أ.د. أحمد محمد وهبان

الصراع بين النصرانية والإسلام في بلاد المشرق الإسلامي

كاتب الموضوع الأصلي: محمد٣٢

التجمعات النصرانية قبيل البعثة :

قبيل بعثة النبوة كانت القوة المسيحية ممثَّلة أساسًا في الدولة البيزنطية أو ما يعرف بالإمبراطورية الرومانية الشرقية، وذلك بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية سنة 476م (قبل ميلاد الرسول بمائة سنة تقريبًا).

وكانت الدولة الرومانية الشرقية تسيطر على شرق أوربا بكامله، إضافةً إلى الأناضول، وفوق ذلك فإنها كانت تحتل بلاد الشام ومصر وشمال إفريقيا، فصارت بذلك أعظم دولة في العالم، ولقد عرف البحر الأبيض المتوسط ببحر الروم لأن الأملاك الرومانية كانت تحيط به من كل جانب.

وكان المسيحيون في خارج الدولة البيزنطية لا يمثِّلون كيانًا كبيرًا إلا في بقاع متفرقة:

– غرب أوربا: إنجلترا، فرنسا، إسبانيا، ألمانيا، إيطاليا.

– إفريقيا: الحبشة أساسًا.

– الجزيرة العربية: نصارى الشام من العرب (الغساسنة/ تغلب/…)، نصارى اليمن ونجران.

– آسيا: لم يكن فيها نَصَارى تقريبًا.

الصراع بين النصرانية والإسلام في عهد رسول الله :

ثم ظهرت الدعوة الإسلامية في بدايات القرن السابع الميلادي، وهي دعوة للناس كافة. يقول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28]. ويقول الرسول : “وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلى النَّاسِ عَامَّةً”[1].

استلزم ذلك أن يُرسِل رسول الله الرسائل إلى ملوك وأمراء العالم، وذلك في بدايات العام السابع الهجري بعد صلح الحديبية. وأهمهم: هرقل قيصر الروم، وكذلك: النجاشي ملك الحبشة، والمقوقس زعيم مصر[2].

ومع يقين هرقل بصدق النبوة كما سيظهر من حواره مع أبي سفيان إلا أنه لم يؤمن[3]؛ وذلك حفاظًا على ملكه، بل سنراه بعد ذلك يجهِّز الجيوش لحرب المسلمين عدة سنوات. كذلك حدثت تطورات خطيرة في العلاقة الإسلامية المسيحية، عندما قُتل بعضُ رسل رسول الله إلى زعماء النصارى، وتحديدًا الحارث بن عُمَيْر الأزديّ الذي قتله شُرَحْبِيل بن عمرو الغسَّاني[4]؛ مما أدى إلى الصدام العسكري الأول بين المسلمين والمسيحيين في موقعة مؤتة سنة 8هـ، التي انتهت بانتصار المسلمين وتراجع الرومان، وكذلك انسحاب خالد بن الوليد بالجيش مكتفيًا بزوال هيبة الجيش النورماني العملاق[5].

وأتبع ذلك ببوادر صدام ضخم لم يتم، وكان ذلك في تبوك سنة 9هـ؛ حيث انسحبت الجيوش الرومانية ولم يحدث قتال، وإن كان ظهر للعيان قوة الدولة الإسلامية الناشئة[6].

ولم تكن كل العلاقة الإسلامية المسيحية علاقة حروب، بل كانت هناك علاقات أخرى كثيرة من التعايش والتعاهد، مثلما حدث مع الحبشة ونصارى نجران ونصارى أيلة وغير ذلك.

ولكن وضح في الصورة أن الدولة البيزنطية ستحمل لواء الصراع مع المسلمين في السنوات، بل القرون المقبلة.

الصراع بين النصرانية والإسلام في عهد الخلفاء الراشدين :

ثم كان الصدام مباشرًا في عهد الخلفاء الراشدين وقويًّا أيام خلافة أبي بكر الصديق ، ثم عمر بن الخطاب ، وكانت المعارك الشهيرة التي انتصر فيها المسلمون مثل أجنادين وبيسان[7]، ثم موقعة اليرموك الكبرى، ثم فتح دمشق وحمص وحماة، ثم فتح بيت المقدس وسقوطه في أيدي المسلمين، وبالتالي فتح كل مدن فلسطين ولبنان وسوريا وأجزاء من تركيا، كل ذلك في غضون سبع سنوات فقط؛ حيث بدأت هذه المعارك في (12هـ) 633م، وسقطت قيصريَّة سنة (19هـ) 640م، وهي آخر معاقل الدولة البيزنطيَّة جنوب جبال طوروس[8].

ثم تطوَّر الصدام ليكسب المسلمون جولة ثانية مهمة جدًّا بعد الشام وفلسطين وهي مصر؛ حيث انتصر المسلمون على جيوش الرومان التي كانت تحتل مصر أكثر من تسعمائة سنة، فكان الفتح الإسلامي لمصر بقيادة عمرو بن العاص في سنة (20هـ) 641م، ثم وصلت الفتوح إلى برقة بليبيا سنة (22هـ) 643م[9].

الصراع بين النصرانية والإسلام في عهد الخلافة الأموية :

وفي جولة جديدة، وحلقة أخرى من حلقات الصراع وصل المسلمون إلى شمال إفريقيا في زمن الخلافة الأموية أيام معاوية بن أبي سفيان ، حيث قام عقبة بن نافع بفتح تونس سنة (43هـ) 664م، ودارت حروب شتى بين المسلمين والدولة البيزنطية مشتركة مع البربر، انتهت بضم كل شمال إفريقيا للدولة الإسلامية، ودخول البربر بأعداد كبيرة في الإسلام[10].

ثم فتحت في سنة (92هـ) 711م جبهة جديدة لحرب الصليبيين، حيث فتحت الأندلس بقيادة موسى بن نصير وطارق بن زياد[11]، وأتمَّ المسلمون السيطرة عليها في غضون ثلاثة سنوات ونصف، بل وتجاوزوها إلى فرنسا، ودارت هناك مواقع كثيرة اقتسم فيها الفريقان النصر، وإن كان النصر في فرنسا في النهاية كان للصليبيين في موقعة بلاط الشهداء سنة (114هـ) 732م[12]، التي أوقفت المد الإسلامي في أوربا، ونشأت بعض الممالك النصرانية في شمال الأندلس، أهمها ليون وقشتالة وأراجون ثم البرتغال بعد ذلك، ودارت بينهم وبين المسلمين حروب متعددة على مدار عدة قرون.

وعلى هذا فقد صار هناك جبهتان للصراع بين الأمة الإسلامية وبين نصارى أوربا؛ أما الجبهة الأولى فهي بين الدولة الإسلامية في المشرق متمثلة في الخلافة الأموية، ثم العباسية ضد الدولة البيزنطية.

وأما الجبهة الثانية فكانت بين الدولة الإسلامية في الغرب وهي الأندلس، وبين الممالك النصرانية في شمال الأندلس متعاونة كثيرًا مع فرنسا، وأحيانًا مع إنجلترا وألمانيا وإيطاليا.

وحيث كانت الخلافة الأموية تتخذ من بلاد الشام مركزًا لها، فإن الحروب بينها وبين الدولة البيزنطية كانت كثيرة، بل كانت هناك محاولات حقيقية لفتح القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية، ولكن كلها لم تفلح[13].

الصراع بين النصرانية والإسلام في عهد الخلافة العباسية :

وفي عهد الخلافة العباسية الذي بدأت من سنة (132هـ) 750م، خَفَتَ إلى حد كبير حدة الصراع بين الدولة الإسلامية والبيزنطية؛ وذلك لأن الخلافة العباسية اتخذت من بغداد والعراق مركزًا لها، وبالتالي صار قلب العالم الإسلامي بعيدًا نسبيًّا عن الدولة البيزنطية[14]، وإن كانت الحروب لم تتوقف، وكان ميدانها في غالب الأحيان أرض آسيا الصغرى، ومن أشهر الصدامات تخريب الدولة البيزنطية لمدينة زبطرة[15] مسقط رأس الخليفة العباسي المعتصم، وذلك في سنة (223هـ) 838م، ثم بعدها حدث الانتصار الإسلامي الكبير بفتح عَمُّورِيَّة مسقط رأس الإمبراطور البيزنطي ثيوفيل سنة (223هـ) (838م)[16].

ثم شهدت الدولة العباسية ابتداءً من منتصف القرن الثالث الهجري (منتصف القرن التاسع الميلادي) تدهورًا ملحوظًا، وظهرت الدُّوَيلات المتفرقة بداخلها، ومنها على سبيل المثال: الدولة الغزنوية، والدولة السامانية، والدولة الزيارية، والدولة الحمدانية، والدولة البويهية، والدولة الإخشيدية، الدولة الطولونية وغيرهم[17].

انكسار الشوكة الإسلامية

وهكذا ضعفت الشوكة الإسلامية، وأدى ذلك إلى أن بدأت الدولة البيزنطية تقف موقفًا حازمًا من المسلمين، حتى إنها في بداية القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) ضمت معظم مدن الجزيرة تحت السيطرة البيزنطية، ثم سقطت الجزر التي كان المسلمون قد سيطروا عليها في البحر الأبيض المتوسط مثل كريت وقبرص وذلك في سنة (350هـ) 961م؛ مما أعاد للأساطيل البيزنطية السيطرة من جديد على البحر الأبيض المتوسط، ثم حدث أمر كبير في سنة (358هـ) 969م حيث سقطت أنطاكية، وهي من أهم المدن في يد البيزنطيين، وكان لهذا دويٌّ هائل في العالمين الإسلامي والمسيحي[18].

ثم حدث أمر ضخم في الأمة الإسلامية حيث سقطت مصر تحت سيطرة الدولة العبيديّة الشيعية المعروفة بالفاطمية، وذلك في سنة (358هـ)969م[19]، وبذلك انقسم العالم الإسلامي إلى قسمين كبيرين وهما: الخلافة العباسية السُّنِّية الضعيفة التي وقعت تحت سيطرة دولة بني بويه الشيعية، والدولة الفاطمية الشيعية التي تسيطر على شمال إفريقيا ومصر وأجزاء من الشام. وهكذا ازدادت الأمة الإسلامية ضعفًا وفُرقة، وهذا أعطى للدولة البيزنطية الفرصة لكي تزداد جرأة في حربها للأمة الإسلامية، فكان النصف الثاني من القرن الرابع الهجري (النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي) ميدانًا واسعًا للبيزنطيين، اجتاحوا فيه أعالي الشام والعراق، حتى وصل الأمر إلى أن دفعت الموصل وميافارقين وديار بكر، بل وحمص ودمشق الجزية للإمبراطور البيزنطي حنا شمشقيق (تزمستكيس)[20].

ومن الجدير بالذكر أن هذه الحملة الأخيرة للإمبراطور البيزنطي كانت تستهدف بيت المقدس إلا أنه لم يستطع الوصول له، وكانت تفيض من كلماته ورسائله العبارات الدينية التي تؤكد الروح الصليبية التي كان مشحونًا بها في حربه[21].

وهذا الوجود البيزنطي في بلاد الشام وأنطاكية سيفسِّر لنا النزاع المستقبلي الذي سيدور بينهم وبين الصليبيين الغربيين حول الحق الشرعي في امتلاك هذه الأراضي والمدن.

أما القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) فقد شهد نموًّا للدولة الفاطمية، وتراخيًا من الدولة البيزنطية؛ نتيجة انشغالهم بحرب البلغار، وأيضًا لانشغالهم بضم بمملكة أرمينية النصرانية، التي كانت قد بلغت حدًّا مغريًا من الرخاء والتقدم، شجَّع البيزنطيين على بذل الجهد لضمها، وهذا أدى إلى أن بسطت الدولة الفاطمية سيطرتها على معظم الشام باستثناء حلب وأنطاكية.

وفي هذا القرن الخامس الهجري أيضًا ظهرت دولة السلاجقة الإسلامية العظيمة، وكان لها دور كبير في الصراع الإسلامي النصراني، وسوف نفرد لها صفحات كثيرة في هذه المقالات للحديث عن مواقفها في هذا الصراع.

كان هذا هو الوضع في المشرق الإسلامي من بداية البعثة النبوية إلى أواخر القرن الخامس الهجري (خمسة قرون متتالية من الحروب المستمرة بين الدولة الإسلامية والدولة البيزنطية).

« منقول » ..

