أ.د. أحمد محمد وهبان

حفظ السر ..

كاتب الموضوع الأصلي: اسماء القحطاني

60. حفظ السر ..
اشتهر قديماً : كل سرٍ جاوز الإثنين .. شاع ..
ومن اللطائف أن أحدهم سئل : من الإثنين ؟ فأشار إلى شفتيه .. وقال : هذان !!
لا أذكر أني همست في أذن أحد من الناس بسرّ .. واستأمنته إياه .. ثم فاجأني قائلاً : يا محمد .. اسمح لي لا أستطيع أن أكتمه ..
بل كل شخص يضرب بيده صدره .. ويقول : والله لو وضعوا الشمس في يميني .. والقمر في شمالي .. أو السيف على رقبتي .. على أن أخبر بسرك .. ما أخبرت !!
ثم إذا اطمأننت ووثقت .. وكشفت له أسرارك .. تصبّر شهرين أو ثلاثة .. ثم حدث به .. فلا يزال يُتناقل حتى يصلك ..
فوجدت أن سرك لا ينبغي أن يجاوز شفتيك .. فلا تكلف الناس ما لا يطيقون ..
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه
فصدر الذي يستودع السر أضيق
جربت كثيراً من الناس .. فوجدتهم كذلك ..
والمشكلة أنك تأتيهم على سبيل الاستشارة .. فيشيرون عليك .. ثم يفضحون سرك ..
فيسقطون من عينك .. ويصبحون من أبغض الناس إليك ..
ومن أعجب ما في التاريخ ..
أنه قبل معركة بدر ..
لما سمع النبي  .. بقافلة قريش مقبلة وأراد قتالها ..
خرج r إليها مع أصحابه .. فلما شعر بهم أبو سفيان .. استأجر رجلاً اسمه ضمضم بن عمرو الغفاري .. وقال اذهب وأخبر قريشاً بالخبر ..
فمضى ضمضم .. مسرعاً إلى مكة .. كان وصوله مكة يحتاج أن يسير أياماً ..
وأهل مكة لا يدرون عن شيء من ذلك ..
وفي ليلة من الليالي رأت عاتكة بنت عبد المطلب .. رؤيا أفزعتها .. فلما أصبحت بعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب .. فقالت له :
يا أخي .. والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني .. وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة .. فاكتم عليَّ ما أحدثك .. ولا تحدث به أحداً ..
قال لها : نعم .. وما رأيت ؟
قالت : رأيت راكباً أقبل على بعير .. حتى وقف بوادي “الأبطح” .. ثم صرخ بأعلى صوته : ألا انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث ..!
فأرى الناس قد اجتمعوا إليه .. ثم مضى فدخل المسجد والناس يتبعونه ..
فبينما هم حوله .. إذ صعد به بعيره فوق الكعبة .. ثم صرخ بمثلها : انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث ..
ثم صعد به بعيره على رأس جبل أبي قبيس .. فصرخ بمثلها :
انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث ..
ثم أخذ صخرة فقذفها من أعلى الجبل .. فأقبلت تهوي من فوق الجبل .. حتى إذا كانت بأسفل الجبل تكسرت ..
فما بقي بيت من بيوت مكة إلا دخلته كسرة من الصخرة .. فاضطرب العباس وقال : والله إن هذه لرؤيا !
ثم خشي أن تنتشر فيصيبه أذى .. فقال لها محذراً : وأنت فاكتميها لا تذكريها لأحد ..
ثم خرج العباس منشغل البال بأمر هذه الرؤيا .. فلقي الوليد بن عتبة وسط الطريق .. وكان له صديقاً ..
فحدثه بالرؤيا .. وقال له : اكتمها .. فلا تخبر بها أحداً ..
فمضى الوليد ..
فلقي ابنه عتبة فحدثه بها ..
ثم لم يمض سويعات ..
حتى حدث بها عتبة .. ثم تناقلها الناس .. وفشا الحديث بها في أهل مكة .. حتى تحدثت بها قريش في مجالسها ..
وفي الضحى ذهب العباس ليطوف بالكعبة ..
فإذا أبو جهل جالس في رَهْط من قريش .. في ظل الكعبة .. يتحدثون برؤيا عاتكة !!
فلما رأى أبو جهل العباسَ قال :
يا أبا الفضل .. إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا ..
فلما أقبل إليه العباس وجلس معهم ..
قال له أبو جهل : يا بني عبد المطلب .. متى حدثت فيكم هذه النبية ؟
قال : وما ذاك ؟
قال : تلك الرؤيا التي رأت عاتكة ..
قال العباس : وما رأت ؟
قال : يا بني عبد المطلب .. أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ؟
قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال : انفروا في ثلاث .. فسننتظر بكم ثلاثة أيام ..
فإن يك حقاً ما تقول .. فسيكون ..
وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شئ نكتب عليكم كتاباً أنكم أكذب أهل بيت العرب ..
فاضطرب العباس .. وما رد عليه شيئاً .. وجحد الرؤيا .. وأنكر أن تكون رأت شيئاً ..
ثم تفرقوا ..
فلما أقبل العباس إلى بيته ..
لم تبق امرأة من بني عبد المطلب .. إلا جاءت إليه غاضبة .. تقول : أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم .. ثم قد تناول النساء وأنت تسمع .. أما فيكم حمية ..
فاحتمى العباس .. وثار .. وقال : والله .. لئن عاد أبو جهل إلى مثل كلامه .. لأفعلن وأفعلن ..
فلما كان اليوم الثالث .. من رؤيا عاتكة ..
ذهب العباس إلى المسجد .. وهو مغضب ..
فلما دخل المسجد رأى أبا جهل .. فمشي نحوه يتعرضه ليعود لبعض ما قال فيقع به ..
فإذا بأبي جهل يخرج من باب المسجد يشتد مسرعاً ..
فعجب العباس من سرعته ..!! فقد كان مستعداً لخصومة وعراك .. فقال العباس في نفسه : ماله لعنه الله ؟! أكلّ هذاخوفٌ مني أن أشاتمه ؟!
وإذا أبو جهل قد سمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري الذي أرسله أبو سفيان ليستعين بأهل مكة ..
وإذا ضمضم يصرخ في الوادي واقفاً على بعيره ..
قد جدع أنف بعيره .. والدم يسيل على وجه البعير ..
وقد شق ضمضم قميصه وهو يقول : يا معشر قريش اللطيمة .. اللطيمة ..
أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها ..
ثم صاح بأعلى صوته : الغوث .. الغوث ..
عندها تجهزت قريش وخرجت .. وكان من أمرها في معركة بدر ما كان ..
فتأمل كيف انتشر السر في لمحة عين .. مع قوة الحرص وشدة الاستئمان ..!!
ومن نشر السر أيضاً ..
أن عمر  لما أسلم .. أراد أن ينشر الخبر ..
فأقبل إلى رجل منهم .. هو أعظمهم نشراً للإشاعة ..
فقال : يا فلان .. إني محدثك بسرٍ .. فاكتم عني ..!
قال : ما سرك ؟
قال : أشعرت أني قد أسلمت .. فانتبه .. لا تخبر أحداً ..
ثم تولى عنه عمر ..
فما كاد يغيب عنه .. حتى جعل الرجل يطوف بالناس ويردد : أعلمتَ أن عمر أسلم ..!! أعلمتَ أن عمر أسلم ..!!
عجباً !! وكالة أنباء متنقلة ..
وفي يوم من الأيام بعث النبي  أنساً  في حاجة ..
فمرَّ بأمه .. فسألته .. إلى ماذا أرسلك النبي  ؟
فقال : والله .. ما كنت لأفشي سرّ رسول الله r ..
هكذا كان أنس وهو صغير .. في شدة حفظه للسر ..
وأنى لك اليوم أن تجد مثل أنس ..
قالت عائشة t ..
أقبلت فاطمة تمشي .. كأن مشيتها مشية النبي r ..
فقال النبي r : مرحباً بابنتي .. ثم أجلسها عن يمينه – أو عن شماله – ..
ثم أسرَّ إليها حديثاً .. فبكت ..
فقلت لها : لم تبكين ..
ثم أسرَّ إليها حديثاً .. فضحكت فقلت :
ما رأيت كاليوم .. فرحاً أقرب من حزن ..
فسألت فاطمة عما قال لها النبي  ؟
فقالت : ما كنت لأفشي سر رسول الله r ..
حتى قبض النبي r ..
فسألتها ؟
فقالت : أسر إليَّ : إن جبريل كان يعارضني ( ) القرآن كل سنة مرة وإنه عارضني العام مرتين .. ولا أراه إلا حضر أجلي .. وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي .. فبكيت ..
فقال : أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة .. أو نساء المؤمنين .. فضحكت لذلك ..

