أ.د. أحمد محمد وهبان

معاهدة فرساي

كاتب الموضوع الأصلي: سليمان الفراج 3332

معاهدة فرساي هي المعاهدة التي أسدلت الستار بصورة رسمية على وقائع الحرب العالمية الأولى. وتم التوقيع على المعاهدة بعد مفاوضات استمرت 6 أشهر بعد مؤتمر باريس للسلام عام 1919. وقّع الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى من جانب اتفاقيات منفصلة مع القوى المركزية الخاسرة في الحرب (الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية والدولة العثمانية وبلغاريا). تم توقيع الاتفاقيات في 28 يونيو 1919. وتم تعديل المعاهدة فيما بعد في 10 يناير 1920 لتتضمّن الاعتراف الألماني بمسؤولية الحرب ويترتب على ألمانيا تعويض الأطراف المتضرّرة مالياً. وسمّيت بمعاهدة فيرساي تيمناً بالمكان الجغرافي الذي تمّ فيه توقيع المعاهدة وهو قصر فرساي الفرنسي.
تمخّضت الاتفاقية عن تأسيس عصبة الأمم التي يرجع الهدف إلى تأسيسها للحيلولة دون وقوع صراع مسلّح بين الدول كالذي حدث في الحرب العالمية الأولى ونزع فتيل الصراعات الدولية. أدت الاتفاقية إلى خسارة ألمانيا بعض أراضيها ومستعمراتها لصالح أطراف أخرى، ومن تلك الأراضي الألمانية مقاطعة “شاندونغ” الصينية التي آلت إلى اليابان عوضاً عن الصين مما تسببت بالقلاقل في الصين وتسيير المظاهرات الاحتجاجية. خسرت الدولة العثمانية أيضاً أراض واسعة في أوروبا وآسيا وانتهت كإمبراطورية.
وفيما يتعلق بالقيود العسكرية على ألمانيا، فقد نصّت الاتفاقية أشد الضوابط والقيود على الآلة العسكرية الألمانية لكي لايتمكن الألمان من إشعال حرب ثانية كالحرب العالمية الأولى، فقد نصّت على التجريد العسكري للجيش الألماني والإبقاء على 100،000 جندي فقط وإلغاء نظام التجنيد الإلزامي الذي كان يعمل به في ألمانيا. ولا تستطيع ألمانيا إنشاء قوة جوية والتقيد بـ 15،000 جندي للبحرية بالإضافة إلى حفنة من السفن الحربية بدون غواصات حربية. ولا يحق للجنود البقاء في الجيش أكثر من 12 عاماً وفيما يتعلّق بالضبّاط، فأقصى مدّة يستطيعون قضاءها في الجيش هي 25 عاماً لكي يصبح الجيش الألماني خالياً من الكفاءات العسكرية المدرّبة ذات الخبرة.
ونصّت الفقرة 232 من المعاهدة على تحمّل ألمانيا مسؤولية الحرب وتقديم التعويضات للأطراف المتضرّرة وحددت التعويضات بـ 269 مليار مارك ألماني وخفّض هذا المبلغ ليصبح 132 مليار مارك، ويفيد الاقتصاديون أنه بالرغم من تخفيض الرقم الكلي لتعويضات الأطراف المتضرّرة، إلا أنه يبقى مبالغاً فيه. أثقلت الديون الملقاة على عاتق ألمانيا من عجلة الاقتصاد الألماني مما سبب درجة عالية من الامتعاض الذي أدى إلى إشعال الحرب العالمية الثانية على يد المستشار الألماني أدولف هتلر.

التاريخ الاسلامي و الدبلوماسي لمدينة القيروان

كاتب الموضوع الأصلي: محمد زهيرر الادريسي

بالمغرب العربى

رحلتنا اليوم فى مدينة من أقدم وأهم المدن الإسلامية، هيا بنا إلى مدينة القيروان التى تعد المدينة الإسلامية الأولى في منطقة المغرب ويعتبر إنشاء مدينة القيروان بداية تاريخ الحضارة العربية الإسلامية في المغرب العربي، وقد لعبت القيروان دورين هامين في آن واحد، هما، الجهاد والدعوة، فبينما كانت الجيوش تخرج منها للغزو والفتح، كان الفقهاء يخرجون منها لينتشروا بين البلاد يعلِّمون العربية وينشرون الإسلام.
وهي بذلك تحمل في كلّ شبر من أرضها عطر مجد شامخ وإرثاً عريقاً يؤكده تاريخها الزّاهر ومعالمها الباقية التي تمثل مراحل هامة من التاريخ العربي الإسلامي، وقد بقيت القيروان حوالي أربعة قرون عاصمة الإسلام الأولى لإفريقيا والأندلس ومركزاً حربيّاً للجيوش الإسلامية ونقطة ارتكاز رئيسية لإشاعة اللغة العربية.
وعندما تذكر القيروان يذكر القائد العربي الكبير عقبة بن نافع وقولته الشهيرة عندما بلغ في فتوحاته المحيط الأطلسي وهو يرفع يده إلى السماء ويصرخ بأعلى صوته، “اللهم اشهد أني بلّغت المجهود ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحد من دونك”.
تقع القيروان في تونس على بُعد 156 كم من العاصمة تونس، 
وكلمة القيروان كلمة فارسية دخلت إلى العربية، وتعني مكان السلاح ومحط الجيش أو استراحة القافلة وموضع اجتماع الناس في الحرب.
وهيا بنا نتحدث عن اختيار موقع القيروان، يعود تاريخ القيروان إلى عام 50هـ ،670 م، عندما قام بإنشائها عقبة بن نافع، وكان هدفه من هذا البناء أن يستقر بها المسلمون، إذ كان يخشى إن رجع المسلمون عن أهل إفريقيا أن يعودوا إلى دينهم.
وقد جمع عقبة بن نافع بعد وانتهائه من بناء مدينة القيروان وجوه أصحابه وأهل العسكر فدار بهم حول مدينة القيروان، وأقبل يدعو لها ويقول في دعائه، اللهم املأها علماً وفقهاً، وأعمرها بالمطيعين والعابدين، واجعلها عزاً لدينك وذلاً لمن كفر بك، وأعز بها الإسلام. 
وعندما أرسى عقبة بن نافع قواعد مدينته الجديدة، لم يكن يعرف وهو يدعو ربّه ليمنعها من جبابرة الأرض ويملأها فقهاً وعلماً ويجعلها عزّاً للإسلام أيّ مصير تخبِّئه لها الأيام، إلا أنه استراتيجياً كان موفَّقاً في اختياره، فالقيروان توجد على مسيرة يوم من البحر الذي كان البيزنطيون يسيطرون على عبابه، وهي تبعد بمثل ذلك عن الجبال، حيث كانت آنذاك تعتصم القبائل البربرية المناوئة للإسلام، وتمثل القاعدة المحدثة رأس الحربة وسط خط المواجهة المتخذ بين المسلمين والبيزنطيين، بعد انهزام ملكهم جرجير في سبيطلة أمام جيوش معاوية بن حديج سنة 45هـ ، 665م وتراجع سلطانهم وانحصاره في شمال البلاد.
وإلى جانب كل هذا فالقيروان في منبسط من الأرض مديد يسمح باستنفار الفرسان في غير صعوبة، وقد كانت الخيل قوام جيش المسلمين في جُلّ معاركهم وحروبهم المصيرية، وقد راعى عقبة في اختياره لموقع مدينته الجديدة تقريبها من السبخة حتى يوفّر ما تحتاجه الإبل من المراعي، وتسمية القيروان تستجيب للغرض الأصلي من تأسيسها فهي كلمة معرَّبة عن اللغة الفارسية وتعني المعسكر أو القافلة أو محط أثقال الجيش.
ولا ريب أن مختلف الحملات والغزوات التي سبقت بناء القيروان كانت تمر بالموقع، وتتّفق المصادر على أن معاوية بن حديج قد عسكر خلال إحدى حملاته الثلاث على إفريقيّة بالموضع المعروف بالقرن على بعد عشرة كيلومترات شمال غربي القيروان، كما تذكر كتب الطبقات أن الصحابي أبا زمعة البلوي قد استشهد خلال غزوة معاوية بن حديج الأولى العام 34هـ ، 654م وهو محاصر لجلولة، فأُخذ ودُفن بموضع القيروان.
أما عن المكانة العلمية للقيروان، فقد كانت أولى المراكز العلمية في المغرب يليها قرطبة في الأندلس ثم فاس في المغرب الأقصى ولقد قصدها أبناء المغرب وغيرها من البلاد المجاورة، وكان مسجد عقبة الجامع ومعه بقية مساجد القيروان تعقد فيه حلقات للتدريس وأنشئت مدارس جامعة أطلقوا عليها “دور الحكمة”، واستقدم لها العلماء والفقهاء ورجال الدعوة من الشرق فكانت هذه المدارس وما اقترن به إنشاؤها من انصراف القائمين عليها للدرس والبحث عاملاً في رفع شأن لغة القرآن الكريم لغة العرب وثقافتهم.

