أ.د. أحمد محمد وهبان

السلام العالمي والأمن الدولي

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الصويلح3332

الإسلام دين السلام العادل والأمن والاستقرار، ونبذ الحروب، والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة ، لأن دعوته العالمية لا تنتشر إلا بأرضية راسخة من السلم والتفاهم والإقناع، ولأن الإسلام دين الفطرة السليمة الوادعة الهانئة التي تتلقى العلوم والمعارف، وتكتسب الخبرات والمهارات، وتبني كل مقومات الحضارة والمدنية ليعيش الإنسان في هناءة ورخاء واستقرار.
غير أن الإسلام عزيز قوي منيع لا يقبل لأتباعه إلا العزة والقوة والكرامة، وصون الحقوق، وإقامة صرح العدل، على قاعدة وطيدة من السلم، وقائمة على أساس المساواة مع الآخرين، فلا يتوافر السلام من جانب واحد، وإنما من الجميع، ويستحيل أن يسمى هذا السلم الذي يكون لصالح الأقوياء والمتسلطين والغاصبين والمعتدين سلماً عادلاً أو صحيحاً متزناً ومستقراً، فيكون الدفاع عن الحقوق والمستضعفين واجباً مقدساً وشريفاً، وهو ما يقره العقلاء وتعترف به الشرائع الدولية، لذا كانت المقاومة للمحتل حقاً مشروعاً من غير أي شك.
فإن امتنع العدوان من الآخرين، ورفع الضرر والظلم، وتوقف الأعداء عن أطماعهم وتدخلاتهم المتكررة في التاريخ، كان المسلمون أشد الناس احتراماً لقاعدة السلم والأمن الدوليين، كما تقدم، بل وإشاعة المودة المتبادلة، وغرس المحبة والثقة، وانتزاع
فتيل الحرب.
ومن أجل هذا كان الأصل الطبيعي أو القاعدة العامة بين المسلمين وغيرهم هو السلم وليس الحرب، فالله هو السلام، وتحية المسلمين على الدوام السلام، والجنة دار السلام، والدنيا مهد السلام، ودعوات جميع الأنبياء والمرسلين هي دعوة الحق والعدل والسلام، والقيم العليا القائمة أساساً على الوسطية والاعتدال.
وما أكثر النصوص التشريعية في القرآن الكريم الداعية والآمرة بالسلام، وأن الحرب استثناء، وأن العالم كله كما قرر الإمام الشافعي دار واحدة، وتقسيمها إلى دارين أمر طارئ بسبب نشوب الحرب، وهو عين ما قرره فقهاء القانون الدولي: يترتب على قيام الحرب وجود فريقين: متحاربين، ومسالمين أو محايدين.
ومن آي القرآن الكريم الآمره بالسلام قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ( (البقرة:208)، وقوله تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ( (لأنفال:61). وقوله (عزوجل):
( فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً( (النساء:90) (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ( (الممتحنة:8).
والسلم في هذه الآيات: الصلح والسلام ودين الإسلام الحق المنسجم مع العقل والمنطق والحكمة والقيم السامية، واللفظ يشمل جميع معانيه التي يقتضيها المقام(7).
ولماذا ينكر الأعداء الاقوياء على المسلمين حقهم في الدفاع عن أنفسهم وأوطانهم وهم يتدخلون صراحة في شؤون الدول والشعوب الأخرى، ويعيثون في الأرض فساداً، ويشنون حروباً ظالمة على غيرهم من المسلمين ويحتلون دولهم، وينهبون ثرواتهم، ويدمرون تاريخهم وحضارتهم، تحت مظلة ما يزعمون من مقاومة الإرهاب، والإرهابيون مجرد أفراد لا يحتاجون لحرب دولية؟ وهل نجحت هذه الحروب وتحالف أمريكا مع دول كثيرة في أوروبا وغيرها بالقضاء على الإرهاب بعد أربع سنوات؟ إن كل هذه الحروب الضروس إنما هي في الدرجة الأولى لخدمة مصالح إسرائيل والصهاينة الغاصبين، ولتحقيق سيطرتهم وبسط نفوذهم على العالم، وتفردهم بتوجيه الآخرين من منطلق زعامة أو سيادة القطب الواحد، وإقامة إمبراطورية عالمية فريدة متحكمة في شؤون الدول الأخرى المستضعفة أو الموالية لهم خوفاً أو مجاملة على حساب العالم الإسلامي.
وتؤكد السنة النبوية مضمون الأوامر القرآنية الآمرة بالسلام لنبي الرحمة العامة بالعالم، وكذلك واقع الأنظمة الإسلامية وتاريخ المسلمين.
فمن النصوص النبوية: قولـه(ص): «أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف»(8) أي من أجل الثبات في المعارك الحربية التي تتطلب القوة والبأس والشجاعة، كما هو معلوم من طبيعة الحرب وحب الانتصار.
وأما تاريخ المسلمين في العهد النبوي والخلافة الراشدية والأموية والعباسية وغيرها: فواضح من تتبع هذا التاريخ، أنه لم يكن المسلمون يوماً ما المهاجمين المبتدئين بالاعتداء أو الحرب، وإنما كان غيرهم هم الذين اعتدوا على المسلمين، وشنوا عليهم الحروب، ويعذر بعض القادة المسلمين في الرد الحاسم على الأعداء إن فتحوا جبهة حربية في مواقع متعددة غير مباشرة مثل مصر والمغرب العربي، فتلك استراتيجية عسكرية مشروعة ومعلومة.
وأما الآيات الداعية إلى القتال على الإطلاق مثل: ( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ( (التوبة:36) ومثل: (قَاتِلُوا الَّذِينَ
لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِر( (التوبة:29) فهي كما صرح النص فيهما في حال الحرب المعلنة من العدو، أو قيام حالة الحرب، والحرب لا تعرف عادةً الهوادة أو اللين، وإلا كان ذلك سخرية وعبثاً إن لم تتوافر الشدة والثبات، ويتقيد إطلاق هذه النصوص العامة بالآيات الأخرى مثل قوله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ
وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ( (البقرة:190) فهذه الآية مقيد فيها تشريع القتال بحال رد العدوان، والآيات الأخرى مطلقة عن التقييد، ومن القواعد الأصولية في شرعنا: أنه يحمل المطلق على المقيد، أي يفسر المطلق في ضوء النص الوارد بالتقييد.
الباعث علىالقتال في الفقه الإسلامي في رأي أغلب الفقهاء ليس هو الكفر أو المخالفة في الدين، وإنما هو الاعتداء والحرابة أو دفع العدوان، والعمل على تمكين البشرية من ممارسة الحرية التي يصادرها قادتهم وحكامهم، وللعدوان مظاهر مختلفة، فكان في عهد النبي(ص) ذا منهجين أو صورتين:
إحداهما: أن يهاجم الأعداء جماعة المسلمين، فلابد من إحباط الهجوم وقمع العدوان، وقد خاض النبي(ص) سبعاً وعشرين معركة (9). كان المشركون ,وأعوانهم ومنهم الروم والفرس هم المعتدين، وقد صبر النبي وصحابته بأمر الله تعالى قرابة خمسة عشر عاماً (13 عاماً في مكة ونحو عامين في المدينة) على أذى الأعداء، والتزموا ظاهرة العفو والصفح عنهم، وآثر السلام معهم، حتى أذن للمسلمين بالقتال في قوله تعالى:
(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ( (الحج:39).
والثانية: أن يَفتنوا المسلمين عن دينهم أي إنهم يحاولون ارتدادهم عن الدين، فكان على النبي وصحبه أن يمنع ذلك الاعتداء الواقع على حرية الفكر والعقيدة(10).
وأما الفقهاء المسلمون الذين يخطئ المستشرقون بفهم مذاهبهم وادعائهم أن مشروعية الجهاد في الإسلام قائمة على الهجوم لا مجرد الدفاع، فيكفيني أن أنقل تلك الكلمة الرائعة للفقيه المشهور عمرو بن الصلاح حيث قال مقرراً مذهب جمهور العلماء في أن الباعث على الحرب أو القتال في الإسلام هو الاعتداء لا الكفر: «إن الاصل هو إبقاء الكفار وتقريرهم، لأن الله تعالى ما أراد إفناء الخلق ولا خلقهم ليقتلوا، وإنما أبيح قتلهم لعارض ضرر وجد منهم، لا أن ذلك جزاء على كفرهم، فإن دار الدنيا ليست جزاء، بل الجزاء في الآخرة. فإذا دخلوا في الذمة (المعاهدة السلمية مع المسلمين) والتزموا أحكامنا (السيادة التشريعية أو سيادة القانون الداخلي الإسلامي) انتفعنا بهم في المعاش في الدنيا وعمارتها، فلم يبق لنا أرب في قتلهم، وحسابهم على الله تعالى، ولأنهم إذا مكنوا من المقام في دار الإسلام (الوطن الإسلامي) ربما شاهدوا بدائع صنع الله في فطرته، وودائع حكمته في خليقته.. وإذا كان الأمر بهذه المثابة، لم يجز أن يقال: إن القتل أصلهم»(11) أي إن الأصل أو القاعدة العامة هو السلم وليس الحرب أو القتال.

