أ.د. أحمد محمد وهبان

لمن اعتاد قلبه شيء …فليحذر

كاتب الموضوع الأصلي: سلوى الخرعان

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ولصلاه والسلام على رسول الله..وبعد..
عندما ينشغل القلب ويعتاد عليه في أمر من أمور الحياة ..وفي كل يوم يزداد متابعته وشغفة بها
ويحرص على أن لا تفوته منها نصيب.. فيكون ذلك منذر بخير أو شر
اعلم رحمك الله أنك في إحدى أمرين:
*إما أن هذا الفعل طيب يحبه الله كمثل من تعود على قيام الليل وزاده شغفاً بها فإذا
فاتته ليلة منها اضجر وزعل واستغفر واستذكر ..فيرجع وهو لها محب..وحاول أن لا تفوته هذه الركعات وقلبه معلق بها
*وإما أن هذا الفعل خبيث نتن كمن تعود على الزنا والخمر والغناء أو غيرهما
وألفه قلبه وتعود عليه ..خالطت روحة..وسكنت جسدة
فهنا ينذر بسوء وصار الفكاك منه أمر صعب
ففي هذه الحاله بين أمرين:
1- ان كان الأمر طيب فليستمر ويخلص النية ولا يشغل قلبه إلاان كان أفضل منه
2- وان كان الأمر خبيث فهنا وقفات :
*استعن بالله جل جلاله واطلب منه العون بأن يعينك ويشفيك فهو نعم المولى ونعم النصير
*البديل الأفضل بأن تحاول تجد البديل فإن الأمر يتعلق بالزنا فليتزوج ومن يسمع الغناء فالقرآن والأناشيد والقصائد
الحسنه
*العلم بمكائد الشيطان ووسوسته وأن له أفخاخ يستدرج العبد ويوقعه في المصيدةالتي تغضب الرب جل وعلا
*فمن وقع في فخ ابليس فلينقد نفسه.. ويحافظ على دينه وجاهد النفس التي تؤز أزاً
فالمسأله خطيرة ..كم زلت بها من قدم
وغرق في بحار شهواتها خلق كثير
نسأل الله السلامه..ثم الصلاة على خير من وطئ الثرى محمد صلى الله عليه وسلم
وعلى آله الطيبين الطاهرين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
منقووووول
من بريدي….

تحيتي….

عاجل مُقترح " لتأجيل بدء الدراسة في السعودية إلى مابعد الحج

كاتب الموضوع الأصلي: سلوى الخرعان

عاجل مُقترح ” لتأجيل بدء الدراسة في السعودية إلى مابعد الحج بسبب إنفلونزا الخنازير

——————————————————————————–

علمت الوفاق أن لجان حكومية من عدة وزرات طرحت مُقترحاً على وزارة التربية والتعليم يتضمن تأجيل بداية الدراسة للعام القادم إلى مابعد نهاية موسم الحج بسبب تفشى انفلونزا الخنازير بسرعة كبيرة في السعودية الأمر الذي أدى إلى وفاة 11 شخص حتى مساء البارحة .

ولاتزال هناك دراسة فعلية وجدية تدور هذه الأيام مابين وزارتي التربية والتعليم والصحة بشأن إيجاد خطة تساهم في وقاية الطلاب والطالبات من شر هذا المرض , وكان من ضمن الحلول التي تم طرحها محاولة الإسراع في توفير العقار الواقي – بمشيئة الله – من المرض , والذي وعد وزير الصحة بأن يتم توفيره في خلال اربعة أشهر .

ومن المنتظر أن تصدر وزارة التربية والتعليم بياناً حيال الخطوات التي سيتم اتخاذها لمواجهة إنتشار المرض بين الطلبة والطالبات , وقد يكون أحد الحلول التي سيتم طرحها تأجيل بدء الدراسة للعالم القادم حتى يتم توفير كمية مناسبة من العقار .

الجدير بالذكر ان إنفلونزا الخنازير قد تفشى في أحد المدارس الأجنبية في الرياض في الأسابيع الأخيرة من العام الدراسي , كما إنتشر باعداد كبيرة بين طلاب معهد الدراسات الفنية بالظهران .

المصدر…صحيفة الوفاق الالكترونيه

أوهام الليبرالية الجديدة

كاتب الموضوع الأصلي: نايف العصيمي

هل يمكن الانتقال إلى الليبرالية الجديدة في بلد متخلف؟
مناقشة المفاهيم

1

ظهر في العقدين الأخيرين في الولايات المتحدة وبريطانيا مذهب اقتصادي إيديولوجي سمي بـ “الليبرالية الجديدة”. ولعل أهم عنصر جديد في هذا المذهب هو دعواه الإيديولوجية التي تبشر بنموذج جديد للدولة، تمارَس السلطة فيه على أساس مبدأ “الكوفيرنانس” governance، على غرار شركات المساهمة في النظام الرأسمالي ذي التقاليد الأنجلوساكسونية، حيث يمارس حملة الأسهم نوعا من “الرقابة” والتوجيه، عند توزيع الأرباح، بهدف دفع المدراء إلى العمل على تحقيق أقصى قدر من الربح للمؤسسات التي يتولون تسييرها. وهذا النوع من ممارسة السلطة في إطار من الرقابة التي يقوم بها المعنيون بالأمر هو مضمون “الكوفيرنانس”، وهي كلمة إنجليزية مشتقة من govern التي تعني في آن واحد “الحكم” بمعنى ممارسة السلطة (الحكومة government) والرقابة والتوجيهcontrol . وإذن فنموذج “الحكم” الذي تبشر به “الليبرالية الجديدة” يهدف إلى تقليص دور الدولة بحيث تكون مهمتها القيام بالتسيير تحت توجيه ومراقبة أولئك الذين يوازي وضعهم إزاءها وضع حملة الأسهم بالنسبة للمديرين في الشركات الكبرى.

وقبل أن نناقش هذا النموذج نريد أن نطرح مسألة ترجمة كلمة governance -التي استعملت للدلالة على هذا النظام- إلى اللغة العربية. وهذا ليس من أجل “الترجمة” ذاتها، بل من أجل استعمالها هنا كمثال نشرح من خلاله الفكرة التي نصدر عنها في إبداء الرأي في مدى مصداقية أو عدم مصداقية التفكير في الشأن العربي من خلال هذه المفهوم.

2

لقد وردت هذه الكلمة في الورقة التوجيهية لهذه الندوة([‌أ]) مترجمة بلفظ “الحكم” ووضعت في سياق جعلت فيه في موضع المعطوف عليه مع كلمة “دولة” state، هكذا “الحكم والدولة”، مما يعني أنهما يدلان على معنيين مختلفين. إن القارئ العربي يجد نفسه هنا أمام عبارة لا غبار عليها من حيث الاستعمال اللغوي، فالكلمتان عربيتان أصيلتان، ولكن عطف الواحدة منهما على الأخرى بحرف الواو (الحكم والدولة)، يثير من الالتباس والغموض في ذهن القارئ ما يدفعه إلى التساؤل بينه وبين نفسه: “وما الفرق بين مدلول “الدولة” ومفهوم “الحكم” حتى يوضعان مثل هذا الوضع”؟ إن حرف العطف إنما يستعمل عادة للربط بين المتباينات نوعا من التباين، أما المترادفات والمتواطئات والمتقاربات وما في معنى الجزء والكل مثل “الخبز” و”الطعام”، والعطاء والكرم، والساق والرجل الخ، فلا يدخل بينها حرف العطف إلا في العبارات التي تنتمي إلى الخطاب الأدبي الذي يستعمل المجاز والاستعارة والكناية وما أشبه ذلك.

هذا الإشكال يصبح غير ذي موضوع –ربما- إذا وضعنا إزاء اللفظين المذكورين ما يقابلهما في اللغات الأوربية، وخاصة الإنجليزية Governance and the state. إن القارئ في هذه الحالة إما أن يكون على صلة بالمجال التداولي الذي يستعمل فيه هذان اللفظان في هذه اللغة، وفي هذه الحالة فهو “صاحب الدار” كما يقال، وإما أن لا تكون له علاقة بذلك المجال، وفي هذه الحالة يمكن أن يرجع إلى القواميس الإنجليزية اللغوية، أو المتخصصة، وسيجد من المعاني والشروح ما يزيل الغموض والالتباس.

علام يدل هذا؟

إنه يدل على أن المرجعية العربية بالنسبة للفظتين المذكورتين غير المرجعية الأوروبية. وليس في هذا عيب في اللغة، فكثير من الكلمات المترجمة من العربية إلى اللغات الأجنبية لا يمكن استيعاب معناها إلا بالرجوع بها إلى الحقل الدلالي العربي. نحن هنا إذن أمام ظاهرة اختلاف المرجعية : “الحكم” و”الدولة” كلمتان تدلان في اللغة العربية على معنى، بينما يحيل مقابلهما في اللغات الأوروبية الحديثة إلى معنى آخر مختلف، أو أدق أو أوسع، أفقر أو أغنى الخ.

لفظ “الدولة” في المرجعية العربية من “دال يدول دولة”، ويقال عن الشيء يكون مرة في هذا ومرة في ذاك، فهو يفيد معني التناوب والانتقال من يد إلى أخرى، ومنه تداولُ المال، وتداول السلطة alternance الخ. وقد أخذ هذا اللفظ يشيع بعد انتقال “الأمر” (= الحكم) من الأمويين إلى العباسيين وصار أنصار هؤلاء يقولون : “هذه دولتنا”، أي نوبتنا في ممارسة السلطة. أما اللفظ المقابل له في اللغات الأوربية الحديثة Etat, State فيدل في الاصطلاح السياسي –وهو المقصود هنا- على الهيأة أو المؤسسة التي تدبر الشأن العام في بلد ما، تدبيرا يقوم على النيابة على الجميع في ممارسة السلطة، والمحافظة على النظام، والفصل في المنازعات والحكم بين الناس، واللجوء إلى العنف لتطبيق القانون الخ. وهذا المعنى حديث في اللغة العربية ولكنه صار شائعا مقبولا ومفهوما (إلى درجة ما!).

هذا باختصار عن مصطلح “الدولة”، أما لفظ “الحكم” فهو يشير في العربية إلى معنيين رئيسيين، أحدهما : الفصل في أمر متنازع فيه، ومنه القرار الذي يتخذه القاضي لجعل حد لخصومة أو نزاع الخ، وهذا يقابله في اللغات الأوربية لفظ آخر judgment, jugement, . وثانيهما المنع والردع، ومنه الحَكَمة وهي “ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه يمنعه من مخالفة صاحبه”. ومن هذين المعنيين أخذ معنى “الحُكم” الذي يعني ممارسة السلطة لتدبير الشأن العام والفصل في الخلافات والنزاعات الخ. أما لفظ governance، الذي وضع لفظ “الحكم” كترجمة عربية له هنا، فهو أصلا يفيد -في الإنجليزية- معنى الرقابة والتوجيه والتدبير، وأيضا معنى السيطرة وممارسة السلطة، وهو غير الحكومة بمعنى الجهاز المعروف (وزارة …) gouvernement, government كما أنه لا يدخل في علاقة اشتقاقية مع اللفظ الإنجليزي الذي يفيد “الحكم” بمعنى “حكم القاضي”.