قالوا ..
من عرف سرك أسرك ..

قضاء الحاجات ..

كاتب الموضوع الأصلي: اسماء القحطاني

61. قضاء الحاجات ..
لما بدأتُ في دراسة الماجستير .. اطلعت على عدد أوسع من كتب الفرق والطوائف ..
من بين هذه المذاهب .. المذهب البراجماتي .. bragmatizem
وترجمته بالعربية : المذهب النفعي ..
لما تبحرت في دراسة هذا المذهب أدركت لماذا كنا نسمع في أوروبا وأمريكا .. أنه في كثير من الأحيان يهجر الابن أباه .. وإذا قابله في مطعم فكل واحد منهما يحاسب عن نفسه ..
فعلاً .. مادام أني لن أستفيد منك فلماذا أخدمك ؟!
لماذا أنفق مالي ؟! واصرف وقتي ؟! وأبذل جهدي ؟! دون مردود مادي يعود علي ..
الإسلام قلب هذا الميزان ..
فقال الله ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) .
وقال  : ( لئن امشي مع اخي في حاجة حتى أثبتها له .. أحب إليَّ من أن أعتكف في مسجدي هذا شهراً ) ..
ومن كان في حاجة أخيه .. كان الله في حاجته ..
وكان  يمشي في الطريق فتوقفه الجارية وتقول : لي إليك حاجة .. فيقف معها حتى يسمع حاجة .. وقد يمضي معها إلى بيت سيدها ليقضيها لها ..
بل كان r يخالط الناس ويصبر على أذاهم ..
كان يعاملهم بنفس رحيمة .. وعين دامعة .. ولسان داع .. وقلب عطوف ..
كان يشعر أنه هو وهم .. جسد واحد .. يشعر بفقر الفقير .. وحزن الحزين .. ومرض المريض .. وحاجة المحتاج ..
انظر إليه r .. وقد جلس في مسجده يحدث أصحابه ..
فإذا به يرى سواداً مقبلاً عليه من بعيد ..
نظر إليهم .. فإذا هم قوم فقراء أقبلوا عليه من مضر .. من قبل نجد ..
ومن شدة فقرهم قد اجتابوا النمار ..
يعني يملك أحدهم قطعة قماش فلا يجد ثمن الإبرة والخيط .. فيخرق القماش من وسطه ثم يخرج رأسه ويسدل باقيه على جسده ..
أقبلوا قد اجتابوا النمار .. وتقلدوا السيوف .. وليس عليهم أزر ولا شيء غيرُها .. لا عمامة ولا سراويل ولا رداء ..
فلما رأى رسول الله r الذي بهم من الجهد والعري والجوع .. تغير وجهه ..
ثم قام .. فدخل بيته .. فلم يجد شيئاً يتصدق به عليهم ..
فخرج .. ودخل بيته الآخر .. وخرج .. يبحث .. يلتمس شيئاً لهم .. فلم يجد ..
ثم راح إلى المسجد .. فصلى الظهر .. ثم صعد منبره ..
فحمد الله وأثنى عليه .. ثم قال :
أما بعد .. فإن الله عز وجل .. أنزل في كتابه : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ..
ثم قرأ ..
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ..
وجعل يتلوا الآيات والمواعظ .. ثم صاح بهم .. وقال :
تصدقوا قبل أن لا تصدقوا .. تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة ..
تصدق امرؤ من ديناره .. من درهمه .. من بره .. من شعيره .. ولا يحقرن أحدكم شيئاً من الصدقة .. وجعل يعدد أنواع الصدقات حتى قال :
ولو بشق تمرة ..
فقام رجل من الأنصار بصرة في كفه .. فناولها رسول الله r وهو على منبره ..
فقبضها رسول الله r يعرف السرور في وجهه ..
وقال : من سن سنة حسنة .. فعمل بها كان له أجرها .. ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيء ..
ومن سن سنة سيئة .. فعمل بها .. كان عليه وزرها .. ومثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيء ..
فقام الناس .. فتفرقوا إلى بيوتهم .. وجاءوا بصدقات .. فمن ذي دينار .. ومن ذي درهم ..
ومن ذي تمر .. ومن ذي ثياب ..
حتى اجتمع بين يديه r كومان .. كوم من طعام .. وكوم من ثياب ..
فلما رأى r ذلك تهلل وجهه حتى كأنه فلقة من قمر ..
ثم قسمه بين الفقراء .. رواه مسلم ..
ولما سئلت عائشة عن حاله  في بيته .. قالت :
كان يكون في حاجة أهله .. أو في مهنة أهله ..
أفلا تجعل من طرق دخولك إلى قلوب الناس .. قضاء حاجاتهم ..
احتاج شخص إلى مستشفى .. فأوصلته إليه ..
استعان بك في مشكلة فأعنته عليها ..
يراك تقضي حاجته .. وتقف معه في كربته .. وهو يعلم أنك لا ترجو من ذلك جزاء ولا شكوراً ..
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
فطالما استعبد الإنسان إحسان
رؤية ..
من عاش لغيره فسيعيش متعباً .. لكنه سيحيا كبيراً .. ويموت كبيراً ..

فرنسا على كرسي الاعتراف ..

كاتب الموضوع الأصلي: علي الشرهان 344

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
فرنسا على كرسي الاعتراف ..

بقلم/ ممدوح الشيخ

الدول أيضا أحيانا تكون في حاجة إلى “التطهر” (أو الكاثارسايز)، ولم يعد اعتراف دولة بالمسئولية عن خطأ في تاريخها ترفا معرفيا، من الاعتراف بمجازر الأرمن إلى الاعتراف بالهولوكوست، وتتزايد الأهمية النسبية لهذه القضايا ذات المغزى الإنساني والأخلاقي في العلاقات الدولية على نحو غير مسبوق، وهو ما يعني أن صفحة “تأليه الدولة” انطوت ربما إلى غير رجعة، فإعمال حق السيادة على نحو ما قد يكون موضع تجريم، من محاكمات نورمبرج إلى موجة المحاكمات الدولية السابقة والقائمة: قادة الخمير الحمر، والرئيس الصربي الراحل سلوبودان ميلوسيفيتش وقادة الميليشيات الصربية، والبقية تأتي.

ومؤخرا جلست فرنسا على كرسي الاعتراف مرتين خلال أيام قليلة لتعترف بالمسئولية عن واقعتين خطيرتين، الاعتراف الأول تضمنه حكم محكمة إدارية في فرنسا بأن الدولة كانت مسئولة عن ترحيل اليهود الفرنسيين أثناء الحرب العالمية الثانية. الحكم التاريخي يشير لواقعة اعتقال 76 ألف يهودي في فرنسا بين عامي 1942 و1944 نقلوا في أوضاع مزرية لمعتقلات النازي ولم يعد منهم سوى 3 آلاف. ويرسي حكم مجلس الدولة الهام اعترافا قانونيا بدور فرنسا في عمليات الترحيل.

