أ.د. أحمد محمد وهبان

الحرب اليابانية الروسية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد السبيعي380

الحرب اليابانية الروسية هي حرب اندلعت ما بين الإمبراطورية اليابانية والإمبراطورية الروسية في 8 فبراير 1904 حتى 5 سبتمبر 1905، انتهت الحرب بتوقيع معاهدة بورتسموث التي توسط فيها الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت وساعدت هذه الحرب اليابان لتصبح قوة عظمى كما ساعدت على اندلاع الثورة الروسية.
بدأت الحرب عام 1904 بسبب صراع استعماري لاستعمار كوريا، حيث كانت روسيا قد تغلغلت في تلك المناطق, ورفضت التفاوض مع اليابان لتقسيم مناطق النفوذ. ودون إعلان الحرب هاجمت اليابان بورت آرثر وحاصرت الأسطول الروسي، وانتزعت اليابان بورت آرثر وهزموا الروس في مكدن 1905 في معركة تسوشيما حيث حطم أسطول روسي كبير حيث من بين 38 سفينة روسية تم إغراق 21، وأسر 7 ونزع سلاح 6 وقتل 4545 جندي روسي وأخذ 6106 أسير، أما من الطرف الياباني فقد خسرت اليابان 116 رجل و 3 قوارب طوربيد.
الخلفية التاريخية
سعت كل من الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية اليابانية إلى توسيع مناطق نفوذها في شرق آسيا وقد وقعت الدولتان في أول الأمر اتفاقا تم بموجبه إعلان كوريا منطقة محايدة، إلا أنه وبعد انتفاضة الأهالي في الصين (1898 م) أخذت روسيا تختلق الذرائع لتبرير احتلاها لـ”منشوريا” وتقدم قواتها إلى كوريا.
كانت اليابان قد قطعت شوطا كبيرا في تطوير صناعتها العسكرية وتحديث جيشها، عمل اليابانيون على الظهور بمظهر مخلص الشعوب الآسيوية من القوى الغربية. بعد توقيعها لاتفاقية تحالف مع بريطانيا عام 1902 رأت الحكومة اليابانية أن الفرصة مواتية للتحرك. قدمت اليابان طلبا رسميا لروسيا حتى تسحب قواتها المتمركزة في منشوريا، رغم طول المفاوضات وإصرار اليابانيين رفض الروس.
الحرب
بدأت الحرب بهجوم ياباني مباغت للاسطول الروسي المتمركز في ميناء “بورت آرثر” في “منشوريا”، والذي كانت تحت سيطرة القوات الروسية، ثم أعلنت الحكومة اليابانية رسميا الحرب على روسيا يوم العاشر من شهر فبراير من عام 1904.
دحر الأسطول الياباني القوات البحرية الروسية في أول مواجهة بينها في “تسوشيما”. على البر رغم تقدمها إلا القوات اليابانية تكبدت خسائر فادحة. لم يتردد الطرفان المتصارعان في قبول عرض الوساطة التي طرحه الرئيس الأمريكي “تيودور روزفلت”، انتهت الحرب مع توقيع اتفاقية “بورتسمث” (في “نيو هامبشير” الولايات المتحدة الأمريكية).
دامت الحرب أكثر مما كان مخططا له، وكانت حصيلة الخسائر المادية والإنسانية مرتفعة. خرجت اليابان منتصرة من هذه الحرب. بموجب اتفاقية “بورتسمث” والتي تم توقيعها في 5 سبتمبر 1905. وقامت روسيا بسحب قواتها المتواجدة في كوريا، ضمت اليابان جنوب شبه جزيرة ساخالين، كما أنتقلت إليها العديد من الحقوق الروسية في الصين على غرار الامتيازات التجارية في شبه جزيرة “لياودونغ”،ومد خط سكة الحديد في جنوب منشوريا واستغلال مناجم الفحم في “فوشون”.

الـجـامـع الأمـوي بـدمـشـق

كاتب الموضوع الأصلي: محمد السبيعي380

الجامع الأموي أو المسجد الأموي أو جامع بني أمية الكبير مسجد في دمشق، سورية من روائع الفن المعماري الإسلامي، يقع في قلب المدينة القديمة. له تاريخ حافل في جميع العهود والحضارات.

نبذة تاريخيه عن المسجد الأموي
يعود تاريخ المسجد الأموي في سورية إلى 1200 سنة قبل الميلاد، حيث كان هذا المكان معبدا للإله “حدد الأراني”، إله الخصب والرعد والمطر، وعندما دخل الرومان إلى دمشق أقاموا فيه معبدا للإله جوبيتر، وما زالت أطلاله باقية من منطقة سوق الحريم وحتى منطقة القيمرية. وعندما دخلت روما في المسيحية أقيم في المنطقة الغربية الشمالية من مكان المعبد كنيسة يوحنا المعمدان، ولما دخل المسلمون إلى دمشق، جرى اقتسام موقع الكنيسة إلى قسمين: القسم الشرقي أصبح للمسلمين والقسم الغربي للمسيحين. وعندما تولى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك سنة 86هـ (الموافق ل 705 م) الخلافة أراد أن يبني مسجدا جامعا ليس له مثيل في الشرق، ورضي المسيحيون ببيع النصف العائد لهم مقابل كنيسة حنانيا وحقوق أخرى، وبدأ الوليد بالبناء فاستفاد من ما هو موجود، وحول الموجود إلى شكل إسلامي، وكساه وزينه بالفسيفساء والمنمنمات والنقوش وأفضل ما زينت به المساجد في تاريخ الإسلام.[1]
وفي المسجد الأموي أول مئذنة في الإسلام المسماة مئذنة العروس وله اليوم ثلاث مآذن وأربع أبواب وقبة كبيرة قبة النسر وثلاث قباب في صحنه وأربعة محاريب ومشهد عثمان ومشهد أبوبكر ومشهد الحسين ومشهد عروة ولوحات جدارية ضخمة من الفسيفساء وقاعات ومتحف، في داخلة ضريح النبي يحيى علية السلام وبجواره يرقد البطل صلاح الدين الأيوبي وبالقرب منه الكثير من مقامات وأضرحة رجال ومشاهير الإسلام، وقد صلى فيه أهم المشاهير في تاريخ الإسلام والفاتحين وعدد كبير من الصحابة والسلاطين والخلفاء والملوك والولاة وأكبر علماء المسلمين، وهو أول جامع يدخله أحد باباوات روما عندما زار مدينة دمشق. وكان ذلك عام 2001 م عندما قام بزيارته البابا يوحنا بولس الثاني وللجامع تاريخ حافل في كافة العصور قبل الإسلام وفي العصر الإسلامي.
قيام المسجد
جامع بني أمية في دمشق هو أقدم وأجمل وأكمل آبدة إسلامية ما زالت محافظة على أصولها منذ عصر مُنْشِئها الوليد بن عبد الملك الخليفة المصلح الذي حكم الي96 هـ وخلال حكمه كان منصرفًا إلى الإعمار والإنشاء في البلاد الإسلامية، وكان بناء الجامع في عاصمة دولته دمشق من أكثر الأمور أهمية، ولقد استعان في عمارته بالمعماريين والمزخرفين من أهل الشام، وخصص له الكثير من المال وأمر أن يكون أفضل المباني وأفخمها وكان له ذلك فأصبح جامع دمشق الكبير أهم بناء في الدولة الإسلامية،
أُقيم المسجد الجامع بدمشق بعد فتح بلاد الشام، في الجهة الشرقية الجنوبية من أطلال المعبد الروماني جوبيتر الذي أُنشئ في القرن الأول الميلادي،بناء الجامع الأموي الكبير لقد قام الأموين ببناء جامع الأموي وجعله جامعا يليق بعاصمة دولتهم الدولة الأموية فقاموا بتوسعة باحاته وتجميله بالنقوش والفسيفساء والزخارف وزين بأفخم وأجمل الفوانيس وغيرها، وكذلك فعلوا في مدن أخرى مثل المدينة المنورة وحلب والقدس.
باشر ببناء الجامع الأموي الكبير بدمشق، بعد أن اتفق مع أصحاب الكنيسة – لإقامة جامع ضخم يليق بعظمة الدولة الإسلامية، ويعتمد على التخطيط الذي وضعه الرسول محمد (عند بنائه لمسجده الأول في المدينة المنورة)، وكان هذا المخطط يقوم على تقسيم المسجد إلى بيت الصلاة وإلى فناء مفتوح. لقد استبقى الوليد الجزء السفلي من جدار القبلة أعاد الجدران الخارجية والأبواب، وأنشأ حرم المسجد مسقوفًا مع القبة والقناطر وصفوف الأعمدة.
أنشأ أروقة تحيط صحن الجامع. وأقام في أركان الجامع الأربعة صومعة ضخمة، ولكن زلزالًا لاحقًا أتى على المنارتين الشماليتين، فاستعيض عنها بمنارة في وسط الجدار الشمالي، وأصبح للمسجد ثلاث منارات اثنتان في طرفي الجدار الجنوبي، وواحدة في منتصف الجدار الشمالي وتسمى مئذنة العروس.
في عهد الإمبراطور الروماني تيودوس الأول 379 م – 395 م تحول المعبد مرة ثانية إلى كنيسة باسم كنيسة القديس يوحنا المعمدان الموجود ضريحه داخل الجامع والمعروف أيضا بالاسم النبي يحيى
تاريخ الجامع
كان في العهد القديم سوقًا، ثم تحول في العهد الروماني إلى معبد أُنشئ في القرن الأول الميلادي. ثم تحول مع الزمن إلى كنيسة.
معبد جوبيتر – الدمشقي
عقب سيطرة الرومان على دمشق، كانت المدينة من أهم المدن ومركز هام للحضارة، تحول المعبد إلى اسم معبد جوبيتر الدمشقي. ومن المرجح أن التغييرات عقب هذا التحول لم تكن كثيرة. رغم الكتابات التي تشير إلى أنه تطور بشكل واسع في عهد السلوقيين والرومان. ما تزال بقايا هذا المعبد موجودة حتى الآن إلى الغرب من الجامع الأموي حيث تظهر بقايا الأعمدة الرومانية (الكورنثية) ومقدمة القوس الرئيسية في المعبد. ي عهد الإمبراطور الروماني تيودوس الأول 379 م – 395 م تحول المعبد إلى كنيسة باسم كنيسة القديس يوحنا المعمدان الموجود ضريحه داخل الجامع والمعروف أيضا بالاسم النبي يحيى
العهد الأموي
كان معاوية قد أنشأ لنفسه قصر الخضراء المتاخم لجدار الجامع الأثري، وقد أنشأ معاوية في المسجد كذلك مقصورة خاصة به، هي أول مقصورة في تاريخ الإسلام.
وكان المكان وإثر زلزال عنيف أتى على المعبد جوبيتر وبقي الهيكل ناوس الذي يقع في منتصف فناء واسع محاط بجدار مرتفع تخترقه أربعة أبواب من الجهات الأربعة، وكان يحيطها سور آخر معمد بالأعمدة ولقد استعمل المسيحيون من سكان دمشق هذا الهيكل كنيسة، وكانوا يدخلون من الباب ذاته الذي أصبح يدخل منه المسلمون إلى مسجدهم في الشرق.
بناء الجامع الأموي الكبير
قام الأموين ببناء الجامع الأموي وجعله جامعا يليق بعاصمة دولتهم دمشق، [[خلافة أموية|الدولة الأموية ] فقاموا بتوسعة باحاته وتجميله بالنقوش والفسيفساء والزخارف والرخام وزين بأفخم وأجمل الفوانيس على الإطلاق وغيرها من النفائس، فكان جامع ومركزا للدولة الإسلامية في أقصى اتساع لها وجمل بناء الجامع وضم في جنباته العديد من كنوز التاريخ في قلب دمشق القديمة.
باشر ببناء الجامع الأموي الكبير بدمشق بعد أن اتفق مع أصحاب الكنيسة – لإقامة جامع ضخم يليق بعظمة الدولة الإسلامية، حيث ان الجامع كان في السابق معبد آرامي ومن بعد ذلك أصبح كنيسة، ويعتمد على التخطيط للمساجد الأولى في الإسلام، وكان هذا المخطط يقوم على تقسيم المسجد إلى بيت الصلاة وإلى فناء مفتوح، لقد استبقى الوليد بن عبد الملك الجزء السفلي من جدار القبلة الأثري وأعاد الجدران الخارجية والأبواب، وأنشأ حرم المسجد مسقوفًا مع القبة { قبة النسر}والقناطر وصفوف الأعمدة الداخلية.
أنشأ أروقة تحيط بصحن الجامع الكبير وأقام في أركان الجامع الأربعة صومعة ضخمة، ولكن زلزالًا لاحقًا أتى على المنارتين الشماليتين للجامع، فاستعيض عنها بمنارة في وسط الجدار الشمالي، وأصبح للمسجد ثلاث منارات اثنتان في طرفي الجدار الجنوبي، وواحدة في منتصف الجدار الشمالي وتسمى مئذنة العروس وهي أقدم مأذنه في الإسلام.
الجامع الأموي في العهد العباسي
في العهد العباسي بنى والي دمشق قبة المال الواقعة في الساحة والتي كانت مخصصة لوضع أموال الولاية وفي عام 1006 م بنيت قبة النوفرة، في الساحة، أمام الجناح المصلب. وفي عام 1069 م تعرض المسجد إلى حريق اندلع في منزل مجاور وامتد إلى المسجد، ولم يعد بالإمكان السيطرة على النيران وأعيد ترميم وإصلاح ما خرب بسبب الحريق فيما بعد بجهود وأموال كبار وأثرياء المدينة.
الجامع الأموي في العهود الإسلامية اللاحقة
يبدو الجامع مهيمنًا على مدينة دمشق القديمة بهامته المتجلية بقبة النسر، وبمآذنه الثلاثة التي أقيمت في وقت لاحق فوق الصوامع الأموية الشامخة، كما هو الأمر في الصوامع المغربية. في عهد الأمير السلجوقي تتش أمر وزيره بإجراء الإصلاحات على نفقته في قبة النسر وكذلك الدعائم الأربعة والأقواس التي تعلوها، وسقف المسجد والمقصورة.وفي عام 1089 م تم ترميم الجدار الشمالي ومن الناحية الشرقية للجامع.
في عام 1109 م رمم الجدار الشمالي أيضا من الناحية الغربية. وفي عام 1150 م وضعت ساعة كبيرة مميزة عند رواق الباب الشرقي للجامع الأموي. في عام 1179 م أمر صلاح الدين بترميم دعامتين من دعائم القبة الكبرى المسماة قبة النسر، والمئذنة الشمالية والتي هي الأقدم بين المآذن في تاريخ الإسلام ولقد أضيف إليها منارة في عصر صلاح الدين.
في عهد الظاهر بيبرس نظفت أعمدة الحرم ووشيت تيجانها بالذهب وأصلحت صفائح الرخام والفسيفساء، كما جرى تبليط الجدار الشمالي للحرم ليصبح الجامع غاية في الأبهة وقبلة للناظرين لايوازيه أي جامع أو مسجد في العالم الإسلامي. في عصر العثمانيين وفوق الصوامع أنشئت المئذنة الشرقية في عصر الأيوبيين ثم العثمانيين، والمئذنة الغربية أنشأها السلطان قايتباي.
حوادث في تاريخ الجامع
لم يحافظ الجامع على الشكل الذي بني عليه فقد تعرض لكثير من الحرائق والزلازل التي غيرت معالمه كثيرا. وفكر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز في إزالة مظاهر الترف منه والتي رأى فيها خروجا عن التعاليم الإسلامية. لكن أهل الشام ووجهاء دمشق دافعوا عن زينة الجامع فعدل عمر عن نيته واستمر الجامع بزينته وفخامته وكنوزه.
قيل أيضا أن رجلا روميا وقع مغشيا عليه لما رأى عظمة الجامع وفخامته. فلما سئل عن السبب قال: (إننا معشر أهل رومية نتحدث أن بقاء العرب قليل، فلما رأيت ما بنوا في دمشق علمت أن لهم مدة سيبقونها. فلذلك أصابني ما أصابني) فلما أخبر عمر بالقصة قال : (لا أرى مسجد دمشق إلا غيظا على الكفار).
وإن كان عمر بن عبد العزيز قد اقتنع بضرورة الحفاظ على جمال الجامع وزينته فإن الكوارث لم ترحم جمال البناء ولا الجهد المبذول فيه وأهم هذه الكوارث حريق عام 461هـ/ 1069 م وحريق عام 1311هـ / 1893 م اللذان ذهبا بكثير من تزيينات الجامع وآثاره الهامة.
أتى حريق عام 1069 م على جميع محاسن الجامع وما فيه من الزخارف والنقوش البديعة الموجودة منذ أيام الوليد وظل على حاله حتى تم تجديده عام 1072 م ثم تتالت عليه الزلازل والحرائق، وانتابه الإهمال مرة حتى جاء الملك الظاهر فكان من بداية إصلاحاته أن قام بتنظيف الجامع وغسل رخامه وفرشه وأعاده مسجدا للعبادة والعلم وزينه بالذهب ولوحات الفسيفساء والنقوش والزخارف.
في أحد أيام عام 1311 هـ/ 1893 م شبت نار عظيمة في سقف الجامع من الجهة الغربية من نار وقعت من نرجيلة أحد العمال الذين كانوا يصلحون السقف ودام الحريق ساعتين ونصف الساعة وقد أتى على سقف الجامع وجدرانه وأبوابه وسدته، ولم يسلم إلا المشهد الغربي. وأدى هذا الحريق الهائل إلى تلف المصحف العثماني الذي كان قد أرسله الخليفة عثمان بن عفان إلى بلاد الشام عندما قام بتدوين القرآن [1]. وبدأ الناس بإزالة الأنقاض من الجامع وبعد أن تمت عملية التنظيف بدئ بجمع التبرعات وتسابق الشعب إلى الجود لإعادة العظمة للجامع.
في عام 1314 هـ / 1896 م بدأت عمليات ترميم المسجد بأمر من الوالي ناظم باشا والي دمشق وبإشراف لجنة مشكلة لهذا الغرض برئاسة رئيس مجلس إدارة الولاية أحمد باشا الشمعة وقد اشترك في عملية البناء أكثر من خمسمائة فني وعامل يوميا، ودام العمل تسع سنوات وقدرت النفقات بسبعين ألف ليرة ذهبية.
ليس ما سبق كل ما أصاب الأموي فقد تعرض الجامع أيضًا إلى عدد كبير من الحرائق والزلازل التي ألحقت به أضرارا مختلفة, وكانت الحرائق، باستثناء الأخير منها، تمتد إليه من البيوت والأسواق الملتصقة به والتي رأى بعض المهتمين أنها تستر جماله وتشوه منظره وتعرضه للخطر مما يتطلب إزالتها، وقد تم بالفعل كشف جدران الجامع الأموي من الجهتين الجنوبية والغربية بحيث أزيلت تقريبا كل الأبنية الدخيلة عليه مما أتاح فرصة مشاهدته من الخارج لا من الداخل فقط.
وبعد كل ما مر على الجامع من أحداث وترميمات وإضافات فكان في كل مرة يتم فيها الكثير من الزينة والزخارف والنقوش ولوحات الفسيفساء وتبليط الساحات بالرخام وأحجار الزينة وصفائح الذهب والأسقف المزينة والمزخرفة والإضافات الكثيرة والجامع اليوم بتاريخه وهيبته وبفخامته أحد أهم رموز العالم الإسلامي على الإطلاق.
الأوصاف
تبلغ مساحة المسجد كله 157×97م وتبلغ مساحة الحرم 136×37م أما مساحة الصحن فهي 22.5×60م ويتوسط مدينة دمشق وللجامع أربعة أبواب، باب البريد من الغرب وباب جيرون من الشرق وباب الكلاسة من الشمال. وباب الزيادة من الجنوب وينفتح من داخل الحرم. أما الصحن فإنه محاط من جوانبه الثلاثة بأروقة وأعمدة شامخة ارتفاعها 15.35م، ومن الجنوب تنفتح أبواب الحرم التي أصبحت مغلقة بأبواب خشبية تعلوها قمريات زجاجية ملونة مع كتابات وزخارف رائعة.
تنهض الأروقة على صفٍ من القناطر المتراكبة، قنطرتان صغيرتان فوق كل قنطرة كبيرة، وتحملها سواري مربعة ضخمة وأعمدة، عمودان بين كل ساريتين في الجانبين ويبلغ عددها مجتمعة 47 سارية وعمودًا. وهي تشكل واجهات الأروقة وواجهة الحرم المؤلفة من جبهة ثلاثية ذات نافذة مفتوحة على طرفيها نافذتان دائريتان، وتحت الجبهة واجهة مربعة في وسطها قوس كبير ضمنه ثلاث نوافذ، وترتكز هذه الواجهة على ثلاث قناطر محمولة على عمودين في الوسط، وركنين في الجانبين وتدعم هذه الواجهة من الطرفين دعامتان مربعتان ضخمتان. وعلى طرفي هذه الواجهة تمتد القناطر المتراكبة تسع قناطر إلى اليمين ومثلها إلى اليسار شرقًا.ومن الرواق تنفتح على الصحن 24 قنطرة ومن الرواقين الشرقي والجنوبي تسع قناطر.
أما حرم المسجد فهو مؤلف من قناطر متشابهة عددها 24 قنطرة تمتد عرضانيًا موازية للجدار القبلي، يقطعها في الوسط جناح متوسط يمتد من باب الجبهة الرئيسي وحتى المحراب. ويغطي هذا الجناح المتوسط سقف سنمي في وسطه تنهض قبة النسر المؤلفة من قبة نصف كروية من الخشب المصفّح، ومن قبة ثمانية تنفتح فيها 16 نافذة، وترتفع القبة عن أرض الجامع 45م وهي بقطر 16 مترا.
في حرم الجامع أربعة محاريب، المحراب الأصلي في منتصف الجدار القبلي. وهذه المحاريب مخصصة للمذاهب الأربعة. وفي أعلى جدار القبلة، تنفتح على امتداده نوافذ ذات زجاج ملون. عددها 44 نافذة مع ستة نوافذ في الوسط. ويقوم إلى جانب المحراب الكبير منبر حجري رائع. إن جميع الزخارف الرخامية المنقوشة في المحراب والمنبر وفي المحاريب الأخرى هي آيات فنية، صنعها المبدعون الدمشقيون الذين نقلوا فنونهم إلى أنحاء كثيرة من البلاد العربية والإسلامية. ولقد زينت جدران الحرم بالفسيفساء والرخام، وما زالت أقسام كثيرة من الفسيفساء الأموي قائمة في الحرم من الشمال إضافة للتزيينات الكثيرة.
وصف ابن عساكر موضوع فسيفساء الجدار الجنوبي على شكل كرمة ذهبية. وكانت الأروقة وعضاداتها وقناطرها مكسوة كلها بالفسيفساء الزجاجي الملون، وما زالت أقسام كثيرة باقية في واجهة الحرم وفي الأروقة، ولقد أعيد بعض ما سقط منها، وخاصة قبة الخزنة، التي استعادت زخرفتها الفسيفسائية مؤخرًا، وهذه القبة هي غرفة مثمنة تعلوها قبة محمولة على ثمانية أعمدة، كانت تحفظ فيها أموال المسلمين، ثم أصبحت لحفظ المخطوطات الثمينة. ولقد أنشئت هذه القبة في العصر العباسي 780 م. وثمة قبة أخرى هي قبة زين العابدين أو الساعات ما زالت قائمة، ولقد أعيد مؤخرًا 1995 م بناء قبة الوضوء العثمانية 1769 م التي كانت في منتصف صحن الجامع تحمي بركة ماء للوضوء.
متحف الجامع الأموي
في ركن الزاوية الشمالية القريبة من الجامع أقيم متحف الجامع الأموي عام 1989 م، ويضم نفائس الجامع القديمة وبعض الأحجار والسجاد واللوحات الخطية الجميلة، مع مصابيح إنارة وقطع فسيفسائية وخزفية وزجاجية ونقود إسلامية وساعات وصفحات من المصاحف المخطوطة القديمة والكثير من الأثريات الهامة في تاريخ الجامع العريق.
أقسام الجامع الأموي
•
o 1- باب جيرون والدهليز
o 2- مشهد الحسين
o 3- قاعة المئذنة الشمالية الشرقية
o 4- قبر الملك الكامل
o 5- مقر عمر بن عبدالعزيز
o 6- باب الكلاسة أو العمارة
o 7- مئذنة العروس
o 8- قاعدة المئذنة الشمالية الغربية (زاوية الغزالي)
o 9- مشهد عثمان (قاعة الاستقبال اليوم)
o 10- باب البريد
o 11- مشهد عروة (بيت الوضوء اليوم)
o 12- قاعدة المئذنة الجنوبية الغربية
o 13- محراب الحنابلة
o 14- محراب الحنفية
o 15- محراب الخطيب
o 16- محراب المالكية أو محراب الصحابة
o 17- قاعدة المئذنة الجنوبية الشرقية وفوقها المئذنة البيضاء
o 18- مشهد أبي بكر
o 19- مقام النبي يحيى – (يوحنا المعمدان)
o 20- قبة الساعات
o 21- قبة البركة
o 22- قبة المال أو الخزنة الرائعة
o 23- باب الزيادة
o 24- قبة النسر
o 25- مئذنة عيسى
o 26- قاعة الصلاة والعبادة

