عليه وآله وسلم- ( لا يدخل الجنة مَن في قلبه مثقال ذرة من كِبر ) ( ) وقال النبي –صلى الله عليه وسلم- ( ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام )( ) وعن ابن عباس –رضي الله عنهما – مرفوعا ( المهلكات ثلاث إعجاب المرء بنفسه وشح مطاع وهوى متبع )( ). ولهذا فقد كان السلف يُحذرون من أسباب العُجب ، ولو لم تكن مباشرة فعن سليم بن حنظلة قال : بينا نحن حول أُبي بن كعب نمشي خلفه إذ رآه عمر فعلاه بالدرة ، فقال : أنظر يا أمير المؤمنين ما تصنع ؟ فقال : “إن هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع” ( ).
وجاء أن يحيى بن زكريا لقي عيسى بن مريم -صلى الله عليهما وسلم- فقال : أخبرني بما يُقرِّب من رضا الله ، وما يُبعد من سخط الله ؟ فقال : ” لا تغضب ” . قال : الغضب ما يبدأه وما يعيده ؟ قال : ” التعزز والحمية والكبرياء والعظمة ” ( ).

ثانيا / المراء : قال عبد الله بن الحسين : ” المراء رائد الغضب فأخزى الله عقلا يأتيك به الغضب ” ا.هـ ( ) وللمراء آفات كثيرة منها : الغضب لهذا فقد نهى الشارع عنه قال النبي –صلى الله عليه وآله وسلم – ( أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا )( )

ثالثا : المزاح
إن المـزاح بدؤه حلاوة : لكنما آخـره عـداوة
يحتد منه الرجل الشريف : ويجتري بسخفه السخيف ( )
فتجد بعض المكثرين من المزاح يتجاوز الحد المشروع منه : إما بكلام لا فائدة منه ، أو بفعل مؤذ قد ينتج عنه ضرر بالغ ثم يزعم بعد ذلك أنه كان يمزح ؛ لذا قال النبي –صلى الله عليه وسلم- ( لا يأخذن أحدكم متاع صاحبه جادا ولا لاعبا ) ( )
وقال أبو هقان :
مازح صديقك ما أحب مزاحا : وتوق منه في المزاح مزاحا
فلربما مزح الصــديق بمزحة : كانت لباب عداوة مفتاحا
ذكر خالد بن صفوان المزاح فقال : يَصُكُّ أحدكم صاحبه بأشد من الجندل , ويُنشقه أحرق من الخردل , ويُفرغ عليه أحرَّ من المرجل ثم يقول : إنما كنت أمازحك .
قال محمود الوراق :
تَلََقَّى الفتى أخاه وخدنه : في لحن منطقه بما لا يُغتفر
ويقول كنت ممازحا وملاعبا : هيهات نارك في الحشا تتسعر
ألهبتها وطفقت تضحك لاهيـا : مما بـه وفؤاده يتـفطر
أو ما علمت ومثل جهلك يتقى : أن المزاح هو السباب الأكبر( )
وقال عمر بن عبد العزيز –رحمه الله تعالى – ” إياك والمزاح فإنه يجر القبيح ويورث الضغينة “( )
واحذر ممازحة تعود عداوة : إن المزاح على مقدمة الغضب
وقال ميمون بن مهران –رحمه الله تعالى- ” إذا كان المزاح أمام الكلام كان آخره اللطم والشتام ” .

رابعا : بذاءة اللسان وفحشه : بشتم أو سب أو تعيير مما يوغل الصدور , ويثير الغضب ، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يبغض الفاحش البذيء )( ) .
ومن أسباب الغضب أيضا : الغدر وشدة الحرص على فضول المال والجاه قال الغزالي -رحمه الله تعالى- ” ومن أشد البواعث عليه عند أكثر الجهال : تسميتهم الغضب شجاعة ورجولية وعزة نفس وكِبر همة “ا.هـ( ).

أنواع الغضب :
الأول : الغضب المحمود : وهو ما كان لله –تعالى- عندما تنتهك محارمه ، وهذا النوع ثمرة من ثمرات الإيمان إذ أن الذي لا يغضب في هذا المحل ضعيف الإيمان قال تعالى عن موسى -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- بعد علمه باتخاذ قومه العجل ( وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (الأعراف :150) .
أما غضب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فلا يُعرف إلا أن تنتهك محارم الله –تعالى- فعن عائشة – رضي الله عنها – قالت : ما ضرب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم – شيئا قط بيده ، ولا امرأة ، ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله ، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله -عز وجل- ( ).
ومن ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال : خرج رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم – على أصحابه وهم يختصمون في القدر فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب فقال : ( بهذا أمرتم ؟ أو لهذا خلقتم ؟ تضربون القرآن بعضه ببعض بهذا هلكت الأمم قبلكم ) فقال عبد الله بن عمرو : ما غبطت نفسي بمجلس تخلفت فيه عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ما غبطت نفسي بذلك المجلس وتخلفي عنه .( ) ، وما أكثر ما تنتهك محارم الله تعالى في هذا الزمان علنا وسرا ، فكثير من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة لا همَّ لها سوى نشر الرذيلة ، ومحاربة الفضيلة ، وإشاعة الفاحشة ، وبث الشبهات ، وتزيين المنكر ، وإنكار المعروف ، والاستهزاء بالدين وشعائره فهذا كله مما يوجب الغضب لله –تعالى- وهو من الغضب المحمود ، وعلامة على قوة الإيمان ، وهو ثمرة لحفظ الأوطان ،وسلامة الأبدان ، وتظهر ثمرة الغضب هنا بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والرد على الشبهات أما السكوت المطبق مع القدرة على التغيير فسبب للهلاك فعن زينب بنت جحش –رضي الله عنها – أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم- استيقظ من نومه وهو يقول : ( لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ) – وحلق بأصبعه وبالتي تليها – قلت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال :( نعم إذا كثر الخبث )( ) .
وكذلك من الغضب المحمود : الغضب لما يحدث للمسلمين من سفك للدماء ، وانتهاك للأعراض ، واستباحة للأموال ، وتدمير للبلدان بلا حق .

الثاني : الغضب المذموم :
وهو ما كان في سبيل الباطل والشيطان كالحمية الجاهلية ، والغضب بسبب تطبيق الأحكام الشرعية ، وانتشار حلق تحفيظ القرآن الكريم ، ومعاداة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بسبب محاربتهم للرذيلة ، وكذا الدفاع عن المنكرات كالتبرج والسفور ، وسفر المرأة بلا محرم ، ويظهر ذلك جليا في كتابة بعض كُتَّاب الصحف فتجد أحدهم يغضب بسبب ذلك ، ولا همَّ له سوى مسايرة العصر !! سواء وافق الشرع المطهر أو خالفه فالحق عندهم ما وافق هواهم والباطل ما حدَّ من مبتغاهم قال تعالى ( لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) )أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (النور:52) .