الدبلوماسية في العصور القديمة

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الشعلان333

أولا- العصور القديمة
1. الفراعنة وجيرانهم
تدل رسائل تل العمارنة التي اكتشفت في مصر على ان المصريين القدامى وجيرانهم البابليين عرفوا الدبلوماسية والسياسة الخارجية والتحالفات وغيرها من المفاهيم المتداولة اليوم. فقد كتب امنوحتب الثالث فرعون مصر إلى ملك بابل كاداش مان انليل (1374-1360 ق. م) يخطب ابنته كنوع من تجديد التحالف بين الإمبراطوريتين. لكن كاداش مان وقبل ان يستجيب إلى طلب الفرعون قرر إرسال وفد لتفقد أحوال أخته التي كان قد تم زواجها إلى الفرعون في عهد أبيه. وقد ذهب الوفد ثم عاد بخفي حنين حيث لم يتمكن من رؤية الأميرة مما زاد الشكوك حول مصير الأميرة البابلية. ولذلك رد كاداش مان على الفرعون شاكيا من عدم سماع خبر عن أخته وعدم قيامها بإرسال الهدايا مع الوفد الذي أرسله كما تفعل أميرات بابل في البلاد الأخرى .
لكن امنوحتب رد على ملك بابل ملقيا اللوم على الدبلوماسيين البابليين غير الأكفاء الذين لم يكونوا من وجهة نظره مؤهلين للمهمة التي أرسلوا من اجلها. “هل سبق فعلا وان أرسلت وفدا من قبلك قادر على التعرف على شقيقتك والتحدث معها؟” تساءل الفرعون. ثم أضاف “ان من أرسلت هم لا أحد.” ويبدو من تعبير امنوحتب ان الوفد الذي أرسله ملك بابل ربما لم يكن على مستوى التمثيل المطلوب أو لم يكن من الشخصيات التي لها مكانتها وان الفرعون قد شعر بالإهانة بسبب ذلك ولذلك لم يسمح لهم بمقابلة الأميرة البابلية. أما سبب عدم إرسال الأميرة البابلية للهدايا فقد برره الفرعون بلوم دبلوماسي بابل أيضا الذي قال الفرعون ان لهم تاريخ معروف من سرقة الهدايا وعدم إيصالها إلى الملك.

2. الصينيون

اتبع الصينيون القدامى سياسة انعزالية جسدها بنائهم لسور الصين العظيم الذي يصل طوله إلى 2150 ميلا وانعكست سياسة العزلة من الخارج على سياسات الداخل. فقد سكنت أسرة منج مثلا وهي إحدى الأسر التي حكمت الصين ” المدينة المحرمة” والتي لم يكن يسمح للناس العاديين دخولها.

3. الهندوس

عرفوا أهمية الدبلوماسية في السلم والحرب

ثانيا- العصور اليوناني

1. عوامل تطور الدبلوماسية
o ظهور النقود (ابتداء من القرن 6 ق م) بما أدت إليه من تجريد لثمن السلع والخدمات وما ترتب على ذلك من تطور في التفكير التجريدي وفي التجارة وفي السياسة. وقد استخدمت اثيناء الدرهم والذي كان في أهميته يشبه الدولار اليوم
o تبني الأحرف الفينيقية في كتابة اليونانية ابتداء من 750 ق. م
o ازدهار التجارة: تحكمت الدول بتجارة الحبوب فقط
o تطور ثقافي وسياسي
o ظهور المدن الدول التي تتساوى في السيادة وتتباين في القوة ابتداء من القر ن الثامن قبل الميلاد
o ظهور المستعمرات في سواحل تركيا وشواطئ البحر الأسود لتصريف المنتجات، تخفيف الضغوط السكانية،
o ظهور الإمبراطورية الفارسية 540 ق. م كخطر مشترك ترتب عليه تحالف

2. التطورات التي شهدتها الدبلوماسية

o إرسال الرسل للتفاوض واشتراط ان يكون الرسول قوي الذاكرة جهور الصوت يملك قدرات خطابية
o العلاقات المستمرة ابتدءا من القرن الخامس قبل الميلاد
o المؤتمرات الدبلوماسية

ثالثا- العصر الروماني

بدأت في 510 ق م كجمهورية عسكرية في روما (تأسست المدينة في 625 ق م)، واتسمت بنزعتها العدوانية والتوسعية، وقد امتدت إلى الأراضي اليونانية فابتلعتها. ومن أشهر حكامها يوليوس قيصر Julius Caeser ثم تحولت إلى إمبراطورية في عام 27 ق. م وقد أقسمت بعد ذلك إلى قسمين: الإمبراطورية الشرقية والتي استمرت حتى عام 1453 وسقطت تحت وطأة الأتراك، والغربية وقد انتهت في عام 476

الدبلوماسية فى زمن الهيمنة الأمريكية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الشعلان333