وقد قالت المحكمة في بيان مكتوب: “مجلس الدولة يعترف بخطأ ومسؤولية الدولة.. ..وهذا الاضطهاد الذي يخالف تماما القيم والمبادئ… المتضمنة في إعلان حقوق الإنسان وتقاليد الجمهورية أوقع أضرارا غير عادية خطيرة للغاية”. ورأى مجلس الدولة أن: “الاعتقالات والاحتجاز والنقل إلى مخيمات العبور تمثل المرحلة الأولى قبل نقل المعتقلين إلى المخيمات حيث تمت إبادة أكثرهم”.

واعتبر المجلس الذي يعد أعلى سلطة قضائية إدارية في البلاد أن “مسؤولية” الدولة نابعة من الأضرار التي نجمت عن تصرفات سيئة، لم تأت تحت إكراه من المحتل، وسمحت أو سهلت نقل أشخاص – انطلاقا من فرنسا – كانوا ضحايا اضطهاد معاد للسامية.

والاعتراف ليس وليد الحقبة الساركوزية التي تشهد بالفعل تحولات نوعية في السياسة الفرنسية إذ كان الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك أول رئيس فرنسي يعترف بتواطؤ الدولة في الترحيل في خطبة تاريخية عام 1995 في تحول عن الجهود الماضية للنأي بفرنسا عن نظام فيشي المتعاون مع الألمان. وفتح اعتراف شيراك بتورط فرنسا الباب أمام أسر الضحايا. ومن التعليقات الموحية على هذا الحكم قول سيرجي كلارسفيلد وهو صائد نازيين فرنسي شهير: “فرنسا الآن تظهر نفسها على أنها قائد بين الدول التي تواجه ماضيها”.

الاعتراف الفرنسي الثاني خلال أيام معدودة كان الاعتراف بالمسئولية عن ضحايا التفجيرات النووية في الجزائر، وهو نشاط ظل ملفه سرا لسنوات، وفي العام 1997 أنشئت جمعية 13 فبراير 1960 برفان وهي الوحيدة محليا التي تحاول أن تجمع وتوثق حقائق هذه التجارب. ومؤخرا تحول الاعتراف بمأساة التفجيرات قانونا فرنسيا، وبدأت التفاصيل تخرج للنور. وتتداول ألسنة شهود التفجيرات قيام القوات الفرنسية قبل تفجير القنبلة بإحصاء المباني والسكان ونصحها هؤلاء السكان بالاحتماء بغطاء خارج ديارهم ووضع قلادات على رقابهم لقياس شدة الإشعاعات التي تعرضوا لها. وقد ذكر تقرير لمؤسسة جزائرية هي المركز الوطني للدراسات والبحث أن ضابطا فرنسيا هو الكولونيل بيكاردا اقترح على الحكومة الفرنسية استعمال 200 مجاهدا مسجونا قصد تعريضهم للإشاعات وإجراء اختبارات عليها. وفي صباح 13 فبراير 1960 وضعت القنبلة في أعلى برج معدني يرتفع على مستوى الأرض بـ 106 مترا ووضعت أيضا من حوله أبراج مختلفة تحمل كاميرات لتسجيل مختلف مراحل الانفجار والإشعاع الحراري الناتج عنه

وفي عام 2006 أقيمت في الجزائر ندوة لباحث فرنسي متخصص في التجارب النووية الفرنسية وجه فيها اتهاما خطيرا للحكومة الفرنسية حيث ذكر الباحث الفرنسي برينو باريلو أن الاستعمار الفرنسي استخدم 42 ألف جزائري “فئران تجارب” في تفجيرها أولى قنابلها النووية حيث فجرت القنبلة على سكان محليين وأسرى من جيش التحرير الجزائري، ما يمثل أقسى صور الإبادة والهمجية. وقد عرض باريلو صوراً لمجاهدين جزائريين مصلوبين يلبسون أزياء عسكرية مختلفة، وصوراً أخرى لحجم الدمار الذي أحدثته القنبلة على البيئة وما آلت إليه معدات عسكرية (طائرات ومدرّعات) كانت رابضة على مبعدة كيلومتر من مركز التفجير. وأوضح أنّ الفرنسيين تعمّدوا الإكثار من ضحايا التجريب وتنويع الألبسة، للوقوف على مستوى مقاومة البشر للإشعاعات النووية على مسافات مختلفة وما زالت معظم الصحراء الجزائرية متضررة من الإشعاعات النووية التي نشرتها الرياح.

وبدءا من العام 2006 وفي سابقة ملفتة أحيت الجزائر ذكرى التفجير ، فبعض الضحايا نظموا أنفسهم مطالبين بكشف الحقيقة وتقديم الاعتذار والتعويضات.

والعملية كان اسمها “اليربوع الأزرق” سرعان ما أصبح الحديث عن سلسلة تفجيرات انطوت على سلسلة من الجرائم، فقد أجرت فرنسا سلسلة تفجيرات متعددة الطاقات بدأتها باليربوع الأزرق بدأتها في فبراير 1960، وبلغ عددها 17 تفجيرا تراوحت طاقتها بين (7,3 – 127) كليوطن وبينها أربعة تفجيرات سطحية.

والاعتراف الفرنسي الخاص بالتفجيرات النووية في الجزائر أطلق سلسلة من الأعمال الوثائقية التي توثق الواقعة بتفاصيل مخيفة، وهذا الشهر عرض في فرنسا فيلم “اليربوع الأزرق” للمخرج الجزائري جمال وهاب ومدته 90 دقيقة، ويروي تفاصيل صادمة.

وهكذا تجلس فرنسا على كرسي الاعتراف لتقر بصفحات من تاريخها طالما جادلت عنها بعنف وتشددت في الإنكار، وأيا كانت الخسائر فإن الاعتراف بحد ذاته يستحق التحية التقدير، لكنه بالقدر نفسه يستحق التأمل، وبخاصة الاعتراف بأن فرنسا لم تكن مجبرة على المساهمة في تسهيل الهولوكوست وبأن الدافع لذلك كان “معاداة السامية”!

تتكلف ما لا تطيق !!