الثالث : الغضب المباح :
وهو الغضب في غير معصية الله –تعالى- ولم يتجاوز حدَّه كأن يجهل عليه أحد , وكظمه هنا خير وأبقى قال تعالى ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(آل عمران : 134) ومما يُذكر هنا أن جارية لعلي بن الحسين جعلت تسكب عليه الماء , فتهيأ للصلاة , فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فشجه , فرفع علي بن الحسين رأسه إليها ، فقالت الجارية : إن الله -عز وجل – يقول :(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) فقال لها : قد كظمت غيظي . قالت (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) فقال لها : قد عفا الله عنك . قالت : (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) قال : اذهبي فأنت حرة ( ).
وتغضب حتى إذا ما ملكتَ : أطعتَ الرضا وعصيتَ الغضب ( )
وقال نوح بن حبيب : كنت عند ابن المبارك فألحوا عليه . فقال : هاتوا كتبكم حتى أقرأ . فجعلوا يرمون إليه الكتب من قريب ومن بعيد ، وكان رجل من أهل الري يسمع كتاب الاستئذان فرمى بكتابه فأصاب صلعة ابن المبارك حرفُ كتابه فانشق ، وسال الدم , فجعل ابن المبارك يعالج الدم حتى سكن ثم قال : سبحان الله كاد أن يكون قتال ثم بدأ بكتاب الرجل فقرأه ( ).
قال ابن حبان –رحمه الله تعالى- ” والخلق مجبولون على الغضب ، والحلم معا ، فمن غضب وحلم في نفس الغضب فإن ذلك ليس بمذموم ما لم يخرجه غضبه إلى المكروه من القول والفعل على أن مفارقته في الأحوال كلها أحمد ” ا.هـ ( )

درجات الناس في قوة الغضب :
الأولى : التفريط : ويكون ذلك بفقد قوة الغضب بالكلية أو بضعفها .
الثانية : الإفراط : ويكون بغلبة هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين ولا تبقى للمرء معها بصيرة ونظر ولا فكرة ولا اختيار .
الثالثة : الاعتدال : وهو المحمود وذلك بأن ينتظر إشارة العقل والدين ( ).

علاج الغضب :
( ما أنزل الله داء إلا وأنزل له شفاء )( ) ومن الأدوية لعلاج داء الغضب :
أولا : الاستعاذة بالله من الشيطان
قال تعالى ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (فصلت:36) عن سليمان بن صرد -رضي الله عنه – قال : كنت جالسا مع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ورجلان يستبان فأحدهما احمر وجهه , وانتفخت أوداجه , فقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ( إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد ) فقالوا له : إن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال :( تعوذ بالله من الشيطان ) فقال : وهل بي جنون .( ) . قال ابن القيم -رحمه الله تعالى – ” وأما الغضب فهو غول العقل يغتاله كما يغتال الذئب الشاة وأعظم ما يفترسه الشيطان عند غضبه وشهوته ” ا.هـ( )

ثانيا : تغيير الحال
عن أبى ذر -رضي الله عنه -أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال ( إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع ) ( ).

ثالثا : ترك المخاصمة والسكوت
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي –رحمه الله تعالى ” ومن الأمور النافعة أن تعلم أن أذية الناس لك وخصوصا في الأقوال السيئة لا تضرك بل تضرهم إلا إن أشغلت نفسك في الاهتمام بها , وسوغت لها أن تملك مشاعرك , فعند ذلك تضرك كما ضرتهم , فإن أنت لم تصنع لها بالا , لم تضرك شيئا ” .

يخاطبني السفيه بكل قبح : فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة وأزيد حلما : كعود زاده الإحراق طيبا

عن ابن عباس -رضي الله عنهما -عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال ( علموا وبشروا ولا تعسروا وإذا غضب أحدكم فليسكت ) ( ). قال ابن رجب -رحمه الله تعالى- ” وهذا أيضا دواء عظيم للغضب ؛ لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه كثيرا من السباب وغيره مما يعظم ضرره , فإذا سكت زال هذا الشر كله عنده , وما أحسن قول مورق العجلي -رحمه الله- ما امتلأتُ غضبا قط ولا تكلمتُ في غضب قط بما أندم عليه إذا رضيت ” ا.هـ( )
قال سالم ابن ميمون الخواص :

إذا نطق السفيه فلا تجبه : فخير من إجابته السكوتُ
سكتُّ عن السفيه فظن أني : عييتُ عن الجواب وما عييتُ
شرار الناس لو كانوا جميعا : قذى في جوف عيني ما قذيتُ
فلستُ مجاوبا أبدا سفيها : خزيتُ لمن يجافيه خزيتُ ( )

وقيل : ولقد أمر على السفيه يسبني : فمررت ثـمَّتَ قلتُ لا يعنيني
وقال الصفدي :
واستشعر الحلم في كل الأمور ولا : تسرع ببادرة يوما إلى رجل
وإن بليت بشخص لا خلاق له : فكن كأنك لم تسمع ولم يقل

رابعا : الوضوء
عن عطية السعدي -رضي الله عنه – قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ( إن الغضب من الشيطان ؛ وإن الشيطان خلق من النار ، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ )( ) .
وفي حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- مرفوعا ( ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم أما رأيتم إلى حمرة عينيه ، وانتفاخ أوداجه فمن أحس بشيء من ذلك فليلصق وضوء )( ) .