وإذا نحن أردنا أن نحدد صلب الاختلاف بين معنى لفظ “الحكم” كما يتحدد في اللغة العربية ولفظ governance كما يتحدد معناه في الإنجليزية، وفي السياق الذي استعمل في العبارة السابقة التي جمعت بينهما، قلنا: إن هذا الأخير يفيد معنى لا يفيده الآخر: معنى “الرقابة” التي قد تكون من أعلى إلى أسفل، أو من أسفل إلى أعلى. وهذا ما يلح منظرو “الليبرالية الجديدة”، إذ يؤكدون أن المقصود بالـ governance هو الجمع بين الرقابة من أعلى (الدولة) والرقابة من أسفل (منظمات المجتمع المدني الخ). وواضح أن هذا المعنى يستحيل استحضاره استحالة تامة من مجرد تأمل معنى لفظة “الحكم” كما تتحدد في اللغة العربية. من أجل ذلك فأنا أفضل استعمال هذا المصطلح كما ينطق به في مرجعيته الأصلية “كوفيرنانس”، كما هو الشأن في عدد من المصطلحات مثل ليبرالية، ديموقراطية، جغرافية، فينومينولوجية، فلسفة الخ، وذلك إلى أن نهتدي إلى لفظ عربي مناسب.

3

قد يتساءل البعض: ولماذا هذه الاستطرادات اللغوية؟ ألم يكن يكفي إبراز هذا المعنى في البداية والانتقال إلى صلب الموضوع؟

وأجيب : لقد قصدت بها إثارة الانتباه إلى أن موضوع هذه الندوة يطرح مشكلة مماثلة لهذه التي شرحناها بصدد اللفظين : حكم، دولة. فالمطلوب منا في هذا المحور الأول، حسب ما نصت عليه الورقة التوجيهية، هو أن ننظر في “مفهوم “الكوفيرنانس” وتطوره ومساهمته في التنمية والتخفيف من الفقر” في البلاد العربية. وهذا “يقتضي : 1) النظر في مدى تقدم عملية الإصلاح السياسي في العالم العربي بما في ذلك محاولات الدمقرطة وتحرير الاقتصاد. 2) النظر فيما إذا كان ذلك قد ساهم في توسيع دائرة مشاركة الجميع والرفع من درجة الفعالية والمسؤولية والشفافية والتمثيلية في مؤسسات الدولة. 3) رصد الدلالات والمرامي والبرامج الهادفة إلى تحسين أنماط “الكوفيرنانس” في العالم العربي من أجل ضمان تنمية اجتماعية واقتصادية والتقليص من الفقر.

وعلى أساس هذه المقاصد تعرِّف الورقة التوجيهية مفهوم “الكوفيرنانس” بكونه : “يحيل إلى عملية ممارسة السلطة بالمعنى الشامل للكلمة، فهو يضم ليس فقط الحكومة التي تتألف من مؤسسات وفاعلين مكلفين بممارسة السلطة، بل يشمل أيضا عناصر مماثلة تنتمي إلى القطاع الخاص والمجتمع المدني. إن مفهوم “الكوفيرنانس” يراد به الإمساك بظاهرة معقدة، قوامها آليات ومؤسسات وفاعلين في الدولة وسوق ومحيط اجتماعي، وأنواع التداخل القائمة بين جميع هذه العناصر، كل ذاك في مقاربة شمولية ومنهجية. و”الكوفيرنانس” الصالح يتميز بخصائص أساسية مثل الشفافية والمسؤولية والفعالية والمشاركة العامة وحكم القانون. إنه الحرص بدون هوادة على أن تسود هذه الخصائص الأساسية المحيط السياسي والاقتصادي والاجتماعي”.

وواضح أن المرجعية المباشرة في هذا التصور لـ “الكوفيرنانس” هي النظرية الاقتصادية المعروفة بـ “الليبرالية الجديدة” Neo-liberalism، كما أبرزنا مضمونها في الفقرة الأولى من هذه المداخلة. وقد أثارت هذه النظرية، وتثير، جدلا واسعا بين الاقتصاديين حول مدى صدقها وصلاحيتها مما لا شأن لنا به هنا. وما نريده نحن من الإشارة إليها أمران: أولهما أنها هي نفسها النظرية التي تطبق بصورة أو أخرى في العالم العربي بتوصية من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والتي تشكل الخوصصة والانفتاح أبرز مظاهرها. ثانيهما أن المهمة التي رسمتها الورقة التوجيهية لهذه الندوة هي : تقويم عملية تطبيق هذه النظرية ونتائجها في العالم العربي بالمقارنة مع “أنماط الدولة” التي عرفتها الأقطار العربية في العقود الأخيرة. ومعلوم أن هذه الأنماط صنفان: 1) صنف يستوحي أو يطبق “النظام الرأسمالي”، أساس الليبرالية الجديدة هذه، إما منذ البداية (الاستقلال) كالمغرب ودول الخليج… وإما منذ تدشين اختيار “الانفتاح” في الثمانينات من القرن الماضي كمصر. 2) وصنف ظل يستوحي أو يطبق “النظام الاشتراكي” منذ فترة ازدهار الفكر الاشتراكي في العالم العربي (الستينات من القرن الماضي بصفة خاصة)، كالجزائر ثم سورية والعراق وليبيا…

يتعلق الأمر إذن بتجربتين مختلفتين تستند كل منهما إلى نظريتين متباينتين بل متناقضتين في كثير من أسسهما وتطلعاتهما. والمهمة التي يمكن أن أدعي إمكانية القيام بها هنا تقع خارج المجال التطبيقي وخارج البحث الميداني، فذلك ما ليس من اختصاصي. ومع ذلك، فإذا نحن أخذنا بعين الاعتبار الحالة العامة في العالم العربي، كما تصفها الأدبيات الاقتصادية والسياسية الراهنة، جاز القول إن أيا من التجربتين لم تحقق الأهداف التنموية المرجوة منها، وإذن يجب البحث في أسباب فشلهما معا. يمكن أن يقال إن “التجارب الاشتراكية” التي استوحتها بعض الدول العربية قد فشلت أيضا في مواطنها (الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشيوعي على العموم)، وهذا صحيح، ولكن هذا الحكم لا ينسحب على التجارب الأخرى التي سلكت منهجا آخر في تطبيق النظرية الاشتراكية كالدول الإسكندنافية، كما لا ينطبق على إنجازات الأحزاب الاشتراكية في البلدان الأوروبية الأخرى، في مجال الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة والضمان الاجتماعي وتعويضات البطالة وغير ذلك مما يندرج في أهداف الاشتراكية.

ونحن لا نريد أن نصل إلى نتيجة تقرر أن الفشل ليس هو فشل النظرية بل فشل التطبيق، فهذا كلام عام، وهو موضوع آخر ليس من اختصاصنا الخوض فيه. ما نريد طرحه هنا شيء آخر يفصح عنه السؤال التالي: هل من الممكن تطبيق نظرية، نبعتْ من وضع معين، في وضع آخر مختلف؟

هذا السؤال، طرح في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، من منظور “ماركسي” في العالم الثالث عموما، طرح بصيغة : “هل يمكن الانتقال إلى الاشتراكية في بلد متخلف؟”. ونحن نعتقد أنه لا شيء يمنع من طرح هذا السؤال نفسه اليوم بصدد “الليبرالية الجديدة”، فنقول: “هل يمكن الانتقال إلى الليبرالية الجديدة في بلد متخلف؟”. وما يجعل طرح هذا السؤال مشروعا هو أن الأمر يتعلق ببنيتين إيديولوجيتين، متشابهتين من حيث التركيب، وإن كانتا متناقضتين من حيث الاتجاه، كما يتبين من الجدول التالي الذي نورد فيه المفاهيم الرئيسية والمتقابلة، تقابل تضاد في البنيتين، (بدون ترتيب مقصود):

الإيديولوجيا الماركسية النظام العالمي الجديد
الاشتراكية الليبرالية
لاستقلال الاقتصادي الاندماج في السوق العالمية
الاستقلال الوطني العولمة
القومية الأقليات
حقوق الشعوب حقوق الإنسان
التأميم الخوصصة
اقتصاد الدولة نهاية الدولة
تدخل الدولة نهاية السياسة
حرق المراحل نهاية التاريخ
صراع الطبقات صراع الحضارات
الجماهير الكادحة المجتمع المدني
التنمية المستقلة – التصنيع التنمية المستدامة/ البشرية
القضاء على الاستغلال التقليص من الفقر
الدولة الكوفيرنانس
الإيديولوجيا الثقافة
المقاومة الإرهاب

4

من النظر إلى هذا الجدول يتبين أن “الكوفيرنانس” يقع بديلا عن “الدولة”، و”الفقر” مكان “الاستغلال” وهكذا. وبما أن الإيديولوجيا الأولى أسبق زمنا من الثانية في العالم العربي خلال المرحلة موضوع الحديث هنا، (الخمسينات/الثمانينات من القرن الماضي)، فإن “محاسبة الدولة” في العالم العربي، سواء كانت من هذا النمط أو ذاك، على ما أنجزته في “مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية والحد من الفقر” الخ، معناه في الحقيقة محاكمة إنجازات الإيديولوجيا الأولى بواسطة وعود الثانية (محاسبة مضامين عناصر العمود الأول من الجدول بواسطة مقابلها في العمود الثاني)! والمشكلة الأساسية في هذه المحاكمة ليست في الاختيار الإيديولوجي الذي يمكن التعبير عنه بهذا السؤال: من يحق له أن يحاكم من؟ بل المشكلة في الحقيقة سابقة لمثل هذا السؤال، إنها نفس المشكلة التي حللناها في بداية هذه المداخلة عندما كنا بصدد مناقشة الطريقة التي تتم بها الترجمة عندنا في معظم الأحيان، كما هو الحال في ترجمة لفظ governance بـ “الحكم”. أقصد بذلك الترجمة/النقل من المعجم بدل الرجوع إلى المرجعيات الخاصة باللفظ الذي يراد ترجمته واللفظ الذي يراد وضعه كمقابل له.

إن نقل البنيات الإيديولوجية من مرجعياتها الأصلية إلى فضاء آخر مباين، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتاريخيا، لا يختلف في شيء عن نقل لفظة/مصطلح من لغة إلى أخرى. إن الأمر يتطلب اعتبار خصوصية الطرفين كليهما. ولكي أوضح فكرتي أكثر أطرح الأسئلة التالية: ما علاقة البنيتين الإيديولوجيتين المذكورتين بالعالم العربي؟ هل خرجت إحداهما، أو كلتاهما، من جوف الوضع العربي؟ هل كانت الأرض العربية حبلى بهما؟

الجواب معروف! لقد وردت –أو استوردت- البنية الإيديولوجية الأولى إلى العالم العربي، ابتداء من منتصف الخمسينات بكيفية خاصة، فتبنى بعض أقطاره بعض عناصرها لبعض الوقت… وبمجرد ما انحلت عراها في موطنها ودخلت في عالم “كان” وردت، وترد على العالم العربي، البنية الأخرى، بنية الليبرالية الجديدة، وهاهي معظم أقطاره تتبنى بعض عناصرها! وفي كلتا الحالتين واجه العالم العربي ويواجه مشكلة التعامل مع هذا “الوارد”. إنها مشكلة عملية معقدة تفرعت عنها عدة مشاكل عملية ونظرية!