إن الدبلوماسية الدولية فى هذه الفترة التى عرفت بكثافة استخدام مفاهيم جديدة على المجتمع الدولى، مثل دبلوماسية الشفافية، ودبلوماسية القبلات، ودبلوماسية زلة اللسان، ودبلوماسية الهاتف، ودبلوماسية التوبيخ وغيرها، فضلا عن تعزيز الاستخدام لمفاهيم وممارسات دبلوماسية عتيقة فى عالم دبلوماسية ما بعد سبتمبر 2001، خاصة دبلوماسية التحريض، ودبلوماسية الكذب، ودبلوماسية الملاحقة، ودبلوماسية نهب الثروات، ودبلوماسية الإهانة، ودبلوماسية التنصت. الخ ويرصد الكاتب محمد عبدالهادى ظاهرة الكذب فى عالم الدبلوماسية، ويرى أن أكبر أكذوبة عرفتها البشرية هى الأكاذيب المتلاحقة التى شنتها الإدارة الأمريكية لتبرير غزوها للعراق ويرى الكاتب أن أهم الأكاذيب التى عرفتها البشرية أيضا الأكذوبة التى رفعتها وروجت لها الحركة الصهيونية العالمية عن فلسطين ـ أرض بلا شعب لشعب بلا أرض ـ لتبرير احتلال فلسطين وإقامة دولة إسرائيل ومن أشهر الفضائح السياسية فى مجال الكذب كذبة العشرين من سبتمبر 2002، التى زعم فيها الرئيس الأمريكى جورج بوش الابن قدرة العراق على إنتاج أسلحة بيولوجية وكيماوية، كما أطلق بوش أيضا كذبة فى السابع من أكتوبر 2002، زاعما أن صدام لديه أسطول ضخم من الطائرات الموجهة عن بعد ويمكنه مهاجمة الولايات المتحدة وشهدت عملية التحضير لغزو العراق عشرات الأكاذيب التى شنتها الدبلوماسية الأمريكية والبريطانية لتبرير هذا الغزو ورغم زوال عصر الاستعمار، إلا أن دبلوماسية نهب ثروات الشعوب مازالت مستمرة ويرصد الكاتب هذه الظاهرة، فمازال رؤساء دول كما فى إفريقيا بالتعاون مع بنوك دولية فى سويسرا وفرنسا وبريطانيا يسرقون ثروات بلدانهم مثل الرئيس النيجيرى السابق سانى أباتشا (93 ـ 1998) الذى توفى فى ظروف غامضة وهذه هى الحال فى يوغوسلافيا فى عهد رئيسها سلوبودان ميلوسيفيتش ومن أبرز صور نهب ثروات الشعوب وبشكل دولى منظم ملف النفط مقابل الغذاء، الذى تورط فيه موظفون دوليون وشخصيات سياسية دولية فى الأمم المتحدة ودول أخرى وفى أثناء فترة الغزو الأمريكى للعراق، تمت سرقة المتحف الوطنى العراقى، وسرقة الآثار العراقية، وتقدر القطع التى سرقت خلال الأسبوع الأول من الاحتلال فقط بـ 170 ألف قطعة أثرية، ومازال جنود الاحتلال وعملاؤهم يسرقون نفط العراق وآثاره وتاريخه كما أصبحت الإهانة مفردة من مفردات السياسة الدولية على يد الدبلوماسية الأمريكية فى عهد الرئيس جورج بوش الابن منذ غزو أفغانستان وإنشاء سجون جوانتانامو وغزو العراق، وما تكشف بعدها من إهانات فظيعة للمعتقلين، وأشهرها ما حدث فى سجن أبوغريب بالعراق واتسمت الدبلوماسية الأمريكية فى مرحلة ما بعد الحادى عشر من سبتمبر 2001 باستخدام دبلوماسية الإهانة فى مواجهة الشعوب العربية والإسلامية، وأدت إلى موجة من العنصرية الجديدة عند الغرب ضد الإسلام والمسلمين والعرب، وكان أبرزها مؤخرا الرسوم التى أساءت للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ويرصد الكاتب دبلوماسية زلة اللسان التى اشتهرت بها الدبلوماسية الأمريكية فى مرحلة ما بعد الحادى عشر من سبتمبر، خاصة تلك التى تلفظ بها الرئيس الأمريكى جورج بوش الابن فى السابع عشر من سبتمبر 2001 عندما هدد بشن حرب صليبية طويلة الأمد ضد أعداء أمريكا لتخليص العالم من الأشرار، وما صرح به رئيس الوزراء الإيطالى عقب أحداث 11 سبتمبر، عندما قال إن الدين الإسلامى لا يحترم حقوق الإنسان، وإن الغرب سيهزم الإسلام وحضارته، والتى أثارت ردود فعل غاضبة فى العالمين العربى والإسلامى، إلا أن المقابل لهذه الأخطاء الفادحة غياب دبلوماسية الاعتذار الواضحة، وهو ما حدث فى نفس هاتين المناسبتين السابق ذكرهما، وما تكرر مع أحداث إساءة بعض الصحف الغربية للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، إذ لم تعتذر الدول الغربية بشكل واضح وصريح عن هذه الأخطاء وكما لم تعتذر أوروبا عن الحروب الصليبية وعن عهود الاستعمار، لم تعتذر الولايات المتحدة عن احتلالها للعراق أو لأحداث أبو غريب، كما لم تعتذر الدانمارك والنرويج والدول الغربية عن إساءتها للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وكثفت الإدارة الأمريكية من استخدام مصطلح دبلوماسية التوبيخ بديلا عن الاعتذار والتعويض عما ارتكبه جنودها ضد الأبرياء فى العراق وأفغانستان وجوانتانامو، عندما أعلن البنتاجون أنه وبخ الجنود المتورطين فى هذه الانتهاكات، ولطالما استخدمت الإدارة الأمريكية دبلوماسية التوبيخ فى إهانة سياسيين وقادة من دول صديقة لواشنطن ومن سمات دبلوماسية ما بعد 11 سبتمبر 2001 ـ كما يرصدها الكاتب ـ سقوط دبلوماسية التعويضات، حيث تنكر الدبلوماسية الأمريكية والغربية حق الشعب الفلسطينى فى التعويض وحقوق ضحايا غزو العراق وأفغانستان، وحقوق الشعوب التى استعمرت فى التعويض ومن سمات الدبلوماسية فى عهد الهيمنة الأمريكية بروز مصطلح دبلوماسية الملاحقة منذ أحداث يوغوسلافيا السابقة، وإقامة محاكمات دولية لمجرمى الحرب الذين تلاحقهم الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولى فى يوغوسلافيا السابقة ورواندا وبوروندى ومن سمات دبلوماسية ما بعد 11 سبتمبر 2001 تزايد استخدام الهاتف فى الاتصالات الدولية بين الرئيس الأمريكى جورج بوش ومسئولى إدارته، وبين زعماء وقادة سياسيين فى الدول الأخرى، عوضا عن الزيارات السياسية السابقة التى كان يقوم بها السياسيون الأمريكيون، والتى كانت توصف فى مرحلة سابقة بالزيارات المكوكية كما أدخلت الولايات المتحدة إلى عالم الدبلوماسية مفهوم “دبلوماسية التنصت” التى تقوم على أساس استخدام تكنولوجيا الاتصالات والأقمار الصناعية فى التجسس على مكالمات القادة السياسيين والزعماء فى الدول الأخرى، كما تزايدت فى فترة ما بعد ـ 11 سبتمبر 2001 دبلوماسية التسجيلات الصوتية والفيديو، وكان مخترع هذه الدبلوماسية زعيم تنظيم القاعدة بن لادن الذى استخدم هذه الأداة فى توجيه تهديداته إلى الغرب ومن المصطلحات الجديدة فى عالم الدبلوماسية فى عهد الهيمنة الأمريكية دبلوماسية “القبلات” التى اشتهرت بها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت، التى حرصت لأسباب سياسية وإعلامية على تقبيل أغلب المسئولين العرب الذين التقتهم، ومنهم عرفات، وآخر قبلة وجهتها أولبرايت كانت للسيد عمرو موسى عند استقباله لها فى مطار القاهرة فى يوليو 1999، فقد فوجئ الرجل بالسيدة أولبرايت تهبط سلم الطائرة، فاتحة ذراعيها ومعانقة له ثم قبلته، ووجه خطورة هذه القبلة هو ضرب الصورة الذهنية لدى الرأى العام العربى والعالمى التى تأسست على أن موسى معارض للسياسة الأمريكية فى التعامل مع قضايا المنطقة ومن سمات دبلوماسية ما بعد 11 سبتمبر 2001.
كما يرى الكاتب تزايد ظاهرة دبلوماسية المصافحة، التى كان أشهرها تاريخيا مصافحة الرئيس السادات فى مطار بن جوريون لقادة إسرائيل فى مساء يوم 19 نوفمبر 1977، وهى المصافحة الأهم فى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ومن أبرز الدول التى استخدمت المصافحة، كوسيلة للتطبيع، إسرائيل التى يصر قادتها فى مختلف المناسبات على مصافحة المسئولين والقادة العرب الذين يتعمدون مقابلتهم أثناء المناسبات الدولية، ومنها المصافحة الشهيرة بين باراك وبوتفليقة وأهم الدول التى يتجنب ساستها بإصرار مصافحة الإسرائيليين هى سوريا التى تعتبر المصافحة ذات دلالات سياسية غير حقيقية.

بقلم مختار شعيب

دبلوماسية الخلفاء الراشدين

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الشعلان333

المقدمة :

جاء الإسلام ليكون دين الرحمة و العدل و الأخلاق الكاملة المتكاملة جاء ليحقق السعادة للإنسان في دنياه و آخرته ، جاء ليبين له الطريق القومي
و الصراط المستقيم المؤدي إلى الحق هادفاً من ذلك إلى سعادة الإنسان و تحقيق الرفاهية له .
فهو دين ينبذ القتال و الحرب و الفرقة و الخلاف و يدعو إلى السلم و الأمن و احترام حقوق الإنسان ، و لذلك القواعد و المبادىء النابعة من تعاليم القرآن الكريم و السنة النبوية المطهرة ، فقد أرسى
الإسلام قواعد تحدد للمسلم كيفية التعامل مع الأعداء قبل الأصدقاء ، قواعد المعاملة مع الأسرى و الجرحى و المحاربين . فهو يدعو إلى الجدال و التفاوض و الحوار بأحسن الطرق .