خامسا : استحضار الأجر العظيم لكظم الغيظ
فمن استحضر الثواب الكبير الذي أعده الله تعالى لمن كتم غيظه وغضبه كان سببا في ترك الغضب والانتقام للذات , وبتتبع بعض الأدلة من الكتاب والسنة نجد جملة من الفضائل لمن ترك الغضب منها :
1/ الظفر بمحبة الله تعالى والفوز بما عنده قال تعالى ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:134) ومرتبة الإحسان هي أعلا مراتب الدين .
وقال تعالى ( فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) (الشورى:37) .
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ( ثلاثة مَن كنَّ فيه آواه الله في كنفه , وستر عليه برحمته وأدخله في محبته ) قيل : ما هن يا رسول الله ؟ قال : ( مَن إذا أُعطي شكر , وإذا قَدر غفر , وإذا غَضب فتر ) ( ).
2/ ترك الغضب سبب لدخول الجنة
عن أبي الدرداء -رضي الله عنه – قال : قلت : يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة . قال : ( لا تغضب ولك الجنة ) ( ).
3/ المباهاة به على رؤوس الخلائق
عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال ( مَن كظم غيظا وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي الحور شاء ) ( ) .
4/ النجاة من غضب الله تعالى
عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال : قلت يا رسول الله ما يمنعني من غضب الله ؟ قال ( لا تغضب ) ( )فالجزاء من جنس العمل ، ومن ترك شيئا لله عوضه الله تعالى خيرا منه.
وقال أبو مسعود البدري –رضي الله عنه- : كنت أضرب غلاما لي بالسوط فسمعت صوتا من خلفي ( اعلم أبا مسعود ) فلم أفهم الصوت من الغضب قال : فلما دنا مني إذا هو رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فإذا هو يقول : ( اعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود ) قال : فألقيت السوط من يدي . فقال : ( اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام ) قال : فقلت لا أضرب مملوكا بعده أبدا ( ) .
وكان أبو الدرداء –رضي الله عنه – يقول ” أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب واحذر أن تظلم من لا ناصر له إلا الله ” ا.هـ( )
5/ زيادة الإيمان
قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ( وما من جرعة أحب إلي من جرعة غيظ يكظمها عبد ، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانا ) ( ).
6/ كظم الغيظ من أفضل الأعمال
عن ابن عمر -رضي الله عنهما-قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- (ما من جرعة أعظم أجرا ثم الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله ) ( ) .
قال ابن تيمية –رحمه الله تعالى-: ” ما تجرع عبد جرعة أعظم من جرعة حلم عند الغضب ، وجرعة صبر عند المصيبة ، وذلك لأن أصل ذلك هو الصبر على المؤلم ، وهذا هو الشجاع الشديد الذي يصبر على المؤلم ، والمؤلم إن كان مما يمكن دفعه أثار الغضب ، وإن كان مما لا يمكن دفعه أثار الحزن ، ولهذا يحمر الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار القدرة ، ويصفر عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز ” ا.هـ ( )

سادسا : الإكثار من ذكر الله تعالى
قال تعالى ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:28) فمن اطمئن قلبه بذكر الله تعالى كان أبعد ما يكون عن الغضب قال عكرمة -رحمه الله تعالى -في قوله تعالى (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ )(الكهف:24) ” إذا غضبت ” ( ).

سابعا : العمل بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رجلا قال للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أوصني . قال ( لا تغضب ) فردد مرارا قال (لا تغضب ) ( ) . وهنيئا لمن امتثل هذه الوصية وعمل بها ولا شك أنها وصية جامعة مانعة لجميع المسلمين ، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي –رحمه الله تعالى-” هذا الرجل ظن أنها وصية بأمر جزئي , وهو يريد أن يوصيه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بكلام كلي , ولهذا ردد . فلما أعاد عليه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- , عرف أن هذا كلام جامع , وهو كذلك ؟ فإن قوله : ( لا تغضب ) يتضمن أمرين عظيمين : أحدهما : الأمر بفعل الأسباب , والتمرن على حسن الخلق , والحلم والصبر , وتوطين النفس على ما يصيب الإنسان من الخلق , من الأذى القولي والفعلي . فإذا وفق لها العبد , وورد عليه وارد الغضب , احتمله بحسن خلقه , وتلقاه بحلمه وصبره , ومعرفته بحسن عواقبه , فإن الأمر بالشيء أمر به , وبما لا يتم إلا به , والنهي عن الشيء أمر بضده , وأمر بفعل الأسباب التي تعين العبد على اجتناب المنهي عنه , وهذا منه . الثاني : الأمر – بعد الغضب – أن لا ينفذ غضبه : فإن الغضب غالبا لا يتمكن الإنسان من دفعه ورده , ولكنه يتمكن من عدم تنفيذه . فعليه إذا غضب أن يمنع نفسه من الأقوال والأفعال المحرمة التي يقتضيها الغضب . فمتى منع نفسه من فعل آثار الغضب الضارة , فكأنه في الحقيقة لم يغضب . وبهذا يكون العبد كامل القوة العقلية , والقوة القلبية ” ا.هـ ( )
قال ميمون بن مهران : جاء رجل إلى سلمان -رضي الله عنه -فقال : يا أبا عبد الله أوصني . قال : لا تغضب . قال : أمرتني أن لا أغضب وإنه ليغشاني ما لا أملك . قال : فإن غضبت فاملك لسانك ويدك .( )

ثامنا : النظر في نتائج الغضب
فكثير الغضب تجده مصابا بأمراض كثيرة كالسكري والضغط والقولون العصبي وغيرها مما يعرفها أهل الاختصاص , كما أنه بسببه تصدر من الغاضب تصرفات قولية أو فعلية يندم عليها بعد ذهاب الغضب روي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال ” لذة العفو يلحقها حمد العاقبة , ولذة التشفي يلحقها ذم الندم ” ( ). وقيل : من أطاع الغضب أضاع الأرب .
وقال الكريزي :
ولم أر في الأعداء حين اختبرتهم : عدوا لعقل المرء أعدى من الغضب ( )
وقال ابن رجب -رحمه الله تعالى- ” والغضب هو غليان دم القلب المؤذي عنه خشية وقوعه أو طلبا للانتقام ممن حصل له منه الأذى بعد وقوعه ، وينشأ من ذلك كثير من الأفعال المحرمة كالقتل والضرب وأنواع الظلم والعدوان ، وكثير من الأقوال المحرمة كالقذف والسب والفحش , وربما ارتقى إلى درجة الكفر كما جرى لجبلة بن الأيهم ” ا.هـ( ) وكثيرا ما نسمع أن والدا قتل ولده ، أو ولدا قتل والده فضلا عن غيرهم بسبب الغضب ، وكم ضاع من خير وأجر وفضل بسبب الغضب ، وكم حلت من مصيبة ودمار وهلاك بسبب الغضب ، وبسبب ساعة غضب قطعت الأرحام ، ووقع الطلاق ، وتهاجر الجيران ، وتعادى الإخوان ، وقامت بين الدول الحروب … عن وائل -رضي الله عنه- قال : إني لقاعد مع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم – إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة فقال : يا رسول الله هذا قتل أخي . فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ( أقتلته ) ؟ فقال : إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة . قال : نعم قتلته . قال : ( كيف قتلته ) ؟ قال : كنت أنا وهو نحتطب من شجرة فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته .( )
قال مروان بن الحكم في وصيته لابنه عبد العزيز : ” وإن كان بك غضب على أحد من رعيتك فلا تؤاخذه به عند سورة الغضب ، واحبس عنه عقوبتك حتى يسكن غضبك ثم يكون منك ما يكون وأنت ساكن الغضب منطفئ الجمرة فإن أول من جعل السجن كان حليما ذا أناة ” ا.هـ( ) .
وكتب عمر بن عبد العزيز –رحمه الله تعالى-إلى عامل من عماله ” أن لا تعاقب عند غضبك ، وإذا غضبت على رجل فاحبسه فإذا سكن غضبك فأخرجه فعاقبه على قدر ذنبه ” ا.هـ( )
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى – ” إن الغضب مرض من الأمراض ، وداء من الأدواء فهو في أمراض القلوب نظير الحمى والوسواس والصرع في أمراض الأبدان فالغضبان المغلوب في غضبه كالمريض والمحموم والمصروع المغلوب في مرضه والمبرسم المغلوب في برسامه ” ا.هـ( ) وقال -رحمه الله تعالى – ” إذا اقتدحت نار الانتقام من نار الغضب ابتدأت بإحراق القادح ، أَوْثِقْ غضبك بسلسلة الحلم فإنه كلب إن أفلت أتلف ” ا.هـ( )
وقال المعتمر بن سليمان : كان رجل ممن كان قبلكم يغضب , ويشتد غضبه فكتب ثلاث صحائف , فأعطى كل صحيفة رجلا , وقال للأول : إذا اشتد غضبي فقم إلي بهذه الصحيفة وناولنيها . وقال للثاني : إذا سكن بعض غضبي فناولنيها . وقال للثالث : إذا ذهب غضبي فناولنيها . وكان في الأولى : اقصر فما أنت وهذا الغضب إنك لست بإله إنما أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضا . وفي الثانية : ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء . وفي الثالثة : احمل عباد الله على كتاب الله فإنه لا يصلحهم إلا ذاك .ا.هـ( )