الإحـتـبـاس الـحـراري

كاتب الموضوع الأصلي: محمد السبيعي380

الاحتباس الحراري (أو تأثير البيت الزجاجي (Greenhouse effect)) هي ظاهرة ارتفاع درجة الحرارة في بيئة ما نتيجة تغيير في سيلان الطاقة الحرارية من البيئة وإليها. وعادة ما يطلق هذا الاسم على ظاهرة ارتفاع درجات حرارة الأرض عن معدلها الطبيعي. وقد ازداد المعدل العالمي لدرجة حرارة الهواء عند سطح الأرض ب0.74 ± 0.18 °C خلال المائة عام المنتهية سنة 2005. وحسب اللجنة الدولية لتغير المناخ(IPCC) فان “أغلب الزيادة الملحوظة في معدل درجة الحرارة العالمية منذ منتصف القرن العشرين تبدو بشكل كبير نتيجة لزيادة غازات الاحتباس الحراري(غازات البيت الزجاجي) التي تبعثها النشاطات التي يقوم بها البشر.

الغازات الدفيئة
تعرف الغازات الدفيئة بأنها غازات توجد في الغلاف الجوي وتتميز بقدرتها على امتصاص وإرسال الأشعة تحت الحمراء[1]. ومن أهم الغازات الدفيئة بخار الماء وغاز ثاني أكسيد الكربون
آلية الاحتباس الحراري
معظم الطاقة الأرضية المستقبلة نأتي من الشمس، وتكون هذه الطاقة على شكل إشعاعات قصيرة الموجة.[2] تمتص الجزيئات الموجودة في الغلاف الجوي جزء منها في حين تستقبل الأرض الجزء الآخر لينعكس بدوره إلى الغلاف الجوي. توجد بعض الجزيئات تمتص الطاقة الصادرة من الأرض وتعيد أرسالها إلى الأرض مرة أخرى وبالتالي تمنع هذه الأشعة من الخروج خارج الغلاف الجوي. تتواجد هذه الجزيئات بشكل طبيعي على سطح الأرض وتحافظ على درجة حرارته (متوسط 30 درجة مئوية)
مقدمة
يتفق العلماء المؤيدون لهذه الظاهرة على ضرورة العمل للحد من ارتفاع درجات الحرارة قبل فوات الأوان وذلك من خلال معالجة الأسباب المؤدية للارتفاع واتخاذ الاجراءات الرسمية في شأنها على مستوى العالم بأكمله، لأن مزيدًا من الغازات المسببة للاحتباس الحراري على مستوى العالم يؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة.
تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أكبر منتج لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن الإنسان.
ولنبين أهمية المناخ وتأرجحه أنه قد أصبح ظاهرة بيئية محيرة. فلما إنخفضت درجة الحرارة نصف درجة مئوية عن معدلها لمدة قرنين منذ عام 1570 م مرت أوروبا بعصر جليدي جعل الفلاحين ينزحون من أراضيهم ويعانون من المجاعة لقلة المحاصيل. وطالت فوق الأرض فترات الصقيع. والعكس لو زادت درجة الحرارة زيادة طفيفة عن متوسطها تجعل الدفء يطول وفترات الصقيع والبرد تقل مما يجعل النباتات تنمو والمحاصيل تتضاعف والحشرات المعمرة تسعي وتنتشر. وهذه المعادلة المناخية نجدها تعتمد علي ارتفاع أو انخفاض متوسط الحرارة فوق كوكبنا.
ولاحظ العلماء أن ارتفاع درجة الحرارة الصغرى ليلا سببها كثافة الغيوم بالسماء لأنها تحتفظ تحتها بالحرارة المنبعثة من سطح الأرض ولا تسربها للأجواء العليا أو الفضاء. وهذا مايطلق عليه ظاهرة الاحتباس الحراري أو مايقال بالدفيئة للأرض أو ظاهرة البيوت الزجاجبة. مما يجعل حرارة النهار أبرد. لأن هذه السحب تعكس ضوء الشمس بكميات كبيرة ولاتجعله ينفذ منها للأرض كأنها حجب للشمس أو ستر لحرارتها. وفي الأيام المطيرة نجد أن التربة تزداد رطوبة. ورغم كثرة الغيوم وكثافتها بالسماء إلا أن درجة الحرارة لاترتفع لأن طاقة أشعة الشمس تستنفد في عملية التبخير والتجفيف للتربة.
ودرجة حرارة الأرض تعتمد علي طبيعتها وخصائص سطحها سواء لوجود الجليد في القطبين أو فوق قمم الجبال أو الرطوبة بالتربة والمياه بالمحيطات التي لولاها لأرتفعت حرارة الأرض. لأن المياه تمتص معظم حرارة الشمس الواقعة علي الأرض. وإلا أصبحت اليابسة فوقها جحيما لايطاق مما يهلك الحرث والنسل. كما أن الرياح والعواصف في مساراتها تؤثر علي المناخ الإقليمي أو العالمي من خلال المطبات والمنخفضات الجوية. لهذا نجد أن المناخ العالمي يعتمد علي منظومة معقدة من الآليات والعوامل والمتغيرات في الجو المحيط أو فوق سطح الأرض.
فالأرض كما يقول علماء المناخ بدون الجو المحيط بها سينخفض درجة حرارتها إلي –15درجة مئوية بدلا من كونها حاليا متوسط حرارتها +15درجة مئوية. لأن الجو المحيط بها يلعب دورا رئيسيا في تنظيم معدلات الحرارة فوقها. لأن جزءا من هذه الحرارة الوافدة من الشمس يرتد للفضاء ومعظمها يحتفظ به في الأجواء السفلي من الغلاف المحيط. لأن هذه الطبقة الدنيا من الجو تحتوي علي بخار ماء وغازات ثاني أكسيد الكربون والميثان وغيرها وكلها تمتص الأشعة تحت الحمراء. فتسخن هذه الطبقة السفلي من الجو المحيط لتشع حرارتها مرة ثانية فوق سطح الأرض. وهذه الظاهرة يطلق عليها الاحتباس الحراري أو ظاهرة الدفيئة أو الصوبة الزجاجية الحرارية. ومع ارتفاع الحرارة فوق سطح الأرض أو بالجو المحيط بها تجعل مياه البحار والمحيطات والتربة تتبخر. ولو كان الجو جافا أو دافئا فيمكنه استيعاب كميات بخار ماء أكثر مما يزيد رطوبة الجو. وكلما زادت نسبة بخار الماء بالجو المحيط زادت ظاهرة الاحتباس الحراري. لأن بخار الماء يحتفظ بالحرارة. ثم يشعها للأرض.
ولقد وجد أن الإشعاعات الكونية والغيوم تؤثر علي تغيرات المناخ بالعالم ولاسيما وأن فريقا من علماء المناخ الألمان بمعهد ماكس بلانك بهايدلبرج في دراستهم للمناخ التي نشرت مؤخرا بمجلة (جيوفيزيكال ريسيرتش ليترز) التي يصدرها الاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي. وقد جاء بها أنهم عثروا على أدلة علي العلاقة ما بين هذه الأشعة والتغيرات المناخية فوق الأرض. فلقد إكتشفوا كتلا من الشحنات الجزيئية في الطبقات السفلى من الغلاف الجوي تولدت عن الإشعاع الفضائي. وهذه الكتل تؤدي إلي ظهور الأشكال النووية المكثفة التي تتحول إلى غيوم كثيفة تقوم بدور أساسي في العمليات المناخية حيث يقوم بعضها بتسخين العالم والبعض الآخر يساهم في إضفاء البرودة عليه. ورغم هذا لم يتم التعرف إلى الآن وبشكل كامل على عمل هذه الغيوم. إلا أن كميات الإشعاعات الكونية القادمة نحو الأرض تخضع بشكل كبير لتأثير الشمس. والبعض يقول أن النجوم لها تأثير غير مباشر على المناخ العام فوق الأرض. ويرى بعض العلماء أن جزءا هاما من الزيادة التي شهدتها درجات حرارة الأرض في القرن العشرين، ربما يكون مرده إلى تغيرات حدثت في أنشطة الشمس، وليس فقط فيما يسمى بالاحتباس الحراري الناجم عن الإفراط في استخدام المحروقات.
وقد قام الفريق الألماني بتركيب عدسة أيونية ضخمة في إحدى الطائرات. فوجدوا القياسات التي أجروها قد رصدت لأول مرة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي أيونات موجبة ضخمة بأعداد كثيفة. ومن خلال مراقبتهم وجدوا أدلة قوية بأن الغيوم تلعب دورا هاما في التغير المناخي حسب تأثيرها على الطبقات الأيونية وتشكيل ونمو هذه الجزيئات الفضائية في الطبقات العليا من الغلاف الجوي. مما يؤيد النظرة القائلة بأن الأشعة الكونية يمكن أن تساهم في التغيرات المناخية وتؤثر على قدرة الغيوم على حجب الضوء.
وفي مركز (تيندال للأبحاث حول التغيرات المناخية) التابع لجامعة إيست أنجليا في بريطانيا إكتشف مؤخرا أهمية الغيوم في المنظومة المناخية وأن للغيوم تأثيرا قويا في اختراق الأشعة للغلاف الجوي للأرض. لأن الغيوم تمنع بعض إشعاعات الموجات القصيرة الوافدة نحو الأرض، كما تمتص إشعاعات أرضية من نوع الموجات الطويلة الصادرة عن الأرض مما يسفر عن حجب هذه الأشعة القصيرة وامتصاص الأشعة الطويلة برودة وزيادة حرارة الغلاف الجوي على التوالي. فقد يكون تأثير السحب كبيرا لكن لم يظهر حتي الآن دليل يؤيد صحة ذلك. لأن السحب المنخفضة تميل إلى البرودة، بينما السحب العليا تميل وتتجه نحو الحرارة. لهذا السحب العليا تقوم بحجب نور الشمس بشكل أقل مما تفعله السحب المنخفضة كما هو معروف.
لكن الغيوم تعتبر ظواهر قادرة على امتصاص الأشعة تحت الحمراء. لأن الغيوم العالية تكون طبقاتها الفوقية أكثر برودة من نظيرتها في الغيوم المنخفضة وبالتالي فإنها تعكس قدرا أقل من الأشعة تحت الحمراء للفضاء الخارجي. لكن ما يزيد الأمر تعقيدا هو إمكانية تغير خصائص السحب مع تغير المناخ، كما أن الدخان الذي يتسبب فيه البشر يمكن أن يخلط الأمور في ما يتعلق بتأثير ظاهرة الاحتباس الحراري على الغيوم.
ويتفق كثير من علماء الجيوفيزياء على أن حرارة سطح الأرض يبدو أنها بدأت في الارتفاع بينما تظل مستويات حرارة الطبقات السفلى من الغلاف الجوي على ما هي عليه. لكن هذا البحث الذي نشر حول تأثير الإشعاعات الكونية يفترض أن هذه الإشعاعات يمكنها أن تتسبب في تغييرات في الغطاء الخارجي للسحب. وهذا الغطاء قد يمكن تقديم شرحا للغز الحرارة. وأن الاختلاف في درجات الحرارة بالمناخ العالمي ليس بسبب التغيرات التي سببها الإنسان على المناخ.لأن الشواهد علي هذا ما زالت ضعيفة. فهذا التأثير يفترض أن يظهر في ارتفاع كامل في الحرارة من الأسفل نحو الغلاف الجوي.ورغم أن العلماء رؤوا أن التغييرات الطارئة على غطاء السحب يمكن أن تفسر هذا الاختلاف، فإنه لم يستطع أحد أن يقدم دليلا عن أسباب الاختلافات الموجودة في مستويات الحرارة بالمناخ العالمي. لكن الدراسة الأخيرة رجحت أن تكون الأشعاعات الكونية، وهي عبارة عن شحنات غاية في الصغر وتغزو مختلف الكواكب بقياسات مختلفة حسب قوة الرياح الشمسية وربما تكون هذه هي الحلقة المفقودة في تأثير الأشعة الكونية علي المناخ فوق كوبنا.
وفي جبال الهيملايا وجد 20 بحيرة جليدية في نيبال و 24 بحيرة جليدية في بوتان قد غمرت بالمياه الذائبة فوق قمة جبال الهيملايا الجليدية مما يهدد المزروعات والممتلكات بالغرق والفيضانات لهذه البحيرات لمدة عشر سنوات قادمة. وبرجح العلماء أن سبب هذا امتلاء هذه البحيرات بمياه الجليد الذائب. وحسب برنامج البيئة العالمي وجد أن نيبال قد زاد معدل حرارتها 1 درجة مئوية وأن الغطاء الجليدي فوق بوتان يتراجع 30 –40 مترا في السنة. وهذه الفيضانات لمياه الجليد جعلت سلطات بوتان ونيبال تقيم السدود لدرأ أخطار هذه الفيضانات.
• مع بداية الثورة الصناعية ،في حوالي العام 1850، بدأ يرتفع تركيز ثاني أكسيد الكربون الجوي، نجم عن هذا الارتفاع وبشكل كبير عن إحراق الوقود الأحفوري الذي يطلق ثاني أكسيد الكربون كمادة ناتجة فرعية، قد تتوقع استفادة النبات من تنامي ثاني أكسيد الكربون في الجو، إلا أنه في واقع الأمر يمكن لارتفاع منسوب ثاني أكسيد الكربون في الجو إلحاق الضرر بالكائنات الحية ذات البناء الضوئي أكثر من مساعدتها.
• يحتجز ثاني أكسيد الكربون وغازات أخرى في الجو بعض حرارة كوكب الأرض، وهذا يجعل الأرض أكثر سخونة، وقد يؤدي هذا الاحتباس الحراري إلى خفض الهطول على الأرض، فتتصحر مناطق وقد لا تعود ملائمة لمعظم النباتات.
• كذلك يتفاعل ثاني أكسيد الكربون في الجو مع الماء فتنتج هطول حمضية، يمكن أن تؤدي إلى هلاك النباتات.
انقسام العلماء حول الظاهرة
• يوجد فريق يري أن غازات الدفيئة هي السبب وراء ظاهرة الاحتباس الحراري، وأن ما يكمن وراء زيادة نسب الغازات الدفيئة هو الزيادة في نسب التلوث الجوي الناشئة عن ملوثات طبيعية (كالبراكين وحرائق الغابات والملوثات العضوية) وملوثات صناعية ناتجة عن نشاطات الإنسان من استخدام للطاقة (بترول وفحم وغاز طبيعي) وعن الغازات السامة المنبعثة من المصانع وقطع الأخشاب وإزالة الغابات، وهذا يؤدي إلى زيادة انبعاث غازات الدفيئة.
وبما أننا غير قادرون على التدخل في الملوثات الطبيعية، فعلينا أن نحد من الملوثات التي نتسبب فيها.
• يوجد فريق يعارض هذه الظاهرة، فيرون أن هناك العديد من الأسباب التي تدعو إلى عدم التأكد من تسبب زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري في ارتفاع درجة الحرارة على سطح الأرض، حيث يرون أن هناك دورات لارتفاع وانخفاض درجة حرارة سطح الأرض، وأن مناخ الأرض يشهد طبيعيا فترات ساخنة وفترات أخرى باردة مستشهدين بذلك بالفترة الجليدية أو الباردة نوعا ما والتي كانت بين القرن 17 و 18 في أوروبا. كما يؤكدون هذا الرأي ببداية وجود ارتفاع في درجة حرارة الأرض، والتي بدأت من عام 1900 واستمرت حتى منتصف الأربعينيات، ثم بدأت في الانخفاض في الفترة بين منتصف الأربعينيات ومنتصف السبعينيات، حتى إنهم تنبؤوا بقرب حدوث عصر جليدي آخر، ثم بدأت درجة حرارة الأرض في الارتفاع مرة أخرى، وبدأ مع الثمانينيات فكرة تسبب زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري في ارتفاع درجة حرارة الأرض.
ويؤكد رأيهم قصور برامج الحاسوب الآلى/ الكمبيوتر التي تستخدم للتنبؤ باحتمالات التغيرات المناخية المستقبلية في مضاهاة نظام المناخ للكرة الأرضية، لأنهم يرون أن هذا النظام (المناخي) معقد وما يؤثر به مؤثرات شديدة التعقيد، تفوق قدرات أسرع وأذكى أجهزة الحواسيب وقدرات العلماء ما زالت ضئيلة مما يصعب (أو يستحيل) معه التنبؤ الصحيح بالتغيرات المناخية طويلة الأمد. ويريح هذا التفسير كثيرا من الشركات الملوثة مما يجعلها دائما ترجع إلى مثل هذه الأعمال العلمية لتتهرب من مسؤوليتها أو من ذنبها في ارتفاع درجات الحرارة.
• ما بين المؤيدين والمعارضين ظهر رأي ثالث هو أن السبب الرئيسي في زيادة درجة حرارة الأرض هو الرياح الشمسية؛ حيث تؤدي تلك الرياح الشمسية بمساعدة المجال المغناطيسي للشمس إلى الحد من كمية الأشعة الكونية التي تخترق الغلاف الجوي للأرض، والتي تحتوي على جزيئات عالية الطاقة تقوم بالاصطدام بجزيئات الهواء؛ لتنتج جزيئات جديدة تعد النواة لأنواع معينة من السحب التي تساعد على تبريد سطح الأرض، وبالتالي فإن وجود هذا النشاط الشمسي يعني نقص كمية الأشعة الكونية، أي نقص السحب التي تساعد على تبريد سطح الأرض وبالتالي ارتفاع درجة حرارة سطح الأرض.
ويرى هذا الفريق أن هذا الرأي أكثر منطقية وأبسط تبريرًا لارتفاع درجة حرارة الأرض، وأنه عند انخفاض هذا النشاط الشمسي المؤقت ستعود درجة حرارة الأرض إلى طبيعتها، بالتالي يرون ضرورة توفير المبالغ الطائلة التي تُنفق على البحث عن وسائل لتخفيض نسب انبعاث ثاني أكسيد الكربون؛ حيث إنهم مهما قاموا بتخفيض نسبه فلن يغير هذا من الأمر شيءًا مادام النشاط الشمسي مستمرًّا ؛ حيث أن الإنسان مهما زاد نشاطه على سطح هذا الكوكب فلن يكون ذا تأثير على النظام الكوني الضخم الذي يتضمن النظام المناخي للأرض؛ لذلك من الأفضل استخدام تلك الأموال في تنقية هواء المدن المزدحمة من الغازات السامة، أو تنقية مياه الشرب لشعوب العالم الثالث.
تغير نسب الغازات في الغلاف الجوي