كاتب الموضوع الأصلي: اسماء القحطاني

تتكلف ما لا تطيق !!
كان صاحبي من خيار الناس .. خلقاً .. وديناً .. وعقلاً ..
كان إمام مسجد بجانب بيته ..
لكني كنت أسمع ذمه على ألسنة أناس كثيرين ..
كنت أتعجب من ذلك .. ولا أجد له جواباً ..
حتى جاءني يوماً جاره .. قال : يا شيخ .. صاحبك .. لا يصلي بنا .. ولا معنا !!
قلت : لم ؟!!
قال : لا أدري .. لكنه هو الإمام .. ومع ذلك يغيب كثييييراً عن المسجد ..
فجعلت ألتمس له الأعذار .. فقلت : لعله مشغول بأمر ضروري .. لعله غير موجود بالبيت ..
قال : يا شييييخ .. سيارته واقفة عند الباب .. وأنا متأكد أنه في بيته ..
جعلت أتقصى السبب لنصح صاحبي ..
حتى وجدت السبب ..
الرجل بحكم إمامته للمسجد ..
يأتي إليه الناس ويلتمسون منه الإعانة في حاجاتهم ..
هذا عليه دين يريد أن يبحث له عمن يسدده ..
وهذا متخرج من الثانوية ويريد شفاعة لدخول الجامعة ..
وهذا مريض يريد إعانته على دخول المستشفى الفلاني ..
وهذا عنده بنات كبار ويريد لهن أزواج ..
وهذا عليه أيجار لبيته لم يسدده ..
وهذا أعطاه ورقة استفتاء في طلاق ليذهب بها للمفتي العام ..
وهذا ..
وهو رجل عادي ليس له قدرات كبيرة ولا علاقات الواسعة .. ولا وجاهة متميّزة ..
وكان المسكين يغلبه الحياء والخجل من كل أحد .. فلا يقدر أن يعتذر من أحد أبداً ..
بل يأخذ معروض هذا ويعده بسداد دينه ..
ويكتب رقم هاتف الثاني .. ويعده أن يقبل في الجامعة ..
ويقول للثالث : تعال بعد يومين وتجد ورقة دخول المستشفى جاهزة ..
وهكذا دواليك ..
فيأتونه على الموعد .. ويعتذر .. ويعطيهم مواعيد أخرى ..
حتى صار يتهرب منهم .. ولا يرد على هاتفه .. بل وأحياناً لا يخرج من بيته ..!!
وصار من يلقاه منهم .. إن وجده .. يسبه ويصرخ به .. ويردد : طيب لماذا تعدني .. لماذا تجعلني أبني الآمال عليك ..
والثاني يقول : لم أكلم إلا أنت .. وتركت غيرك لما وعدتني ..
لما عرفت حاله .. أيقنت أنه حفر لنفسه حفرة .. ثم تردى فيها ..
سمعته مرة يعتذر من أحدهم .. ويقول :
آسف .. لم أستطع أن أفعل شيئاً في موضوعك ..
وذاك يقول بكل قوة : طيب أنت ضيعت الوقت عليَّ .. ليتك أخبرتني من قبل ..
تذكرت عندها قول الحكيم : الاعتذار في البداية خير من الاعتذار في النهاية ..
ما أجمل أن يعرف المرء قدراته .. ويتحرك في حدود الدائرة المرسومة حوله ..
ولقد جربت ذلك بنفسي ..
أذكر أني ألقيت محاضرة في أحد المجمعات العسكرية بالرياض ..
وبعدها جاءني أحدهم وقال : يا شيخ أريدك في موضوع ضروري جداً ..
قلت : تفضل .. ما هو ؟
قال : لا .. ما يصلح أن أذكره الآن .. لا بدّ أن أقابلك في وقت واسع ..
جعل يُعَظّم حجم الموضوع وأنا أستمع له بلطف .. لكني قد علمتني الحياة أن أكثر الناس يعطون الأمور أكبر من حجمها .. وصاحب الحاجة مجنون بها حتى تقضى ..
قال لي : أظن لك محاضرة غداً في مدينة كذا .. وهي مدينة على بعد 200كم من الرياض ..
قلت : صحيح ..
قال : سآتي إليك هناك .. وأقابلك بعد المحاضرة ..
تعجبت من حرصه ..
وفعلاً .. خرجت بعد المحاضرة فخرج الرجل وراءي مسعاً حافي القدمين .. يحمل ورقة صغيرة في يده ..
وقفت معه جانباً .. قلت : تفضل .. شكر الله حرصك .. ما حاجتك ؟
قال : يا شيخ .. عندي أخ يحمل الشهادة الابتدائية .. وأريدك أن تدبر له وظيفة ..
قلت : بس ؟!!
قال : بس ؟!!
كان الرجل متحمساً .. ومنظره يثير الشفقة .. ويبدو أن أخاه يمر بظروف صعبة فعلاً ..
أيقنت أني لو وعدته سأخلف .. فنحن في زمن لا يكاد حامل البكالوريوس أن يجد وظيفة .. فضلاً عن حامل الابتدائية .. وأنا أعرف حدود قدراتي ..
قلت : يا أخي .. والله أتمنى أن أساعدك .. وأخوك أخي .. وأنا أتألم له كما تتألم ..
لكني لا أستطيع مساعدتك أبداً .. أتمنى أن تتكرم عليَّ وتعفيني ..
قال : يا شيخ .. حاول ..
قلت : لاااا أقدر ..
فناولني الورقة التي في يده .. وقال : طيب .. يا شيخ خذ هذه الورقة فيها أرقام هواتفنا .. إذا وجدت له وظيفة فاتصل بنا ..
أدركت أنه يريد أن يربطني بحبل أمل .. وسيظل ينتظر الاتصال ..
فقلت : بل دع الورقة معك .. وخذ رقمي أنت .. وإن وجدت له وظيفة فاتصل بي .. لعلي أن أكتب لك شفاعة للمسئول فيها ..
سكت الرجل قليلاً .. انتظرت أن يودعني ..
لكني تفاجأت أنه قال لي : بيض الله وجهك .. والله يا شيخ .. سبق أن كلمت الأمير فلان في موضوع أخي منذ سنة .. فأخذ الورقة .. ولم يتصل بي إلى الآن ..
ومرة كلمت اللواء فلان .. فأخذ الورقة أيضاً .. ولم يتصل ولم يهتم .. هؤلاء أناس ما يهتمون بالضعفاء .. الله ينتقم منهم .. الله .. وبدأ يدعو عليهم ..
فقلت في نفسي .. الحمد لله .. لو أخذت الورقة لصرت ثالثهم ..
نعم .. الاعتذار في البداية خير من إخلاف الوعد ..
ما أجمل أن نكون صرحاء مع الآخرين .. عارفين لحدود قدراتنا ..
أحياناً عند خروجك من البيت .. تصرخ بك زوجتك ..
أحضر معك حليباً .. وسكراً .. وحفائظ .. وعشاء ..
فانتبه .. لا تردد : طيب .. طيب .. وإنما اصرخ بها أنت أيضاً وقل :
مااااااا أقدر .. !! فهي خير من الاعتذار عند العودة .. ضاق وقتي .. أقفلت المحلات .. نسيت ..
وكذلك مع زملائك .. وإخوانك ..
أرجو أن تكون الفكرة وصلت ..

تجربة ..
الاعتذار في البداية .. خير من الاعتذار في النهاية

أظنك .. تبتسم .. وتقول : المدير ..

