أ.د. أحمد محمد وهبان

حل واجب ساس 101 .. منيرة القريني

كاتب الموضوع الأصلي: منيرة القرينــي(101)

س1 / أن مجرد إحتكار الحاكمين لأدوات الإكراة المادي في المجتمع يعني بذاته السلطة السياسية ؟

لا أوافق على ذلك ..
فالسلطة السياسية لهـا ركنان .. ركن يتمثل في أحتكار الحاكمين لأدوات الإكراه المـادي .. والركن المعنوي الذي يتمثل فيه تصور افراد الشعب له على أنه إحتكار خير وشرعي يستهدف تحقيق الأمن والإستقرار داخل المجتمع ..

س2 / ترتبط الأيدولوجية اللبرالية بالإشتراكية في المجال الإقتصادي ؟

لا أوافق على ذلك ..
ترتبط في المجال الاقتصـأدي بالرأس ماليه .. وتقديس الملكية الخاصة .. والمنافسة الاقتصـادية واقتصاديات السوق ..

س3 / يشير أسلوب الثعلب في فكر ميكافيللي إلى الأداة الدبلوماسية ؟

اوافق على ذلك ..
لأن اسلوب الثعلب قآئم على المكر والخداع والمراوغة والنفاق والرياء .. وعلى الأمير أن لايفي بالعهود التي يقطعها على نفسه للأمراء الآخرين الا اذا كان في الوفاء بالعهد مصلحة له ..

س4/ أرتبط جون لوك بالمنهج الإختباري الصرف في فكرة السياسي ؟

لا اوافق على ذلك ..
فـ فلاسفة العقد الإجتماعي .. منهجهم هو المنهج / الفلسفي المثالي بمقدمات عقلية ..

س5 / يرى كارل ماركس أن السلطة السياسية ظاهرة أصلية في المجتمع ؟

لا أوافق على ذلك ..
فهو يؤمن بـ مجتمع الطبقة الواحده وهم طبقة الكادحون .. ولاوجود لسلطة تحكمهم ..

س6 / يرى توماس هوبز أن الملكية المطلقة هي أفضل أشكال الحكومات ؟

اوافق على ذلك ..
فهو يعتبرها قادرة على تحقيق السلام والأمن داخل المجتمع ..

س7 / يرتبط الفكر الميكافيللي بالأخلاقية في المجال السياسي ؟

اوافق على ذلك ..
فـ فكره قائم على فصل السياسة عن الأخلاق ..

س8 / يعتبر ابن خلدون مؤسس المنهج الفلسفي المثال ؟

لا أوافق على ذلك ..
فهو مؤسس المنهج العلمي التجريبي . .

س9 / قدم الإسلام آليات السلطة ولم يقدم مبادئ لنظام الحكم ؟

لا اوافق على ذلك ..

بل وضع العديد من المبـادئ التي يقوم عليها نظام الحكم .. وهي :
1- السيـادة والحاكمية لله ..
2- العدالة
3- الشورى
4- المساواة المطلقه

ما هي الديموقراطية !

كاتب الموضوع الأصلي: منيرة القرينــي(101)

ما هي الديموقراطية !

فؤاد النمري

قبل بضعة أسابيع نشرنا مقالاً بعنوان ” ما هي الحرية ؟ ” وقد أجبنا على السؤال العنوان بأن الحرية هي قيمة من إنتاج الإنسان ويمارسها الإنسان كيلا تقوم أية حواجز من أي نوع كان بينه وبين أدوات الإنتاج التي يعتمد عليها وحدها في العيش وتطوير حياته.

لقد اكتسبت الحرية، عبر استخدامها بعيداً عن معناها، معاني رومانسية خالطتها القدسية بصورة عامة وشذ عن ذلك تعريفنا المبين أعلاه إذ دنّسها، بمفهوم الرومانسيين، ونزع عنها كل ظلال القدسية بالرغم من أن وظيفة الحرية الحقيقية هي أقدس من كل المقدسات حيث أنها سر الحياة الإنسانية.

لعلنا نقوم بذات العمل بالنسبة إلى الديموقراطية فندنسها بمفهوم الديموقراطيين البورجوازيين الذين يسمون مائة وظيفة ووظيفة للديموقراطية لكن ليس من بينها الوظيفة الحقيقية الوحيدة للديموقراطية. إنهم يقومون بذلك لأن الفكر السياسي الخاص بالبورجوازية بكل أطيافها إنما هو فكر مصطنع ومزور لا يسمي الأشياء بأسمائها ولا يقوم أساساً على وقائع النشاط الإنساني على الأرض ويستغرق ذاته في بناء قلاع قوطية تسكنها الأشباح. وثمة من بين هؤلاء من تنقصه الوسائل الكافية للتعرف على حقيقة الديموقراطية وقد يكون بينهم بعض أنصاف الماركسيين، بل هم بينهم فعلاً.

ما هي الديموقراطية إذاً ؟؟

الديموقراطية بتحديد قاطع وصريح هي الشرط المحدد الذي يسمح بكل اضطرام للصراع الطبقي. إن ارتفاع سقف الديموقراطية يتناسب تناسباً طردياً مع حدة الصراع الطبقي. ثمة من يستغرب مثل هذا التفسير للديموقراطية ولا يوافق عليه؛ إنهم لا يوافقون على مثل هذا التفسير ليس لأنهم يسيئون تفسير الديموقراطية وفهمها فقط بل لأنهم قبل ذلك لا يفهمون معنى الصراع الطبقي. مثل هؤلاء وآخرون غيرهم يظنون أن الصراع الطبقي الذي رآه ماركس محركاً للتاريخ هو قيام الطبقة موضع الإستغلال برفع السلاح بوجه الطبقة المستغلة والعمل فيها تقتيلاً حتى الإبادة. لو كان الأمر كذلك لانقرض الإنسان من على وجه الأرض منذ زمن بعيد. الصراع الطبقي جرى على أشده بين العمال والرأسماليين خلال القرنين الأخيرين وقد رأينا، خلال ذلك، في أحد جوانب هذا الصراع أن الرأسماليين يوفرون عدداً من الخدمات الصحية كمسعى للمحافظة على صحة العمال وتكاثرهم إذ بدون ذلك لن يتمكن الرأسماليون من استغلال العمال استغلالاً كاملاً ولن يستطيعوا تأمين قوة العمل اللازمة للتوسع الصناعي.

يجري الصراع الطبقي بسبب تباين وسائل الإنتاج والالتصاق بها كونها سبب الحياة. الذين يعتاشون من وسيلة بعينها وينتجون ذات المنتوج يجهدون دائماً معاً لإعلاء شأن منتوجهم ومبادلته في السوق بأعلى قيمة بالنسبة إلى المنتوجات الأخرى. اختبرت شعوب المشرق العربي صنفاً من الصراع الطبقي استعر حتى الوصول إلى المواجهة المسلحة. في صدر القرن الماضي وما قبله شكل أهل البادية الذين كانوا يعتاشون بصورة عامة من الرعي، شكلوا كتائب مسلحة تمارس النهب على الفلاحين في مناطق الحضر الذين يعتاشون على الفلاحة وهي التي تضيّق على مناطق الرعي وتبخس منتوجات الرعاة. وصل الصراع حدود المواجهة المسلحة عندما غابت سلطة الدولة العثمانية. تباين وسائل الإنتاج ينعكس تبايناً في المنفعة التي ينتفعها الإنسان من الوسائل المختلفة. كل طبقة تنتصر لوسيلة معاشها وتحارب الطبقات الأخرى التي تضيّق على وسيلتها كأن تبخس منتوجاتها في السوق. وسائل الإنتاج تتحارب في السوق بأسلحة منتوجاتها الخاصة حرباً لا تنقطع للحظة واحدة. أما حرب السلاح فهي غالباً ما تكون نهاية الحرب المعلنة أما الحرب المستترة فتبقى إلى أمد مديد. وسيلة الإنتاج الأكثر انتفاعاً هي الوسيلة التقدمية التي تنتصر لها الديموقراطية دائماً وأبداً. تكامل الديموقراطية يترافق دائماً بزيادة أدوات وسيلة الإنتاج التقدمية لتمكنها من الإنتصار على وسائل الإنتاج الأخرى وقهرها ثم تحويل الناس المعتاشين من تلك الوسيلة إلى الإنتاج بواسطة الوسيلة التقدمية والتعيش منها. على هذا المنوال يتم محو الطبقات الذي تحدث عنه لينين في تعريفه للإشتراكية بقوله .. ” أن الإشتراكية إنما هي محو الطبقات”.

في صدد تقديم شرح واف للديموقراطية يتوجب الإشارة القوية إلى أن البورجوازية والتي لم تتخلق عضوياً في التاريخ إلا عبر الديموقراطية الحقيقية، الفضاء الأرحب للصراع مع الإقطاع، هذه البورجوازية التي تتخلق في رحم الإستغلال لبني الإنسان، قد قدمت معنىً مزيفاً للديموقراطية وهو المعنى السائد اليوم والذي يتلخص بالتشريع القائل .. ” الكل سواسية أمام القانون ” وهو التشريع الذي يبدو ديموقراطياً حتى النهاية وغير قابل للرفض أو الإعتراض لكنه في الحقيقة يفتقد لأي حسٍ بالديموقراطية وأبعد ما يكون عن الديموقراطية.

التشريع الذي ينظر إلى الناس أمامه على أنهم متساوون هو تشريع أعمى دون أدنى شك فالناس الذين يتقدمون إليه ليسوا متساوين على الإطلاق فمنهم من يملك ومنهم من لا يملك، منهم الغني ومنهم الفقير، منهم البورجوازي ومنهم الكادح، منهم الرأسمالي ومنهم العامل المأجور وأخيراً منهم الرجل ومنهم المرأة والطفل. ليس أحد من كل هؤلاء يساوي الآخر. فكيف ينظر مثل هذا التشريع البورجوازي إلى جميع هؤلاء على أنهم متساوون إن لم يكن أعمى عمىً تاماً؟ وكيف للديموقراطية المزيفة البورجوازية تساوي بين جميع هؤلاء؟

الخداع البورجوازي كان أقل بكثير من أن يخدع كارل ماركس الذي رأى التشريع البورجوازي ” الكل متساوون أمام القانون ” هو تشريع كاذب ومغشوش طالما أن الناس أمام القانون ووراء القانون ليسوا متساوين على الإطلاق؛ واستنتج ماركس تبعاً لذلك وجوب تساوي الناس قبل التقدم للاحتكام لأي قانون ينطوي على مفهوم العدالة. وهكذا قام الإختلاف البيّن والصريح بين الديموقراطية البورجوازية الزائفة والديموقراطية البروليتارية الحقيقية. لقد شرّعت البورجوازية هذا القانون الكاذب بهدف شرعنة استغلالها للعمال والكادحين وتأبيد هذا الاستغلال طالما أنه يجيز للرأسمالي أن يسرق العامل فيشغّله ثمان ساعات ولا يعطيه إلا أجر ست ساعات فقط.

صبيحة انتفاضة أكتوبر 1917 دعا البلاشفة بقيادة لينين جميع الأحزاب البورجوازية للاشتراك في مجلس الدولة؛ اعتذرت سائر الأحزاب بما في ذلك حزب المناشفة باستثناء أكبر الأحزاب، حزب الإشتراكيين الثوريين، وهو الحزب الذي قامت انتفاضة البلاشفة لإسقاط حكومته برئاسة زعيمة كيرنسكي، واشترك بمجلس الوزراء برئاسة لينين بثلاث حقائب. ما يتوجب عدم تناسيه من قبل المشتغلين بالعمل السياسي ومنهم عامة الشيوعيين هو أن البلاشفة انتفضوا لإسقاط حكومة كيرنسكي ليس من أجل إقامة النظام الإشتراكي بل من أجل استكمال برنامج الثورة البورجوازية في شباط التي أسقطت القيصرية وأتت بحكومة كيرنسكي البورجوازية. وما يستوجب الذكر في هذا المقام أيضاً هو أن الأممية الثانية وقبل أن ينشق عليها حزب لينين كانت قد اتخذت قراراً في مؤتمرها العام في بازل 1912 يطلب من الإشتراكيين الروس القيام بالثورة البورجوازية وتطويرها حتى النهاية نظراً لضعف البورجوازية في روسيا القيصرية. في هذا السياق ترتب على حكومة لينين أن تأخذ بالديموقراطية البورجوازية التي، بعلم البلاشفة، تسمح للبورجوازية باستغلال الطبقة العاملة وهي التي حزبها يقود الثورة، الثورة البورجوازية، ثورة شباط 1917، وقد قامت بداية على إقامة السلم والانسحاب من الحرب ثم تنفيذ الإصلاح الزراعي وانتخاب الجمعية التشريعية لوضع دستور الجمهورية.

ما عطّل برنامج البلاشفة في استكمال الثورة البورجوازية هو أن حكومة لينين ما كان بإمكانها إقامة السلم والانسحاب من الحرب إلا بتوقيع معاهدة صلح (بريست لوتوفسك) جائرة مع الألمان في آذار 1918 خاصة وأن أحوال الجيوش الروسية في جبهات القتال كانت قد أصبحت في غاية الصعوبة، كما ترددت بعض الأنباء عن مفاوضات سرية بين ألمانيا وبريطانيا حول إقتسام الإمبراطورية القيصرية بين الدولتين. جميع القوى السياسية ومنها الإشتراكيون الثوريون بل وبعض أطراف حزب البلاشفة عارضت المعاهدة بشدة مما دفع بالاشتراكيين الثوريين إلى الانسحاب من الحكومة وانضوت بالتالي جميع الأحزاب في ثورة مسلحة مضادة فكانت الحرب الأهلية وحروب التدخل 1918 ـ 1921.

الثورة البورجوازية الثانية أكتوبر 1917 ـ مارس 1918 التي قادها البلاشفة بزعامة لينين أقامت الديموقراطية البورجوازية بكل مظاهرها البورجوازية. مختلف الأحزاب والجماعات السياسية أصدرت صحفها دون حسيب أو رقيب ومارست العمل السياسي بكل أشكاله بل إن الحريات التي سادت في تلك الفترة القصيرة كانت أوسع بكثير من الحريات التي سمحت بها الحكومة البورجوازية شباط ـ أكتوبر 1917.

في الحروب لا تسمع إلا لغة السلاح وسفك الدماء وتغيب نهائيا كل الحريات ومسوح الديموقراطية. في العام 1921 بعد انتصار البلاشفة الحاسم على جيوش التدخل والروس البيض وجد البلاشفة أنفسهم القوة السياسية الوحيدة على امتداد الإمبراطورية القيصرية القارية. لقد أصبح متعذراً استكمال الثورة البورجوازية بدون بورجوازيين بعد أن حكم هؤلاء على أنفسهم بالفناء. الشيوعيون البلاشفة غير قادرين على بناء نظام رأسمالي حتى وإن أرادوا. الذين حاربوا البلاشفة من مختلف صنوف الرجعية والبورجوازية هم الذين لم يتركوا خياراً أمام العمال والفلاحين الذين حموا الثورة ودافعوا عنها حتى النهاية سوى الخيار الإشتراكي. أثناء عملية بناء الرأسمالية يمكن تسويق الديموقراطية الليبرالية أما في العملية الإشتراكية فلا تقوم إلا الديموقراطية الإشتراكية أو ديموقراطية دولة البروليتاريا الدكتاتورية.

يرى العامة تناقضاً صارخاً في القول، ديموقراطية دكتاتورية البروليتاريا. ننبه هنا أن دكتاتورية البروليتاريا موجهة فقط لإعلاء منسوب الديموقراطية وتوفير كل الأدوات التي تسمح للبروليتاريا بمنازلة الطبقات الأخرى منازلة عادلة، لكل أرضه ومن كل سلاحه، بعكس ما كان سائداً في ظل الديموقراطية البورجوازية حين لم تتوفر للبروليتاريا الأسلحة المكافئة للمقاومة. أدوات الإنتاج البروليتاري أكثر كفاءة بالطبع من أدوات إنتاج كل الطبقات الأخرى. في النظام الرأسمالي كان الرأسماليون يصادرون أدوات الإنتاج التي تعمل بها البروليتاريا بتعسف صارخ أما في ظل دكتاتورية البروليتاريا فالأدوات ملك البروليتاريا ويشغلونها في إنتاج جمعي يشارك فيه كل المجتمع (Associated Production) . مثل هذا النمط من الإنتاج الذي ينتج بكميات كبيرة (Mass Production) لا يغالبه أي نمط آخر من الإنتاج. وعليه تكون البروليتاريا مؤهلة لإلغاء كل الأنماط الأخرى من الإنتاج ومحو الطبقات المعتاشة بها من المجتمع وذلك لخير ورفاه العامة دون تمييز. ديموقراطية دكتاتورية البروليتاريا تجهد لأن تحرر الإنسان من قيد الإنتاج الثقيل الذي رسفت فيه الإنسانية منذ بدء التاريخ، هذا القيد الذي يترك الناس بلا خبز إن لم يرسفوا فيه، حتى الرأسماليين الذين يتاجرون بقوى العمل فإنهم مقيدون في قيد الإنتاج رغم أن القيد من صناعتهم. ديموقراطية دكتاتورية البروليتاريا تنحو لأن تتكفل بكافة حقوق الناس في الحياة دون مقابل وبغض النظر عما ينتجون وعما يقدمون للمجتمع.