دبلوماسية الخلفاء الراشدين :
سار الخلفاء الراشدون عليهم رضوان الله على الطريق المستقيم الذي رسمه لهم محمد ( صلى الله عليه و سلم ) و ساروا أيضاً على خطاه في العمل الدبلوماسي الذي قام
على تفضيل السلم و نبذ الحرب و خصوصاً أن الدولة الإسلامية بدأت خطوات التوسع و الامتداد و الانتشار الذي كان لابد منه لتوصيل رسالة الإسلام إلى كل الناس لأنها رسالة عامة شاملة خاتمة للناس أجمعين .
وضع النبي ( عليه الصلاة و السلام ) القواعد الأساسية للدولة الجديدة و كان لزاماً على من جاء بعده من الخلفاء الراشدين الذين تربوا في مدرسته أن يكملوا البنيان و أن يعلوا الصرح
و أن يشيدوا دولة الحق و العدل و السلام .

سار أبو بكر بهدوئه و اتزانه و حكمته و سداد رأيه على منهج الرسول ( صلى الله عليه و سلم ) في منع الفتنة و حقن دماء المسلمين ، و خطب في الناس واضعاً
منهاجاً دبلوماسياً يتسم بالحكمة و الدهاء و الذكاء ( و هو استقامة ولي الامر تعني استقامة الرعية و إن حاد ولي الأمر عن الطريق وجب على الرعية الصالحة تقويم اعوجاجه و إصلاحه حيث يقول : أطيعوني ما أطعت
الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم … ) ، أليست هذه دبلوماسية بارعة ؟ فأي زعيم أو قائد يطلب من شعبه أن لا يطيعوه ، لو لا أنه يمتلك الثقة بنفسه بأنه قادر على إدارتهم و رعايتهم
بأحسن الطرق الدبلوماسية و افضل وسائل السياسة المرعية . هذا دهاء و هذه حكمة تدل على البراعة الدبلوماسية الهادئة المتزنة الواثقة من نفسها . لم يقاتل أبو بكر إلا عندما وجد أن الأمر تجاوز حدود الدبلوماسية
و ان مقتضيات وجود الدولة الإسلامية تفرض عليه إصلاح ما فسد من الأمر ، و تقويم اعوجاج من حاد عن الطريق بعد أن عرف الحق و اتبعه .

أما فاروق الحق الخليفة العادل عمر بن الخطاب فقد كان حازماً شديداً قوياً في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم عامل الناس بالعدل و المساواة
و رغم ذلك فقد كان دبلوماسياً بارعاً قاد بنفسه حركة الدبلوماسية التي ضرب فيها مثلاً لم يسجل له التاريخ شبيهاً ، عندما فتح القدس بنفسه ، جعل من ذاته رسولاً مبعوثاً ، سفيراً يفاوض
الناس و يعطيهم الأمان و يضرب مثلاً رائعاً في دبلوماسية التسامح و الحوار و التفاوض ليكون بذلك مثلاً لم يشابهه أحد في التاريخ ، ها هو يصل ماشياً
إلى القدس سفيراً متواضعاً ، يلبس ثوباً ممزقاً مرقعاً ، زهد في الدنيا رغم أنه امتلكها كلها و لكنه زهد الأتقياء و المؤمنين و الحاكم القدوة و المثل . ها هو يكتب عهداً
سجله التاريخ بحروف من نور ، ” عهده عمرية ” تعطي الأمان للسكان لأنفسهم و أموالهم و كنائسهم و صلبانهم و يكتب فيها عهداً اقتدى فيه برسول البشرية ، عهداً أن لا تهدم دور العبادة و لا ينتقص من خيرها و لا من
شيء من أموال أهلها ، و كتب لهم الأمان على انفسهم سواء بقوا فيها ( القدس ) أو غادرها …

أليست هذه مواثيق الإسلام الخالد و عهوده التي ليس فيها نقيض أو غدر أو خيانة ، هذه هي دبلوماسية الإسلام ، حفاظ على الوعد
و احترام للعهد و الميثاق ، دبلوماسية التفاوض و الحوار و الجدال بالتي هي أحسن .

سار عثمان بن عفان و علي بن أبي طالب ( رضي الله عنهما ) على نهج من سبقهم من الخلفاء الراشدين في التعامل مع الناس الإحسان و الرحمة و العطف و نبذ العنف
و القتل و الدمار كانت الخلافة الراشدة هي امتداد لعهد النبوة و ذلك لأن الخلفاء الراشدين اقتفوا أثر النبي (صلى الله عليه و سلم ) في كل صغيرة و كبيرة ، سواء على
المستوى الداخلي للدولة الإسلامية الفتية أو على المستوى الخارجي و علاقات هذه الدولة مع غيرها من دول الجوار ، بالإضافة إلى ما يستجد من ظروف محيطة قد تؤثر في مجريات الحياة في الدولة الإسلامية.

مراحل الدبلوماسية في الاسلام

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الشعلان333

الدبلوماسـية النبويـة:

بعد أن استقر النبي- صلى الله عليه وسلم -في المدينة المنورة وكوَّن الدولة الإسلامية، تصدَّى في خلال سنواتها الخمس الأولى للحملات العسكرية التي كانت تشنها قريش على المسلمين.
ثم بادر في السنة السادسة من الهجرة بالخروج إلى مكة لأداء العمرة مع ألف وأربعمائة من أصحابه، فصدته قريش عن دخول مكة، وأرسلت إليه وسطاء ورسلا حاولوا ثنيه عن دخول مكة، ومن هؤلاء: بديل بن ورقاء الخز اعي، ثم الحليس بن علقمة، ثم عروة بن مسعود الثقفي. وفشل هؤلاء الدبلوماسيون تباعا في تسوية الخلاف بين الطرفين وتقريب وجهتي نظريهما. فبعث النبي- صلى الله عليه وسلم -عثمان بن عفان سفيرا من طرفه إلى قريش، ليبلغهم أهداف هذه الرحلة الدينية التي جاء المسلمون من أجلها، وأنهم لا يريدون الحرب.
لكن قريشا احتبست عثمان عندها فشاع أنها قتلته، فأقبل الصحابة يبايعون النبي- صلى الله عليه وسلم -تحت الشجرة على قتال قريش حتى الموت؛ جرَّاء ما أشيع عن قتلها عثمان مبعوث المسلمين، وهتكها الأعراف الإنسانية الدبلوماسية في هذا الصدد.
ثم ما لبثت قريش أن أدركت حرج الموقف فأطلقت عثمان، وأرسلت سهيل بن عمرو مبعوثا جديدا، ففاوض النبي- صلى الله عليه وسلم -حتى تم الاتفاق بينهما على مجموعة نقاط، وسُمِّي هذا الاتفاق ” صلح الحديبية “.
ثم لم يمض شهران على هذا الصلح حتى قام النبي- صلى الله عليه وسلم -بمكاتبة الملوك والأمراء داخل الجزيرة وخارجها، فأرسل مبعوثه الدبلوماسـي عمرو بن أمية الضمري بكتاب يحمله إلى النجاشي ملك الحبشة، كما أرسل حاطب بن أبي بلتعة مبعوثا دبلوماسيا إلى المقوقس ملك مصر، وكتب إلى كسرى ملك الفرس كتابا حمله إليه الصحابي السفير عبد الله بن حذافة السهمي، وبعث دحية بن خليفة الكلبي سفيرا بكتابه إلى قيصر ملك الروم، كما كتب إلى المنذر بن ساوى أمير البحرين كتابا حمله إليها العلاء بن الحضرمي، وبعث عمرو بن العاص سفيرا إلى ملك عمان…
ومن خلال هؤلاء الدبلوماسيين والسفراء والرسل وغيرهم ـ ممن وردت أسماؤهم في السيرة النبوية ـ استطاع النبي- صلى الله عليه وسلم -أن يبلغ دعوته، ويعرِّف هؤلاء الأمراء والملوك وشعوبهم بمبادئ الإسلام الإنسانية التي أرسله الله تعالى بها؛ لينير للناس طريق الحياة السعيدة.