مفهوم السياسة الخارجية والنظريات المرتبطة بها

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الجنيدل 20

السياسة الخارجية لبلد ما هي مجموعة الأهداف السياسية التي تحدد كيفية تواصل هذا البلد مع البلدان الأخرى في العالم. وبشكل عام تسعى الدول عبر سياساتها الخارجية إلى حماية مصالحها الوطنية وأمنها الداخلي وأهدافها الفكرية الأيديولوجية وازدهارها الاقتصادي، وقد تحقق الدولة هذا الهدف عبر التعاون السلمي مع الأمم الأخرى أو عبر الحرب والعدوان والاستغلال للشعوب الأخرى، وقد شهد القرن العشرين ارتفاعاً ملحوظاً في درجة أهمية السياسة الخارجية وأصبحت كل دول العالم اليوم تعتمد التواصل والتفاعل مع أية دولة أخرى بواسطة صيغة دبلوماسية ما، ويتولى تحديد السياسة الخارجية للبلد رئيس هذا البلد أو رئيس الوزراء.

خضع مفهوم السياسة الخارجية كنظرية للدراسة والتحليل منذ عدة قرون إلى يومنا هذا، وقد توصل الباحثون إلى فهمه وإلى تحديد الكيفية التي يجب اعتمادها لتطبيق هذه النظرية بطرق فلسفية مختلفة، وكانت المدرستان الأساسيتان لنظرية السياسة الخارجية هما المدرسة المثالية الأخلاقية والمدرسة الواقعية بشكل خاص، ثم ظهرت مدارس أخرى لاتقل أهمية ارتبطت بالماركسية والراديكالية وكانت هنالك نظريات مابعد الحداثة وغيرها، وكان لهذه النظريات المختلفة حول طبيعة النظام العالمي وقع مؤثر على سلوك الدول والمؤسسات العالمية وحتى تلك الدول التي تعتبر خارج النظام السياسي العالمي.

المثالية أو الليبرالية

دعت هذه المدرسة وكما يوحي لنا اسمها إلى تطبيق السياسة الخارجية وفق أهداف مثالية واسعة النطاق والتي من شأنها أن تنفع أكبر عدد ممكن من الشعوب والدول، وترتبط هذه المدرسة عادة بمفهوم العالمية والفلسفة السياسية الليبرالية، وتعود جذور هذه المدرسة إلى التفكير الذي أتى به (ويدرو ويلسون) Woodrow Wilson وإلى تأسيس عصبة الأمم عقب الحرب العالمية الأولى.

يميل الليبراليون إلى تصور النظام العالمي على أساس الربح للجميع وكأنه لعبة يلعبها الجميع ويربح فيها الجميع، وخاصة عبر الوسائل الاقتصادية (وهذا مايسمى بالليبرالية الجديدة) أو عبر المنظمات العالمية والتعاون (وفق مفهوم الليبرالية الكلاسيكية).

يميل الليبراليون إلى تصور النظام العالمي على أنه لعبة يربح فيها الجميع

الواقعية

أما المدرسة الواقعية فهي على عكس المثالية لا تؤمن بإمكانية إدارة السياسة الخارجية للدولة عبر مبادىء مثالية عالمية بل تتبنى موقفاً يُعنى بالمصالح الخاصة للدولة بالدرجة الأولى ولا يبالي بمصالح الدول الأخرى إن اقتضى الأمر. إن السياسة الخارجية الواقعية ترتبط عادة باستخدام القوة ولاتدين العدوان على بعض الشعوب ولاتدين حتى الحروب بين بعض الدول، لأن الحروب من وجهة النظر الواقعية هذه قد تكون (طبيعية) لا بل (مطلوبة) لحماية المصالح الخاصة للدولة التي تتبنى السياسة الواقعية، إن أنصار هذه المدرسة يؤمنون عادة بأن النظام العالمي بمثابة لعبة لاتحقق أي ربح بل يمكن القول بأن الربح الذي تحققه يعادل الصفر، أي أن الربح الذي قد تحققه دولة ما يعادل الخسارة التي تتكبدها دولة أخرى، والعامل الحاسم المستخدم في هذه اللعبة هي السلطة المطلقة والقوة العسكرية، ويرتبط هذا المفهوم بالنزعة أو الروح التجارية التي تسمى من وجهة نظر اقتصادية (مذهب التجارية).

السياسة الخارجية مبادىء الواقعية السياسية

تؤمن الواقعية السياسية بأن سياسات الدول شأنها شأن المجتمعات عامة تهيمن عليها القوانين الموضوعية التي تمتد جذورها في الطبيعة البشرية، ولكي نطور المجتمع علينا أولاً أن نفهم القوانين التي يعيش وفقها المجتمع، إن هذه القوانين الموضوعية تعمل بطريقتها الخاصة ودون أن تتأثر برغباتنا الخاصة ولذلك عندما نحاول أن نتحداها فإننا سنفشل، ولذلك فإن أنصار المذهب الواقعي يؤمنون بإمكانية التوصل إلى تطبيق نظرية سياسية واقعية تأخذ بعين الاعتبار هذه القوانين الموضوعية وتقوم على أساس موضوعي يعتمد على دعم الفكرة بالبراهين والمنطق بدلاً من الاكتفاء بالتحليل المثالي للأمور المنفصل عن الوقائع والمتأثر بالتفكير المثالي للفرد وبأهوائه وأمنياته الخاصة.

العلاقات الدوليه

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الجنيدل 20

يعد قسم العلاقات الدولية واجهة الكلية الجامعية أمام المؤسسات الإقليمية الدولية، وجهة الاتصال الأولى للكلية مع الجامعات والمعاهد الأكاديمية، بالإضافة إلى مؤسسات القطاعين العام والخاص العاملة خارج فلسطين. تسعى العلاقات الدولية إلى تطوير الإستراتيجية التنافسية للكلية على المستوى الدولي والإقليمي من خلال إقامة جسور من التعاون الأكاديمي والثقافي بين الكلية الجامعية والمؤسسات التعليمية والأكاديمية المختلفة والمنظمات العربية والدولية وتعزيز ذلك التعاون بتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم وتنفيذها ومتابعتها .

الرؤية: بناء شبكة علاقات دولية واسعة للكلية الجامعية للعلوم التطبيقية وذلك بتوطيد علاقاتها مع المؤسسات الدولية والتعليمية والبحثية في مختلف النواحي الأكاديمية والإدارية والخدمات المجتمعية، بهدف تحقيق رؤية الكلية في الوصول إلى العالمية.

الرسالة: تعزيز التدريب متعدد التخصصات والتوجهات وقضايا البحث العلمي المحلية والعالمية، وزيادة الإطلاع الدولي للطلاب والموظفين والمجتمع الذي يهدف إلى تحقيق رؤية الكلية لتدويل وتوسيع النطاق الأكاديمي المتمثلة في الخدمات التعليمية والتوعية المجتمعية.

الأهداف و الأنشطة:1.توسيع شبكة علاقات الكلية الجامعية لتشمل مختلف مؤسسات التعليم العالي.بالإضافة إلى المؤسسات الدولية.
2.تطوير مصالح و علاقات الكلية مع الدول العربية و الأجنبية، وفتح آفاق جديدة في التعاون مع الحكومات و القطاعات العامة و الخاصة.
3.عقد اتفاقيات شراكة وتعاون و توأمة مع مختلف المؤسسات الأكاديمية و المنظمات الدولية.
4.تمثيل الكلية الجامعية في الفعاليات والمحافل و المؤتمرات الدولية، و تعريف المجتمع الدولي بالخدمات التي تقدمها.

ميكافيلي و الخارجية الأمريكية

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الجنيدل 20

كتاب «الأمير» للايطالي «نيقولا ميكافيلي» (1496-1527م) من أكثر الكتب شهرة في عالم السياسة وأصول الحكم ,يقدم مجموعة من النصائح للحاكم مستنداً إلى تجاربه في العمل السياسي،ويرى الكثيرون أنه واضع أسس الواقعية السياسية

التي سميت باسمه «الميكافيلية» والتي تقوم على المبدأ الشهير «الغاية تبرر الوسيلة». يُعَدُّ هذا الكتاب وبخاصة هذه العبارة المرجعية والشعار الذي تعتمده وتتبناه الدول التي تريد أن تفرض هيمنتها وسلطتها على الآخرين ففي مجال السياسة الخارجية ينصح ميكافيلي الحاكم بأن يتنكر

إن السياسة الأمريكية ومنذ أن أصبحت أمريكا قوة عالمية بعد الحرب العالمية الثانية هي سياسة ميكافيلية بامتياز , تقوم بالفصل ما بين العمل السياسي والبعد القيمي والأخلاقي لهذا العمل. كما تطبق تعاليمه نصاً وروحاً فهو المنهج والبوصلة للسياسة الأمريكية.‏

يقول وزير الخارجية الأمريكي الأسبق «هنري كيسنجر» الذي يوصف بأنه أبو «السياسة الواقعية» «إن رجل السياسة يحكم على الأفكار انطلاقاً من فائدتها وليس من صدقها» وهذا اعتراف بأن لا أهمية للصدق بل الأهمية للفائدة حتى ولو أدى ذلك إلى التدمير والقتل وهذا ما حدث من احتلال للعراق تحت أكذوبة أسلحة التدمير الشامل،فأمريكا لا تهتم إذا ما كان هناك أسلحة دمار شامل أم لا بل هي ترى الفائدة من ترويج أفكار كهذه, أدت إلى مقتل الملايين في العراق كل ذلك تحت شعار «الغاية تبرر الوسيلة» وفي مقولة أخرى لكيسنجر «الولاء لأمريكا أخطر من معاداتها»،فالعداء لها, له مخاطره،والتحالف معها يقترن دائماً بالمصائب والدمار» إذا كان مصير حلفاء أمريكا يقترن بالمصائب والدمار فكيف يكون مصير من كان ملحقاً وتابعاً وليس حليفاً لها كما هو حال الكثير من الأنظمة العربية. فأمريكا تبيع حلفاءها وخدامها في بازار المصالح السياسية ولو كان ذلك يعني نهاية هؤلاء الحلفاء،وكما أوصى ميكافيلي بأن يظهر الحاكم للعالم الخارجي بمظهر العدل والصدق نجد أمريكا تعمل تحت مسميات براقة مثل نشر الديمقراطية ومنظمات حقوق الإنسان والدفاع عن الحريات وتطلق على من يقف ضد أهدافها وأحلامها التوسعية بأنهم محور الشر أو الدول المارقة،إن السياسة التي تبيح وتشرعن استخدام الوسائل اللاشرعية لتحقيق الغايات وتتبنى فلسفة البقاء للأقوى بدلاً من البقاء للأفضل وتسوق مفهوم القوة حق بدل من مفهوم الحق هو القوة هي سياسة موجبة المقاومة أخلاقياً وإنسانياً واجب أقرته كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية،فأمريكا التي تعمل على افتعال وإشعال الحروب من أجل بيع إنتاجها من الأسلحة وتعمل على تأمين أمنها الغذائي على حساب الموارد الوطنية للشعوب رغم كل هذا ما يزال البعض يراهن على السياسة الأمريكية ويعتقد أن لها مصلحة في تقدم دول المنطقة وشعوبها،فالسياسة الأمريكية ينطبق عليها قول الشاعر:‏

إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم.‏

جان بودان

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الجنيدل 20

جان بودين (1530 – 1596)، ولد في آنجر، هو قانوني وفيلسوف سياسي فرنسي، عضو برلمان باريس، وأستاذ القانون في تولوز. واشتهر لنظريته عن السيادة.

كان بودين من أنصار التسامح الديني، وكان مستشاراً لهنري الرابع ومن المعجبين به).

حياته

ولد جان بودان في آنجر، وربما كانت أمه أسبانية يهودية وجاء إلى باريس 1560، واشتغل بالقانون، ولكنه لم يدر عليه ربحاً. وانصرف في لهفة شديدة على دراسة الفلسفة والتاريخ. ودرس في نهم العبرية واليونانية والألمانية والإيطالية، وكتابات ليڤي وتاكيتوس والعهد القديم، وشيشرون، ودساتير دول غرب أوربا. وآمن بأن دراسة التاريخ هي بداية الحكمة السياسية. توفي في لاون أثناء وباء الطاعون.