المكونات المقاومة للاشعاع
1. يحتوي الجو حاليا على 380 جزءا بالمليون من غاز ثاني أكسيد الكربون الذي يعتبر الغاز الأساسي المسبب لظاهرة الاحتباس الحراري مقارنة بنسبة الـ 275 جزءًا بالمليون التي كانت موجودة في الجو قبل الثورة الصناعية. ومن هنا نلاحظ ان مقدار تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي أصبح أعلى بحوالي أكثر من 30% بقليل عما كان عليه تسخيمه قبل الثورة الصناعية. نسبة امتصاصه للأشعة تحت الحمراء 55%.
2. إن مقدار تركيز الميثان ازداد إلى ضعف مقدار تركيزه قبل الثورة الصناعية. ينتج في مناجم الفحم وعند إنتاج الغاز الطبيعي وعند التخلص من القمامة، ونسبة امتصاصه للأشعة تحت الحمراء 15%.
3. الكلوروفلوركاربون يزداد بمقدار 4% سنويا عن النسب الحالية. نسبة امتصاصه للأشعة تحت الحمراء 24%.
4. أكسيد النيتروز أصبح أعلى بحوالي 18% من مقدار تركيزه قبل الثورة الصناعية (حسب آخر البيانات الصحفية لمنظمة الأرصاد العالمية). يتكون بفعل المخصبات الزراعية، ومنتجات النايلون، نسبة امتصاصه للأشعة تحت الحمراء 6%.
ظواهر مرتبطة بالاحتباس الحراري
• ارتفاع مستوى المياه في البحار من 0.3-0.7 قدم خلال القرن الماضي.
• إرتفعت درجة الحرارة ما بين 0.4 – 0.8 درجة مئوية خلال القرن الماضي حسب تقرير اللجنة الدولية لتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة.
• أخذ الجليد في القطبين وفوق قمم الجبال الأسترالية في الذوبان بشكل ملحوظ.
• مواسم الشتاء إزدادت خلال الثلاثة عقود الأخيرة دفئا ً عما كانت عليه من قبل وقصرت فتراته، فالربيع يأتي مبكرا ً عن مواعيده.
• التيارات المائية داخل المحيطات غيرت مجراها مما أثر علي التوازن الحراري الذي كان موجودا ً ويستدل العلماء على ذلك بظهور أعاصير في أماكن لم تكن تظهر بها من قبل.
• يربط بعض العلماء التلوث الحاصل بتغير في عدد حيوانات البلانكتون في البحار نتيجة زيادة حموضة البحار نتيجة لامتصاصها ثاني أوكسيد الكربون ويفسرون أن التلوث الذي يحدثه الإنسان هو شبيه بمفعول الفراشة أي أنها مجرد الشعلة التي تعطي الدفعة الأولى لهذه العملية والبلانكتون يقوم بالباقي.
الظواهر المتوقعة نتيجة الاحتباس الحراري
1. ذوبان الجليد سيؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر
2. غرق الجزر المنخفضة والمدن الساحلية
3. ازدياد الفيضانات
4. حدوث موجات جفاف وتصحر مساحات كبيرة من الأرض
5. زيادة عدد وشدة العواصف والأعاصير
6. انتشار الأمراض المعدية في العالم
7. انقراض العديد من الكائنات الحية
8. حدوث كوارث زراعية وفقدان بعض المحاصيل
9. احتمالات متزايدة بوقوع أحداث متطرفة في الطقس
10. زيادة حرائق الغابات
الطاقة الحيوية والبيئة
الأنواع الأخرى من الطاقة المتجددة تتفوق على الوقود الحيوي من حيث أثر محايدة ;الاحفوري]] في إنتاجه. بالإضافة إلى ناتج احتراق الوقود الحيوي من ثاني أوكسيد الكربون فضلا عن الغازات الغير بيئية الأخرى. الكربون الناتج عن الوقود الحيوي لا يتمثل فقط بنواتج الاحتراق وإنما يضاف إليه ما هو صادر عن النبات خلال دورة نموه. لكن الجانب الايجابي من الموضوع هو أن النبات يستهلك ثاني أوكسيد الكربون في عمليات التركيب الضوئي ومن هنا أتى ما يسمى بتعديل الكربون أو “محايدة الكربون”. ومن الواضح أيضا أن قطع الأشجار في الغابات التي نمت منذ مئات أو آلاف السنين، لاستخدامها كوقود حيوي، دون أن يتم استبدالها لن يساهم في الاثر المحايد للكربون. ولكن يعتقد الكثير أن السبيل إلى الحد من زيادة كمية ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي هو استخدام الوقود الحيوي لاستبدال مصادر الطاقة غير المتجددة.
‘فقراء العالم يواجهون خطرالموت غرقاً
يتركز الباحثون في مجال البيئة على العديد من الظواهر العلمية التي يمكن الاعتماد عليها لإطلاق تنبؤات مرجحة الحدوث فيما يتعلق بالكثير من المشكلات البيئية, فالفيضانات التي اجتاحت مناطق شاسعة من العالم في السنوات القليلة الماضية, تؤكد ان العالم يقف على شفير الهاوية, وأن مساحات شاسعة من كوكبنا ستكون عرضة لارتفاع منسوب البحر.
ويقول باحثون فنلنديون ان الكرة الأرضية ستفقد الكثير من الأراضي الصالحة للزراعة, وخاضة في الدول الآسيوية التي تعاني من المجاعات والأمراض والتخلف، وذلك لان منسوب البحر مع نهاية القرن الحالي سيرتفع بمعدل يتراوح بين نصف متر ومتر واحد, وقد لقيت هذه الدراسة أصداء واسعة في أوساط الجمعيات البيئية العالمية. وتكمن أهمية الدراسة في أن واضعيها عمدوا إلى تحديد الارتفاع التدريجي في منسوب مياه البحر من عقد إلى آخر, لكن الباحثين انفسهم لم يحددوا ما إذا كانت الاجراءات التي قد تتخذ على نطاق عالمي سيكون لها تأثير ايجابي في الظاهرة, أم أن الضرر الذي يعانيه الكوكب منذ عقود طويلة بعد اكتشاف النفط. وتعتبر مشكله من مشاكل المناخ ومن المهم حلها
الاحتباس الحراري وغاز الأوزون
في المناقشات العامة يحدث أن يُربط بين الاحتباس الحراري وثقب الأوزون أي تحلل طبقة الأوزون الواقية من الأشعة الشمسية فوق البنفسجية. ولكننا في الحقيقة هنا نجد تأثيرين مختلفين.
فبعض الحسابات النظرية تبين زيادة في الاحتباس الحراري مصحوبا بزيادة في تحلل الأوزون. ولكن ما هو أكيد هو أن غازات الكلوروفلوركاربون من الغازات التي تزيد من تحلل غاز الأوزون وبالتالي زيادة اتساع ثقب الأوزون، تعمل في نفس الوقت على رفع درجة حرارة الأرض، ولكن تأثيرها في رفع درجة الحرارة قليل.
الدور البشري في الاحتباس الحراري
من المعروف أن ظاهرة الاحتباس الحراري ازدادت بسبب النشاط البشري. وتعزى هذه الزيادة بشكل أساسي إلى ازدياد مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.[3] > يتم إنتاج غاز ثاني أكسيد الكربون بشكل أساسي نتيجة إحراق الوقود الأحفوري، كما ينتج في عمليات تصنيعية أخرى مثل عمليات تصنيع الاسمنت وإزالة الغابات المدارية.[4] أظهرت القياسات المأخوذة من مرصد مونا لوا بأن تركيز جزيئات ثاني أكسيد الكربون إرتفع من 313 جزئ في المليون في سنة 1960[5] إلى 389 جزئ في المليون في سنة 2010، تزيد الكميات المرصودة حاليا عن توقعات الجيولجيون عن الحد الذي سيبدأ به الجليد القطبي بالذوبان.[6] وبما أن غاز ثاني أكسيد الكربون هو من الغازات الدفيئة فإن ارتقاع نسبته تساهم في امتصاص وبعث الأشعة الحمراء إلى الغلاف الجوي والذي ينتج شبكة التسخين. ووفقا لآخر تقرير للجنة الدولية للتغيرات المناخية :(من المرجح أن معظم الزيادة الملحوظة في متوسط درجات الحرارة العالمية منذ منتصف القرن العشرين راجع إلى الزيادة الملحوظة في تركيزات الغازات الدفيئة بشرية المنشأ).[7] يستمر تأثير غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي مدة قرن من الزمان.[8]
التوازن الحراري
إن كمية الإشعاع الشمسي الذي تتلاقها الكرة الأرضية في الطبقات العليا من الغلاف الجوي والذي يمتص من قبل الغلاف الجوي يساوي تقريبا الإشعاع الأرضي المنبعث خلال فترة طويلة. يعكس الغلاف الجوي العلوي 30% من الإشعاع الشمسي الوارد، ويتبقى 70% منه ليصل إلى الأرض. ولكي تبقى الأرض في حالة توازن حراري ينبغي أن تعكس مقدار مساوي إلى 70% النافذة إلى الأرض.