الدبلوماسية في العصر الأموي:

صارت دمشق عاصمة الدولة الأموية فغدت أقوى وأقرب الحواضر الإسلامية إلى القسطنطينية عاصمة دولة بيزنطة وريثة الدولة الرومانية، فنشطت الدبلوماسية الإسلامية في تقديم العديد من الخدمات الإنمائية والتجارية حال السلم، بل قامت أيضا في حال الحرب بجهود واضحة ضخمة للوصول إلى فك الاشتباك والنزاع بين الطرفين في العديد من الحالات.
ومما يروى في هذا: أن الخليفة مروان بن عبد الملك أوفد الشعبي التابعي المعروف سفيرا إلى الإمبراطور ” جوستنيان الثاني ” في العام 70 للهجرة؛ وذلك لحل بعض المنازعات وتوطيد العلاقات بين الطرفين، وقد أثنى الإمبراطور في كتابه إلى الخليفة على لباقة سفيره الشعبي ومهارته وحنكته وفصاحته ونجاحه في إدارة الحوار والوصول إلى حلول مقبولة لدى الطرفين.

الدبلوماسية في العصر العباسي:

استمرت الدبلوماسية الإسلامية في أداء دورها الدعوي والإنساني وتطويره في العصر العباسي، ومن أشهر تلك النشاطات إرسال هارون الرشيد وفدا من المبعوثين، معهم الكثير من الهدايا والابتكارات الإسلامية العلمية ـ ومنها الساعة الميكانيكية الدقَّاقة ـ إلى ” شارلمان ” ملك الفرنجة، الذي أبدى هو وحاشيته إعجابهم بتلك الهدايا القيمة، وبما وصل إليه المسلمون ـ وقتذاك ـ من اختراعات وحضارة وتقدم.
كما أرسل الخليفة المتوكل نصر بن الأزهر سفيرا إلى إمبراطور الروم ” ميخائيل ” لدراسة موضوع تبادل الأسرى وقبول الفداء بين المسلمين ودولة الروم، وقد نجح هذا السفير في مهمته وافتدى ( 2300 ) أسير من المسلمين كانوا في بلاد الروم.

الدبلوماسية في عصور إسلامية لاحقة:

تابعت الدبلوماسية الإسلامية نشاطاتها حال السلم وحال الحرب بين الدولة الإسلامية والدول المجاورة، وذلك على أيدي الأمويين في الأندلس، ثم الفاطميين في مصر، ثم الأيوبيين في الشام، ثم العثمانيين في اسطنبول…
ومن هذه النشاطات الدبلوماسية المرويَّة عن الفاطميين إرسال الخليفة المستنصر بالله عددا من المبعوثين إلى ” قسطنطين ” ملك الروم في عام 466 للهجرة، للتفاوض معه من أجل تزويد مصر بكميات كبيرة من القمح؛ بسبب ما حلَّ بها من قحط وجفاف، فوافق الإمبراطور على ذلك، لكن المنية عاجلته قبل إنفاذ الصفقة، فخلفته في الحكم الإمبراطورة ” تيودورا ” واشترطت على المستنصر الدخول معها في تحالف عسكري ضد خصومها السياسيين فأبى ذلك، فامتنعت من تنفيذ الاتفاق، وفشلت البعثة الدبلوماسية في تحقيق مهمتها

الدبلوماسية في العصر الحديث

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الشعلان333

اخدت الدبلوماسية أبعادا جديدة في العصر الحديث و لم تظهر كجهاز دائم لتمثيل مصالح الدولة السياسية في الخارج الا بعد جملة من المعطيات :
Ø تحول ميزان القوى من الإمبراطوريات التقليدية الى دول جديدة ظهرت مع منتصف القرن الخامس الدول-الأمة( انجلترا و فرنسا و اسبانيا و ايطاليا) وما صاحب ذلك من صراع علة السيطرة على العالم .
Ø ظهور الإمبراطورية الإسلامية في الشرق (الدولة العثمانية) بعد فتح القسطنطينية ة ما تلى ذلك من تهديد لنفوذ الدولة المسيحية الاوربية لاسيما بعد زوال الامبراطورية الرومانية الشرقية (الإمبراطورية البيزنطية ).
Ø التسابق الاستعماري للسيطرة على قارتي إفريقيا و أمريكا الشمالية و ذلك قصد استغلال خيراتها و مواردها , ناهيك عن موقعها الاستراتيجي
Ø الاتجاه الى إيجاد تكتلات دولية لمواجهة المخاطر المشتركة, الأمر الذي اقتضى إيجاد بعثات دائمة تعمل على تنسيق الجهود و توحيد المواقف تجاه مسائل و مواقف معينة.
Ø النهضة العلمية و الفنية التي سادت العالم و التي أدت لإنشاء نوع من التعاون الدائم بين هذه الدول لتوحيد الجهود لتحقيق المصالح المشتركة>

و أول ممارسة للتمثيل الدبلوماسي الدائم كان قد ظهر في ايطاليا نو خاصة في مدينة البندقية ثم اصبح ارسال السفراء الدائمين (دوق ميلان يرسل سفيرا الى جنوى 1455) ثم انتقل نظام البعثات الدبلوماسية الى باقي الدول الأوربية كفرنسا التي صنفت المبعوثين الدبلوماسيين الى اربعة فئات هم :السفراء فوق العادة , السفراء العاديين, المندوبون و الوزراء المقيمون , وربما يعد السبق الكبير لفرنسا هو استحداثها لقاعدة الموافقة المسبقة من قبل البلد المضيف على المرشح للعمل الدبلوماسي قبل تعيينه رسميا.

وقبل ذلك فان أولالقواعد الدبلوماسية المعاصرة ظهرت في مؤتمر فيينا للعلاقات الدولية سنة (1815) حيث اعتبرت أول اتفاقية عالمية تضع قواعد لدرجات الدبلوماسية و الأسبقيات بين الممثلين و كان لهذه الاتفاقية دور كبير في تأسيس لدبلوماسية القرنين لتاسع عشر و العشرين و التي توجت باتفاقية فيينا الثانية للعلاقات الدبلوماسية عام 1961 تحت رعاية الأمم المتحدة و التي تنج عنها ما يسمى بالقانون الدبلوماسي عام 1951.

ومع دخول العالم القرن العشرين تأثرت الدبلوماسية بعوامل عديدة منها :
§ نمو روح المصالح المشتركة بين الامم و دعم ذلك تطور وسائل الاتصال و المواصلات مما زاد حركة التواصل بين الدول
§ تطور الطباعة و من تم الصحافة والرأي العام مما ساهم في تشكيل السياسات الداخلية والخارجية, و اتاح مزيدا من العلنية و الشعبية للأداء الدبلوماسي
§ تطور تقنيات التسلح و خاصة الاسلحة الذرية و اسلحة الفضاء
§ ظهور الدبلوماسية العلنية
§ ظهور دبلوماسية القمة
§ ظهور دبلوماسية المنظمات الدولية الإقليمية
§ظهور دبلوماسية المؤتمرات السياسية والفنية
§ ايفاد السفراء المتجولين
§ ايفاد الممثلين الشخصيين للرؤساء الدول
§ تقلص صلاحيات السفراء نسبيا
§تطور ظروف العمل الدبلوماسي
§الاتجاه نحو زوال المفوضيات و استبدالها بسفارات
§ اشتراك المرآة في العمل الدبلوماسي.