أما الديموقراطية البورجوازية الليبرالية فإنها تقوم أساساً على تأبيد استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. يستنزف الرأسماليون دماء العمال ومع ذلك يدعونهم إلى انتخابهم كل أربع سنوات. هل سجل التاريخ مرة واحدة أن النظام الرأسمالي انقلب إلى النظام الاشتراكي بفعل الإنتخابات العامة؟ العبد لا ينتخب أبداً إلا من يطعمه وهو السيد. الديموقراطية البورجوازية تبيح للفقراء أن يقولوا ما يشاءون وأن يعتقدوا فيما يشاءون طالما أنهم يقبلون أن يبيعوا أنفسهم لصاحب العمل بثمن بخس. ما ضرر قولهم وفكرهم حينذاك؟

أي مقارنة بين الديموقراطية البورجوازية من جهة والديموقراطية البروليتارية من جهة أخرى تقتضينا أن نتساءل .. ماذا لو سلم البلاشفة السلطة في روسيا إلى البورجوازية بأحزابها المختلفة في أذار 1918 وعلى رأسها حزب الإشتراكيين الثوريين، وهي الأحزاب التي رفضت معاهدة صلح بريست لوتوفسك، ووفروا على روسيا الحرب الأهلية وحروب التدخل؟ هل كانت البورجوازية الروسية ستضمن السيادة الروسية على كامل أراضي روسيا وجمهوريات الإتحاد الأخرى الخمس عشرة ؟ كانت الجيوش الروسية في الجبهات منهكة تماماً يهدها الجوع ويهرب أفرادها عائدين إلى بيوتهم. كان يرجح في مثل تلك الظروف أن تحتل ألمانيا شمال روسيا حتى شواطئ البحر الأسود وتحتل بريطانيا بالمقابل القوقاز وجمهوريات آسيا الوسطى خصوصاً وأن الحديث كان قد جرى عن مثل هذا التقسيم. وفي حالة كهذه كانت روسيا ستتحول إلى مستعمرة ألمانية وأخرى انجليزية ولن تتطور إقتصاداتها إذّاك إلا في نمط الإقتصاد الطرفي التابع. وإذا كان علينا أن نتصور مسار التاريخ انطلاقاً من مثل هذا التصوّر المحتمل فسوف يتحتم علينا أن نعترف إذّاك بأن مرحلة الإمبريالية كانت سوف لن تنتهي في بداية الربع الرابع من القرن العشرين ولعلها كانت ستغطي قرناً آخر. لن تكون هناك حركة تحرر وطني تستند إلى دولة إشتراكية عظمى. لن ينهض الإتحاد السوفياتي نهضة جبارة مكنته من سحق النازية المجهزة بكل موارد القارة الأوروبية المادية والبشرية. لو استطاعت البورجوازية الروسية من استعادة السلطة من أيدي البلاشفة عام 1919 لكانت الشعوب السوفيتية قد اصطفت في طوابير طويلة لتناول الحساء الفقير مثلما جرى في الولايات المتحدة وفي أوروبا الغربية في ثلاثينيات القرن الماضي في الوقت الذي كانت ترغد في خيرات وفيرة كما شهد على ذلك في العام 1933 الكاتبان البريطانيان الشهيران برنارد شو وهربرت جورج ويلز كما الصحافة الأميركية بمجملها في العام 1936.

من المفيد أن نؤكد مرة أخرى قبل أن ننهي على أن الديموقراطية هي توفير الفضاء الأرحب لاضطرام الصراع الطبقي الذي هو محرك التاريخ. كلما احتدم الصراع الطبقي كلما تسارع التاريخ ناقلاً الإنسانية إلى مراحل حضارية متقدمة. تتصارع وسائل الإنتاج المختلفة ولا تسود (prevail) بالتالي إلا الوسيلة الفضلى والأكثر كفاءة في تلبية حاجات الشعب المتزايدة. بمثل هذا تتوظف ديموقراطية البروليتاريا. أما الديموقراطية البورجوازية فلا تعمل إلا في الحد من احتدام الصراع الطبقي مما يشد ركب تقدم الإنسانية إلى الخلف وتحافظ كلما اقتضى الأمر على سلامة دورة الإنتاج الرأسمالي وتسهيلها من خلال تأمين فائض القيمة للرأسماليين، أي سرقة العمال. مع ذلك تدّعي البورجوازية أنها توفر فضاء رحباً من الديموقراطية للعمال. الصحيح أنها توفر فضاء محدوداً فقط وذلك ليس تسامحاً وكرم أخلاق منها بل لأن العمال هم مادة تجارتها ولا بد أن تراعي أحوالهم بما يخدم تجارتها.

الديموقراطية البروليتارية التي تجذّرت في الأراضي السوفياتية سمحت لمأفون مثل بوريس يلتسن ووراءه بضع مئات من الشباب المخدوعين بقشور الحضارة الغربية أن يطيحوا بأقوى وأعظم دولة في العالم. رب من يعترض بالقول أن تلك الدولة القوية العظمى لم تجد من يدافع عنها؛ لكن ذلك يزكي ديموقراطيتها مرة أخرى حيث أن دولة الديموقراطية البورجوازية تستأجر منظمة إجرامية في إدارة الشرطة تحفظ أمن دولة العصابة المجرمة كما حال العديد من الدول العربية بشكل خاص. كما يجب ألا نسقط من اعتبارنا في هذا السياق أن دولة خروتشوف وخلفائه لم تكن دولة البروليتاريا إلا أن تقاليد الديموقراطية البروليتارية التي سادت لأكثر من ثلاثة عقود لم تكن لتسمح لعصابات المرتدين أن يقيموا أمن العصابات المأجورة فسقطت دولة بحجم الإتحاد السوفياتي في مواجهة مظاهرة صغيرة غير مسلحة.

جيش عرمرم من الإعلاميين المأجورين للإمبريالية قام بحملة صليبية على النظام السوفياتي ما تزال محتدمة حتى اليوم بدعاوى غياب الديموقراطية. من المؤسف أن هذه الحملة المأجورة نجحت في تضليل قطاعات واسعة من الشيوعيين الذين يتهمون ستالين اليوم بعد سبعين عاماً بقتل ملايين المواطنين السوفييت. بوسعنا أن نؤكد لكل المأجورين والمضللين أن ما من قرار كان يتخذ من قبل الدولة السوفياتية على مختلف المستويات دون أن يخضع للمناقشة والتصويت من قبل المعنيين. حتى القرارات الحربية التي لا يجوز أن تخضع للتصويت كما هو معروف في عالم العسكر والحروب خضعت للمناقشة والتصويت من قبل كوادر الجيش المسؤولة خلال العام الأول للحرب الوطنية 1941 ـ 1942 ولم يتوقف ذلك قبل ثلاث إنذارات من قبل القيادة العامة تهدد بإنزال أقسى العقوبات بمن يمارس التصويت على قرارات القيادة الحربية. هكذا كان حال القرارات الحربية فما بالك بالقرارات المدنية؟

وبوسعنا أن نؤكد أيضاً أن ستالين لم يوقع على أي من أحكام الإعدام الصادرة من قبل محاكم مختصة نظرت في الدعاوى بصورة علنية وبحضور وكالات الأنباء الغربية. كان رئيس الوزراء هو من يصادق نهائياً على أحكام الإعدام وستالين كان في طيلة ثلاثينيات القرن الماضي أميناً عاماً للحزب وليس رئيساً للوزراء.

ما كان ممنوعاً حقاً في المجتمع السوفياتي هو الدعوة إلى استبدال النظام الإشتراكي بالنظام الرأسمالي. إننا نعذر السلطات السوفياتية باعتبار الذين يتبنون مثل هذه الدعوة مجانين يودعون في المارستانات وليس في السجون. لكن بالمقابل لنر دولة الديموقراطية البورجوازية في أميركا وبريطانيا وألمانيا ما كانت تعمله بالشيوعيين الذين يدعون إلى استبدال النظام الرأسمالي بالإشتراكية. منع الشيوعيون من العمل في تلك الدول وكان يقضى عليهم وعلى عائلاتهم بالجوع وبالمرض، في حين كانت الدولة السوفياتية تتكفل بحياة أفراد أسر المعادين للنظام

ما هي الديموقراطية !

كاتب الموضوع الأصلي: منيرة القرينــي(101)

ما هي الديموقراطية !

فؤاد النمري

قبل بضعة أسابيع نشرنا مقالاً بعنوان ” ما هي الحرية ؟ ” وقد أجبنا على السؤال العنوان بأن الحرية هي قيمة من إنتاج الإنسان ويمارسها الإنسان كيلا تقوم أية حواجز من أي نوع كان بينه وبين أدوات الإنتاج التي يعتمد عليها وحدها في العيش وتطوير حياته.

لقد اكتسبت الحرية، عبر استخدامها بعيداً عن معناها، معاني رومانسية خالطتها القدسية بصورة عامة وشذ عن ذلك تعريفنا المبين أعلاه إذ دنّسها، بمفهوم الرومانسيين، ونزع عنها كل ظلال القدسية بالرغم من أن وظيفة الحرية الحقيقية هي أقدس من كل المقدسات حيث أنها سر الحياة الإنسانية.

لعلنا نقوم بذات العمل بالنسبة إلى الديموقراطية فندنسها بمفهوم الديموقراطيين البورجوازيين الذين يسمون مائة وظيفة ووظيفة للديموقراطية لكن ليس من بينها الوظيفة الحقيقية الوحيدة للديموقراطية. إنهم يقومون بذلك لأن الفكر السياسي الخاص بالبورجوازية بكل أطيافها إنما هو فكر مصطنع ومزور لا يسمي الأشياء بأسمائها ولا يقوم أساساً على وقائع النشاط الإنساني على الأرض ويستغرق ذاته في بناء قلاع قوطية تسكنها الأشباح. وثمة من بين هؤلاء من تنقصه الوسائل الكافية للتعرف على حقيقة الديموقراطية وقد يكون بينهم بعض أنصاف الماركسيين، بل هم بينهم فعلاً.

ما هي الديموقراطية إذاً ؟؟

الديموقراطية بتحديد قاطع وصريح هي الشرط المحدد الذي يسمح بكل اضطرام للصراع الطبقي. إن ارتفاع سقف الديموقراطية يتناسب تناسباً طردياً مع حدة الصراع الطبقي. ثمة من يستغرب مثل هذا التفسير للديموقراطية ولا يوافق عليه؛ إنهم لا يوافقون على مثل هذا التفسير ليس لأنهم يسيئون تفسير الديموقراطية وفهمها فقط بل لأنهم قبل ذلك لا يفهمون معنى الصراع الطبقي. مثل هؤلاء وآخرون غيرهم يظنون أن الصراع الطبقي الذي رآه ماركس محركاً للتاريخ هو قيام الطبقة موضع الإستغلال برفع السلاح بوجه الطبقة المستغلة والعمل فيها تقتيلاً حتى الإبادة. لو كان الأمر كذلك لانقرض الإنسان من على وجه الأرض منذ زمن بعيد. الصراع الطبقي جرى على أشده بين العمال والرأسماليين خلال القرنين الأخيرين وقد رأينا، خلال ذلك، في أحد جوانب هذا الصراع أن الرأسماليين يوفرون عدداً من الخدمات الصحية كمسعى للمحافظة على صحة العمال وتكاثرهم إذ بدون ذلك لن يتمكن الرأسماليون من استغلال العمال استغلالاً كاملاً ولن يستطيعوا تأمين قوة العمل اللازمة للتوسع الصناعي.

يجري الصراع الطبقي بسبب تباين وسائل الإنتاج والالتصاق بها كونها سبب الحياة. الذين يعتاشون من وسيلة بعينها وينتجون ذات المنتوج يجهدون دائماً معاً لإعلاء شأن منتوجهم ومبادلته في السوق بأعلى قيمة بالنسبة إلى المنتوجات الأخرى. اختبرت شعوب المشرق العربي صنفاً من الصراع الطبقي استعر حتى الوصول إلى المواجهة المسلحة. في صدر القرن الماضي وما قبله شكل أهل البادية الذين كانوا يعتاشون بصورة عامة من الرعي، شكلوا كتائب مسلحة تمارس النهب على الفلاحين في مناطق الحضر الذين يعتاشون على الفلاحة وهي التي تضيّق على مناطق الرعي وتبخس منتوجات الرعاة. وصل الصراع حدود المواجهة المسلحة عندما غابت سلطة الدولة العثمانية. تباين وسائل الإنتاج ينعكس تبايناً في المنفعة التي ينتفعها الإنسان من الوسائل المختلفة. كل طبقة تنتصر لوسيلة معاشها وتحارب الطبقات الأخرى التي تضيّق على وسيلتها كأن تبخس منتوجاتها في السوق. وسائل الإنتاج تتحارب في السوق بأسلحة منتوجاتها الخاصة حرباً لا تنقطع للحظة واحدة. أما حرب السلاح فهي غالباً ما تكون نهاية الحرب المعلنة أما الحرب المستترة فتبقى إلى أمد مديد. وسيلة الإنتاج الأكثر انتفاعاً هي الوسيلة التقدمية التي تنتصر لها الديموقراطية دائماً وأبداً. تكامل الديموقراطية يترافق دائماً بزيادة أدوات وسيلة الإنتاج التقدمية لتمكنها من الإنتصار على وسائل الإنتاج الأخرى وقهرها ثم تحويل الناس المعتاشين من تلك الوسيلة إلى الإنتاج بواسطة الوسيلة التقدمية والتعيش منها. على هذا المنوال يتم محو الطبقات الذي تحدث عنه لينين في تعريفه للإشتراكية بقوله .. ” أن الإشتراكية إنما هي محو الطبقات”.

في صدد تقديم شرح واف للديموقراطية يتوجب الإشارة القوية إلى أن البورجوازية والتي لم تتخلق عضوياً في التاريخ إلا عبر الديموقراطية الحقيقية، الفضاء الأرحب للصراع مع الإقطاع، هذه البورجوازية التي تتخلق في رحم الإستغلال لبني الإنسان، قد قدمت معنىً مزيفاً للديموقراطية وهو المعنى السائد اليوم والذي يتلخص بالتشريع القائل .. ” الكل سواسية أمام القانون ” وهو التشريع الذي يبدو ديموقراطياً حتى النهاية وغير قابل للرفض أو الإعتراض لكنه في الحقيقة يفتقد لأي حسٍ بالديموقراطية وأبعد ما يكون عن الديموقراطية.

التشريع الذي ينظر إلى الناس أمامه على أنهم متساوون هو تشريع أعمى دون أدنى شك فالناس الذين يتقدمون إليه ليسوا متساوين على الإطلاق فمنهم من يملك ومنهم من لا يملك، منهم الغني ومنهم الفقير، منهم البورجوازي ومنهم الكادح، منهم الرأسمالي ومنهم العامل المأجور وأخيراً منهم الرجل ومنهم المرأة والطفل. ليس أحد من كل هؤلاء يساوي الآخر. فكيف ينظر مثل هذا التشريع البورجوازي إلى جميع هؤلاء على أنهم متساوون إن لم يكن أعمى عمىً تاماً؟ وكيف للديموقراطية المزيفة البورجوازية تساوي بين جميع هؤلاء؟

الخداع البورجوازي كان أقل بكثير من أن يخدع كارل ماركس الذي رأى التشريع البورجوازي ” الكل متساوون أمام القانون ” هو تشريع كاذب ومغشوش طالما أن الناس أمام القانون ووراء القانون ليسوا متساوين على الإطلاق؛ واستنتج ماركس تبعاً لذلك وجوب تساوي الناس قبل التقدم للاحتكام لأي قانون ينطوي على مفهوم العدالة. وهكذا قام الإختلاف البيّن والصريح بين الديموقراطية البورجوازية الزائفة والديموقراطية البروليتارية الحقيقية. لقد شرّعت البورجوازية هذا القانون الكاذب بهدف شرعنة استغلالها للعمال والكادحين وتأبيد هذا الاستغلال طالما أنه يجيز للرأسمالي أن يسرق العامل فيشغّله ثمان ساعات ولا يعطيه إلا أجر ست ساعات فقط.