أبراهام لينكون

كاتب الموضوع الأصلي: محمد السبيعي380

أبراهام لينكون
أبراهام لينكون (Abraham Lincoln ) الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية بالفترة من 1861 إلى 1865. يعد من أهم رؤسائها على الإطلاق، إذ قامت في عهده الحرب الأهلية الأمريكية بعد انفصال إحدى عشرة ولاية وإعلانها تكوين دولة مستقلة سمّيت الولايات الكونفدرالية الأمريكية، فتمكن لينكون من الانتصار وإعادة الولايات المنفصلة إلى الحكم المركزي بقوة السلاح، كما كان لينكون صاحب قرار إلغاء الرق في أمريكا عام 1863. وقد مات مقتولاً في عام 1865.
بداية حياته
ولد لينكون عام 1809م في ولاية كنتاكي الأمريكية في أسرة فقيرة لأبوين مزارعين. لم يحصل لينكون على تعليم رسمي إلا أنه تمكن من تكوين ثقافة عالية من جراء قراءاته الكثيفة لأمهات الكتب الغربية. في عام 1837، بعد أن علّم نفسه مبادئ القانون الإنجليزي والأمريكي، دخل لينكون نقابة المحامين وافتتح مكتباً للمحاماة مع أحد معارفه، فأصبح بعد ذلك محامياً ناجحاً على مستوى إيلينوي. تزوج لينكون أكثر من مرة، إلا أن أهم زوجاته كانت من ماري تود، التي كانت تنتمي إلى أسرة جنوبية غنية، والتي استمر زواجه بها من عام 1842 وحتى وفاته.
دخوله السياسة للمرة الأولى
كان لينكون في أوائل حياته عضواً في حزب الويك الذي كان الحزب الثاني في أمريكا قبل أنقراضه على يد المجلس التشريعي الأمريكي الكونغرس, واشتهر لينكون في هذه الفترة بمعارضته الشديدة للحرب الأمريكية المكسيكية التي نشبت في ذلك الوقت، والتي اعتبرها اعتداء صارخاً من أمريكا على دولة أخرى، واتهم رئيس أمريكا في ذلك الوقت جيمس بولك إلا أنه بعد انتصار أمريكا الكبير على المكسيك وضمها لأراضي واسعة مثل تكساس وكاليفورنيا كنتيجة للحرب، فإد انحدرت بشكل كبير بسبب مواقفه المعارضة لها، فانسحب من انتخابات المجلس التشريعي لعام 1848، وعاد إلى ممارسة المحاماة.
العودة للنشاط السياسي
كانت الولايات المتحدة في تلك الفترة مقسمة بين ولايات شمالية قد منعت الرق منذ أوائل القرن التاسع عشر واتجهت إلى الاقتصاد الصناعي، وولايات جنوبية يقوم اقتصادها على الزراعة المكثفة – وخصوصاً زراعة القطن – وتعتمد في ذلك على عدد كبير من العمالة المستعبدة ذات الأصول الإفريقية. ولأن الولايات المتحدة كانت قد منعت استيراد العبيد الجدد منذ عام 1808، فقد حرص سكان الولايات الجنوبية البيض على إبقاء ذراري عبيدهم في الرق بشكل أبدي.
و قد كان النظام السياسي الأمريكي قائماً قبل الحرب مع المكسيك على توازن القوى بين “الولايات الحرة” و”ولايات الرقيق”، بحيث اتفق الطرفان على إبقاء التمثيل متساوياً بين الفئتين في مجلس الشيوخ (المجلس الأعلى في الكونجرس). إلا أن احتلال الأراضي الجديدة بعد حرب المكسيك عام 1848 قد هدّد ذلك التوازن، إذ أصرّت الولايات الجنوبية على السماح بالعبودية في بعض الولايات الأراضي الجديدة حفاظاً على ذلك التوازن، بينما وقع ساسة الشمال تحت ضغط كبير من ناخبيهم الصناعيين ومن الحركة المناهضة للعبودية التي نشطت في ذلك الزمن لمنع العبودية في جميع الأراضي الجديدة.
في هذه الأثناء استأنف لينكون حياته السياسة. كان حزبه القديم، حزب الويك، يلفظ أنفاسه الأخيرة وينضم أعضاؤه إلى أحزاب أخرى أبرزها حزب جديد سمي بالحزب الجمهوري استقطب الكثير من مناوئي العبودية في البلاد، فانضم لينكون إلى الحزب الجمهوري عام 1854.
في عام 1858 حصل لينكون على ترشيح الحزب الجمهوري لخوض انتخابات مجلس الشيوخ لتمثيل ولاية إيلينوي، واشتهر لينكون في تلك الأثناء بالخطب النارية ضد مؤسسة الرقيق، وندد بما أسماه “بقوة العبودية” التي كان يعني بها سطوة الطبقة المالكة للعبيد في البلاد وتهديدها للوحدة الوطنية من وجهة نظره. واتّهم لينكون من قبل خصومه على إثر ذلك بمحاباة “الزنوج” والإيمان بالمساواة بين السود والبيض إلا أنه أنكر ذلك وأصرّ أنه لا يسعى إلى المساواة وإنما إلى إلغاء الرق فقط. وعلى الرغم من الشهرة التي حاز عليها في الانتخابات وارتفاع شعبيته في أوساط الجمهوريين في الشمال، إلا أنه خسر الانتخابات أمام مرشح الحزب الديموقراطي.
فوزه بالانتخابات الرئاسية لعام 1860
اشتدت حدة الخلاف بين ولايات الشمال والجنوب، وبين مناهضي الرق ومؤيديه، وتصعّدت المواقف مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 1860. وكثر الحديث في الجنوب قبيل الانتخابات حول ضرورة الانفصال عن الولايات المتحدة إذا أرادت الولايات الجنوبية الحفاظ على مصالحها. وفي الجانب الآخر أدت شهرة لينكون إلى ترشيحه لخوض الانتخابات الرئاسية كمرشح للحزب الجمهوري، الذي اعتبره مرشحاً معتدلاً في مناهضته للعبودية وفي نفس الوقت مستعداً للوصول إلى تفاهم مع ولايات الجنوب.
في السادس من نوفمبر، عام 1860، أجريت الانتخابات الرئاسية، وعلى الرغم من عدم حصول لينكون على أكثر من 40% من أصوات الناخبين، وعلى الرغم أيضاً من الانعدام شبه الكامل للأصوات المؤيدة له في ولايات الجنوب، إلا أنه نال منصب الرئاسة بسبب انقسام الأصوات الأخرى بين اثنين من المرشحين آخرين، فصار لينكون بذلك أول رئيس للولايات المتحدة من الحزب الجمهوري، الذي لا يزال يلقب بـ”حزب لينكون” إلى اليوم.
انفصال الجنوب
كان الكثير من الساسة ورجالات الإعلام والمجتمع في ولايات الجنوب قد هددوا قُبيل الانتخابات بالانفصال عن الدولة في حال فوز الجمهوريين بالرئاسة. وعلى الرغم من أن لينكون كان “مرشح المعتدلين” في الحزب الجمهوري، إلا أن سكان الجنوب لم يروه كذلك، فما إن تمّ إعلان فوز لينكون حتى أعلنت ولاية ساوث كارولينا انفصالها واتبعها في ذلك ست ولايات أخرى في أقصى الجنوب هي فلوريدا وجورجا وألاباما وميسيسيبي وتكساس ولويزيانا، وكونت الولايات السبع دولة جديدة سمتها “الولايات الكونفدرالية الأمريكية”، أو “الكونفدرالية” على وجه الاختصار. أما الولايات الثمانية الأخرى التي كانت تسمح بالرق، فقررت البقاء ضمن الدولة الاتحادية ريثما تتضح مواقف لينكون بعد توليه الرئاسة، إلا أنها أصرت على عدم السماح للقوات الفيدرالية بغزو الولايات المنفصلة عن طريق أراضيها.
تسلمه الرئاسة
لم يتمكن لينكون من القيام بردة فعل تجاه الانفصال قبل 23 فبراير من عام 1861، حينما تسلّم مهام الرئيس بشكل رسمي. وقد اضطر لينكون إلى الذهاب إلى منصة التتويج متنكّراً خوفاً من الاغتيال. وبعد انتهاء مراسم التتويج، ألقى لينكون خطاب تسلم الرئاسة، فأوضح فيه رأيه تجاه الانفصال ومسألة العبودية.
و قد كان لينكون، القانوني المخضرم، يدرك أنه لا يوجد بند صريح في الدستور يمنع انفصال أي ولاية، خصوصاً وأن الاتحاد الأول تشكل بشكل طوعي بين الولايات التي أسست الدولة الاتحادية. إلا أنه رفض بشكل قاطع في خطابه فكرة الانفصال، واستند في ذلك على دستور 1776 الذي توقف العمل به عام 1789، والذي ينص على “وحدة دائمة”، فقال لينكون إن دستور 1789 ما جاء إلا تطويراً لما سبقه وبالتالي لم يزل بند “الوحدة الدائمة” ساري المفعول ويجب العمل به.
أما في ما يخص العبودية، فقد كان لينكون ميالاً للمصالحة، فأوضح بشكل قاطع أن لا نية لديه لإلغاء الرق في الولايات التي يوجد الرق فيها، ثم ذهب إلى أبعد من ذلك فأعلن تأييده لمشروع تعديل الدستور لينص على تحريم إلغاء الرق في تلك الولايات “إلى الأبد”. غير أنه لم يتنازل عن مسألة تحريم الرق في الولايات والأراضي الجديدة التي حصلت عليها الدولة إثر حرب المكسيك أو أي أراضي جديدة أخرى، معللاً ذلك بأن السماح به سيكون وصفة للنزاع الدائم.
انطلاق الحرب الأهلية
لم يكن تفسير لينكون للدستور ورأيه في مسألة الانفصال سائدين في الولايات المتحدة في ذلك الوقت، حيث لقي الانفصاليون تعاطفاً من قبل الكثير من أعضاء الحزب الديموقراطي. بل إن حزب لينكون الجمهوري كان منقسماً على نفسه في مسألة إرغام الولايات المنفصلة على العودة للاتحاد، وان كان رأي لينكون هو رأي الأغلبية في الحزب آنذاك. لذلك قرر لينكون الإحجام عن البدء بالقتال، على أمل استدراج الجنوب لبدء إطلاق النار.
كانت الولايات المنفصلة قد استولت على معظم مرافق الحكومة الفيدرالية في أراضيها بعد إعلان الانفصال، ولم يحاول الرئيس السابق جيمس بيكانون في الأشهر الأخيرة من رئاسته منعهم من ذلك، فلم يتبق لواشنطن سوى مكتب لجباية الجمارك في قلعة سمتر ضمن ولاية ساوث كارولينا على ساحل المحيط الأطلسي، بالإضافة إلى حصنين آخرين. ومن باب إصرار لينكون على ديمومة الوحدة فإنه أعلن فور توليه الحكم أنه لن يتنازل عن حق الحكومة الفيدرالية في جباية التعرفة الجمركية على صادرات الجنوب، فرفض مطالبة حكومة الجنوب له بالتخلي عن قلعة سمتر. حاصرت قوات الجنوب القلعة على إثر ذلك وأطلقت النار لدفع القوات الفيدرالية فيها على الانسحاب فنجحت في ذلك في أبريل من عام 1861، فسميت الحادثة بعد ذلك بمعركة حصن سمتر، التي كانت الشرارة الرسمية الأولى للحرب الأهلية الأمريكية.
الحرب
فترة ماكلينن
طالب لينكون بعد ذلك مباشرة الولايات الاتحادية بإرسال ما لديها من قوات للشروع في إخضاع الولايات المنفصلة، فأعلنت أربع ولايات جنوبية على الحدود بين الاتحاد والكونفدرالية انفصالها عن الحكومة الاتحادية وانضمامها إلى كونفدرالية الجنوب، وكانت هذه الولايات هي فيرجينيا المتاخمة للعاصمة الاتحادية واشنطن، وتينيسي، ونورث كارولينا، وأركنسو. أما ولايات ميزوري وكنتكي وماريلاند وديلاوير الممارسة للعبودية، فقررت البقاء ضمن الاتحاد.
عيّن لينكون بعد ذلك الجنرال ماكلينن قائداً عاماً لقواته في الحرب، وقد كان لينكون واثقاً من الانتصار في فترة قصيرة نظراً لفارق الإمكانيات المادية بين الشمال والجنوب وتفوق الشمال على الجنوب من حيث عدد السكان. إلا أن الجنوب كان يضم في صفوفه العديد من الضباط المتمرسين ذوي الخبرة من الحرب المكسيكية، بينما كان الشمالي ماكلينن محافظاً في استراتيجيته، فاستمرت الحرب لشهور طويلة حصلت فيها أعنف المعارك في التاريخ الأمريكي. وعلى عكس ما توقع لينكون، قام الجنوبيون باختراق جريء لأراضي الشمال تكبد فيه الطرفان المزيد من الخسائر الكبيرة في الأرواح. وقد استاء لينكون من جنراله ماكلينن على إثر ذلك وحمّله مسؤولية عدم التقدم في الحرب، حتى قال في رسالة له “إذا كان الجنرال ماكلينن ليس في حاجة إلى جيشه، فليسمح لي باستعارته منه إلى حين”.
فترة غرانت
أقال لينكون ماكلينن من منصبه في مارس من عام 1862 وعيّن بدلاً منه يوليسس غرانت. واستمر السجال بين الطرفين مع تقدم بطيء للشماليين، نجم عنه معارك طاحنة من أشهرها معركة غيتيسبرغ في ولاية بنسلفانيا الشمالية في يوليو من عام 1863. وقد زار لينكون أرض المعركة فور انتهائها وألقى إلى جنده أشهر خطاباته، “خطاب غيتيسبرغ”، وظّف فيه قدراته البلاغية المعروفة لتبريير الحرب، فربطها بحرب الاستقلال عن بريطانيا في القرن الثامن عشر، وقال إنها امتداد لتلك الحرب، وأنه لا بد من تقديم التضحيات كي لا ينقرض “حكم الشعب من قبل الشعب لأجل الشعب” من على وجه الأرض، هذا على الرغم من عدم وجود ما يشير إلى أي أطماع جنوبية في بسط نفوذهم على الشمال.
في سبتمبر من عام 1863، أصدر لينكون “إعلان التحرير” الذي قضى بمنع الرق في الولايات “الثائرة”، مريداً بذلك ضرب الاقتصاد الجنوبي وإغراء العبيد بالانفلات من ملاّكهم. والجدير بالذكر أن القرار لم يشمل الولايات الجنوبية الأربع التي بقيت ضمن الوحدة.
لقد كانت إستراتيجية لينكون وغرانت تعتمد على استغلال الثروة البشرية والاقتصادية للشمال في إنهاك الجنوب الأقل ثروة وإن تطلب ذلك معارك دامية وآلاف الخسائر البشرية. وقد أدى استمرار الحرب على هذا المنوال والخسائر المتراكمة، إضافة إلى التجنيد الإجباري، إلى ازدياد مشاعر المعارضة للحرب في الشمال، واجتمعت القوى المناهضة للحرب حول الحزب الديمقراطي. وكان “إعلان التحرير” قد زاد من المشاعر المضادة للحرب، إذ أوحى الإعلان للرأي العام الشمالي أنهم باتوا يخوضون حرباً من أجل “الزنوج” بدلاً من حرب لتوحيد البلد. فازدادت المظاهرات وأعمال الشغب، إلا أن لينكون لم ينثن عن موصلة القتال. وفي مواجهة المعارضة أمر لينكون بإقفال العديد من الصحف والمجلات وسجن عدد من المعارضين، حتى إنه أمر قواته بسجن أعضاء المجلس التشريعي لولاية ماريلاند عندما علم بنيتهم التصويت للانفصال عن الاتحاد.
انتخابات 1864 واستسلام الجنوب
مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 1864، اختار الحزب الديموقراطي الجنرال المقال ماكلينن مرشحاً عنه لخوض الانتخابات ضد لينكون، وقد كان مؤيدو الحزب يطالبون بعقد مؤتمر للسلام لإيقاف الحرب. إلا أن إستراتيجية لينكون كانت قد بدأت بإيتاء ثمارها في ذلك الوقت فوصلت قواته إلى عمق الجنوب واستولت على مدينة أتلانتا المهمة في ولاية جورجيا، وقد خلفت القوات الاتحادية دماراً كبيراً ومقصوداً في مدن الجنوب وبنيته التحتية ومرافقه، وسميت هذه السياسة وقتذاك بـ”الحرب الشاملة” (Total War)، فكانت مبدأ جديداً في خوض الحروب. وقد أدت هذه الانتصارات التي بدأت بالتسارع إلى إضعاف قوى المعارضة في الشمال بشكل كبير ففاز لينكون بالانتخابات فوزاً ساحقاً.
بعد ذلك بأشهر قليلة، في التاسع من أبريل عام 1865 بالتحديد، استسلم كبير الضباط الجنوبيين، الجنرال روبرت إدوارد لي، فانتهت بذلك فعلياً الحرب الأهلية الأمريكية، بعد مقتل ما يزيد عن 600,000 من الطرفين وجرح عدد كبير من الآخرين، وخسائر مادية ضخمة في مدن الجنوب التي أضرمت في كثير منها النار.
ما بعد الحرب
كان لينكون يميل إلى اتخاذ سياسة مرنة ومتسامحة نسبياً مع الولايات المهزومة، بخلاف الكثير من أعضاء حزبه الذين كانوا أكثر تطرفاً. أما بخصوص العبيد، فعلى الرغم من معارضته للعبودية وقضائه عليها بشكل كبير، إلا أنه لم يكن مؤمناً بالمساواة بين الأعراق، وكان يميل إلى الرأي القائل بإرسال السود المعتوقين إلى جزر الكاريبي أو سواحل أفريقيا حفاظاً على السلم الأهلي من وجهة نظره، وإن لم يقم عملياً بشيء في ذلك الصدد.
ثورة الهنود الحمر
حصلت في عهده ثورة لقبيلة السو الهندية في ولاية مينيسوتا في الشمال الغربي للبلاد، تم القضاء عليها وإعدام ما يقارب الثلاثمائة من الثوار بعد توقيع لينكون على قرار الإعدام.
اغتياله
في الرابع عشر من أبريل عام 1865، بعد أيام من استسلام الجنوب، حضر لينكون مع زوجته مسرحية في ماريلاند يمثّل فيها مجموعة من المتعاطفين مع قضية الانفصال، فقام أحدهم، جون ويلكس بوث، بإخراج مسدسه وإطلاق النار في رأس لينكون فأرداه قتيلاً.
و خلف لينكون في الرئاسة نائبه أندرو جونسون. وعلى الرغم من نظرة جونسون المحافظة والمتفقة مع لينكون حول كيفية التعامل مع الولايات المهزومة، إلا أن المتشددين من الجمهوريين، بسيطرتهم على الكونجرس، حادوا فيما بعد عن سياسة لينكون وكانوا أقل تسامحاً مع المشتركين في الثورة الجنوبية.
مكانته بين رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية
بسبب إخماده ثورة الجنوب، وما نتج عن ذلك من القضاء على العبودية، يعد لينكون في أمريكا المعاصرة أحد أعظم الذين تولوا رئاسة البلاد، إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق، حيث يعتبر بمثابة المؤسس الثاني للولايات المتحدة. ويكاد يجمع على ذلك كل من الديمقراطيين والجمهوريين. ويوجد له في واشنطن نصب ضخم بتمثال كبير له منقوش في أسفله كلمات من خطاباته وقراراته، ويقع بمواجهة مقر الكونغرس.
غير أن لينكون لم يسلم أيضاً من الانتقاد من بعض المحافظين والملتزمين بالتفسير الحرفي للدستور، وخصوصاً من أهل الجنوب، فاختلفوا معه في شرعية إجبار الولايات المنفصلة على العودة للوحدة من الناحية الدستورية، كما أنتقدوا فيه ما رؤوا أنه قلة اكتراث بالخسائر البشرية وإيمان بالانتصار بغض النظر عن الثمن، كما اتهموه بسن مبدأ “الحرب الشاملة” وما فيها من استهداف للمدنيين والمرافق المدنية وجعلها إستراتيجية مقبولة في الحروب، وانتقدوا أيضاً القيود التي وضعها على حرية التعبير أثناء خوضه الحرب وسجنه للمعارضين.

تطوير سياسات الطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي

كاتب الموضوع الأصلي: يوسف الفوزان209

ذهبت الكثير من التحليلات المعنية بشرح واقع العلاقات الدولية والتنبؤ بمستقبلها إلى الدفع بأن الصراعات المقبلة ستُعزَى في جانب كبير منها إلى التنازع حول الموارد الاقتصادية المحدودة بطبيعتها. وفي هذا السياق توقع كثيرون أن تكون الحروب المقبلة هي حروب حول المياه بالأساس.وفي ضوء الاعتماد الكبير للدول الغربية على موارد الطاقة التي توجد في مناطق أخرى من العالم، فإن هذه الدول تبدي اهتمامًا خاصًّا بمستقبل النفط في هذه المناطق، لا سيما منطقة الخليج العربي التي تزخر أراضيها بأكبر احتياطي لموارد الطاقة من نفط وغاز على مستوى العالم.

وفي هذا السياق، يأتي التقرير الذي أعده مركز “تشاتام هاوس” (البريطاني) خلال العام 2013، وهو عمل مشترك أعده كل من جلادا لين، وبول ستيفنز، وفيليكس بريستن، وهم مجموعة من كبار الباحثين في قسم الطاقة والبيئة والموارد في المركز الذي قام بين عامي 2011 و2013 بتنسيق العمل مع عدد من المؤسسات الشريكة وصناع السياسة والخبراء التقنيين في كل من السعودية والإمارات وعمان وقطر والكويت لدعم استراتيجيات خفض كثافة استخدام الطاقة. إذ يستند هذا التقرير إلى المناقشات التي جرت في 6 ورش عمل تم تنظيمها في هذا السياق، وضمت ممثلين ينتمون إلى أكثر من 60 مؤسسة محلية معنية بالطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي ككل.

ينطلق التقرير بشكل أساسي من أن هناك مجموعة من التحديات المشتركة والتشابه في المناخ وظروف سوق الطاقة تجمع بين دول مجلس التعاون الخليجي، وفي ظل هذه التشابهات يناقش التقرير المواقف المشتركة وسبل التعاون الإقليمي التي من الممكن أن تقلل تكاليف الاستهلاك، وتحفز الحفاظ على احتياطي النفط والغاز.

ويؤكد التقرير أن المجال يتسع في هذا السياق للتعلم من التجارب الدولية في مجال تنسيق سياسات الطاقة، لا سيما تجارب الدول ذات الظروف المشابهة لظروف دول مجلس التعاون الخليجي، على غرار الحال مع الجهود الإقليمية للاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة والمناخ، مؤكدًا أن دول مجلس التعاون الخليجي تواجه عددًا من العقبات فيما يتعلق بالثقة بين مختلف الأطراف، فضلا عن الميل إلى تخفيف التشريعات والمشكلات المرتبطة بتنفيذها.

ويمكن القول إن أبرز ما يميز هذا التقرير هو كونه الأول من نوعه الذي يقدم توصيات عملية قابلة للتطبيق، تهدف لمواجهة التحديات المرتبطة بالحوكمة، والالتزام السياسي والحوافز السوقية في مجال الطاقة على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام.

واقع استخدام الطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي

على الرغم من الانخفاض النسبي في عدد سكانها، تمثل دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة مستهلكًا ضخمًا للطاقة، ففي عام 2011 استهلكت هذه الدول نفس مقدار النفط والغاز الذي استهلكته دولتا إندونيسيا واليابان معًا، وعمومًا تستهلك هذه الدول الست طاقة أولية أكثر من إجمالي استهلاك إفريقيا، وذلك على الرغم من أن سكان هذه الدول لا يزيد عددهم عن 1/20 من سكان القارة الإفريقية.

ووفق بعض التقديرات، فإن استمرار معدل الطلب على الوقود في المنطقة بنفس معدلات الارتفاع التي شهدها خلال العقد الماضي، سيؤدي إلى تضاعف معدلات الاستهلاك بحلول 2024، وهو أمر غير مرغوب سواء بالنسبة للأمن القومي لكل من هذه الدول، أو بالنسبة للبيئة العالمية.

من ناحية أخرى، تعد كثافة الاستهلاك المحلي للطاقة (أي عدد وحدات الطاقة المستهلكة مقابل كل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي) في تلك الدول مرتفعة مقارنة مع المناطق الصناعية الأخرى في العالم، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى عدم الكفاءة في الاستهلاك، الأمر الذي يشكل تهديدًا على مستويات عدة؛ إذ يؤدي هذا الفقد الممنهج للموارد الطبيعية في منطقة الخليج إلى إضعاف قدرة اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي على مواجهة الصدمات، كما ينذر بنضوب المياه الجوفية التي يعتمد استخراجها وتحليتها على النفط أو الغاز. من ناحية أخرى من المتوقع أن يزيد من ذلك المخاطر الأمنية في تلك الدول وفي العالم كله.