طبيعة العلاقات الدولية الحديثة

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الصويلح3332

العلاقات الدولية بين مجموعة الدول الحديثة قائمة على أساس من الاعتراف بالدولة، والاحترام المتبادل، ولكل دولة حق المساواة مع الدول الأخرى، ولها سيادة أو سلطة عليا على أراضيها وشعبها، وفيها سلطات ثلاث: تشريعية وقضائية وتنفيذية (4)، ويعني ذلك الاعتراف باستقلال كل دولة على حدة، ولا يسمح لأية دولة بالتدخل في شؤون دولة أخرى، ويكون الاستعمار البغيض مرفوضاً جملة وتفصيلاً، وإنما لابد من احترام مقتضيات السلم والأمن الدولي، وهذه نظرة حضارية رفيعة، وإنسانية رشيدة، ولها أهميتها الملموسة من أجل رقي واستقرار الشعوب والأمم، وتمكين كل دولة من حل مشكلاتها وقضاياها بنفسها.
وتهيئة هذا المناخ السلمي والأمني يجعل العلاقات الدولية الخارجية قائمة على أساس من التعاون والتضامن والتكافل بين الأقوياء والضعفاء، والإسهام في مساعدة أية دولة تتعرض لكوارث طبيعية من زلازل وبراكين وأعاصير وفياضانات وأمراض فتاكة وغير ذلك.
وهذا ما قرره القرآن الكريم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ((الحجرات:13).
ويؤكد القرآن الكريم على أن رسالة الإسلام هي الرحمة العامة بالعالمين في آية:
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ( (الانبياء:107).
وأصول التعاون الدولي بين المسلمين وغيرهم في خارج العالم الإسلامي هي المبادئ الدولية المعروفة وهي الحفاظ على السلام العالمي، والوفاء بالعهد والميثاق، واحترام كرامة الإنسان والحفاظ على حقوق الإنسان، والتزام معايير الأخلاق الكريمة والفضائل الإنسانية السوية، والتعامل بين المسلمين وغيرهم على أساس من المحبة والود، والرحمة، والعدالة، والحرية والمعاملة بالمثل.
وما أعظم التوجيه القرآني في هذا السبيل في حال وجوب التزام العدل مع الآخرين، حتى ولو كانوا أعداء، في قوله تعالى: ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ( (المائدة:8) أي لا يحملنكم بغض قوم وكراهيتهم على إلحاق الظلم بهم وترك ظاهرة العدل معهم، فالعدل أوجب وأقوم وأرضى لله ورسوله.
أما الكرامة الإنسانية: فهي مصونة في الإسلام، سواء في داخل الدولة أو خارجها، لعموم قول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ …( (الاسراء:70) ، وتكريم الإنسان في شريعة الإسلام يشمل حالتي الحرب والسلم على السواء.
والمعاملة بالمثل المعروفة دولياً مقيدة في الإسلام بالتزام السمو الخلقي والأدبي الكريم، فلو ارتكب العدو ما يسمّ هذه القيم الخلقية والمبادئ السامية كالتمثيل بالقتلى أو التعذيب الوحشي، أو قتل الأسرى، أو تجويعهم وإهانتهم، أو الاعتداء على الأعراض ونحوها، أو معاملتهم معاملة غير كريمة، فإن الإسلام يمنع أتباعه من مجاراتهم أو مبادلتهم بما يكون دنواً أو حطّة في الأخلاق والمعاملات، لأن مبدأ المعاملة بالمثل في شريعة الإسلام مقيد باعتبارات الفضيلة وتقوى الله (عزوجل)، ومن أمثلة ذلك:
«.. ولا تغدروا ولا تمثلوا»(5). فقد نهى النبي(ص) عن التمثيل بالقتلى. وجاء في وصية أبي بكر الصديق لقائد جيوشه يزيد إلى الشام: «وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبياً، ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاة ولا بعيراً إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلاً، ولا تغرقنه، ولا تغلل ولا تجبن»(6) ومثل ذلك وصية الخليفة الراشدي عمر بن عبدالعزيز إلى عامله أو واليه.

مفهوم العلاقات الدولية

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الصويلح3332

بعد هذا العرض السريع لنشأة العلاقات الخارجية بين الدول، وشكل هذه العلاقات عبر العصور المختلفة، نتحول إلى تفصيل هذه العلاقات في الدولة الإسلامية، ونبدأ بمفهوم العلاقات الدولية في الإسلام، ومن ثَمَّ الأسس التي تقوم عليها هذه العلاقات.
أولاً: مفهوم العلاقات الدولية
العلاقات الدولية في اللغة:
العلاقات الدولية مصطلح مركب من لفظتين، (العلاقات) و(الدولية)، ونبين معناهما على النحو التالي:
1 ـ العلاقات: جمع علاقة من الفعل الماضي علق يعلق عُلوقاً؛ والعُلوق هو تدلي شيء من شيء أعلا منه؛ تقول: (علّقت الشيء إذا جعلته يتدلى من شيء هو أعلى منه)، وكل شيء التزم شيئاً فقد علق به.
وعلى ذلك فالعلاقات هي صلات تتصل الأشياء بها بعضها مع بعض.
2 ـ الدولية: الدولية مؤنث دولي: والدولي نسبة إلى الدولة، كالغزي، تقال لمن هو من غزة، والمصري تقال لمن هو من مصر.
والدولي من الفعل (دَوَلَ)، ومصدره (دَولة) بالفتح، أو (دُولة) بالضم، والفعل (دَول) له معنيان:
أ‌- التحول من مكان لمكان آخر: تقول: (اندال القوم) إذا تحولوا من مكان إلى مكان آخر، و(تداول القوم الشيء)؛ إذا انتقل بين أيديهم.
ب‌- الضعف والاسترخاء: تقول: (دالَ الثوبُ) إذا بليَ من طول الزمن وشدة الاستعامل.
والدَولة بفتح الدال تطلق على المعركة، أو على من تكون له الغلبة فيها، الدولة في الحرب دولة فلان؛ أي الغلبة في الحرب له، ومنه قوله تعالى: )وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ(، أي نقلبها ونصرفها، فمرة تكون الغلبة لطائفة ومرة تكون لأخرى.
والدُولة بالضم تطلق على المال؛ قال تعالى: )مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ(، حيث أمر الله تعالى بتوزيع الفيء على الأصناف المذكورين في الآية حتى لا يكون هذا المال دائراً بين أيدي الأغنياء فقط
وعلى ذلك فالدولة في اصطلاح اللغة هي القوة والسلطان والغلبة، أما الدولة في الاصطلاح القانوني هي ما تكون من مجموعة متجانسة من الأفراد تمارس نشاطها على إقليم جغرافي محدد وتخضع لتنظيم معين، فهي ما تكون من عناصر ثلاثة: الشعب والإقليم والسلطة، وهذا ما نقصده.
ثانياً: العلاقات الدولية في الاصطلاح:
قلنا إن الدول المختلفة التي تشكل مجموع الدول في العالم لا يمكنها أن تعيش في عزلة عن بعضها البعض، وإن كل دولة لا بد أن تكون لها حركة فاعلة في المجتمع الدولي، وإن هذه الحركة إما أن تكون في اتجاه السلم وإما أن تكون في اتجاه الحرب، وعليه لا بد أن تكون بين الدول مجموعة من الأفعال وردود الأفعال في مجال السلم وما يمثله من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، ومجال الحرب و ما يمثله الجوانب التي تتعلق بإعلان الحرب، وحقوق الأسرى، وحقوق المدنيين وقت الحرب وغير ذلك، ومن هنا نستطيع أن نقول أن العلاقات الدولية هي: مجموعة السلوك والتصرفات المتبادلة بين دولة وغيرها من الدول والجماعات وفقاً لأحكام الشرع

لعلاقات الدولية في الشريعة الإسلامية

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الصويلح3332

رسى الإسلام أسساً ثابتة في العلاقات الدولية انطلاقاً من فكرته العالمية، فهو ليس ديناً إقليمياً محلياً، ولا تشريعاً زمنياً محلياً، ولا موقتاً··· بل هو دين عام خالد يعم جميع أرجاء العالم··· يستهدف تحقيق الأخوة الإنسانية والزمالة العالمية وكراهة الحرب، وتنمية العلاقات والتعاون بين الدول، ولم يكتف الإسلام بكراهته للحرب بالموقف السلبي، بل خطا خطوات إيجابية لحماية السلام وتثبيت أركانه··· فقد حدد الإسلام منطلقات عدة تمثل إطاراً شاملاً للعلاقات بين الناس من ناحية وبين الدول من ناحية أخرى، فقد أعلن أن الناس كلهم بحسب فطرتهم الأولى >واحد< يدينون لخالق واحد··· قال تعالى: (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا) يونس:19·

وقال سبحانه: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البيِّنات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) البقرة:213·

كما أعلن أنهم إخوة في الإنسانية لأنهم مخلوقون من أصل واحد، ولا تفاضل بينهم لشيء وراء هذه الحقيقة الإنسانية إلا بالتقوى، قال تعالى: (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات:13·

فلا ينبغي أن تكون هناك انفصالية أو عداوة بسبب جنس أو لون أو ثقافة أو غير ذلك، بل تراعى الأخوة الإنسانية بما يحفظ كرامتها·

وقرر الإسلام أن الأساس في معاملة من يخالف العقيدة هي السلام ـ ما دام الطرف الآخر يدين بالسلام أيضاً ـ وأشاد بنعمة الأمن ووضع ضمانات بإبرام العقود وتوقيع المعاهدات مع الأمر بالوفاء بها والتحذير من الغدر بها والخيانة فيها، كما نهى عن رفض الصلح أو وضع العراقيل في سبيل إتمامه·

مشروعية العلاقات الدولية الأصل في الدولة الإسلامية، أن يخضع لسلطتها كل القاطنين على أرضها، مهما كانت جنسياتهم أو دياناتهم وأرض الدولة الإسلامية، هي حسب التعبير الفقهي السائد، دار الإسلام، ويقابل دار الإسلام، دار الحرب، ودار الإسلام، هي التي تجرى عليها أحكام الإسلام، وتسود فيها قوانينه وتشريعاته، ويخضع سكانها لسلطة الدولة الإسلامية، ويأمن بأمانها سواء أكان السكان من المسلمين أم من غير المسلمين، وغير المسلمين الذين يوجدون في دار الإسلام هم الأجانب·

ويقول >محمد حميد الله<: إن مدلول لفظ أجنبي ما يفتأ يتغير في المجتمع الإنساني تبعاً لاختلاف الزمان والمكان والأمة، فهو مبني أحياناً على أساس القرابة الدموية التي فيها يلحظ اختلاف العنصر، واللون واللسان· وأحياناً على المسكن أو مسقط الرأس وطوراً على فلسفة الحياة أو الحزب أو المذهب والدين·(1)

ويقول: >كل دولة تقوم على التمييز العنصري، لن تفلح في تسيير جميع رعاياها من ذويها ومواطنيها، ومثلها كل دولة تقوم وحدتها على أساس اللون، أو اللسان، فمن العسير انضمام جميع الأهالي فيها في وطنية واحدة، واكتسابهم جنسية واحدة تلغي بينهم كل الفوارق، وليس من فرق كبير بين هذا المذهب، ومذهب من يقول بالوطنية الجغرافية·

أما الدول التي لا تقوم إلا على أساس واحد من المشاركة في الحياة ـ سواء أكان الأجانب الساكنون فيها مؤمنين بفلسفتها تلك أم غير مؤمنين ـ فاكتساب الجنسية فيها أيسر منه في أي دولة أخرى تقوم على أسس عنصرية أو جغرافية(2)، ومن هنا كان الإسلام وسيظل كذلك شامخ الرأس، يعلو ولا يُعلى عليه، لأنه قضى على التمييز العنصري واللوني والجغرافي، وغير ذلك من ألوان التمايز، وترك من تراث الأخوة الإسلامية ما لم يستطع هدمه سيل الأفكار الغربية، ولا تيار الأفكار الشرقية، إذ الإسلام نظام شامل لتطور الحياة من جميع نواحيها، وذلك ما جعل الدين والسياسة فيه يصطبغان صبغة واحدة، بوصفهما فرعين من أصل واحد، أو غصنين من شجرة واحدة، وكانت النتيجة من وراء هذا، أن مدلول الأجانب في الدولة الإسلامية أمسى مرادفاً لغير المسلمين·