كاتب الموضوع الأصلي: نجلاء المطيري

63. من ركل القطة ؟!
قبل أن تجيب على السؤال .. اسمع القصة كاملة ..
كان يعمل سكرتيراً لمدير سيء الأخلاق .. لا يطبق مهارة واحدة من مهارات التعامل مع الناس ..
كان هذا المدير يراكم الأعمال على نفسه .. ويحملها ما لا تطيق ..
صاح بسكرتيره يوماً .. فدخل ووقف بين يديه ..
قال : سَمْ .. تفضل ؟
صرخ به : اتصلت بهاتف مكتبك .. ولم ترد ..
قال : كنت في المكتب المجاور .. آسف ..
قال بضجر : كل مرة آسف .. آسف .. خذ هذه الأوراق .. ناولها لرئيس قسم الصيانة .. وعد بسرعة ..
مضى متضجراً .. وألقاها على مكتب رئيس قسم الصيانة .. وقال : لا تؤخرها علينا ..
قال : طيب ضعها بأسلوب مناسب ..
قال : مناسب .. غير مناسب .. المهم خلصها بسرعة ..
تشاتما .. حتى ارتفعت أصواتهما ..
ومضى السكرتير إلى مكتبه ..
بعد ساعتين أقبل أحد الموظفين الصغار في الصيانة .. إلى رئيسه وقال : سأذهب لأخذ أولادي من المدرسة وأعود ..
صرخ الرئيس : وأنت كل يوم تخرج ..
قال : هذا حالي من عشر سنوات .. أول مرة تعترض عليَّ ..
قال : أنت ما يصلح معك إلا العين الحمراء .. ارجع لمكتبك ..
مضى المسكين إلى مكتبه .. وتولى أحد المدرسين إيصالهم .. لما طال وقوفهم في الشمس ..
عاد هذا الموظف إلى بيته غاضباً .. فأقبل إليه ولده الصغير معه لعبة .. وقال :
بابا .. هذه أعطانيها المدرس لأنني ..
صاح به الأب : اذهب لأمك .. ودفعه بيده ..
مضى الطفل باكياً .. فأقبلت إليه قطته الجميلة تتمسح برجليه كالعادة .. فركلها برجله فضربت بالجدار ..
السؤال : من ركل القطة ؟
أظنك .. تبتسم .. وتقول : المدير ..
صحيح المدير ..
لماذا لا نتعلم فنَّ توزيع الأدوار ..
والأشياء التي لا نقدر عليها نقول بكل شجاعة .. هذه ليست في أيدينا .. لا نقدر ..
خاصة أن تصرفاتك قد يتعدى ضررها إلى أقوام لم يكونوا طرفاً في المشكلة أصلاً ..
وانتبه أن يستثيرك الآخرون .. ويحرجونك فتضطر لوعود .. قد لا تستطيع تنفيذها ..
انتقل معي إن شئت إلى المدينة .. وانظر إلى رسول الله e وقد جلس في مجلسه المبارك .. بعدما انتشر الدين .. ووُحِّد رب العالمين ..
جعل رؤساء القبائل يأتون إليه مذعنين مؤمنين .. ومنهم من كانوا يأتون صاغرين حاقدين ..
وفي يوم أقبل رئيس من رؤساء العرب .. له في قومه ملك ومنعه ..
أقبل عامر بن الطفيل .. وكان قومه يقولون له لما رأوا انتشار الإسلام : يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم .. وكان متكبراً كتغطرساً ..
فكان يقول لهم : والله لقد كنت أقسمت ألا أموت حتى تملِّكني العرب عليهم وتتبعَ عقبي .. فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش !!
ثم لما رأى تمكن الإسلام .. وانصياع الناس لرسول الله e .. ركب ناقته مع بعض أصحابه ومضى إلى رسول الله e ..
دخل المسجد على رسول الله e وهو بين أصحابه الكرام ..
فلما وقف بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام قال : يا محمد خالني .. أي قف معي على انفراد ..
وكان e حذراً من أمثال هؤلاء .. فقال : لا والله حتى تؤمن بالله وحده ..
فقال : يا محمد خالني ..
فأبى النبي e .. فلا زال يكرر .. يا محمد قم معي أكلمْك .. يا محمد قم معي أكلمْك ..
حتى قام معه رسول الله e .. فاجتر عامر إليه أحد أصحابه اسمه إربد .. وقال : إني سأشغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فاضربه بالسيف .. فجعل إربد يده على سيفه واستعد ..
فانفرد الاثنان إلى الجدار .. ووقف معهما رسول الله e يكلم عامراً .. وقبض أربد بيده على السيف .. فكلما أراد أن يسله يبست يده .. فلم يستطع سل السيف ..
وجعل عامر يشاغل رسول الله e .. وينظر إلى إربد .. وإربد جامد لا يتحرك ..
فالتفت e فرأى أربد وما يصنع ..
فقال : يا عامر بن الطفيل .. أسلم ..
فقال عامر : يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت ؟
فقال e لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم ..
قال عامر : أتجعل لي الملك من بعدك إن أسلمت ؟
لم يشأ النبي  أن يعد عامراً بوعد قد لا يتحقق ..
فكان صريحاً جريئاً معه .. وقال : ليس ذلك لك ولا لقومك ..
فخفف عامر الطلب قليلاً .. وقال : أسلم على أن لي الوبر ولك المدر .. أي أكون ملكاً على البادية وأنت على الحاضرة ..
فإذا به  .. أيضاً لا يريد أن يلزم نفسه بوعود .. لا يدري تتحقق أم لا .. فقال : لا ..
عندها غضب عامر وتغير وجهه .. وصاح بأعلى صوته :
والله يا محمد .. لأملأنها عليك خيلاً جرداً .. ورجالاً مرداً .. ولأربطن بكل نخلة فرساً ..
ولأغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء ..
ثم خرج يزبد ويرعد ..
فجعل  ينظر إليه وهو مولٍّ ..
ثم رفع e بصره إلى السماء وقال : اللهم اكفني عامراً .. واهْدِ قومه ..
خرج عامر مع أصحابه حتى إذا فارق المدينة .. تعب من المسير .. فصادف امرأة من قومه يقال لها سلولية وكانت في خيمة لها .. وكانت امرأة فاجرة .. يذمها الناس ويتهمون من دخل بيتها ..
فلم يجد مأوى آخر .. فنزل عن فرسه مضطراً ونام في بيتها ..
فاخذته غدة وانتفاخ في حلقه كما يظهر في أعناق الإبل فيقتلُها .. ففزع واضطرب ..
وجعل يتلمس الورم ويقول : غدة كغدة البعير .. وموت في بيت سلولية ..
أي : لا موت يشرّف .. ولا مكان يشرّف ..
كان يتمنى أن يموت في ساحة قتال .. بسيوف الأبطال .. فإذا به يموت بمرض حيوانات .. في بيت فاجرة !!
تباً .. للذل والمهانة ..
فأخذ يصيح بهم : قربوا فرسي ..
فقربوه .. فوثب على فرسه .. وأخذ رمحه .. وصار يجول به الفرس ..
وهو يصيح من شدة الألم .. ويتحسس عنقه بيده ويقول : غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية ..
فلم تزل تلك حاله يدور به فرسه .. حتى سقط عن فرسه ميتاً ..
تركه أصحابه .. ورجعوا إلى قومهم ..
فلما دخلوا ديارهم .. أقبل الناس إلى إربد يسألونه : ما وراءك يا أربد ؟
فقال : لا شيء .. والله لقد دعانا محمد إلى عبادة شيء .. لوددت لو أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله ..
فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له ليبيعه .. فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما ..
وأنزل الله عز وجل في حال عامر وأربد : ” اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ *
عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ *
سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ *
لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ *
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ *
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ *
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ” ..
نعم .. لا تلتزم إلا بما تثق أنه يمكنك الوفاء به .. بعون الله ..
قام  مرة خطيباً في الناس .. فتكلم عن الآخرة وأحوالها .. ثم صاح قائلاً : يا فاطمة بنت محمد .. سليني من مالي ما شئت .. فإني لا أغني عنك من الله شيئاً ..
وأخيراً ..
مع التأكيد على أهمية عدم الالتزام بالشيء إلا وأنت قادر عليه .. إلا أنه ينبغي عند الاعتذار أن نستعمل أسلوباً ذكياً ..
فمثلاً : جاء إليك لتبحث لأخيه عن وظيفة .. لأن أباك مسئول كبير .. أو أخاك .. أو أنت ..
فاعتذر بأسلوب يحفظ ماء وجهه ويجعله يشعر أنك تشاركه الهم .. قل – مثلاً – :
يا فلان .. أنا أشعر بمعاناتك .. وأخوك أعتبره أخي .. ولئن كان إخواني خمسة فهو السادس .. لكن المشكلة أنني لا أستطيع أن أفعل شيئاً الآن .. فاعذرني .. وأسأل الله أن يوفق أخاك ..
مع بتسامة لطيفة .. وتعبيرات وجه مناسبة ..
فكأنك بهذا الرد الجميل قضيت له ما يريد .. أليس كذلك ..؟
وجهة نظر ..
كن صريحاً مع نفسك .. جريئاً مع الناس .. واعرف قدراتك والتزم بحدودها ..

الـتـواضـع ..