ووفق التقرير، كثيرًا ما يعرب الخبراء التقنيون والسياسيون في دول مجلس التعاون الخليجي عن تخوفهم من المستوى المتدني للعمل في الوقت الراهن فيما يتعلق بمدخلات الماء، والطاقة قليلة أو منعدمة التكاليف، فضلا عن التطوير السريع للطرق والمدن الجديدة والمشاريع الصناعية واسعة النطاق التي تتم كلها دونما أي اعتبار لتأثير ذلك على مستقبل الطلب على كل من هذه الموارد.

في السياق ذاته، يهتم كثيرون باحتمال انخفاض العوائد الحكومية في هذه الدول نتيجة انخفاض الصادرات النفطية، والانخفاض في الأسعار الدولية، لا سيما وأن تحركات حكومات هذه الدول لا تزيد عن كونها ردود أفعال على الأزمات بعد حدوثها، في حين أن التحدي طويل الأمد الذي تشهده المنطقة حاليًّا يحتاج إلى بلورة خطة استراتيجية متكاملة تطبق بحزم تضع في اعتبارها مصالح الأجيال القادمة.

جهود الحكومات الخليجية لإدارة قطاع الطاقة

يشير التقرير إلى أن حكومات دول مجلس التعاون الخليجي تتدخل في إدارة قطاع الطاقة بآليات عدة، مشيرًا إلى أن التكاليف المتزايدة للإعانات المالية في كل تلك الدول تعكس التدخل الواضح لهذه الحكومات في كفاءة قطاع الطاقة، وينطبق الأمر ذاته على واردات الغاز في كل من الإمارات والكويت. ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي، يتراوح العبء المالي لإعانات الطاقة الذي تتحمله كل من هذه الحكومات بين 9% و28% من مجمل الإيرادات الحكومية في عام 2011، وتزيد هذه النسبة على نسب الإنفاق على الصحة أو التعليم، وهي موارد هائلة كان يمكن استغلالها لتحسين مستويات معيشة لبعض القطاعات التي تحتاج ذلك.

من ناحية أخرى، تشهد دول مجلس التعاون الخليجي منذ عام 2009 تقدمًا واضحًا في الأهداف المتعلقة بالطاقة النظيفة واستراتيجيات رفع كفاءة استهلاك الطاقة، حيث تمكنت حكومات تلك الدول من الاعتراف بالأخطار التي يواجهها النظام الحالي لإدارة قطاع الطاقة، كما تمكنت من التعرف على الإمكانيات الاقتصادية للقطاعات الجديدة في هذا المجال، وهو ما مكنها من وضع الخطط اللازمة لدعم وصولها إلى “الطاقة المستدامة”.

ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى عدد من الأولويات ذات الأهمية الخاصة في المنطقة في مجال الطاقة، ففي المملكة العربية السعودية مثلا يعد تأمين القدرة على تصدير المواد الهيدروكربونية في المستقبل من أبرز الأولويات. كما تشير الحسابات إلى أن الخطط المقدمة للطاقة النظيفة في السعودية، يمكن أن تقلل من نمو الطلب على النفط والغاز من 4% في الوقت الراهن إلى حوالي 2.8% بحلول عام 2025، الأمر الذي يؤدي إلى توفير بين 1.5-2 مليون برميل نفط يوميًّا، وهو ما تحتاجه البلاد تقريبًا للحفاظ على احتياطي الخام في مستوى يؤمن احتياجات أسواق النفط العالمية.

أما على مستوى التعاون الإقليمي؛ فيبرز هدف مشترك يتمثل في ضمان استمرار تفوق دول المنطقة في التقدم في صناعة الطاقة، وزيادة قدرتها على مواجهة فكرة تعدد مصادر الطاقة، وعدم ثبات أسعار النفط. وإجمالا، لدى كل دول مجلس التعاون الخليجي في الوقت الراهن خطط أو أهداف لدعم التوجه نحو الطاقة النظيفة، كما تم اتخاذ عدة خطوات مهمة نحو حماية مخزون الطاقة في البلاد، مثل خطة الكفاءة السعودية، وخطة أبو ظبي الشاملة للتبريد، واستراتيجية تكامل الطاقة في دبي، وخطط ومعايير ما يعرف بالبنايات الخضراء في كل من الإمارات العربية المتحدة وقطر، وخطط تسعير خدمات مرافق الطاقة في عمان ودبي. كما أن هناك استراتيجيات تطوير شاملة تهدف إلى تقليل استخدام الكربون، أو ما يعرف بـ”النمو الأخضر” في كل من قطر والإمارات.

ومن المتوقع -وفق التقرير- أن يكون لنجاح أو فشل دول الخليج في تحقيق الأهداف المتعلقة بالطاقة تأثير عالمي؛ إذ سيؤثر ذلك على الاقتصادات المحلية للعديد من الدول ومن ثم سياساتها، كما سيؤثر على مدى توفر النفط والغاز للتصدير، فضلا عن التأثير على مكانة دول مجلس التعاون الخليجي في مفاوضات تغيير المناخ العالمي. كما يمكن أن يكون له تأثير على سياسات البلدان الأخرى في المنطقة، والتي لديها نفس الموارد والظروف المناخية. فعلى سبيل المثال، تُشير وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الأخير إلى توقعات باحتمال حدوث ارتفاع واضح في الطلب على أجهزة تكييف الهواء بمنطقتي إفريقيا ومنطقة المحيط الهادي بآسيا، لا سيما مع ارتفاع مستويات الدخول ودرجات الحرارة في تلك المناطق. وفي ضوء حقيقة أن أجهزة تكييف الهواء في الخليج تستهلك ضعف الطاقة المستخدمة في أفضل تقنيات التبريد المتوفرة، فإن الوكالة تتوقع أن يشهد العالم انتشارًا لمساعي تحقيق التبريد باستعمال أقل قدر ممكن من الطاقة.

تطوير قطاع الطاقة في الخليج

تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بالعديد من المميزات التي من الممكن أن تعطي الدفعة اللازمة للمضي قدمًا بمشروعات تطوير قطاع الطاقة، فهذه الدول تتفوق على غيرها من الدول في امتلاكها فرص التمويل الجيدة، والقدرة على إنتاج الطاقة المتجددة، فضلا عن تمتعها بوجود البنى التحتية وتكنولوجيا الاتصالات اللازمة في هذا الصدد. كما أن دول مجلس التعاون الخليجي قادرة على استقدام الخبرات اللازمة للاستفادة من تجارب البلدان الناجحة في مجال الطاقة.

ولكن على الجانب الآخر، تُوَاجَه الفعالية المحتملة لخطط دول مجلس التعاون الخليجي في هذا السياق بمجموعة من التحديات، ترتبط بشكل أساسي بالحوكمة، وقلة الحوافز السوقية، وعدم استقرار الدعم السياسي اللازم لتنفيذ هذه الخطط، لا سيما مع تعدد مراكز السلطة المسيطرة على قطاع الطاقة، حيث تتوزع بين الوزارات والسلطات الإقليمية المختلفة.

على الصعيد ذاته، من المعروف أن استراتيجيات الطاقة النظيفة وطموحات النمو الأخضر تستغرق وقتًا طويلا للتحقيق، وفي هذه الأثناء يمثل استهلاك الماء والطاقة تحديًا في كافة أنحاء المنطقة، ويجب التعامل معه كأحد أهم الأولويات؛ إذ يعد ترشيد الطلب على هذه الموارد الحيوية ضرورة قصوى إذا ما كانت دول مجلس التعاون الخليجي تسعى لزيادة إمكانياتها من الطاقة المتجددة، فبدون ذلك من المتوقع أن تصل الزيادة في الطلب على الكهرباء إلى أكثر من 7% سنويًّا، وهو ما سيقضي على الطاقة المتوفرة عن توجه دول المنطقة لاستخدام الطاقة الشمسية خلال العقد التالي.

في السياق ذاته، تبرز أهمية التركيز على آليات توفير الكهرباء، ومن أهمها تغيير طرق ومعايير البناء والتشييد، ومعايير تشغيل تكييفات الهواء في تلك الدول، إذ توضح الخطط والممارسات التجريبية أنه يمكن توفير ما يقرب من 60% من الطلب على الطاقة نتيجة إجراء بعض التغييرات في الأبنية الحالية، فضلا عن 70% في الأبنية الجديدة. إلى جانب ذلك لا بد من الانتباه الفوري إلى مسألة تخطيط عمل وسائل النقل، وقضايا تهريب الوقود.

توصيات التقرير

يؤكد التقرير على أن التشابه في الظروف المناخية والسوقية لدول مجلس التعاون الخليجي يدعم أهمية قيام هذه الدول بالتعاون فيما بينها، وهو ما سيمكنها من تحقيق الكثير، لا سيما وأن الاصطفاف على المستوى الإقليمي يمكن أن يسهل التوصل إلى معايير إصلاح عملية تسعير الوقود، كما أن هناك إمكانيات جيدة للتعاون بشأن أفضل الطرق لإنتاج مصادر جديدة للطاقة والتكنولوجيا في المنطقة، فمن اللازم أن تتبنى دول مجلس التعاون الخليجي خطة للتكامل الإقليمي تدعم مكانتها على الصعيد الدولي عن طريق التعاون في مجال الطاقة عبر تنسيق المبادرات والأهداف.

في هذا السياق، يقدم “تشاتام هاوس” عبر تقريره مجموعة من التوصيات لدعم التعاون على المستوى الإقليمي أو بين دول مجلس التعاون الخليجي، على النحو التالي:

أولا: ضرورة إنشاء مركز لخدمة صانعي سياسات الطاقة في هذه الدول من خلالوضع استراتيجية مفصلة للطاقة لكل من هذه الدول يتم تقديمها إلى الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي لتسهيل التوصل إلى موقف إقليمي ملائم. وتجميع البيانات المتعلقة بالطاقة في كل من هذه البلاد في قاعدة مركزية، وإتاحتها على موقع مفتوح على الإنترنت (يوصي التقرير بإمكانية أن توكل تلك المهمة إلى أعضاء الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي في كل من دول المنطقة).

بالإضافة إلى التوصية بتداول ومشاركة الدراسات والأبحاث المتعلقة بالكشف عن الاستخدام الكلي للطاقة في تحلية الماء، وتأثير ذلك على الطاقة المتاحة لمجالي البيئة والصحة. وكذا تداول تفاصيل النماذج المالية التي تسمح بالتداول التجاري للطاقة المتجددة في ظل الأسعار المنخفضة للوقود حاليًّا.

ثانيًا: تطوير معايير مشتركة ودعم تنفيذها على نحو فعال ببلورة ووضع معايير مشتركة لكفاءة استخدام الطاقة في الأجهزة الكهربية، مع وضع أجهزة التكييف على قمة قائمة الأولويات في هذا الصدد. ووضع معايير مشتركة لمعايير كفاءة استخدام وقود السيارات. بالإضافة إلىوضع معايير مشتركة لإجراءات ومواد البناء بما يؤدي إلى تغييرات تدريجية في كفاءة استخدام الطاقة. ويضاف إلى ذلك وضع برنامج دائم لدعم كفاءة الصناعات كثيفة الطاقة في المنطقة.

ثالثًا: إقامة البِنَى التحتية، ووضع آليات التسعير اللازمة للتغلب على الحواجز الحدودية أمام التجارة الإقليمية، من خلالضمان أن تكون شبكة البِنَى التحتية الممتدة في أرجاء دول مجلس التعاون الخليجي مرنة، بما يسمح بتفعيل التجارة البينية والإقليمية بين دول المنطقة. وتقييم إمكانية العمل على وضع أسعار مشتركة للوقود. ووضع الصيغة اللازمة التي تتيح وضع سعر موحد لتجارة الكهرباء.

رابعًا: زيادة التعاون في مجال الأبحاث للتطوير والتخطيط التقني لبناء القدرات الوطنية في دول المنطقة برفع مستوى العمل المشترك على تطوير وإقامة مشروعات تجريبية، وتقييم آليات تحلية للمياه تكون منخفضة استخدام الكربون. وبلورة منهجيات مشتركة لوضع نماذج وتخطيط استخدام الطاقة.

المعادلة الإقليمية:هل تتغير السياسة الإيرانية في المنطقة إذا

كاتب الموضوع الأصلي: يوسف الفوزان209

المعادلة الإقليمية:هل تتغير السياسة الإيرانية في المنطقة إذا امتلكت القنبلة النووية؟
علي رضا نادر 8 سبتمبر 2013

يتخوف المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، من إمكانية امتلاك إيران لسلاح نووي، ويرجع ذلك للاعتقاد بأن إيران النووية ستمثل خطرا وجوديا على إسرائيل ومنطقة الخليج، وأن سياساتها الخارجية هي سياسة غير رشيدة، مما يجعل مهاجمتها لإسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة فى المنطقة باستخدام السلاح النووي، حال امتلاكه، أمرا محتملا. ويضاف إلى ذلك تخوف العالم الغربي من علاقة إيران الوطيدة بحركات تراها القوي الغربية والولايات المتحدة حركات إرهابية (حركتا حماس وحزب الله) وغيرها من الجماعات المسلحة فى المنطقة، واحتمالية قيام إيران بتسليح هذه الجماعات نوويا، أو الدفاع عنها فى مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما فى الشرق الأوسط. ولذا، يسعى المجتمع الدولي إلى الحيلولة دون تطوير إيران لبرنامجها النووي إلى الحد الذي يمكنها من امتلاك قنبلة نووية.

ولكن نتيجة لتعثر الجهود الدولية دبلوماسية، وعقوبات اقتصادية في حل الأزمة الإيرانية، بات امتلاك إيران لقدرات نووية فعلية ممكنا. وفي هذا الإطار، صدر تقرير عن مؤسسة راند بعنوان “إيران بعد القنبلة” يقدم فيه علي رضا نادر رؤية تحليلية استشرافية عن السياسة الخارجية الإيرانية، إذا ما تمكنت بالفعل من امتلاك سلاح نووي.

قام الكاتب من خلال هذا التقرير بدحض الافتراضات السابق ذكرها بشأن امتلاك إيران لقدرات نووية، حيث خلص إلى نتيجة، مفادها أن إيران لن تغير من سياساتها الخارجية أو مصالحها الرئيسية، إذا ما امتلكت سلاحا نوويا، ولن تتبنى استراتيجية أكثر عدائية في التعامل مع الولايات المتحدة وإسرائيل.بيد أن الكاتب قد أوضح أنه لا يسعى من خلال هذا التقرير إلى الحث على ضرورة احتواء إيران، أو رفع العقوبات عنها، وإنما يهدف فقط إلى دراسة الأثر المحتمل لامتلاك إيران للسلاح النووي على سياساتها، وما لذلك من تداعيات على الولايات المتحدة، وإسرائيل، ودول الخليج.

دوافع إيران لامتلاك السلاح النووي

بدأ التقرير بشرح دوافع إيران لامتلاك سلاح نووي، والتي توضح كيف يمكن أن تستخدم إيران لهذا السلاح، حال امتلاكه. ويرى الكاتب أن أحد الدروس التي خرجت بها إيران من الحرب مع العراق هو الحاجة إلى التعزيز من إمكاناتها العسكرية، خاصة بعد انتهاء التحالف الأمريكي- الإيراني عقب الثورة الإيرانية، والعزلة التي فرضها الغرب على إيران. كما أن الهجمات الصاروخية والكيماوية التي تعرضت لها إيران من العراق دفعت القادة الإيرانيين للتفكير فى ضرورة امتلاك أسلحة دمار شامل.

وزاد هذا الاعتقاد إبان هزيمة الولايات المتحدة للجيش العراقي فى 1991. فإيران لم تستطع هزيمة الجيش العراقي لمدة 8 سنوات، فى حين استطاعت القوات الجوية الأمريكية هزيمته في غضون أيام، وهو ما يعني أن الجيش الإيراني لن يستطيع مواجهة الولايات المتحدة، إذا ما تعرض لهجوم منها. كما كان تدخل الولايات الأمريكية فى أفغانستان، وتغيير صدام حسين فى العراق، وإصرار إدارة بوش على العداء مع إيران، دافعا قويا للبرنامج النووي الإيراني. ثم جاءت الإطاحة بمعمر القذافي، وهجوم الغرب على النظام السوري بعد الربيع العربي ليعزز من رفض إيران لقبول أي تسوية مع الغرب فيما يتعلق ببرنامجها النووي.

يضاف إلى ذلك دوافع مرتبطة بالسياق الداخلي فى إيران، والتي تتمثل بالأساس في تناقص شرعية النظام الإيراني، نتيجة لسياساته السلطوية، والخلل الاقتصادي، وغياب الشفافية والفساد، إلى الحد الذي أصبح معه نجاح النظام في استكمال البرنامج النووي بمثابة استرداد لشرعيته.ويرى الكاتب أن كافة هذه العوامل توضح أن امتلاك السلاح النووي ليس مجرد مشروع علمي، أو رغبة من إيران لزيادة قوتها، وإنما هو جزء من الصراع التاريخي بينها وبين الولايات المتحدة، وهدفها فى البقاء فى مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وردع أي هجوم محتمل عليها، سواء من الولايات المتحدة، أو إسرائيل، أو أي قوى أخرى.

حدود التأثير الإيراني فى منطقة الخليج العربي

يرجع العداء ما بين إيران ودول الخليج إلى أبعاد تاريخية بعد قيام الجيوش العربية بغزو وهزيمة الإمبراطورية الفارسية التي كانت يوما ما قوى عظمى، وأخرى أيديولوجية، لكون إيران دولة شيعية، في ظل أغلبية من الدول السنية فى المنطقة.

ورأى نادر أن أكثر الدول عداء مع إيران في منطقة الخليج هي السعودية بسبب اختلافات أيديولوجية تعود إلى رغبة إيران فى أن تقود العالم الإسلامي بالمذهب الشيعي فى مواجهة المذهب السني الذي تعتنقه السعودية، وذلك إلى جانب التحالف الإيراني- السعودي. وظهر هذا العداء ما بين الدولتين في صراعات بالوكالة فى دول أخرى كلبنان، وسوريا، والعراق، وأفغانستان.

ويضاف إلى الحسابات الأيديولوجية حسابات أخرى واقعية، في ظل سيطرة أحزاب شيعية على بغداد، وصعود قوة حزب الله فى لبنان، وسيطرة حماس على غزة فى 2007، وهو ما نظرت إليه السعودية وحلفاؤها فى الخليج العربي على أنه توسع للنفوذ الإيراني فى المنطقة.كما كان للربيع العربي والانتفاضة البحرانية دور كبير فى تعميق الخلاف، حيث رأت دول مجلس التعاون الخليجي أن الاضطرابات فى إيران ما هي إلا صنيع إيراني لتمكين الشيعة فى المنطقة. ومن جهة أخرى، ترى إيران أن كافة هذه الدول هي ذراع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ولكن يرى الكاتب أن حدود التأثير الإيراني فى المنطقة بات محدودا، وهو الأمر الذي لم يتوقع تغيره، إذا ما أصبحت إيران دولة نووية. فعلى الرغم من دعم إيران للشيعة فى البحرين، والسعودية، والحوثيين فى اليمن، فإنه من المبالغة القول إن إيران هي السبب فى زعزعة الاستقرار فى الخليج. فشيعة المنطقة لا يعدون الخميني مرجعا لهم، مقارنة بالسيستاني فى العراق، والذي لا يدعم نظام ولاية الفقيه الإيراني.

فعلى الرغم من شبكة النفوذ التي تتمتع بها إيران مع الجماعات الشيعية فى المنطقة، والتي تستطيع تفعيلها فى حالة هجوم الولايات المتحدة عليها، فإنها لن تستطيع أن تحدث تغييرا للنظام السياسي فى المنطقة، خاصة بعد أن خسرت جزءا كبيرا من مصداقيتها فى العالم العربي، نتيجة لموقفها من النظام السوري. ومن ثم، لم يعد الإيمان بالمذهب الشيعي يعني حتما التبعية للتأثير الإيراني السياسي والديني.