لنذكر ببعض المعطيات التاريخية:

تنتمي البنية الأولى إلى الماركسية، ومعروف أنه بناء على تحليل الاقتصاد الرأسمالي، كما كان في القرن التاسع عشر، استنتج كارل ماركس (ويجب أن لا ننسي أنه محلل اقتصادي قبل كل شيء)، أن تناقضات هذا النظام ستؤدي في النهاية –عبر صراع البروليتاريا مع البرجوازية- إلى قيام النظام الشيوعي في الأقطار الأكثر تصنيعا، وهي أوروبا في ذلك الوقت وعلى رأسها ألمانيا. فكان من شروط قيام الثورة الاشتراكية عنده –الثورة التي كان يرى أنها ستقضي على الاستغلال والفقر- هو تطور قوى الإنتاج الصناعية والتكنولوجية إلى أعلى مستوى في أوروبا كلها، الشيء الذي سيزيد من حجم الطبقة العاملة الأوربية ويعمق من وعيها بوضعيتها، فتصبح بذلك البلدان الأوربية كلها –أو الرئيسة منها على الأقل- تعيش “الوضع الثوري” من خلال “اتحاد الطبقة العاملة” فيها داخل حركة ثورية “عالمية” واحدة، غايتها القضاء على الطبقات المستغلة وبالتالي على الاستغلال والفقر، وصولا إلى “تلاشي الدولة” التي لن تعود الحاجة بها قائمة في “مجتمع لا-طبقي”. المهم أن قيام الاشتراكية يتوقف في نظر ماركس وصديقه إنجليز على توفر شرطين أساسين: بلوغ أوربا أعلى درجة من التصنيع من جهة، واتحاد العمال في الأقطار الأوروبية كلها من جهة أخرى. وكان هذا الشرطان يوفران الأداة والحماية: فبالتصنيع الراقي المتقدم وشموله للأقطار الأوروبية قاطبة –وهي وحدها التي كانت صناعية- يزداد حجم الطبقة العاملة ويتعمق وعيها ونضالها وبالتالي تنفجر تناقضات الرأسمالية. وباتحاد العمال على صعيد أوروبا بل على الصعيد “العالمي” تتوفر الحماية لمسلسل إقامة الاشتراكية : الحماية الداخلية والخارجية، من خصمها النظام الرأسمالي الذي سيكون حينئذ في حالة احتضار..!

ليس من مهمتنا هنا مناقشة هذه النظرية، فهي ككل نظرية إنما تستمد مصداقيتها من كونها تعبر عن الواقع الملموس أو عن مظهر أساسي من مظاهره، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن الماركسية كانت كذلك بالفعل في أوروبا النصف الثاني من القرن التاسع عشر. أما نجاح هذه النظرية أو تلك فيتوقف أكثر على قدرتها على ملاءمة أدواتها المنهجية ورؤاها الاستشرافية مع تطور الواقع وتغير مجرى التاريخ. وقد عرفت الماركسية نمطين من التطور مختلفين تماما: ففي الأقطار الأوربية المتقدمة بقيتالماركسية منسجمة مع مقدماتها تراقب اتجاه التطور وتلائم تحليلها معه، وذلك من خلال أحزاب ومفكري “الاشتراكية الديموقراطية” بكل تلويناتها. وقد سلكت في نضالها من أجل تحقيق الاشتراكية أسلوب الضغط الديموقراطي، فساهمت في إجراء تحولات اقتصادية أساسية (القطاع العام مثلا) وحققت مكاسب ومنجزات اجتماعية وسياسية و”إنسانية” على درجة كبيرة من الأهمية…

وعلى العكس من ذلك تماماما حصل في روسيا حيثتحولت الماركسية إلى لينينية. لقد اتجه الزعيم العماليالروسي لينين بالماركسية اتجاها مختلفا، بل متناقضا مع مقدماتها، فقرر أنه يمكن بناء الاشتراكية في بلد واحد، وأكثر من ذلك كان هذا البلد “الواحد” –روسيا- في وضع متخلف كثيرا على درجة التقدم الصناعي التي بلغتها أوربا. ومع تطور الطموحات نحو الهيمنة داخل أوروبا نفسها والتنافس على المستعمرات الخ، تحول الصراع فيهامن صراع اجتماعي داخل القارة إلى صراع سياسي وإستراتيجي بين الرأسمالية و”الاشتراكية الديموقراطية” معا في أوربا، وبين الشيوعية السوفيتية في روسيا والأحزاب المرتبطة بها في أوروبا وخارجها، الصراع الذي تطور إلى حرب باردة بعد الحرب العالمية الثانية. وقد تزامن مع هذا الصراع، بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، صراع آخر بين دول أوربا الاستعمارية وبين مستعمراتها في آسيا وإفريقيا. وفي إطار التداخل بين الصراعين انتقلت الأفكار الاشتراكية والحركات الشيوعية إلى العالم العربي من جهة، وحصل التقاء في المصالح بين حركات التحرر الوطني في كثير من الأقطار العربية وبين المعسكر الشيوعي من جهة أخرى، مما جعل العالم العربي ككل يعاني من نتائج الحرب الباردة على صعيد النظام السياسي والاقتصادي كما على صعيد الفكر والإيديولوجيا، وذلك شيء ما زال عالقا بالأذهان فلا داعي لتفصيل القول فيه.

5

لنعد إذن إلى ذلك السؤال الإشكالي الذي ذكرناه قبل، والذي عانى منه الفكر العربي اليساري في الستينات والسبعيناتخاصة، وقد طرح كما قلنا بالشكل التالي: “كيف يمكن الانتقال إلى الاشتراكية في بلد متخلف”؟

وما يهمنا اليوم من هذا السؤال الإشكالي هو أنه يعبر عن الشعور بكون المعادلة التي كانت تطرحها قضية “الاشتراكية في العالم الثالث”، معادلة مستحيلة الحل، وذلك للتناقض القائم بين طرفيها: الاشتراكية لا تقوم حسب ماركس إلا في مجتمع بلغ درجة عالية من التصنيع، والاشتراكية هنا تعني “ابتداء التصنيع” وفي نفس الوقت “وضع نهاية للاستغلال”، أي القضاء على الفقر باجتثاث أسبابه ومكوناته. هذا بينما العالم العربي هو في مجمله “بلد متخلف”، بعيد جدا من مستوى التصنيع الذي يتطلبه قيام الاشتراكية فيه.

لنؤكد مرة أخرى أن ما نريده من استرجاع هذه المعطيات، التي قد يعتبرها البعض ميتة (وكل المعطيات الجديدة ستصبح في يوم من الأيام ميتة)، هو أن التقصير أو الفشل -أو كيفما كان الاسم الذي نفضله- الذي يمكن أن ننسبه إلى نمط الدولة القائم على “الاشتراكية” أو “الاقتصاد الموجه” أو “التأميمات” أو ما شئنا من الأسماء التي يمكن أن نسمي بها “نموذج دولة جمال عبد الناصر في مصر” ونسخه في أقطار عربية أخرى. إن ما نريده من هذا التذكير هو تقرير ما يلي:

1) إن التجربة التي خاضها هذا النمط من الدولة كانت تجربة منقولة من بيئة مختلفة.

2) إن هذه التجربة لم تتم تبيئتها بشكل ملائم.

3) إنها تمت في ظروف الحرب الباردة، فحاربها الاستعمار والمعسكر الرأسمالي الإمبريالي كله.

4) إن مساعدة المعسكر السوفيتي لها كانت خاضعة لحساباته هو وليس لحاجتها هي.

5) إن ما حققته على صعيد التنمية والتقليص من الفقر كان دون المطلوب بكثير.

6) إن الأقطار العربية الأخرى التي لم تنخرط في تلك التجربة والتي بقيت مخلصة للنظام الرأسمالي الليبرالي تابعة له لم تحقق نتائج أفضل، لا على صعيد التنمية الاقتصادية والاجتماعية ولا على صعيد التقليص من الفقر. (ما عدا دول الخليج التي حققت بفضل عائدات النفط “تنمية” على مستوى الوجاهة والمظاهر الاستهلاكية، وبعيدا عن الشفافية والاستقامة و”الكوفيرنانس” وكل ما تنادي به “الليبرالية الجديدة”.

6

والآن ماذا يمكن أن نقول عن هذه الأخيرة، أعني “الليبرالية الجديدة”؟

إن أول ما يجب إبرازه، بعيدا عن أي حكم من أحكام القيمة- هو أن وضع العالم العربي إزاءها شبيه تماما بوضعه بالأمس إزاء الماركسية. ذلك:

1) أنها بنية إيديولوجية تمثل أرقى ما أفرزته الرأسمالية في موطنها، تماما كما كانت الماركسية في وقتها.

2) أن نقل هذه البنية الإيديولوجية أو أجزاء منها إلى العالم العربي يتم في ظروف ما يسمى بـ”العولمة” و”النظام العالمي الجديد” و”صراع الحضارات” الخ، والتأثير السلبي الذي تمارسه هذه الظروف على العالم العربي لا يختلف في جوهره عن التأثير السلبي الذي مارسته عليه الحرب الباردة بالأمس. ويكفي أن نشير إلى تدمير العراق والحصار المضروب عليه منذ أحد عشر عاما.

3) أن وضع القضية الفلسطينية لم يتغير رغم التنازلات التي قدمها العرب والفلسطينيون أنفسهم، ورغم احتكامهم إلى أمريكا وإعلان اعتمادهم عل الغرب الخ. ولا نعتقد أن تغييرا حقيقيا في الشرق الأوسط في اتجاه التنمية يمكن أن يحصل بدون حل القضية الفلسطينية. فالتغيير الإيجابي في إطار هذا النموذج الليبرالي أو ذاك يتطلب الاستقرار الذي يبعث على الطمانينة والثقة.

4) أن مساندة الغرب للأنظمة العربية التي تعادي الحداثة السياسية والاجتماعية والثقافية وتحاربها ما زالت مساندة قوية ومتواصلة لأنها محكومة باستمرار حاجتها إلى النفط، وليس بإيمانها بقيم الديموقراطية وحقوق الإنسان والشعوب الخ.

5) أن شعار “الكوفيرنانس” الذي تنادي به الليبرالية الجديدة وما يرافقه من دعوة إلى اعتماد الشفافية والمسؤولية والاستقامة والجد في العمل الخ، شعار يؤسسه تصور للدولة “كـ “شركة مساهمة”، لها مدراء (الحكومة) ومساهمون (حملة الأسهم وجمعيات المجتمع المدني الخ)؛ والهدف هو التقليص من دور الدولة، وهذا إن كان معقولا ومقبولا في مجتمع مستقر ومتطور في بنياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فهو موضوع تساؤل ملح في مجتمع غير مستقر متماوج الخ.

6) أن هذه النظرية تنسى وتتجاهل العمال والمستخدمين، تماما كما أهملت الماركسية شأن الفئات الاجتماعية الأخرى، كشرائح الطبقة المتوسطة مثلا. وهي إذ تجعل هدفها الرئيسي تحقيق أقصى ما يمكن من الربح من أجل استقطاب الاستثمارات تنسى أن ذلك لا يمكن أن يكون إلا على حساب الشرائح المتوسطة التي تزداد فقرا، وبالتالي فالنتيجة لن تكون “التخفيف” من الفقر بل تعميمه.