أنواع غير المسلمين

غير المسلمين في الدولة الإسلامية ثلاثة أنواع:

1 ـ ذميون

2 ـ مستأمنون

3 ـ معاهدون

1 ـ الذميون

هم الذين يقيمون مع المسلمين إقامة دائمة وجرى بينهم وبين المسلمين اتفاق وصلح على الخضوع لسلطان الدولة الإسلامية، والرضا بجريان أحكامها، ونظامها عليهم، مع بقائهم على عقيدتهم وفي أرضهم وأموالهم، وعلى أن يدفعوا الجزية للدولة الإسلامية·

ويعتبر هؤلاء الذميون مواطنون كغيرهم من المسلمين القاطنين بدار الإسلام لهم ما للمسلمين، وسمُّوا ذميين لأنهم أقاموا مع المسلمين على أساس أن لهم عهداً وذمة يجب عليهم الوفاء بها· والأصل أن المسلمين كانوا إذا دخلوا بلداً وأقاموا فيها كانوا يعلنون من يرضى بالإقامة مع المسلمين على أن يكون له ما لهم وعليهم ما عليهم، عدا ما يتعلق بالدين، يكونون ذميين ما داموا لم يعترضوا على ذلك، ويكون هذا بمثابة عقد بينهم وبين المسلمين، وأنهم بهذا يلتزمون أمرين: الأول: التزام التكليفات المالية على القادرين منهم لكي يسهموا في بناء الدولة الإسلامية ويشتركوا في ميزانها المالي·

الثاني: أن يلتزموا أحكام الإسلام في المعاملات المالية، والخضوع للعقوبات الإسلامية ليكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم·

أما نظام الأسرة من زواج وطلاق، فإنهم يتركون وما يدينون له، وذلك لصلة أحكام الأسرة بأصل الدين، فكان من المحافظة على حريتهم في التدين أن يتركوا في العبادات وأحكام الأسرة إلى دينهم الذي ارتضوا البقاء عليه، ويمثل هؤلاء الذميون الآن، اليهود، والنصارى في البلاد الإسلامية·

2 ـ المستأمون

هم الذين يدخلون دار الإسلام من أهل دار الحرب، أو من أحد أفراد المسلمين الذين لهم ذلك، في أثناء الحرب أو السلم، لغرض خاص يقيم بمقتضاه مدة معينة بحيث لا يمكَّن من الإقامة أكثر منها، وإذا أقام مدة أكثر، ورغب في البقاء بأرض الإسلام، فتجرى عليه أحكام أهل الذمة ولا يمكَّن من العوة إلى دار الحرب·

3 ـ المعاهدون:

فهم المقيمون خارج الدولة الإسلامية، والذين أدعوا المسلمين وعاهدوهم بمقتضى اتفاق ومعاهدة على ألا يثيروا معهم حرباً ولا يظاهروا عليهم عدواً

· وتقوم العلاقة بين الطرفين على أساس من الأمان والسلام واحترام كل منهما لدم الآخر وماله·

وبلاد المعاهدين في الغالب ليست من دار الحرب ولا من دار الإسلام وهم يدخلون دار الإسلام بالأمان المتفق عليه·(3)

والحقيقة أن العلاقات الدولية المعاصرة ترتكز أساساً إن لم يكن كلياً على أساسين اثنين: المصلحة الوطنية والقوة

· 1 ـ المصلحة الوطنية:

هي المفتاح الأساس في السياسة الخارجية، ويرتد هذا المفهوم في جوهره إلى مجموع القيم الوطنية، تلك القيم النابعة من الأمة والدولة في الوقت نفسه، غير أن هذا المفهوم لا يخلو من غموض·

وإذا كان من الصعب بيان المقصود بالمصلحة الوطنية بفكرة مجردة، فإن من المستحيل أن نجد إجماعاً على ما تعنيه في قضية معينة، إن الجدل المتكرر حول السياسة الخارجية يتركز حول التفسيرات المختلفة لمتطلبات المصلحة الوطنية ليس من الضروري أن نعرِّف المصلحة القومية تعريفاً ضيقاً يستبعد الاعتبارات الخلقية والدينية وما على شاكلتها، وإنما تقتضي فاعلية هذه المصلحة، غير أن هذا لايعني أنه ليس بوسعهم ألبتة الاتفاق على شيء ما، بل على على العكس كثيراً ما يتفقون، وإن كان هذا الاتفاق ينطلق أيضاً من مصالحهم الوطنية، فإذا وافق سياسي على تقديم تنازلات فإنه لا يفعل ذلك إلا إذا اقتنع أن عمله سيعطي دولته بعض المزايا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، إن فكرة المصلحة الوطنية مبنية على وجود قيم في الجماعة الوطنية، هذه القيم التي يمكن أن تعتبرها من نتاج ثقافتها ومعبراً عن روح تجانسها··· غير أن العلاقة بين هذه القيم وبين الأهداف السياسية المحددة تتطلب شرحاً أكبر· إن القيم تنتمي إلى مجال >ما يجب أن يكون<، وليس من الضروري أن تترجم إلى أهداف سياسية محددة··· إن النظم القيمية يعوزها اليقين بعامة، بل إنها أحياناً تتضمن قيماً متضاربة، وهو ما يثير مشكلة: أي من هذه القيم واجب التطبيق في الحالات المفروضة؟··· وقد تتعقد الأمور أكثر من ذلك، وقد يستهدف الساسة التضليل من وراء تصرفاتهم، بل إنه طبقاً لنظرية فرويد لا يعرفون بالضبط حقيقة الدوافع التي تسيِّرهم، وأخيراً فإن الثقافات المختلفة لا تعطى الأهمية للقيم عينها··· ولقد كان الإنسان يسعى طوال تاريخ الفكر السياسي إلى تصوير قيمة عليا تتخذ معياراً عاماً لتصرفاته، وللأسف فإن مجرد وجود نظريات متناقضة في هذا الموضوع يعني الشك في إمكانية أن تكون أي منها صحيحة كل الصحة، ومعيار المصلحة الوطنية ـ رغم شعبيته ـ شديد الغموض··· وعندما تصطدم قيمتان أو أكثر فيما بينها، فإن الأهمية النسبية لأي منها يجب أن تقدر وترسى··· وهذا التصنيف للقيم ليس سهلاً، لأن التركيز على أهميتها يتراوح من حال إلى أخرى وكثيراً ما تحكمه العواطف···<·

ولابد أن يستنتج القارئ من الشرح السابق صعوبة تعيين المصلحة الحقيقية الوطنية، وأنه ليس من الضروري أن تكون محكومة بمعايير موضعية، كما يستنتج قابليتها للمرونة والتكيف في يد صانع القرار، وسيكون في إمكانه ـ نتيجة لذلك ـ أن يقيِّم مدى أهليته المصلحة الوطنية لأن تكون أساساً قوياً للعلاقات الدولية
2 ـ القوة

إن مشكلة القوة تدخل جميع أنواع العلاقات الدولية في الحروب والمنافسات· تدخل القوة بمعناها العسكري، وفي التعاون يدخل التهديد بالقوة لقمع أحد الأطراف· يدور عالم السياسة كله حول ممارسة القوة والبحث عنها، غير أن القوة في السياسة الدولية أوضح كثيراً، وأقل قيوداً من القوة في السياسة الداخلية، ولهذا فكثيراً ما تسمَّى السياسة الدولية بسياسة القوة··· ولقد أدى الدور المهم الذي تلعبه القوة في العلاقات الدولية إلى نشوء مدرسة فكرية تفسر العلاقات الدولية على ضوء مفهوم القوة···· ولكن بالرغم من أن القوة تلعب دوراً مهماً في السياسة الدولية، فإنها في الأساس وسيلة لتحقيق قيم وطنية، والسياسة الدولية لا تحددها القوة التي تملكها الدولة فحسب، وإنما تحددها بدرجة أكبر القيم التي تعتنقها هذه الدول، ومفهوم المصلحة والوطنية التي تحكم سلوك الدول لا يقف عند اعتبارات محددة·(4)

هذا هو واقع العلاقات الدولية المعاصرة خصوصاً بعد الأحداث المريرة التي يمر بها العالم في الوقت الحاضر ولا سيما بعد أحداث سبتمبر 2001م وما تبعه من هجوم حاد دائم على الإسلام والمسلمين سواء في ديارهم أو في ديار المسلمين·

فيلهلم الثاني – سيرته الشخصية .

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالرحمن بوسبيت 47

فيلهلم الثاني (بالألمانية: Wilhelm II) ولد في برلين في 27 يناير 1859 وتوفى في دورن في هولندا في 4 يونيو 1941 كان قيصرا للرايخ الثاني الألماني من سنة 1888 حتى سنة 1918, إلى جانب كونه ملكا لبروسيا. وهو ينحدر من أسرة هوهنتسولرن, التي حكمت مملكة بروسيا ابتداء من سنة 1702. وهو ابن القيصر فريدريش الثالث, توج قيصرا بعد وفاته سنة 1888, وأجبر على التنازل عن العرش في سنة 1918 بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى ونفي إلى هولندا.

وبه سقط الرايخ الثاني الألماني، حيث أسست جمهورية فايمار في ألمانيا بعد سقوطه. وهو آخر ملوك أسرة هوهنتسولرن الذين حكموا بروسيا ابتداء من سنة 1702، وعند قيام الوحدة الألمانية وولادة الرايخ الثاني الألماني في سنة 1871 على يد بسمارك كان جده فيلهلم الأول ملكا لبروسيا فتوج قيصرا للرايخ أو القيصرية الجديدة، وجمع بين لقب ملك بروسيا ولقب القيصر الألماني. وتوارث هذين اللقبين ابنه القيصر فريدريش الثالث، الذي حكم بعده, ثم جاء فيلهلم الثاني ابن فريدريش الثالث، وظل على العرش حتى سنة 1918، حين قامت ثورة نوفمبر في ألمانيا والتي أعلنت قيام جمهورية فايمار.

تحالف معه السلطان عبد الحميد الثاني، وكان قد دعاه لزيارة القدس ولبى الإمبراطور الدعوة سنة 1889.