صبيحة انتفاضة أكتوبر 1917 دعا البلاشفة بقيادة لينين جميع الأحزاب البورجوازية للاشتراك في مجلس الدولة؛ اعتذرت سائر الأحزاب بما في ذلك حزب المناشفة باستثناء أكبر الأحزاب، حزب الإشتراكيين الثوريين، وهو الحزب الذي قامت انتفاضة البلاشفة لإسقاط حكومته برئاسة زعيمة كيرنسكي، واشترك بمجلس الوزراء برئاسة لينين بثلاث حقائب. ما يتوجب عدم تناسيه من قبل المشتغلين بالعمل السياسي ومنهم عامة الشيوعيين هو أن البلاشفة انتفضوا لإسقاط حكومة كيرنسكي ليس من أجل إقامة النظام الإشتراكي بل من أجل استكمال برنامج الثورة البورجوازية في شباط التي أسقطت القيصرية وأتت بحكومة كيرنسكي البورجوازية. وما يستوجب الذكر في هذا المقام أيضاً هو أن الأممية الثانية وقبل أن ينشق عليها حزب لينين كانت قد اتخذت قراراً في مؤتمرها العام في بازل 1912 يطلب من الإشتراكيين الروس القيام بالثورة البورجوازية وتطويرها حتى النهاية نظراً لضعف البورجوازية في روسيا القيصرية. في هذا السياق ترتب على حكومة لينين أن تأخذ بالديموقراطية البورجوازية التي، بعلم البلاشفة، تسمح للبورجوازية باستغلال الطبقة العاملة وهي التي حزبها يقود الثورة، الثورة البورجوازية، ثورة شباط 1917، وقد قامت بداية على إقامة السلم والانسحاب من الحرب ثم تنفيذ الإصلاح الزراعي وانتخاب الجمعية التشريعية لوضع دستور الجمهورية.

ما عطّل برنامج البلاشفة في استكمال الثورة البورجوازية هو أن حكومة لينين ما كان بإمكانها إقامة السلم والانسحاب من الحرب إلا بتوقيع معاهدة صلح (بريست لوتوفسك) جائرة مع الألمان في آذار 1918 خاصة وأن أحوال الجيوش الروسية في جبهات القتال كانت قد أصبحت في غاية الصعوبة، كما ترددت بعض الأنباء عن مفاوضات سرية بين ألمانيا وبريطانيا حول إقتسام الإمبراطورية القيصرية بين الدولتين. جميع القوى السياسية ومنها الإشتراكيون الثوريون بل وبعض أطراف حزب البلاشفة عارضت المعاهدة بشدة مما دفع بالاشتراكيين الثوريين إلى الانسحاب من الحكومة وانضوت بالتالي جميع الأحزاب في ثورة مسلحة مضادة فكانت الحرب الأهلية وحروب التدخل 1918 ـ 1921.

الثورة البورجوازية الثانية أكتوبر 1917 ـ مارس 1918 التي قادها البلاشفة بزعامة لينين أقامت الديموقراطية البورجوازية بكل مظاهرها البورجوازية. مختلف الأحزاب والجماعات السياسية أصدرت صحفها دون حسيب أو رقيب ومارست العمل السياسي بكل أشكاله بل إن الحريات التي سادت في تلك الفترة القصيرة كانت أوسع بكثير من الحريات التي سمحت بها الحكومة البورجوازية شباط ـ أكتوبر 1917.

في الحروب لا تسمع إلا لغة السلاح وسفك الدماء وتغيب نهائيا كل الحريات ومسوح الديموقراطية. في العام 1921 بعد انتصار البلاشفة الحاسم على جيوش التدخل والروس البيض وجد البلاشفة أنفسهم القوة السياسية الوحيدة على امتداد الإمبراطورية القيصرية القارية. لقد أصبح متعذراً استكمال الثورة البورجوازية بدون بورجوازيين بعد أن حكم هؤلاء على أنفسهم بالفناء. الشيوعيون البلاشفة غير قادرين على بناء نظام رأسمالي حتى وإن أرادوا. الذين حاربوا البلاشفة من مختلف صنوف الرجعية والبورجوازية هم الذين لم يتركوا خياراً أمام العمال والفلاحين الذين حموا الثورة ودافعوا عنها حتى النهاية سوى الخيار الإشتراكي. أثناء عملية بناء الرأسمالية يمكن تسويق الديموقراطية الليبرالية أما في العملية الإشتراكية فلا تقوم إلا الديموقراطية الإشتراكية أو ديموقراطية دولة البروليتاريا الدكتاتورية.

يرى العامة تناقضاً صارخاً في القول، ديموقراطية دكتاتورية البروليتاريا. ننبه هنا أن دكتاتورية البروليتاريا موجهة فقط لإعلاء منسوب الديموقراطية وتوفير كل الأدوات التي تسمح للبروليتاريا بمنازلة الطبقات الأخرى منازلة عادلة، لكل أرضه ومن كل سلاحه، بعكس ما كان سائداً في ظل الديموقراطية البورجوازية حين لم تتوفر للبروليتاريا الأسلحة المكافئة للمقاومة. أدوات الإنتاج البروليتاري أكثر كفاءة بالطبع من أدوات إنتاج كل الطبقات الأخرى. في النظام الرأسمالي كان الرأسماليون يصادرون أدوات الإنتاج التي تعمل بها البروليتاريا بتعسف صارخ أما في ظل دكتاتورية البروليتاريا فالأدوات ملك البروليتاريا ويشغلونها في إنتاج جمعي يشارك فيه كل المجتمع (Associated Production) . مثل هذا النمط من الإنتاج الذي ينتج بكميات كبيرة (Mass Production) لا يغالبه أي نمط آخر من الإنتاج. وعليه تكون البروليتاريا مؤهلة لإلغاء كل الأنماط الأخرى من الإنتاج ومحو الطبقات المعتاشة بها من المجتمع وذلك لخير ورفاه العامة دون تمييز. ديموقراطية دكتاتورية البروليتاريا تجهد لأن تحرر الإنسان من قيد الإنتاج الثقيل الذي رسفت فيه الإنسانية منذ بدء التاريخ، هذا القيد الذي يترك الناس بلا خبز إن لم يرسفوا فيه، حتى الرأسماليين الذين يتاجرون بقوى العمل فإنهم مقيدون في قيد الإنتاج رغم أن القيد من صناعتهم. ديموقراطية دكتاتورية البروليتاريا تنحو لأن تتكفل بكافة حقوق الناس في الحياة دون مقابل وبغض النظر عما ينتجون وعما يقدمون للمجتمع.

أما الديموقراطية البورجوازية الليبرالية فإنها تقوم أساساً على تأبيد استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. يستنزف الرأسماليون دماء العمال ومع ذلك يدعونهم إلى انتخابهم كل أربع سنوات. هل سجل التاريخ مرة واحدة أن النظام الرأسمالي انقلب إلى النظام الاشتراكي بفعل الإنتخابات العامة؟ العبد لا ينتخب أبداً إلا من يطعمه وهو السيد. الديموقراطية البورجوازية تبيح للفقراء أن يقولوا ما يشاءون وأن يعتقدوا فيما يشاءون طالما أنهم يقبلون أن يبيعوا أنفسهم لصاحب العمل بثمن بخس. ما ضرر قولهم وفكرهم حينذاك؟

أي مقارنة بين الديموقراطية البورجوازية من جهة والديموقراطية البروليتارية من جهة أخرى تقتضينا أن نتساءل .. ماذا لو سلم البلاشفة السلطة في روسيا إلى البورجوازية بأحزابها المختلفة في أذار 1918 وعلى رأسها حزب الإشتراكيين الثوريين، وهي الأحزاب التي رفضت معاهدة صلح بريست لوتوفسك، ووفروا على روسيا الحرب الأهلية وحروب التدخل؟ هل كانت البورجوازية الروسية ستضمن السيادة الروسية على كامل أراضي روسيا وجمهوريات الإتحاد الأخرى الخمس عشرة ؟ كانت الجيوش الروسية في الجبهات منهكة تماماً يهدها الجوع ويهرب أفرادها عائدين إلى بيوتهم. كان يرجح في مثل تلك الظروف أن تحتل ألمانيا شمال روسيا حتى شواطئ البحر الأسود وتحتل بريطانيا بالمقابل القوقاز وجمهوريات آسيا الوسطى خصوصاً وأن الحديث كان قد جرى عن مثل هذا التقسيم. وفي حالة كهذه كانت روسيا ستتحول إلى مستعمرة ألمانية وأخرى انجليزية ولن تتطور إقتصاداتها إذّاك إلا في نمط الإقتصاد الطرفي التابع. وإذا كان علينا أن نتصور مسار التاريخ انطلاقاً من مثل هذا التصوّر المحتمل فسوف يتحتم علينا أن نعترف إذّاك بأن مرحلة الإمبريالية كانت سوف لن تنتهي في بداية الربع الرابع من القرن العشرين ولعلها كانت ستغطي قرناً آخر. لن تكون هناك حركة تحرر وطني تستند إلى دولة إشتراكية عظمى. لن ينهض الإتحاد السوفياتي نهضة جبارة مكنته من سحق النازية المجهزة بكل موارد القارة الأوروبية المادية والبشرية. لو استطاعت البورجوازية الروسية من استعادة السلطة من أيدي البلاشفة عام 1919 لكانت الشعوب السوفيتية قد اصطفت في طوابير طويلة لتناول الحساء الفقير مثلما جرى في الولايات المتحدة وفي أوروبا الغربية في ثلاثينيات القرن الماضي في الوقت الذي كانت ترغد في خيرات وفيرة كما شهد على ذلك في العام 1933 الكاتبان البريطانيان الشهيران برنارد شو وهربرت جورج ويلز كما الصحافة الأميركية بمجملها في العام 1936.

من المفيد أن نؤكد مرة أخرى قبل أن ننهي على أن الديموقراطية هي توفير الفضاء الأرحب لاضطرام الصراع الطبقي الذي هو محرك التاريخ. كلما احتدم الصراع الطبقي كلما تسارع التاريخ ناقلاً الإنسانية إلى مراحل حضارية متقدمة. تتصارع وسائل الإنتاج المختلفة ولا تسود (prevail) بالتالي إلا الوسيلة الفضلى والأكثر كفاءة في تلبية حاجات الشعب المتزايدة. بمثل هذا تتوظف ديموقراطية البروليتاريا. أما الديموقراطية البورجوازية فلا تعمل إلا في الحد من احتدام الصراع الطبقي مما يشد ركب تقدم الإنسانية إلى الخلف وتحافظ كلما اقتضى الأمر على سلامة دورة الإنتاج الرأسمالي وتسهيلها من خلال تأمين فائض القيمة للرأسماليين، أي سرقة العمال. مع ذلك تدّعي البورجوازية أنها توفر فضاء رحباً من الديموقراطية للعمال. الصحيح أنها توفر فضاء محدوداً فقط وذلك ليس تسامحاً وكرم أخلاق منها بل لأن العمال هم مادة تجارتها ولا بد أن تراعي أحوالهم بما يخدم تجارتها.

الديموقراطية البروليتارية التي تجذّرت في الأراضي السوفياتية سمحت لمأفون مثل بوريس يلتسن ووراءه بضع مئات من الشباب المخدوعين بقشور الحضارة الغربية أن يطيحوا بأقوى وأعظم دولة في العالم. رب من يعترض بالقول أن تلك الدولة القوية العظمى لم تجد من يدافع عنها؛ لكن ذلك يزكي ديموقراطيتها مرة أخرى حيث أن دولة الديموقراطية البورجوازية تستأجر منظمة إجرامية في إدارة الشرطة تحفظ أمن دولة العصابة المجرمة كما حال العديد من الدول العربية بشكل خاص. كما يجب ألا نسقط من اعتبارنا في هذا السياق أن دولة خروتشوف وخلفائه لم تكن دولة البروليتاريا إلا أن تقاليد الديموقراطية البروليتارية التي سادت لأكثر من ثلاثة عقود لم تكن لتسمح لعصابات المرتدين أن يقيموا أمن العصابات المأجورة فسقطت دولة بحجم الإتحاد السوفياتي في مواجهة مظاهرة صغيرة غير مسلحة.

جيش عرمرم من الإعلاميين المأجورين للإمبريالية قام بحملة صليبية على النظام السوفياتي ما تزال محتدمة حتى اليوم بدعاوى غياب الديموقراطية. من المؤسف أن هذه الحملة المأجورة نجحت في تضليل قطاعات واسعة من الشيوعيين الذين يتهمون ستالين اليوم بعد سبعين عاماً بقتل ملايين المواطنين السوفييت. بوسعنا أن نؤكد لكل المأجورين والمضللين أن ما من قرار كان يتخذ من قبل الدولة السوفياتية على مختلف المستويات دون أن يخضع للمناقشة والتصويت من قبل المعنيين. حتى القرارات الحربية التي لا يجوز أن تخضع للتصويت كما هو معروف في عالم العسكر والحروب خضعت للمناقشة والتصويت من قبل كوادر الجيش المسؤولة خلال العام الأول للحرب الوطنية 1941 ـ 1942 ولم يتوقف ذلك قبل ثلاث إنذارات من قبل القيادة العامة تهدد بإنزال أقسى العقوبات بمن يمارس التصويت على قرارات القيادة الحربية. هكذا كان حال القرارات الحربية فما بالك بالقرارات المدنية؟

وبوسعنا أن نؤكد أيضاً أن ستالين لم يوقع على أي من أحكام الإعدام الصادرة من قبل محاكم مختصة نظرت في الدعاوى بصورة علنية وبحضور وكالات الأنباء الغربية. كان رئيس الوزراء هو من يصادق نهائياً على أحكام الإعدام وستالين كان في طيلة ثلاثينيات القرن الماضي أميناً عاماً للحزب وليس رئيساً للوزراء.

ما كان ممنوعاً حقاً في المجتمع السوفياتي هو الدعوة إلى استبدال النظام الإشتراكي بالنظام الرأسمالي. إننا نعذر السلطات السوفياتية باعتبار الذين يتبنون مثل هذه الدعوة مجانين يودعون في المارستانات وليس في السجون. لكن بالمقابل لنر دولة الديموقراطية البورجوازية في أميركا وبريطانيا وألمانيا ما كانت تعمله بالشيوعيين الذين يدعون إلى استبدال النظام الرأسمالي بالإشتراكية. منع الشيوعيون من العمل في تلك الدول وكان يقضى عليهم وعلى عائلاتهم بالجوع وبالمرض، في حين كانت الدولة السوفياتية تتكفل بحياة أفراد أسر المعادين للنظام

هل تموت الأيدولوجيا في زمن العولمة؟

كاتب الموضوع الأصلي: منيرة القرينــي(101)

هل تموت الأيدولوجيا في زمن العولمة؟

هبة رءوف عزت

يستخدم الإنسان بشكل متكرر أفكارًا ومفاهيم سياسية عند التعبير عن الرأي، أو إبداء وجهات النظر، والمفردات المتداولة في الخطاب العام مليئة بمصطلحات ومفاهيم سياسية كالحرية والعدل والمساواة والحقوق.

بيد أنه وبرغم كون العديد من المفاهيم والمصطلحات السياسية شائعة ودارجة، فإنها لا تستخدم بشكل دقيق أو مع إحاطة كلية وواضحة بمعانيها.

فما هي “العدالة” مثلاً ؟ وما معنى أن نقول: إن الناس سواسية؟ هل يعني ذلك أن يحصل الناس على حقوق متساوية، وفرص متساوية وتأثير سياسي متكافئ وأجور واحدة؟!

وبالمقابل فإن مفاهيم مثل: شيوعي وفاشي يساء استخدامها في وصف المخالف في الرأي، فما معنى أن نصف شخصًا بأنه “فاشي”؟ وما دلالة ذلك؟ وما هي المعتقدات والآراء التي يحملها الفاشيون، ولماذا يحملونها؟ وما الفارق الجوهري بين الشيوعيين والليبراليين والمحافظين والاشتراكيين؟

عند دراسة الأيدولوجية تثور أسئلة رئيسة منها:

أولاً: ما هو الدور الذي تلعبه الأفكار والنظريات في السياسية؟

ثانيًا: ما هي طبيعة الأنساق العقيدية التي تتطور في إطارها هذه الأفكار لتشكل أطروحات متكاملة، أي ما هي الأيدولوجيا السياسية؟

الأفكار ودورها

لا يوجد إجماع بين المفكرين السياسيين على درجة أهمية وتأثير الأفكار والأيدولوجيات، فالسياسة أحيانًا تبدو محض صراع سافر على السلطة لا شأن له بالفكر والفلسفة، وحينئذ تظهر الأفكار كمجرد شعارات دعائية وكلمات جوفاء هدفها الوحيد كَسْب أصوات انتخابية أو الحصول على دعم شعبي، وتصبح الأفكار والأيدولوجيات غطاء يستر خفايا الصراع الدائر في الحياة السياسية، وهذه النظرة للأفكار والأيدلوجية هي التي تبنَّتها المدرسة السلوكية في مجال علم النفس، والتي كان من أبرز روَّادها “جون واطسون” (1878 – 1958م) و”ب.ف. سكينر” (1904 – 1990م)، والتي نظرت للإنسان باعتباره آلة بيولوجية تستجيب لما حولها من مثيرات فحسب، وقضايا التفكير والقيم والمشاعر والنوايا كلها مسائل هامشية في تفسير الظواهر الاجتماعية أو السلوك الإنساني، وهي أيضًا الرؤية التي انطلقت منها المادية الجدلية كأحد الأشكال الحادة للماركسية، تلك المادية الجدلية التي سيطرت على مدارس العلوم الإنسانية والاجتماعية في الاتحاد السوفييتي السابق والمعسكر الشيوعي، لقد اعتبرت هذه الاتجاهات الأفكار والأيدولوجيات السياسية مجرد انعكاس للواقع والعلاقات الاقتصادية/ المادية/ وتعبير عن مصالح الطبقات التي تصوغها، الأفكار إذن في نظرهم ذات أساس مادي ومجرد تعبير طبقي، وليس لها معنى أو دلالة في ذاتها.