7) أن الليبرالية الجديدة تتحرك في إطار عام يسمى العولمة. وردود الفعل التي نشاهدها في كل مناسبة ضد العولمة في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها وفي أقطار أخرى متقدمة مصنعة، دليل على أن الليبرالية الجديدة والعولمة معا قد بدأتا تفرزان نقيضهما، في عقر دارهما!

8) وأخيرا وليس آخرا، فإن الشرط الضروري الذي من شأنه أن يؤسس نظريا على الأقل مصداقية هذا النمط من “الدولة” الذي تدعو إليه الليبرالية الجديدة، هو وجود شركات تستحوذ على القسط الأكبر من الاقتصاد، أعني وجود نظام رأسمالي وطني متطور، تماما كما كان الشرط الضروري الذي كان يؤسس، من الناحية النظرية، قيام الاشتراكية من منظور ماركسية ماركس وإنجلز، هو وجود بروليتاريا متطورة! والعالم العربي الذي لم يوفر شرط الاشتراكية بالأمس ليس قادرا اليوم على توفير شرط الليبرالية الجديدة.

7

هذه الملاحظات المتحفظة لها ما يبررها في الواقع العربي الراهن. ودون الدخول في التفاصيل يمكن أن نسجل المعطيات التالية، وهي ذات دلالة خاصة فيما نحن بصدده.

1- معروف أن المغرب، مثلا، لم يخض في أي وقت من الأوقات، منذ استقلاله، أية تجربة مستوحاة من الاشتراكية، بل بالعكس لقد بقي “ابنا مخلصا” للمعسكر الرأسمالي مرتبطا به تابعا له. والقطاع الخاص فيه بقي مفتوحا على الجميع، مغاربة وأجانب. أما القطاع العام فلم يكن نتيجة تأميمات بل هو، في جزء منه، موروث من دولة الحماية الفرنسية، وفي جزء آخر من عمل الدولة التي اضطرت، أمام ضعف الرأسمالية الوطنية، إلى النيابة عنها والقيام بمهمتها. ومنذ سنة 1980 دخل المغرب في مسلسل إعادة الهيكلة الذي فرضه صندوق النقد الدولي، الشيء الذي جعله يعرض تماما عن بذل ما ينبغي من الجهد لمحو الأمية وتعميم التعليم وتوسيع الخدمات الصحية والاجتماعية الخ، مما جعله يحتل في السنوات الأخيرة مرتبة 125 على سلم التنمية البشرية، المرتبة التي وضعته في مؤخرة القافلة.

2- أما جمهورية مصر العربية التي تبنت “الاشتراكية” (أو اقتصاد الدولة أو الاقتصاد الموجه) والتي تمت فيها إنجازات في مجال التصنيع والتعليم والخدمات الاجتماعية، فقد عدلت عن تلك الطريق قبل عشرين سنة وسارت في طريق الانفتاح، طريق الليبرالية، ومع ذلك فيبدو أن ما حققه الانفتاح خلال العشرين سنة الماضية، في مجال التنمية البشرية، لم يتجاوز ما حققته “الاشتراكية” في السنوات العشرين التي سبقته.

3- أما ما يشاهد اليوم في تونس من تقدم على مستوى التنمية البشرية والتقليص من الفقر فلا يمكن تفسيره بدون استحضار المجهودات المتواصلة التي كانت تنتمي إلى نوع من “الاختيار الاشتراكي” ركز على التنمية البشرية خلال الستينات والسبعينات.

يمكن استعراض تجارب مختلف الأقطار العربية، فهي تندرج بصورة أو أخرى في هذه النماذج الثلاثة (إذا نحن استثنينا دول الخليج التي لا يمكن إدخالها في الحساب لكون اقتصادها اقتصادا ريعيا تماما)، والنتيجة لن تختلف كثيرا عما قررناه، وهو أن المشكلة ليست في اختيار هذا النظام أو ذلك من النظم المتوفرة في “السوق”، وإنما المشكلة هي في كون ما خرج من جوف الوضع الاقتصادي المتقدم (تكنولوجيا وعلميا) لا يمكن أن يثمر نفس الثمار إذا هو نقل نقلا بـ “المفتاح” إلى وضع آخر متخلف، لا يتحمله أو لا يقدر على حمله. وإذا أضفنا إلى ذلك الدور السلبي، بل التخريبي، الذي يلعبه العامل الخارجي المتمثل في هيمنة الغرب سياسيا واقتصاديا، دولا وشركات، وسياسات الحماية التي يتبعها، إضافة إلى المنافسة العربية/ العربية التي يفرضها تشابه المنتوج (الفلاحي أو الصناعي الخ) أدركنا مدى تعقد المشكل الذي نحن بصدده، مشكل التنمية والتقليص من الفقر.

8

وبعيدا عن الكلام بلغة الحلول الجاهزة، أو الاختيارات الإيديولوجية المسبقة، يمكن القول إنه ما لم تبن التنمية على مبدأ “التجديد من الداخل” فلن تكون لها النتائج المتوخاة. و”التجديد من الداخل” يتطلب نوعا من الكتلة التاريخية بين جميع العناصر والأطراف : بين الدولة والمجتمع، بين المجتمع والفرد، بين القديم والجديد، بين التقليدي والعصري، بين التراثي والحداثي، بين الريف والمدينة الخ.

والحاجة إلى كتلة تاريخية من هذا النوع تبررها ثلاثة معطيات خطيرة في الوضع العربي الراهن تعوق التقدم بل تجعل التنمية المطلوبة متعذرة إن لم تكن مستحيلة :

هناك من جهة الهوة العميقة التي تفصل بين ما هو قروي وما هو مدني، بين ما هو قروي في الأرياف والمدن، وما هو مدني في المدن والأرياف، في الاقتصاد والاجتماع والفكر والثقافة. وهي هوة تكرس عملية إعادة إنتاج متواصلة لظاهرة اتساع الشقة بين نخبة مشدودة إلى الغرب ونخبة مكبلة بالماضي، نخبة مغتربة وأخرى منغلقة، نخبة تقرأ الماضي في المستقبل وأخرى تقرأ المستقبل في الماضي…

وهناك من جهة ثانية غياب التنسيق الجاد، والتضامن المتواصل والتكامل المتنامي، بين الأقطار العربية. والحاجة إلى التنسيق والتضامن والتكامل لم تعد قضية ترف إيديولوجي بل هي اليوم، في عالم العولمة، ضرورة وجودية. إن “الكتلة الإقليمية العربية” هي كتلة تاريخية بمعنيين: فمن جهة هي ضرورية لتغلب الدولة القطرية العربية على مشاكلها الخاصة، وهي أيضا ضرورية للوقوف في وجه المنافسة والهيمنة داخل العولمة.

ومن جهة ثالثة ليس في أي قطر عربي قوة مهيمنة، هيمنة اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، قادرة موضوعيا وذاتيا على “النيابة” عن الباقي في تحقيق التنمية والتقدم. إن شرط الاشتراكية كان هو هيمنة الطبقة العاملة، وشرط الليبرالية هو هيمنة الطبقة الرأسمالية. وحيثما تغيب إمكانية هيمنة هذه الطبقة أو تلك تصبح إمكانية تعميم مشروعها الإيديولوجي حلما مستحيل التحقيق. والنتيجة أن الكتلة التاريخية التي تؤجل فيها المشاريع الإيديولوجية الفئوية الطبقية لفائدة المصلحة الوطنية، مصلحة الجميع، هي المخرج الوحيد في نظرنا من الوضع الذي يسود المنطقة العربية حاليا: وضع التفتت والحيرة وغياب أي مشروع للمستقبل. إن الليبرالية الجديدة والقديمة على السواء ليست -بسبب من طبيعتها ذاتها- مشروعا للمستقبل، بل هي دوما “مشروع الحاضر”. ومن المؤكد أن ميولاتها وتوجهاتها ستتغير بمجرد ما تلمس أن الحاضر آخذ في التغير. أليست تقوم فلسفيا على مذهب التجريبية empirism، وأخلاقيا على مذهب المنفعة . pragmatism

……………………………………………..

1- ندوة “الحكم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية ومكافحة الفقر” التي عقدتها الإيسكوا (اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة) بالقاهرة ما بين 11-13 نوفمبر 2001
………………………………………………

محمد عابد الجابري يدرس الفلسفة والفكر الإسلامي بكلية الآداب ،جامعة محمد الخامس الرباط، منذ 1967

أوهام الليبرالية الجديدة

كاتب الموضوع الأصلي: نايف العصيمي

هل يمكن الانتقال إلى الليبرالية الجديدة في بلد متخلف؟
مناقشة المفاهيم

1

ظهر في العقدين الأخيرين في الولايات المتحدة وبريطانيا مذهب اقتصادي إيديولوجي سمي بـ “الليبرالية الجديدة”. ولعل أهم عنصر جديد في هذا المذهب هو دعواه الإيديولوجية التي تبشر بنموذج جديد للدولة، تمارَس السلطة فيه على أساس مبدأ “الكوفيرنانس” governance، على غرار شركات المساهمة في النظام الرأسمالي ذي التقاليد الأنجلوساكسونية، حيث يمارس حملة الأسهم نوعا من “الرقابة” والتوجيه، عند توزيع الأرباح، بهدف دفع المدراء إلى العمل على تحقيق أقصى قدر من الربح للمؤسسات التي يتولون تسييرها. وهذا النوع من ممارسة السلطة في إطار من الرقابة التي يقوم بها المعنيون بالأمر هو مضمون “الكوفيرنانس”، وهي كلمة إنجليزية مشتقة من govern التي تعني في آن واحد “الحكم” بمعنى ممارسة السلطة (الحكومة government) والرقابة والتوجيهcontrol . وإذن فنموذج “الحكم” الذي تبشر به “الليبرالية الجديدة” يهدف إلى تقليص دور الدولة بحيث تكون مهمتها القيام بالتسيير تحت توجيه ومراقبة أولئك الذين يوازي وضعهم إزاءها وضع حملة الأسهم بالنسبة للمديرين في الشركات الكبرى.

وقبل أن نناقش هذا النموذج نريد أن نطرح مسألة ترجمة كلمة governance -التي استعملت للدلالة على هذا النظام- إلى اللغة العربية. وهذا ليس من أجل “الترجمة” ذاتها، بل من أجل استعمالها هنا كمثال نشرح من خلاله الفكرة التي نصدر عنها في إبداء الرأي في مدى مصداقية أو عدم مصداقية التفكير في الشأن العربي من خلال هذه المفهوم.

2

لقد وردت هذه الكلمة في الورقة التوجيهية لهذه الندوة([‌أ]) مترجمة بلفظ “الحكم” ووضعت في سياق جعلت فيه في موضع المعطوف عليه مع كلمة “دولة” state، هكذا “الحكم والدولة”، مما يعني أنهما يدلان على معنيين مختلفين. إن القارئ العربي يجد نفسه هنا أمام عبارة لا غبار عليها من حيث الاستعمال اللغوي، فالكلمتان عربيتان أصيلتان، ولكن عطف الواحدة منهما على الأخرى بحرف الواو (الحكم والدولة)، يثير من الالتباس والغموض في ذهن القارئ ما يدفعه إلى التساؤل بينه وبين نفسه: “وما الفرق بين مدلول “الدولة” ومفهوم “الحكم” حتى يوضعان مثل هذا الوضع”؟ إن حرف العطف إنما يستعمل عادة للربط بين المتباينات نوعا من التباين، أما المترادفات والمتواطئات والمتقاربات وما في معنى الجزء والكل مثل “الخبز” و”الطعام”، والعطاء والكرم، والساق والرجل الخ، فلا يدخل بينها حرف العطف إلا في العبارات التي تنتمي إلى الخطاب الأدبي الذي يستعمل المجاز والاستعارة والكناية وما أشبه ذلك.