لا تغيير في المعادلة

ورأى الكاتب أن امتلاك إيران للسلاح النووي من غير المتوقع أن يغير المعادلة، فالقوة النووية قد تعزز من مكانة إيران فى الخليج، لكونها أول دولة إسلامية نووية فى الشرق الأوسط، غير أن هذه المكانة لا يمكن أن يكون لها تأثير فعلي في تغيير النظام الجيوسياسي فى الخليج. فالخطر الأكبر على دول الخليج ليس إيران، وإنما التغيرات فى الاتجاهات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية فى المنطقة العربية ككل.

كما رأى الكاتب أن استخدام إيران للقوة النووية فى غزو الخليج أمر مستبعد. فعلى الرغم من النزاعات الحدودية ما بين إيران وكل من العراق والإمارات، فإن بغداد تتمتع بعلاقة ودية مع طهران، وإيران بالفعل مسيطرة على جزيرتي طنب وأبو موسى المتنازع عليهما مع الإمارات، مما يقلل من احتمالات لجوئها إلى استخدام القوة العسكرية أو النووية للتعامل مع قضية الحدود. وحتى وإن كانت إيران تمتلك سلاحا جويا وبحريا قويا فى الخليج، لا يرى نادر أن هذه القدرات التقليدية من الممكن أن تضاهي القوة التقليدية للولايات المتحدة ودول مجلس التعاون مجتمعة.

ويشير إلى أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم بالأساس على مبدأ الردع وليس الهجوم. وفقط إذا ما فشل الردع، فستقوم إيران باستخدام ما تمتلكه من قوة للدفاع عن نفسها. فعلى سبيل المثال، لن تقوم إيران بإغلاق مضيق هرمز الذي تعتمد عليه أكثر من دول الخليج الأخرى المنتجة للبترول دون مبرر، أي دون أن يتم الاعتداء عليها أولا.كما أن العلاقات الاقتصادية ما بين إيران ودول الخليج، فى ظل تراجع الإمكانات الاقتصادية لإيران، ستجعل من الصعوبة بمكان أن تتحول القوة النووية الإيرانية إلى قوة مؤثرة فى مواجهة دول مجلس التعاون الخليجي، حتى وإن قامت بدور الردع.

علاقة إيران النووية بحزب الله وحماس

ما تراه الولايات المتحدة والعالم الغربي إرهابا، تراه إيران دفاعا شرعيا عنها وعن الشرق الأوسط في مواجهة الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية. وفي هذا الإطار، يأتي دعمها لحزب الله وحماس. بيد أن دعم إيران لهذه الجماعات المسلحة يخضع أيضا لحسابات المصلحة الوطنية التي لا يرى الكاتب أنها من الممكن أن تتأثر بامتلاكها لقدرات نووية.

إذ يرى نادر أن امتلاك إيران لسلاح نووي لن يدفعها إلى تسليح هذه الجماعات أيضا تسليحا نوويا، أو أن تنتقل الميزة الردعية للأسلحة النووية إلى حزب الله وحماس. ويرجع ذلك بالأساس إلى أن علاقة إيران بتلك الجماعات ليست علاقة أيديولوجية، وإنما ترتبط بمجموعة من المصالح المشتركة التي قد تتغير بتغير السياقات الداخلية والخارجية.

فعلى الرغم من أن حزب الله هو الحليف الأكبر لإيران فى المنطقة، فإن قادته دائما ما يسعون إلى تجنب النظر إليهم، بحسبانهم تابعين أو وكلاء لإيران فى المنطقة، خاصة بالنظر إلى النفوذ السياسي لحزب الله فى لبنان، وتخوفه من مهاجمة إسرائيل للبنان، فى حالة إذا ما تدخل فى صراع بينها وبين إيران. ومن جهة أخرى، لن تغامر إيران بتسليح حزب الله نوويا، لأن فى ذلك ما يضر بمصالحها، ويعرضها للانتقام الأمريكي- الإسرائيلي.

وتتضح حسابات المصلحة أيضا ما بين إيران وهذه الجماعات فى حالة حماس. فبعد الربيع العربي، عززت حماس من علاقتها بنظام الإخوان فى مصر، وابتعدت عن النظام السوري، الحليف الإيراني. وهو ما يؤكد- من وجهة نظر الكاتب- عدم دقة وصف هذه الجماعات بأنها وكيلة لإيران بالمنطقة، وأن حسابات المصلحة لا يمكن أن تدفع إيران لتسليح جماعات غير إيرانية تسليحا نوويا.

تداعيات امتلاك إيران للسلاح النووي على الولايات المتحدة وإسرائيل

تنظر إسرائيل إلى امتلاك إيران لسلاح نووي على أنه الخطر الأكبر على أمنها القومي، ولوجود الدولة اليهودية. ومن جهة أخرى، ترى إيران أن إسرائيل كيان محتل لا ينتمي إلى المنطقة. بيد أن هدف إيران الرئيسي ليس تدمير إسرائيل، وإنما فقط ردع أي اعتداء محتمل منها، أو من الولايات المتحدة.
وفى حين رأى الكاتب أن هناك ما يبرر المخاوف من تبادل هجومي نووي غير مقصود بين إسرائيل وإيران، لاسيما بالنظر إلى غياب التواصل بين تل أبيب وطهران، والعداء الأيديولوجي فيما بينهما، إلا أنه أكد أن إيران لن تستخدم السلاح النووي ضد إسرائيل، لإيمانها بأن إسرائيل تمتلك من القدرات النووية ما يمكنها من تدميرها، فى حال حدوث ذلك.

وتوقع نادر أن الأسلحة النووية لن تغير من المصالح والاستراتيجيات الأساسية التي تتبناها إيران، وإنما فقط تعزيز أهداف الأمن القومي التقليدية لإيران، بما في ذلك ردع أي هجوم عسكري أمريكي أو إسرائيلي. فقد تزيد القوة النووية من مكانة إيران فى المجتمع الدولي، ولكن ستبقى العوامل الإقليمية الأخرى، كالبيئة الجيوسياسية للمنطقة، والإمكانات الاقتصادية والسياسية والعسكرية لإيران، هي الأكبر فى حسابات السياسة الخارجية لها. ومن ثم، لن تبدأ بالهجوم على إسرائيل، ولن تسعى إلى تقويض النظم السياسية لحلفاء الولايات المتحدة فى المنطقة، ولن تمكنها القوة النووية من القيام بذلك.

وخلص الكاتب إلى القول إن الدلائل تدحض التخوفات من امتلاك إيران للسلاح النووي، بحسبان أنه سيدفعها إلى تبني سياسية أكثر عدائية تجاه الولايات المتحدة والخليج. ففي رأيه، لن تغير القوة النووية من المصالح والاستراتيجيات الرئيسية التي تتبعها إيران فى إدارة سياساتها الخارجية، والتي يأتي على رأسها هدف الردع، وليس البدء بالهجوم.

سياسة استباقية: تأثيرات استفتاء أبيي في العلاقات بين شمال وج

كاتب الموضوع الأصلي: يوسف الفوزان209

تأثيرات استفتاء أبيي في العلاقات بين شمال وجنوب السودان
د. بدر حسن شافعي 10 نوفمبر 2013

أثار الاستفتاء الذي نظمته قبائل دينكا نقوك في منطقة أبيي مؤخرًا بشأن البقاء ضمن شمال السودان، مع وضع خاص للإقليم، أو الانضمام إلى الجنوب (والذي أسفر عن تأييد 99.9% للانفصال والانضمام للجنوب)؛ العديدَ من التساؤلات بشأن الدوافع الكامنة وراءه من ناحية، والآثار المترتبة عليه من ناحية ثانية، سواء على صعيد الإقليم ذاته، أم على صعيد العلاقات الثنائية بين السودانَيْن الشمالي والجنوبي.

دوافع الاستفتاء وموقف الجنوب منه

يلاحظ بدايةً أن الاستفتاء جاء تقريبًا في الموعد المقترح والمحدد من قبل الاتحاد الإفريقي والآلية الإفريقية الخاصة بالإقليم، برئاسة رئيس جنوب إفريقيا السابق تابو مبيكي، كما أنه جاء بعد أيام قلائل من قمة الرئيسين البشير-سيلفا كير بجوبا، والتي تم الاتفاق خلالها على السير قدمًا في تنفيذ بروتوكول أبيي، والاتفاقات الأخرى ذات الصلة، والتي تجعل اختصاص ووضع الإقليم منوطًا برئيس البلدين.وبالرغم من أن الاتحاد أدان وانتقد، بل وحذر بشدة من إجراء مثل هذا الاستفتاء بصورة أحادية، بل ولم يعترف بنتائجه بعد إجرائه؛ فقد تم اتخاذ هذا الميعاد المحدد كتكئة لتمريره. ومعنى هذا أن هناك أسبابًا أخرى تقف وراء هذا الحرص على إجرائه بصورة أحادية، سواء وافق الاتحاد الإفريقي على ذلك أم لا.

ولعل من أهم هذه الدوافع رغبة الدينكا نقوك في إقرار سياسة الأمر الواقع، وعدم الانتظار لاتفاق كلا الجانبين (السودان وجنوب السودان) على وضع الخطوط العامة لهذا الاستفتاء، وما يسبقه من تشكيل مجموعة من الهياكل التنفيذية والإدارية التي ستدير المرحلة الانتقالية إلى حين إجراء الاستفتاء، وفق اتفاق 20 يونيو 2011 بشأن الترتيبات الإدارية والأمنية المؤقتة للمنطقة، على اعتبار أن مثل هذه الإجراءات قد تستغرق وقتًا طويلا. وربما سعى هؤلاء لاستغلال المأزق الراهن الذي يمر به النظام في الخرطوم، لا سيما بعد المظاهرات التي اندلعت في سبتمبر الماضي بسبب رفع الدعم جزئيًّا عن المحروقات.

وهناك سبب آخر ربما يسوقه الفصيل الآخر من أبناء أبيي التابع للخرطوم لتفسير هذا الاستفتاء، وهو خشية الدينكا من إجراء استفتاء يشارك فيه المسيرية وغيرهم من دينكا الشمال، لأن الكتلة التصويتية لهؤلاء ستكون أكبر، وبالتالي ستكون النتيجة محسومة لصالح تبعية الإقليم للخرطوم، ويدللون على ذلك بحسب الخير الفهيم، الرئيس المشترك للجنة المشتركة عن أبيي (جناح السودان)، بأن استفتاء الدينكا شارك فيه 65 ألف شخص، وهذا عددٌ ضئيلٌ جدًّا، فتعداد دينكا نقوك الموجودين الآن بالشمال في الخرطوم وبورتسودان وسنار ومدني وفي كردفان وشمال أبيي ضعف الـ(65) ألفًا، وكلهم موجودون في الشمال، وهم ضد الاستفتاء الأحادي.

أما المسيرية فلديهم (28) قرية داخل مربع أبيي في شمالها، والمواطنون المسجلون فيها أكثر من (82) ألفًا، و(الرُّحَّل) الذين دخلوا منطقة أبيي -وفق تقارير الأمم المتحدة أكثر من (200) ألف مواطن- الذين يفترض حرمانهم من التصويت وفق الاقتراح الإفريقي، وهو ما لاقى اعتراضًا شديدًا من الخرطوم، ساهم في توتر العلاقات مع الاتحاد من ناحية، وتأجيل إجراء الاستفتاء من ناحية ثانية.

وبالرغم من أن جوبا أعلنت رفضها المسبق لإجراء مثل هذا الاستفتاء، فإن ثمة مؤشرات تشير إلى أنها قد تكون هي التي رتبت له، من أهمها ما يلي:

1-أن التحركات الخاصة به يقودها ما يمكن تسميته بـ(اللوبي) الموجود في قيادة الحركة الشعبية وحكومة الجنوب من أبناء دينكا نقوك، وعلى رأسهم إدوارد لينو، الرئيس المشترك للجنة الإشراف المشتركة على منطقة أبيي ممثلا عن الجنوب (كان يمكن لسيلفا كير منعه من المشاركة، أو إقالته حال إصراره على ذلك). ودينق الور الذي كان يشغل منصب وزير رئاسة مجلس وزراء جنوب السودان السابق، وعضو المكتب السياسي للحركة الشعبية الحاكمة هناك، ثم عينه سيلفا كير رئيسًا للجنة العليا للاستفتاء في أبيي بدرجة وزير، وقد أعلن ألور في مؤتمر صحفي في شهر سبتمبر الماضي بجوبا عن تكوين لجنة سياسية عليا للإشراف على استفتاء أبيي برئاسته، وعضوية إدوارد لينو، ولوكا بيونق. وبالتالي فليس شباب قبيلة دينكا نقوك هم الذين يريدون هذا الاستفتاء.

2-إعطاء أبناء دينكا نقوك العاملين بحكومة الجنوب إجازات مفتوحة ومدفوعة القيمة، بل تم نقلهم من مطار جوبا وعبر طيران جوبا وبإمكانات جوبا المادية ودعمها اللوجستي.

وهناك بعض الآراء التي تشكك في وقوف الجنوب وراء خطوة الاستفتاء، وتستدل على ذلك بعدة أمور، منها: اعتراض جوبا على إجرائه، فضلا عن احتياج جوبا للخرطوم، لا سيما فيما يتعلق بتصدير نفطها عبر موانئ الشمال “بورسودان” بسبب الأزمة المالية الطاحنة التي تعيشها الآن. وهو الموقف الذي أكده سيلفا كير في قمته الأخيرة مع البشير، حيث أشار إلى ضرورة تسوية الأزمة في إطار تشاور ثنائي بينهما.

ومع ذلك فهناك رأي آخر يرى أن جوبا هي التي تقف وراءه -كما سبق القول- لرغبتها في الضغط بهذه الورقة على الخرطوم من ناحية، ولأن النتيجة ستحسم لصالحها من ناحية ثانية. وبالتالي كان هناك حرص على قيام بعض مسئولي الحركة بالضلوع في عملية الاستفتاء من بدايتها إلى نهايتها، مثل إدوارد لينو، ثم إمكانية إعلان جوبا لاحقًا عن قبولها لهذه النتيجة، مبررةً ذلك بإلحاح دينكا نقوك على الانضمام إليها.

إشكاليات الاستفتاء ومآلاته

لقد أثار هذا الاستفتاء العديد من الإشكاليات، من أبرزها موقف قبائل المسيرية الشريك الثاني في الإقليم، والداعم للخرطوم، والتي ترى أن لها حقًّا أصيلا في عملية الاستفتاء، وبالتالي لا بد من تضمينهم فيه، ولعل هذا ما تسبب في تأخير إجرائه بسبب الإصرار السوداني على ضرورة تمثيل هؤلاء في أية عملية تصويتية، فهذه القبائل -أي المسيرية- كانت تطالب بأن يتم حل الأزمة في إطار ثنائي “قبلي” بعيدًا عن نظامي الحكم في كليهما، على اعتبار أن الإقليم كان يشهد حالة من الاستقرار قبل اندلاع الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب عام 1983، وما ترتب عليها من انضمام كل قبيلة إلى طرف سياسي (المسيرية العربية للشمال، الدينكا نقوك الإفريقية للجنوب)، ومنذ ذلك الحين شهد الإقليم حالة من الاضطراب السياسي، والاقتتال القبلي بصورة غير معهودة من قبل، وحتى بعد توقيع بروتوكول أبيي عام 2005.

وإذا كان هذا هو طرح المسيرية، فإنها -في المقابل- أعلنت رفضها المطلق لخطوة الاستفتاء الأحادي، لكنها لم تحدد سبل الرد، هل سيكون ردًّا عنيفًا لمنع عملية الانضمام إلى جوبا، أم سيكون ردًّا سياسيًّا عن طريق تنظيم استفتاء موازٍ للمسيرية ومؤيديها من دينكا الشمال وغيرهم، وهو ما صرح به الدكتور نافع علي نافع، مستشار البشير. وربما حيثياتهم في ذلك أنهم أكثر قوة وعددًا من الدينكا، كما أن هذا الاستفتاء هو أبلغ رد على عدم الاعتراف باستفتاء الدينكا، بل وإحراج المجتمع الدولي حال تفكيره في الاعتراف به. وبالتالي ستكون نتيجة هذا الاستفتاء الثاني المدعوم من الخرطوم رفضَ فكرة الانفصال عن الشمال، وهو ما قد يؤدي إلى العودة إلى أجواء الحرب الأهلية بين الجانبين مرة ثانية.

لكن الخطورة تكمن لا في اندلاع الحرب فحسب، وإنما في اتساع نطاقها لتشمل كلا البلدين الجارين، وهو ما قد يؤدي إلى عودة أجواء التوتر من جديد، والتراجع عن الاتفاقيات التي تم التوصل إلها مؤخرًا، سواء تلك المتعلقة بتصدير نفط الجنوب عن طريق الشمال، أو الخاصة بفتح المعابر التجارية بينهما.

كيفية احتواء الأزمة

ومن هنا تبرز أهمية ضغط جوبا تحديدًا على الدينكا لسحب هذه النتائج، كأنها لم تكن، والإسراع من خلال الاتفاق مع الخرطوم على تشكيل الهياكل الإدارية والتنفيذية، فضلا عن قوات الشرطة المحلية، وفق ما نص عليه البروتوكول والاتفاقيات اللاحقة، على اعتبار أن هذه الإجراءات هي التي تناسب طبيعة المرحلة الانتقالية التي لا بد من المرور إليها قبل الوصول إلى نقطة الاستفتاء الأخيرة، وعلى اعتبار أن هذا هو ما تم قبل استفتاء جنوب السودان 2011، حيث كانت هناك مرحلة انتقالية للسودان الموحد استمرت ست سنوات.وما لم تقم جوبا بمثل هذه الخطوة سريعًا، فإن ذلك قد يدفع الخرطوم إلى إمكانية اتخاذ عدة إجراءات محتملة، منها:

– الضغط على حكومة الجنوب والاتحاد الإفريقي والمجتمع الدولي لإعلان موقف واضح وصريح برفض ما تم، وعدم التعامل مع مخرجاته، لأن ما تم فيه خروج على كل الاتفاقيات والقوانين والمواثيق والأعراف الدولية.

– اتخاذ خطوات عملية لإلغاء بروتوكول أبيي وكافة الاتفاقيات المترتبة عليه في حالة عدم استجابة جوبا والمجتمع الإفريقي والدولي لذلك، بما في ذلك إمكانية طرد القوات الدولية والإثيوبية من المنطقة.

– إمكانية تعبئة الشعب السوداني لدعم النظام في الدفاع عن الوطن الذي يتعرض لاقتطاع جزءٍ ثانٍ من أراضيه لصالح الجنوب أيضًا. وهكذا فإن استفتاء الدينكا ربما يؤدي ليس إلى توتر الأوضاع في أبيي فحسب، وإنما بين الجارتين أيضًا، وهو ما قد يتطلب اهتمامًا إفريقيًّا ودوليًّا لمنع تصاعد الأمور إلى درجة قد لا يمكن السيطرة عليها.