غير أن هناك آخرين يرون العكس تمامًا، فالاقتصادي البريطاني الشهير “جون كينز” يذهب إلى أن الذي يحكم العالم أفكار الفلاسفة السياسيين والمفكرين الاقتصاديين التي يستند إليها رجال السياسة والسلطة في ممارساتهم، حتى إن ادعوا أنهم “عمليون” لا شأن لهم بالأفكار المجردة، ففي مقابل اعتبار السلوكية والمادية الجدلية الأفكار مجرد مرآة للواقع، يؤكد رأي كينز أن الأفكار والأيدولوجيات هي مصدر الفعل الإنساني، والعالم تحكمه مجموعة أفكار نظرية وليس مجرد قوى الصراع المادي، وعلى ذلك فالرأسمالية الحديثة نبعت من الأفكار الاقتصادية الأولى لآدم سميث وديفيد ريكادرو، وآلة الشيوعية السوفييتية هي ثمرة لأفكار كارل ماركس ولينين، وتاريخ النازية في ألمانيا لا يمكن فهمه إلا في ضوء الأفكار التي نقرؤها في كتاب “كفاحي” لأدولف هتلر الذي كتبه قبل توليه السلطة.

والحق أن كلا الرأيين متحيز وغير ملائم بمفرده لفهم الحياة السياسية، فالأفكار السياسية ليست مجرد انعكاس سلبي لمصالح ضيقة أو طموحات فردية، بل تحمل قوة وقدرة على التأثير في الفعل السياسي، وبالتالي تغيير الواقع، وفي الوقت ذاته فإن الأفكار السياسية لا تنشأ في فراغ ولا تهبط من السماء كقطرات المطر، بل هي متأثرة بسياقها التاريخي والاجتماعي، وتنشأ وتتطور في إطاره، وتخدم طموحات وتوازنات سياسية قائمة.

وباختصار فإن النظريات السياسية لا تنفصل عن الممارسة السياسية، وأي دراسة متوازنة ورصينة للحياة السياسية لا بد أن ترعى التفاعل المستمر بين الأفكار والأيدولوجيات من ناحية، والقوى المادية والتاريخية من ناحية أخرى، وتؤثر الأفكار والأيدولوجيات في الحياة السياسية بطرق مختلفة، ففي المقام الأول تقدم الأيدولوجيا نسقًا نظريًّا يمكن من خلاله فهم العالم وتفسيره، فالإنسان لا يرى الواقع كما هو، بل يدركه وفق تصوراته وأفكاره الذاتية ومعتقداته، وسواء كان الفرد على وعي بذلك أم لا فإن كل إنسان يتخذ له مرجعية من قيم وأفكار سياسية تحدد سلوكه وتؤثر على أفعاله، فالأفكار والأيدولوجيات إذن تضع أهدافًا كبرى هي التي تؤثر في العقل والنشاط السياسي وتوجهه، وفي هذا الصدد يتعرض السياسيون لنوعين من المؤثرات المختلفة بل والمتناقضة أحيانًا: فلا شك أن السلطة هي هدف رجل السياسة وهو ما يفرض عليه أن ينحو منحى عمليًّا، وأن يتبنى السياسات والأفكار التي تمكنه من حصد الأصوات الانتخابية وإقامة التحالفات مع الجماعات المؤثرة كرجال الأعمال والعسكريين، لكن رجل السياسة في الوقت نفسه له معتقدات وقيم وقناعات بشأن الطريقة المثلى للإدارة السياسية عندما يصل للسلطة، ويختلف شكل التوازن بين الاعتبارات الأيدولوجية والاعتبارات العملية من سياسي لآخر، ومن مرحلة لأخرى في عمر السياسي الواحد، فهتلر – على سبيل المثال – كان ملتزمًا بشكل متطرف ومتعصب لأهداف أيدولوجية معينة كان أبرز سماتها العداء لليهود والتعصب للجنس الجرماني، وتأسيس دولة ألمانية تضم شرق أوروبا، والشيوعيون الماركسيون أمثال لينين أخلصوا لهدف بناء مجتمع شيوعي لا طبقي، لكن في الوقت نفسه لا يوجد سياسي يملك أن تحجب قناعاته الأيدولوجية عينه عن تطورات الواقع ومتطلباته، ولا بد من عقد تحالفات والوصول إلى صيغ حلول وسط إذا كان يريد أن يصل إلى السلطة، ويحتفظ بها، فهتلر لم يُعادِ اليهود بدرجة واحدة من البداية للنهاية، بل حكمت سياساته اعتبارات عديدة في كل لحظة تاريخية، ولينين الشيوعي أقر عام 1921م مجموعة سياسات اقتصادية سمحت ببعث قطاع خاص هامشي في روسيا.. وهكذا.

وعلى جانب آخر نجد أن السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية – كما في غيرها من البلدان الأخرى – تشبه فيها الشخصية السياسية السلعة التجارية، فيتم “تسويق” رجل السياسة (أو امرأة السياسة) كشخص له شعارات براقة ومظهر جذاب وأهداف عملية تخدم الجماهير دون إعطاء الأفكار والأيدولوجيات أهمية تذكر، لكن نكرر ثانية أن السياسيين لا يمكن أن يكونوا مجرد آلات باحثة عن السلطة بطريقة عملية براجماتية، فأهمية الأفكار في السياسة الأمريكية لا تظهر بشكل جلي؛ لسبب بسيط هو تقارب حزب الأغلبية الديمقراطي والمحافظ في الرؤية والأهداف والقيم الليبرالية الأساسية، وبالتالي فالشعارات والتمايز يدور حول السياسات العامة والإجراءات لوجود هذا المشترك الجامع من “الأيدولوجية الأمريكية” التي تؤمن بحرية السوق وتعتنق مبادئ الدستور الأمريكي.

وتساعد الأفكار السياسية أيضًا في تشكيل طبيعة وسمت الأنظمة السياسية، تلك الأنظمة التي تتفاوت وتختلف من مكان لآخر، والتي ترتبط بقيم ومبادئ معينة، فتاريخيًّا ارتبط الحكم الملكي بمجموعة قيم ومفاهيم، أبرزها الحق الإلهي للملوك في الحكم، أما في معظم الدول الغربية المعاصرة فيتأسس نظام الحكم على المبادئ الليبرالية الديمقراطية، وتحترم هذه الدول بعض أفكار تقيد الحكومة بقيود دستورية، وتفصل بين السلطات، وتؤمن بفكرة التمثيل السياسي عبر انتخابات حرة نزيهة قائمة على المنافسة.

وبالمقابل فقد تأسست النظم الماركسية/ الشيوعية في السابق على أفكار ماركس ولينين، فسادَها حزب شيوعي أوحد يمثل الطبقة العاملة (البروليتاريا)، وحتى شكل الدولة القومية التي تمسك فيها الحكومة بزمام السلطة، وتحتكر استخدام القوة، والذي ساد في القرن العشرين كان نتاج أفكار سياسية أبرزها فكرة القومية وحق تقرير المصير.

وختامًا فإن الأفكار السياسية والأيدولوجيات تلعب دورًا مهمًّا في خلق التضامن الاجتماعي وتزود الجماعات المختلفة والمجتمع في مجمله بمجموعة معتقدات وقيم تؤدي لتماسكه، هذا رغم أن الأيدلوجيات ارتبطت في التصور العام بطبقات بعينها كارتباط الليبرالية بالطبقة الوسطى والمحافظة بالأرستقراطية الإقطاعية والاشتراكية بالطبقة العاملة، ورغم أن هذه الأيدولوجيات عكست تجارب وخبرات ومصالح فئات اجتماعية بعينها، فإنها أيضًا كانت صالحة لخلق روابط مشتركة بين الطبقات والفئات المختلفة في إطار مجتمع واحد، فعلى سبيل المثال تظل الليبرالية الديمقراطية مظلة أيدولوجيا واسعة تربط الأفراد والجماعات في الغرب، في حين تمثل مبادئ الإسلام وقيمه الرابطة الأساسية بين الأفراد والجماعات في العالم الإسلامي، وحين تسود ثقافة سياسية مشتركة في مجتمع؛ يؤدي ذلك لدعم النظام واستقرار هذا المجتمع.

وهذه الثقافة السياسية المشتركة ليست جامدة، بل هي تتطور وتنمو داخل أي جماعة، لكنها أيضًا قد يتم فرضها من السلطة الأعلى التي تسعى لغرض الطاعة، وتتحكم في الضبط الاجتماعي؛ ولذا فقد تختلف قيم ومفاهيم وأيدولوجيا النخب الحاكمة من عسكريين أو طبقة إقطاعية أو رأسمالية صناعية عن قيم ومفاهيم غالبية الشعب، وقد تستخدم النخبة الحاكمة أدوات الأيدولوجيا لقمع المعارضة، وتحجيم النقاش والجدل الفكري عبر عملية سيطرة أيدولوجية، ويبدو هذا جليًّا في التجارب التي سادت فيها أيدولوجية رسمية معلنة كما في الحكم النازي في ألمانيا أو الحكم الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق، وفي هذين النموذجين كانت المعتقدات السياسية الرسمية هي التي تسود الحياة السياسية وكافة جوانب الحياة الاجتماعية من تعليم وفنون وإعلام، وكانت الآراء والقيم المعارضة يتم قمعها ومصادرتها. ويرى البعض أن هناك نوعًا من السيطرة الأيدولوجية المستترة يسود بشكل أو آخر في كل المجتمعات، وحتى في المجتمعات الغربية فإن الأيدولوجيا السائدة هي تلك التي تخدم مصالح الطبقة الاقتصادية المسيطرة.

ما هي الأيدولوجيا؟

كثيرًا ما يخلط البعض بين دراسة الأيدولوجية ودراسة الأيدولوجيات، فدراسة الأيدولوجية هي دراسة لنوع من أنواع الفكر السياسي تمييزًا له عن الفلسفة السياسية أو العلوم السياسية، وهو تحليل طبيعة ودور وأهمية هذا النوع أو التصنيف من الفكر السياسي، ويناقش ما هي الأفكار والأطروحات التي ينطبق عليها وصف “أيدولوجيا”، وهل اعتناق الأيدولوجيا يؤدي لعملية تحرر أم عبودية للفكرة؟ وهل يمكن تقويم الأيدولوجيات وفق منطق الخطأ والصواب؟.. وهكذا.

وبالنسبة للأيدولوجيات المختلفة: هل يمكن تصنيف الاتجاه المحافظ والأفكار القومية كأيدلوجيات تكافئ الليبرالية والاشتراكية؟

هذه هي الأسئلة التي تنشغل بها دراسة الأيدولوجيا كنسق من الأفكار والافتراضات والمبادئ يسعى لتقديم إجابات كلية، ويوظف معتنقه طاقته في تحقيقه في الواقع.

أما دراسة الأيدولوجيات – في المقابل – فهي دراسة مضمون الفكر السياسي والنظريات والأفكار التي قدمتها كل أيدولوجية والمقارنة بينها، فما هي الحرية في الفكر الليبرالي؟ ولماذا كانت المساواة هي الفكرة المحورية في الاشتراكية؟ وكيف يدافع الأناركيون عن فكرة مجتمع بلا دولة؟ ولماذا اعتبر الفاشيون الصراع والحروب ظواهر صحية؟

أي أن دراسة الأيدولوجيا هي دراسة في نشأة وتطور واعتناق وتطبيق وديناميكية الأفكار، في حين أن دراسة الأيدلوجيات هي تناول أفكار بعينها وتتبع تطورها ومقارنتها بغيرها.

ولا شك أن البحث في هذا المجال يجب أن يبدأ بدراسة الأيدولوجيا كنسق فكري فاعل والاتفاق على خصائص المنظومة الفكرية التي ينطبق عليها وصف أيدولوجية، حتى إذا ما تم الاتفاق على معايير التصنيف وقبلنا أن هذا النسق أو ذاك هو بالفعل أيدولوجيا، ننطلق إلى دراسة الأيدلوجيات المتباينة وتحليلها والمقارنة بينها.

وهناك سؤال أخير مهام أيضًا.. هو ما الذي نتعلمه أو نستفيده من كون الليبرالية أو النسوية أو الفاشية تصنف باعتبارها أيدولوجيات، وما دلالة هذا للبحث والفهم والتفسير.

سلبية أم إيجابية؟

أول مشكلة تواجه الباحث في طبيعة الأيدولوجيا وماهيتها هي تعدد التعريفات لهذا المصطلح بشكل كبير وأحيانًا متناقض، فهي تُعَدُّ أكثر المفاهيم مراوغة وإثارة للحيرة في مجال العلوم الاجتماعية برمته.

فالأيدولوجيا من المفاهيم السياسية القليلة التي أثارت هذا القدر من الجدل والخلاف، وهناك سببان لذلك، أولاً: لأن المفهوم يجمع جوانب نظرية وعملية ويطرح إشكالية العلاقة بين الفكر والعقيدة من ناحية والسلوك من ناحية أخرى، وكذلك العلاقة بين المعطيات المادية والإدارة السياسية.

وثانيًا: لأن تعريف الأيدولوجيا ذاته لم ينجُ من النزاع بين الأيدلوجيات ذاتها في تعريف المفهوم وملامحه وأبعاده وتشابكاته النظرية والعملية، فقد استخدم المفهوم من جانب الأيدولوجيات المختلفة كسلاح في مواجهة خصومها، ونقد أفكارهم إما باتهامها أنها أيدلوجيات مثالية لا صلة لها بالواقع، أو العكس: باتهامها أنها مجرد أفكار متناثرة لا تشكل أيدولوجيا متكاملة صالحة للتطبيق الشامل لتغيير الواقع أو إصلاحه بشكل كلي.

ولم يكتسب مفهوم الأيدولوجيا طبيعة موضوعية ومحايدة في تحليل الأفكار إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، وحتى مع هذه المحاولة لضبطه وإكسابه طبيعة تحليلية رصينة، فقد استمر الخلاف حول الأهمية الاجتماعية والدور السياسي للأيدولوجيا. وتُعَدُّ أكثر التعريفات شيوعًا للأيدلوجية هي أنها..

– نسق عقيدي سياسي

– مجموعة من الأفكار السياسية ذات توجه عملي/ تطبيقي.

– أفكار الطبقة الحاكمة.

– رؤية فئة اجتماعية أو طبقة للعالم.

– أفكار سياسية تعبِّر عن مصالح اجتماعية وطبقية.

– أفكار دعائية توظف لتزييف الوعي بين المستغلين والمضطهدين.

– أفكار تضع الفرد في سياقه الاجتماعي وتدعم الشعور بالانتماء والهوية الجمعية.

– مجموعة من الأفكار يدعمها النظام السياسي بشكل رسمي ويستمد منها شرعيته.

– مذهب سياسي شامل يدعي احتكار الحقيقة.

– منظومة نظرية مجردة ومتماسكة من الأفكار السياسية.

وربما كان أصل المصطلح هو من الأمور القليلة المتفق عليها، فكلمة أيدولوجية بدأ استخدامها إبان الثورة الفرنسية على يد “أنطوان ديستوت دوتراسي” (1754 – 1836م)، واستخدمت لأول مرة بشكل علني عام 1796م، وقد عرف “دوتراسي” الأيدلوجية بأنها علم جديد للأفكار، أي تعريف مرتبط بمعناها الحرفي:

فالشق الأول للكلمة هو مقابل الأفكار idea والثاني مقابل العلم ology.

وقد كان دوتراسي متأثرًا بالولع السائد حينئذ بفكرة العقلانية التي كانت في أوجها مع صعود مذهب الحداثة، ورأى أنه من الممكن موضوعيًّا اكتشاف جذور الأفكار ونشأتها وأن “علم الأفكار” هذا سيتطور؛ ليأخذ مكانه جنبًا إلى جنب مع العلوم المنضبطة كالأحياء والطب وغيرها، بل ولأن كل طرق البحث تتأسس على الأفكار؛ فإن علم الأفكار الجديد هذا سوف يصبح تاج العلوم.

ورغم هذا التقدير للأفكار عند نشأة استخدام مصطلح الأيدولوجيا وعلو الآمال التي كانت معقودة عليه، فإن هذا الفهم والتصور للأيدولوجيا يختلف عن تعريفاتها وتصوراتها اللاحقة وما آلت إليه.

وقد حاول التمييز بين مفهوم جزئي ومفهوم شامل للأيدولوجية، فالأيدولوجيات الجزئية هي أفكار ومعتقدات أفراد بعينهم أو جماعات أو أحزاب، في حين أن الأيدولوجيات الشاملة هي مجمل الرؤية للحياة والعالم لطبقة اجتماعية أو لمجتمع أو لحقبة تاريخية معينة.