كاتب الموضوع الأصلي: نجلاء المطيري

64. الـتـواضـع ..
كنت في مجلس فيه عدد من الوجهاء ..
فتحدث أحد من رآه استغنى ! وقال في أثناء حديثه :
.. ومررت بأحد العمال .. فمدّ يده ليصافحني .. فترددت ثم مددت يدي وصافحته ..
ثم قال : مع أني لا أعطي يدي لأي أحد ..
ما شاء الله يقول : لا أعطي يدي لأي أحد ..
أما رسول الله r .. فكانت الأمة المملوكة الضعيفة .. تلقاه في وسط الطريق .. فتشتكي إليه من ظلم أهلها .. أو كثرة شغلها .. فيجعل يده في يدها .. فينطلق معها إلى أهلها ليشفع لها ..
وكان يقول : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ..
كم سمعنا الناس يرددون : يا أخي .. فلان متكبر .. فلان “شايف نفسه ” ..
وتسأله : لماذا لم تستعن بجارك في كذا ؟ فيقول : فلان متكبر علينا .. ما يعطينا وجه !!
كم هم مبغوضون أولئك الذين يتكبرون على الناس .. ويعاملونهم باستعلاء ..
كم هو منبوذ .. ذاك الذي يطغى أن رآه استغنى ..
ذاك الذي يصعر خده للناس ويمشي في الأرض مرحاً ..
ذاك الذي يتكبر على العمال .. والخدام .. والفقراء ..
يتكبر عن محادثتهم .. ومصافحتهم .. ومجالستهم ..
لما دخل  مكة فاتحاً .. جعل يمر بطرقات مكة التي طالما أوذي فيها .. واستُهزئ به ..
كم سمع في طرقاتها .. يا مجنون .. ساحر .. كاهن .. كذاب ..
وهو اليوم يدخلها قائداً عزيزاً .. ممكناً .. قد أذل الله أهلها بين يديه ..
فكيف كان شعوره وهو داخل ؟
قال عبد الله بن أبي بكر :
لما وصل رسول الله  إلى ذي طوى .. وقف على راحلته معتجراً بقطعة برد حمراء ..
وأن رسول الله  ليضع رأسه تواضعاً لله .. حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح .. حتى إن عثنونه ( طرف لحيته ) ليكاد يمس واسطة الرحل ..
وقال أنس : دخل رسول الله  مكة يوم الفتح وذقنه على راحلته متخشعاً ..
وقال ابن مسعود : أقبل رجل إلى رسول الله  فكلمه في شيء .. فأخذته الرعدة ..
فقال  : هون عليك .. فإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد .. ( اللحم الـمجفف ) ..
وكان  يقول : أجلس كما يجلس العبد .. وآكل كما يأكل العبد ..
نعم ..
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر
على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تكُ كالدخان يعلو بنفسه
على طبقات الجوّ وهو رفيع
باختصار ..
من تواضع لله رفعه .. وما زاد الله عبداً بالتواضع إلا عزاً ..

العبادة الخفية ..

كاتب الموضوع الأصلي: نجلاء المطيري

65. العبادة الخفية ..
قبل عشر سنوات .. في أيام ربيع .. وفي ليلة باردة كنت في البر مع أصدقاء ..
تعطلت إحدى السيارات .. فاضطررنا إلى المبيت في العراء ..
أذكر أنا أشعلنا ناراً تحلقنا حولها .. وما أجمل أحاديث الشتاء في دفء النار ..
طال مجلسنا فلاحظت أحد الإخوة انسلَّ من بيننا ..
كان رجلاً صالحاً .. كانت له عبادات خفية ..
كنت أراه يتوجه إلى صلاة الجمعة مبكراً .. بل أحياناً وباب الجامع لم يفتح بعد ..!!
قام وأخذ إناءً من ماء ..
ظننت أنه ذهب ليقضي حاجته ..
أبطأ علينا .. فقمت أترقبه .. فرأيته بعيداً عنا .. قد لف جسده برداء من شدة البرد وهو ساجد على التراب .. في ظلمة .. يتملق ربه ويتحبب إليه ..
أيقنت أن لهذه العبادة الخفية .. عِزاً في الدنيا قبل الآخرة ..
مضت السنوات ..
وأعرفه اليوم .. قد وضع الله له القبول في الأرض ..
له مشاركات في الدعوة .. وهداية الناس ..
إذا مشى في السوق أو المسجد .. رأيت الصغار قبل الكبار يتسابقون إليه .. مصافحين .. ومحبين ..
كم يتمنى الكثيرون من تجار .. وأمراء .. ومشهورين .. أن ينالوا في قلوب الناس من المحبة مثل ما نال ..
ولكن هيهاااات ..
أأبيت سهران الدجى .. وتبيته *** نوماً ! وتبغي بعد ذاك لحاقي ؟
نعم .. ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُداً ) .. أي يجعل لهم محبة في قلوب الخلق ..
إذا أحبك الله جعل لك القبول في الأرض ..
قال e : إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل .. فقال :
إني قد أحببت فلاناً فأحبه ..
قال : فيحبه جبريل ..
ثم يُنادى في أهل السماء : إن الله يحب فلاناً فأحبوه ..
فيحبه أهل السماء ..
قال : ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض ..
فذلك قول الله ” إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدّاً ” ..
وإذا أبغض الله عبداً .. نادى جبريل : إني أبغضت فلاناً فأبغضه .. فيبغضه جبريل .. ثم يُنادى في أهل السماء : إن الله يبغض فلاناً فأبغضه ..
فيبغضه أهل السماء ..
ثم تنزل له البغضاء في الأرض .. ( ) ..
قال الزبير بن العوام  : من استطاع منكم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل ..
والعبادة الخفية أنواع ..
منها .. الحفاظ على صلاة الليل .. ولو ركعة واحدة وتراً كل ليلة .. تصليها بعد العشاء مباشرة .. أو قبل أن تنام .. أو قبل الفجر .. لتكتب عند الله من قوام الليل ..
قال  : إن الله وتر يحب الوتر .. فأوتروا يا أهل القرآن ..
ومنها .. السعي في الإصلاح بين الناس .. بين الزملاء المتخاصمين .. بين الجيران .. بين الزوجين ..
قال  : الا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة ؟
قالوا : بلى ..
قال : إصلاح ذات البين .. وفساد ذات البين هي الحالقة ( )
ومنها الإكثار من ذكر الله ..
فإن من أحب شيئاً أكثر من ذكره ..
وفي الحديث .. قال  : ألا أنبئكم بخير أعمالكم .. وأزكاها عند مليككم .. وأرفعها في درجاتكم .. وخير لكم من إعطاء الذهب والورق .. وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ..؟
قالوا : بلى .. وما ذاك يا رسول الله ؟
قال : ذكر الله عز وجل ( ) ..
ومنها .. صدقة السر .. فصدقة السرّ تطفئ غضب الرب ..
كان أبو بكر t إذا صلى الفجر خرج إلى الصحراء .. فاحتبس فيها شيئاً يسيراً .. ثم عاد إلى المدينة ..
فعجب عمر t من خروجه .. فتبعه يوماً خفية بعدما صلى الفجر ..
فإذا أبو بكر يخرج من المدينة ويأتي على خيمة قديمة في الصحراء .. فاختبأ له عمر خلف صخرة ..
فلبث أبو بكر في الخيمة شيئاً يسيراً .. ثم خرج ..
فخرج عمر من وراء صخرته ودخل الخيمة .. فإذا فيها امرأة ضعيفة عمياء .. وعندها صبية صغار ..
فسألها عمر : من هذا الذي يأتيكم ..
فقالت : لا أعرفه .. هذا رجل من المسلمين .. يأتينا كل صباح .. منذ كذا وكذا ..
قال فماذا يفعل : قالت : يكنس بيتنا .. ويعجن عجيننا .. ويحلب داجننا .. ثم يخرج ..
فخرج عمر وهو يقول : لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر .. لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر ..
* * * * * * * *
ولم يكن عمر t بعيداً في تعبده وإخلاصه عن أبي بكر ..
فقد رآه طلحة بن عبيد الله ..
خرج في سواد الليل .. فدخل بيتاً ثم .. خرج منه ودخل بيتاً آخر .. فعجب طلحة .. ماذا يفعل عمر في هذه البيوت !!
فلما أصبح طلحة ذهب إلى البيت الأول..فإذا عجوز عمياء مقعدة..
فقال لها : ما بال هذا الرجل يأتيك ؟
قالت : إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا .. يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى ..
فخرج طلحة وهو يقول: ثكلتك أمك يا طلحة..أعثراتُ عمرَ تتبع؟
* * * * * * * *
وخرج مرة t إلى ضواحي المدينة .. فإذا برجل عابر سبيل نازل وسط الطريق .. وقد نصب خيمة قديمة .. وقعد عند بابها .. مضطربَ الحال .. فسأله عمر : من الرجل ؟
قال : من أهل البادية .. جئت إلى أمير المؤمنين أصيب من فضله ..
فسمع عمر أنين امرأة داخل الخيمة .. فسأله عنه ؟
فقال : انطلق رحمك الله لحاجتك ..
قال عمر : هذا من حاجتي ..
فقال : امرأتي في الطلق – يعني تلد – وليس عندي مال ولا طعام ولا أحد ..
فرجع عمر إلى بيته سريعاً .. فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي : هل لك في خير ساقه الله إليك ؟
قالت : وما ذاك .. فأخبرها بخبر الرجل .. فحملت امرأته معها متاعاً .. وحمل هو جراباً فيه طعام .. وقدراً وحطباً .. ومضى إلى الرجل ..
ودخلت امرأة عمر على المرأة في خيمتها ..
وقعد هو عند الرجل .. فأشعل النار وأخذ ينفخ الحطب .. ويصنع الطعام .. والدخان يتخلل لحيته .. والرجل قاعد ينظر إليه ..
فبينما هو على ذلك .. إذ صاحت امرأته من داخل الخيمة .. يا أمير المؤمنين .. بشر صاحبك بغلام ..
فلما سمع الرجل .. أمير المؤمنين .. فزع وقال : أنت عمر بن الخطاب .. قال : نعم .. فاضطرب الرجل .. وجعل يتنحى عن عمر.. فقال له عمر : مكانك ..
ثم حمل عمر القدر .. وقربه إلى الخيمة وصاح بامرأته .. أشبعيها ..
فأكلت المرأة من الطعام .. ثم أخرجت باقي الطعام خارج الخيمة ..
فقام عمر فأخذه فوضعه بين يدي الرجل .. وقال له : كل .. فإنك قد سهرت من الليل ..
ثم نادى عمر امرأته فخرجت إليه ..
فقال للرجل : إذا كان من الغد .. فأتنا نأمر لك بما يصلحك ..
* * * * * * * *
وكان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل .. فيتصدق بها..ويقول : إن صدقة السر تطفىء غضب الرب ..
فلما مات وجدوا في ظهره آثار سواد .. فقالوا : هذا ظهر حمال .. وما علمناه اشتغل حمالاً ..
فانقطع الطعام عن مائة بيت في المدينة .. من بيوت الأرامل والأيتام .. كان يأتيهم طعامهم بالليل .. لا يدرون من يحضره إليهم .. فعلموا أنه الذي ينفق عليهم ..
وصام أحد السلف عشرين سنة .. يصوم يوماً ويفطر يوماً .. وأهله لا يدرون عنه .. كان له دكان يخرج إليه إذا طلعت الشمس ويأخذ معه فطوره وغداءه .. فإذا كان يوم صومه تصدق بالطعام .. وإذا كان يوم فطره أكله ..
فإذا غربت الشمس .. رجع إلى أهله وتعشى معهم ..
نعم .. كانوا يستشعرون العبودية لله في جميع أحوالهم ..
هم المتقون .. والله يقول : } إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا * جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا { ..
فاطلب محبة الخالق .. وهو يتكفل بزرع محبتك في قلوب خلقه ..