اصطفافات يمينية:الدلالات السياسية لنتائج الانتخابات المحلية

كاتب الموضوع الأصلي: يوسف الفوزان209

الدلالات السياسية لنتائج الانتخابات المحلية الإسرائيلية
د. نادية سعد الدين
أكملت نتائج الانتخابات المحلية الإسرائيلية، التي جرت في 22/10/2013، ثلاثية معاقل العنصرية والتشدد إزاء اصطفاف أقطاب مخرجاتها من “الإسرائيليين” إلى جانب الحكومة اليمينية المتطرفة، وثلثي مقاعد غلاة المستوطنين البرلمانية، والانضواء، بذلك، تحت مظلة خطاب التمييز ضد الفلسطينيين العرب في فلسطين المحتلة عام 1948، ومناهضة العملية السلمية.

وإذا كان الصوت العنصري الغالب في مسار العملية الانتخابية، أسوّة بحملات المرشحين الإسرائيليين، وبدفة توجهات قواعدهم الميدانية، قد حافظ على مكانته بأريحية، إما في سدة الرئاسة، أو في عضوية المجلس، كما في بلدية القدس المحتلة، ضمن سياق التعهد باستمرار الاستيطان والتهويد، فإن رءوسا قديمة وأخرى متهمة بالفساد ظلت في مواقعها، مما شكل أحد أسباب ما سمي “بلا مبالاة” أصحاب حق الاقتراع تجاه انتخابات “باهتة”.

بينما غابت بوصلة التنسيق والوحدة عن المعترك الانتخابي الفلسطيني لصالح تنافسية “الشخصَنة” الضدّية، وغلبة الطابع العائلي العشائري، وبالتالي الانخراط في لعبة انتخابية أقرب ما تكون “مصيّدة” التوّهم بحياة سياسية ديمقراطية تعددية، وتداول حكم محلي داخل الكيان الإسرائيلي بالنسبة للفلسطينيين العرب الذين لا يملكون حق القرار، أو “ترف” التأثير فيه، ويجابهون بمصفوفة قوانين وإجراءات عنصرية تنال من شرعية وجودهم في وطنهم الأصلي.

“لا مبالاة” إسرائيلية وإقبال فلسطيني

أسفرت العملية الانتخابية، التي جرت رسمياً في 22/10/2013، وجولتها الثانية في 5/11/2013 لرئاسة 38 سلطة محلية، من بينها 24 سلطة محلية عربية، عن فوز 149 رئيس بلدية قديما بولاية جديدة، من أصل 191 مدينة ومجلسا محليا، جرت الانتخابات المحلية في ساحاتها، من بينهم امرأتان فقط، وذلك من إجمالي 719 مرشحاً لرئاسة البلديات وسلطات محلية صغيرة، و1500 قائمة متنافسة على عضوية المجالس البلدية، ما يشير إلى بقاء الرءوس القديمة على كرسي الرئاسة.

واللافت هنا نسبة التصويت المتدنية، حيث شهدت الانتخابات الأخيرة تراجعاً في أعداد المقترعين، مقارنة بالأعوام السابقة، لاسيما في المدن الكبرى الـ 21، مما دعا كثيرا من المراقبين إلى تسميتها بانتخابات “اللا مبالاة”، حيث بلغت نسبة التصويت في القدس 35,9%، وفي تل الربيع “تل أبيب” 31,3% ، وفي حيفا 45% وبئر السبع 39%، بينما بلغت نسبة الاقتراع العامة في شتى مراكز الانتخاب 42,3% فقط، و10,4% في جولة الإعادة الثانية، من بين أصحاب حق الاقتراع، المقدرين بنحو خمسة ملايين ونصف مليون شخص، وهي نسبة غير مسبوقة في الانتخابات الإسرائيلية، الأمر الذي استدعى مطالبة عضو “كنيست” عن حزب “الحركة” بتغريم كل من يتخلف عن التصويت مستقبلاً، وذلك لتشجيع الناخبين على الاقتراع عقب التراجع الأخير، الذي يعود، بحسب مراقبين، إلى تنافس مرشحين من رؤساء بلديات سابقين، وآخرين متهمين قضائياً بالفساد، وخيانة الأمانة، وتلقي الرشوة.

ومن أبرز مفاجآت هذه الانتخابات إعادة انتخاب ثلاثة رؤساء مدن متهمين بالفساد، كانت المحكمة العليا قد أصدرت سابقاً قراراً بإقصائهم من مناصبهم، لكنها وافقت على دخولهم الانتخابات الأخيرة، حيث فاز كل من رئيس بلدية بات يام “شلومو لحياني”، ورئيس بلدية “رامات هشارون”، ورئيس بلدية الناصرة العليا، مما شكل صفعة للجهاز القضائي الإسرائيلي، وبثقة الجمهور به، حيث لم يمنع تقديم لوائح الاتهام بالفساد والرشوة من إعادة الانتخاب في مواقع رئاسية محلية.

وعلاوة على ذلك، فإن 60 رئيس سلطة محلية منتخباً خضعوا سابقاً لتحقيقات فساد، مما يشي بحجم تفشي الفساد داخل الكيان الإسرائيلي، وضعف أجهزة الرقابة من قبل وزارة الداخلية، وتراخي سلطات القانون عن إجراء تحقيقات معمقة لكشف الفاسدين. غير أن الانتخابات، التي تمخضت عن سيطرة الأحزاب الإسرائيلية الكبرى في المدن، خاصة حزبى “الليكود” و”العمل” اللذين يشغلان القوة الأساسية في السلطات المحلية، مقابل إخفاق حزب “إسرائيل بيتنا”، وتقدم أحزاب “يوجد مستقبل”، و”البيت اليهودي”، و”شاس” الديني، شهدت، أيضاً، انقساماً داخل “الليكود” نفسه حول دعم المرشحين، خاصة في مدينة القدس، غداة فوز رئيس البلدية القديم، نير بركات، المدعوم من اليسار والوسط الإسرائيلي في مواجهة مرشح اليمين، موشيه ليئون، الذي حظي بدعم حزب “شاس”، وزعيم حزب “إسرائيل بيتنا” المتطرف، أفيجدور ليبرمان، بينما فاز في مدينة تل الربيع “تل أبيب” رئيس البلدية منذ 15 عاماً العنصري “رون خولدائي”، محتفظاً بذلك بولاية أخرى لخمس سنوات قادمة.

بينما عززت نواتج الانتخابات مكانة اليمينيين المتطرفين، وأقطاب التمييز ضد الفلسطينيين العرب، بعدما دخلت العنصرية القبيحة عنصراً حيوياً في “المزاد” الانتخابي للمرشحين الإسرائيليين، ومحركاً “تعبوياً” فاعلاً لحشد الأصوات.

فقد اعتمدت الأحزاب الإسرائيلية في حملاتها الانتخابية، بما في ذلك الفروع المحلية لحزب “الليكود” الحاكم، على اللغة العنصرية العلنية ضد الفلسطينيين العرب، و”فزاعة” سيطرة المسلمين على الداخل الإسرائيلي، فرفعت في بعض المدن الفلسطينية شعارات مناوئة “لصوت الآذان”، وتشييد “المساجد”، أسوّة بمدينة يافا، التي تضمّ في أكثر من ثلث سكانها مواطنين فلسطينيين، بينما حملت عناوين انتخابية أخرى مطالب الفصل بين التجمعات في “المدن المختلطة”، التي يعيش فيها اليهود مع المواطنين الفلسطينيين معا، بما يعكس جنوح الداخل الإسرائيلي نحو دفة الغلو والتطرف.

في المقابل، ووسط مقاطعة الفلسطينيين للانتخابات البلدية في القدس المحتلة، تعبيراً عن تمسكهم بأرضهم ومدينتهم، ورفضهم لمشاريع التهويد، واستجابة لدعوة القوى الوطنية الفلسطينية، فقد انتصرت السلطات المحلية العربية لمفاعيل العائلية والطائفية على حساب الحزبية السياسية، ضمن احتلال إسرائيلي عنصري لا يعترف إلا “بالديمقراطية اليهودية”.

وتحت مزاعم منظومة الحكم المحلي، جرت الانتخابات في زهاء 70 مجلساً محلياً في المدن والقرى الفلسطينية، والمدن المختلطة في الأراضي المحتلة عام 1948، بنسبة 30% تقريباً من عدد المجالس المحلية والبلدية في الكيان الإسرائيلي، رغم أن عدد المواطنين الفلسطينيين لا يتجاوز نسبة 20%، بنحو مليون ونصف مليون تقريباً من إجمالي سبعة ملايين نسمة.

لكن هذه النسبة العالية في عدد المجالس المحلية والبلدية الفلسطينية لا تملك سوى 2,4% من الأراضي في الكيان المحتل، مماثلة بحال الميزانيات والموارد المختلفة، مما يفرغ المجلس من قيمته السياسية والسلطوية كحكم محلي، ويحوله إلى إدارة مشلولة معنية أساساً بالانشغال في القضايا الجزئية، مثل تعيين الموظفين، وحل المشاكل البسيطة، على حساب القضية الفلسطينية الجوهرية، وتحديات مصادرة الأراضي، والتعليم، والعنصرية، والبطالة، وتحسين المرافق الاقتصادية، وتحصين مناعة الجبهة الداخلية، بينما يئول منصب رئاسة المجلس مكاناً معبراً عن مكانة اجتماعية للعائلة، أو المجموعة الداعمة.

وخلافاً للسابق، تراجع الحزب السياسي أمام قوائم محلية عائلية طائفية، وتمثيل اجتماعي وتنافس على النفوذ السياسي، فيما انشقت العائلات على نفسها، حيث رشحت العائلة نفسها أكثر من مرشح، بينما دعمت بعض الأحزاب الوطنية السياسية مرشحين عائليين، وقوائم طائفية، وسط انقسامات اجتماعية، كرست الانتماءات التقليدية.

وبينما حافظ التيار القومي على قوته، فإن الحزب الشيوعي خسر معاقل مهمة لصالح العائلية، في حين انحسر وجود الحركة الإسلامية/ الجناح الشمالي عن غالبية الساحات الانتخابية، خلا أم الفحم التي حققت فيها نجاحاً ساحقاً، أسوّة بمصير نظيرتها في الجناح الجنوبي، التي تراجعت حظوتها الانتخابية في تلك الانتخابات، مقارنة بالسابقة، عبر حصدها ثمانية مقاعد بلدية، وموقعين رئاسيين، بما يعكس، وفق مراقبين، تداعيات الأحداث الجارية في المنطقة، وانحسار قوة الإسلام السياسي، وانكفاء سلطته، لاسيما في مصر.

ضعف التأثير العربي في الانتخابات

أما في مدينة الناصرة، كبرى المدن العربية في فلسطين المحتلة عام 1948 بعدد سكان يبلغ نحو 82 ألف نسمة، فقد شهدت تنافساً حاداً بين مرشحيها الخمسة، من بينهم اثنان إسلاميان مُنيا بالفشل، وحضوراً قوياً للعامل الحزبي، خلافاً لبقية المدن والبلدات العربية الأخرى، وارتفاعاً في منسوب التوتر والأجواء المشحونة، نظير عدم الارتضاء بالنتيجة الانتخابية، والتشكيك في حسابها، بعدما ألغت لجنة الانتخابات المركزية أصوات صندوق ذوي الاحتياجات الخاصة، المؤيدة للرئيس القديم، رامز جرايسي، المرشح عن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة التي أدارت بلديتها منذ 1977، مما رجح كفة خصمه المرشح المستقل، علي سلام، رئيس قائمة “ناصرتي”، وأدى إلى تأخير إعلان النتائج النهائية حتى الثلاثين من الشهر الماضي، حينما أعلنت وزارة الداخلية الإسرائيلية عن فوز المرشح سلام، بعدما فشلت المرشحة عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، العضو العربي في “الكنيست” حنين الزعني، في تحصيل أكثر من 10% فقط من الأصوات.

ولكن قائمة سلام الفائز برئاسة البلدية لم تتمكن من الحصول على أغلبية الأصوات في المجلس البلدي، الذي يتكون من 19 عضواً، لذا فإنها مضطرة لإجراء ائتلاف مع القوائم الأخرى.وفيما انخفضت نسبة تصويت الإسرائيليين، فقد تجاوزت نسبة إقبال الفلسطينيين العرب على التصويت في البلدات العربية نحو 78%، ارتفع في بعضها إلى 90%، خلافاً للتوجه في انتخابات الكنيست الأخيرة، حيث انخفضت نسبة المصوتين العرب إلى 61% فقط.

ويجد ذلك تفسيره، عند مراقبين، في ضعف، إن لم يكن انعدام، تأثير العرب في آلية صنع القرار السياسي الإسرائيلي، على صعيد الانتخابات التشريعية، سواء في الحكومة، أو وزاراتها، أو في مقاعد أعضاء “الكنيست” العرب، بما يغاير حال الانتخابات المحلية التي تعدّ مصدراً أساسياً للقوة السياسية العائلية، والاقتصادية، والاجتماعية، فيما تمثل المجالس مورداً مالياً، ومكانة اجتماعية، وموئلاً توظيفياً بالنسبة للفلسطينيين الذين يجابهون تمييزاً صارخاً في مسألة التعيين، بما يدفع العائلات إلى ممارسة الضغوط الحثيثة على الجماهير العربية لتحفيزها على المشاركة الانتخابية.

فيما ارتفع عدد السيدات العربيات اللواتي تم انتخابهن في المجالس إلى 12 سيدة، إلى جانب سيدة أخرى ستدخل المجلس بعد سنتين بالتناوب، مقابل ست نساء من قبل، وذلك من إجمالي 172 سيدة عربية مرشحة لعضوية المجالس المحلية .

تمييز عنصري

بعد انتهاء موسم الاحتفاء “بالعرس” الديمقراطي الانتخابي داخل الكيان المحتل، استيقظ الفلسطينيون على الحال السابقة ذاتها، ما عدا ضخ موجة إضافية من أشكال التمييز العنصري في قنوات الهياكل المؤسسية الإسرائيلية ضدهم، والإبقاء، بذلك، على زخم الأفكار المنادية “بالترانسفير”، والفصل، و”يهودية الدولة”، التي تستهدف إسقاط حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم التي هُجّروا منها عام 1948، وحرمان فلسطينيي 1948 من وطنهم وأرضهم.

وهذا يعني المزيد من معاناة المواطنين الفلسطينيين الذين يعيشون وسط قوانين عنصرية، مثل قانوني العودة (1950) والجنسية (1952)، تستهدف حق الوجود الفلسطيني، ومصادرة الأراضي، والسطو عليها، وحظر الوجود العربي في أماكن وقرى معينة، أو السكنى، والعمل فيها، وسياسة التمييز في العمل، والتضييق في لقمة العيش، بما أوصل نسبة البطالة بين صفوفهم إلى 25%، بينما تصل في بعض المدن والقرى الفلسطينية إلى 70%، ونسبة الفقر إلى زهاء 40%، وبعض التقديرات نحو 50% ، عدا عن وجود قرى عربية غير معترف بها، تفتقر إلى البنية التحتية، مقابل فرض الضرائب الباهظة، وضعف المخصصات من الموارد، والتدخل في مناهج التعليم في المدارس العربية لصالح التمييز العنصري، والإقصاء عن مواقع صنع القرار.

وفوق ذلك كله، اعتماد نهج إضعاف التمكين العربي من إدارة الشئون المحلية، والتأثير في السياسة الرسمية، وسط جنوح المشهد الداخلي الإسرائيلي نحو الغلو والتطرف، ورفض العملية السلمية.

تداعيات أزمة التجسس الأمريكي على الدول الأوروبية

كاتب الموضوع الأصلي: يوسف الفوزان209

تداعيات أزمة التجسس الأمريكي على الدول الأوروبية
نوران شفيق علي 3 نوفمبر 2013

تشهد العلاقات الأمريكية- الأوروبية حاليا حالة من التوتر بعد ما نشر من معلومات حول قيام وكالة الأمن القومي الأمريكية بالتجسس على نحو 35 من القادة على مستوى العالم، وأكثر من 60 مليون مكالمة هاتفية في دول مختلفة، من بينها دول أوروبية، إذ صرح القادة الأوروبيون بأن في ذلك ما يخل باعتبارات الثقة التي يجب أن توجد ما بين الحلفاء.

وتثير هذه الأزمة عددا من التساؤلات حول قضية التجسس ما بين الحلفاء بشكل عام، وإلى أي مدى يمكن للدول تقبلها، ومستقبل العلاقات الأمريكية- الأوروبية، ومآلات التعاون فيما بينهما في الجوانب الاستخباراتية كجزء من جهود مكافحة الإرهاب. فعلى الرغم من أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها توجيه أصابع الاتهام إلى الولايات المتحدة للقيام بأعمال استخباراتية ضد حلفائها في أوروبا، فإن هذه الحالة بها من الملابسات ما يضفي عليها قدرا من الخصوصية، مقارنة بسابقاتها.

تداعيات الأزمة وردود الأفعال الأوروبية:

لقد أثار ما نشر من تقارير عن عمليات التجسس التي قامت بها وكالة الأمن القومي الأمريكية ردود أفعال غاضبة من عدد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، وذلك إثر المعلومات التي أكدت أن رئيسة الوزراء، أنجيلا ميركل، كانت هدفا لعمليات التجسس منذ عام 2002 وحتى عام 2010، وأن المكالمات الهاتفية التي أجرتها من هاتفها تم تسجيلها طوال هذه المدة.

ولقد دفع ذلك عددا من الدول الأوروبية، إلى جانب ألمانيا، من بينها فرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، والتي ذكرت التقارير أنها تعرضت أيضا للتجسس الأمريكي، باستدعاء سفراء الولايات المتحدة، وإظهار غضبها مما حدث، وتأكيدها أنه سيؤثر حتما فى آفاق التعاون المستقبلي مع الإدارة الأمريكية. كما أعلنت ألمانيا وفرنسا عن اعتزامهما التفاوض مع الولايات المتحدة لإبرام اتفاقيات تحظر على أطرافها إجراء أي عملية تجسس ضد بعضها بعضا.

وإلى جانب ردود الأفعال الفردية من قبل بعض الدول الأوربية، ظهرت تداعيات الأزمة على المستوى المؤسسي، سواء من خلال الاتحاد الأوروبي، أو الأمم المتحدة. فلقد دعت ألمانيا والبرازيل، بمساندة مجموعة من الدول الأوروبية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى ضرورة تبني المنظمة لقرار يحمي خصوصية الدول، ويقف حائلا أمام عمليات التجسس المماثلة. ويعد ذلك أول تحرك دولي لحماية الدول من عمليات التجسس التي تدعمها دول أخرى، وتقيد البرامج الاستخباراتية لوكالة الأمن القومي الأمريكية.

وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، تعالت الأصوات الداعية لاتخاذ تدابير عقابية ضد الولايات المتحدة، إذ يناقش البرلمان الأوروبي حاليا اقتراحا قدمته بعض الدول، وفي مقدمتها ألمانيا، بوقف المشاورات الخاصة باتفاقية التجارة الحرة ما بين أوروبا والولايات المتحدة، والتي بدأت المفاوضات عليها في فبراير الماضي، وكان من شأنها أن تحقق مكاسب اقتصادية هائلة لكلا الطرفين. وعلى الرغم من أن قرار تعليق المفاوضات لم يصدر بعد، فإن عددا من القادة الأوربيين قد أكدوا صعوبة استكمال المشاورات مع الإدارة الأمريكية بعد كشف عمليات التجسس هذه، والتي رأوا أنها قللت من مصداقية الولايات المتحدة كحليف للدول الأوروبية.