العلاقات الدولية بين منهج الإسلام والمنهج الحضاري المعاصر

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الصويلح3332

(العدل) هو القاعدة الأساسية في تنظيم علاقة المسلم بغيره، ويشمل ذلك العلاقات الدولية – كما سنرى. والعدل في هذا المجال – وكما تظهر نصوص القرآن والسنة – هو القيمة الأولى بين القيم الإسلامية، وفي القرآن ورد الأمر بالعدل والإشادة بالمتَّصفين به، والنهي عن الظلم والتشنيع على مرتكبيه في أكثر من 350 موضعاً. ويعبر عن العدل أحياناً بالقسط وإقامة الميزان أو بما يدل على هذا المعنى، كما يعبر عن الظلم بالبغي والعدوان والبخس والطغيان.والعدل في الإسلام قيمة مطلقة ذات ميزان واحد يلتزم به المسلم كواجب أساسي في المنشط والمكره، وفي حالة الصداقة والعداوة، في القول والعمل، وفي الفعل والترك. قال تعالى: (( يأيها الذين ءامنوا كونوا قوامين لله شهدآء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون )(المائدة: ).قال المفسرون: المعنى: لا يحملكم بغض قوم يقاتلونكم في الدين على أن لا تعدلوا في معاملتهم.ويشهد لهذا التفسير الآية الأخرى: (( ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب )) (المائدة: 2).ولم يكن أحد أعدى للمسلمين من الذين صدوهم عن المسجد الحرام وقاتلوهم وأخرجوهم من ديارهم. (انظر أيضاً الآية 135 من سورة النساء).والعدل مطلوب في القول والعمل: (( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا )) (الأنعام: 152).العدل هو الحد الأدنى في معاملة المسلم لغيره، ولكن المسلم مدعو وراء العدل إلى درجات أعلى: فإذا كان العدل يتحقق بالمقابلة بالمثل، فالمسلم مدعو في القرآن والسنة إلى الصبر والعفو ومقابلة السيئة بالحسنة والبر والإحسان.قال تعالى: (( لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور )) (آل عمران: 18).وقال تعالى: (( والذين إذآ أصابهم البغى هم ينتصرون (39) وجزاؤا سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (40) ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (42) ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور )) (الشورى: 39-43).وقال تعالى: (( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شئ قدير )) (البقرة: 109).وقال تعالى: (( ادفع بالتي هي أحسن السيئة )) (المؤمنون: 96).وقال تعالى: (( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبيمه عداوة كأنه ولي حميم (34) وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم )) (فصلت: 34-35).وفي وصف عباد الرحمن قال تعالى: (( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما )) (الفرقان: 63).

وعلى القاعدة الأساسية – العدل تبنى أحكام العلاقات الدولية في الإسلام، سواء في حالة الحرب وفي حالة السلم، على التفصيل الآتي.أولاً: في حالة الحرب:يلاحظ في البداية من نصوص القرآن دلالتها على أن أشنع عمل للإنسان في علاقته بغيره (سفك الدماء، وإرادة العلو في الأرض، والفساد فيها).قال تعالى: ((قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء )) (البقرة: 30).وقال تعالى: (( من أجل ذلك كتبنا على بني إسراءيل ظظانه من قتل نفسا بغير نفس ظاو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا )) (المائدة: 32).وقال تعالى: (( وقضينا إلى بني إسراءيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتبن ولتعلن علواً كبيراً )) (الإسراء: 4).وقال تعالى: (( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الرحث والنسل والله لا يحب الفساد )) (البقرة: 205).وقال تعالى: (( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا )) (الإسراء: 33).وفي وصف المستحقين للجزاء الأخروي الحسن: (( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فدساداً والعاقبة للمتقين )) (القصص: 83).وقال تعالى: (( ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين )) (هود: 85 والشعراء: 183).وفي التشنيع على فرعون قال تعالى: (( وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين )) (يونس: 83 والدخان: 31).وقال تعالى: (( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهله شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبنائهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين )) (القصص: 4).وقال تعال: (( ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض )) (البقرة: 27 والرعد:25).وفي ذم اليهود قال تعالى: ((كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين )) (المائدة: 64).وبالجملة فإن ذم القتل بغير حق والعلو في الأرض والفساد فيها ورد في القرآن في أكثر من 120 موضعاً.لكل ما سبق كان من الطبيعي أن تكون الحرب في الإسلام مكروهة في الجملة، ينبغي ما أمكن تفاديها، وفي المعنى جاء الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاثْبُتُوا )) (متفق عليه). وكان من الطبيعي أن لا يسمح الإسلام بالحرب إلا في حالة الضرورة الشرعية، وفي هذه الحال تحكم الحرب مبادئ ترتكز على القيمة الأساسية (العدل).تتخلص المبادئ التي تحكم الحرب في ثلاثة مبادئ تضمنها الآية الكريمة: (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )) (البقرة: 190).

المبدأ الأول: أن يكون القتال في سبيل اللهبأن يخلص القصد منه إلى أن تكون كلمة الله هي العليا، فالمصلحة الشخصية أو القومية لا يبرر الحرب، بل تجعل الحرب غير شرعية في حكم الإسلام.وأهمية هذا المبدأ تظهر من أن القتال أو الجهاد نادراً ما يرد في القرآن دون تقييده بأن يكون في سبيل الله، وأحياناً يكون مقروناً بالأمر بالتقوى.و(التقوى) اصطلاح قرآني لا يوجد له مرادف في اللغة العربية، وربما لا يوجد في غيرها من اللغات، فهو يعني درجة عالية من الحساسية الخلقية، بأن يتصرَّف الإنسان وأوامر الله ونواهيه بين عينيه وأن يشعر بأن الله يراقبه في تصرفه ويراه، وأن الله إليه المآب والمصير.

سقوط العاصمة طرابلس في عهد القذافي

كاتب الموضوع الأصلي: صفوان زامل80

في 20 أغسطس 2011 بدا الثوار عملية عسكرية كبيرة للسيطرة على العاصمة طرابلس، وقالت مصادر إن الثوار سيطروا على عدد من أحياء طرابلس من بينها تاجوراء ومنطقة سوق الجمعة، كما تحدثت انباء عن وقوع اكثر من 100 قتيل في المعارك التي دارت في طرابلس، وتحدث الثوار انهم نجحوا في اسر العشرات من كتائب القذافي، في وقت وفر الحلف الاطلسي الغطاء الجوي اللازم للثورا عندما كثفت طائرات حلف الناتو قصفها على مواقع عسكرية داخل العاصمة طرابلس واعلن الثوار في نفس الوقت انهم سيطروا على قاعدة معيتيقة العسكرية واقتحموا منزل منصور ضو قائد الكتائب الأمنية في العاصمة، على النقيض من ذلك عقد موسى ابراهيم المتحدث باسم الحكومة الليبية مؤتمرا صحفيا تحدث فيه على ان الامور تحت السيطرة وان العاصمة “امنة جدا”، وقد بث التلفزيون الليبي كلمة للعقيد معمر القذافي شن فيها هجوما عنيفا على الثوار واتهمهم باستخدام المساجد لخدمة “النصارى” وتعهد بالقتال حتى النهاية وقال انه سيخرج منتصرا من معركة طرابلس.

في اليوم التالي واصل الثوار من الزنتان تقدمهم وتحدثت انباء انهم سيطروا على مطار طرابلس الدولي وعلى مبنى التلفزيون الرسمي الليبي، وقد سمعت اصوات إنفجارات ضخمة ودوي إطلاق نار في أغلب مناطق العاصمة الليبية طرابلس، وأفاد سكان بوقوع اشتباكات بالأسلحة الثقيلة في عدد من مناطق المدينة، وقد خرج سيف الاسلام القذافي امام حشد من عشرات الشبان قائلا ان نظام والده لن يستسلم وسيقاوم لاشهر أو سنوات لكنه سينتصر في النهاية، كما دعى موسى ابراهيم المتحدث باسم الحكومة إلى وقف إطلاق النار وانهاء العدوان الاطلسي على ليبيا مضيفا ان الحوار هو الحل الوحيد للخروج من الازمة.
في يوم 23 أغسطس دخل الثوار إلى بيت الصمود في باب العزيزية مقر اقامة القذافي بعد ساعات من الحصار والقصف الجوي المكثف من قبل الناتو، وقال الثوار الليبيون انهم باتو الآن يسيطرون سيطرة شبه كاملة على العاصمة طرابلس باستثناء حي بوسليم والهضبة الخضراء ومرافق قريبة منه مثل فندق “ركسوس” الذي يقيم فيه الصحفيون الأجانب ويسيطر عليه عناصر مسلحون موالون للقذافي هذا وقد تعرض الثوار لإطلاق نار من قبل القناصة المتمركزين حول الساحة الخضراء والتي تم تسميتها “ساحة الشهداء” بعد سيطرة المعارضين عليها في وقت تحدثت فيه انباء عن عن فرار رئيس الوزراء الليبي البغدادي المحمودي عبر الحدود إلى تونس، كما اعلن المجلس الانتقالي انه تمكن من اعتقال محمد القذافي الابن الأكبر للعقيد معمر القذافي قبل أن يتمكن من الفرار، في حين قال المجلس ان مصير القذافي مجهول وهو غير متؤكد إذا كان قد غادر البلاد، وقد اعلنت ايطاليا ان عبد السلام جلود الرجل الثاني في نظام القذافي اعلن انشقاقه وطلب اللجوء إليها، وقد صرح جلود انه يعتقد ان القذافي لن يستسلم ولن ينتحر وانه سوف يقاتل حتى النهاية