تاسعا : أن تعلم أن القوة في كظم الغيظ ورده
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال ( ليس الشديد بالصُّرَعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) .( ) قال ابن القيم –رحمه الله تعالى – ” أي مالك نفسه أولى أن يسمى شديدا من الذي يصرع الرجال ” ا.هـ( ).
وقال ابن تيمية –رحمه الله تعالى – ” ولهذا كان القوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب حتى يفعل ما يصلح دون ما لا يصلح فأما المغلوب حين غضبه فليس هو بشجاع ولا شديد ” ا.هـ( )
وقال الزرقاني -رحمه الله تعالى- ” لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ , وقد ثارت عليه شدة من الغضب , فقهرها بحلمه , وصرعها بثباته ، وعدم عمله بمقتضى الغضب كان كالصرعة الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه ” ا.هـ( )
ليست الأحلام في حال الرضا : إنما الأحلام في حال الغضب
وعن أنس -رضي الله عنه – أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مر بقوم يصطرعون فقال ( ما هذا ) ؟ فقالوا : يا رسول الله فلان ما يصارع أحدا إلا صرعه . فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم – ( أفلا أدلكم على مَن هو أشد منه رجل ظلمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه ) ( ).
ألا إن حلم المرء أكـرم نسبة : تسامى بها عند الفخار حليم
فياربِّ هب لي منك حلما فإنني : أرى الحلم لم يندم عليه كريم
قال المسترشد بالله في وصيته لقاضيه علي بن الحسين الزينبي ” أن يجعل التواضع والوقار شيمته , والحلم دأبه وخليقته , فيكظم غيظه عند احتدام أواره واضطرام ناره مجتنبا عزة الغضب الصائرة إلى ذلة الاعتذار ” ا.هـ( )

عاشرا : قبول النصيحة والعمل بها
فعلى من شاهد غاضبا أن ينصحه ، ويذكره فضل الحلم ، وكتم الغيظ ، وعلى المنصوح قبولُ ذلك قال ابن عباس -رضي الله عنهما- استأذن الحر بن قيس لعيينة فأذن له عمر فلما دخل عليه قال : هي يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزْل( أي العطاء الكثير) ولا تحكم بيننا بالعدل فغضب عمر حتى همَّ به . فقال له الحر : يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه -صلى الله عليه وآله وسلم- (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف:199) وإن هذا من الجاهلين . والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه , وكان وقافا عند كتاب الله.( ) . قال ابن القيم رحمه الله تعالى :” وهكذا الغضبان فإنه إذا اشتد به الغضب يألم بحمله فيقول ما يقول ، ويفعل ما يفعل ؛ ليدفع عن نفسه حرارة الغضب فيستريح بذلك , وكذلك يلطم وجهه , ويصيح صياحا قويا , ويشق ثيابه , ويلقي ما في يده ؛ دفعا لألم الغضب , وإلقاء لحمه منه , وكذلك يدعو على نفسه وأحب الناس إليه فهو يتكلم بصيغة الطلب والاستدعاء والدعاء , وهو غير طالب لذلك في الحقيقة فكذلك يتكلم بصيغة الإنشاء وهو غير قاصد لمعناها , ولهذا يأمر الملوك وغيرهم عند الغضب بأمور يعلم خواصهم أنهم تكلموا بها دفعا لحرارة الغضب وأنهم لا يريدون مقتضاها فلا يمتثله خواصهم بل يؤخرونه فيحمدونهم على ذلك إذا سكن غضبهم , وكذلك الرجل وقت شدة الغضب يقوم ليبطش بولده أو صديقه فيحول غيره بينه وبين ذلك فيحمدهم بعد ذلك كما يحمد السكران والمحموم ونحوهما من يحول بينه وبين ما يهم بفعله في تلك الحالة ” ا.هـ( )
والحلم آفته الجهل المضرُّ به : والعقل آفته الإعجاب والغضب

الحادي عشر : أخذ الدروس من الغضب السابق
فلو استحضر كل واحد منا قبل أن يُنفذ غضبه الحاضر ثمرةَ غضبٍ سابقٍ ندم عليه بعد إنفاذه لما أقدم على ما تمليه عليه نفسه الأمارة بالسوء مرة ثانية , فمنع الغضب أسهل من إصلاح ما يفسده قال ابن حبان –رحمه الله تعالى – ” سرعة الغضب من شيم الحمقى كما أن مجانبته من زي العقلاء , والغضب بذر الندم فالمرء على تركه قبل أن يغضب أقدر على إصلاح ما أفسد به بعد الغضب ” ا.هـ( )
لا تغضبن على قوم تحبهم : فليس ينجيك من أحبابك الغضب( )

الثاني عشر : اجتناب وإزالة أسباب الغضب : وقد ذكرت جملة منها .
قال الشيخ السعدي –رحمه الله تعالى – ” ومن الأسباب الموجبة للسرور وزوال الهم والغم : السعي في إزالة الأسباب الجالبة للهموم , وفي تحصيل الأسباب الجالبة للسرور , وذلك بنسيان ما مضى من المكاره التي لا يمكنه ردُّها , ومعرفته أن اشتغال فكره فيها من باب العبث والمحال , وأن ذلك حمق وجنون ” ا.هـ ( )

الثالث عشر : معرفة أن المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة فتركه إغلاق لباب من أبواب العصيان :
قال ابن القيم رحمه الله تعالى ” ولما كانت المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة , وكان نهاية قوة الغضب القتل , ونهاية قوة الشهوة الزنى جمع الله –تعالى- بين القتل والزنى , وجعلهما قرينين في سورة الأنعام , وسورة الإسراء , وسورة الفرقان , وسورة الممتحنة , والمقصود أنه سبحانه أرشد عباده إلى ما يدفعون به شر قوتي الغضب والشهوة من الصلاة والاستعاذة ” ا.هـ( ) .