المذكرات الدبلوماسية في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالله الشعلان333

تعتمد الدول في الوقت الحاضر على استخدام المذكرات الدبلوماسية لمخاطبة بعضها الاخر ، فهي وسيلة دبلوماسية الاكثر استخداما والايسر عملا . ووسيلة مباشرة تحدد الاراء والمواقف بصورة رسمية .
وقد لجأت الدول إلى هذه الوسيلة منذ اقدم العصور حتى الوقت الحاضر ، ولاتزال تعد الوسيلة الدبلوماسية المتقدمة على الوسائل الدبلوماسية لمعالجة وتسوية المنازعات بين الدول .
وللمذكرات الدبلوماسية اسلوب خاص لايختلف من دولة إلى دولة . فعلى الرغم من ان الدول تختلف في النظم السياسية والقانونية والاقتصادية والايدلوجية إلا ان اسلوب المذكرات الدبلوماسية واحد بين جميع الدول .
وقد اعتمد النبي محمد صلى الله عليه وسلم اسلوبا دبلوماسيا كما كان هو معروف بين الدول والذي لايزال معتمدا ذاته في الوقت الحاضر ، من ناحية شكل المذكرة الدبلوماسية واسلوبها .
وسنتناول اسلوب المذكرات الدبلوماسية في الفقرات الاتية :
اولا- شعار المذكرة الدبلوماسية
تحرر المذكرات الدبلوماسية بصيغة موحدة ومتقاربة والفاظ محددة ، وان اختلفت مضامينها تبعا لاختلاف الموضوعات التي تعالجها .
وتبدأ المذكرات الدبلوماسية بشعار الدولة الخاص بها والذي يميزها عن الدول الأخرى . فلكل دولة ان تضع شعارا على اوراقها الرسمية تختاره بما يناسبها . وغالبا ما يمثل هذا الشعار علامات أو عبارات يحددها قانون كل دولة ، ويوضع في اعلى المذكرة . والغرض منه التعريف بالدولة . ومن حق الدولة ان تغير هذا الشعار بحسب ما تراه .
وكان العرب قبل الإسلام يفتتحون مذكراتهم ومراسلاتهم بعبارة (( باسمك اللهم )) و (( باسم اللات وباسم العزة )). وقد بدأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم مذكراته بالعبارة الاولى . فاكانت مذكراته الدبلوماسية تبدأ (( باسمك اللهم )) وكتب في ذلك اربع مذكرات دبلوماسية . ثم نزلت (( باسمك الله مجريها )) فكتب عبارة (( بسم الله )) .
وبعد ان نزلت ((ادعوا الله وادعوا الرحمن )) فبدأ يكتب مذكراته الدبلوماسية ومراسلاته (( بسم الله الرحمن )) . وعندما نزلت (( انه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم )) اصبحت جميع مذكراته الدبلوماسية ومراسلاته تكتب (( بسم الله الرحمن الرحيم )).
وهذه العبارة اصبحت تبدأ بها جميع صور القران الكريم ، وتتصدر الخطب . غير ان ما يختلف عن المذكرات الدبلوماسية عن الخطب ، هو ان المذكرات الدبلوماسية تبدأ بعبارة (( بسم الله الرحمن الرحيم )) .اما الخطب فتبدأ ((بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين )). اما الفعل فلايعتد به شرعا مالم يصدر باسمه تعالى . لقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم

(( كل امر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله فهو ابتر ).وعبارة بسم الله الرحمن الرحيم تكتب بطريقة خاصة . فقد روي عن معاوية انه كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له : (( القي الدواة وحرف القلم وقم الباء وجر السين ولاتعور الميم وحسن الله ومد الرحمن وجر الرحيم).
وقال النبي محمد صلى الله عليه وسلم : (( اذا كتب احدكم بسم الله الرحمن الرحيم فليمد الرحمن )) . وفي رواية عن انس ان النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال : (( اذا كتبتم كتابا فجودوا بسم الله الرحمن الرحيم تقضي لكم الحوائج وفيه رضا الله )) . وقال : (( اذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين منه ))(9).وقد استخدم هذا الشعار في مذكرات النبي محمد صلى الله عليه وسلم واستخدمه الخلفاء الراشدون والامويون والعباسيون والعثمانيون .
وعلى الرغم من ان الدول الإسلامية في الوقت الحاضر قد اتخذت شعارات خاصة بها إلا انها تضع عبارة (( بسم الله الرحمن الرحيم )) على مذكراتها الدبلوماسية عند التخاطب مع الدول ، ليس لصفة الشعار وانما لصفة الوجوب أو التبرك به ذلك ان كل دولة حددت شعارها الخاص بها بموجب قوانينها الخاصة.

ثانيا – البدء بتعريف المرسل
لما كانت السيادة احد عناصر الدول الثلاث الاساسية ، فان متطلبات تلك السيادة ان تظهر الدولة وكانها صاحبة السلطة والسلطان ، وانها متقدمة على غيرها من الدول ، بغض النظر عن كبر وصغر الدولة وقوتها العسكرية والاقتصادية والسياسية . والدولة عندما تريد ان تبرز ذلك فانها تراعي من جانب اخر إلا تثير حفيظة الدول الأخرى التي تتخاطب معها ، فتشير إلى تمسكها بسيادتها باسلوب دبلوماسي عن طريق التحية في مذكراتها الدبلوماسية التي ترسلها إلى الدول الأخرى فتقول مثلا (( تهدي الحكومة العراقية تحياتها إلى الحكومة الاردنية )) . وبذلك تبدأ الدولة بذكر اسمها اولا ثم اسم المرسل اليه بحجة التحية .
ويقدم اسم الدولة ليس في المذكرات الدبلوماسية فحسب بل ايضا في المعاهدات الدولية . حيث تحتفظ كل دولة بنسخة من المعاهدات التي تعقدها مع الدول الأخرى فيها اسم الدولة مقدم على الطرف الاخر . كذلك تذكر الدولة اسمها اولا في المحافل الدولية وفي برقيات التهاني والتعزية التي ترسل لرؤساء الدول وفي وسائل الاعلامية التي تمتلكها بغض النظر عن كبر وصغر الدولة .
وقد استخدم النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذا الاسلوب في المذكرات التي ارسلها إلى الملوك والامراء وشيوخ القبائل . حيث تبدأ هذه المذكرات بذكر اسمه وصفة النبوة . فجاء بالمذكرات من محمد رسول الله إلى …او هذا كتاب من محمد النبي إلى … أو هذا ما كتبه النبي محمد لـ ….
وبذلك فقد بدأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم بتعريف نفسه اولا وببيان صفته . وبعد ذلك يذكر اسم المرسل اليه .
وقد عدّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم ذكر اسم المرسل سنة واجبة على كل مسلم عند مخاطبته المرسل اليه . فقد روي عنه انه قال : (( اذا كتب احدكم إلى انسان فليبدأ بنفسه وقيل ان السنة في كتابة المذكرات الدبلوماسية ان يبدأ الكاتب بنفسه))

ثالثا – طريقة نقل المذكرات الدبلوماسية
تنقل المذكرات الدبلوماسية بين الدول عبر الطرق الدبلوماسية وبحسب اهمية الموضوع الذي تتناولة المذكرة الدبلومسية . فقد يقوم بنقلها رئيس الوزراء أو مستشار رئيس الدولة أو وزير أو وكيل وزارة أو رئيس دائرة في الخارجية أو سفير يبعث لهذه المهمة . وينظم هذا الاسلوب اتفاقية البعثات الخاصة لعام 1969 أو السفير المعتمد في الدولة المرسل اليها وينظم هذا الاسلوب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961.
وقد اعتمد النبي محمد صلى الله عليه وسلم اسلوب البعثات الخاصة المعمول به في القانون الدولي المعاصر طبقا لاتفاقية البعثات الخاصة لعام 1969. اما النوع الثاني وهو اسلوب البعثات المعتمدة فلم يعمل بهذا الاسلوب بين الدول في ذلك الوقت ، ومع ذلك فقد شهد هذا النوع هذا تطبيقا لاول مرة في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم عندما ارسل ممثلين له مقيمين . الاول إلى البحرين وهو العلاء الحضرمي والثاني الىعمان وهو عمرو بن العاص ، حيث عين ممثلين عنه مقيمين دائميين يتصلان به مباشرة . ونعتقد ان هذا الاسلوب شهد اول تطبيق له في التاريخ الدبلوماسي كان في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم . ولا يرد على ذلك بان كل من عمان والبحرين اصبحتا من الدول التابعة للدولة الإسلامية ، لان تلك الدولتان وغيرهما كانت تتمتع باستقلال كامل عن الدولة الإسلامية إلا ما تعلق من الناحية الدينية .
وكانت الوسيلة العامة لارسال المذكرات الدبلوماسية للملوك والامراء وشيوخ القبائل التي اعتمدها النبي محمد صلى الله عليه وسلم هى ما يعبر عنها في الوقت الحاضر بالبعثات الخاصة ، التي تتحدد مهمتها في ايصال المذكرات وشرحها للمرسل اليه .
وقد اختار النبي محمد صلى الله عليه وسلم رسله الذين تولوا حمل المذكرات ممن يتصفون لهذه المهمة بغض النظر عن سبقيته في الإسلام وشجاعته وتضحيته ، وانما ممن يتكلم اولا بلغة القوم الذين بعثهم اليهم وممن يتصفون بصفات دبلوماسية خاصة وجمال المنظر والمظهر وحسن الصورة والقدرة على سرعة البديهية.