جان بودان؛ إشكالية السلطة

يبرز دور المفكر السياسي الفرنسي جان بودان Jean Bodin 1529 -1596 في تنوع معالجاته الفكرية، لا سيما وأنه عاش حقبة مخاض التحولات الكبرى الأوربية، على صعيد الارتفاع الهائل في الأسعار، والتفاعلات الجديدة التي راحت تفرض بنفسها على الواقع السياسي والاجتماعي الأوربي، حتى شهد الواقع زخما من الأسئلة المقلقة والحائرة، والتي تكون بحاجة إلى معالجات وقراءات جديدة، فكان بودان من المفكرين الذين تصدوا لمثل هذه المهمة المعقدة والشائكة، حيث يكشف تاريخه الفكري عن معالجته الاقتصادية لحانة ارتفاع أسعار البضائع، من خلال البحث في الأسباب والنتائج، وقراءة التطورات التي شهدها واقع التبادل السلعي في العالم.فيما تطلع إلى القراءة التاريخية عبر تأثره بالتجربة الرومانية ومحاولته الخروج بقانون للحركة التاريخية. ومن واقع تجربته العملية في المجال السياسي، حيث عمل نائبا في مجلس الطبقات العام، تطلع نحو كتابة مؤلفه السياسي المهم والمتمثل بـ ((الكتب الستة في الجمهورية))، والذي يمثل ذروة الاشتغال المعرفي في حقل السياسية، ملفتا الانتباه إليه بوصفه مفكرا سياسيا نابها ذو رؤى وتصورات مميزة.

الاتجاه المعرفي
كان التطلع قد تركز عند أهمية البحث في الإشكالية السياسية الجديدة التي تفرضها العلاقات الراهنة، تلك التي اعتمدها بودان وجعل منها مخلا معرفيا للخروج من المقولات التقليدية، ومن هذا وضع نصب عينيه هدفين تمثلا في محاولة تخطي المقالات التي طرحها أرسطو و ماكيافيلي في علم السياسة.و بالقدر الذي تتبدى فيه نزعة التوقير للمنجز الأرسطي، فإن النقد الصارم والمرير كان قد تركز حول مقولات ماكيافيلي، ناعيا عليه؛ توجيه المعرفة السياسية نحو مصلحة الطغاة، والوعي المنقوص بالقوانين العامة، والبعد الشديد عن أبجديات السياسة وفرضياتها الأساسية. مركزا جهوده في محاولة الربط بين الاتجاه الأخلاقي والنزعة الدينية. حيث التوكيد على مدى العلاقة القائمة بين الدولة والمواطن في وحدة الهدف المتمثل في محاولة الوصول إلى الخير المطلق.وعلى الرغم من حالة المزاوجة تلك والتي لا تخلو من توجه مثالي، فإن تأكيده في العمل السياسي كان يقوم على، أهمية الإعلاء من الممارسة بوصفها الطريق الأكيد نحو تركيز معالم المعرفة، محددا موجهاتها عبر التأكيد على الدرس التاريخي، والذي يقوم برأيه من خلال المزاوجة بين القانون والسياسة.

المنهج
يقوم المنهج البوداني على حالة الموافقة بين اتجاه العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية، بل أن حالة الربط كانت تتبدى من خلال إبراز العلاقات الأفقية من خلال الاستفادة من حالة الربط بين الطبيعي والإنساني، والعلاقات العمودية المستندة إلى الحفر التاريخي العميق، مستفيدا من مجمل التراث السياسي بدءا من أرسطو، وصولا إلى حالة التجلي والتفاعل مع التوجهات الموسوعية التي طبعت جهود المفكرين في تلك المرحلة. وهكذا تكون محاولة بودان وقد تركزت في مجال الربط بين القانون والسياسة ذلك الربط الذي أتاح له الوصول إلى منجز بحثي، قوامه التوافق بين الممارسة والفكر في سبيل تحليل إشكالية السيادة، تلك التي ارتبطت بالجهد المعرفي لبودان وبامتياز لا يقبل اللبس.والواقع أن الجهد الفكري والمعالجة المعرفية، كانت قد اتخذت المزيد من العمق القرائي، لا سيما في ما يتعلق بمسألة طبائع الشعوب، وهو المبحث الساعي إلى تفسير العلاقة القائمة بين تأثير الطبيعة على الإنسان، ومحاولة تفسير الخصائص الطبيعية للمجتمعات وتوافق الأنظمة والمؤسسات الحاكمة لها، ومدى انسجامها معها.

سيادة الجمهورية
يبرز مفهوم الجمهورية الذي يحيل إلى مفهوم الدولة، وأهمية البحث في تعريف محدد لهيكلها،ذلك التعريف الذي ينطوي على عنصرين:
1. القوة السيادية.
2. توحيد الأعضاء والأجزاء.
إلى ماذا يحيل هذان العنصران؟ هل في إبراز منطق القوة فقط، أم في طغيان فعل التوحيد.الواقع أن البحث هنا يقوم على تفعيل مجال التكامل بين العنصرين، سعيا إلى إفراد ملامح التوافق بن المقدس والطبيعي، والهدف الرئيس فيها لا يقوم على البحث عن وصفة السعادة، بقدر ما يستند إلى توسيع دالة العلاقة بين الأخلاقي والمعرفي، في سبيل تقديم عنصر التنظيم على حساب الغايات والأهداف المختلفة التي يمكن لها أن تعن على مختلف القوى المتنوعة والمختلفة.ولا يغيب عن ذهن بودان استحضار النموذج الذي يتوافق والسيادة، عبر استحضاره لطريقة تنظيم السلطة في الأسرة معتبرا إياها بمثابة الصورة الحقيقية للنظام الجمهوري.ومن هذا فإنه يشير إلى أن الجمهورية ما هي في الواقع إلا حكم مجموع من الأسر تحت سلطة سيادية راعية، قوام التوحيد فيها يستند إلى حالة الاقتران بين نموذج الجمهورية و مسألة العام، هذا الأخير الذي يتمثل في (( قانون عام، أعراف عامة، قضاء عام، أملاك عامة))، إنها السيادة التي تعبر عن نفسها من خلال القوة التي تحدد ؛ (( شكل الدولة، انسجام الدولة))

ما تفرزه الممارسة
الأمير – الحاكم، في الدولة البودانية، تستند سيادتها إلى ثنائية (( الدائم والمطلق))، الدائم بمعنى السيادة المباشرة الناقضة لأي نيابة أو توكيل. والمطلق باعتبار حالة الانسجام بين المقدس والطبيعي. وبين طرفي العلاقة هذه، تكون واجبات الأمير الحاكم وقد تمثلت في :
1. الإشراف المباشر على سن القوانين التي تضمن الحقوق والواجبات للرعية.
2. القدرة على تغيير القوانيين وفق متطلبات المصلحة والتطورات التي يفرضها الواقع.
3. توكيد إرادة الأمير – الحاكم، تلك التي يتم ربطها بإرادة الله ومشيئته.

العرف والقانون
في موضوعة العرف تبرز مسألة المكانة التي يحاول الأمير ترسيم معالمها، فعلى الرغم من حالة العلاقة القائمة بين العرف والقانون، إلا أن حالة التفاعل الاجتماعي التي تقوم عليها الأعراف، تجعل من مسألة ربطها وإخضاعها لآليات التغيير التي تجري على القوانين، أمر في غاية العسر، لكن بودان يحاول تسهيل هذه العلاقة على اعتبار أن من يقدم على تغيير القوانين، يمتلك القدرة على تغيير الأعراف. هذا بحساب حالة التمييز في السلطة والسيادة التي يتميز مفارقاتها في ؛ (( التبعية، الشراكة، فقدان السيادة))، إنه المبحث الذي يتطلع نحو قراءة مدى العلاقة في صناعة القرار. فإن ارتبط بقوة أعلى سيتسم بالتبعية، وإن كان الارتباط بسلطة مساوية فإنها الشراكة، أما المجالس التي تنوب عن الشعب فإن بودان يدعوها بالقوة التي تفقد السيادة.وعلى هذا الأساس فإن السيادة التي ينشدها بودان تقوم على تكريس سلطة الأمير المطلقة.

الدور المرسوم
على الرغم من الفسحة المتاحة أمام الاستشارة، والتي من الممكن أن يقوم بها مجلس من المستشارين، إلا أن تلك الاستشارة نبقى تصطدم بجدار السلطة التي تميز سيادة السيد، ومن هذا فإنها تبقى رهنا بإرادة السيد حين يرضى بها أو يرفضها، وبالقدر الذي تتجلى سلطة المستشارين عبر المجالس والهيئات في الأقاليم، لكنها هي الأخرى تكون وقد تمثلت بالدور التنظيمي، باعتبارها الوسيلة التي يتم من خلالها ربط الأطراف بالمركز، أما في حالة محاولة تلك الأطراف أن تتوجه نحو توطيد أواصر نفوذها فإن هذا يعد تجاوزا مباشرا على قسمات وملامح السيادة غير القابلة بالمساس.

القانون والحق
يرسم بودان صورة شديدة المباشرة للقانون، من خلال تركيزه بيد السيد المطلق، والذي تتمثل فيه ملامح السيطرة والتوجيه، بوصفه أمرا يدل على قوة السيد، فيما يوصف الحق باعتباره عدالة يمكن أن يتم تفسيرها وفق رغبات هذه المجموعة أو تلك. السيادة إذن هنا تتبدى في صورة القانون العام، والذي يشمل مجمل العلاقات الرئيسة التي توجه مسار العلاقات في الدولة، من خلال قرار الحرب والسلام، تعيين الضباط والقادة وكبار الموظفين في أجهزة الدولة، الإشراف العام على سن القوانين، حق العفو وربطه المباشر بسلطة السيد، القوانين المتعلقة بإصدار النقود، تحديد الضرائب الحكومية.

أنواع السيادة
يلعب مركز الدولة الدور البالغ في تحديد معالم نوع الدولة، فالقوة التي تميز المركز تجعل من النظام الملكي برازا بحساب قوة السيد، فيما تضيع قوة السيادة، في حال بروز الأنظمة الارستقراطية أو الديمقراطية، باعتبار توزع قوة السيادة بين نخبة ارستقراطية، مهيمنة تحاول التطلع نحو تكريس مصالحها، أو الغياب والتبعثر الذي تعاني منه السيادة، في حال توزيعها بين عموم الناس، حيث الاختلاف في الميول والمصالح والرؤى والاتجاهات.

تجزئة السيادة
ينطلق بودان من السؤال الاستنكاري حول، كيف يمكن تجزئة السيادة؟ تلك التي تقوم على ؛ القوة باعتبار الأوامر والنواهي، الاستئناف والمتابعة، الإجبار وتحديد الولاء، سلطة السيد الواحد عن طريق القوة الجبرية والسلاح. التجزئة هنا تعي تعدد وتبعثر قوة السيادة، مما يفسح المجال واسعا أمام الفتن والصراعات والحرب الأهلية، حيث الفوضى العارمة. وهكذا تبرز العلاقة التي يقوم بودان بإنشائها، تقوم على تركيبة العلاقة المستندة إلى :
1. سلطة القانون، تلك التي تمنح شرعية الأمير.
2. المتابعة لطريقة تنفيذ القانون
3. تحديد الولاء
4. ربط السيادة بالأمير الواحد.

الرأسمالية والديمقراطية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد٣٢

كل ماسيذكر هو عرض لوجهة نظر الكاتب ، فقد نتفق معه وقد نختلف !

مع نهاية سنة 2011 تم تنصيب “تكنوقراط” غير منتخبين في مناصب السلطة في كل من اليونان وإيطاليا. يقول جون مولينو في هذا المقال أن الرأسمالية ظهرت إلى الوجود مصحوبة بأبواق دعاية ضخمة للحريات للجميع، فيما يشهد التاريخ أن كل مساحة جديدة تكسبها الديمقراطية لا تتحقق إلا بالنضال، ولا تبقى آمنة أبداً.

في القرن الحادي والعشرين يعلن جميع رجال السياسة – بلا استثناء تقريباً – التزامهم بالديمقراطية. لا يسري هذا القول على أوباما وساركوزي وميركل وكاميرون وأمثالهم فقط، بل يمتد أيضاً إلى نيك جريفين من الحزب البريطاني القومي الفاشي. حتى القوى السياسية والمنظمات الغالب عليها أنها ضد الديمقراطية تقول إنها تؤمن بالديمقراطية. ومن هنا يطلق الفاشست السويديون على أنفسهم “الديمقراطيون السويديون” بينما حزب مبارك في مصر كان يُدعى “الحزب الوطني الديمقراطي”.

هذا الأمر يشهد على القوة الأيديولوجية لمفهوم الديمقراطية في العالم الحديث. الديمقراطية و”الحرية” كرست لهما الأبواق بدعم واسع من الدوائر الأكاديمية والإعلام، كمبرر مركزي لـ “الغرب” أثناء الحرب الباردة: قيل إنها الخط الذي يقسم العالم إلى معسكرين – على حد الزعم – بين الغرب الحر المستند إلى الديمقراطية التعددية وشمولية الشرق الشيوعي. الحق أن الكثير من المثقفين “التبريريين” للنظام – أمثال ميلتون فريدمان وفريدريش هايك – قالوا إن ثمة صلة داخلية وضرورية بين الرأسمالية والديمقراطية.