هذا الإشكال يصبح غير ذي موضوع –ربما- إذا وضعنا إزاء اللفظين المذكورين ما يقابلهما في اللغات الأوربية، وخاصة الإنجليزية Governance and the state. إن القارئ في هذه الحالة إما أن يكون على صلة بالمجال التداولي الذي يستعمل فيه هذان اللفظان في هذه اللغة، وفي هذه الحالة فهو “صاحب الدار” كما يقال، وإما أن لا تكون له علاقة بذلك المجال، وفي هذه الحالة يمكن أن يرجع إلى القواميس الإنجليزية اللغوية، أو المتخصصة، وسيجد من المعاني والشروح ما يزيل الغموض والالتباس.

علام يدل هذا؟

إنه يدل على أن المرجعية العربية بالنسبة للفظتين المذكورتين غير المرجعية الأوروبية. وليس في هذا عيب في اللغة، فكثير من الكلمات المترجمة من العربية إلى اللغات الأجنبية لا يمكن استيعاب معناها إلا بالرجوع بها إلى الحقل الدلالي العربي. نحن هنا إذن أمام ظاهرة اختلاف المرجعية : “الحكم” و”الدولة” كلمتان تدلان في اللغة العربية على معنى، بينما يحيل مقابلهما في اللغات الأوروبية الحديثة إلى معنى آخر مختلف، أو أدق أو أوسع، أفقر أو أغنى الخ.

لفظ “الدولة” في المرجعية العربية من “دال يدول دولة”، ويقال عن الشيء يكون مرة في هذا ومرة في ذاك، فهو يفيد معني التناوب والانتقال من يد إلى أخرى، ومنه تداولُ المال، وتداول السلطة alternance الخ. وقد أخذ هذا اللفظ يشيع بعد انتقال “الأمر” (= الحكم) من الأمويين إلى العباسيين وصار أنصار هؤلاء يقولون : “هذه دولتنا”، أي نوبتنا في ممارسة السلطة. أما اللفظ المقابل له في اللغات الأوربية الحديثة Etat, State فيدل في الاصطلاح السياسي –وهو المقصود هنا- على الهيأة أو المؤسسة التي تدبر الشأن العام في بلد ما، تدبيرا يقوم على النيابة على الجميع في ممارسة السلطة، والمحافظة على النظام، والفصل في المنازعات والحكم بين الناس، واللجوء إلى العنف لتطبيق القانون الخ. وهذا المعنى حديث في اللغة العربية ولكنه صار شائعا مقبولا ومفهوما (إلى درجة ما!).

هذا باختصار عن مصطلح “الدولة”، أما لفظ “الحكم” فهو يشير في العربية إلى معنيين رئيسيين، أحدهما : الفصل في أمر متنازع فيه، ومنه القرار الذي يتخذه القاضي لجعل حد لخصومة أو نزاع الخ، وهذا يقابله في اللغات الأوربية لفظ آخر judgment, jugement, . وثانيهما المنع والردع، ومنه الحَكَمة وهي “ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه يمنعه من مخالفة صاحبه”. ومن هذين المعنيين أخذ معنى “الحُكم” الذي يعني ممارسة السلطة لتدبير الشأن العام والفصل في الخلافات والنزاعات الخ. أما لفظ governance، الذي وضع لفظ “الحكم” كترجمة عربية له هنا، فهو أصلا يفيد -في الإنجليزية- معنى الرقابة والتوجيه والتدبير، وأيضا معنى السيطرة وممارسة السلطة، وهو غير الحكومة بمعنى الجهاز المعروف (وزارة …) gouvernement, government كما أنه لا يدخل في علاقة اشتقاقية مع اللفظ الإنجليزي الذي يفيد “الحكم” بمعنى “حكم القاضي”.

وإذا نحن أردنا أن نحدد صلب الاختلاف بين معنى لفظ “الحكم” كما يتحدد في اللغة العربية ولفظ governance كما يتحدد معناه في الإنجليزية، وفي السياق الذي استعمل في العبارة السابقة التي جمعت بينهما، قلنا: إن هذا الأخير يفيد معنى لا يفيده الآخر: معنى “الرقابة” التي قد تكون من أعلى إلى أسفل، أو من أسفل إلى أعلى. وهذا ما يلح منظرو “الليبرالية الجديدة”، إذ يؤكدون أن المقصود بالـ governance هو الجمع بين الرقابة من أعلى (الدولة) والرقابة من أسفل (منظمات المجتمع المدني الخ). وواضح أن هذا المعنى يستحيل استحضاره استحالة تامة من مجرد تأمل معنى لفظة “الحكم” كما تتحدد في اللغة العربية. من أجل ذلك فأنا أفضل استعمال هذا المصطلح كما ينطق به في مرجعيته الأصلية “كوفيرنانس”، كما هو الشأن في عدد من المصطلحات مثل ليبرالية، ديموقراطية، جغرافية، فينومينولوجية، فلسفة الخ، وذلك إلى أن نهتدي إلى لفظ عربي مناسب.

3

قد يتساءل البعض: ولماذا هذه الاستطرادات اللغوية؟ ألم يكن يكفي إبراز هذا المعنى في البداية والانتقال إلى صلب الموضوع؟

وأجيب : لقد قصدت بها إثارة الانتباه إلى أن موضوع هذه الندوة يطرح مشكلة مماثلة لهذه التي شرحناها بصدد اللفظين : حكم، دولة. فالمطلوب منا في هذا المحور الأول، حسب ما نصت عليه الورقة التوجيهية، هو أن ننظر في “مفهوم “الكوفيرنانس” وتطوره ومساهمته في التنمية والتخفيف من الفقر” في البلاد العربية. وهذا “يقتضي : 1) النظر في مدى تقدم عملية الإصلاح السياسي في العالم العربي بما في ذلك محاولات الدمقرطة وتحرير الاقتصاد. 2) النظر فيما إذا كان ذلك قد ساهم في توسيع دائرة مشاركة الجميع والرفع من درجة الفعالية والمسؤولية والشفافية والتمثيلية في مؤسسات الدولة. 3) رصد الدلالات والمرامي والبرامج الهادفة إلى تحسين أنماط “الكوفيرنانس” في العالم العربي من أجل ضمان تنمية اجتماعية واقتصادية والتقليص من الفقر.

وعلى أساس هذه المقاصد تعرِّف الورقة التوجيهية مفهوم “الكوفيرنانس” بكونه : “يحيل إلى عملية ممارسة السلطة بالمعنى الشامل للكلمة، فهو يضم ليس فقط الحكومة التي تتألف من مؤسسات وفاعلين مكلفين بممارسة السلطة، بل يشمل أيضا عناصر مماثلة تنتمي إلى القطاع الخاص والمجتمع المدني. إن مفهوم “الكوفيرنانس” يراد به الإمساك بظاهرة معقدة، قوامها آليات ومؤسسات وفاعلين في الدولة وسوق ومحيط اجتماعي، وأنواع التداخل القائمة بين جميع هذه العناصر، كل ذاك في مقاربة شمولية ومنهجية. و”الكوفيرنانس” الصالح يتميز بخصائص أساسية مثل الشفافية والمسؤولية والفعالية والمشاركة العامة وحكم القانون. إنه الحرص بدون هوادة على أن تسود هذه الخصائص الأساسية المحيط السياسي والاقتصادي والاجتماعي”.

وواضح أن المرجعية المباشرة في هذا التصور لـ “الكوفيرنانس” هي النظرية الاقتصادية المعروفة بـ “الليبرالية الجديدة” Neo-liberalism، كما أبرزنا مضمونها في الفقرة الأولى من هذه المداخلة. وقد أثارت هذه النظرية، وتثير، جدلا واسعا بين الاقتصاديين حول مدى صدقها وصلاحيتها مما لا شأن لنا به هنا. وما نريده نحن من الإشارة إليها أمران: أولهما أنها هي نفسها النظرية التي تطبق بصورة أو أخرى في العالم العربي بتوصية من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والتي تشكل الخوصصة والانفتاح أبرز مظاهرها. ثانيهما أن المهمة التي رسمتها الورقة التوجيهية لهذه الندوة هي : تقويم عملية تطبيق هذه النظرية ونتائجها في العالم العربي بالمقارنة مع “أنماط الدولة” التي عرفتها الأقطار العربية في العقود الأخيرة. ومعلوم أن هذه الأنماط صنفان: 1) صنف يستوحي أو يطبق “النظام الرأسمالي”، أساس الليبرالية الجديدة هذه، إما منذ البداية (الاستقلال) كالمغرب ودول الخليج… وإما منذ تدشين اختيار “الانفتاح” في الثمانينات من القرن الماضي كمصر. 2) وصنف ظل يستوحي أو يطبق “النظام الاشتراكي” منذ فترة ازدهار الفكر الاشتراكي في العالم العربي (الستينات من القرن الماضي بصفة خاصة)، كالجزائر ثم سورية والعراق وليبيا…

يتعلق الأمر إذن بتجربتين مختلفتين تستند كل منهما إلى نظريتين متباينتين بل متناقضتين في كثير من أسسهما وتطلعاتهما. والمهمة التي يمكن أن أدعي إمكانية القيام بها هنا تقع خارج المجال التطبيقي وخارج البحث الميداني، فذلك ما ليس من اختصاصي. ومع ذلك، فإذا نحن أخذنا بعين الاعتبار الحالة العامة في العالم العربي، كما تصفها الأدبيات الاقتصادية والسياسية الراهنة، جاز القول إن أيا من التجربتين لم تحقق الأهداف التنموية المرجوة منها، وإذن يجب البحث في أسباب فشلهما معا. يمكن أن يقال إن “التجارب الاشتراكية” التي استوحتها بعض الدول العربية قد فشلت أيضا في مواطنها (الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشيوعي على العموم)، وهذا صحيح، ولكن هذا الحكم لا ينسحب على التجارب الأخرى التي سلكت منهجا آخر في تطبيق النظرية الاشتراكية كالدول الإسكندنافية، كما لا ينطبق على إنجازات الأحزاب الاشتراكية في البلدان الأوروبية الأخرى، في مجال الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة والضمان الاجتماعي وتعويضات البطالة وغير ذلك مما يندرج في أهداف الاشتراكية.