الرابع عشر : قال ابن حبان -رحمه الله تعالى- ” لو لم يكن في الغضب خصلة تذم إلا إجماع الحكماء قاطبة على أن الغضبان لا رأي له لكان الواجب عليه الاحتيال لمفارقته بكل سبب ” ا.هـ( ) لذا فقد قال النبي –صلى الله عليه وآله وسلم – ( لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان ) ( ) قال ابن القيم –رحمه الله تعالى- ” إن الفقهاء اختلفوا في صحة حكم الحاكم في الغضب على ثلاثة أقوال وهي ثلاثة أوجه في مذهب احمد : أحدها : لا يصح و لا ينفذ ؛ لأن النهي يقتضي الفساد . والثاني : ينفذ . والثالث : إن عرض له الغضب بعد فهم الحكم نفذ حكمه , وإن عرض له قبل ذلك لم ينفذ ” ا.هـ( ) وقال معللا المنع ” إنما كان ذلك لأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه , ويمنعه من كمال الفهم , ويحول بينه وبين استيفاء النظر , ويعمي عليه طريق العلم والقصد ” ا.هـ( ) لهذا كان من وصية أمير المؤمنين عمر لأبي موسى الأشعري –رضي الله عنهما- في القضاء ” وإياك والغضب والقلق والضجر ” ( ) .

صور من هدي السلف عند الغضب
سب رجل ابن عباس -رضي الله عنهما – فلما فرغ قال : يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها ؟ فنكس الرجل رأسه واستحى ( ).
وقال أبو ذر –رضي الله عنه- لغلامه : لِمَ أرسلت الشاة على علف الفرس ؟ قال : أردت أن أغيظك . قال : لأجمعن مع الغيظ أجرا أنت حر لوجه الله تعالى ( ) .
وأسمع رجل أبا الدرداء – رضي الله عنه- كلاما , فقال : يا هذا لا تغرقن في سبنا ودع للصلح موضعا فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه .
قال الأحنف بن قيس –رحمه الله تعالى – لابنه : يا بني إذا أردت أن تواخي رجلا فأغضبه , فإن أنصفك وإلا فاحذره ( ).
إذا كنت مختصا لنفسك صاحبا : فمن قبل أن تلقاه بالود أغضبه
فإن كان في حال القطيعة منصفا : وإلا فقد جربته فتجنبـــه
وقال محمد بن حماد الكاتب :
فأعجب من ذا وذا أنني : أراك بعين الرضا في الغضب( )
وأختم بما رواه عطاء بن السائب عن أبيه قال : صلى بنا عمار بن ياسر -رضي الله عنه- صلاة فأوجز فيها فقال له بعض القوم : لقد خففت أو أوجزت الصلاة ، فقال : أما على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ، فلما قام تبعه رجل من القوم هو أنه كنى عن نفسه فسأله عن الدعاء ثم جاء فأخبر به القوم ( اللهم بعلمك الغيب , وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي , وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي اللهم , وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة , وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب , وأسألك القصد في الفقر والغنى , وأسألك نعيما لا ينفد , وأسألك قرة عين لا تنقطع , وأسألك الرضاء بعد القضاء , وأسألك برد العيش بعد الموت , وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك ضراء مضرة ولا فتنة مضلة , اللهم زينا بزينة الإيمان , واجعلنا هداة مهتدين ) ( ) والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وزاد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين حرر في 25/10/1426هـ

حرب فيتنام

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله العرفج 704

حرب فيتنام أو الحرب الهندوصينية الثانية كانت نزاع بين جمهورية فيتنام الديموقراطية (فيتنام الشمالية)، متحالفة مع جبهة التحرير الوطنية، ضد جمهورية فيتنام (فيتنام الجنوبية) مع حلفائها (وكانت الولايات المتحدة الأمريكية إحداهم) بين 13 سبتمبر 1956 و17 يونيو 1975.

في عام 1957، بدأت قوات الفيت منه في الجنوب في التمرد على حكومة ديم. وقد عرف هؤلاء بالفيت كونغ. وفي عام 1959، أعلنت فيتنام الشمالية تأييدها لهذه الفئة وأمرتها بشن كفاح شامل ضد حكومتها. وفي عام 1960، شكل الثوار جبهة التحرير الوطنية التي أوكلت إليها مهمة قيادة الثورة. ورويدا رويدا تشعبت الحرب وازدادت ضراوة، ففي الخمسينيات كانت الولايات المتحدة قد شرعت في إرسال مستشارين مدنيين وعسكريين لفيتنام الجنوبية. وبحلول عام 1965، بدأت في إرسال قوات عسكرية وشن غارات جوية على فيتنام الشمالية. واستمر التورط الأمريكي في هذه الحرب حتى عام 1973، علما بأن الصين والاتحاد السوفييتي (سابقا) كانا يمدان فيتنام الشمالية والفيت كونغ بالأسلحة والإمدادات.

كانت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وتايلند وأستراليا ونيوزيلندا والفلبين متحالفة مع فيتنام الجنوبية، بينما تحالف الاتحاد السوفياتي والصين مع فيتنام الشمالية.

انتهي الغزو الأمريكي في 17 يونيو 1975 باتحاد فيتنام الشمالية والجنوبية.

الملك فيصل بن عبد العزيز ال سعود

كاتب الموضوع الأصلي: تركي الفراج 36336

تربى في بيت جديه لأمه الشيخ «عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ» و«هيا بنت عبد الرحمن آل مقبل»، وتلقى على يديهما العلم وذلك بعد وفاة والدته وهو بعمر السته شهور.
أدخله والده الملك عبد العزيز في السياسة في سن مبكر، حيث أرسلة في زيارات للمملكة المتحدة وفرنسا مع نهاية الحرب العالمية الأولى وكان وقتها بعمر ثلاث عشرة «13» عاماً، كما رأس وفد المملكة إلى «مؤتمر لندن» بعام 1939 حول القضية الفلسطينية والمعروف بمؤتمر المائدة المستديرة.
وعلى المستوى المحلي قاد القوات السعودية لتهدئه الوضع المتوتر في عسير وذلك في عام 1922. وفي عام 1925 توجه جيش بقيادته لمنطقة الحجاز، واستطاع تحقيق النصر والسيطرة على الحجاز.
وفي عام 1926م عينه الملك عبد العزيز نائباً عاماً لجلالة الملك، كما عين في عام 1927 رئيساً لمجلس الشورى. وفي عام 1932 عين وزيراً للخارجية بالإضافة إلى كونه رئيساً لمجلس الشورى. كما أنه شارك في عام 1934 في الحرب السعودية اليمنية.
وأثناء توليه وزارة الخارجية طلب من الملك عبد العزيز قطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة وذلك بعد قرار الأمم المتحدة القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين، ولكن طلبه هذا لم يجاب.
وفي 9 أكتوبر 1953 أصدر والده الملك عبد العزيز أمراً بتعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء بالإضافة إلى كونه وزيراً للخارجية[2] وذلك بعد تعيين الأمير سعود رئيسًا للوزراء[2].