رابعا- تحديد اسم المرسل اليه ولقبه

عندما ترسل الدول مذكرات دبلوماسية إلى ملوك ورؤساء الدول الأخرى فانها تذكر اسماء هولاء ومناصبهم وافضل الالقاب التي يوصفون بها والتي اختاروها لانفسم . كصاحب الجلالة أو الفخامة والسيادة وغيرها من الالقاب المحببة لديهم .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يخاطب الملوك والامراء وشيوخ القبائل باسمهاءهم ومناصبهم والقابهم ، كعظيم الروم أو عظيم فارس وملك القوم وصاحب المملكة. فعلى الرغم من ان هولاء من المشركين ، إلا انهم يمثلون قادة دول لها مكانتها في العلاقات الدولية ، وان احترامهم إنما يطيب انفسهم ولا يشعرون ان الإسلام جاء لسب سلطاتهم .
خامسا – تحية المرسل اليه

تبدأ الدول في الوقت الحاضر مذكراتها الدبلوماسية بالتحية والسلام على المرسل اليه . وتكاد ان تكون التحية بصيغة موحدة بالشكل الاتي : (( تهدي حكومة جمهورية العراق تحياتها للحكومة المصرية وتود ان تبين …)) وتنتهي المذكرة بالسلام بالشكل الاتي : (( وتنتهز الحكومة العراقية هذه الفرصة للاعراب عن بالغ تحياتها للحكومة المصرية )) . والغرض من ذلك ليس من اجل التحية بقدر ما هو ذكر اسم المرسل اولا قبل اسم المرسل اليه . وتعد الدول هذه الحالة جزء من تمسكها بسيادتها بغض النظر عن كبر أو ضغر الدولة ومكانتها الدولية.
وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يبدأ مذكراته بالتحية . ولما كان غالبية المخاطبين ليسوا مسلمين ، وان صيغة السلام لاتكون إلا على المسلم ، فان السلام الوارد في المذكرات الدبلوماسية موقوف على اسلامهم فكانت العبارة : ((السلام على من اتبع الهدى )) أو : (( السلام على من آمن بالله )) أي ان السلام عند اسلام المرسل اليه . كذلك وردت التحية في المذكرات الدبلوماسية التي ارسلها النبي محمد صلى الله عليه وسلم : (( سلم انت )) أو (( السلام عليك )) أو (( احمد الله اليك )) أو (( احمد اليك الله )) .وعند الانتهاء من التحية يورد عبارة (( اما بعد )) . وهي تعني الدخول بالموضوع بعد السلام .
ان البدء بالسلام على الرغم من انه من متطلبات المذكرات الدبلوماسية إلا انه يعد من قيم الاخلاق الفاضلة ، وانه يهدئ من نفوس المرسل اليهم ويخفف من الجفوة والتصلب ،ويلين النفوس المتصلبة ويطيب من خواطرها ، ويشعر المرسل اليه انه يتعامل مع نبي ورسول كريم يجيد العادات والتقاليد الدولية المتبعة بين الدول .
سادسا – المواد التي تكتب بها المذكرات

تكتب المذكرات الدبلوماسية في الوقت الحاضر باحدث انواع اجهزة الكتابة المتطورة وعلى ارقى انواع الورق ، من اجل ان تكون واضحة وسـليمة من الاخطاء النحوية واللغوية ويمكن قراءتها بصورة واضحة .
وقد كانت مواد الكتابة في عهد الرسول بدائية وغير متطورة . وقد كتب القران الكريم على العسب (( جريد النخل )) والرقاع (( الورق أو الجلد )) والاضلاع (( الرحل الصغير على قدر صنام البعير )) واللخاف (( حجر رقيق )) وصدور الرجال .
غير ان المذكرات النبوية لاهميتها وضرورة وصولها إلى الملوك والامراء سالمة وبما يليق بمناصبهم ويتطلب ان تكون خفيفة الوزن سهلة الحمل ومقاومتها لظروف الجوية خاصة وان ايصالها يتطلب مقاومتها لفترة طويلة من الزمن ، وتنقل على الحيوانات أو السير على الاقدام . ولهذه الاسباب فان افضل شئ تكتب فيه المذكرات الدبلوماسية هي جلود الحيوانات . وقد كانت مكة مشهورة بصناعة الجلود وتصدرها إلى الشام والحبشة ، وهي تفي بالمتطلبات وتناسب الظروف والاحوال ، وتعد وسيلة متقدمة في ذلك الوقت . ويطلق على الجلد الذي كتبت عليه مذكرات النبي محمد صلى الله عليه وسلم بـ(( الادم )),

وقد استعمل الرق الناعم المصقول في مذكرات النبي محمد صلى الله عليه وسلم التي ارسلها للملوك والامراء وشيوخ القبائل . واستعمل الحبر الاسود في كتابة المذكرات وفي ختم الختم . اما الحبر المستعمل في الكتابة من النبات العليق الاسود أو مادة الكاربون المستخلصة من الدخان المتراكم من احراق الخشب وفضلات الحيوانات المجففة والذي يطلق عليه بالسخام . حيث يتم تجميع هذه المواد من مكان وجودها ، وتخلط في الماء بمادة لزجة من اجل زيادة كثافتها وتماسكها
والى المنتصف الاول من القرن الرابع عشر الهجري كان الحبر المستعمل في ارجاء الوطن العربي حبرا محليا يصنع من النباتات وتكتب به المصاحف والكتب والرسائل والمعاملات . وقد كان الحبر القديم بطئ الجفاف ، لذلك كان الكتاب يستعملون رملا خاصا دقيق الذرات ناعم الملمس لتجفيف الحبر بعد الانتهاء من الكتابة.