وعلى مستوى أعمق، كان الإعلان عن الديمقراطية في كل محفل شاهد أيضاً على القوة المتاحة للشعوب في العالم المعاصر، وهي سلطة تنامت كثيراً مع النمو العالمي للطبقة العاملة الحضرية، ومع خشية حُكامنا من تلك السلطة. أن تحكم الشعب معناه أن تحكم “باسم الشعب”.

إلا أن ما يفعله رجال السياسة حقاً – على عكس ما يقولونه – مسألة مختلفة. في 1 نوفمبر أعلن جورج باباندريو رئيس الوزراء اليوناني عن خطة للاستفتاء على “حزمة الإنقاذ” (برنامج التقشف القاسي) الذي تم التفاوض عليه مع البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي. “الأسواق” (أي أصحاب رأس المال)، والإعلام وميركل وساركوزي وهلم جرّا، ردوا بغضب وسخط بالغين على فكرة منح الشعب حق التصويت على أمر كهذا. تم استدعاء باباندريو وقيل له بكل وضوح أنه ليس مسموحاً باستفتاء على قرار كهذا.

بعد يومين، تم سحب فكرة الاستفتاء، وبعد أسبوع تم استبدال باباندريو بـ لوكاس باباديموس غير المنتخب. وصف الإعلام باباديموس بأنه “تكنوقراط”، لكن مثل أغلب المصطلحات المستخدمة في تلك الأزمة، فهو مصطلح الغرض منه الإبهام وبث الحيرة. باباديموس رجل بنوك. وكان حاكم بنك اليونان من 1994 إلى 2002، ونائب رئيس البنك المركزي الأوروبي من 2002 إلى 2010.

ثم ومع تصاعد حدة أزمة الدين الإيطالي، استقال سيلفيو برليسكوني وحل محله “تكنوقراط” آخر غير منتخب، هو ماريو مونتي. مونتي أستاذ اقتصاد، ومن المفوضين الأوروبيين ومستشار دولي لمؤسسة جولدمان ساش ومؤسسة كوكاكولا. تم تعيينه “نائباً مدى الحياة” من الرئيس الإيطالي في 9 نوفمبر، وبعد أسبوع أقسم قسم رئيس الوزراء بصفته رئيساً لـ “حكومة الوحدة الوطنية”، حكومة رجال البنوك ورجال الأعمال.

في كلتا الحالتين، في ظل أزمة اقتصادية طاحنة، تم ببساطة “تجميد” “حق” الشعب الديمقراطي في انتخاب حاكمه، من أجل ضمان التنفيذ السريع لإجراءات التقشف التي طالب بها رجال البنوك الدوليون، وهي إجراءات متطرفة ربما يمتنع أي سياسي منتخب خاضع لضغوط شعبية عن تنفيذها. بالإضافة إلى هذا، وأنا أكتب هذه السطور، يطالب ساركوزي وميركل الآن بتغييرات في معاهدة لشبونة لتأمين الاندماج المالي وتشديد الرقابة على الميزانية في جميع دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني عملاً المزيد من تآكل سلطات الحكومات المنتخبة ديمقراطياً. إذن ما هي العلاقة الحقيقية بين الرأسمالية والديمقراطية؟ من المفيد البحث في خلفية تاريخية لهذه القضية.

السجل التاريخي

تاريخياً هناك صلة ما بين صعود الرأسمالية وصعود الديمقراطية الحديثة، لكن تلك العلاقة تفوق بكثير ما يُنفذ وما يُعلن عنه.

في ظل النظام الإقطاعي كانت البرجوازية خاضعة لحكم الإقطاع المستبد. رغم أن البرجوازية كانت أقلية، فقد كانت طبقة مستغلة ومُلزمة – في نضالها من أجل الوصول للسلطة – بأن تعرض نفسها بصفتها تمثل المجتمع بأسره. كما قال فريدريك إنجلز في “الاشتراكية اليوتوبية والعلمية”: “إلى جانب الخصومة بين نبلاء الإقطاع والعوام، الذين زعموا أنهم يمثلون باقي المجتمع، كانت ثمة خصومة بين المستغلين والمستغلون، بين الأغنياء والعمال الفقراء. هذا الظرف تحديداً هو ما مكّن ممثلي البرجوازية من تقديم أنفسهم كممثلين للإنسانية التي تزرح تحت عبء المعاناة، وليس فقط كممثلين لطبقة واحدة محددة”.

من هنا تخصص البرجواز في الإعلانات المجردة للحقوق، من إعلان الحقوق في إنجلترا في عام 1689، إلى إعلان الاستقلال الأمريكي في 1776، وما ورد فيه من أن “خلق جميع الناس متساوون، وخصهم خالقهم بحقوق لا يمكن تجاوزها، منها الحق في الحياة والحرية والبحث عن السعادة”، ثم وثيقة الحقوق والثورة الفرنسية عندما تبنت شعار “الحرية والمساواة والأخوة” وإعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته.

كما أن صعود البرجوازية والثورات البرجوازية مال لأن يكون مصحوباً بالكفاح من أجل الحكم البرلماني كبديل لمختلف أشكال الحكم الملكي والمستبد بشكل عام. من ثم كان دور “مجلس الأقاليم المتحدة في الثورة الهولندية” في القرن السادس عشر، والحرب بين البرلمان والملك في الثورة الإنجليزية عام 1642، ودور المجلس الوطني في الثورة الفرنسية.

لكن عملاً، فإن الالتزام بـ “الإنسانية” و”الحقوق للجميع” يتبين دائماً أنه يضم بعض الاستثناءات والأحكام القانونية متعددة المعاني البعيدة عن “الحقوق للجميع”. قضية الكاثوليك في “وثيقة حقوق” عام 1689 والعبيد السود في الثورة الأمريكية أمثلة كلاسيكية على ذلك، وبالطبع فإن حقوق “الإنسان” لم تضم حقوق النساء. وبالمثل، فلم يتم منح حقوق إنسانية أو سياسية للسكان الأصليين (من أي جنس أو لون) مع صعود الاستعمار، بينما “الحق في الملكية” كان دائماً من الحقوق المقدسة. كما لم يمتد حماس البرجوازية للحكم البرلماني مطلقاً إلى تكريس حق التصويت للجميع.

في مناقشات بوتني عام 1647، أكد هنري إريتون (متحدثاً عن أوليفر كرومويل أمام رينسبورو صاحب الموقف الراديكالي): “أعتقد أنه ليس لأحد الحق في أي نصيب من مسألة التخلص من أسلوب إدارة المملكة، أو في تحديد أو اختيار من يحددون القوانين التي ستحكمنا. ليس لأحد الحق في هذا، إلا وكان له مصلحة قائمة ودائمة في هذه المملكة…”

وكان يقصد بـ “مصلحة قائمة ودائمة” امتلاك ملكية، ويقصد بها الأرض تحديداً. رأيه كان أن من لا يملكون أرضاً لا يمكن السماح لهم بالتصويت بما أنهم سيستخدمون هذا الحق في القضاء على الملكيات، وهو ما يعتبر وبطبيعة الحال غير محل نقاش. هذا المعارضة للتصويت للجميع (أي تصويت الطبقة العاملة) كان موقف البرجوازية البريطانية وغيرهم من البرجواز على المستوى الدولي، حتى نهاية القرن التاسع عشر على الأقل.

“التصويت للجميع”، كما كتب اللورد ماكاولي المؤرخ ربيب القصور في القرن التاسع عشر.. “سيكون مدمراً لأي غرض تقوم من أجله الحكومات”. وأنه “غير متسق مع وجود الحضارة ذاته”. حتى فيلسوف الليبرالية العظيم جون ستيوارت ميل، في مقاله عن الحكومات النيابية، عارض فكرة التصويت للجميع خوفاً من أغلبية الطبقة العاملة.

من ثم آل إلى الطبقة العاملة نفسها النضال حتى تأخذ حقها في التصويت، وكان نضالاً مطولاً، ومر بمعارك قوية كثيرة، مثل مذبحة بيترلو في عام 1819، وحملة 1838 إلى 1859 العظمى، وثورات 1848، وكوميون باريس في 1871، والإضراب البلجيكي العام سنة 1893، وحملات التصويت للنساء، إلى حركة الحقوق المدنية الأمريكية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

التصويت للجميع ليس للجميع

في مقال نُشر في دورية “نيو ليفت” سنة 1977 بعنوان “حُكم رأس المال وصعود الديمقراطية”، أظهر جوران ثيربورن أن أي من النظم الرأسمالية الـ 17 الأكبر في العالم حققت التصويت للجميع بحلول عام 1900. كانت أستراليا أولى هذه الدول في عام 1903، وتلتها نيوزيلاندا في 1907. الفترة الأساسية لظهور شيء قريب من التصويت للجميع (هناك استثناءات كثيرة، مثل عدم حصول السيدات تحت 30 عاماً على حق التصويت في بريطانيا حتى عام 1928)، كانت من 1917 إلى 1920. النمسا (1918) وكندا (1920) وفنلندا (1919) وألمانيا (1919) والسويد (1918) وبريطانيا (1918).

أي أن حق التصويت لم تحصل عليه الطبقة العاملة إلا كأحد ثمرات الموجة الثورية التي اكتسحت أوروبا نهاية الحرب العالمية الأولى.

حق التصويت – وإن كان يُنظر إليه عادة على أنه أكبر شاهد على الديمقراطية – لا معنى له إلا في سياق انتخابات حرة و”غير مزورة” لبرلمان ذات سيادة، وليس الانتخابات التي دأبت مصر مبارك على تنظيمها أو مثلاً البرلمان التابع للإمبراطور في ألمانيا حتى اندلاع الثورة الألمانية في 1918.

الصوت إذن هو جزء من كل يُسمى الحقوق الديمقراطية، مثل الحق في حرية التعبير وحرية الصحافة والتجمع وتكوين الجمعيات (التنظيم) والعمل النقابي والحق في الإضراب والحق في الاحتجاج، والمساواة أمام القانون، وهي جميعاً تعتبر قوام المعروف بالديمقراطية الآن. ومثل التصويت، فإن كسب هذه الحقوق من الطبقات العاملة تم بعد نضال طويل. اضطروا للنضال مرة تلو الأخرى في مناسبات لا حصر لها، تمتد من واقعة شهداء تولبادل عام 1834 إلى النضال ضد القوانين المعادية للاشتراكية في عهد بسمارك في ألمانيا أواخر القرن التاسع عشر، إلى مقاومة الفاشية في دول عديدة، إلى الصراعات الأصغر على اللحقوق السياسية والنقابية والقانونية التي تشهد عليها شمس كل يوم جديد.

الحق أن وفي العموم، مع جميع هذه الاستثناءات (مثل الصين وأغلب مناطق الشرق الأوسط) تم الانتصار في معارك خرجت بها الحرب الطبقية القائمة بحلول وسط غير مستقرة أو دائمة.

على جانب، هناك انتصارات حقيقية منتزعة من طبقة رأسمالية يجب الاحتفال بها والدفاع عنها. وعلى الجانب الآخر، فهي تعكس حالة فهم تصل إليها الطبقات الحاكمة تدريجياً على المستوى الدولي، أنه نظراً لوجود ظروف عامة مثل قلة الاستقرار الاجتماعي؛ فهذه الطبقات الحاكمة ورأس المال يمكنها أن تتعايش مع “الديمقراطية”، وأنه على النقيض مما تؤكده مخاوفهم، فإن معدومي الملكية يمكن إقناعهم بأن ليس بإمكانهم التصويت على تجريم الملكية الخاصة.

طبيعة الديمقراطية البرجوازية

المعنى الحرفي للديمقراطية هو حكم الشعب، لكن الديمقراطية البرجوازية، حتى في أنقى وأتم أشكالها، لا تؤدي مطلقاً إلى حُكم الشعب. في الواقع تعتبر دائماً، على حد قول ماركس “دكتاتورية البرجوازية”.

هناك أسباب كثيرة لهذا الأمر. حتى البرلمانات والحكومات المنتخبة بشكل ديمقراطي سليم، لا تمتلك أو تسيطر على عناصر الإنتاج والثروة في المجتمع، التي تبقى في أيدي رأسماليين غير منتخبين، يعملون بناء على قوانين التنافس الرأسمالي.