وبهذا المعنى فإن الماركسية والليبرالية بل والصحوة الإسلامية يمكن وضعها جميعًا بأنها أيدلوجيات شاملة.

وقد أدى هذا إلى عودة الاستخدام الضيق ذي الدلالة السلبية لمفهوم الأيدلوجية كما يبرز في كتابات “كارل بوبر” (1902 – 1994)، و”هانا أرندت” (1906 – 1975) و”جي . إل. تالمون” و”برنارد كريك” ومنظري (نهاية الأيدلوجية)، والذين رأوا أن الأفكار الشاملة بالضرورة شمولية، فالفاشية والشيوعية مثالان بارزان للأيدولوجية بمعناها القمعي المعادي للحرية، وطبقًا لهذه الكتابات فإن الأيدولوجية هي أنظمة فكرية مغلقة تزعم احتكار الحقيقة وترفض قبول الأفكار المخالفة والعقائد الأخرى، فالأيدولوجية حسب وصفهم هي أديان وضعية تملك طبيعة الشمول، وتستخدم كأدوات في الضبط الاجتماعي، وضمان الخضوع والتواؤم مع السائد، لكن وفقًا لهذا المعيار فإنه ليست كل العقائد السياسية يصلح وصفها بالأيدولوجية، فالليبرالية بتأسسها على الالتزام بالحرية والتسامح والتعدد هي أبرز مثال على وجود نظام مفتوح للأفكار في نظر مفكر مثل “كارل بوبر”.

المحافظون أيضا رأوا الأيدولوجية كقرين الجمود والتحجر الفكري وأنها منفصلة عن الواقع المركب للحياة؛ لذا فقد رفض المحافظون أن تخضع السياسة للأيدلوجية، وأن يكون هدف العمل السياسي هو إعادة تشكيل العالم بناءً على أفكار مجردة أو نظريات مسبقة، وقد ظلت هذه هي رؤية المحافظين، حتى بدأ تأثير اليسار الجديد يغير بعضًا منها بعد أن ظلوا لفترة طويلة يتبنون الموقف التقليدي الذي يرفض الأيدولوجيا لصالح السعي العملي في الممارسة السياسية، ويرى في الخبرة والتاريخ – وليس النظرية والفلسفة – أفضل مرشد للسلوك الإنساني.

ومنذ الستينيات من القرن العشرين عاد استخدام مفهوم الأيدلوجية وفق احتياجات التحليل الاجتماعي والسياسي، وتم إعادة تشكيله ليعود للمفهوم طبيعته المحايدة الموضوعية بعد أن زالت الارتباطات السلبية بينه وبين توجهات الأنظمة أو سياسات بعينها.

العلاقة بين الأيدولوجية والحقيقة:

ما هي العلاقة بين الأيدولوجية والحقيقة، وبأي معنى يمكن النظر للأيدولوجية كنوع من القوة؟

يثير أي تعريف قصير مختصر للأيدولوجية من الأسئلة بأكثر مما يقدم من إجابات، لكنه يمثل على أية حال بداية جيدة للبحث في الموضوع.

فلنقبل مبدئيًّا أن الأيدولوجية تعريفها الواسع هي أنها مجموعة من الأفكار المتجانسة بدرجة أو أخرى والتي تمثل الأساسي لحركة سياسية منظمة، سواء أكان هدفها المحافظة على نظام القوى السائد، أو تعديله، أو الإطاحة به.

ولذا فإن كل الأيدولوجيات: (أ) تقدم تصورًا للنظام القائم وعادة ما يتم هذا في صورة رؤية للعالم. (ب) تقدم نموذجًا للمستقبل المنشود أو المجتمع الأفضل/ الصالح. (ج) تصور كيف يمكن أن يتم التغيير.

وهذا التعريف ليس جديدًا ولا مستحدثًا، وهو يتفق مع الاستخدام الاجتماعي العلمي للمفهوم، إلا أنه يلفت الانتباه في الوقت نفسه لبعض أبرز خصائص ظاهرة الأيدولوجية، ويؤكد بخاصة على أن تركيب مفهوم الأيدولوجية يرجع إلى كون المفهوم يتجاوز الحدود الفاصلة بين الفكر الوصفي والفكر المثالي القيمي، وبين النظرية السياسية والممارسة العملية، فالأيدولوجية باختصار تقوم بنوعين من التركيب أو التأليف: التأليف بين الفهم والالتزام، وبين الفكر والحركة.

وبالنسبة للمركب الأول فإن الأيدولوجية تتخطى الفاصل بين “ما هو كائن” و “ما ينبغي أن يكون”، فالأيدلوجية وصفية؛ لأنها تزود الأفراد والجماعات بخريطة فكرية توضح كيف تدور آلة المجتمع، وكذلك تزوِّدهم برؤية للحياة والعالم، وبذا تلعب الأيدولوجية دورًا مهمًّا في دمج الأفراد والجماعات – عبر هذا الفهم – في بيئة اجتماعية ما.

لكن هذا الفهم الوصفي مقترن بقوة بنسق من القيم العقيدية والرؤى العلاجية التي بها يتم تقويم الترتيبات الاجتماعية القائمة وطبيعة المستقبل، والصورة المنشودة للمجتمع في المستقبل.

الأيدولوجية لذا لديها آثار نفسية/عاطفية قوية، فهي وسيلة للتعبير عن الآمال والمخاوف، والميول والنفور، كما أنها تقوم ببلورة العقائد والرؤى، والتعبير عنها بوضوح.

ونظرًا لارتباط الطبيعة الوضعية بالطبيعة الاستشراقية للأيدولوجية فإن الحقائق في ظل الأيدلوجية تختلط بالقيم، ويترتب على هذا عدم وجود فواصل واضحة بين الأيدلوجية والعلم؛ لذا فإنه من المفيد التعامل مع الأيدولوجيات باعتبارها أنساقًا معرفية كما صاغ هذا الاصطلاح “توماس كوون” في كتابه الشهير “بنية الثورات العلمية” (1962م)، فالأيدولوجية يمكن النظر إليها باعتبارها منظومة مبادئ ومذاهب ونظريات تساعد على ضبط بنية عملية البحث العلمي.

وفي الواقع فإن الأيدولوجية تشكل إطارًا يمكن داخله لعملية البحث عن المعرفة السياسية أن تتم وهي تقدم لغة للخطاب السياسي.

والمثال البارز في هذا الصدد هو أن العلوم السياسية عند تدريسها في المجال الأكاديمي – وكذلك علم الاقتصاد – تستند إلى افتراضات المذهب الفردي والمذهب العقلاني، وهما يرتبطان بالتراث الليبرالي.

وتبرز أهمية الأيدولوجية أيضًا كإطار فكري أو لغة سياسية في كونها توضح بجلاء درجة العمق التي يتشكل عبرها الفهم الإنساني.

كذلك من المفيد إلى جانب مقارنة الأيدولوجيات تأمل كيف تتنوع الاختلافات داخل الأيدولوجية الواحدة، فالأفكار متغيرة وتنمو وتتطور، وليست أحجارًا صماء لبناء صلب، وأحيانًا يكون التجادل والنزاع بين تيارات الأيدولوجية الواحدة أكثر حدة ومرارة منها بين أنصار أيدولوجيات مختلفة، ويصبح مركز الخلاف هو ما هي الأيدلوجية “الحقيقية”؟

وأي فريق يمثلها؟ ما هي الاشتراكية “الحقيقية” وما هي الليبرالية “الحقيقية” أو الفوضوية “الحقيقية”؟ ومما يزيد الأمر اختلاطاً وبلبلة أن كل الفرقاء داخل ذات الأيدولوجية أو عبر الأيدولوجيات المختلفة يستخدمون نفس المفاهيم والخطاب ويدافعون، كل من وجهة نظره، عن الحرية والعدالة والديمقراطية والمساواة – وفقاً لتعريفهم هم. وهذا هو ما دفع بعض المفكرين لوصف الأيدولوجية بأنها من المفاهيم الأساسية المتنازع عليها؛ لأن حوله خلاف عميق ولا يمكن بالتالي تطوير تعريف دقيق له.

ورغم ذلك فلا شك أنه لا بد من وجود حد أدنى من الاتفاق والتجانس وحدًّا لمرونة والتنوع، ولا بد من أن توجد نقطة يصبح فيها ترك مبدأ جوهري أو اعتناق نظرية مرفوضة من الأيدولوجية تاريخيًّا بمثابة فقدان للملامح الأساسية للأيدولوجية أو ربما ذوبانها في أيدولوجية منافسة، وهو ما يحدث تاريخيًّا أحياناً.

فهل يمكن أن تظل الليبرالية هي الليبرالية إذا تخلت عن التزامها بالفردية؟ وهل تبقي الاشتراكية هي الاشتراكية إذا نزعت إلى العنف والحرب؟ أو تظل أيدولوجية الحركات الإسلامية “إسلاموية” – كما يسميها البعض قياساً على الأيدلوجيات الأخرى – إذا تنازلت عن تحكيم الشريعة مثلاً؟!

أحد سبل التعامل مع هذه المشكلة هو ما يقترحه مايكل فريدان من تحديد لتشكل الأيدولوجية وبنيتها ومكوناتها وذلك من خلال مفاهيمها الأساسية، ويشبه ذلك التعرف على غرف المنزل من خلال نوع الأثاث في كل غرفة، فكل أيدولوجية تتسم بما يعتبر لب أو جوهر يتكون من عدة مفاهيم أساسية، ثم مفاهيم هامة، وأخيراً مفاهيم هامشية لا يلزم وجودها في النظرية أو المذهب بالضرورة كي يصنف داخل هذه الأيدولوجية.

فانتقاص مكوِّن من مكوناتها قد لا يعني أنها لم تَعُد هي ذاتها، كما أن الزمن يحمل معه مستحدثات وإضافات.

وعلى سبيل المثال يمكن اعتبار الفردية والحرية والعقلانية هي جوهر المفاهيم الأساسية في الليبرالية؛ وغياب أحدها لا ينقص من مشروعية مذهب من المذاهب الليبرالية، لكن غياب مفهومين منهما هو إرهاصة بنشوء بنية أيدلوجية جديدة.

ولكن ماذا يفيدنا ما سبق في فهم العلاقة بين الأيدولوجية والحقيقة؟

فبالنسبة لماركس كانت الأيدولوجية – كما سلف الذكر – هي العدو اللدود للحقيقة، والباطل هو قرين الأيدولوجية؛ لأن الأخيرة هي من صنع الطبقة الحاكمة لتقر واقع الاستغلال والقهر.

ولكن – كما ذهب مانهايم – فإن قبول رأي ماركس بأن الطبقة العاملة (البروليتاريا) لا تحتاج لوهم الأيدولوجية هو في الحقيقة قبول بتصور بالغ المثالية للجماهير العاملة كأكثر فئات البشر التزامًا بالمساواة، ولكن ما قدمه مانهايم من تصور لحل هذه الإشكالية بوجود طبقة مستقلة من المثقفين لم يحل الإشكالية بدوره.

فوجهات نظر البشر تتأثر بشكل واعٍ أو غير واع بعوامل اجتماعية وثقافية، وفي حين يعطي التعليم الإنسان أدوات تمكنه من الدفاع عن هذه الرؤى بطلاقة وقدرة على الإقناع بها، ولكن هذا لا يعني أن وجهات نظر المثقف تكون أقل ذاتية أو أكثر موضوعية من غيرها من الأفكار.

وفي الواقع فإنه لا يوجد معيار موضوعي يمكن بناء عليه اختبار حقيقة الأيدولوجية، بل إن الزعم بأن الأيدولوجية تحتمل الخطأ أو الصواب المطلق، يتعارض مع جوهر الأيدولوجيات وهي أنها مزيج من القيم والأحلام والتطلعات، وأنها بحكم طبيعتها لا يمكن إخضاعها للتحليل العملي، فلا يمكن لأحد أن “يثبت” أن أية نظرية للعدالة هي أفضل من غيرها بالضبط، كما لا يمكن استخدام الوسيلة الجراحية على الإنسان للتأكد – بشكل نهائي وحاسم – من كونه أهل للحرية أو أنه يملك حقوقاً أساسية أو أنه بطبيعته أناني أو اجتماعي!

ففي نهاية الأمر يقل اعتناق الفرد للأيدولوجية أحياناً؛ لأنها ليست دقيقة ولا يمكن إخضاعها للتحليل المنطقي، ولكن على الجانب الآخر قد يزيد تمسك الفرد بها؛ لأنها تعين الأفراد والجماعات والمجتمعات على إعطاء المعنى وفهم العالم الذي يعيشون فيه.

ورغم ما سلف فإن الأيدولوجيات ولا شك تتضمن كشفاً عن حقيقة، ويمكن وصفها بأنها منظومات للحقيقة من خلال ما تزودنا به من لغة خطاب سياسي ومسلمات وافتراضات حول حقيقة المجتمع وما يجب أن يكون عليه، فالأيدولوجية تحدد كيف نفكر وكيف نتصرف، ولا ينفصل تصورها للحقيقة عن مسألة السلطة، ففي عالم يموج بالحقائق المتعارضة والقيم والنظريات المتباينة، فإن كل أيدولوجية تسعى لإعطاء الأولوية لقيم بعينها وتضفي الشرعية على نظريات ومعاني محددة.

ولأن الأيدولوجية تزوِّدنا بخريطة فكرية للواقع الاجتماعي فإنها تساعد في تأسيس علاقة بين الأفراد والجماعات من ناحية، وأبنية وعلاقات القوة والسلطة من ناحية أخرى، وبذلك تلعب دوراً محوريًّا في دعم أبنية السلطة القائمة وتحديد ما إذا كان يمكن اعتبارها عادلة، وطبيعية ومشروعة، أو العكس من ذلك بتسليط الضوء على المظالم وعدم المساواة ولفت الانتباه لضرورة صياغة رؤى لأبنية بديلة للسلطة.

موت الأيدولوجيا

هل ماتت الأيدولوجيا ؟ هل شهدت ذروتها مع الحرب الباردة، ثم مع انهيار المعسكر الشرقي انتصرت الليبرالية وانتهى التاريخ (كما ذهب فوكوياما) وانتهت الأيدولوجيا؟

كان هذا مذهب العديد من المفكرين، مثلما كان رأيهم في انكسار الدين مع الحداثة والتحديث، ولكن كما كانت الصحوة الدينية عبر العقائد المختلفة في كل أنحاء العالم دليلاً على أن الدين والتدين مرتبط بالإنسان ككائن حي اجتماعي/ ثقافي مركب وأنه لا يموت، كذلك تدلنا الشواهد على أن الأيدولوجيات لا تموت؛ لأنها أفكار حول العدالة والحرية وتطلع الإنسان لها عبر مذاهب سياسية شتى، وهذا التطلع لا يموت.

الاختلاف بين الأيدولوجية والدين

كاتب الموضوع الأصلي: منيرة القرينــي(101)

الاختلاف بين الأيدولوجية والدين
مي عبدالعزيز السديري

هناك من يخلط بين الأيدولوجية والدين بقصد أو من دون قصد ويأتي هذا الخلط من مصدرين أحدهما الجهل الكامل بمفهوم الأيدولوجية والثاني خلط عن عمد وقصد لكي لا يكون هناك مقدس لدى الناس وإيصالهم إلى مرتبة الشك والريبة بالمفاهيم الدينية وتعميمها على أنها مفاهيم أيدولوجية مثلها مثل الأيدولوجيات، وهذا أمر مضاف للحقيقة وبعيد كل البعد عن الموضوعية والواقع إذا أمعنا النظر بالأيدولوجيات تبادر إلى الأذهان مباشرة.

السؤال التالي: ما هو مصدر الأيدولوجيات ومن وضعها؟

وللإجابة عن السؤال:

نجد جوابا واحدا لا غير وهو أن مصدرها هو الإنسان وواضعها هو الإنسان وكلنا نعلم أن هناك ثلاث أيدولوجيات إحداها الشيوعية والثانية الرأسمالية والثالثة الصهيونية في هذا العالم الواسع وقد وضعها الإنسان الذي يأكل ويشرب وينام ويخطئ وبها مساوئ عديدة وقد اعترف منظرون بتلك الأيدولوجيات وحاولوا تعديلها وتفادي تلك الأخطاء ولكنهم لم يوفقوا.