الملك فيصل في زيارته لبريطانيا

زيارته للولايات المتحدة في الخمسينات
ولاية العهد وأعماله فيها[عدل]

بعد وفاة والده وتسلم أخيه سعود الحكم عينه ولياً للعهد نائباً لرئيس مجلس الوزراء وزيراً للخارجية، وفي عام 1373 هـ الموافق عام 1954 أرسله الملك سعود لبعض الدول بزيارات نيابة عنه. وبعام 1376 هـ الموافق عام 1957 وقعت الأزمة المالية السعودية وكان قبلها قام الملك سعود بتسليمه بعض مهامه فأصبح مسئولًا عن المال وخزينة الدولة، وأصبح أيضا مسئولًا عن الأوضاع الخارجية للبلاد. وفي عام 1377 هـ الموافق لعام 1958 لم يستطع حل الأزمة بسبب البترول وأوامر الملك فأصبحت الدولة تستلف المال من دول الغرب وشركة أرامكو، وفي عام 1378 هـ عينه الملك سعود بالإضافة لكونه رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للمالية ووزيراً للداخلية. وفي عام 1960 ظهرت توترات شديدة بينه وبين الملك سعود واستمرت هذه التوترات حتى نهاية حكم الملك سعود الذي قرر في عام 1380 هـ بأن يسحب منه الوزارات التي يتولى مسئوليتها ويكون نائباً لرئيس مجلس الوزراء فقط، حيث سلم وزارة الخارجية إلى اللواء إبراهيم بن عبد الله السويل ووزارة الداخلية إلى الأمير مساعد بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود ووزارة المالية إلى الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود. إلا أن في عام 1382 هـ الموافق لعام 1962 قام الملك سعود بتعيينه رئيساً لمجلس الوزراء[3] وزيرًا للخارجية.
توليه الحكم[عدل]

الملك فيصل بن عبد العزيز في شبابه
عانى الملك سعود في سنوات حكمة الأخيرة من أمراض متعددة منها آلام بالمفاصل وارتفاع ضغط الدم وكان ذلك يستدعيه الذهاب إلى الخارج للعلاج[4]، وبسبب الأمراض واشتدادها عليه فإن ذلك جعله لا يقوى على القيام بأعمال الحكم، وإتسعت الخلافات بينها أكثر بتلك الفترة، وبسبب ذلك دعى الأمير محمد أكبر أبناء الملك عبد العزيز بعد الملك سعود وبعده إلى اجتماع للعلماء والأمراء عقد في 29 مارس 1964، أصدر فيه العلماء فتوى تنص على أن يبقى الملك سعود ملكًا على أن يقوم الأمير فيصل بتصريف جميع أمور المملكة الداخلية والخارجية بوجود الملك في البلاد أو غيابه عنها، وبعد صدور الفتوى أصدر أبناء الملك عبد العزيز وكبار أمراء آل سعود قرارًا موقعًا يؤيدون فيه فتوى العلماء وطالبوه فيه بكونه وليًا للعهد ورئيسًا للوزراء إلى الإسراع بتنفيذ الفتوى. وفي اليوم التالي اجتمع مجلس الوزراء برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء الأمير خالد بن عبد العزيز واتخذو قرارًا بنقل سلطاته الملكية إليه وذلك استنادًا إلى الفتوى وقرار الأمراء، وبذلك أصبح نائبًا عن الملك في حاله غيابه أو حضوره. وبعد صدور هذا القرار توسع الخلاف بينه وبين أخيه الملك سعود، الذي إزداد عليه المرض، ولكل تلك الأسباب إتفق أهل الحل والعقد من أبناء الأسرة المالكة إن الحل الوحيد لهذه المسائل هو خلع الملك سعود من الحكم وتنصيبه ملكًا، وأرسلوا قرارهم إلى علماء الدين لأخذ وجهه نظرهم من الناحية الشرعية، فاجتمع العلماء لبحث هذا الأمر، وقرروا تشكيل وفد لمقابله الملك سعود لإقناعه بالتنازل عن الحكم، وأبلغوه إن قرارهم قد اتخذ وإنهم سيوقعون على قرار خلعه من الحكم وإن من الأصلح له أن يتنازل، إلا أنه رفض ذلك[4].
وفي 26 جمادى الآخرة 1384 هـ الموافق 1 نوفمبر 1964 اجتمع علماء الدين والقضاة، وأعلن مفتى المملكة محمد بن إبراهيم آل الشيخ إنه تم خلع الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود من الحكم، وإنه سيتم مبايعة الأمير فيصل ملكًا، وفي يوم 27 جمادى الآخرة 1384 هـ الموافق 2 نوفمبر 1964 بويع ملكًا[3][4].