بالتبعية، فإن الحكومات المنتخبة في العادة تحكم في إطار حدود موصوفة ومقبولة للبرجوازية (“الأسواق”، الشركات، إلخ) وحتى الحكومات الأكثر رفضاً لهذه الأطر، فمن الممكن بسهولة في كل الحالات أن تسقط بسبب إضرابات المستثمرين وهروب رأس المال، وعمليات المضاربة على العملة الوطنية وما إلى ذلك.

ثانياً، البرلمان المنتخب هو جزء من آلة الدولة يعمل بالتوازي معها (وآلة الدولة هي قوات مسلحة وشرطة وقضاء وجهاز العاملين بالدولة، إلخ)، وهي أطراف غير منتخبة، وهيراركية بالأساس ومرتبطة بآلاف الخيوط – اجتماعية واقتصادية وتاريخية وعقائدية – مع مصالح البرجوازية.

وبصفة هذه الدولة مالكة لتركز شديد من القوة المادية في المجتمع، فإن في يدها مفاتيح تنفيذ السياسة الحكومية، وكذلك القدرة على ممارسة تأثير هائل على تلك السياسية، وإذا لزم الأمر استبدال الحكومة (مثل انقلاب تشيلي في عام 1973).

ثالثاً، الأفكار الحاكمة في المجتمع هي أفكار الطبقة الحاكمة، كما قال ماركس. العملية السياسية بأسرها مؤطرة بافتراضات أيديولوجية رأسمالية – أولاً الافتراض العلاقات الرأسمالية للإنتاج وأولوية الربح مبادئ محايدة وغير قابلة للتغير – وتُترجم إلى سياسات وسلوكيات معينة (ضرورة الاقتطاع من الرواتب، والنظرة السلبية إلى الإضراب، إلخ) من الإعلام رأس المالي والإعلام الذي تسيطر عليه الدولة. فضلاً عن أن عدم المساواة الكبيرة بين الطبقات الرأسمالية والطبقات العاملة يعني في الصراع السياسي ذاته – بما في ذلك الانتخابات – أن ممثلي الشعب والأحزاب لمختلف الطبقات تدخل المعترك في ظل تباين هائل في الموارد فيما بينها.

فضلاً عن ذلك، فإن التغريب والاستغلال والاضطهاد اليومي تحت رأس المال، يعني أن في الفترات العادية يعاني قطاع كبير من الطبقة العاملة والفقراء ويشعرون بالعزلة عن المجتمع لدرجة أنهم “لا ينشغلون” بالسياسة، ولا يهمتون بها. وترتفع معدلات عدم التصويت كثيراً في الطبقات السفلى من المجتمع، مقارنة بمعدلات عدم التصويت في المستويات العليا منه.

أخيراً، الانتخابات والنظم الانتخابية الديمقراطية البرجوازية – بغض النظر عن مدى تنوعها – تعمل جميعاً على تقويض الديمقراطية الحقيقية لأن الناخبين ينتخبون أفراداً متشظين، مرة كل أربع أو خمس سنوات، عن دوائر جغرافية كبيرة، ويصعب عادة محاسبة النواب أو التراجع عن انتخابهم، وبحكم العادة يرتقون إلى مستوى اقتصادي واجتماعي يفوق كثيراً متوسط معيشة الناخبين من الطبقة العاملة. من ثم، فمن السهل للغاية على هؤلاء النواب أن يفسدوا في الخفاء – أو في العلن – وأن يخونوا وعودهم الانتخابية.

لكن بعد كل شيء تجعل هذه العوامل الديمقراطية البرلمانية واجهة لطيفة لحُكم رأس المال، ولابد أيضاً من التشديد على أن البرجوازية لا تلتزم بأي شكل من الأشكال بالحفاظ على هذه الواجهة سليمة، إذ ثبت ذلك مراراً وتكراراً من تجارب الفاشية في إيطاليا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال وحكم العسكر في اليونان (1967 إلى 1974) ونظم دكتاتورية لا حصر لها في أمريكا اللاتينية تمتعت بدعم الغرب، والشرق الأوسط ومناطق أخرى.

توافق بين الطبقات

هذا لأن الديمقراطية البرجوازية حل وسط بين الطبقات… تنازل منتزع من البرجواز. فيها “حقوق” وممارسات، كما سبق الذكر، رغم أنها لا تنهي بأي شكل حكم البرجوازية وتُمكن الطبقة العاملة وغيرها من القوى الشعبية من أن تنظم نفسها ضدها. حُكامنا لن يركنوا بسهولة إلى مسار تمزيق الديمقراطية وهدمها. إنهم يعرفون جيداً بمزايا الحكم “التوافقي” والشرعية المستمدة من قناع الديمقراطية، والمخاطر الجمة التي تنطوي عليها محاولات فرض الديكتاتورية أو الفاشية بلا مواربة.

سوف يسلكون ذلك الطريق فقط إذا دفعهم إليه مزيج من الضرورات الاقتصادية والخوف السياسي والاقتناع بأن بإمكانهم الإفلات بما سيفعلون. من الممكن للغاية أن تظهر انقسامات تكتيكية واستراتيجية في هذه المسألة، قبل أن تلتف كتلة الطبقة الحاكمة الأساسية حول الخيار الفاشي أو اللاديمقراطي.

إذن أين نقف الآن؟ كما يعرف القارئ فإن رأس المال واقع في قلب أزمة عالمية عاصفة تُفرز توترات اقتصادية واجتماعية وسياسية لا حصر لها، منها أزمة منطقة اليورو والمقاومة الشعبية القوية، بما في ذلك حركة “احتلوا” في الولايات المتحدة، وحركة الاحتجاج الإسبانية “إنديجنادوس” والمظاهرات في بريطانيا وإضرابات 30 يونيو/حزيران و30 نوفمبر/تشرين الثاني، وأعلى مستوى من الصراع باستثناء الربيع العربي، من إضرابات ومظاهرات وأعمال شغب مستمرة في اليونان.

في هذا السياق يأتي تنصيب حكومة باباديموس وحكومة مونتي في اليونان وإيطاليا بمثابة تطور خطير. فهو مؤشر على تحول لاديمقراطي في التوازن المتغير دائماً بين القوى المتعارضة المعروفة باسم المؤسسة الديمقراطية البرجوازية. لابد أيضاً أن يُنظر إلى هذه القضية على ضوء تزايد القمع الشرطي ضد المتظاهرين والمحتجين، وفرض عقوبات انتقامية في بريطانيا، يداً بيد مع العمل الشرطي ضد حركة “احتلوا” في الولايات المتحدة.

هذه التطورات في حد ذاتها ليست بادرة على هجر الديمقراطية البرجوازية بما يؤدي إلى تجريم نقابات الطبقة العاملة والتنظيم السياسي وحظر الإضرابات والمظاهرات ووضع حد للتصويت أو حل البرلمانات. لكن، لابد أن تُرى هذه التطورات على أنها تحذير واضح على شكل الأمور في قادم الأيام، أو ما يمكن أن يفعله الواحد في المائة، دون أي تأنيب ضمير، إذا اضطروا. كما يجب أن نرى في هذه البوادر أننا بينما لم ننخدع بالديمقراطية البرجوازية ونسعى لاستبدالها بديمقراطية المجالس العمالية، فعلينا أيضاً أن ندافع عن كل المكاسب الديمقراطية التي ربحتها الطبقة العاملة على مدار نضالها الطويل.

بقلم:
جون مولينو
8 فبراير 2012
ترجمة:
عمرو خيري

« منقول » ..

الرأسمالية والديمقراطية

كاتب الموضوع الأصلي: محمد٣٢

كل ماسيذكر هو عرض لوجهة نظر الكاتب ، فقد نتفق معه وقد نختلف !

مع نهاية سنة 2011 تم تنصيب “تكنوقراط” غير منتخبين في مناصب السلطة في كل من اليونان وإيطاليا. يقول جون مولينو في هذا المقال أن الرأسمالية ظهرت إلى الوجود مصحوبة بأبواق دعاية ضخمة للحريات للجميع، فيما يشهد التاريخ أن كل مساحة جديدة تكسبها الديمقراطية لا تتحقق إلا بالنضال، ولا تبقى آمنة أبداً.

في القرن الحادي والعشرين يعلن جميع رجال السياسة – بلا استثناء تقريباً – التزامهم بالديمقراطية. لا يسري هذا القول على أوباما وساركوزي وميركل وكاميرون وأمثالهم فقط، بل يمتد أيضاً إلى نيك جريفين من الحزب البريطاني القومي الفاشي. حتى القوى السياسية والمنظمات الغالب عليها أنها ضد الديمقراطية تقول إنها تؤمن بالديمقراطية. ومن هنا يطلق الفاشست السويديون على أنفسهم “الديمقراطيون السويديون” بينما حزب مبارك في مصر كان يُدعى “الحزب الوطني الديمقراطي”.

هذا الأمر يشهد على القوة الأيديولوجية لمفهوم الديمقراطية في العالم الحديث. الديمقراطية و”الحرية” كرست لهما الأبواق بدعم واسع من الدوائر الأكاديمية والإعلام، كمبرر مركزي لـ “الغرب” أثناء الحرب الباردة: قيل إنها الخط الذي يقسم العالم إلى معسكرين – على حد الزعم – بين الغرب الحر المستند إلى الديمقراطية التعددية وشمولية الشرق الشيوعي. الحق أن الكثير من المثقفين “التبريريين” للنظام – أمثال ميلتون فريدمان وفريدريش هايك – قالوا إن ثمة صلة داخلية وضرورية بين الرأسمالية والديمقراطية.

وعلى مستوى أعمق، كان الإعلان عن الديمقراطية في كل محفل شاهد أيضاً على القوة المتاحة للشعوب في العالم المعاصر، وهي سلطة تنامت كثيراً مع النمو العالمي للطبقة العاملة الحضرية، ومع خشية حُكامنا من تلك السلطة. أن تحكم الشعب معناه أن تحكم “باسم الشعب”.

إلا أن ما يفعله رجال السياسة حقاً – على عكس ما يقولونه – مسألة مختلفة. في 1 نوفمبر أعلن جورج باباندريو رئيس الوزراء اليوناني عن خطة للاستفتاء على “حزمة الإنقاذ” (برنامج التقشف القاسي) الذي تم التفاوض عليه مع البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي. “الأسواق” (أي أصحاب رأس المال)، والإعلام وميركل وساركوزي وهلم جرّا، ردوا بغضب وسخط بالغين على فكرة منح الشعب حق التصويت على أمر كهذا. تم استدعاء باباندريو وقيل له بكل وضوح أنه ليس مسموحاً باستفتاء على قرار كهذا.

بعد يومين، تم سحب فكرة الاستفتاء، وبعد أسبوع تم استبدال باباندريو بـ لوكاس باباديموس غير المنتخب. وصف الإعلام باباديموس بأنه “تكنوقراط”، لكن مثل أغلب المصطلحات المستخدمة في تلك الأزمة، فهو مصطلح الغرض منه الإبهام وبث الحيرة. باباديموس رجل بنوك. وكان حاكم بنك اليونان من 1994 إلى 2002، ونائب رئيس البنك المركزي الأوروبي من 2002 إلى 2010.

ثم ومع تصاعد حدة أزمة الدين الإيطالي، استقال سيلفيو برليسكوني وحل محله “تكنوقراط” آخر غير منتخب، هو ماريو مونتي. مونتي أستاذ اقتصاد، ومن المفوضين الأوروبيين ومستشار دولي لمؤسسة جولدمان ساش ومؤسسة كوكاكولا. تم تعيينه “نائباً مدى الحياة” من الرئيس الإيطالي في 9 نوفمبر، وبعد أسبوع أقسم قسم رئيس الوزراء بصفته رئيساً لـ “حكومة الوحدة الوطنية”، حكومة رجال البنوك ورجال الأعمال.

في كلتا الحالتين، في ظل أزمة اقتصادية طاحنة، تم ببساطة “تجميد” “حق” الشعب الديمقراطي في انتخاب حاكمه، من أجل ضمان التنفيذ السريع لإجراءات التقشف التي طالب بها رجال البنوك الدوليون، وهي إجراءات متطرفة ربما يمتنع أي سياسي منتخب خاضع لضغوط شعبية عن تنفيذها. بالإضافة إلى هذا، وأنا أكتب هذه السطور، يطالب ساركوزي وميركل الآن بتغييرات في معاهدة لشبونة لتأمين الاندماج المالي وتشديد الرقابة على الميزانية في جميع دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني عملاً المزيد من تآكل سلطات الحكومات المنتخبة ديمقراطياً. إذن ما هي العلاقة الحقيقية بين الرأسمالية والديمقراطية؟ من المفيد البحث في خلفية تاريخية لهذه القضية.