سابعاً – مضمون المذكرات الدبلوماسية

سبق القول ان شكلية المذكرات الدبلوماسية المتداوله بين الدول في الوقت الحاضر من حيث شعار الدولة المرسلة وذكر المرسل قبل المرسل اليه واداء التحية وختام المذكرة تكاد ان تكون موحدة بين جميع الدول . وان الاختلاف في معالجة الموضوعات التي تتناولها المذكرات . وتتصف المذكرات الدبلوماسية بالاختصار والوضوح والدقة بالعبارات . وان ما يرد فيها من معلومات تعد وثيقة رسمية صادرة من الدولة .
وقد اتسمت المذكرات بالصفات الاتية :
1- الاقتصار على القدر الضروري من اصول المطالب من النظر إلى فروعها . ومن غير تجزئة الامور ومناقشة الاعمال الصغيرة .
2- دعوة الملوك والامراء وشيوخ القبائل الدخول في الإسلام ، وتنظيم شؤون الدول التي دخلت الإسلام من الناحية الدينية والسياسية والاقتصادية وجمع الزكاة والصدقات والتهنئة والتعازي .
3- الاقتصار في الفاظها على تقريب المعنى إلى المخاطبين بلا تكلف ولا ارتكاب تسجيع طويل . فقد كان العرب وقتئذ يرون الايجاز وحذف الفضول في الكلام من البلاغة ، بل من اعلى طبقاتها ويمدحون بلاغة الرجل بحسن الايجاز وترك الاسهاب ، ويرون التطويل عيبا ومخلا بالبلاغة ، إلا اذا اقتضت الحاجة , وان رسائلهم قليلة اللفظ كثيرة المعنى . وكانت مذكرات النبي محمد صلى الله عليه وسلم على هذا النمط ، وكان غرض مذكراته افهام الحاجة دون تكليف اوتسجيع أو تطويل .
4- استعمال الالفاظ القحلة والعبارات الجزلة والاساليب البليغة اذا كان المرسل اليه عربيا ، واستعمال الالفاظ الموجزة السهلة اذا كان المرسل اليه غير عربي(27).
5- التعبير عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن نفسه باسمه وصفته : (( من محمد رسول الله )) ، أو التكلم بضمير المتكلم (( انا )) و (( لي )) و ((جاءني)) و (( وفد عليّ )) وورد بلفظ الجمع مثل (( بلغنا )) و (( جاْنا ))(28).
6- لم يطلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مذكراته من الملوك والامراء وشيوخ القبائل التخلي عن مناصبهم اوالتخلي عن املاكهم وسلب ممتلكاتهم ، وانما الايمان بالله والدخول بدينة والحكم بما نزل عليه من أحكام . فلم تنازعهم المذكرات في مناصبهم وممتلكاتهم وانما في معتقداتهم .
7- يعد الرسول الذي يحمل المذكرة مكملا لها لما تتضمنه المذكرة والاجابة على الاسئلة والاستفسارات التي يوجهها المرسل اليه .
8- ان كل ما يحمله الرسول الذي يحمل المذكرة كان يعبر عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم . فكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يجتمع بالرسل قبل ارسالهم للمرسل اليهم . ويوجههم ويوصيهم بالامور التي يراها .
9- تضمنت غالبية المذكرات التي بعثها النبي محمد صلى الله عليه وسلم خطاب اعتماد وذلك بذكر اسماء الوفد ورئيسه .
10- طلبت غالبية المذكرات من المرسل اليهم الاهتمام والرعاية بالرسل الذين يحملون مذكرات النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومنحهم الامتيازات والحصانات المطلوبة ، وان لايعودوا إلا وهم راضين . وتضمنت المذكرات عبارة دبلوماسية بان ارضاء الوفد هو ارضاء للمرسل الذي هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
ثامنا– وضع التاريخ على المذكرات
من الثابت ان التعامل الدولي المعاصر يوجب ان تؤرخ المذكرات الدبلوماسية . فلا تستلم المذكرة اذا كانت لا تحمل تاريخا محددا عليها . ذلك ان المذكرات الدبلوماسية وثائق دولية لا تكون كاملة بدون ان يوضع عليها تاريخا محددا . والتاريخ المعتمد في الوقت الحاضر بالنسبة لجميع الدول هو التاريخ الميلادي إلا اذا كان للدولة تاريخا خاصا بها فيوضع تاريخها الخاص إلى جانب التاريخ الميلادي .
والمعروف ان التاريخ الاسلامي هو التاريخ الهجري . غير ان المتعارف عليه ان هذا التاريخ وضع في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه . فقد ذكر بعض العلماء ان النبي محمد صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة في شهر ربيع الاول امر بالتاريخ . وقد استشهد العلماء بالرسالة المرسلة لنصارى نجران فقد امر النبي محمد صلى الله عليه وسلم عليا ان يؤرخ ذلك لخمس من الهجرة . فالمؤرخ بهذا التاريخ هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتبعه عمر.

تاسعا– الخط الذي كتبت به المذكرات

تكتب المذكرات الدبلوماسية في الوقت الحاضر باحدث الاجهزة الخاصة لتكون واضحة للمرسل اليه . وتتضمن هذه الاجهزة انواع متعددة من الخط ، ويجب ان يختار افضل انواع الخط المتعارف عليه بين الدول . ولا يعتمد بجمالية الخط أو رونقه بقدر ما يتطلب ان يكون واضحا .
والرسائل العربية تكتب بالخط العربي . واول من كتب بالخط العربي حمير بن سبأ . وكانوا قبل ذلك يكتبون بالمسند . وسمي بالمسند لانهم كانوا يسندونه إلى هود عليه السلام . وقد وجد هذا الخط في اثار اعالي الحجاز مَدين والحجر . وفي العراق وبادية الشام والاحساء , وكان الخط العربي قبل الإسلام خاليا من الحركات والاعجام ” النقط ” لعدم حاجتهم اليها ، لانهم فصحاء انطبعوا على ملكة الاعراب بالسليقة . وان نقط الحروف العربية لم يحدث إلا عند وقوع العرب في التصحيف . وان اول من وضع النقط على الحروف العربية هو ابو اسود الدؤلي من تلقين الامام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه.
وقد كان الخط العربي وبخاصة في المدينة ومكة دون نقط ولا تشكيل . وقيل ان المذكرات التي ارسلها النبي محمد صلى الله عليه وسلم كتبت بالخط المكي وزعم قسم اخر بانها كتبت بالخط المدني ، وراي ثالث قال انها كتبت بالخطين المكي والمدني . ومن الصعب ان يتضح الفرق بين الخطين .واطلق على الخط هذا ايضا بالجزم ، وقد سمي بالخط الكوفي بعد قيام الكوفي . وقد استخدم الخط العربي البسيط . وقد كتبت المذكرات في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم من قبل عدة كتاب بخط واضح مقبول وباسطر مستقيمة فيها التسلسل والمتابعة في خط واحد متكامل.

عاشراً– ختم المذكرات

تختلف الكتب الرسمية عن المذكرات الدبلوماسية . حيث تنتهي الكتب الرسمي بتوقيع الكتاب باسم المسؤول الاداري أو السياسي .بينما لاتوقع المذكرات الدبلوماسي ولا يوضع اسم السؤول عليها ، وانما تختم بختم الدائرة المرسلة .
ويبدو ان هذه الطريقة قديمة وسابقة على ظهور التواقيع . استعملت عندما كانت اسماء الأشخاص أو رمزا يختارنه لهم ينقش على اسطوانة دائرية ثم تطوى على الطين فيظهر طبعها عليه . وهي الطريقة المعول عليها بين المتراسلين عند الاقوام القديمة التي سكنت في وادي الرافدين واليمن . ولاتزال المتاحف العربية تضم العديد من هذه الاشكال الاسطوانية . ثم تطورت الاشكال الاسطوانية لتوضع على خاتم الشخص ليصبح اسمها الاختام وهي جمع خاتم . حيث تنقش حروف أو رموز أو اسماء اشخاص أو رسوم معينة على خاتم الشخص ويضعه في اصبعه ليكون معه بصورة دائمة ليمنع عنه السرقة . وعند وجود نقش الختم على الطين أو الورق أو الجلد فان الشخص صاحب الختم يكون ملتزما بما ورد في ذلك.

وعندما اراد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ان يراسل الملوك والامراء وشيوخ القبائل قيل له يارسول الله انهم لايقرؤون كتابا إلا اذا كان مختوما . فقال لعلي بن ابي طالب كرم الله وجهه انقش خاتمي هذا وهو من الفضة ، فاتي الامام على كرم الله وجهه إلى النقاش وقال انقش هذا النقش(34) . فنقش ثلاثة كلمات واحدة فوق الأخرى ، الاولى الله والثانية رسول والثالثة محمد وقرأ من اسفل إلى الاعلى(35) . وقيل ” بسم الله الرحمن الرحيم ” ، وقيل ” لا اله إلا الله محمد رسول الله ” (36) . غير ان المذكرات النبوية التي عثر عليه في المتاحف كانت مختومة بـ” محمد رسول الله ” وتقرأ من الاسفل إلى الاعلى وان الختم بشكل دائري . ويبدو ان النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يختم المذكرة في نهايتها . ويختمها بعد طويها . حيث تطوى المذكرة ويوضع عليها مادة رطبة كالطين فيختمون عليها ، فلا يمكن ان تقرأ إلا بعد فض الختم لكي لا يطلع على المذكرة غير المرسل اليه(37).
وقد انتقل الخاتم بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى ابي بكر الصديق ثم إلى عمر بن الخطاب ثم إلى عثمان بن عفان رضي الله عنهم . وقيل ان الخاتم سقط من يده في بئر اريس بالمدينة.

الدكتور/ سهيل حسين الفتلاوي