الملك في العام 1965
في السياسة الداخلية[عدل]
في المجال الاقتصادي: عمل على الاستفادة من دخل النفط، حيث قام بمراجعة اتفاقية مناصفة الأرباح مع شركة أرامكو التي وجدها غير عادلة فطلب تعديل الاتفاقية، كما انتقلت الحكومة إلى دور المشاركة في اتفاقيات استغلال مكامن البترول إلى عدم منح امتيازات استثمارات البترول إلا لمؤسسة وطنية[3].
في المجال الزراعي: قامت وزارة الزراعة بوضع برنامج شامل للبحث عن المياه وذلك بالاستعانة بشركات استشارية عالمية، وبدأت بتنفيذ هذا البرنامج بعام 1965، كما عملت الوزارة على تحسين أساليب الزراعة وتطوير الثروة الحيوانية ومصائد الأسماك والمحافظة على الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، ووجهت المزارعين إلى تحسين إنتاجهم الزراعي من التمور، وحثت القطاع الخاص على الاستثمار في تغليف التمور وحفظها. وقامت الوزارة بمشاريع عديدة منها بناء سد وادي جازان الذي أنجز بواسطة شركات أجنبية عام 1971، وأيضًا أقامت مشروع الري والصرف في الأحساء الذي كان الهدف منه حفظ مياه العيون والآبار من الهدر، وحسن الاستفاده من المياه الزائدة، وأيضًا إقامة سدود لحجز مياه الأمطار في أبها والمجمعة وعلى وادي حنيفة قرب الرياض، كما أقامت الوزارة مشاريع زراعية في تبوك والجوف ووادي السرحان والقصيم والأفلاج ووادي بيشة ونجران. كما أوعزت الوزارة للبنك الزراعي بتقديم قروض للمزارعين والصيادين لشراء المعدات اللازمة لهم على أن تسدد على أقساط طويلة الأجل وبدون فوائد[3].
في مجال المواصلات: امتدت في عهده شبكات الطرق الحديثة التي استعانت الحكومة بشركات عالمية لتنفيذها، وتم ربط المملكة بجيرانها مثل الأردن وسوريا والعراق والكويت، كما تم الاهتمام بالطرق الزراعية التي تخدم القرى والمزارعين لتسويق منتجاتهم، كما تم التوسع في إقامة المطارات وتحسين القائم منها، وتم اقتناء طائرات نفاثة للخطوط السعودية، وتم إنشاء معهد للتدريب على الطيران المدني في جدة، كما توسعت حركة الموانئ، حيث تم توسيع ميناء جدة، وأقيمت موانئ جديدة في ينبع وجازان[3].
في المجال الصحي: تم استقدام أطباء وأعضاء الهيئة التمريضية من بلدان العالم، وقام بتأسيس مستشفى فيصل التخصصي في الرياض الذي افتتح بعام 1975، وتم التعاون مع منظمة الصحة العالمية في إعداد برامج الحكومة الصحية[3].
كما قام بوضع الخطة الخمسية عام 1390 هـ[3].
في السياسة الخارجية[عدل]

الملك فيصل مع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون
اهتم بالقضية الفلسطينية، وشارك في الدفاع عن حقوق فلسطين عالميًا، وظهر ذلك واضحًا عندما خطب في عام 1963 على منبر الأمم المتحدة حيث ذكر إن الشيئ الوحيد الذي بدد السلام في المنطقة العربية هو المشكلة الفلسطينية ومنذ قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين. ومن سياسته التي اتبعها حول هذه القضية عدم الاعتراف بإسرائيل، وتوحيد الجهود العربية وترك الخلافات بدلًا من فتح جبهات جانبية تستنفذ الجهود والأموال والدماء، وإنشاء هيئة تمثل الفلسطينيين، وإشراك المسلمين في الدفاع عن القضية[3].
وعلى الرغم من الخلافات بينه وبين الرئيس المصري جمال عبد الناصر، إلا أنه بعد حرب 1967 وعقد مؤتمر القمة العربية في الخرطوم تعهد بتقديم معونات مالية سنوية حتى تزول آثار الحرب على مصر، كما أنه قرر مع عده دول عربية بقطع البترول أثناء حرب أكتوبر. كما عمل على حل الخلاف بين السعودية ومصر حول القضية اليمنية[3].
وعلى المستوى الدول الأجنبية عمل على تنمية علاقات السعودية مع فرنسا خصوصًا بعد اتجاه الحكومة هناك إلى الوقوف بصف العرب ضد إسرائيل. كما أعيد بعهده علاقات السعودية مع المملكة المتحدة بعد زيارته لها في يونيو من عام 1967، وكانت تلك الزيارة تتويجًا لإعاده العلاقة والتي قطعت بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وبدأت بالعوده تدريجيًا من عام 1963. كما زار في مايو من عام 1966 الولايات المتحدة بدعوه رسمية من الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، وقد تظاهر اليهود ضد زيارته. كما أنه كان يرفض وجود أي علاقة أو تمثيل سياسي مع الدول الشيوعية وذلك لأنه لا يريد السماح بظهور أي مبدأ يعارض الشريعة الإسلامية في السعودية.[3]
اغتياله[عدل]

Crystal Clear app kdict.png انظر أيضًا: إغتيال الملك فيصل

في يوم الثلاثاء 12 ربيع الأول 1395 هـ الموافق 25 مارس 1975 [1] قام الأمير فيصل بن مساعد بن عبد العزيز آل سعود بإطلاق النار عليه وهو يستقبل وزير النفط الكويتي عبد المطلب الكاظمي في مكتبة بالديوان الملكي وأرداه قتيلًا، وقد اخترقت إحدى الرصاصات الوريد فكانت السبب الرئيسي لوفاته. ولم يتأكد حتى الآن الدافع الحقيقي وراء حادثة الاغتيال لكن هنالك من يزعم بأن ذلك تم بتحريض الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بسبب سياسة مقاطعة تصدير البترول التي انتهجها في بداية السبعينات من القرن العشرين بعد حرب أكتوبر، وهناك من يزعم أيضاً أن القتل كان بدافع الانتقام لأخية الأمير خالد بن مساعد بن عبد العزيز آل سعود الذي قتل في منزله على يد قوات الأمن السعودية في فترة تولي الملك فيصل للحكم .

الدوله الامويه

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله العرفج 704

الدولة الأموية أو الخِلافَةُ الأُمَوِيَّةُ أو دولة بني أمية (41 – 132 هـ / 662 – 750 م) هي ثاني خلافة في تاريخ الإسلام، وأكبر دولة في تاريخ الإسلام. كان بنو أمية أولى الأسر المسلمة الحاكمة، إذ حكموا من سنة 41 هـ (662 م) إلى 132 هـ (750 م)، وكانت عاصمة الدولة في مدينة دمشق. بلغت الدولة الأموية ذروة اتساعها في عهد الخليفة العاشر هشام بن عبد الملك، إذ امتدت حدودها من أطراف الصين شرقاً حتى جنوب فرنسا غرباً، وتمكنت من فتح إفريقية والمغرب والأندلس وجنوب الغال والسند وما وراء النهر.

يرجع الأمويون في نسبهم إلى أميَّة بن عبد شمس من قبيلة قريش. وكان لهم دورٌ هام في عهد الجاهلية وخلال العهد الإسلامي. أسلَم معاوية بن أبي سفيان في عهد الرسول محمد، وتأسست الدولة الأموية على يده، وكان قبلاً واليًا على الشام في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، ثم نشب نزاع بينه وبين علي بن أبي طالب بعد فتنة مقتل عثمان، حتى تنازل ابنه الحسن عن الخلافة لمعاوية بعد مقتل أبيه، فتأسست الدولة بذلك. أخذ معاوية عن البيزنطيين بعض مظاهر الحكم والإدارة إذ جعل الخلافة وراثيَّة عندما عهد لابنه يزيد بولاية العهد، واتخذ عرشًا وحراسًا وأحاط نفسه بأبَّهة الملك، وبنى له مقصورة خاصَّة في المسجد، كما أنشأ ديوان الخاتم ونظام البريد. بعد وفاة يزيد اضطربت الأمور، فطالب ابن الزبير بالخلافة، ثم تمكن عبد الملك بن مروان بن الحكم من هزمه وقتله في مكة سنة 73 هـ، فاستقرت الدولة مجدداً.