السجل التاريخي

تاريخياً هناك صلة ما بين صعود الرأسمالية وصعود الديمقراطية الحديثة، لكن تلك العلاقة تفوق بكثير ما يُنفذ وما يُعلن عنه.

في ظل النظام الإقطاعي كانت البرجوازية خاضعة لحكم الإقطاع المستبد. رغم أن البرجوازية كانت أقلية، فقد كانت طبقة مستغلة ومُلزمة – في نضالها من أجل الوصول للسلطة – بأن تعرض نفسها بصفتها تمثل المجتمع بأسره. كما قال فريدريك إنجلز في “الاشتراكية اليوتوبية والعلمية”: “إلى جانب الخصومة بين نبلاء الإقطاع والعوام، الذين زعموا أنهم يمثلون باقي المجتمع، كانت ثمة خصومة بين المستغلين والمستغلون، بين الأغنياء والعمال الفقراء. هذا الظرف تحديداً هو ما مكّن ممثلي البرجوازية من تقديم أنفسهم كممثلين للإنسانية التي تزرح تحت عبء المعاناة، وليس فقط كممثلين لطبقة واحدة محددة”.

من هنا تخصص البرجواز في الإعلانات المجردة للحقوق، من إعلان الحقوق في إنجلترا في عام 1689، إلى إعلان الاستقلال الأمريكي في 1776، وما ورد فيه من أن “خلق جميع الناس متساوون، وخصهم خالقهم بحقوق لا يمكن تجاوزها، منها الحق في الحياة والحرية والبحث عن السعادة”، ثم وثيقة الحقوق والثورة الفرنسية عندما تبنت شعار “الحرية والمساواة والأخوة” وإعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته.

كما أن صعود البرجوازية والثورات البرجوازية مال لأن يكون مصحوباً بالكفاح من أجل الحكم البرلماني كبديل لمختلف أشكال الحكم الملكي والمستبد بشكل عام. من ثم كان دور “مجلس الأقاليم المتحدة في الثورة الهولندية” في القرن السادس عشر، والحرب بين البرلمان والملك في الثورة الإنجليزية عام 1642، ودور المجلس الوطني في الثورة الفرنسية.

لكن عملاً، فإن الالتزام بـ “الإنسانية” و”الحقوق للجميع” يتبين دائماً أنه يضم بعض الاستثناءات والأحكام القانونية متعددة المعاني البعيدة عن “الحقوق للجميع”. قضية الكاثوليك في “وثيقة حقوق” عام 1689 والعبيد السود في الثورة الأمريكية أمثلة كلاسيكية على ذلك، وبالطبع فإن حقوق “الإنسان” لم تضم حقوق النساء. وبالمثل، فلم يتم منح حقوق إنسانية أو سياسية للسكان الأصليين (من أي جنس أو لون) مع صعود الاستعمار، بينما “الحق في الملكية” كان دائماً من الحقوق المقدسة. كما لم يمتد حماس البرجوازية للحكم البرلماني مطلقاً إلى تكريس حق التصويت للجميع.

في مناقشات بوتني عام 1647، أكد هنري إريتون (متحدثاً عن أوليفر كرومويل أمام رينسبورو صاحب الموقف الراديكالي): “أعتقد أنه ليس لأحد الحق في أي نصيب من مسألة التخلص من أسلوب إدارة المملكة، أو في تحديد أو اختيار من يحددون القوانين التي ستحكمنا. ليس لأحد الحق في هذا، إلا وكان له مصلحة قائمة ودائمة في هذه المملكة…”

وكان يقصد بـ “مصلحة قائمة ودائمة” امتلاك ملكية، ويقصد بها الأرض تحديداً. رأيه كان أن من لا يملكون أرضاً لا يمكن السماح لهم بالتصويت بما أنهم سيستخدمون هذا الحق في القضاء على الملكيات، وهو ما يعتبر وبطبيعة الحال غير محل نقاش. هذا المعارضة للتصويت للجميع (أي تصويت الطبقة العاملة) كان موقف البرجوازية البريطانية وغيرهم من البرجواز على المستوى الدولي، حتى نهاية القرن التاسع عشر على الأقل.

“التصويت للجميع”، كما كتب اللورد ماكاولي المؤرخ ربيب القصور في القرن التاسع عشر.. “سيكون مدمراً لأي غرض تقوم من أجله الحكومات”. وأنه “غير متسق مع وجود الحضارة ذاته”. حتى فيلسوف الليبرالية العظيم جون ستيوارت ميل، في مقاله عن الحكومات النيابية، عارض فكرة التصويت للجميع خوفاً من أغلبية الطبقة العاملة.

من ثم آل إلى الطبقة العاملة نفسها النضال حتى تأخذ حقها في التصويت، وكان نضالاً مطولاً، ومر بمعارك قوية كثيرة، مثل مذبحة بيترلو في عام 1819، وحملة 1838 إلى 1859 العظمى، وثورات 1848، وكوميون باريس في 1871، والإضراب البلجيكي العام سنة 1893، وحملات التصويت للنساء، إلى حركة الحقوق المدنية الأمريكية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

التصويت للجميع ليس للجميع

في مقال نُشر في دورية “نيو ليفت” سنة 1977 بعنوان “حُكم رأس المال وصعود الديمقراطية”، أظهر جوران ثيربورن أن أي من النظم الرأسمالية الـ 17 الأكبر في العالم حققت التصويت للجميع بحلول عام 1900. كانت أستراليا أولى هذه الدول في عام 1903، وتلتها نيوزيلاندا في 1907. الفترة الأساسية لظهور شيء قريب من التصويت للجميع (هناك استثناءات كثيرة، مثل عدم حصول السيدات تحت 30 عاماً على حق التصويت في بريطانيا حتى عام 1928)، كانت من 1917 إلى 1920. النمسا (1918) وكندا (1920) وفنلندا (1919) وألمانيا (1919) والسويد (1918) وبريطانيا (1918).

أي أن حق التصويت لم تحصل عليه الطبقة العاملة إلا كأحد ثمرات الموجة الثورية التي اكتسحت أوروبا نهاية الحرب العالمية الأولى.

حق التصويت – وإن كان يُنظر إليه عادة على أنه أكبر شاهد على الديمقراطية – لا معنى له إلا في سياق انتخابات حرة و”غير مزورة” لبرلمان ذات سيادة، وليس الانتخابات التي دأبت مصر مبارك على تنظيمها أو مثلاً البرلمان التابع للإمبراطور في ألمانيا حتى اندلاع الثورة الألمانية في 1918.

الصوت إذن هو جزء من كل يُسمى الحقوق الديمقراطية، مثل الحق في حرية التعبير وحرية الصحافة والتجمع وتكوين الجمعيات (التنظيم) والعمل النقابي والحق في الإضراب والحق في الاحتجاج، والمساواة أمام القانون، وهي جميعاً تعتبر قوام المعروف بالديمقراطية الآن. ومثل التصويت، فإن كسب هذه الحقوق من الطبقات العاملة تم بعد نضال طويل. اضطروا للنضال مرة تلو الأخرى في مناسبات لا حصر لها، تمتد من واقعة شهداء تولبادل عام 1834 إلى النضال ضد القوانين المعادية للاشتراكية في عهد بسمارك في ألمانيا أواخر القرن التاسع عشر، إلى مقاومة الفاشية في دول عديدة، إلى الصراعات الأصغر على اللحقوق السياسية والنقابية والقانونية التي تشهد عليها شمس كل يوم جديد.

الحق أن وفي العموم، مع جميع هذه الاستثناءات (مثل الصين وأغلب مناطق الشرق الأوسط) تم الانتصار في معارك خرجت بها الحرب الطبقية القائمة بحلول وسط غير مستقرة أو دائمة.

على جانب، هناك انتصارات حقيقية منتزعة من طبقة رأسمالية يجب الاحتفال بها والدفاع عنها. وعلى الجانب الآخر، فهي تعكس حالة فهم تصل إليها الطبقات الحاكمة تدريجياً على المستوى الدولي، أنه نظراً لوجود ظروف عامة مثل قلة الاستقرار الاجتماعي؛ فهذه الطبقات الحاكمة ورأس المال يمكنها أن تتعايش مع “الديمقراطية”، وأنه على النقيض مما تؤكده مخاوفهم، فإن معدومي الملكية يمكن إقناعهم بأن ليس بإمكانهم التصويت على تجريم الملكية الخاصة.

طبيعة الديمقراطية البرجوازية

المعنى الحرفي للديمقراطية هو حكم الشعب، لكن الديمقراطية البرجوازية، حتى في أنقى وأتم أشكالها، لا تؤدي مطلقاً إلى حُكم الشعب. في الواقع تعتبر دائماً، على حد قول ماركس “دكتاتورية البرجوازية”.

هناك أسباب كثيرة لهذا الأمر. حتى البرلمانات والحكومات المنتخبة بشكل ديمقراطي سليم، لا تمتلك أو تسيطر على عناصر الإنتاج والثروة في المجتمع، التي تبقى في أيدي رأسماليين غير منتخبين، يعملون بناء على قوانين التنافس الرأسمالي.

بالتبعية، فإن الحكومات المنتخبة في العادة تحكم في إطار حدود موصوفة ومقبولة للبرجوازية (“الأسواق”، الشركات، إلخ) وحتى الحكومات الأكثر رفضاً لهذه الأطر، فمن الممكن بسهولة في كل الحالات أن تسقط بسبب إضرابات المستثمرين وهروب رأس المال، وعمليات المضاربة على العملة الوطنية وما إلى ذلك.

ثانياً، البرلمان المنتخب هو جزء من آلة الدولة يعمل بالتوازي معها (وآلة الدولة هي قوات مسلحة وشرطة وقضاء وجهاز العاملين بالدولة، إلخ)، وهي أطراف غير منتخبة، وهيراركية بالأساس ومرتبطة بآلاف الخيوط – اجتماعية واقتصادية وتاريخية وعقائدية – مع مصالح البرجوازية.

وبصفة هذه الدولة مالكة لتركز شديد من القوة المادية في المجتمع، فإن في يدها مفاتيح تنفيذ السياسة الحكومية، وكذلك القدرة على ممارسة تأثير هائل على تلك السياسية، وإذا لزم الأمر استبدال الحكومة (مثل انقلاب تشيلي في عام 1973).

ثالثاً، الأفكار الحاكمة في المجتمع هي أفكار الطبقة الحاكمة، كما قال ماركس. العملية السياسية بأسرها مؤطرة بافتراضات أيديولوجية رأسمالية – أولاً الافتراض العلاقات الرأسمالية للإنتاج وأولوية الربح مبادئ محايدة وغير قابلة للتغير – وتُترجم إلى سياسات وسلوكيات معينة (ضرورة الاقتطاع من الرواتب، والنظرة السلبية إلى الإضراب، إلخ) من الإعلام رأس المالي والإعلام الذي تسيطر عليه الدولة. فضلاً عن أن عدم المساواة الكبيرة بين الطبقات الرأسمالية والطبقات العاملة يعني في الصراع السياسي ذاته – بما في ذلك الانتخابات – أن ممثلي الشعب والأحزاب لمختلف الطبقات تدخل المعترك في ظل تباين هائل في الموارد فيما بينها.

فضلاً عن ذلك، فإن التغريب والاستغلال والاضطهاد اليومي تحت رأس المال، يعني أن في الفترات العادية يعاني قطاع كبير من الطبقة العاملة والفقراء ويشعرون بالعزلة عن المجتمع لدرجة أنهم “لا ينشغلون” بالسياسة، ولا يهمتون بها. وترتفع معدلات عدم التصويت كثيراً في الطبقات السفلى من المجتمع، مقارنة بمعدلات عدم التصويت في المستويات العليا منه.

أخيراً، الانتخابات والنظم الانتخابية الديمقراطية البرجوازية – بغض النظر عن مدى تنوعها – تعمل جميعاً على تقويض الديمقراطية الحقيقية لأن الناخبين ينتخبون أفراداً متشظين، مرة كل أربع أو خمس سنوات، عن دوائر جغرافية كبيرة، ويصعب عادة محاسبة النواب أو التراجع عن انتخابهم، وبحكم العادة يرتقون إلى مستوى اقتصادي واجتماعي يفوق كثيراً متوسط معيشة الناخبين من الطبقة العاملة. من ثم، فمن السهل للغاية على هؤلاء النواب أن يفسدوا في الخفاء – أو في العلن – وأن يخونوا وعودهم الانتخابية.