ونحن لا نريد أن نصل إلى نتيجة تقرر أن الفشل ليس هو فشل النظرية بل فشل التطبيق، فهذا كلام عام، وهو موضوع آخر ليس من اختصاصنا الخوض فيه. ما نريد طرحه هنا شيء آخر يفصح عنه السؤال التالي: هل من الممكن تطبيق نظرية، نبعتْ من وضع معين، في وضع آخر مختلف؟

هذا السؤال، طرح في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، من منظور “ماركسي” في العالم الثالث عموما، طرح بصيغة : “هل يمكن الانتقال إلى الاشتراكية في بلد متخلف؟”. ونحن نعتقد أنه لا شيء يمنع من طرح هذا السؤال نفسه اليوم بصدد “الليبرالية الجديدة”، فنقول: “هل يمكن الانتقال إلى الليبرالية الجديدة في بلد متخلف؟”. وما يجعل طرح هذا السؤال مشروعا هو أن الأمر يتعلق ببنيتين إيديولوجيتين، متشابهتين من حيث التركيب، وإن كانتا متناقضتين من حيث الاتجاه، كما يتبين من الجدول التالي الذي نورد فيه المفاهيم الرئيسية والمتقابلة، تقابل تضاد في البنيتين، (بدون ترتيب مقصود):

الإيديولوجيا الماركسية النظام العالمي الجديد
الاشتراكية الليبرالية
لاستقلال الاقتصادي الاندماج في السوق العالمية
الاستقلال الوطني العولمة
القومية الأقليات
حقوق الشعوب حقوق الإنسان
التأميم الخوصصة
اقتصاد الدولة نهاية الدولة
تدخل الدولة نهاية السياسة
حرق المراحل نهاية التاريخ
صراع الطبقات صراع الحضارات
الجماهير الكادحة المجتمع المدني
التنمية المستقلة – التصنيع التنمية المستدامة/ البشرية
القضاء على الاستغلال التقليص من الفقر
الدولة الكوفيرنانس
الإيديولوجيا الثقافة
المقاومة الإرهاب

4

من النظر إلى هذا الجدول يتبين أن “الكوفيرنانس” يقع بديلا عن “الدولة”، و”الفقر” مكان “الاستغلال” وهكذا. وبما أن الإيديولوجيا الأولى أسبق زمنا من الثانية في العالم العربي خلال المرحلة موضوع الحديث هنا، (الخمسينات/الثمانينات من القرن الماضي)، فإن “محاسبة الدولة” في العالم العربي، سواء كانت من هذا النمط أو ذاك، على ما أنجزته في “مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية والحد من الفقر” الخ، معناه في الحقيقة محاكمة إنجازات الإيديولوجيا الأولى بواسطة وعود الثانية (محاسبة مضامين عناصر العمود الأول من الجدول بواسطة مقابلها في العمود الثاني)! والمشكلة الأساسية في هذه المحاكمة ليست في الاختيار الإيديولوجي الذي يمكن التعبير عنه بهذا السؤال: من يحق له أن يحاكم من؟ بل المشكلة في الحقيقة سابقة لمثل هذا السؤال، إنها نفس المشكلة التي حللناها في بداية هذه المداخلة عندما كنا بصدد مناقشة الطريقة التي تتم بها الترجمة عندنا في معظم الأحيان، كما هو الحال في ترجمة لفظ governance بـ “الحكم”. أقصد بذلك الترجمة/النقل من المعجم بدل الرجوع إلى المرجعيات الخاصة باللفظ الذي يراد ترجمته واللفظ الذي يراد وضعه كمقابل له.

إن نقل البنيات الإيديولوجية من مرجعياتها الأصلية إلى فضاء آخر مباين، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتاريخيا، لا يختلف في شيء عن نقل لفظة/مصطلح من لغة إلى أخرى. إن الأمر يتطلب اعتبار خصوصية الطرفين كليهما. ولكي أوضح فكرتي أكثر أطرح الأسئلة التالية: ما علاقة البنيتين الإيديولوجيتين المذكورتين بالعالم العربي؟ هل خرجت إحداهما، أو كلتاهما، من جوف الوضع العربي؟ هل كانت الأرض العربية حبلى بهما؟

الجواب معروف! لقد وردت –أو استوردت- البنية الإيديولوجية الأولى إلى العالم العربي، ابتداء من منتصف الخمسينات بكيفية خاصة، فتبنى بعض أقطاره بعض عناصرها لبعض الوقت… وبمجرد ما انحلت عراها في موطنها ودخلت في عالم “كان” وردت، وترد على العالم العربي، البنية الأخرى، بنية الليبرالية الجديدة، وهاهي معظم أقطاره تتبنى بعض عناصرها! وفي كلتا الحالتين واجه العالم العربي ويواجه مشكلة التعامل مع هذا “الوارد”. إنها مشكلة عملية معقدة تفرعت عنها عدة مشاكل عملية ونظرية!

لنذكر ببعض المعطيات التاريخية:

تنتمي البنية الأولى إلى الماركسية، ومعروف أنه بناء على تحليل الاقتصاد الرأسمالي، كما كان في القرن التاسع عشر، استنتج كارل ماركس (ويجب أن لا ننسي أنه محلل اقتصادي قبل كل شيء)، أن تناقضات هذا النظام ستؤدي في النهاية –عبر صراع البروليتاريا مع البرجوازية- إلى قيام النظام الشيوعي في الأقطار الأكثر تصنيعا، وهي أوروبا في ذلك الوقت وعلى رأسها ألمانيا. فكان من شروط قيام الثورة الاشتراكية عنده –الثورة التي كان يرى أنها ستقضي على الاستغلال والفقر- هو تطور قوى الإنتاج الصناعية والتكنولوجية إلى أعلى مستوى في أوروبا كلها، الشيء الذي سيزيد من حجم الطبقة العاملة الأوربية ويعمق من وعيها بوضعيتها، فتصبح بذلك البلدان الأوربية كلها –أو الرئيسة منها على الأقل- تعيش “الوضع الثوري” من خلال “اتحاد الطبقة العاملة” فيها داخل حركة ثورية “عالمية” واحدة، غايتها القضاء على الطبقات المستغلة وبالتالي على الاستغلال والفقر، وصولا إلى “تلاشي الدولة” التي لن تعود الحاجة بها قائمة في “مجتمع لا-طبقي”. المهم أن قيام الاشتراكية يتوقف في نظر ماركس وصديقه إنجليز على توفر شرطين أساسين: بلوغ أوربا أعلى درجة من التصنيع من جهة، واتحاد العمال في الأقطار الأوروبية كلها من جهة أخرى. وكان هذا الشرطان يوفران الأداة والحماية: فبالتصنيع الراقي المتقدم وشموله للأقطار الأوروبية قاطبة –وهي وحدها التي كانت صناعية- يزداد حجم الطبقة العاملة ويتعمق وعيها ونضالها وبالتالي تنفجر تناقضات الرأسمالية. وباتحاد العمال على صعيد أوروبا بل على الصعيد “العالمي” تتوفر الحماية لمسلسل إقامة الاشتراكية : الحماية الداخلية والخارجية، من خصمها النظام الرأسمالي الذي سيكون حينئذ في حالة احتضار..!

ليس من مهمتنا هنا مناقشة هذه النظرية، فهي ككل نظرية إنما تستمد مصداقيتها من كونها تعبر عن الواقع الملموس أو عن مظهر أساسي من مظاهره، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن الماركسية كانت كذلك بالفعل في أوروبا النصف الثاني من القرن التاسع عشر. أما نجاح هذه النظرية أو تلك فيتوقف أكثر على قدرتها على ملاءمة أدواتها المنهجية ورؤاها الاستشرافية مع تطور الواقع وتغير مجرى التاريخ. وقد عرفت الماركسية نمطين من التطور مختلفين تماما: ففي الأقطار الأوربية المتقدمة بقيتالماركسية منسجمة مع مقدماتها تراقب اتجاه التطور وتلائم تحليلها معه، وذلك من خلال أحزاب ومفكري “الاشتراكية الديموقراطية” بكل تلويناتها. وقد سلكت في نضالها من أجل تحقيق الاشتراكية أسلوب الضغط الديموقراطي، فساهمت في إجراء تحولات اقتصادية أساسية (القطاع العام مثلا) وحققت مكاسب ومنجزات اجتماعية وسياسية و”إنسانية” على درجة كبيرة من الأهمية…

وعلى العكس من ذلك تماماما حصل في روسيا حيثتحولت الماركسية إلى لينينية. لقد اتجه الزعيم العماليالروسي لينين بالماركسية اتجاها مختلفا، بل متناقضا مع مقدماتها، فقرر أنه يمكن بناء الاشتراكية في بلد واحد، وأكثر من ذلك كان هذا البلد “الواحد” –روسيا- في وضع متخلف كثيرا على درجة التقدم الصناعي التي بلغتها أوربا. ومع تطور الطموحات نحو الهيمنة داخل أوروبا نفسها والتنافس على المستعمرات الخ، تحول الصراع فيهامن صراع اجتماعي داخل القارة إلى صراع سياسي وإستراتيجي بين الرأسمالية و”الاشتراكية الديموقراطية” معا في أوربا، وبين الشيوعية السوفيتية في روسيا والأحزاب المرتبطة بها في أوروبا وخارجها، الصراع الذي تطور إلى حرب باردة بعد الحرب العالمية الثانية. وقد تزامن مع هذا الصراع، بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، صراع آخر بين دول أوربا الاستعمارية وبين مستعمراتها في آسيا وإفريقيا. وفي إطار التداخل بين الصراعين انتقلت الأفكار الاشتراكية والحركات الشيوعية إلى العالم العربي من جهة، وحصل التقاء في المصالح بين حركات التحرر الوطني في كثير من الأقطار العربية وبين المعسكر الشيوعي من جهة أخرى، مما جعل العالم العربي ككل يعاني من نتائج الحرب الباردة على صعيد النظام السياسي والاقتصادي كما على صعيد الفكر والإيديولوجيا، وذلك شيء ما زال عالقا بالأذهان فلا داعي لتفصيل القول فيه.

5

لنعد إذن إلى ذلك السؤال الإشكالي الذي ذكرناه قبل، والذي عانى منه الفكر العربي اليساري في الستينات والسبعيناتخاصة، وقد طرح كما قلنا بالشكل التالي: “كيف يمكن الانتقال إلى الاشتراكية في بلد متخلف”؟

وما يهمنا اليوم من هذا السؤال الإشكالي هو أنه يعبر عن الشعور بكون المعادلة التي كانت تطرحها قضية “الاشتراكية في العالم الثالث”، معادلة مستحيلة الحل، وذلك للتناقض القائم بين طرفيها: الاشتراكية لا تقوم حسب ماركس إلا في مجتمع بلغ درجة عالية من التصنيع، والاشتراكية هنا تعني “ابتداء التصنيع” وفي نفس الوقت “وضع نهاية للاستغلال”، أي القضاء على الفقر باجتثاث أسبابه ومكوناته. هذا بينما العالم العربي هو في مجمله “بلد متخلف”، بعيد جدا من مستوى التصنيع الذي يتطلبه قيام الاشتراكية فيه.

لنؤكد مرة أخرى أن ما نريده من استرجاع هذه المعطيات، التي قد يعتبرها البعض ميتة (وكل المعطيات الجديدة ستصبح في يوم من الأيام ميتة)، هو أن التقصير أو الفشل -أو كيفما كان الاسم الذي نفضله- الذي يمكن أن ننسبه إلى نمط الدولة القائم على “الاشتراكية” أو “الاقتصاد الموجه” أو “التأميمات” أو ما شئنا من الأسماء التي يمكن أن نسمي بها “نموذج دولة جمال عبد الناصر في مصر” ونسخه في أقطار عربية أخرى. إن ما نريده من هذا التذكير هو تقرير ما يلي:

1) إن التجربة التي خاضها هذا النمط من الدولة كانت تجربة منقولة من بيئة مختلفة.