إضاءة ..
ليس الغاية أن تكون ظواهر الآخرين تحبك .. إنما الغاية أن تحبك بواطنهم أيضاً

أخرجهم من الحفرة ..

كاتب الموضوع الأصلي: نجلاء المطيري

66. أخرجهم من الحفرة ..
ألم يقع مرة أن أحرجك شخص في مجلس عام بكلمة جارحة ..
أو ربما سخر منك .. بأي شيء وإن كان صغيراً .. بلباسك أو كلامك .. أو أسلوبك ..
فدافع عنك شخص ما .. فشعرت بامتنان عظيم له .. لأنه كأنما أمسك بطرف ثوبك عندما دفعك غيرك إلى هاوية ..
مارس هذه المهارة مع الآخرين .. وسترى لها تأثيراً ساحراً ..
لو دخلت على شخص وأقبل ولده يحمل طبقاً في طعام .. لكنه استعجل قليلاً .. فكاد أن يقع الطبق على الأرض .. فانطلق الأب عليه ثائراً .. لماذا العجلة ؟ كم مرة أعلمك ؟ ..
فاحمرَّ وجه الولد واصفرَّ ..
فقلت أنت : لا .. بل فلان بطل .. رجُل .. ما شاء الله عليه يحمل كل هذا لوحده .. ولعله استعجل لأن فيه أغراض أخرى أيضاً ..
أي امتنان سيشعر به الغلام لك ..
هذا مع الصغار .. فما بالك مع الكبار ..
لو أثنيت على زميل في اجتماع .. بعدما صبوا عليه وابلاً من اللوم ..
أو أثنيت على أحد إخوانك .. بعدما انكب الإراد الأسرة عليه معاتبين ..
شاب أحرجه شخص بسؤال أمام الناس : بَشَّرْ يا فلان .. كم نسبتك في الجامعة ؟!
بالله عليك .. هل هذا سؤال يسأله عاقل أمام الناس ؟!!
فانقلب وجه الشاب متلوناً .. فأنقذته قائلاً بلطف : ليش يا أبا فلان .. ستزوجه ؟!! أو عندك وظيفة له ؟ أو ..
فضحكوا ونُسي السؤال ..
أو لو عاتبه على دنوِّ معدله الدراسي .. فقلت : يا أخي لا تلمه .. تخصصه صعب .. لكن سيشد حيله إن شاء الله ..
كسب محبة الناس فرص يقتنصها الأذكياء ..
إذا هبت رياحك فاغتنمها *** فإن لكل خافقة سكون
كان عبد الله بن مسعود t .. يمشي مع النبي r ..
فمرا بشجرة فأمره النبي أن يصعدها ويحتزَّ له عوداً يتسوك به ..
فرقى ابن مسعود وكان خفيفاً .. نحيل الجسم .. فأخذ يعالج العود لقطعه ..
فأتت الريح فحركت ثوبه وكشفت ساقيه .. فإذا هما ساقان دقيقتان صغيرتان ..
فضحك القوم من دقة ساقيه ..
فقال النبي r : ممّ تضحكون ؟! .. من دقة ساقيه ؟!
والذي نفسي بيده إنهما أثقل في الميزان من أحد .. ( )

وجهة نظر ..
كسب محبة الناس فرص يقتنصها الأذكياء ..

الاهتمام بالمظهر ..