لكن بعد كل شيء تجعل هذه العوامل الديمقراطية البرلمانية واجهة لطيفة لحُكم رأس المال، ولابد أيضاً من التشديد على أن البرجوازية لا تلتزم بأي شكل من الأشكال بالحفاظ على هذه الواجهة سليمة، إذ ثبت ذلك مراراً وتكراراً من تجارب الفاشية في إيطاليا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال وحكم العسكر في اليونان (1967 إلى 1974) ونظم دكتاتورية لا حصر لها في أمريكا اللاتينية تمتعت بدعم الغرب، والشرق الأوسط ومناطق أخرى.

توافق بين الطبقات

هذا لأن الديمقراطية البرجوازية حل وسط بين الطبقات… تنازل منتزع من البرجواز. فيها “حقوق” وممارسات، كما سبق الذكر، رغم أنها لا تنهي بأي شكل حكم البرجوازية وتُمكن الطبقة العاملة وغيرها من القوى الشعبية من أن تنظم نفسها ضدها. حُكامنا لن يركنوا بسهولة إلى مسار تمزيق الديمقراطية وهدمها. إنهم يعرفون جيداً بمزايا الحكم “التوافقي” والشرعية المستمدة من قناع الديمقراطية، والمخاطر الجمة التي تنطوي عليها محاولات فرض الديكتاتورية أو الفاشية بلا مواربة.

سوف يسلكون ذلك الطريق فقط إذا دفعهم إليه مزيج من الضرورات الاقتصادية والخوف السياسي والاقتناع بأن بإمكانهم الإفلات بما سيفعلون. من الممكن للغاية أن تظهر انقسامات تكتيكية واستراتيجية في هذه المسألة، قبل أن تلتف كتلة الطبقة الحاكمة الأساسية حول الخيار الفاشي أو اللاديمقراطي.

إذن أين نقف الآن؟ كما يعرف القارئ فإن رأس المال واقع في قلب أزمة عالمية عاصفة تُفرز توترات اقتصادية واجتماعية وسياسية لا حصر لها، منها أزمة منطقة اليورو والمقاومة الشعبية القوية، بما في ذلك حركة “احتلوا” في الولايات المتحدة، وحركة الاحتجاج الإسبانية “إنديجنادوس” والمظاهرات في بريطانيا وإضرابات 30 يونيو/حزيران و30 نوفمبر/تشرين الثاني، وأعلى مستوى من الصراع باستثناء الربيع العربي، من إضرابات ومظاهرات وأعمال شغب مستمرة في اليونان.

في هذا السياق يأتي تنصيب حكومة باباديموس وحكومة مونتي في اليونان وإيطاليا بمثابة تطور خطير. فهو مؤشر على تحول لاديمقراطي في التوازن المتغير دائماً بين القوى المتعارضة المعروفة باسم المؤسسة الديمقراطية البرجوازية. لابد أيضاً أن يُنظر إلى هذه القضية على ضوء تزايد القمع الشرطي ضد المتظاهرين والمحتجين، وفرض عقوبات انتقامية في بريطانيا، يداً بيد مع العمل الشرطي ضد حركة “احتلوا” في الولايات المتحدة.

هذه التطورات في حد ذاتها ليست بادرة على هجر الديمقراطية البرجوازية بما يؤدي إلى تجريم نقابات الطبقة العاملة والتنظيم السياسي وحظر الإضرابات والمظاهرات ووضع حد للتصويت أو حل البرلمانات. لكن، لابد أن تُرى هذه التطورات على أنها تحذير واضح على شكل الأمور في قادم الأيام، أو ما يمكن أن يفعله الواحد في المائة، دون أي تأنيب ضمير، إذا اضطروا. كما يجب أن نرى في هذه البوادر أننا بينما لم ننخدع بالديمقراطية البرجوازية ونسعى لاستبدالها بديمقراطية المجالس العمالية، فعلينا أيضاً أن ندافع عن كل المكاسب الديمقراطية التي ربحتها الطبقة العاملة على مدار نضالها الطويل.

بقلم:
جون مولينو
8 فبراير 2012
ترجمة:
عمرو خيري

« منقول » ..

المنهج الفلسفي المثالي (استنباطي)

كاتب الموضوع الأصلي: عمر البطاح 20

تعريفه :
استخراج النتائج من المقدمات.

مزاياه :
يتميز بالقدرة على تعميم النتائج من خلال الاستنتاج فهو يعطي الباحث القدرة على تعميمها.

عيوبه:
كما أن لهذا المنهج مزايا فله عيوب وأبرز عيوبه هو عدم الموضوعية لأنه لا يبدأ من الواقع فلكي نكون موضوعيين يجب أن ندرس الواقع كما هو.

له عدة صور هي :
1.مقدمات ميتافيزيقية .
قد يتسائل بعضكم ماهي الميتافيزيقية ؟؟
الميتافيزيقية هي عالم ما وراء الطبيعة عالم الروح.
وأبرز مفكريه أفلاطون اليوناني.

2.مقدمات عقلية.
استخدم هذا المنهج مفكروا العقد السياسي
وهم :
1,توماس هوبز.
2.جون لوك.
3.جان جوك روسو.
وقالوا جميعهم بأن الدولة لم تكن موجودة وأنها أنشأت عن طريق عقد .

3.مقدمات عقائدية.
وهنا تنطلق من العقيدة الدينية للمفكر والفيسلوف .
مثال : المفكر المسلم الماوردي.

4.مقدمات واقعية.
وأبرز مفكريه أرسطو.

تقاطع أميركي – إسرائيلي – روسي – إيراني جديد

كاتب الموضوع الأصلي: حمود السمير32

تقاطع أميركي – إسرائيلي – روسي – إيراني جديد
راغدة درغام
الحياة -السعودية

ليس أمراً عابراً أن يقوم وزيرا الدفاع والخارجية الروسيان بزيارة الى مصر وُصِفَت بـ «التاريخية» للتحدث عن صفحة جديدة في العلاقات الثنائية رافقتها أنباء عن صفقة أسلحة لافتة في العلاقات الثلاثية بين روسيا ومصر والمملكة العربية السعودية.

الأنباء تفيد بالتعاون الأمني بين القاهرة وموسكو. إدارة الرئيس باراك أوباما تبدو غير مكترثة بهذا التحوّل لأنها واثقة بأنه لن يصبح تحوّلاً استراتيجياً، وربما لأنها لا تبالي حتى وإن عادت روسيا الى ما كانت عليه علاقاتها بمصر قبل أن قام الرئيس أنور السادات باستبدال التحالف مع روسيا بالتحالف مع الولايات المتحدة منذ 41 سنة. السؤال الأهم هو: هل لدى مصر اليوم رؤية متكاملة لعلاقاتها الاستراتيجية مع أي من أو كل من الولايات المتحدة وروسيا؟ وهل هناك تنسيق في التصوّر السعودي – المصري لدورهما ووزنهما معاً في موازين القوى الإقليمية؟ كلاهما غاضب – لأسباب مختلفة – من إدارة أوباما وازدرائها هاتين الدولتين الأساسيتين للوزن العربي في موازين القوى الإقليمية، لا سيما بعدما تم حذف العراق وسورية من المعادلة الاستراتيجية مع إسرائيل وتم وضعهما تحت لواء إيران. إنما هل يستكمل التوجه الى روسيا نقلة نوعية جدّية في العلاقة مع الولايات المتحدة أم انه مجرد تعبير مرحلي عن الاستياء؟

ولأن إيران وتركيا وإسرائيل دول أساسية في موازين القوى الاستراتيجية، فإن العلاقة الروسية والأميركية مع كل من الدول الثلاث لا بد من ان تُؤخَذ في اعتبار مصر والسعودية عند بناء شراكة جديدة مع موسكو أو التخلي عن شراكة قديمة مع واشنطن. فالمسألة السورية تتقاطع مع القطبين الأميركي والروسي في الاعتبارات السعودية وكذلك محورية إيران في العلاقات معهما. أما بالنسبة الى القاهرة، فإن مسألة «الإخوان المسلمين» تتصدر الأولوية في العلاقات المصرية مع كل من القطبين.

المسألة الفلسطينية مهمة بالطبع سعودياً ومصرياً إنما المواقف الأميركية والروسية تكاد تتطابق اليوم في صدد إسرائيل، عكس ما كانت عليه في مرحلة «الحرب الباردة». تركيا غامضة في موازين القوى تترنح على ماضٍ ضمَّها الى إسرائيل وحاضرٍ أوحى لها بقيادة «الإخوان المسلمين» وهي اليوم في خصام مع مصر وتأرجح مع المملكة العربية السعودية وكذلك مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

أمام هذه المعطيات، وإزاء الإقبال الروسي على منطقة الشرق الأوسط برمتها بكل الوسائل مقابل الانحسار الأميركي في كل الأماكن، لا بد من تصوّر ورؤية سعودية-مصرية بعيدة المدى لعلاقاتهما مع القطبين الأميركي والروسي كي لا تكون الإجراءات المرحلية بديل الأمر الواقع للاستراتيجية الضرورية. لا بد من إشراك القاعدة الشعبية العربية في هذا التصور لأنها لم تعد جاهزة للاحتضان التلقائي إما لـ «الدب» الروسي أو لـ «الحمار» الديموقراطي و «الفيل» الجمهوري في الولايات المتحدة.

وزير خارجية مصر، نبيل فهمي، وفي حديث أدلى به الى «الحياة» في نيويورك بتاريخ 24 ايلول (سبتمبر) الماضي، وصف العلاقة مع الولايات المتحدة بأنها مضطربة، إذ «كان هناك لبس في شأن حقيقة الدور الأميركي وموقف (الولايات المتحدة) تجاه الرئيس السابق حسني مبارك في أول الأمر، أي في الثورة الأولى، ثم تجاه الإخوان في الثورة الثانية. ولا شك في أن التوجه العام لدى الرأي العام المصري تجاه الولايات المتحدة يميل الى السلبية بدرجات أكثر بكثير مما كان في أي فترة ماضية». وأضاف أن «المواطن المصري العادي يدعو الى استبدال الاعتماد على الولايات المتحدة بدول أخرى، وأسهل مثال لذلك هو روسيا. إنما الدعوة الحقيقية هي تنوع الخيارات، وليس استبدالها. مسألة استبدال دولة بدولة في هذا العصر كلام غير منطقي وغير فعّال وغير مرغوب فيه». وقال إن زيارته الى موسكو مطلع توليه منصب وزير الخارجية «رسالة مهمة، إنما ليست رسالة تحوّل تاريخي. معنى الرسالة المهمة هو أننا نريد استعادة علاقات أو ارتفاع مستوى العلاقات المصرية – الروسية، ومن دون أدنى شك أو خجل. إنما المسألة ليست أننا سنذهب شرقاً على حساب الغرب، أو جنوباً على حساب الشمال».

ما أكده فهمي في حديثه هو أنه «ستكون هناك علاقات في المجال العسكري، على سبيل المثال، مع الولايات المتحدة ومع عدد من الدول الأوروبية الغربية أيضاً، وكذلك مع روسيا». والحدث هو الزيارة الأولى لوزيري الخارجية والدفاع، سيرغي لافروف وسيرغي شويغو، الى القاهرة هذا الأسبوع لعقد أول اجتماع في تاريخ العلاقات بين البلدين في إطار ما بات يسمى «2+2» لوزراء الخارجية والدفاع، وفي أول زيارة روسية على هذا المستوى منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي وبحكم «الإخوان المسلمين».

نقطة الالتقاء الروسي – المصري – السعودي هي «الإخوان المسلمون»، إذ ان الثلاثي عازم على منع صعودهم مجدداً الى السلطة. نقطة الافتراق هي إيران وسورية، بالذات لدى المملكة العربية السعودية، علماً أن مصر – «الإخوان» – كانت اتخذت موقفاً معارضاً للنظام في دمشق ولتدخّل روسيا في سورية. أما مصر اليوم فإنها أقل وضوحاً وحدة في مواقفها من التطورات في سورية، بل ان اجراءات الحكومة المصرية ضد اللاجئين أو النازحين المدنيين السوريين قاسية في كثير من الأحيان. ففي الأمر السوري، تختلف المواقف الروسية – السعودية – المصرية، مما يجعل التعاون الأمني بين الأطراف الثلاثة لافتاً ومحيّراً في آن.