2) إن هذه التجربة لم تتم تبيئتها بشكل ملائم.

3) إنها تمت في ظروف الحرب الباردة، فحاربها الاستعمار والمعسكر الرأسمالي الإمبريالي كله.

4) إن مساعدة المعسكر السوفيتي لها كانت خاضعة لحساباته هو وليس لحاجتها هي.

5) إن ما حققته على صعيد التنمية والتقليص من الفقر كان دون المطلوب بكثير.

6) إن الأقطار العربية الأخرى التي لم تنخرط في تلك التجربة والتي بقيت مخلصة للنظام الرأسمالي الليبرالي تابعة له لم تحقق نتائج أفضل، لا على صعيد التنمية الاقتصادية والاجتماعية ولا على صعيد التقليص من الفقر. (ما عدا دول الخليج التي حققت بفضل عائدات النفط “تنمية” على مستوى الوجاهة والمظاهر الاستهلاكية، وبعيدا عن الشفافية والاستقامة و”الكوفيرنانس” وكل ما تنادي به “الليبرالية الجديدة”.

6

والآن ماذا يمكن أن نقول عن هذه الأخيرة، أعني “الليبرالية الجديدة”؟

إن أول ما يجب إبرازه، بعيدا عن أي حكم من أحكام القيمة- هو أن وضع العالم العربي إزاءها شبيه تماما بوضعه بالأمس إزاء الماركسية. ذلك:

1) أنها بنية إيديولوجية تمثل أرقى ما أفرزته الرأسمالية في موطنها، تماما كما كانت الماركسية في وقتها.

2) أن نقل هذه البنية الإيديولوجية أو أجزاء منها إلى العالم العربي يتم في ظروف ما يسمى بـ”العولمة” و”النظام العالمي الجديد” و”صراع الحضارات” الخ، والتأثير السلبي الذي تمارسه هذه الظروف على العالم العربي لا يختلف في جوهره عن التأثير السلبي الذي مارسته عليه الحرب الباردة بالأمس. ويكفي أن نشير إلى تدمير العراق والحصار المضروب عليه منذ أحد عشر عاما.

3) أن وضع القضية الفلسطينية لم يتغير رغم التنازلات التي قدمها العرب والفلسطينيون أنفسهم، ورغم احتكامهم إلى أمريكا وإعلان اعتمادهم عل الغرب الخ. ولا نعتقد أن تغييرا حقيقيا في الشرق الأوسط في اتجاه التنمية يمكن أن يحصل بدون حل القضية الفلسطينية. فالتغيير الإيجابي في إطار هذا النموذج الليبرالي أو ذاك يتطلب الاستقرار الذي يبعث على الطمانينة والثقة.

4) أن مساندة الغرب للأنظمة العربية التي تعادي الحداثة السياسية والاجتماعية والثقافية وتحاربها ما زالت مساندة قوية ومتواصلة لأنها محكومة باستمرار حاجتها إلى النفط، وليس بإيمانها بقيم الديموقراطية وحقوق الإنسان والشعوب الخ.

5) أن شعار “الكوفيرنانس” الذي تنادي به الليبرالية الجديدة وما يرافقه من دعوة إلى اعتماد الشفافية والمسؤولية والاستقامة والجد في العمل الخ، شعار يؤسسه تصور للدولة “كـ “شركة مساهمة”، لها مدراء (الحكومة) ومساهمون (حملة الأسهم وجمعيات المجتمع المدني الخ)؛ والهدف هو التقليص من دور الدولة، وهذا إن كان معقولا ومقبولا في مجتمع مستقر ومتطور في بنياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فهو موضوع تساؤل ملح في مجتمع غير مستقر متماوج الخ.

6) أن هذه النظرية تنسى وتتجاهل العمال والمستخدمين، تماما كما أهملت الماركسية شأن الفئات الاجتماعية الأخرى، كشرائح الطبقة المتوسطة مثلا. وهي إذ تجعل هدفها الرئيسي تحقيق أقصى ما يمكن من الربح من أجل استقطاب الاستثمارات تنسى أن ذلك لا يمكن أن يكون إلا على حساب الشرائح المتوسطة التي تزداد فقرا، وبالتالي فالنتيجة لن تكون “التخفيف” من الفقر بل تعميمه.

7) أن الليبرالية الجديدة تتحرك في إطار عام يسمى العولمة. وردود الفعل التي نشاهدها في كل مناسبة ضد العولمة في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها وفي أقطار أخرى متقدمة مصنعة، دليل على أن الليبرالية الجديدة والعولمة معا قد بدأتا تفرزان نقيضهما، في عقر دارهما!

8) وأخيرا وليس آخرا، فإن الشرط الضروري الذي من شأنه أن يؤسس نظريا على الأقل مصداقية هذا النمط من “الدولة” الذي تدعو إليه الليبرالية الجديدة، هو وجود شركات تستحوذ على القسط الأكبر من الاقتصاد، أعني وجود نظام رأسمالي وطني متطور، تماما كما كان الشرط الضروري الذي كان يؤسس، من الناحية النظرية، قيام الاشتراكية من منظور ماركسية ماركس وإنجلز، هو وجود بروليتاريا متطورة! والعالم العربي الذي لم يوفر شرط الاشتراكية بالأمس ليس قادرا اليوم على توفير شرط الليبرالية الجديدة.

7

هذه الملاحظات المتحفظة لها ما يبررها في الواقع العربي الراهن. ودون الدخول في التفاصيل يمكن أن نسجل المعطيات التالية، وهي ذات دلالة خاصة فيما نحن بصدده.

1- معروف أن المغرب، مثلا، لم يخض في أي وقت من الأوقات، منذ استقلاله، أية تجربة مستوحاة من الاشتراكية، بل بالعكس لقد بقي “ابنا مخلصا” للمعسكر الرأسمالي مرتبطا به تابعا له. والقطاع الخاص فيه بقي مفتوحا على الجميع، مغاربة وأجانب. أما القطاع العام فلم يكن نتيجة تأميمات بل هو، في جزء منه، موروث من دولة الحماية الفرنسية، وفي جزء آخر من عمل الدولة التي اضطرت، أمام ضعف الرأسمالية الوطنية، إلى النيابة عنها والقيام بمهمتها. ومنذ سنة 1980 دخل المغرب في مسلسل إعادة الهيكلة الذي فرضه صندوق النقد الدولي، الشيء الذي جعله يعرض تماما عن بذل ما ينبغي من الجهد لمحو الأمية وتعميم التعليم وتوسيع الخدمات الصحية والاجتماعية الخ، مما جعله يحتل في السنوات الأخيرة مرتبة 125 على سلم التنمية البشرية، المرتبة التي وضعته في مؤخرة القافلة.

2- أما جمهورية مصر العربية التي تبنت “الاشتراكية” (أو اقتصاد الدولة أو الاقتصاد الموجه) والتي تمت فيها إنجازات في مجال التصنيع والتعليم والخدمات الاجتماعية، فقد عدلت عن تلك الطريق قبل عشرين سنة وسارت في طريق الانفتاح، طريق الليبرالية، ومع ذلك فيبدو أن ما حققه الانفتاح خلال العشرين سنة الماضية، في مجال التنمية البشرية، لم يتجاوز ما حققته “الاشتراكية” في السنوات العشرين التي سبقته.

3- أما ما يشاهد اليوم في تونس من تقدم على مستوى التنمية البشرية والتقليص من الفقر فلا يمكن تفسيره بدون استحضار المجهودات المتواصلة التي كانت تنتمي إلى نوع من “الاختيار الاشتراكي” ركز على التنمية البشرية خلال الستينات والسبعينات.

يمكن استعراض تجارب مختلف الأقطار العربية، فهي تندرج بصورة أو أخرى في هذه النماذج الثلاثة (إذا نحن استثنينا دول الخليج التي لا يمكن إدخالها في الحساب لكون اقتصادها اقتصادا ريعيا تماما)، والنتيجة لن تختلف كثيرا عما قررناه، وهو أن المشكلة ليست في اختيار هذا النظام أو ذلك من النظم المتوفرة في “السوق”، وإنما المشكلة هي في كون ما خرج من جوف الوضع الاقتصادي المتقدم (تكنولوجيا وعلميا) لا يمكن أن يثمر نفس الثمار إذا هو نقل نقلا بـ “المفتاح” إلى وضع آخر متخلف، لا يتحمله أو لا يقدر على حمله. وإذا أضفنا إلى ذلك الدور السلبي، بل التخريبي، الذي يلعبه العامل الخارجي المتمثل في هيمنة الغرب سياسيا واقتصاديا، دولا وشركات، وسياسات الحماية التي يتبعها، إضافة إلى المنافسة العربية/ العربية التي يفرضها تشابه المنتوج (الفلاحي أو الصناعي الخ) أدركنا مدى تعقد المشكل الذي نحن بصدده، مشكل التنمية والتقليص من الفقر.

8

وبعيدا عن الكلام بلغة الحلول الجاهزة، أو الاختيارات الإيديولوجية المسبقة، يمكن القول إنه ما لم تبن التنمية على مبدأ “التجديد من الداخل” فلن تكون لها النتائج المتوخاة. و”التجديد من الداخل” يتطلب نوعا من الكتلة التاريخية بين جميع العناصر والأطراف : بين الدولة والمجتمع، بين المجتمع والفرد، بين القديم والجديد، بين التقليدي والعصري، بين التراثي والحداثي، بين الريف والمدينة الخ.

والحاجة إلى كتلة تاريخية من هذا النوع تبررها ثلاثة معطيات خطيرة في الوضع العربي الراهن تعوق التقدم بل تجعل التنمية المطلوبة متعذرة إن لم تكن مستحيلة :

هناك من جهة الهوة العميقة التي تفصل بين ما هو قروي وما هو مدني، بين ما هو قروي في الأرياف والمدن، وما هو مدني في المدن والأرياف، في الاقتصاد والاجتماع والفكر والثقافة. وهي هوة تكرس عملية إعادة إنتاج متواصلة لظاهرة اتساع الشقة بين نخبة مشدودة إلى الغرب ونخبة مكبلة بالماضي، نخبة مغتربة وأخرى منغلقة، نخبة تقرأ الماضي في المستقبل وأخرى تقرأ المستقبل في الماضي…

وهناك من جهة ثانية غياب التنسيق الجاد، والتضامن المتواصل والتكامل المتنامي، بين الأقطار العربية. والحاجة إلى التنسيق والتضامن والتكامل لم تعد قضية ترف إيديولوجي بل هي اليوم، في عالم العولمة، ضرورة وجودية. إن “الكتلة الإقليمية العربية” هي كتلة تاريخية بمعنيين: فمن جهة هي ضرورية لتغلب الدولة القطرية العربية على مشاكلها الخاصة، وهي أيضا ضرورية للوقوف في وجه المنافسة والهيمنة داخل العولمة.