كاتب الموضوع الأصلي: نجلاء المطيري

67. الاهتمام بالمظهر ..
كان أبو حنيفة جالساً يوماً بين طلابه في المسجد يدرس ..
وكان به ألم في ركبته .. وقد مد رجله .. واتكأ على جدار ..
في هذه الأثناء .. أقبل رجل عليه لباس حسن .. وعمامة حسنة .. ومظهر مهيب .. كان وقوراً في مشيته .. جليلاً في خطوته ..
أفسح له لطلاب حتى جلس بجانب أبي حنيفة ..
فلما رأى ابو حنيفة مظهره .. ورزانته .. ورتابة هيئته ,, استحى من طريقة جلسته وثنى رجله .. وتحمل ألم ركبته لأجله ..
استمر أبو حنيفة في درسه والرجل يسمع ..
فلما انتهى من الدرس ..
بدأ الطلاب يسألون .. فرفع ذلك الرجل يده ليسأل ..
التفت إليه الشيخ .. وقال : ما سؤالك ؟
فقال : يا شيخ .. متى وقت صلاة المغرب ؟
قال : إذا غربت الشمس .. !!
قال : وإذا جاء الليل والشمس لم تغرب .. فماذا نفعل ؟!
فقال أبو حنيفة : آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه .. ومد رجله كما كانت ..
وسكت عن هذا السؤال المتناقض !!.. إذ كيف يأتي الليل والشمس لم تغرب ؟!!
يقولون إن النظرة الأولى إليك تكوِّن في ذهن المقابل أكثر من 70% من تصوره عنك ..
ويبدو أنه عند التأمل ستجد أن النظرة الأولى تكون أكثر من 95% عنك .. حتى تتكلم .. أو تعرِّف بنفسك ..
ولو مشيت في ممر في مستشفى أو شركة وبجانبك شخص عليه ثياب حسنة .. وعليه وقار في مشيته .. لرأيت أنك – ربما لا شعورياً – إذا وصلت إلى باب في الممر التفتَّ إليه وقلت له : تفضل .. طال عمرك !!
ولو ركبت سيارة أحد أصدقائك فرأيتها فوضى .. هنا فردة حذاء مرمي .. وهنا روق شاورما .. وهما منديل .. وأشرطة كاسيت متناثرة ..
لكونت فكرة عن الشخص مباشرة أنه فوضوي .. غير مبال بالترتيب ..
وكذلك في لباس الناس .. ومظهرهم العام ..
والذي أعنيه هنا هو الاهتمام بالمظهر لا الإسراف في اللباس أو السيارة .. أو الأثاث .. أوغيرها ..
كان رسول الله  يعتني بهذه النواحي كثيراً ..
فكان له حلة حسنة يلبسها في العيدين والجمعة ..
وكانت له حلة يلبسها في استقبال الوفود ..
كان يعتني بمظهره ورائحته ..
وكان يحب الطيب ..
قال أنس  : كان رسول الله r .. أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ .. إذا مشا تكفأ ..
وما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله r ..
ولا شممت مسكاً ولا عنبراً أطيب من رائحة النبي r .. وكانت يدُه مطيبةً كأنما أخرجت من جؤنة عطار ..
وكان r .. يعرف بريح الطيب إذا أقبل ..
وقال أنس  ( كان رسول الله r لا يرد الطيب ) ..
قال أنس : ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف رسول الله  ..
وكان r أحسن الناس وجهاً .. كان وجهه مستنيراً كالشمس ..
وكان إذا سُرّ استنـار وجهه .. حتى كأن وجهه قطعة قمر ..
قال جابر بن سمرة رأيت رسول الله r في ليلة مضيئة مقمرة ..
فجعلت أنظر إلى رسول الله r وإلى القمر .. وعليه حلة حمراء .. فإذا هو عندي أحسن من القمر ..
وكان يأمر المسلمين بذلك يأمر المسلمين بمراعاة المظهر ..
عن أبي الأحوص عن أبيه  .. قال : أتيت النبي r وعليّ ثوب دون ( أي ردئ ) ..
فقال r : ألك مال ؟ قلت : نعم ..
قال : من أي المال ؟ قلت : من الإبل والبقر والغنم والخيل والرقيق ..
فقال r : فإذا آتاك الله مالاً .. فلُيرَ أثرُ نعمة الله عليك وكرامتِه ..
وقال r : ( من أنعم الله عليه نعمة .. فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ) .
وعن جابر بن عبدالله  قال :
أتانا رسول الله r .. زائراً في منزلنا فرأى رجلاً شعثاً قد تفرق شعره ..
فقال : أما كان يجد هذا ما يُسكن به شعره ؟
ورأى رجلاً آخر وعليه ثياب وسخة فقال : أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه ؟ ..
وقال : ( من كان له شعر فليكرمه ) ..
وكان يحرّص على حسن السمت .. وجمال الشكل .. واللباس .. وطيب الرائحة ..
وكان يردد في الناس قائلاً : ( إن الله جميل يحب الجمال ) ( ) ..

الصدق ..[

كاتب الموضوع الأصلي: نجلاء المطيري

68. الصدق ..
أذكر أني كنت أراقب على الطلاب يوماً في قاعة الامتحان .. وكان الامتحان يوم خميس .. ومع أن يوم الخميس هو إجازة أصلاً إلا أننا اضطررنا أن نجعل فيه امتحاناً لزحمة المواد ..
بعد مضي ربع ساعة من بداية الامتحان .. أقبل أحد الطلاب متأخراً .. كان المسكين يبدو عليه الاضطراب الشديد ..
قلت له : عفواً .. أتيت متأخراً ولن أسمح لك بدخول الامتحان ..
فبدأ يرجوني أن أسمح له ..
قلت : ما الذي أخرك ؟!
قال : والله يا دكتور .. راحت علي نومة !!
أعجبني صدقه .. وقلت تفضل .. فدخل وامتحن ..
بعده بدقائق أقبل طالب آخر .. قلت : ما أخرك ؟
قال : يا دكتور والله الطريق زححححمة .. تعرف الناس في الصباح طالعين لدواماتهم .. هذا رايح جامعته .. وهذا لشركته .. وهذا ..
وجعل يعدد عليَّ ليقنعني أن الطريق زحمة ..
ونسي المسكين أن اليوم إجازة للموظفين .. وربما ليس في الطرق إلا طلابنا !!
قلت له : يعني الشوارع زحمة .. والسيارات تملأ الطرق ؟
قال : إي والله يا دكتور كأنك ترى ..
قلت : يا شاطر !! إذا أردت أن تكذب فاضبط الكذبة .. يا أخي اليوم خمييييس .. يعني ما فيه دوامات .. من أين جاءت الزحمة ؟!!
قال : آه يا دكتور .. نسيت .. ” بنشر علي الكفر ” .. أي تعطلت إحدى إطارات السيارة فوقف لإصلاحها ..!!
كان المسكين مضطرباً متورطاً .. فضحكت ودخل ليمتحن ..
نعم .. ما أقبح أن يكتشف الناس أنك تكذب عليهم ..
الكذب ينفر الناس عنك .. ويفقدك المصداقية عندهم ..
ويجعلهم لا يثقون فيك ..
فلو وقعت لأحدهم مشكلة .. فلن يشكوها إليك ..
ولو تكلمت بشيء لن يسمعوه بتقبل ..
قال  : يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ( )
وسئل  .. فقيل له : يا رسول الله .. أيكون المؤمن جباناً ؟
فقال : نعم ..
فقيل : أيكون المؤمن بخيلاً ؟
فقال : نعم ..
فقيل : أيكون المؤمن كذاباً ؟
فقال : لا .. ( )
وقال عبد الله بن عامر  :
دعتني أمي يوماً .. ورسول الله  قاعد في بيتنا .. فقالت :
ها .. تعال أعطيك ..
فقال لها رسول الله  : وما أردت أن تعطيه ؟
قالت : أعطيه تمراً ..
فقال لها : أما إنك لو لم تعطيه شيئاً .. كتبت عليك كذبة ( )
وكان  إذا اطلع على أحد من أهل بيته كذب كذبة .. لم يزل معرضاً عنه ..
في كثير من الأحيان يندفع بعض الناس إلى الكذب .. لأجل إظهار أنفسهم بصورة أكبر من الحقيقة ..
فتجده يكذب في بطولات يؤلفها .. ومواقف يخترعها ..
أو يزيد في القصص .. ليملّحها ..
أو يدعي أشياء عنده .. وهو كاذب .. فيتشبع بما لم يعط ..
أو تجد الكذاب يعد ويخلف ..
أو يتورط بأمور .. فيختلق أعذاراً متنوعة .. وسرعان ما يكتشف الناس كذبه فيها ..
وقف أحد العلماء أمام السلطان .. فشهد على شيء ..
فقال السلطان : كذبت ..
فصاح العالم : أعوذ بالله .. والله لو نادى منادٍ من السماء : إن الله أحلَّ الكذب .. لما كذبت .. فكيف وهو حرام !!