الحديث عن الأيدولوجيات يطول ويطول وقد كتب المفكرون آلاف الكتب والمجلدات في توصيف الأيدولوجية الشيوعية وظهر مناصرون كثر فصوروها على أنها تهيئ للإنسان حياة رغيدة تغمرها السعادة وكلها خير بخير تؤمن المأكل والملبس وتؤمن العلم والتعليم المهم أن يعمل للدولة وأن يعطيها كل وقته وعقله وجهده وإمكانياته بكل بساطة صورت للإنسان أن حياته ستكون حياة شبيهة للحياة في جنة الخلد، وفي الحقيقة فإن هذه الأيدولوجية مادية بحتة تحول الإنسان إلى آلة يعمل ويعمل ويقدم جهده للآخرين فقد سلبت من الإنسان حريته وتركته يتخبط في المجاهل المادية بعيدا عن الروح وكل ما يتعلق بالحياة الروحية للإنسان. وفي الجهة المقابلة ظهرت الأيدولوجية الرأسمالية التي تستعبد الإنسان أيضا ولكن بطريقة مختلفة فبدلا من أن يكون الإنسان عبدا لسيد واحد هو الدولة، جاءت الرأسمالية تظهر في المجتمع سادة هم أصحاب الشركات الكبرى الصناعية والتجارية والزراعية احتكارات متطورة لأنها تسحق كل ما يعترضها في طريقها سواء كان ذلك فردا أو جماعة – تبتلع كل شيء دون رحمة أو شفقة، في حين أن الأيدلوجية الشيوعية جعلت الإنسان عبدا للدولة ترى أن الرأسمالية صيرته عبدا للآلة بل أصبح نفسه آلة يعمل بطريقة نمطية وإذا ما خرج الإنسان من المصنع نراه يعيش حياة روتينية بعيدة كل البعد عن ما تصبو إليه النفس البشرية، وإذا قابلت إنسانا يعيش في مجتمع رأسمالي نجد أن تفكيره كله ينصب في كيفية الحصول على المال وتأمين حياته المادية. نراه منغمسا في ما يمكن أن نسميه ملذات الحياة وكأنه يريد أن يعوض نفسه عن الكثير من الأمور المادية التي تعتبر أساسية في حياة الإنسان. لننظر إلى الحياة الاجتماعية في المجتمع الرأسمالي نجد أن (الروابط) التي تربط أفراد الأسرة ببعضها قد تفككت إلى أبعد حد وعلى سبيل المثال نجد أن إنجلترا أفاقت لتجد أن الحياة الأسرية قد أصبحت نادرة جدا فحاولت أن تعالج المسألة وأوجدت ما يسمى (بقانون لم شمل الأسرة) ذلك القانون الذي نص أن الدولة ستقدم بيتا مجهزا كاملا مجانا لكل أب يعيش مع ابنه أو ابنته في بيت واحد، وبالرغم من أهمية هذا الحافز على المستوى المادي إلا أن ذلك المشروع فشل في تحقيق هدفه وبقي في مهده ولم يصل إلى الطموحات التي وضعتها الدولة البريطانية.

وثالثة هذه الأيدولوجيات الصهيونية التي جاءت بفكرة شعب الله المختار إنها تعتبر أن الشعب اليهودي فوق البشر وهو وحده من يحق له أن يحكم أما الآخرون فهم عبيد وكلنا يعلم ما فعلته هذه الأيدولوجية الصهيونية من شرور. سواء كان ذلك على المستوى العربي أو الإسلامي أو الدولي.

وكلها أيدولوجيات تستعبد الإنسان وتلغي الغير ويكفي القول إن إلغاء الغير هو الظلم بعينه.

أمام هذه الأيدولوجيات البشرية هناك الأديان التي تختلف كل الاختلاف عن هذه الطروحات وعلى الرغم من أنه لا يمكن ولا يجوز أن نقارنها بالأديان لأنها من صنع البشر بكل ما يحمله من سلبيات وضعف.

الديانات من صنع الله إذ إن رسالة الإسلام والمسيحية واليهودية قد أبلغها الله للبشرية على لسان أنبيائه رسالة كاملة للبشرية لأنها من الإله الكامل الخالق خالق الإنسان رسالة تعطى الجسد حقه فهي لا تسمح للظلم بكل أنواعه وهذا الأمر يحقق الهدوء والطمأنينة لدى الإنسان لأن ذلك يحافظ على حقوقه المادية والمعنوية والروحية ويجعله يشعر بقيمته الإنسانية، وكلنا نعرف أيدولوجية هتلر حين وضعت الشعب الألماني فوق الشعوب جلبت الويلات والكوارث للشعب الألماني قبل غيره من الشعوب. ونجد الآن أيدولوجية المحافظين الجدد التي تقسم العالم إلى قسمين: الخير وقسم الشر، الخيرون هم الذين يسيرون بفلكها والعكس ينطبق عليهم الشريرون. وكأنهم آلهة نصبوا أنفسهم على البشر وهنا يبرز سمو الرسالات السماوية وإذا كان القرن العشرين هو ازدهار للأيدلوجيات الإنسانية وابتعاد الناس عن الأديان وذهبوا إلى العلمانية والعقل ولكن في بداية هذا القرن الواحد والعشرين رجوع عن هذه الفكرة وأولها الولايات المتحدة الأمريكية (المحافظين الجدد).

وقد اكتشفوا أن كل الأيدلوجيات الإنسانية فشلت ولكن تبقى الحقيقة الإلهية المتجلية بالأديان هي محط القلوب.

وعادت كل الشعوب إلى أديانها ومنها اليهودية والمسيحية وفي الولايات المتحدة هناك إحصائية أن الأمريكان أكثر الشعوب ذهابا إلى الكنائس وأن هناك ازدياد واضح في عدد الكنائس الفخمة بل أصبح لكل حي كنيسة.

أضف إلى ذلك الميزانيات الضخمة التي رصدتها الحكومة الأمريكية لهذا المشروع والتي بلغت 200 مليار دولار.

بينما يريدون من المسلمين أن يبتعدوا عن الإسلام ويعتبرونه أيدولوجية شمولية!! وقد بلغ التحريض على الإسلام درجة عالية.

ولا نستغرب ذلك، ولكن المؤلم والمستغرب أن كثيرا من مفكرينا العرب والمسلمين تبنوا هذه الفكرة بطريقة عمياء وأصبحوا من دعاتها وهذا الأمر يدعونا للتفكير والوقوف وقفة جدية في وجه هذا التيار.

أما الدين الإسلامي فلا خوف عليه وكما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.

الأخلاق والسياسة عند ميكافيللي

كاتب الموضوع الأصلي: منيرة القرينــي(101)

الأخلاق والسياسة عند ميكافيللي

عندما تناول ميكافللي في كتاباته الضرورة السياسية حاول أن يفصلها فصلاً تاماً عن الأخلاق والدين ويعالجها كقضية قائمة بذاتها .
والغاية من هذا الأمر هي أن ميكافللي كان يرى الغرض من السياسة هو الحفاظ على القوة السياسية للدولة وزيادتها بصورة دائمة ، والنجاح في تحقيق ذلك هو السياسة الحقة سواء كانت سياسة ظالمة قاسية أو غادرة أو حتى غير جائزة شرعاً . فلتحقيق غاية سياسية معينة يبيح ميكافللي إستعمال كل الوسائل اللا أخلاقية حتى القتل والكذب .
لهذا فإن إستعمال الوسائل اللا اخلاقية في سبيل الحفاظ على الحكم وتقوية سلطته أمر مباح ، ولكن في حال إستخدام هذه الأساليب اللاأخلاقية ، على الحاكم أن يقوم بذلك بذكاء ودهاء وبسرية تامة حتى يتمكن من الإبقاء على سيطرته على المجتمع وردود الفعل فيه . وميكافللي كثيراً ما ناقش وامتدح مزايا إستخدام الأساليب اللاأخلاقية والذكية لإدراك الغاية السياسية للحاكم ، وهنا يكمن الجانب المسئول عن سمعة ميكافللي السيئة والشريرة والمتمثلة في مقولة (الغاية تبرر الوسيلة ) .
إذا كان ميكافللي يجرد السياسة ويفصلها عن كل الإعتبارات الأخلاقية والدينية ، ويمتدح الحكام اللذين لا يتقيدون بقيم الأخلاق ، فذلك للحفاظ على مراكزهم وتحقيق القوة لسلطتهم ولدولتهم .
إن هذا التجريد والفصل للسياسة عن الإعتبارات الأخلاقية لم يكن يعني أبداً بأن ميكافللي كان يتنكر لما للأخلاق والدين من أثر على جماهير البشر وعلى الحياة الاجتماعية والسياسية . فهو حين يمنح الحكام مبرر لاستخدام أساليب غير أخلاقية لتحقيق الغايات السياسية .
الأخلاق ضرورية للمجتمع ولكن أخلاق المجتمع لا تقيد الحاكم بأي قيد خلقي ولا تلزمه بمراعاة القواعد الخلقية والدينية التي يدين بها رعاياه . وهكذا يكون ميكافللي قد وضع معيارين للأخلاق في الدولة .

الأول للحاكم والآخر للمواطن العادي :-
يقاس المعيار الأول بمدى ما يتوصل إليه الحاكم من النجاح في الحفاظ على سلطته وتقوية دولته . بينما يقاس المعيار الآخر بمدى القوه التي يشيع وينشر بواسطتها المواطن سلوكه ضمن المجموعة الاجتماعية ، ولما كان الحاكم خارج المجموعة الاجتماعية فهو فوق الأخلاق التي يراد فرضها داخل المجموعة .
إذاً من خلال موقفه من الأخلاق والدين يمكن القول أن ميكافللي كان يؤمن بضرورة القوة الروحية للمجتمع إلى جانب القوة المادية .
ويرى أن على الحاكم أن يحقق هاتين القوتين للشعب إذا أراد الحفاظ على الدولة وقوتها مع تأكيده على وجوب عدم تقييد الحاكم بالقواعد الخلقية والدينية التي يتبعها المجتمع لأنه في الأصل يرى الحاكم خارج المجموعة التي يتألف منها المجتمع أو أنه على علاقة خاصة جداً بها تصنعه فوق المجتمع وقواعد أخلاقه وخارج الدين الذي تدين به هذه المجموعة .
إن الغاية من فصل السياسة عن الدين والأخلاق تكمن في رغبة ميكافللي في إبقاء السياسة كغاية في ذاتها ومكونة لعلم مستقل بذاته ومنفصل عن كل الإعتبارات الأخرى . وهذا الفصل والتمييز بين السياسة وبين ما عداها من الإعتبارات الأخرى يعود الفضل فيه لميكافللي لأنه أول من حاول دراسة الظاهرة السياسية وظاهرة الحكم دراسة منفصلة عن بقية الدراسات الفلسفية والنظرية وبذلك وضعت هذه الدراسة اللبنات الأولى لبناء علم مميز ومستقل هو علم السياسة . .
و كمثال على آراء ميكافللي :
” كيف يتوجب على الأمير أن يحافظ على عهوده

– لاريب في أن كل إنسان يدرك أن من الصفات المحموده للأمير أن يكون صادقاً في وعوده وأن يعيش في شرف ونبل لا في مكر ودهاء . لكن تجارب عصرنا أثبتت أن الأمراء اللذين قاموا بجلائل الأعمال لم يكونوا كثيري الاهتمام بعهودهم والوفاء بها ، وتمكنوا بالمكر والدهاء ، من الضحك على عقول الناس وإرباكها . وتغلبوا أخيراً على أقرانهم من الذين جعلوا الإخلاص والوفاء رائدهم . جميل من الأمير أن يكون صادقاً في وعوده ولكن الصدق لا يصح في كل الظروف . فالكثير من الأمراء نجحوا في حكمهم وسيطروا على رعيتهم لأنهم نقضوا عهودهم .
– على الأمير أن يتعلم سبيلين للصراع والقتال . الأول عن طريق القانون والثاني عن طريق القوة . ويلجأ الناس إلى السبيل الأول أما الحيوانات فتلجأ إلى السبيل الثاني . فالإنسان سلاحه القانون والصدق بينما سلاح الحيوان هو القوة والحيلة . ولكن لما كان القانون وحده لا يكفي لتحقيق الأهداف عادة فأن على الإنسان أن يلجأ تبعاً لذلك إلى السبيل الثاني أي أن يلجأ لسلاح الحيوان ومن الضروري للأمير أن يحسن إستخدام السبيلين معاً وأن يمتلك في نفس الوقت طبيعة الإنسان وطبيعة الحيوان لأن كل منهما تدعم الأخرى ولأن إحداهما لا يمكن أن تعيش بدون الأخرى . ولما كان على الأمير أن يتخذ طبيعة الحيوان فعليه أن يختار طبيعة الثعلب والأسد في الوقت نفسه . ذلك لأن الأسد لا يستطيع حماية نفسه من الفخاخ المنصوبة له والثعلب لا يتمكن من الدفاع عن نفسه أمام خطر الذئاب ولذا يتحتم على الأمير أن يكون ثعلباً ليميز الفخاخ وأن يكون أسداً ليرهب الذئاب . وكل من يرغب في أن يكون مجرد أسد ليس إلاّ ، لا يفهم هذا . وعلى الحاكم الذكي المتبصر أن لايحافظ على وعوده عندما يرى أن هذه المحافظة ستؤدي إلى الإضرار بمصالحه ، وأن الأسباب التي حملته على إعطاء هذه الوعود لم تعد قائمة . ولو كان جميع الناس طيبين فإن هذا الرأي لايكون طيباً ، ولكن بما أنهم سيئون ، وهم بدورهم لن يحافظوا على عهودهم لك فإنك لست ملزماً بالمحافظة على عهودك لهم ، ولن يعدم الأمير الذي يرغب في إظهار مبررات متلونه للتنكر لوعوده لن يعدم ذريعة مشروعة لتحقيق هذه الغاية . وفي وسع الإنسان أن يورد عدداً لا يحصى من الأمثلة العصرية على هذه الحقيقة وأن يظهر كم من المرات أضحت عهودهم لا قيمة لها من جراء تنكرهم لها وفي مقدور الإنسان البرهنة على أن أولئك الذين تمكنوا من تقليد الثعلب تقليداً قد نجحوا أكثر من غيرهم . ولكن الضرورة تحتم على الأمير الذي يتصف بصفة الثعلب هذه أن يجيد إخفائها عن الناس وأن يكون مداهناً كبيراً ومرائياً عظيماً ولذا فإن من يتقن الخداع يجد دائماً أولئك الذين هم على إستعداد لأن تنطلي عليهم خديعته .
وسأكتفي بسرد مثل عصري واحد . فالبابا الكساندر السادس لم يقم بعمل سوى خداع الآخرين ولم يفكر بشئ سوى ذلك وكان يجد دائماً الفرصة للنجاح في خداعه ولم يكن ثمة من يفوقه مهارة في تقديم الوعود وإغداق التأكيدات داعماً إياها بالإيمان المغلظة في الوقت الذي لم يكن هنا من هو مثله أقل تمسكاً بها ومع ذلك فقد نجح دائماً في خداعه ، إذ أنه كان يتقن هذه الطريقة في معالجة الأمور .
كذلك على الأمير أن لا يسمح لغيره أن يكون أميراً قوياً لأنه بذلك قد ساهم في دمار نفسه . وعليه أن لايكون حيادياً أمام القضايا المطروحة فالحياد هو موقف الأمراء الضعاف والمترددين والذي يقود إلى الخراب . على الأمير أن يكون هو ناصح ومستشار نفسه . وفي حال إحتاج لنصيحة غيره فيجب أن يتم ذلك وفقاً لرغبته ولإرادته هو لا لرغبة وإرادة الآخرين .
هناك صفات من الضروري أن تظهر في سلوك الأمير الناجح ومن غير الضروري أن يكون الأمير متصفاً بها كلها ولكن من الضروري أن يظهر بمظهر من يتصف بها . بل أجرؤ على القول بأنه إذا يتصف بها بالفعل وإذا كان يظهرها دائماً في مسلكه فإنها يمكن أن تلحق به الضرر في حين أنه من المفيد له دائماً أن يكون له ظاهر من يتصف بها فحسن له دائماً مثلاً أن يظهر بمظهر الحليم والأمين والإنساني والصادق والمتدين .. يجب أن ندرك جيداً أنه يستحيل على الأمير ولا سيما الأمير الجديد ، أن يراعي في مسلكه كل ما يجعل الناس يكسبون سمعة رجال الخير ، وأنه مضطر في كثير من الأحيان ومن أجل المحافظة أن يعمل ضد الإنسانية وضد الرحمة وضد الدين نفسه . يجب أن يكون فكره مرناً فيدور في كل الأمور مع الريح ومع ما تقضي به الظروف والطوارئ . يجب بقدر المستطاع ألاّ يحيد الأمير عن جادة الخير ولكن يجب عند الحاجة أن يعرف كيف يسلك طريق الشر . ويجب أن يكون شديد الحرص وأن لا تفلت منه أي أقوال تتناقض مع هذه الصفات الخمس التي ذكرتها . وعليه أن يجعل الناس يرون فيه الإخلاص والرحمة والشرف والإنسانية والتدين . ولعل هذه الصفة الأخيرة هي الأكثر لزوماً للظهور بمظهر من يتصف بها لأن الناس عموماً يحكمون بعيونهم . طالما أن الرؤية وميسورة لهم دائماً . فالناس جميعاً يرون مظهرك وكيف تبدو لهم ولكن القلة يعرفون ما أنت معرفة حقيقية عميقة . ولكن هؤلاء القلة لن يجرؤوا على الوقوف في وجه رأي الأغلبية المدعومة بجلال الدولة في الدفاع عنهم وفي أعال جميع الناس ولاسيما الأمراء فإن هناك حقيقة لا استثناء فيها وهذه الحقيقة هي :
” أن الغاية تبرر الوسيلة “

وإذا استهدف الأمير مثلاً أن يحتل دولة عليه أن يحافظ على الدولة التي إحتلها فإن جميع الناس سيثنون على هذا العمل ويعتبرونه مثالاً للشرف إذ أن من عادة العامه أن تغرهم المظاهر ونتائج الأحداث . ويتألف العالم من العامه أما القلة الذين لا يعتبرون من العامه فهم معزولون عن الناس عندما يقرر المجموع شيئاً يرونه في أميرهم . وهناك أمير أعرفه يعيش في عصرنا هذا ويحسن بنا أن نغفل ذكر إسمه جعل همه ، الدعوة إلى السلام والوفاء للمواثيق بينما هو في الحقيقة عدو لدود لهما ولو قدّر له أن يرعى أحدهما لأضاع دولته وسمعته في كثير من المناسبات التي تعرض لها .