الاحتقانات الشعبية في عهد القذافي

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالملك العبدالله80

أبرز ثلاث احتقانات وأحداث شعبية شهيرة في عهد القذافي هيَ مجزرة سجن أبو سليم عام 1996 ومجزرة مشجعي كرة القدم عام 1996 ومظاهرات بنغازي عام 2006.
ففي عام 1996 قامت أجهزة الأمن الليبية بارتكاب إحدى أكبر المجازر في عهد القذافي بسجن أبو سليم، وهو سجن يُؤوي المُعتقلين السياسيين في المقام الأوَّل، ويُعد أكثر سجون ليبيا إحكاماً وتحصيناً، وبنقيض باقي سجون البلاد فهوَ لا يَخضع لإدارة وزارة العدل الليبية بل يُدار مُباشرة من طرف الأمن الداخلي لكن في شهر يونيو عام 1996 تمرَّد عدد كبير من السجناء مُطالبين بأن يُحاكموا بشفافية بدلاً من اعتقالهم قسرياً وبأن يَحصلوا على ظروف معتقل أقل سوءاً، وتمكن المُتمؤدون من السَّيطرة على جزء من السجن وطرد الحرس منه، ونتيجة لهذا فقد أطلقت أجهزة الأمن الليبية حملة يوم 28 يونيو من ذلك العام لقمع التمرُّد، واقتحمته في ذلك اليوم ميليشات القذافي معَ العديد من القادة الأمنيين البارزين مثل عبد الله السنوسي وموسى كوسا. وبعدَ بعض المُفاوضات بينهم وبين المُتمردين، بدأت عملية اقتحام المناطق التي يُسيطر عليها السجناء باستخدام الرشاشات والقنابل اليدوية، وبذلك بدأت المَجزرة، التي قبضوا خلالها على مئات المُتمردين وقاموا بتصفيتهم جماعياً، ويُقدر عدد ضحاياها بحوالي 1170 قتيلاً
وفي عام 1996 نفسه حدثت مجزرة أخرى أصغرَ حجماً في العاصمة طربلس أيضاً، إذ انتصرَ نادي الأهلي الطرابلسي على النادي الاتحادي في إحدى مباريات كرة القدم، فتحمَّسَ مشجعو الأهلي وأخذوا بالهتاف ضد النادي الاتحادي وتأييداً للأهلي، وقد كان وقتها الساعدي القذافي – ابن معمر القذافي – حاضراً في المباراة على المنصة الشرفية، فلم تَرق له هتافات الجمهور لأنه كان عضواً في النادي الاتحادي آنذاك، ولذلك أمرَ قوَّات الأمن بإطلاق النار على المُشجعين فوقعت المجزرة التي راحَ ضحيتها 20 مدنياً ممن كانوا يَهتفون للنادي الأهلي. وقد تسبَّبت هذه المجزرة بإغلاق نادي الأهلي والاتحاد وتجميد نشاط كرة القدم في كافة أنحاء ليبيا لمُدة ثلاث سنوات كاملة.
وفي بنغازي اندلعت أحداث عام 2006 بسبب أزمة الرسوم المسيئة للنبي محمد، التي خرج رداً عليها المئات في المدينة في يوم الجمعة 17 فبراير واتجهوا نحوَ القنصلية الإيطالية بها، وحاولَ المُتظاهرون اقتحام القنصلية فاعترضتهم قوَّات الشرطة، ثمَّ صعدَ فتى إلى مبناها وانتزعَ العلم فأطلقت الشرطة عليه النار، وبذلك بدأ الاشتباك بين المُتظاهرين الغاضبين ورجال الشرطة الذي تطوَّر إلى استخدام الرَّصاص الحي وانتهى بمقتل 11 متظاهراً وسُقوط ما لا يَقل عن 35 جريحاً. وبعدَ هذه المجزرة تطوَّرت الأحداث، فاندلعت الاحتجاجات مُجدداً يوم السبت وأحرق المُتظاهرون الغاضبون القنصلية الإيطالية بعدَ أن اتجهوا إليها مُجدداً، وخلال فترة أيام 18 – 20 فبراير توسعت دائرة مطالب المُحتجين، فأخذوا بالتوجه نحوَ رموز السلطة بليبيا نفسها، وأحرقوا أربع مقارٍ للشرطة ومبنيي الضرائب والمباحث الجنائية فضلاً عن اقتحامهم لمديرية الأمن في بنغازي، وكانت حصيلة المباني الحُكومية التي أحرقوها في آخر الأمر حوالي 30 مبنى. وفي سبيل احتواء هذه الاحتجاجات أعلنت السلطات الليبية الحداد على “شهداء” مجزرة 17 فبراير وأقالت وزير الأمن العام بالبلاد، كما اهتمَّت بنقل عددٍ من جرحى المُظاهرات للعلاج في الخارج. وبعدَ وُصول الاحتقان إلى هذا المستوى على مدى أربعة أيام من التوترات في مدينة بنغازي، انتهت الأحداث بفرض السلطات الليبية لحالة الطوارئ وإعلانها حظر التجوال في المدينة، معَ إرسال تعزيزات أمنية إليها من المناطق المُجاورة للحرص على عدم تكرار المُظاهرات.
كما شهدت مدينة البيضاء في 1 سبتمبر عام 2006 احتجاجاً عارمة أثناء احتفال انقلاب 1969 أو مايعرف الفاتح، وقام بعض المواطنين بالهجوم على عربات بها دبلوماسيين والعقيد القذافي احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية بالمدينة، مما أدى إلى كسر نوافذ السيارات ولم يصاب على اثرها أي شخص
أخرها شهدت مدينة يفرن في 24 ديسمبر عام2008 والتي تعد حاضرة أمازيغ ليبيا احتجاجات كبيرة بعدما قام مجموعة لسيف الإسلام نجل القذافي باقتحام المدينة ومداهمة لعدد كبير من منازل الناشطين حول قضية حقوق الثقافة الأمازيغية مما أثار غضب أبناء المدينة وتم حصار المدينة وقطع الكهرباء والإتصلات عنها وهدد القذافي بقصفها بالطائرات.

مفهوم الدبلوماسية

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الصويلح3332

مشتقة من كلمة يونانية بمعنى (( طوى )) للدلالة على الوثائق المطوية والأوراق الرسمية الصادرة عن الملوك والأمراء، ثم تطور معناها لتشمل الوثائق التي تتضمن نصوص الاتفاقات والمعاهدات .

أما في معناها العام الحديث فيمكن تعريفها على أنها مجموعة المفاهيم والقواعد و الإجراءات والمراسم والمؤسسات والأعراف الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول والمنظمات الدولية والممثلين الدبلوماسين ، بهدف خدمة المصالح العليا(الأمنية والاقتصادية ) والسياسات العامة وللتوفيق بين مصالح الدول بواسطة الاتصال وااتبادل و إجراء المفاوضات السياسية وعقد الاتفاقات والمعاهدات الدولية و تعتبر دبلوماسية أداة رئيسية من أدوات تحقيق أهداف السياسة الخارجية التأثير على الدول و الجماعات الخارجية بهدف استمالتها وكسب تأييدها بوسائل شتى منها ما هو إقناعي وأخلاقي ومنها ما هو ترهيبي ( مبطن ) و غير أخلاقي . وبالإضافة إلى توصيل المعلومات للحكومات والتفاوض معها تعنى الدبلوماسية بتعزيز العلاقات بين الدول وتطويرها في المجالات المختلفة و بالدفاع عن مصالح وأشخاص رعاياها في الخارج وتمثيل الحكومات فى المناسبات والأحداث إضافة إلى جمع المعلومات عن أحوال الدول والجماعات الخارجية وتقييم مواقف الحكومات والجماعات إزاء قضايا راهنة أو ردات فعل محتملة إزاء سياسات أو مواقف مستقبلية . تعود جذور الدبلوماسية إلى التاريخ البشري القديم حين نشأت استجابة لضرورة تنظيم العلاقات بين القبائل و الشعوب ( كالمصريين والبابليين و الآشوريين ) حيث مارس المبعوث دوراًَ سياسياً يعتبر في طليعة الأدوار السياسية الواضحة في المجتمعات الإنسانية. أما مهمة المبعوث فكانت إقامة التفاهم حول قضايا مختلف عليها كتقسيم المياه أو تحديد مناطق الصيد لكل من الأطراف أو إقامة التحالف ضد أطراف ثالثة او إعلان الحرب أو إبرام الصلح وتبادل الأسرى أو الوصول إلى الاتفاقيات التجارية وقد حاول اليونان و الرومان تنظيم هذه المهام بواسطة مبعوثين كانوا يسمونهم egatis ثم سارت الكنيسة المسيحية على نفس المنوال عندما أخذت مبعوثين مقيمين .

أما بالنسبة لعرب الجاهلية فكانت القبائل ترسل الوفود للتهاني والتعازي والتشاور و التفاوض و التحالف ، وقد عرفوا وظيفة (( سفارة )) وعرف عن بني عدي ، من بطون قريش ، توليهم السفارة قبل الإسلام وفي فجرالإسلام قام الرسل بمهام تبليغ الإنذار قبل البدء في القتال وتسوية المسائل المتعلقة بالهدنة و الصلح و تبادل الأسرى وتحريرهم بعد انتهاء الحرب .

وقد قام النبي العربي بإيفاد عدد من الرسل إلى كثير من رؤساء القبائل العربية التي قبل معظمهم الدعوة إلى اعتناق الإسلام . كما أوفد النبي الرسل إلى النجاشي ملك الحبشة والمقوقس ملك مصر وهرقل امبراطور الروم وكسرى ملك فارس وكانوا يحملون معهم كتباً متوجة بعبارة ((سلام على من اتبع الهدى)) يدعوهم فيها النبي إلى اعتناق الإسلام .

وقد استقبل الرسل من قبل الملوك والأباطرة بالتكريم عدا كسرى الفرس الذي مزق الكتاب المرسل معلناً بذلك الحرب على المسلمين . وقد حذا الخلفاء حذو الرسول في إيفاد الرسل والكتب والبعثات الدبلوماسية التي تنوعت أغراضها فعلاوة على تسوية الخلافات وعقد المعاهدات التجارية وتهنئة الحكام والملوك بتولي الحكم أو الزواج فقد شملت هذه البعثات الأغراض العلمية والثقافية إلى جانب الرغبة في معرفة أحوال الدول الأخرى لأسباب نفسية واجتماعية واقتصادية وحربية .

وقد توخى العرب انتقاء الرسل وفق توافر مواصفات معينة فيهم منها الجسامة والوسامة والثقافة والفصاحة والحصافة والعراقة والحلم . كما أن الدولة الإسلامية منحت الرسل الوافدين إليها الأمان والسلام طوال إقامتهم في ربوعها ، حتى عندما كان الفربحة يلجأون إلى الغدر برسل العرب كما حصل في عهد صلاح الدين الأيوبي إبان الحروب الصليبية ويعتبر مؤرخو الدبلوماسية أن المرحلة الثانية من مراحل الدبلوماسية نشأت مع إقدام جمهورية البندقية على إيفاد دبلوماسيين مقيمين ، وذلك إبان ازدهار تجارتها و نمو سلطانها البحري والحربي ، إلى القسطنطينية و روما ( مركز البابا الكاثوليكي ) والدول الإيطالية الرئيسية ، حيث عمدت إل نشر الفتن وحبك المؤامرات بواسطة مبعوثيها الدبلوماسيين . واستمر هذا المفهوم التآمري للدبلوماسية فترة من الزمن حتى أن بريطانيا حظرت على أعضاء البرلمان ( 1653) التحدث إلى أي ديبلوماسي أجنبي . وقد أرست معاهدة وستفاليا الموقعة عام 1648 قواعد الدبلوماسية الدائمة والمقيمة – وإن لم تحسم بوضوح نهائى مسألة امتيازاتها وحصاناتها – عندما نشيت مبدأ المساواة الحقوقية بين الدول ( وكان عددها آنذاك 12 ‏دولة أوروبية ) ورسخت فكرة التوازن الأوروبي كضرورة من ضرورات السلام والأمن في القارة الأوروبية أما المرحلة الثالثة من تطور الدبلوماسية فتؤشر بانعقاد مؤتمر فيينا عام 1815( سقوط نابليون الأول ) والتي امتدت حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، وتميزت بتأثرها بكتابات أساطين القانون الدولي ‏من أمثال غروشيوس وجنتليس ودي كاليير ، فاكتسبت العلاقات الدبلوماسية قواعد ثابتة وأسساً واضحة وترسخت مع مرور الزمن من خلال احترام لها وعملها بها .