يضاف إلى ذلك دعوة البرلمان الأوربي لضرورة تعليق العمل بالاتفاقية المشتركة ما بين الولايات المتحدة وأوروبا والمعروفة ببرنامج تتبع تمويل الإرهاب Terrorist Finance Tracking Program والذي يعد إحدى أبرز صور التعاون الاستخباراتي ما بين الطرفين. بدأ العمل بهذا البرنامج بعد أحداث 11 سبتمبر في ظل إدارة جورج بوش كجزء من التعاون الأوروبي مع الولايات المتحدة للحرب على الإرهاب. بمقتضى هذا البرنامج، سمح للولايات المتحدة تتبع عدد كبير من التحويلات البنكية من خلال الدول الأوروبية. ولقد ظل هذا البرنامج في طي السرية حتى كشف عنه عدد من الجرائد، من بينها النيويورك تايمز، والواشنطن بوست في عام 2006، وهو ما دفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتحويله إلى اتفاقية معلنة تقوم على أسس قانونية.

ضبابية الموقف الأمريكي:

ردا على الغضب الأوروبي، أعلن البيت الأبيض عدم علمه بعمليات التجسس هذه أو بمراقبة الهاتف الخاص بميركل على وجه التحديد، وأنه كان ليوقفها إذا ما علم بها من قبل. في حين جاءت تصريحات بعض مسئولي الوكالة تؤكد علم الإدارة بمعظم البرامج الاستخباراتية التي تقوم بها. فلقد وضعت هذه الأزمة الإدارة الأمريكية في مأزق. فإذا ما أعلن أوباما عن علمه بهذه البرامج، فهو بذلك سيعمق من الخلاف مع الدول الأوروبية.

ومن جهة أخرى، أثار تصريح أوباما بأنه لم يكن على علم بهذه العمليات شكوكا حول مدى كفاءته في إدارة مؤسسات الدولة والرقابة عليها، وعن مدى استقلالية وكالة الأمن القومي وبرامجها. إذ ترتب على ما نشر من معلومات أن نُظم عدد كبير من المظاهرات في عدة ولايات أمريكية تندد بقيام الوكالة بالتجسس على المواطنين، وبفشل أوباما في السيطرة على عملها.

وعلى الرغم من تصريح بعض المسئولين التابعين للإدارة الأمريكية بأن هذه البرامج الاستخباراتية تتم بشكل روتيني، ولا يتم إعلام الرئيس بها بالضرورة، فإن ما نشر من تقارير قد يشكك في مصداقية هذه التصريحات. إذ توضح التقارير المنشورة أن عمليات التجسس بدأت في عهد بوش، وهو ما يعني أن أوباما من المفترض أن يكون قد علم بها عند توليه منصب الرئاسة. يضاف إلى ذلك أن التجسس على الهاتف الخاص بميركل قد تم تكثيفه، وفقا لما نشر من معلومات في عام 2010، أي في وقت الأزمة المالية في منطقة اليورو، والتي لعبت فيها ألمانيا الدور الأبرز، وهو الأمر الذي يشكك في مدى “روتينية” هذه العمليات، وأن هناك دوافع سياسية كامنة وراءها ترتبط بالضرورة بالإدارة الأمريكية، وبوزارة الخارجية، أي أن علمها بها أمر محتمل، حتى وإن صرح أوباما بغير ذلك.

وفي تحد لما نشر من معلومات، فقد جاء في خطاب رئيس وكالة الأمن القومي، الجنرال كيث ألكسندر، أمام الكونجرس، أن ما نشر عن تنصت الولايات المتحدة على ملايين المكالمات الهاتفية لمواطنين في إسبانيا وفرنسا غير صحيح، وأن هذه المعلومات قد جمعتها الأجهزة الاستخباراتية للدول الأوروبية ذاتها، وهي التى قامت بتسليمها للولايات المتحدة، وهو بالتالي لا يرى ما يتعارض مع مشروعية حصول الولايات المتحدة على هذه المعلومات. جاء هذا الخطاب في ظل مناقشة الكونجرس لاقتراحات تقضي بزيادة الرقابة على عمل الوكالة، والحد مما تقوم به من برامج تجسسية يتم من خلالها جمع معلومات عن المواطنين.

خصوصية الأزمة الحالية:

ليست هذه المرة الأولى التي تثار فيها قضية التجسس ما بين الولايات المتحدة وحلفائها من الدول الأوروبية. فدائما ما كانت هناك مخاوف لدى أوروبا من قيام الولايات المتحدة بالتجسس لأهداف سياسية واقتصادية، مستغلة في ذلك الجهود الاستخباراتية المشتركة فيما بينهما.

فعلى سبيل المثال، أصدر البرلمان الأوروبي سنة 2000 تقريرا يتهم فيه الولايات المتحدة بمراقبة المكالمات، والفاكسات، والبريد الإلكتروني لشركات أوروبية من خلال برنامج تجسس يسمى “إيشلون”. يعود هذا البرنامج إلى الحرب الباردة، وبمقتضاه تعاونت الأجهزة الاستخباراتية لكل من الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وكندا، واستراليا، ونيوزيلندا في مراقبة شبكات الاتصال حول العالم بهدف التجسس على المعسكر الشرقي. وردا على الاتهامات الأوروبية، أعلنت الولايات المتحدة إنهاء العمل بالبرنامج تماما في سبتمبر 2002.

وفي 2010 أيضا، نشرت بعض المعلومات التي أثارت بدورها مخاوف الدول الأوروبية من استخدام الولايات المتحدة لبرنامج متابعة تمويل الإرهاب كغطاء للتجسس على الدول الأوروبية لأهداف اقتصادية، وأنها تقوم بنقل المعلومات الاقتصادية التي تحصل عليها من خلال التعاون في إطار هذا البرنامج لشركات أمريكية.
وكذلك في مايو 2012، في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، اتهمت فرنسا الولايات المتحدة بشن هجوم إلكتروني على الفريق الانتخابي الخاص برئيس الجمهورية ساركوزي، تم من خلاله الاطلاع على الخطط الاستراتيجية الخاصة بالحملة، وهو ما نفته الولايات المتحدة.

يتضح من ذلك أن الاتهامات للولايات المتحدة بالتجسس على حلفائها في أوروبا ليست بجديدة، ولكن ثمة مجموعة من العوامل أضفت على اتهامات التجسس هذه المرة قدرا من الخصوصية أدت إلى تحولها لأزمة حقيقية تهدد العلاقات الأمريكية- الأوروبية. وتتمثل هذه العوامل في الآتي:

أولا- طريقة الحصول على المعلومات: معظم ما نشر من معلومات حول عمليات التجسس الأمريكية تم الحصول عليه من خلال إدوارد سنودن، الذي عمل سابقا مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ووكالة الأمن القومي، وقام بنشر معلومات سرية خاصة بعمل الوكالة. ويتمتع سنودن حاليا بحق اللجوء السياسي في روسيا، بعد أن وجهت له الولايات المتحدة الأمريكية اتهامات بسرقة معلومات ووثائق حكومية.

فعلى عكس الحالات السابقة التي لم يكن فيها أي دليل قاطع يدعم الاتهامات الأوروبية للولايات المتحدة، قدم سنودن هذا الدليل، والذي لم يدع مجالا للشك في قيام وكالة الأمن القومي بعمليات التجسس المعلن عنها. ولأن هذه المعلومات صادرة عن مسئول من داخل المؤسسة، ووجهت له اتهامات بسرقة معلومات سرية، فلم يكن من الممكن أن تنكر الإدارة الأمريكية هذه العمليات، كما كانت تنكر من قبل، وإنما اكتفت فقط بإنكار العلم بها.

يضاف إلى ذلك أن مصداقية المعلومات هذه المرة قد مثلت عنصر ضغط على زعماء أوروبا لاتخاذ مواقف حاسمة تجاه الولايات المتحدة. إذ يرى بعض الخبراء أن ردود الفعل الأوروبية مفتعلة، وأن الدول كافة على علم بإجراء مثل هذه العمليات حتى بين الحلفاء. ولكن بعد أن نشرت معلومات مؤكدة حول قيام الولايات المتحدة بالتجسس على مواطنين أوروبيين، وانتهاك خصوصياتهم، وفي ظل ما تتعرض له الدول الأوروبية من ضغوط داخلية، لم يكن من المتصور ألا يتخذ قادتها المواقف الحالية من انتقاد لما حدث، واتخاذ إجراءات حاسمة تجاهه.

ثانيا- طبيعة ونطاق هذه العمليات: فلقد اتسمت عمليات التجسس هذه المرة باتساع نطاقها، حيث شملت التجسس على ملايين المكالمات الهاتفية للمواطنين في عدد كبير من الدول. وما يزيد من خصوصية الأزمة هو طبيعة عمليات التجسس التي لم تقتصر فقط على مواطنين، وإنما أيضا شملت القادة الأوربيين. فلم يسبق أن تم نشر معلومات عن تنصت الولايات المتحدة على هاتف أحد قيادات الدول الحليفة لها أو العكس، وهو ما أثار غضب ميركل والساسة، والمواطنين الألمان.

وتبقى هذه الأزمة كاشفة ليس فقط عن طبيعة البرامج الاستخباراتية للولايات المتحدة، وإنما أيضا عن اتساع نطاق هذه البرامج لتشمل ملايين المواطنين حول العالم. فردود الفعل الغاضبة على ما نشر من وثائق لم تقتصر فقط على الزعماء الذين تعرضوا للتجسس، وإنما أيضا على المواطنين في العديد من الدول، ومن بينها الولايات المتحدة، ضد ما رأوه تعديا على خصوصيتهم من قبل الحكومات تحت دعاوى “الحرب على الإرهاب”.

مشكلات النظام الدولي المعاصر و إنعكاسها على العالم الاسلامـي

كاتب الموضوع الأصلي: ريان الحارثي704

بدأ تشكل العالم المعاصر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وإن كانت هذه الحرب هي نفسها نتيجة صراعات وتنافسات محمومة على الموارد البشرية والطبيعية للبلدان الضعيفة.

وبعد الحرب، دخل العالم مرحلة جديدة قامت على رسم الدول المنتصرة للخريطة الدولية، مع التحكم المباشر في توجهات السياسة الدولية وتوجيه بوصلة النظام الدولي، وفق ما تمليه مصلحة اللاعبين الكبار، وقد أثر هذا النظام بقوانينه وبسياساته القائمة على رعاية مصلحة الدول الكبرى في واقع الدول الإسلامية وسياساتها وتطلعاتها، فكيف ذلك؟

أولا – مشكلات النظام الدولي المعاصر:

بمجرد نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت تظهر بوادر الأزمة في النظام الدولي، ويمكن النظر إليها من زاويتين؛ لكل زاوية مرحلتها ومشاكلها:

أ/ مرحلة الحرب الباردة: ومن أبرز مشاكلها:

* التقسيم الدولي للعمل: هذا التقسيم أعطى الحق للدول المنتصرة في الانفراد بالصناعات العسكرية والحيوية واحتكار البحث العلمي الدقيق في العلوم الفيزيائية والبيولوجية والنووية والكيماوية والفضائية والتكنولوجيا الرقمية في حين تختص الدول الضعيفة بالإنتاج الزراعي والصناعات التقليدية والاستهلاكية؛ مما أفرز مع المدة مزيدا من اختلالات في ميزان العلاقات الدولية بين الشمال والجنوب.

* الحرب الباردة وما رافقها من سباق غير مسبوق نحو التسلح النووي بين قطبي العالم آنذاك الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، الأمر الذي أدى إلى تقسيم العالم بين معسكرين رأسمالي وآخر اشتراكي، وقد كان هذا الاهتمام بالتسلح النووي على حساب القضايا الإنسانية كالفقر والأمية والصحة والتنمية.

* التحكم في الدول الضعيفة وصنع أنظمة موالية لأحد القطبين: كان كل من القطبين يسعى إلى إيجاد أنظمة سياسية موالية له، وهكذا وجدت في العالم الإسلامي أنظمة سياسية اشتراكية وليبرالية كل منها يوالي أحد المعسكرين، وقد كلف ذلك العالم الإسلامي كثيرا بسبب الانقلابات والتغييرات المفاجئة والمتابعات والاغتيالات …ذهب ضحيتها أبناء البلد الواحد وضاعت فيها جهود ثمينة وفرص تاريخية لا تعوض في البناء الذاتي والتنمية البشرية الحقيقية.

* صنع الكيان الصهيوني ومساعدته على قيام دولته على أرض فلسطين المسلمة، وتمكينه من التسلح النووي: هذا الكيان تمكن بسبب الدعم الغربي من تكوين ترسانة عسكرية ونووية رادعة، وكانت لتجربته في الحرب مع الدول العربية فرصة لتقوية مكانته في المقابل ازدادت الدول العربية ضعفا، بسبب الحصار المضروب عليها لامتلاك قوة الردع.

* تأسيس منظمات دولية سياسية واقتصادية وقضائية مساعدة، للتحكم في البلدان الضعيفة وصنع سياساتها على المقاس المناسب للدول الكبرى مثل مجلس الأمن وهيأة المم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وتعمل بقوانين الدول الكبرى وتتحكم فيها المنظمات الصهيونية واللوبيات اليهودية، مما يجعل عملها مشوبا بعدم العدل ويفتقد للمصداقية الحقيقية ..

ب/ مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي:

وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتلاشي المعسكر الشرقي الاشتراكي وانضمامه إلى السوق الحرة (المنظومة الرأسمالية) بدأت تتشكل معالم نظام عالمي جديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلته الراهنة، وإلا فإن هذا النظام لا يزال في بدايات تشكله، وما زالت معالمه النهائية لم تتحدد بعد بشكل مستقر، وخلال هذه المرحلة من بداية التسعينات عرف العالم المعاصر مجموعة من المشاكل من أبرزها:

* خروج الولايات المتحدة عن الشرعية الدولية وقيادتها المبادرة للتدخل العسكري لتغيير أنظمة الدول، مثل (بنما وتشيليي وأفغانستان والعراق وفلسطين)، وتوليها قيادة حملة الدفاع عن منع انتشار الأسلحة النووية وتحريض دول مجلس الأمن ودول الاتحاد الأوروبي واليابان على المشاركة في فرض العقوبات التأديبية في حق الدول التي ترغب في امتلاك الطاقة النووية .

* المساندة الواسعة للكيان الصهيوني والتغاضي عن انتهاكاته لحقوق الشعب الفلسطيني والسماح له بامتلاك السلاح النووي واتخاذه كقوة للردع لصالحها ولصالح الصهيونية لفرض مزيد من الضغوط المذلة على الدول العربية والإسلامية، فمنذ تأسيس الكيان الصهيوني، وهو يمارس أبشع المظالم السياسية والإنسانية والمجموعة الدولية تكتفي في أحسن الأحوال بالتنديد المحتشم في حين لا تتورع الولايات المتحدة الأمريكية من استعمال حق الفيتو لحماية هذه الكيان من العقوبات.

* الحرب على الإرهاب: وقد تولت الولايات المتحدة بنفسها الحرب على الإرهاب واتخاذه ذريعة في أكثر المناطق لإشعال الحرب عليها والتدخل في دول أخرى لتغيير سياساتها وبرامجها التعليمية ودعم توجهات سياسية وثقافية معينة دون أخرى، كما اتخذت الولايات المتحدة وحلفاؤها مفهوم الإرهاب وسيلة لضرب المقاومة المشروعة في فلسطين والعراق والشيشان والبوسنة والهرسك والصومال وغير ذلك.

* منظومة العولمة: فالعولمة صيغة جديدة للتحكم في الدول الضعيفة وإدخالها في دورة التبعية الذليلة للدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة. والعولمة ليست اقتصادية فقط، وإنما هي منظومة متكاملة فكريا وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا ودينيا.

وأصبحت هذه العولمة جهازا مفاهيميا وتصوريا للعالم وفق الرؤية الأمريكية الصهيونية، مدعما بترسانة قانونية تجبر الدول الضعيفة على التوقيع عليها كما تسندها قوة عسكرية للردع والإكراه في حق كل من تسول له طموحاته السياسية البقاء خارج هذه المنظومة التي تشكل أحد أبرز مظاهر القوة في النظام العالمي الجديد.

ثانيا:انعكاسات ذلك على واقع العالم الإسلامي ومستقبله:

نتج عن هذا الواقع الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية ولما بعد سقوط الأنظمة الاشتراكية مجموعة من المشاكل عرقلت مسيرة النمو في العالم الإسلامي من جملتها:

* تفتيت كيان الوحدة الإسلامية بتوزيع العالم الإسلامي إلى دول موالية أنظمتها السياسية إما إلى المعسكر الشرقي وإما إلى المعسكر الغربي، إضافة إلى زرع إيديولوجيات علمانية وإلحادية ودعمها وتشجيعها لتأسيس أحزاب سياسية وجمعيات ثقافية وتوجهات اجتماعية مناهضة للفكر الإسلامي وللصحوة الإسلامية عمقت الفرقة وأذكت جذوة الخلاف والصراع وفوتت فرصا كثيرة في البناء والنمو.

* ضعف وتيرة النمو الاقتصادي والاجتماعي بحكم تبعية الأنظمة الحاكمة لمراكز القرار الغربي بشقيه الرأسمالي والاشتراكي، وبسبب تحكم المراكز الدولية وتوجيهها للسياسات الرسمية والاقتصادية، وبسبب غياب سياسات حكيمة واستراتيجيات مستقبلية صادقة، وتزداد هذه الوتيرة ضعفا مع دخول الدول العربية والإسلامية عصر العولمة المفترسة التي تحد كثيرا من تكوين القدرات الذاتية وبناء اقتصاديات وطنية قوية وقادرة على المنافسة.

* وجود الكيان الصهيوني في المنطقة العربية والإسلامية، جعل التوجهات السياسية لدول العالم الإسلامي تتجه نحو التسلح والإنفاق العسكري وتقوية هذه الجوانب على حساب قضايا التنمية البشرية والاقتصادية.

* تأثر العالم الإسلامي بشكل كبير جدا بالحملة العالمية والأمريكية على الإرهاب، بل اعتبرت دول العالم الإسلامي والدين الإسلامي المسئول المباشر والأكبر في ذلك، مما جعله ضحية اتهامات دولية تحالفت على ذلك وتواطأت، ففرضت على الدول العربية والإسلامية الرضوخ للإكراهات الدولية، بتغيير السياسات والمناهج التعليمية والإصلاحات الاجتماعية، والتعامل المزدوج مع قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، حيث تمنح للتوجهات العلمانية والطوائف الدينية غير المسلمة، وتُحرم منها الشعوب المسلمة وأحزابها وتياراتها بتهمة التطرف والإرهاب؛ فأغرق ذلك المجتمعات الإسلامية في بحر من الاحتقانات السياسية، وفرض على الدول انتهاج المعالجات الأمنية والإقصائية دون محاولة اعتماد المعالجة الشمولية للظاهرة، مما زاد على الدول الإسلامية تكاليف مالية ومخصصات إضافية تنفق في السياسات الأمنية بدل أن تنفق في معالجة القضايا الاجتماعية.

* احتلال أجزاء ودول من العالم الإسلامي كالعراق وأفغانستان والصومال بتهمة تهديد العالم الغربي ومصالحه، مع مواصلة تهديد دول أخرى كإيران وسوريا والسودان وباكستان، الأمر الذي يجعل المنطقة الإسلامية ـ وهي الأغنى عالميا بثرواتها ـ على حافة حرب حقيقة؛ وما عسكرة البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج العربي، إلا دليل قوي على مخاطر التهديد باشتعال حرب في المنطقة، لا أحد يتوقع حجم مخاطرها وآفاقها.

وأخيرا، يمكن القول إن كثيرا من مشاكل العالم الإسلامي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تدخلت في صنعها المنظومة الدولية في عهد الحرب الباردة أو ما بعدها، ولا يمكن النظر لهذه المشاكل بمعزل عن سياقها الدولي.

منقــول**