إن ما يثير الفضول أكثر هو أين تقع إيران في المسيرة الثلاثية، علماً أن روسيا واضحة تماماً في تحالفها الاستراتيجي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في انحيازهما الى مصلحة النظام في دمشق كما في علاقاتهما الأوسع وتموضع كل منهما إقليمياً ودولياً. فالمحور الذي يضم موسكو وطهران ودمشق والذي يشمل أيضاً «حزب الله» محور جدّي وثابت بالذات في هذا المنعطف ولن تغري موسكو الصفقات ببلايين الدولارات إذا كان المقابل تخليها عن هذا المحور، لا سيما في شقه مع طهران.

الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله تحدث هذا الأسبوع متهكماً على التحالفات العربية – الغربية وسرعة استغناء الولايات المتحدة عن حلفائها فيما أصبح يُعرَف بسمعة الخيانة. تباهى بتحالفه بالذات مع إيران وسورية حيث تقوم قواته بقلب الموازين العسكرية على الأرض لمصلحة النظام في دمشق بالتعاون والتنسيق مع «الحرس الثوري» الإيراني الموجود في ساحة القتال السورية.
قال: «عندما تحصل تسويات كبرى في العالم، حلفاء وأصدقاء هذا الطرف وذاك يقلقون، لكن نحن لا نقلق من حليفنا. كان وما زال لدينا حليفان أساسيان، إيران وسورية. قولوا لي هل في يوم من الأيام باعنا حليفنا وهل سلمنا حليفنا في أي يوم أو طعننا في الظهر؟». وتابع متباهياً مخاطباً الذين راهنوا على تحالفهم إما مع الولايات المتحدة أو مع الدول الخليجية في المعركة السورية: «نحن واثقون بعلاقتنا مع حليفينا، لكن هل تريدون أن نعد كم مرة تخلى عنكم حلفاؤكم وتركوكم في قارعة الطريق؟».

اللافت أكثر هو دفاع نصرالله عن التفاهم بين إيران والدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة محذراً من «أن البديل» من التفاهم والتسوية الإيرانية – الغربية هو الحرب». جاء تحذيره من بديل الحرب بمثابة صدى لتحذير صدر عن إدارة أوباما للكونغرس من أن عدم الاتفاق مع طهران في المسألة النووية وعدم إغرائها برفع تدريجي للعقوبات التي تخنقها هو الحرب. وعلا في طهران أيضاً صدى الإنذار من الحرب كبديل الأمر الواقع لعدم الخضوع أمام مطالب إيران لتحقيق التفاهم النووي مع الغرب. فلقد بات التخويف من الحرب أسهل الأدوات لإقناع القيادات الغربية بأن عليها تلبية إيران في المفاوضات النووية وفي إعطائها القيادة الإقليمية. ذلك أن الرأي العام الأميركي والأوروبي مهووس بأولوية لديه هي: لا نريد أن نحارب. والقيادة الأميركية، كما البريطانية، تهرول الى الإذعان أمام القيادة الإيرانية لأنها تخشى أن تضطر لأن تحارب. لذلك، إن طهران متأهبة للاستفادة من هذه «الخاصرة الضعيفة» لدى الغرب من دون أن تضطر لتقديم المقابل لها. فالمقابل بات عملياً سحب التلويح بشبح «الحرب». واشنطن ولندن وبرلين تبدو جاهزة للاكتفاء بهذا المقابل.

المدهش هو أن واشنطن ولندن تدركان تماماً مدى تقويض العقوبات المفروضة على إيران للقوة الاقتصادية لدرجة الإنهاك وهما تدركان تماماً أيضاً أن الدافع لحملة «الاعتدال» الآتي من طهران هو الحاجة الماسة لرفع العقوبات، لكنهما تستخدمان هذا الواقع ذخيرة ضد أنفسهما، فبدلاً من توظيف تلك الحاجة الماسة لدى طهران من أجل استئصال الاعتدال الحقيقي فقط في الشأن النووي وفي الشأن السوري، ترتجف إدارة أوباما وحكومة كامرون خوفاً أمام النظام في طهران وتنضمان عملياً الى مواقف حكومة أنغيلا مركل، المستشارة الألمانية القوية التي ترى أن لإيران حق التخصيب النووي. فألمانيا وقفت تقليدياً مع طهران وهي تنظر الى إيران بأنها لم تكن يوماً دولة «معتدية»، تماماً كما نظر الغرب دوماً الى إسرائيل معتبراً أنها ضحية ليس لها تاريخ «الاعتداء». لذلك، ان فرنسا تبدو وحيدة في إطار المحادثات النووية الإيرانية التي تضم الدول الأوروبية الثلاث مع روسيا والصين والولايات المتحدة. باريس وحدها توصي بعدم الانزلاق في أحضان ابتسامة اللاإلتزام الإيرانية وعدم الاكتفاء بالوقوف في الحب مع إيران – الاعتدال التي لم تثبت اعتدالها بعد.

بريطانيا لا تكتفي بالهرولة الى استئناف العلاقات الديبلوماسية مع طهران وإنما، ووفق مصدر وثيق، تحاول الحكومة البريطانية إيجاد وسيط لها لإيصالها أيضاً الى دمشق بالذات لإصلاح العلاقة مع الرئيس بشار الأسد. فبريطانيا التي قادت إحباط الضربة العسكرية للنظام في دمشق عقاباً له على استخدام الأسلحة الكيماوية حصدت اليوم قطار إعادة تأهيل النظام في دمشق إرضاءً للمطالب الإيرانية.
إذاً، هناك تقاطع لافت بين المواقف الأميركية والبريطانية والألمانية مع المواقف الروسية والصينية نحو إيران في بعدها النووي وكذلك بعدها السوري. قد تتعقد المفاوضات النووية إذا ما أفرطت طهران بالثقة بنفسها ورهانها على ضعف الغرب وحاجته الى «اللاحرب»، ذلك أن إصرارها على تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة قد يضع اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية في خطر الانهيار. وهذا أمر لا تريده أي من الدول النووية الخمس الكبرى. إنما، اليوم، يوجد شبه تفاهم دولي على ضرورة التفاهم مع طهران وليس مواجهتها. هناك شبه موافقة ضمنية على إخفاء شرعية دولية على دور إقليمي لإيران أبرزه في العراق، وربما في سورية أيضاً.

هذه التطورات تأتي نتيجة عوامل عدة من ضمنها تبني الجمهورية الإسلامية الإيرانية استراتيجية صبورة مدروسة ومتكاملة قائمة على المثابرة والرؤيوية وحبس العاطفة بعيداً من الانفعالية، فإذا كان للأطراف العربية نصيب لاسترجاع موقف عربي في موازين القوى الإقليمية لن يفيدها «الترقيع» ولا التصور بأن التقارب مع روسيا مثلاً غضباً من الولايات المتحدة هو الأمثل للمصلحة العربية، فيما روسيا، عملياً، هي الحليف الأول لإيران – أحد أهم الأقطاب في موازين القوى الإقليمية. فتصحيح الاعوجاج الذي أحدثه التحالف الأميركي – الإسرائيلي في موازين القوى على حساب العرب لا يأتي عبر التحالف الروسي – الإيراني، بل هناك اليوم تقاطع أميركي – إسرائيلي – روسي – إيراني جديد أخذه حقاً في اعتبار الأطراف العربية إذا كانت تفكر حقاً باستعادة موقع عربي في موازين القوى الإقليمية.

مصر مؤهلة لاستعادة وزنها الإقليمي، لكنها لن تكون قادرة على ذلك سوى بتعاضد رؤيوي وعملي معها من جانب المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية وغيرها من الدول العربية. مصر مؤهلة شرط ألا تسقط في سياسات الانفعال والتنويع الاعتباطي، تعبيراً عن الحرد أو الغضب. مصر مؤهلة إذا وضعت سوياً مع الشركاء الأساسيين لها استراتيجية رؤيوية بعيدة المدى وبدأت فوراً أخذ الرأي العام المصري والقاعدة الشعبية العربية شريكاً لها في صنع القرار الجديد في المنطقة العربية.

الخلاف بين المعسكرين إلى ما سمي بالحرب الباردة وعقد تحالفات

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الصويلح3332

1): الخلاف الأيديولوجي:

يتجلى في كون الدول الاشتراكية ترى ضرورة التطور من نظام ديمقراطي إلى نظام اشتراكي يختفي فيه الصراع الطبقي كمرحلة لتحقيق الشيوعية حيث تختفي الطبقات، وبذلك يتم تحرير الإنسان. أما الدول الرأسمالية فترى ضرورة مواجهة المد الشيوعي دفاعا عن الحرية الفردية بضمانها دستوريا وبتعدد الأحزاب وحرية الانتخابات، عكس النظام الاشتراكي الذي يعتمد على الحزب الواحد. فكل من المعسكرين يدافع عن الحرية بمفاهيم وسبل مختلفة.

2): المد الشيوعي في أوربا الشرقية وموقف الولايات المتحدة:

رفض الاتحاد السوفياتي فكرة توحيد ألمانيا وعمل على مساعدة الأحزاب الشيوعية لتولي السلطة في مناطق نفوذه (بلغاريا، رومانيا، ألبانيا، بولونيا ما بين 1944ـ 1945)، ثم هنغاريا في1947 وتشيكوسلوفاكيا في 1948. وأمام المد الشيوعي تدخلت الولايات المتحدة لتطبيق سياسة محاصرة الشيوعية بتقديم مساعدات مالية لأوربا دون استثناء، تمثلت في مشروع مارشال 1947 الذي رفضته الدول الاشتراكية. واتخذ الاتحاد السوفياتي نفس الإجراء بتأسيس الكومنفورم في نفس السنة، وهو مكتب الإعلام الشيوعي للحفاظ على تضامن الأحزاب الشيوعية. وبذلك شكلت سنة1947 تاريخ القطيعة بين الحليفين.

3): الحرب الباردة الأولى(1947ـ 1953) تمثلت في مواجهات مسلحة في عدد من المناطق:

أ) ـ مشكلة برلين:

فشل الحلفاء في توحيد ألمانيا، وأعلنت الدول الرأسمالية قيام جمهورية ألمانيا الاتحادية (ألمانيا الغربية) في يونيو 1948 في مناطق نفوذها. واعترض الاتحاد السوفياتي عن ذلك بمحاصرته لبرلين الغربية إلى حدود ماي 1949، حيث فشل في إخراج قوات الحلفاء منها، وأعلن قيام جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية) في شتنبر 1949 واتخذت برلين الشرقية عاصمة لها.

ب) ـ مشكلة اليونان:

بعد طرد قوات الفاشية، دخلت اليونان تحت السيطرة الإنجليزية. وفي 1946 نظم الحلفاء استفتاء دون الاتحاد السوفياتي للحد من الخلاف بين الشيوعيين وأنصار الملكية. وكانت نتيجته لصالح الملكيين، فقامت حرب أهلية بين التيارين تدخل فيها الاتحاد السوفياتي لمساعدة الشيوعيين، والولايات المتحدة التي مكنت الملكيين من القضاء على الشيوعيين في1949.

ج) ـ الحرب الكورية (1950ـ 1953):

بعد التراجع الياباني في كوريا، انقسمت إلى شمال اشتراكي وجنوب رأسمالي. وفي 1950 هاجمت قوات الشمال المناطق الجنوبية، فتدخلت الولايات المتحدة بقواتها تحت ستار القوات الدولية إلى أن تجاوزت خط الحدود (خط عرض 38°شمالا). وتدخلت الصين الشعبية إلى جانب كوريا الشمالية، مما أرغم الولايات المتحدة على التراجع. وبعد مفاوضات بين الطرفين توقفت الحرب الكورية في يوليوز1953.

د) ـ حرب الفيتنام:

بعد نجاح الثورة الاشتراكية في الصين في 1949، فقدت فرنسا الأمل في القضاء على الحركة التحررية الفيتنامية، خاصة بعد هزيمتها في معركة ديان بيان فو DIEN BIEN PHU سنة 1954. وانقسم الفيتنام إلى شمال اشتراكي وجنوب رأسمالي تؤيده الولايات المتحدة، مما جعل الصراع يستمر بين الطرفين.

4): قيام التحالفات العسكرية:

عقدت الولايات المتحدة مجموعة من الأحلاف العسكرية هدفا لمحاصرة الشيوعية، بتكوين شريط من الدول المرتبطة فيما بينها بمعاهدات عسكرية تمتد من النرويج إلى اليابان ومنها: حلف شمال الأطلسي 1949 و حلف الأنزوسA.N.Z.U.S. و منظمة حلف جنوب شرق آسيا وحلف بغداد. وأمام هذه التحالفات عقد الاتحاد السوفياتي مع الديمقراطيات الشعبية حلف وارسو 1955.(بقي منها الآن حلف شمال الأطلسي= NATO).