وفي هذه المرحلة ترسخ البروتوكول الدبلوماسي كوسيلة من وسائل تمكين الدبلوماسي من شرح موقف حكومته بتعابير دقيقة ومهذبة . كما أصبح السفراء ممثلين للدولة لا لشخص الملك بالذات ومنتظمين في كادر يتمتع بكيان خاص ، وتناقض دور السفراء في التجسس والتخريب وتركزت مهامهم في إطلاع دولتهم على جميع ما يجري في البلاد المعتمدين لديها والإسهام في إيجاد الحلول اللاعنفية للمنازعات الدولية انطلاقاً من الحفاظ على موازين القوى .

أما العمل الدبلوماسي نفسه فاتسم بالسرية والكتمان وحصرت المعلومات الخاصة به بأشخاص قلائل وبالتالي تمتع السفراء بمرونة كبيرة وحرية في العمل وكانت تقاريرهم موضع ثقة واحترام من مسؤوليهم .وفي تلك الفترة تعززت فكرة الامتيازات والحصانات الدبلوماسية انطلاقاً من توفير الاطمئنان العام لتمكين الدبلوماسيين من القيام بمهامهم من التعبيرعن الاحترام للدولة الأخرى والحرص على حسن العلاقات معها وبالتالي فإن الاساءة لمبعوثيها تعني الاساءة للدولة الأخرى قد يؤدي ذلك إلى توتر العلاقات لدرجة إعلان الحرب بين الدول .

تنطلق فكرة الحرمة الدبلوماسية من مبدأ لاتيني يقول (( يجب ألا يتعرض السفير للضرب أو الإهانة )) وعلى هذا الأساس فإن الحصانة الدبلوماسية ترد إلى الأسس التالية :

أولاً – الصفة التمثيلية للممثل الدبلوماسي . اتخذت الدبلوماسية في البدء صفة علاقات شخصية بين الملوك والأمراء ، وبالتالي فإن الدبلوماسيين كانوا بمثابة ممثلين شخصيين لهؤلاء الحكام وكل اعتداء عليهم أو احتقار لهم إنما كان يعتبر موجهاً لمن يمثلون ولما كانت قوانين الملوك أو الأمراء لا تسري على غيرهم من الملوك والأمراء فإنها بالتالي لا تسري على ممثليهم .إلا أن هذه النظرية ضعفت مه مرور الزمن وبعد الثورة الفرنسيه نظراً لأن الدبلوماسيين باتوا يمثلون الدول لا الملوك والامراء ، كما أن شمول الامتيازات والحصانات لأفراد أسرة السفير المجردين من صفة التمثيل القت بعض التحفظ على هذه النظرية من الاساس.

ثانياً – اعتبار مقر البعثة الدبلوماسية واقعاً في أراضي الدولة الموفدة و بالتالي مستقلاً عن سيادة السلطة الإقليمية ( انظر امتداد الإقليم ) و غير ملزم بالخضوع لقوانينها . بيد أن هذه النظرية لم تسلم من انتقادات بعض علماء القانون و لم يرد ذكرها في اتفاقية العلاقات الدبلوماسية ( فيينا ) 1961.

‏ثالثا – مقتضيات العمل الدبلوماسي ، وهى نظرية تركز على ضرورة تمكين السفير من القيام بلمهام الملقاة على عاتقه بحرية و إخلاص و طمأنينة و بالتالي فإن الامتيازاتو الحصانات إنما تكون من مقتضيات ممارسة المهام الدبلوماسية .

رابعاً : مبدأ المعاملة بالمثل . و هو مبدأ قديم و بسيط و واضح ، يدفع الدول إلى مراعاة حسن المعاملة الدبلوماسيين المعتمدين لديها و منحهم الامتيازات و الحصانات الدبلوماسية لكي يحصل معتمدوها على معاملة مماثلة في الأقطار الأخرى كما يشمل هذا المبدأ الرد على قيام الدول الأخرى بطرد الممثلين الدبلوماسيين بحجة القيام بأعمال مشبوهة كالتجسس أو التخريب أو التدخل في الشؤون الداخلية و ذلك عن طريق اتخاذ إجراء مماثل بحق ممثل ذلك البلد المعتمدين لديها .

أما الحصانات و الامتيازات الدبلوماسية نفسها فتشمل شخص الممثل الدبلوماسي فلا يخضع لأي شكل من أشكال التوقيف أو السجن و تصان حريته و كرامته من كل اعتداء أو امتهان ، و يتمتع السفير بلقب صاحب السعادة و يرفع علم بلاده على مقر البعثة الدبلوماسية و سكن رئيس البعثة و سيارته أثناء قيامه بالمهام الرسمية و تتمتع مراسلاته و أمواله بالحصانة الكاملة .

إلا أنه يجوز في بعض الحالات الاستثنائية خرق حرمة مقر البعثة الدبلوماسية ، منها مثلاً نشوب الحريق . كما يرى بعض فقهاء القانون الدولي ( بينما يرى البعض الآخر غير ذلك ) إن عدم مراعاة البعثة الدبلوماسية لقاعدة عدم استخدام مقر البعثة لأعراض لا تتلاءم مع المهام الرسمية و المعترف بها دولياً يجيز للحكومة المستقبلة اقتحام دار البعثة إذا تأكد لديها (( أنه فيها مؤامرة تتناول سلامة الدولة ، أو أنها تتضمن كمية كبيرة من الأسلحة و الذخائر )) .

كما كان يحق لرئيس البعثة الدبلوماسية ممارسة حق الإيواء ( بالإنكليزية ) AsyIum و بالفرنسیة Droit dasile و هو حق منح الحمایة من الشرطة أو العدالة المحلية للأشخاص غير التابعين لدولة البعثة الدبلوماسية الذين يلجأون إلى مقر البعثة الدبلوماسية و ذلك عملاً بمبدأ الاستقلال عن الإقليم المحلي و الذي أخذ يضمحل تدريجاً ، خصوصاً بعد أن شدد البعض على أن ذلك يعارض مبدأ عدم جواز خرق سيادة الدولة المحلية و التدخل في شؤونها الداخلية . و على هذا الأساس ميز العرف بين حالات اللجوء السياسي و اللاجئين من المجرمين العاديين .

و هكذا نصت الاتفاقيات الدولية ( اتفاقية هافانا ) على وجوب تسليم المجرمين العاديين عندما تطلب إليهم ذلك السلطات المحلية ، و احترام لجوء الشخصيات السياسية لدور البعثات و السفن الحربية الأجنبية ، و ذلك في حالات الضرورة القصوى و التزام اللاجئ بالإمتناع عن الإخلال بالأمن العام أثناء لجوئه . و المعروف أن دول أميركا اللاتينية هي أكثر الحكومات ممارسة لمبدأ اللجوء السياسي و قد عقدت عدة اتفاقيات فيما بينها لتنظيم قواعد و ظروف اللجوء السياسي .

و على الرغم من وجاهة بواعث و أسباب الامتيازات و الحصانات الدبلوماسية و من ضرورات منحها لتسيير المهام الدبلوماسية ، فإن العديد من الدول و لا سيما الدول التي تمارس الهيمنة السياسة على الدول الأخرى قد استغلت تلك الحصانات لصالح تحقيق أهداف استغلالية و استعمارية و تجسسية و تحريضية في الدول الأخرى .

ففي البلدان غير الأوروبية لعبت البعثات الدبلوماسية دوراً تآمرياً كبيراً للتمهيد لسيطرة المصالح و التحالفات الأوروبية . و في المشرق العربي قامت هذه البعثات ( القنصلية ) – في القرن التاسع عشر – بأدوار مؤثرة لإحداث انشقاقات طائفية و سياسية بين السكان مستغلة ضعف الدولة العثمانية و تمكن الدول الأوروبية من الحصول على ما عرف بالامتيازات الأجنبية لرعاياها و نشاطاتها في أراضيها .

فتحت ستار حماية المصالح التجارية و نشر الثقافة و حرية التبشير الديني و الإرساليات الأجنبية قامت فرنسا و بريطانيا بالتحريض على الفتن الطائفية في لبنان و سورية و قامت القنصلية البريطانية في القدس بحماية الجالية اليهودية إضافة إلى الأدوار الاستخبارية المعروفة .

كما ازدهرت في تلك الحقبة فكرة فرص المواقف و السياسات على الدول الأضعف بواسطة التهديد و التدخل العسكرى عبر ما عرف بدبلوماسية البارجة المسلحة Gunboat Diplomacy ، إضافة إلى حماية المصالح الاستعمارية و تنميتها عن طريق دبلوماسية الدولار حيث سخرت الدول الكبرى نفوذها السياسي و العسكري لدعم المصالح الخاصة للأفراد و الشركات و كذلك استخدام الأموال و القروض لشراء النفوذ السياسي و التسهيلات الاقتصادية في بلدان العالم الثالث .

و كان إقدام الثورة البلشفية في روسيا على نشر الاتفاقات و المعاهدات السرية للحلفاء إبان الحرب العالمية الأولى إيذاناً بأفول حقبة الدبلوماسية التقليدية ، حيث لعبت الدبلوماسية السرية دوراً مرموقاً في خدمة أهداف الدول الاستعمارية و في سياساتها لاقتسام المغانم و الأسلاب في المستعمرات ( انظر سايكس – بيكو ، بالفور وعد ) .

و على الرغم من أفول الدبلوماسية التقليدية في ذلك التاريخ إلا أن الملامح العامة للدبلوماسية المعاصرة لم تكرس رسمياً إلا في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية الموقعة في 18 نيسان – ابريل 1961 .