الإبداعُ في الفكر، فلسفةً وعلمًا، من نتائج العقل الفاعل

كاتب الموضوع الأصلي: منيرة القرينــي(101)

الإبداعُ في الفكر، فلسفةً وعلمًا، من نتائج العقل الفاعل

كان “العقلُ الفاعل” هو العامل الحاسم المُؤسِّس والمُنتِج والمُطوِّر والمُزهر لكلِّ فكرٍ فلسفيٍّ أو علميٍّ ناضج، ابتداءً من طاليس وأنكسمندريس وسقراط وأفلاطون وأرسطو، مرورًا بالكِنديّ والفارابيّ وابن سينا والخوارزميّ وجابر بن حيَّان وابن الهيثم وابن رُشد وابن خلدون وغيرهم، وانتهاءً بالعصر الحديث ابتداءً من كوبرنيكس وغاليليو وديكارت ونيوتن وآينشتاين وغيرهم.

وينبغي، قبل كلِّ شيء، أن نَعي بدقَّة وعُمق أنَّ أيَّ تقدُّمٍ حضاريّ، لا سيَّما في هذا العَصر الحديث، لا يُمكن أن يتحقـق إلاَّ من خلال إرساءِ أُسُسٍ ومبادئَ فلسفيَّـة وعلميَّـة وتراكـُمِها. فالحضارةُ الغربيَّـة الحديثة قامت على هذه الأُسُس. حتَّى النهضة التي حدثَت ابتداءً من منتصَف القرن التاسع عشر، في اليابان، قامت استنادًا إلى تــَبـْيـِئة الفلسفة الغربيَّـة والعقل الغربيّ العلميّ والثقافيّ لمتطلَّبات المجتمع اليابانيّ، إلى الحدِّ الذي صرخ فيه المثقَّفون الشَّباب من الساموراي، منذ ستـينات القرن التاسع عشر: “ليس هناك تاريخٌ ماضٍ، فتاريُخنا يبدأُ اليوم!”

ويقول فرانك غيبني F. Gibney في هذا الصدد: “لم يحدث في مناسبة أُخرى من التاريخ الحديث أنَّ أمَّةً كبيرة، غيرَ اليابان، غيَّرت بهذا الشكل الجذريّ، مجتمعَها وعاداتِها وأُسُسَها الاقتصاديَّة بالإضافة إلى بـِنيتها السياسيَّة… ومع ذلك، لم يفقد اليابانيـُّون هُويَّـتهم القوميَّة خلال هذه العمليَّة، بل على العكس، فقد قَوَّوا هذه الُهويَّة…”17

أمَّا نحن فقد أَضَعنا، بسبب عَدَم وعينا بأهمِّـيَّة استخدام عقلنا الفاعل، وترددنا، بل رَفـضِنـا لاستيعابِ وتـفهُـم أسباب الحضارة الحديثة وأُسُسها، وفلسفتَها، وعلمها، ولعجزِنا عن تَـبـْـيـِئـَتـِها لظروفنا واحتياجاتنا وعقـليَّـتـنا ـ أقولُ أضَعنا، بسبب ذلك، كِلا الأمرَين: فقد فشلَت، اولا، نهضتـُنا فشلاً ذريعًا، بدليل واقعيَّة إعادة احتلال أراضينا، وتَوالي نكباتنا في فلسطين ولبنان والعراق والجزائر والسودان وغيرها، فضلاً عن التخلُّف الاقتصاديّ والإنمائيّ والفكريّ والعِلميّ، كما بدأنا، ثانيا، بفَقدِ هُويَّـتـِنا تدريجيّا ً، بسبب سيطرة الأجنبيّ المباشرة على مُـقـدَّراتنا، التي تظهرُ خاصَّةً من خلال الحصار المباشر أو الاحتلال المفروض على بلدانٍ عربيَّةٍ . وهذا يُؤدِّي إلى فـقـدان كلِّ شيء، بل الكفر بكلِّ المبادئ والقِيَم والأخلاق، طلبًا للُقمةِ العَيش. يقول الإمامُ عليّ :”كادَ الفقرُ أن يكون كفرًا.”18 فأين أصبحتْ عقيدتـُنا وهُويَّـتـُنـا وكرامتـُنا وقِيَمُنا وثقافـتـُنا وشرفـُنا، ونحن نشهدُ ما وصلنا إليه اليوم من ذلٍّ ومَهانة أمامَ الجيوش الأجنبيَّة الغازية، وذلٍّ ومهانةٍ ونحن نتفاوضُ على استرجاع أشبارٍ من أراضينا المُغتصَبة؟ فضلا عن أن أمريكا، ومن ورائها إسرائيل، أخذتْ تتدخل حتىُ في تغيير ِمناهجِنا الدراسيَّة بل وتغيير النصوص الدينيَّة، لجعلِها ملائمة لتقبلِ أو تجرع ِذُلـِّنا واحتلالِ أراضينا.

هذا على صعيد النفوذ المباشر؛ أمَّا النفوذُ الأجنبيُّ غير المُباشر الذي يُؤدِّي إلى إضاعة هُويَّـتـنا بما فيها قـِيَمُنا وثقافـتـُنا، فيتجلَّى بحاجتنا الماسَّة إلى كلِّ ما يُقدّمه لنا الآخر من منتجات تكنولوجية جاهزة، فضلا عن الغذاء والكساء والدواء. هذا من جهة، ومن جهةٍ أُخرى فإنَّ تيَّارَ “العَولمة”، الذي يتغلغلُ كلَّ يومٍ في جميع أجزاء وطننا، سيقضي تدريجًا على البقيَّة الباقية من هُويـَّـتـنا، وسنصبحُ أُمَّـة ً تابعة ً خانعة ً قد ينتهي مصيرُها إلى مصيرٍ مُشابه لسُكـان أمريكا الأصليـِّيـن في بلادهم. في حين أنَّ اليابان، التي دُمِّرت أثناءَ الحرب العالميَّة الثانية، أصبحَت تُنافسُ أمريكا في إنتاجها، فدَعَتها أن تخطبَ ودَّها19.

يقول أَرنولد توينبي: “حاربوا الغرب بذات أسلحته”؛ وهو يقصدُ بأسلحته من المعرفةَ والفلسفة والعلمَ والتكنولوجيا والتقدُّمَ الحضاريّ بوجهٍ عامّ. فلماذا فشلنا في تحقيق ذلك؟

لأنـَّنا فشلنا في تحرير عقلنا الفاعل من سيطرة عقلنا المُنفعِل؛ الأمر الذي أدَّى بنا إلى هذه النتيجة والحالة المأساويَّة الراهنة.
[عدل] كلمة ختاميَّة

جميعُ المحاولات التي بُذِلَت لإصلاح شأن هذه الأمـَّة باءت بالفشل، لأنـَّها أهملَت، إلى حدٍّ بعيد، إصلاحَ “عقلها” قبل شَهرِ السيوف لمقاومة المُحتـلّ أو الغاصِب.

لقد تنوَّعت الآراءُ والاتِّجاهاتُ في تشخيص أدواءِ الأُمـِّة ومعالجتِها؛ منها الاتِّجاهُ السَّلَفيّ، والاتِّجاهُ الليبراليّ، والاتِّجاهُ القوميّ، والاتِّجاهُ الماركسي. وكلُّ واحدٍ من هذه الاتجاهات يُحلِّلُ الخَلَل ويُعالجُه بمنظاره المنفرِد. “بفكر” يرى أبعادَ الخلل، لا بالشكل الذي تكون عليه تلك الأبعادُ بالفِعل، بل بالشكل الذي يُصوِّره له ذلك “الفكر” الملوَّن بالاتِّجاه المسبَق. أي أنه صادرٌ عن عقل مُـنـفعلٍ إما بـ”الأنا” الذي فاتـَه قطارُ الحضارةِ السريع منذ عدة قرون (الاتجاه السلفي)، أو بـإيديولوجية مقتبسة بل منقولة “الآخر”( الاتجاه الليبرالي أو القومي أو الماركسي).

ونادرًا ما اتَّجهَ “الفكرُ”، قبل أن يُمعنَ النظرَ في نقدِ الأوضاع وتشخيص الداءِ لوصفِ الدواء، إلى النظر في ذاتِه هو. فلئن شهَرنا “سلاحَ النقد” ضدَّ أوضاعنا، فما أحرانا بأن ننقدَ، أوَّلاً، ذلك السلاحَ نفسه الذي نستخدمُه في نَقد الأوضاع. وبعبارةٍ أُخرى، ننقدُ “العقل” الذي يتوجَّهُ بالنقد إلى الأوضاع، كما يقول الجابري. فإذا كان “سلاح النقد” نفسه معطوبًا -أي مُنفعلاً- فإنَّ نتائجَ نقده ستكون ناقصة، بل باطلة. وبالتالي فإنَّ تشخيصَه للداءِ سيكون خاطئًا، ووصفَه للدواء سيصبح قاتلاً، أحيانًا!

فقد واجهنا مُعضلاتِنا إمَّا بعقلٍ مكرسٍ للماضي، وإمَّا بعقلٍ تشبَّعَ بمفاهيمِ “عقلنا المُجتمَعيّ” الحاضر، المتأثرةِ بعقلٍ مُجتمَعيٍّ آخر؛ أي إنـَّنا لم نتمكـن، حتَّى الآن، من مُواجهة مشكلاتنا بابتكارِ حلولٍ نابعةٍ من “عقلنا الفاعل”، لا “عقلنا المنفعل”، أي المنفعل سواء بآراء “الأنا” الماضي أي السَلَف، أو بآراء “الآخر” الحاضر أي الغرب.

فإذا أردنا حقا ً تحريرَ الإنسان العربيّ لإنجاز نهضته وتقدُّمه، فينبغي علينا أوَّلاً، وقبل كلِّ شيء، تحريرُ عقله الذي تعرَّض للقهرِ على مرِّ العصور، فأصبح خاضعًا خانعًا تابعًا، مُقـلـِّدًا مُردِّدًا لا مُجدِّدًا.

* * *

ولا شكَّ بأنَّ القارئَ المتأمِّلَ والمُدقّـِق لا يفهمُ من كلامي أنَّني أُريد “التغريب” ولا أُريد “التعريب”، لأنَّ من الواضح جدًّا أنـَّني انتقدتُ “التغريب” الذي اعتبرتـُه هو الآخر واحدًا من مُنتَجات “العقل المنفعِل” بتقليد الغرب، بنفس القدر الذي يكون عقلُنا منفعِلا بتقليد السَلَف.

ولكنني أدعو مع ذلك إلى استيعابِ مُـقوِمات الحداثة التي لمْ تـَعُـد مِلكاً للغربِ، بل للبشرية أجمع، خاصة أن بلداناً شرقية ً متعددة ً تبنتْ أسسَ الحداثةِ وأتقـنتها بلْ تفوقتْ على بعض البلدان الغربيةِ مع احتفاظها بثقافتِها.

ولئن أدعو إلى استيعابِ مُقومات الحضارة الحديثةِ وتفهُّمها، فإنـَّني أقصدُ بذلك علمَها ومُـكتـَشَـفاتِها وتِـقـناتها ومناهِجَها البحْـثـيـَّة ومَـفاهيمَها الإبسْـتمولوجيَّـة وديمقراطيَّـتـَها القائمة على حكم الأغلبـيَّـة وفصل السلطاتِ واحترامها الرأي الآخر، إلخ ، أي أُسسها وبُـناها التحتيّْـة. ومع ذلك فلا يعني ذلك تقليدَها، بل تـَبْـيـئـتها لظروفنا واحتياجاتنا وثقافتنا، فضلاً عن أنـَّني أدعو إلى تمحيصها وتلَـمُس ِ نقاطِ ضَعْـفها، أي نقدها بعقلٍ فاعلٍ لا مُنفعِل.

في كتابه نقد العقل الغربي، يقول المفكر مُطاع الصَّفدي: “مع ذلك إنَّ قصَّة العقل الغربيّ مع ذاته ليست أُمثولة للآخرين، ولا نمَوذجًا للتقليد، ولا بضاعةً للاستيراد والتبادُل. لكنَّها هي كذلك قصَّة للعقـل قابلة لأن تـُكتَب بغير حروفيـَّـتـها الأصليَّة، وأن تـُقرأ بغير عيون وألسنة أبطالها وحدهم. فهي، لشدَّة دراميـَّتها وشموليَّة معانيها، تبدو كما لو كانت قصَّة لكلِّ عقل يُفارق الامتثال مع أصنامه، ويُقرِّرُ المغامرة في مجهوله الخاصّ” 20(أي يُصبح “عقلاً فاعلاً” بعد أن كان “مُنفعِلا ً بأصنامه). لا سيَّما أنَّ أُسُسَ الحضارةِ القائمةِ ليست مُلكًا لأحد، كما أسلفنا بل للبشريَّةِ جمعاء، تمامًا كما كانت الحضارةُ اليونانيَّة والحضارةُ العربيَّة الإسلاميَّة تُراثًا مُشتركًا للبشريَّة بأكملها.

وعلى نفس المنوال، فإنَّ التعريب الذي أدعو إليه لا يَعني اجترارَ مُنتَجاتِ الحضارةِ العربيَّة الإسلامية أو ترديدَ مفاهيمها ترديدًا ببَّغائيًّا، كما يحدث اليوم، بل يعني بحثَها واستقصاءَها وتفهُّمَها واستيعابَها ونقدَها بموضوعيَّة وبمنهجيَّة علميَّة صارمة، وبعقلٍ مُتـفـتِّحٍ فاعل، لا بعقلٍ مُنغلِقٍ مُنفعِل، لا يَرى إلاَّ بعضَ جوانبها السطحيَّة.

وسيُؤدِّي بنا ذلك إلى أن نفهمَ أنَّ المعايير والمبادئَ التي كانت تَسُود تلك الحضارة وُضِعَت لذلك الزمان، وأنَّ زمانَنا بحاجةٍ إلى استنباط مفاهيمَ ومبادئَ جديدة تنسجم مع ظروفه وأحواله.

ومن خلال هذا الفِعل والتفاعُل بين استيعاب الحضارتَين قد يتوصَّلُ عقلُنا الفاعل إلى إبداع نهجٍ لإنقاذ هذه الأُمـَّة من هذه الغمَّة.

الإبداعُ في الفكر، فلسفةً وعلمًا، من نتائج العقل الفاعل

كاتب الموضوع الأصلي: منيرة القرينــي(101)

الإبداعُ في الفكر، فلسفةً وعلمًا، من نتائج العقل الفاعل

كان “العقلُ الفاعل” هو العامل الحاسم المُؤسِّس والمُنتِج والمُطوِّر والمُزهر لكلِّ فكرٍ فلسفيٍّ أو علميٍّ ناضج، ابتداءً من طاليس وأنكسمندريس وسقراط وأفلاطون وأرسطو، مرورًا بالكِنديّ والفارابيّ وابن سينا والخوارزميّ وجابر بن حيَّان وابن الهيثم وابن رُشد وابن خلدون وغيرهم، وانتهاءً بالعصر الحديث ابتداءً من كوبرنيكس وغاليليو وديكارت ونيوتن وآينشتاين وغيرهم.

وينبغي، قبل كلِّ شيء، أن نَعي بدقَّة وعُمق أنَّ أيَّ تقدُّمٍ حضاريّ، لا سيَّما في هذا العَصر الحديث، لا يُمكن أن يتحقـق إلاَّ من خلال إرساءِ أُسُسٍ ومبادئَ فلسفيَّـة وعلميَّـة وتراكـُمِها. فالحضارةُ الغربيَّـة الحديثة قامت على هذه الأُسُس. حتَّى النهضة التي حدثَت ابتداءً من منتصَف القرن التاسع عشر، في اليابان، قامت استنادًا إلى تــَبـْيـِئة الفلسفة الغربيَّـة والعقل الغربيّ العلميّ والثقافيّ لمتطلَّبات المجتمع اليابانيّ، إلى الحدِّ الذي صرخ فيه المثقَّفون الشَّباب من الساموراي، منذ ستـينات القرن التاسع عشر: “ليس هناك تاريخٌ ماضٍ، فتاريُخنا يبدأُ اليوم!”