جرت أكبر الفتوحات الأموية في عهد الوليد بن عبد الملك، فاستكمل فتح المغرب، وفتحت الأندلس بكاملها، وفتحت السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي وبلاد ما وراء النهر بقيادة قتيبة بن مسلم. خلفه سليمان بن عبد الملك الذي توفي على أرض المعركة خلال قيادته حصار القسطنطينية، ثم الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز، الذي يعد من أفضل الخلفاء الأمويين سيرة. وخلفه بعده ابن عمه يزيد، ثم هشام، الذي فتح في عهده جنوب فرنسا، وكان عهده طويلاً وكثير الاستقرار. وبعد موته دخلت الدولة في حالة من الاضطراب الشديد، حتى سيطر مروان بن محمد على الخلافة، فأخذ يتنقل بين الأقاليم ويقمع الثورات والاضطرابات، ثم التقى مع العباسيين في معركة الزاب فهزم وقتل، وكانت نهاية الدولة الأموية.

شهد عهد الدولة الأموية ثورات وفتناً كثيرة، وكان منفذوا أغلب هذه الثورات إما الخوارج أو الشيعة. من أبرز تلك الثورات ثورة الحسين بن علي على يزيد بن معاوية، عندما طالب بالخلافة، فالتقت معه جيوش الأمويين في معركة كربلاء التي انتهت بمقتله. وقامت بعدها ثورات شيعية كثيرة للثأر له، منها ثورة التوابين وثورة المختار الثقفي، ثم هدأوا بعد قمعهما أكثر من نصف قرن حتى ثورة زيد بن علي. كما ثار الخوارج مراراً وتكراراً، ولم يهدؤوا إلا لقرابة عشرين عاماً بين أواسط عهد عبد الملك وبداية عهد يزيد. وقد كان لأشهر ولاة الأمويين الحجاج بن يوسف الثقفي دور كبير في إخماد هذه الثورات وتهدئتها خلال أواخر القرن الأول الهجري، خصوصاً وأنه كان والي العراق والمشرق، التي كانت – وخصوصاً مدينة الكوفة – ألد أعداء الحكم الأموي، فيما كانت الشام تعد حليفة الأمويين وعاصمتهم. من أشرس الثورات التي قامت على الدولة الأموية أيضاً ثورتا عبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الأشعث.

الربيع العربي

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله القاسم٣٣٦

الثورات العربية، أو الربيع العربي أو ثورات الربيع العربي في الإعلام، هي حركة احتجاجية سلمية ضخمة انطلقت في بعض البلدان العربية خلال أوخر عام 2010 ومطلع 2011، متأثرة بالثورة التونسية التي اندلعت جراء إحراق محمد البوعزيزي نفسه ونجحت في الإطاحة بالرئيس السابق زين العابدين بن علي،[8][9] وكان من أسبابها الأساسية انتشار الفساد والركود الاقتصاديّ وسوء الأحوال المَعيشية، إضافة إلى التضييق السياسيّ والأمني وعدم نزاهة الانتخابات في معظم البلاد العربية. ولا زالت هذه الحركة مستمرة حتى هذه اللحظة.[10][11] نجحت الثورات بالإطاحة بأربعة أنظمة حتى الآن، فبعدَ الثورة التونسية نجحت ثورة 25 يناير المصرية بإسقاط الرئيس السابق محمد حسني مبارك، ثم ثورة 17 فبراير الليبية بقتل معمر القذافي وإسقاط نظامه، فالثورة اليمنية التي أجبرت علي عبد الله صالح على التنحي. وأما الحركات الاحتجاجية فقد بلغت جميع أنحاء الوطن العربي، وكانت أكبرها هي حركة الاحتجاجات في سوريا. تميزت هذه الثورات بظهور هتاف عربيّ أصبح شهيرًا في كل الدول العربية وهو: “الشعب يريد إسقاط النظام”.

بدأت الثورات في تونس عندما أضرم الشاب محمد البوعزيزي النار في نفسه احتجاجاً على الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتردية، وعدم تمكنه من تأمين قوت عائلته، فاندلعت بذلك الثورة التونسية، وانتهت في 14 يناير عندما غادر زين العابدين بن علي البلاد بطائرة إلى مدينة جدة في السعودية، واستلم من بعده السلطة محمد الغنوشي الوزير الأول السابق، فالباجي قائد السبسي. وبعدها بتسعة أيام، اندلعت ثورة 25 يناير المصرية تليها بأيام الثورة اليمنية، وفي 11 فبراير التالي أعلن محمد حسني مبارك تنحيه عن السلطة، ثم سُجن وحوكم بتهمة قتل المتظاهرين خلال الثورة. وإثر نجاح الثورتين التونسية والمصرية بإسقاط نظامين بدأت الاحتجاجات السلميَّة المُطالبة بإنهاء الفساد وتحسين الأوضاع المعيشية بل وأحياناً إسقاط الأنظمة بالانتشار سريعاً في أنحاء الوطن العربي الأخرى، فبلغت الأردن والبحرين والجزائر وجيبوتي والسعودية والسودان والعراق وعُمان وفلسطين (مطالبة بإنهاء الانقسام بالإضافة إلى الانتفاضة الثالثة) والكويت ولبنان والمغرب وموريتانيا.

في 17 فبراير اندلعت الثورة الليبية، التي سُرعان ما تحولت إلى ثورة مسلحة، وبعد صراع طويل تمكن الثوار من السيطرة على العاصمة في أواخر شهر أغسطس عام 2011، قبل مقتل معمر القذافي في 20 أكتوبر خلال معركة سرت، وبعدها تسلّم السلطة في البلاد المجلس الوطني الانتقالي. وقد أدت إلى مقتل أكثر من خمسين ألف شخص، وبذلك فإنها كانت أكثر الثورات دموية. وبعد بدء الثورة الليبية بشهر تقريباً، اندلعت حركة احتجاجات سلمية واسعة النطاق في سوريا في 15 مارس، وأدت إلى رفع حالة الطوارئ السارية منذ 48 عاماً وإجراء تعديلات على الدستور، كما أنها أوقعت أكثر من ثمانية آلاف قتيل ودفعت المجتمع الدولي إلى مُطالبة الرئيس الحالي بشار الأسد بالتنحي عن السلطة. وفي أواخر شهر فبراير عام 2012 أعلن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح تنحيه عن السلطة التزاماً ببنود المبادرة الخليجية لحل الأزمة اليمنية، التي كان قد وقع عليها قبل بضعة شهور عقبَ الاحتجاجات العارمة التي عصفت بالبلاد لعام كامل.