تأثرت الدبلوماسية الجديدة بالتطورات السياسية و التكنولوجيا المعاصرة . فازدياد سرعة المواصلات الجوية و الإلكترونية قرب المسافات و قوى درجة التداخل ، كما أن توسع التجارة و ازدياد التعامل الاقتصادي و الثقافي و السياحي و العلمي جعل من الاعتماد المتبادل بين الشعوب و الدول ظاهرة سياسة رئيسية . كما أن مجمل هذه التطورات سهلت على رؤساء الدول و وزراء الخارجية القيام بالمهام الدبلوماسية مباشرة عن طريق الاشتراك في المحادثات الدولية و حضور المؤتمرات السياسية و العودة إلى عواصمهم في غضون ساعات أو أيام قليلة فتوسعت (( دبلوماسية القمة )) بدرجة كبيرة ( انظر سالت ، دبلوماسية الخطوة خطوة ، دبلوماسية المكوك ) .

كما أكثر الرؤساء من استخدام إيفاد الممثلين الشخصيين في مهمات دبلوماسية خاصة و لجأت الحكومات إلى استخدام أسلوب الحملات الدبلوماسية لشرح وجهات نظرها في موضوع هام و تحرص على شرحه على نطاق واسع . كما أن النمو الكبير في عدد الدول و زيادة الاعتماد فيما بينها

نمىّ ظاهرة المنظمات الدولية ، السياسية و غير السياسية ، و القارية و الإقليمية و ظاهرة التكتلات الدولية الثابتة ( انظر ناتو ، وارسو حلف ، عدم الانحياز ) ، بحيث أصبحت هذه المنظمات الميدان الأول للدبلوماسية الدولية و على صعيد آخر فإن دخول المجتمعات الإنسانية في القرن العشرين فيما اتفق على تسميته (( بعصر الجماهير )) و انتشار القراءة و العلم و نمو دور وسائل النشر و الاعلام بين عموم طبقات المجتمع ، رفع من أهمية الدور الذي يلعبه الرأي العام في السياسة و في مطالبة الهيئات التشريعية بتقديم المعلومات الصحيحة و المسهبة حول المفاوضات و الاتفاقات الدولية مما أدى الى ضمور ، الدبلوماسية السرية و انبثاق (( الدبلوماسية المكشوفة )) . فمنذ أواخر الحرب العالمية الأولى أصر الرئيس الأميركي وودرو ولسون على عقد الاتفاقات بصورة مكشوفة ، كما أيد عهد غصبة الأمم ذلك في مادته الثامنة عشرة ، و كذلك ميثاق الأمم المتحدة ( الموقع في حزيران يونيو 1945 ) في مادته 102 حيث توجب تسجيل جميع المعاهدات و الاتفاقات الدولية تحت طائلة عدم صلاحية التذرع بأحكامها في المنازعات الطارئة .

مفهوم الدبلوماسية

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الصويلح3332

مشتقة من كلمة يونانية بمعنى (( طوى )) للدلالة على الوثائق المطوية والأوراق الرسمية الصادرة عن الملوك والأمراء، ثم تطور معناها لتشمل الوثائق التي تتضمن نصوص الاتفاقات والمعاهدات .

أما في معناها العام الحديث فيمكن تعريفها على أنها مجموعة المفاهيم والقواعد و الإجراءات والمراسم والمؤسسات والأعراف الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول والمنظمات الدولية والممثلين الدبلوماسين ، بهدف خدمة المصالح العليا(الأمنية والاقتصادية ) والسياسات العامة وللتوفيق بين مصالح الدول بواسطة الاتصال وااتبادل و إجراء المفاوضات السياسية وعقد الاتفاقات والمعاهدات الدولية و تعتبر دبلوماسية أداة رئيسية من أدوات تحقيق أهداف السياسة الخارجية التأثير على الدول و الجماعات الخارجية بهدف استمالتها وكسب تأييدها بوسائل شتى منها ما هو إقناعي وأخلاقي ومنها ما هو ترهيبي ( مبطن ) و غير أخلاقي . وبالإضافة إلى توصيل المعلومات للحكومات والتفاوض معها تعنى الدبلوماسية بتعزيز العلاقات بين الدول وتطويرها في المجالات المختلفة و بالدفاع عن مصالح وأشخاص رعاياها في الخارج وتمثيل الحكومات فى المناسبات والأحداث إضافة إلى جمع المعلومات عن أحوال الدول والجماعات الخارجية وتقييم مواقف الحكومات والجماعات إزاء قضايا راهنة أو ردات فعل محتملة إزاء سياسات أو مواقف مستقبلية . تعود جذور الدبلوماسية إلى التاريخ البشري القديم حين نشأت استجابة لضرورة تنظيم العلاقات بين القبائل و الشعوب ( كالمصريين والبابليين و الآشوريين ) حيث مارس المبعوث دوراًَ سياسياً يعتبر في طليعة الأدوار السياسية الواضحة في المجتمعات الإنسانية. أما مهمة المبعوث فكانت إقامة التفاهم حول قضايا مختلف عليها كتقسيم المياه أو تحديد مناطق الصيد لكل من الأطراف أو إقامة التحالف ضد أطراف ثالثة او إعلان الحرب أو إبرام الصلح وتبادل الأسرى أو الوصول إلى الاتفاقيات التجارية وقد حاول اليونان و الرومان تنظيم هذه المهام بواسطة مبعوثين كانوا يسمونهم egatis ثم سارت الكنيسة المسيحية على نفس المنوال عندما أخذت مبعوثين مقيمين .

أما بالنسبة لعرب الجاهلية فكانت القبائل ترسل الوفود للتهاني والتعازي والتشاور و التفاوض و التحالف ، وقد عرفوا وظيفة (( سفارة )) وعرف عن بني عدي ، من بطون قريش ، توليهم السفارة قبل الإسلام وفي فجرالإسلام قام الرسل بمهام تبليغ الإنذار قبل البدء في القتال وتسوية المسائل المتعلقة بالهدنة و الصلح و تبادل الأسرى وتحريرهم بعد انتهاء الحرب .

وقد قام النبي العربي بإيفاد عدد من الرسل إلى كثير من رؤساء القبائل العربية التي قبل معظمهم الدعوة إلى اعتناق الإسلام . كما أوفد النبي الرسل إلى النجاشي ملك الحبشة والمقوقس ملك مصر وهرقل امبراطور الروم وكسرى ملك فارس وكانوا يحملون معهم كتباً متوجة بعبارة ((سلام على من اتبع الهدى)) يدعوهم فيها النبي إلى اعتناق الإسلام .

وقد استقبل الرسل من قبل الملوك والأباطرة بالتكريم عدا كسرى الفرس الذي مزق الكتاب المرسل معلناً بذلك الحرب على المسلمين . وقد حذا الخلفاء حذو الرسول في إيفاد الرسل والكتب والبعثات الدبلوماسية التي تنوعت أغراضها فعلاوة على تسوية الخلافات وعقد المعاهدات التجارية وتهنئة الحكام والملوك بتولي الحكم أو الزواج فقد شملت هذه البعثات الأغراض العلمية والثقافية إلى جانب الرغبة في معرفة أحوال الدول الأخرى لأسباب نفسية واجتماعية واقتصادية وحربية .

وقد توخى العرب انتقاء الرسل وفق توافر مواصفات معينة فيهم منها الجسامة والوسامة والثقافة والفصاحة والحصافة والعراقة والحلم . كما أن الدولة الإسلامية منحت الرسل الوافدين إليها الأمان والسلام طوال إقامتهم في ربوعها ، حتى عندما كان الفربحة يلجأون إلى الغدر برسل العرب كما حصل في عهد صلاح الدين الأيوبي إبان الحروب الصليبية ويعتبر مؤرخو الدبلوماسية أن المرحلة الثانية من مراحل الدبلوماسية نشأت مع إقدام جمهورية البندقية على إيفاد دبلوماسيين مقيمين ، وذلك إبان ازدهار تجارتها و نمو سلطانها البحري والحربي ، إلى القسطنطينية و روما ( مركز البابا الكاثوليكي ) والدول الإيطالية الرئيسية ، حيث عمدت إل نشر الفتن وحبك المؤامرات بواسطة مبعوثيها الدبلوماسيين . واستمر هذا المفهوم التآمري للدبلوماسية فترة من الزمن حتى أن بريطانيا حظرت على أعضاء البرلمان ( 1653) التحدث إلى أي ديبلوماسي أجنبي . وقد أرست معاهدة وستفاليا الموقعة عام 1648 قواعد الدبلوماسية الدائمة والمقيمة – وإن لم تحسم بوضوح نهائى مسألة امتيازاتها وحصاناتها – عندما نشيت مبدأ المساواة الحقوقية بين الدول ( وكان عددها آنذاك 12 ‏دولة أوروبية ) ورسخت فكرة التوازن الأوروبي كضرورة من ضرورات السلام والأمن في القارة الأوروبية أما المرحلة الثالثة من تطور الدبلوماسية فتؤشر بانعقاد مؤتمر فيينا عام 1815( سقوط نابليون الأول ) والتي امتدت حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، وتميزت بتأثرها بكتابات أساطين القانون الدولي ‏من أمثال غروشيوس وجنتليس ودي كاليير ، فاكتسبت العلاقات الدبلوماسية قواعد ثابتة وأسساً واضحة وترسخت مع مرور الزمن من خلال احترام لها وعملها بها .

وفي هذه المرحلة ترسخ البروتوكول الدبلوماسي كوسيلة من وسائل تمكين الدبلوماسي من شرح موقف حكومته بتعابير دقيقة ومهذبة . كما أصبح السفراء ممثلين للدولة لا لشخص الملك بالذات ومنتظمين في كادر يتمتع بكيان خاص ، وتناقض دور السفراء في التجسس والتخريب وتركزت مهامهم في إطلاع دولتهم على جميع ما يجري في البلاد المعتمدين لديها والإسهام في إيجاد الحلول اللاعنفية للمنازعات الدولية انطلاقاً من الحفاظ على موازين القوى .

أما العمل الدبلوماسي نفسه فاتسم بالسرية والكتمان وحصرت المعلومات الخاصة به بأشخاص قلائل وبالتالي تمتع السفراء بمرونة كبيرة وحرية في العمل وكانت تقاريرهم موضع ثقة واحترام من مسؤوليهم .وفي تلك الفترة تعززت فكرة الامتيازات والحصانات الدبلوماسية انطلاقاً من توفير الاطمئنان العام لتمكين الدبلوماسيين من القيام بمهامهم من التعبيرعن الاحترام للدولة الأخرى والحرص على حسن العلاقات معها وبالتالي فإن الاساءة لمبعوثيها تعني الاساءة للدولة الأخرى قد يؤدي ذلك إلى توتر العلاقات لدرجة إعلان الحرب بين الدول .