ويقول فرانك غيبني F. Gibney في هذا الصدد: “لم يحدث في مناسبة أُخرى من التاريخ الحديث أنَّ أمَّةً كبيرة، غيرَ اليابان، غيَّرت بهذا الشكل الجذريّ، مجتمعَها وعاداتِها وأُسُسَها الاقتصاديَّة بالإضافة إلى بـِنيتها السياسيَّة… ومع ذلك، لم يفقد اليابانيـُّون هُويَّـتهم القوميَّة خلال هذه العمليَّة، بل على العكس، فقد قَوَّوا هذه الُهويَّة…”17

أمَّا نحن فقد أَضَعنا، بسبب عَدَم وعينا بأهمِّـيَّة استخدام عقلنا الفاعل، وترددنا، بل رَفـضِنـا لاستيعابِ وتـفهُـم أسباب الحضارة الحديثة وأُسُسها، وفلسفتَها، وعلمها، ولعجزِنا عن تَـبـْـيـِئـَتـِها لظروفنا واحتياجاتنا وعقـليَّـتـنا ـ أقولُ أضَعنا، بسبب ذلك، كِلا الأمرَين: فقد فشلَت، اولا، نهضتـُنا فشلاً ذريعًا، بدليل واقعيَّة إعادة احتلال أراضينا، وتَوالي نكباتنا في فلسطين ولبنان والعراق والجزائر والسودان وغيرها، فضلاً عن التخلُّف الاقتصاديّ والإنمائيّ والفكريّ والعِلميّ، كما بدأنا، ثانيا، بفَقدِ هُويَّـتـِنا تدريجيّا ً، بسبب سيطرة الأجنبيّ المباشرة على مُـقـدَّراتنا، التي تظهرُ خاصَّةً من خلال الحصار المباشر أو الاحتلال المفروض على بلدانٍ عربيَّةٍ . وهذا يُؤدِّي إلى فـقـدان كلِّ شيء، بل الكفر بكلِّ المبادئ والقِيَم والأخلاق، طلبًا للُقمةِ العَيش. يقول الإمامُ عليّ :”كادَ الفقرُ أن يكون كفرًا.”18 فأين أصبحتْ عقيدتـُنا وهُويَّـتـُنـا وكرامتـُنا وقِيَمُنا وثقافـتـُنا وشرفـُنا، ونحن نشهدُ ما وصلنا إليه اليوم من ذلٍّ ومَهانة أمامَ الجيوش الأجنبيَّة الغازية، وذلٍّ ومهانةٍ ونحن نتفاوضُ على استرجاع أشبارٍ من أراضينا المُغتصَبة؟ فضلا عن أن أمريكا، ومن ورائها إسرائيل، أخذتْ تتدخل حتىُ في تغيير ِمناهجِنا الدراسيَّة بل وتغيير النصوص الدينيَّة، لجعلِها ملائمة لتقبلِ أو تجرع ِذُلـِّنا واحتلالِ أراضينا.

هذا على صعيد النفوذ المباشر؛ أمَّا النفوذُ الأجنبيُّ غير المُباشر الذي يُؤدِّي إلى إضاعة هُويَّـتـنا بما فيها قـِيَمُنا وثقافـتـُنا، فيتجلَّى بحاجتنا الماسَّة إلى كلِّ ما يُقدّمه لنا الآخر من منتجات تكنولوجية جاهزة، فضلا عن الغذاء والكساء والدواء. هذا من جهة، ومن جهةٍ أُخرى فإنَّ تيَّارَ “العَولمة”، الذي يتغلغلُ كلَّ يومٍ في جميع أجزاء وطننا، سيقضي تدريجًا على البقيَّة الباقية من هُويـَّـتـنا، وسنصبحُ أُمَّـة ً تابعة ً خانعة ً قد ينتهي مصيرُها إلى مصيرٍ مُشابه لسُكـان أمريكا الأصليـِّيـن في بلادهم. في حين أنَّ اليابان، التي دُمِّرت أثناءَ الحرب العالميَّة الثانية، أصبحَت تُنافسُ أمريكا في إنتاجها، فدَعَتها أن تخطبَ ودَّها19.

يقول أَرنولد توينبي: “حاربوا الغرب بذات أسلحته”؛ وهو يقصدُ بأسلحته من المعرفةَ والفلسفة والعلمَ والتكنولوجيا والتقدُّمَ الحضاريّ بوجهٍ عامّ. فلماذا فشلنا في تحقيق ذلك؟

لأنـَّنا فشلنا في تحرير عقلنا الفاعل من سيطرة عقلنا المُنفعِل؛ الأمر الذي أدَّى بنا إلى هذه النتيجة والحالة المأساويَّة الراهنة.
[عدل] كلمة ختاميَّة

جميعُ المحاولات التي بُذِلَت لإصلاح شأن هذه الأمـَّة باءت بالفشل، لأنـَّها أهملَت، إلى حدٍّ بعيد، إصلاحَ “عقلها” قبل شَهرِ السيوف لمقاومة المُحتـلّ أو الغاصِب.

لقد تنوَّعت الآراءُ والاتِّجاهاتُ في تشخيص أدواءِ الأُمـِّة ومعالجتِها؛ منها الاتِّجاهُ السَّلَفيّ، والاتِّجاهُ الليبراليّ، والاتِّجاهُ القوميّ، والاتِّجاهُ الماركسي. وكلُّ واحدٍ من هذه الاتجاهات يُحلِّلُ الخَلَل ويُعالجُه بمنظاره المنفرِد. “بفكر” يرى أبعادَ الخلل، لا بالشكل الذي تكون عليه تلك الأبعادُ بالفِعل، بل بالشكل الذي يُصوِّره له ذلك “الفكر” الملوَّن بالاتِّجاه المسبَق. أي أنه صادرٌ عن عقل مُـنـفعلٍ إما بـ”الأنا” الذي فاتـَه قطارُ الحضارةِ السريع منذ عدة قرون (الاتجاه السلفي)، أو بـإيديولوجية مقتبسة بل منقولة “الآخر”( الاتجاه الليبرالي أو القومي أو الماركسي).

ونادرًا ما اتَّجهَ “الفكرُ”، قبل أن يُمعنَ النظرَ في نقدِ الأوضاع وتشخيص الداءِ لوصفِ الدواء، إلى النظر في ذاتِه هو. فلئن شهَرنا “سلاحَ النقد” ضدَّ أوضاعنا، فما أحرانا بأن ننقدَ، أوَّلاً، ذلك السلاحَ نفسه الذي نستخدمُه في نَقد الأوضاع. وبعبارةٍ أُخرى، ننقدُ “العقل” الذي يتوجَّهُ بالنقد إلى الأوضاع، كما يقول الجابري. فإذا كان “سلاح النقد” نفسه معطوبًا -أي مُنفعلاً- فإنَّ نتائجَ نقده ستكون ناقصة، بل باطلة. وبالتالي فإنَّ تشخيصَه للداءِ سيكون خاطئًا، ووصفَه للدواء سيصبح قاتلاً، أحيانًا!

فقد واجهنا مُعضلاتِنا إمَّا بعقلٍ مكرسٍ للماضي، وإمَّا بعقلٍ تشبَّعَ بمفاهيمِ “عقلنا المُجتمَعيّ” الحاضر، المتأثرةِ بعقلٍ مُجتمَعيٍّ آخر؛ أي إنـَّنا لم نتمكـن، حتَّى الآن، من مُواجهة مشكلاتنا بابتكارِ حلولٍ نابعةٍ من “عقلنا الفاعل”، لا “عقلنا المنفعل”، أي المنفعل سواء بآراء “الأنا” الماضي أي السَلَف، أو بآراء “الآخر” الحاضر أي الغرب.

فإذا أردنا حقا ً تحريرَ الإنسان العربيّ لإنجاز نهضته وتقدُّمه، فينبغي علينا أوَّلاً، وقبل كلِّ شيء، تحريرُ عقله الذي تعرَّض للقهرِ على مرِّ العصور، فأصبح خاضعًا خانعًا تابعًا، مُقـلـِّدًا مُردِّدًا لا مُجدِّدًا.

* * *

ولا شكَّ بأنَّ القارئَ المتأمِّلَ والمُدقّـِق لا يفهمُ من كلامي أنَّني أُريد “التغريب” ولا أُريد “التعريب”، لأنَّ من الواضح جدًّا أنـَّني انتقدتُ “التغريب” الذي اعتبرتـُه هو الآخر واحدًا من مُنتَجات “العقل المنفعِل” بتقليد الغرب، بنفس القدر الذي يكون عقلُنا منفعِلا بتقليد السَلَف.

ولكنني أدعو مع ذلك إلى استيعابِ مُـقوِمات الحداثة التي لمْ تـَعُـد مِلكاً للغربِ، بل للبشرية أجمع، خاصة أن بلداناً شرقية ً متعددة ً تبنتْ أسسَ الحداثةِ وأتقـنتها بلْ تفوقتْ على بعض البلدان الغربيةِ مع احتفاظها بثقافتِها.

ولئن أدعو إلى استيعابِ مُقومات الحضارة الحديثةِ وتفهُّمها، فإنـَّني أقصدُ بذلك علمَها ومُـكتـَشَـفاتِها وتِـقـناتها ومناهِجَها البحْـثـيـَّة ومَـفاهيمَها الإبسْـتمولوجيَّـة وديمقراطيَّـتـَها القائمة على حكم الأغلبـيَّـة وفصل السلطاتِ واحترامها الرأي الآخر، إلخ ، أي أُسسها وبُـناها التحتيّْـة. ومع ذلك فلا يعني ذلك تقليدَها، بل تـَبْـيـئـتها لظروفنا واحتياجاتنا وثقافتنا، فضلاً عن أنـَّني أدعو إلى تمحيصها وتلَـمُس ِ نقاطِ ضَعْـفها، أي نقدها بعقلٍ فاعلٍ لا مُنفعِل.

في كتابه نقد العقل الغربي، يقول المفكر مُطاع الصَّفدي: “مع ذلك إنَّ قصَّة العقل الغربيّ مع ذاته ليست أُمثولة للآخرين، ولا نمَوذجًا للتقليد، ولا بضاعةً للاستيراد والتبادُل. لكنَّها هي كذلك قصَّة للعقـل قابلة لأن تـُكتَب بغير حروفيـَّـتـها الأصليَّة، وأن تـُقرأ بغير عيون وألسنة أبطالها وحدهم. فهي، لشدَّة دراميـَّتها وشموليَّة معانيها، تبدو كما لو كانت قصَّة لكلِّ عقل يُفارق الامتثال مع أصنامه، ويُقرِّرُ المغامرة في مجهوله الخاصّ” 20(أي يُصبح “عقلاً فاعلاً” بعد أن كان “مُنفعِلا ً بأصنامه). لا سيَّما أنَّ أُسُسَ الحضارةِ القائمةِ ليست مُلكًا لأحد، كما أسلفنا بل للبشريَّةِ جمعاء، تمامًا كما كانت الحضارةُ اليونانيَّة والحضارةُ العربيَّة الإسلاميَّة تُراثًا مُشتركًا للبشريَّة بأكملها.

وعلى نفس المنوال، فإنَّ التعريب الذي أدعو إليه لا يَعني اجترارَ مُنتَجاتِ الحضارةِ العربيَّة الإسلامية أو ترديدَ مفاهيمها ترديدًا ببَّغائيًّا، كما يحدث اليوم، بل يعني بحثَها واستقصاءَها وتفهُّمَها واستيعابَها ونقدَها بموضوعيَّة وبمنهجيَّة علميَّة صارمة، وبعقلٍ مُتـفـتِّحٍ فاعل، لا بعقلٍ مُنغلِقٍ مُنفعِل، لا يَرى إلاَّ بعضَ جوانبها السطحيَّة.

وسيُؤدِّي بنا ذلك إلى أن نفهمَ أنَّ المعايير والمبادئَ التي كانت تَسُود تلك الحضارة وُضِعَت لذلك الزمان، وأنَّ زمانَنا بحاجةٍ إلى استنباط مفاهيمَ ومبادئَ جديدة تنسجم مع ظروفه وأحواله.

ومن خلال هذا الفِعل والتفاعُل بين استيعاب الحضارتَين قد يتوصَّلُ عقلُنا الفاعل إلى إبداع نهجٍ لإنقاذ هذه الأُمـَّة من هذه الغمَّة.

الكــــــذب….!

كاتب الموضوع الأصلي: نوره مبارك الدوسري1

الكذب من العادات الشائعة لدى كثير من المجتمعات والفئات العمرية

المختلفة أبرزها الصغار وقد تستمر معهم حتى الكبر إذا لم تستأصل

منهم وقد اثبتت بعض الدراسات أن الكذب قد يرجع لأسباب عدة منها :

1) الخيال: قد يخيل للأطفال قصص ليس لها صلة بالواقع كالمغامرات

وهذا النوع يحتاج إلى رعاية وتنمية في المجال كتابة القصة كون

الخيال جانباً مع ربطه من قبل المربيين بالواقع حتى لايتحول إلى

نوعية إلى سيئة من الكذب .

2)التباس : وهو الكذب غير متعمد ناشئ عن عدم التحقق من الأمور وعن

عدم المعرفة التامة لأمر ما وهنا لابد من التنبيه للأبناء بتحري

الدقة في أمور الحياة حتى لايحدث لبس.

3)ادعاء : ويهدف هذا النوع من الكذب إلى تعظيم الذات واظهار الذات

بمظهر القوة والمثالية لكي ينال الفرد اعجاب الآخرين وجذب انتباههم

واخفاء الشعور بالنقص وهنا يظهر دور المربي لاكساب الأبناء الشعور

بالثقة في النفس فنا يفقدوه جانب لدى آخرين فإن لديهم جوانب.

ايجابية اخرى ليست لدى غيرهم وذلك يحتاج إلى بحث في جوانب

شخصية الطفل الإجابية والتركيز عليها وتنميتها لديه وتعزيزها

لإزالة الشعور بالنقص .

عشر مقالات قصيـــــــره ,…..(101)

كاتب الموضوع الأصلي: افنان عبدالله الحسن

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

بعد التحية .. اليكم ..

مقالات قصيرة جداً!

(1)
قال لي التاريخ:
الحريّة لا تُمنح.. الحريّة تُؤخذ.

(2)
يا الله …
إنهم لا يفرّقون بين “الدين” و “رجل الدين”
وبين “العَالِم” و “العالـَم”
وبين “الإقدام” و”الأقدام”.
والأسوأ من الأخطاء المطبعية : أخطاء الطباع التي لا تتغيّر .

(3)
نحن أمة تعّودت على أن تكتب تاريخ ما يحدث ..
ولم تتعوّد على أن تضع على الهامش نقداً – ولو قليلاً – لما يحدث .
وليتنا كنّا نسجل ما يحدث.. كما حدث ..
بل إننا نسجله كما يريد صانع الحدث !

(4)
المُدن .. ابتكرت لكل شيء سجنا !
حتى “الماء” محبوس في النوافير والمواسير .

(5)
كل يوم نردد “لا فرق بين عربي وأعجمي..”
وكل يوم – على النقيض – نسأل عن “فلان”: وش أصله ؟!

(6)
نشكو من الواسطة، ونحن أول من يبحث عنها
نشكو من عدم نظافة المدن ، ونحن الذين نحولها إلى سلة مهملات !
نشكو من أخلاق الشباب المراهق ، وننسى أنهم “تربيتنا”.. وقبلها ننسى مراهقتنا .
كل ما حولنا لم يأت من الفضاء الخارجي.. نحن الذين قمنا بتشكيله بهذا الشكل .
نعاتب “النظام” على بعض ما يحدث ..
وننسى أننا نحن “المواطنين” جزء من هذه الأحداث ، وشركاء فيها .

(7)
نحن الشعب الوحيد الذي يصف الشحاذ واللص بـ”الذئب”
ونحن هنا لا نهجوه (بوصفه بهذا الحيوان المفترس) بل نمتدحه .

(8)
ما الذي يجعل “نابليون” رجلاً عظيماً و”هتلر” رجلاً سيئا وطاغية ؟
وكلاهما لا يجيد سوى الغزو وإشعال الحروب .
إنهم المؤرخون.. وأشياء أخرى .
احصل على “مؤرخ” سيئ ، تحصل على “تاريخ” جيّد .

(9)
الكُره له أسبابه ..
الحب يأتي بلا أسباب.. فالتبرير الوحيد للحب ، هو : الحب نفسه .

(10)
دائماً ما نردد – على المستوى السياسي – هذه العبارة : “لا نتدخل بشؤون الآخرين “..
و .. “ما يحدث في البلد الفلاني هو شأن داخلي ، لا علاقة لنا به “.. سأقف بجانب هذه العبارة لو أنها كانت تتحدث عن ” الأرجنتين ” مثلاً .
ولكنني لا أستطيع هضمها إذا كان هذا البلد الفلاني ” هو : العراق أو إيران أو حتى قطر .
العالم العربي عن بكرة أبيه (وأمه أيضاً.. إن كان لها بكرة).. صار يؤمن بأن “ما يحدث لا يعنيه” لهذا ترى إيران تلعب بكل “شؤونه الداخلية” وهو يتفرج .. وأحياناً يُصفّر ويصفق .