تنطلق فكرة الحرمة الدبلوماسية من مبدأ لاتيني يقول (( يجب ألا يتعرض السفير للضرب أو الإهانة )) وعلى هذا الأساس فإن الحصانة الدبلوماسية ترد إلى الأسس التالية :

أولاً – الصفة التمثيلية للممثل الدبلوماسي . اتخذت الدبلوماسية في البدء صفة علاقات شخصية بين الملوك والأمراء ، وبالتالي فإن الدبلوماسيين كانوا بمثابة ممثلين شخصيين لهؤلاء الحكام وكل اعتداء عليهم أو احتقار لهم إنما كان يعتبر موجهاً لمن يمثلون ولما كانت قوانين الملوك أو الأمراء لا تسري على غيرهم من الملوك والأمراء فإنها بالتالي لا تسري على ممثليهم .إلا أن هذه النظرية ضعفت مه مرور الزمن وبعد الثورة الفرنسيه نظراً لأن الدبلوماسيين باتوا يمثلون الدول لا الملوك والامراء ، كما أن شمول الامتيازات والحصانات لأفراد أسرة السفير المجردين من صفة التمثيل القت بعض التحفظ على هذه النظرية من الاساس.

ثانياً – اعتبار مقر البعثة الدبلوماسية واقعاً في أراضي الدولة الموفدة و بالتالي مستقلاً عن سيادة السلطة الإقليمية ( انظر امتداد الإقليم ) و غير ملزم بالخضوع لقوانينها . بيد أن هذه النظرية لم تسلم من انتقادات بعض علماء القانون و لم يرد ذكرها في اتفاقية العلاقات الدبلوماسية ( فيينا ) 1961.

‏ثالثا – مقتضيات العمل الدبلوماسي ، وهى نظرية تركز على ضرورة تمكين السفير من القيام بلمهام الملقاة على عاتقه بحرية و إخلاص و طمأنينة و بالتالي فإن الامتيازاتو الحصانات إنما تكون من مقتضيات ممارسة المهام الدبلوماسية .

رابعاً : مبدأ المعاملة بالمثل . و هو مبدأ قديم و بسيط و واضح ، يدفع الدول إلى مراعاة حسن المعاملة الدبلوماسيين المعتمدين لديها و منحهم الامتيازات و الحصانات الدبلوماسية لكي يحصل معتمدوها على معاملة مماثلة في الأقطار الأخرى كما يشمل هذا المبدأ الرد على قيام الدول الأخرى بطرد الممثلين الدبلوماسيين بحجة القيام بأعمال مشبوهة كالتجسس أو التخريب أو التدخل في الشؤون الداخلية و ذلك عن طريق اتخاذ إجراء مماثل بحق ممثل ذلك البلد المعتمدين لديها .

أما الحصانات و الامتيازات الدبلوماسية نفسها فتشمل شخص الممثل الدبلوماسي فلا يخضع لأي شكل من أشكال التوقيف أو السجن و تصان حريته و كرامته من كل اعتداء أو امتهان ، و يتمتع السفير بلقب صاحب السعادة و يرفع علم بلاده على مقر البعثة الدبلوماسية و سكن رئيس البعثة و سيارته أثناء قيامه بالمهام الرسمية و تتمتع مراسلاته و أمواله بالحصانة الكاملة .

إلا أنه يجوز في بعض الحالات الاستثنائية خرق حرمة مقر البعثة الدبلوماسية ، منها مثلاً نشوب الحريق . كما يرى بعض فقهاء القانون الدولي ( بينما يرى البعض الآخر غير ذلك ) إن عدم مراعاة البعثة الدبلوماسية لقاعدة عدم استخدام مقر البعثة لأعراض لا تتلاءم مع المهام الرسمية و المعترف بها دولياً يجيز للحكومة المستقبلة اقتحام دار البعثة إذا تأكد لديها (( أنه فيها مؤامرة تتناول سلامة الدولة ، أو أنها تتضمن كمية كبيرة من الأسلحة و الذخائر )) .

كما كان يحق لرئيس البعثة الدبلوماسية ممارسة حق الإيواء ( بالإنكليزية ) AsyIum و بالفرنسیة Droit dasile و هو حق منح الحمایة من الشرطة أو العدالة المحلية للأشخاص غير التابعين لدولة البعثة الدبلوماسية الذين يلجأون إلى مقر البعثة الدبلوماسية و ذلك عملاً بمبدأ الاستقلال عن الإقليم المحلي و الذي أخذ يضمحل تدريجاً ، خصوصاً بعد أن شدد البعض على أن ذلك يعارض مبدأ عدم جواز خرق سيادة الدولة المحلية و التدخل في شؤونها الداخلية . و على هذا الأساس ميز العرف بين حالات اللجوء السياسي و اللاجئين من المجرمين العاديين .

و هكذا نصت الاتفاقيات الدولية ( اتفاقية هافانا ) على وجوب تسليم المجرمين العاديين عندما تطلب إليهم ذلك السلطات المحلية ، و احترام لجوء الشخصيات السياسية لدور البعثات و السفن الحربية الأجنبية ، و ذلك في حالات الضرورة القصوى و التزام اللاجئ بالإمتناع عن الإخلال بالأمن العام أثناء لجوئه . و المعروف أن دول أميركا اللاتينية هي أكثر الحكومات ممارسة لمبدأ اللجوء السياسي و قد عقدت عدة اتفاقيات فيما بينها لتنظيم قواعد و ظروف اللجوء السياسي .

و على الرغم من وجاهة بواعث و أسباب الامتيازات و الحصانات الدبلوماسية و من ضرورات منحها لتسيير المهام الدبلوماسية ، فإن العديد من الدول و لا سيما الدول التي تمارس الهيمنة السياسة على الدول الأخرى قد استغلت تلك الحصانات لصالح تحقيق أهداف استغلالية و استعمارية و تجسسية و تحريضية في الدول الأخرى .

ففي البلدان غير الأوروبية لعبت البعثات الدبلوماسية دوراً تآمرياً كبيراً للتمهيد لسيطرة المصالح و التحالفات الأوروبية . و في المشرق العربي قامت هذه البعثات ( القنصلية ) – في القرن التاسع عشر – بأدوار مؤثرة لإحداث انشقاقات طائفية و سياسية بين السكان مستغلة ضعف الدولة العثمانية و تمكن الدول الأوروبية من الحصول على ما عرف بالامتيازات الأجنبية لرعاياها و نشاطاتها في أراضيها .

فتحت ستار حماية المصالح التجارية و نشر الثقافة و حرية التبشير الديني و الإرساليات الأجنبية قامت فرنسا و بريطانيا بالتحريض على الفتن الطائفية في لبنان و سورية و قامت القنصلية البريطانية في القدس بحماية الجالية اليهودية إضافة إلى الأدوار الاستخبارية المعروفة .

كما ازدهرت في تلك الحقبة فكرة فرص المواقف و السياسات على الدول الأضعف بواسطة التهديد و التدخل العسكرى عبر ما عرف بدبلوماسية البارجة المسلحة Gunboat Diplomacy ، إضافة إلى حماية المصالح الاستعمارية و تنميتها عن طريق دبلوماسية الدولار حيث سخرت الدول الكبرى نفوذها السياسي و العسكري لدعم المصالح الخاصة للأفراد و الشركات و كذلك استخدام الأموال و القروض لشراء النفوذ السياسي و التسهيلات الاقتصادية في بلدان العالم الثالث .

و كان إقدام الثورة البلشفية في روسيا على نشر الاتفاقات و المعاهدات السرية للحلفاء إبان الحرب العالمية الأولى إيذاناً بأفول حقبة الدبلوماسية التقليدية ، حيث لعبت الدبلوماسية السرية دوراً مرموقاً في خدمة أهداف الدول الاستعمارية و في سياساتها لاقتسام المغانم و الأسلاب في المستعمرات ( انظر سايكس – بيكو ، بالفور وعد ) .

و على الرغم من أفول الدبلوماسية التقليدية في ذلك التاريخ إلا أن الملامح العامة للدبلوماسية المعاصرة لم تكرس رسمياً إلا في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية الموقعة في 18 نيسان – ابريل 1961 .

تأثرت الدبلوماسية الجديدة بالتطورات السياسية و التكنولوجيا المعاصرة . فازدياد سرعة المواصلات الجوية و الإلكترونية قرب المسافات و قوى درجة التداخل ، كما أن توسع التجارة و ازدياد التعامل الاقتصادي و الثقافي و السياحي و العلمي جعل من الاعتماد المتبادل بين الشعوب و الدول ظاهرة سياسة رئيسية . كما أن مجمل هذه التطورات سهلت على رؤساء الدول و وزراء الخارجية القيام بالمهام الدبلوماسية مباشرة عن طريق الاشتراك في المحادثات الدولية و حضور المؤتمرات السياسية و العودة إلى عواصمهم في غضون ساعات أو أيام قليلة فتوسعت (( دبلوماسية القمة )) بدرجة كبيرة ( انظر سالت ، دبلوماسية الخطوة خطوة ، دبلوماسية المكوك ) .

كما أكثر الرؤساء من استخدام إيفاد الممثلين الشخصيين في مهمات دبلوماسية خاصة و لجأت الحكومات إلى استخدام أسلوب الحملات الدبلوماسية لشرح وجهات نظرها في موضوع هام و تحرص على شرحه على نطاق واسع . كما أن النمو الكبير في عدد الدول و زيادة الاعتماد فيما بينها

نمىّ ظاهرة المنظمات الدولية ، السياسية و غير السياسية ، و القارية و الإقليمية و ظاهرة التكتلات الدولية الثابتة ( انظر ناتو ، وارسو حلف ، عدم الانحياز ) ، بحيث أصبحت هذه المنظمات الميدان الأول للدبلوماسية الدولية و على صعيد آخر فإن دخول المجتمعات الإنسانية في القرن العشرين فيما اتفق على تسميته (( بعصر الجماهير )) و انتشار القراءة و العلم و نمو دور وسائل النشر و الاعلام بين عموم طبقات المجتمع ، رفع من أهمية الدور الذي يلعبه الرأي العام في السياسة و في مطالبة الهيئات التشريعية بتقديم المعلومات الصحيحة و المسهبة حول المفاوضات و الاتفاقات الدولية مما أدى الى ضمور ، الدبلوماسية السرية و انبثاق (( الدبلوماسية المكشوفة )) . فمنذ أواخر الحرب العالمية الأولى أصر الرئيس الأميركي وودرو ولسون على عقد الاتفاقات بصورة مكشوفة ، كما أيد عهد غصبة الأمم ذلك في مادته الثامنة عشرة ، و كذلك ميثاق الأمم المتحدة ( الموقع في حزيران يونيو 1945 ) في مادته 102 حيث توجب تسجيل جميع المعاهدات و الاتفاقات الدولية تحت طائلة عدم صلاحية التذرع بأحكامها في المنازعات الطارئة .