ومن جهة ثالثة ليس في أي قطر عربي قوة مهيمنة، هيمنة اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، قادرة موضوعيا وذاتيا على “النيابة” عن الباقي في تحقيق التنمية والتقدم. إن شرط الاشتراكية كان هو هيمنة الطبقة العاملة، وشرط الليبرالية هو هيمنة الطبقة الرأسمالية. وحيثما تغيب إمكانية هيمنة هذه الطبقة أو تلك تصبح إمكانية تعميم مشروعها الإيديولوجي حلما مستحيل التحقيق. والنتيجة أن الكتلة التاريخية التي تؤجل فيها المشاريع الإيديولوجية الفئوية الطبقية لفائدة المصلحة الوطنية، مصلحة الجميع، هي المخرج الوحيد في نظرنا من الوضع الذي يسود المنطقة العربية حاليا: وضع التفتت والحيرة وغياب أي مشروع للمستقبل. إن الليبرالية الجديدة والقديمة على السواء ليست -بسبب من طبيعتها ذاتها- مشروعا للمستقبل، بل هي دوما “مشروع الحاضر”. ومن المؤكد أن ميولاتها وتوجهاتها ستتغير بمجرد ما تلمس أن الحاضر آخذ في التغير. أليست تقوم فلسفيا على مذهب التجريبية empirism، وأخلاقيا على مذهب المنفعة . pragmatism

……………………………………………..

1- ندوة “الحكم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية ومكافحة الفقر” التي عقدتها الإيسكوا (اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا التابعة للأمم المتحدة) بالقاهرة ما بين 11-13 نوفمبر 2001
………………………………………………

محمد عابد الجابري يدرس الفلسفة والفكر الإسلامي بكلية الآداب ،جامعة محمد الخامس الرباط، منذ 1967

ازمة المفاهيم في السلوك السياسي

كاتب الموضوع الأصلي: فهد السحيمي (245)

أزمة المفاهيم nnيقول هولباخ ” ليست الطبيعة هي التي تخلق الأشرار، وإنما مؤسساتنا هي التي تجعلهم أشرارا “nnالمفاهيم هي حزمة من القيم والمثل الاخلاقية التي تمثل مجموعة من الثقافات المكتسبة والمعرفة الانسانية لعلوم الحياة المختلفة, التي تتراكم في ذهنية الانسان وتتبلور في شخصيته وتعكس سلوكه الشخصي في المجتمع. والقيم تشكل جانب معنوي مضئ في السلوك الانساني والوجداني. وهذه القيم تمثل مبادئ أساسية في منظومة المفاهيم الأخلاقية. وتعاطي الفهم السياسي مع تلك المنظومة يساهم في وضع ملامح حقيقية لوجدان وضمير المجتمع والافراد, مما يخلق حالة من تهذيب السلوك السياسي للافراد والجماعات التي تحمل مشاريع سياسية, وتساهم في صناعة القرار السياسي. والهدف من تهذيب السلوك السياسي في أطار القيم الاخلاقية, هو ترشيد التجربة السياسية والأجتماعية والأنسانية إتجاه وحدة الهوية الوطنية وتماسكها. nnوالسلطة السياسية عندما تغور يدها في عمق الظلم والجورعلى الرعية تنعكس ردود أفعال مغايرة على السلوك الانساني والسياسي لينتج سلوكاً عنيفاً مشوهاً. وتلك الردود تحقق أزمة في القيم الأخلاقية التي تهذب السلوك الانساني والسياسي, وبالتالي تخلق تلك الافعال ردود أفعال تتمثل بشكل كفاح يأخذ العنف سبيلاً له. فيحصل الارباك في السلوك السياسي لشريحة معينة يقع عليها الحيف والظلم, عندما تمارس السلطات محنة القسوة والتسلط عليها. كما مارس النظام الدكتاتوري الصدامي في العراق على كل شرائح المجتمع دون أستثناء. فالافراط بالقسوة والهدم المقصود للشخصية الوطنية وطمس الهوية وخصوصية المكون في معول السلطة صاحبة القرار. تجعل الفرد في صراع دائم مع السلطة ولم ينقطع هذا الصراع حتى يتحقق السقوط لتلك السلطة الظالمة مهما كان الثمن . nnوتشير الكثير من المعطيات أن هناك أزمة حقيقة للمفاهيم الانسانية والأخلاقية يمر بها المجتمع العراقي, تترك آثار وأنعكاسات كبيرة على السلوك السياسي للافراد. وتؤثر على مسيرة البلد السياسية والامنية والاجتماعية والثقافية. وتعود أسباب تلك الازمة الى الظروف التاريخية التي مر بها المجتمع العراقي والى السطوة اللأخلاقية التي مارسها النظام الدكتاتوري ضد الشعب العراقي طيلة اربعة عقود. مما خلفت صراعات نفسية ووجدانية جعلت العلاقة بين الفرد والحكومة علاقة جدلية على المستوى السياسي والانساني والاجتماعي والثقافي, مما تركت أنكسار وتصدع كبير فى سلوك الفرد السياسي والانساني . والتحليل المنهجي لأزمة القيم تعود الى مجموعة من المضامين والاتجاهات الثقافية المكتسبة من سلوك المجتمع الناتج من سلوك السلطة والاجهزة الاعلامية الحكومية وتوجهاتها السياسية والانسانية والثقافية والاجتماعية في المجتمع.nnأثرالازمة على السلوك السياسيnnلقد تركت أزمة المفاهيم تداعيات مهولة على سلوك الفرد السياسي ورجالات السياسة, وآثار سلبية خلفت أزمة ضميرفي كل اركان المجتمع ومؤسساته الادارية والسياسية. مما جعلت تلك الاثار ترتكن في حجرة الشخصية العراقية. وقد انتجت سلوكيات طالت المؤسسات الجديدة في ظل التغيير والتحول نحو الديمقراطية والتعددية في اللون السياسي. فقد تغلغل السلوك السياسي المنحرف الى تلك المؤسسات مما خلق تفشي كبير في فساد المؤسسات المالية والادارية, كما تركت تلك الازمات فجوة ثقة بين الفرد وحكومته الشرعية, مما جعلت البعد الشخصي فوق البعد الجماعي, أي تفضيل المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. فقد اصبح السلوك السياسي يخضع الى متطلبات الانتهازية في الحصول على المكاسب الشخصية والاستحواذ على الحق العام دون الاكتراث بمصلحة الشعب. فالقيم الانسانية والاخلاقية الصحيحة تحصن المرء من أوتون الصراعات والتناقضات النفسية التي تقوده الى العفوية في السلوك السياسي في كل مفاصل الحياة ومجالاتها. وبخلاف ذلك يتحول سلوك الفرد السياسي الى سلوك أزدواجي يتبنى قيم مشوه تتضارب فيها المصالح التي تؤدي الى أزمة قيمية سلوكية.nnوتتصدع الأسس النفسيه عندما يتعرض المرء الى صراعات وتناقضات قيميـه, تنعكس على سلوكه السياسي والاجتماعي وأنماط تفاعلاته في العلاقات الاجتماعية التي تربطه مع بعض الافراد والجماعات والوطن. وتؤثر تلك الازمة على السلوك السياسي للاحزاب والقيادات السياسية والجماعات الضاغطة على الرأئ العام وأسس الادارة العامة. وهذه الازمة والتناقضات القيمية تنعكس على سلوك كل المستويات الجماعية في المجتمع مما تجعل الجميع يدور في حلقة من النزاعات النفسية والاجتماعية التي تهدم كيان المجتمع وسلوكه السياسي والانساني وتأخر عجلة تقدمه السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية.nnوالسلوك السياسي هو نتاج مجموعة من القيم الانسانية الاخلاقية والثقافية المتأصلة في المجتمع والمتراكمة عن تجربة الشعب عبر التاريخ. فكلما زاد الوعي السياسي والثقافي والاجتماعي تراكمت القيم الاخلاقية لدى المجتمع. مما تخلق تلك النتاجات انماط وظواهرسلوكية محكومة بتلك القوانين الاخلاقية التي تؤُمن السلوك السياسي السليم. وعلى القيادات السياسية والاحزاب المشاركة في السلطة عندما تتوجه نحو النظام الديمقراطي يتطلب منها تصحيح مسار سلوكها السياسي والانساني وبناء مواقف سياسية مشتركة تعزز من خلالها ثقة الجماهير بالقوى السياسية. وعلى الكتل السياسية المتصارعة التخلي عن مشروعها الطائفي المتشظي وتوحد خطابها السياسي من أجل تأسيس مجتمع مدني ديمقراطي. nnnلزيارة موقع الكاتبnwww.najialghezi.comn

نبذه عن كتاب الكتور احمد وهبان في الازمات السياسيه

كاتب الموضوع الأصلي: فهد السحيمي (245)

التخلف السياسي وغايات التنمية السياسية
رؤية جديدة للواقع السياسي في العالم الثالث

* تأليف: أحمد وهبان، الإسكندرية: أليكس لتكنولوجيا المعلومات، 2005م :
يتناول المؤلف قضية التخلف في مجتمعات العالم الثالث وعلاجها في المنظور السياسي والمتمثل في التنمية السياسية.
ويركز على ظاهرة التخلف السياسي وليس التخلف الاقتصادي… وتحليل ظاهرة التخلف السياسي التي لها صلة ضرورية بالأمور الاقتصادية.. كما يؤكد على أن الحداثة السياسية ليست بالضرورة هي الديمقراطية الغربية، وليس من شأن الديمقراطية الغربية إذا طُبقت في مجتمع ما أن تخلص ذلك المجتمع من كافة مظاهر تخلفه السياسي.
ينقسم الكتاب إلى قسمين: يناقش القسم الأول ظاهرة التخلف السياسي ويُبين أسبابها وسماتها، بينما يناقش القسم الثاني التنمية السياسية ويحدد مفهومها وغاياتها.
في تقديمه للقسم الأول من الكتاب يؤكد المؤلف أن مقومات الحداثة السياسية تتمثل في ترشيد السلطة والتمايز والمشاركة السياسية.. ويُقصد بترشيد السلطة استنادها إلى أساس قانوني ينظم اعتلاءها وممارستها وتداولها.. أما التمايز فينصب على الكيانين العضوي والوظيفي لمؤسسات الدولة السياسية.. وهو يعني ضرورة تباين الهيئات التي تقوم على الوظائف السياسية والقضائية للدولة.
وفيما يتصل بالمشاركة السياسية فهي تُشير إلى ضرورة ممارسة الجماهير لدورها في الحياة السياسية. وعليه فإنه بمفهوم المخالفة فإن سمات التخلف السياسي هي استناد السلطة إلى اعتبارات غير رشيدة كالانتماء الطبقي أو العرقي أو الفئوي أو غير ذلك من الاعتبارات التي تتنافى مع قيم الدستورية وسيادة القانون والمساواة..
ومن هذه السمات أيضاً تركيز وظائف الدولة السياسية في يد هيئة واحدة وربما في يد شخصية واحدة.. ومن سماتها أيضاً تدنى معدلات مشاركة الجماهير في الحياة السياسية.
ثم تحدث المؤلّف بعد ذلك في سبعة مباحث عن هوية التخلّف السياسي وأرجعها للعوامل التالية: أزمة الهوية، وأزمة الشرعية، وأزمة المشاركة، وأزمة التغلغل، وأزمة التوزيع، وأزمة الاستقرار، وأزمة تنظيم السلطة.
وعدّ المؤلّف أزمة الهوية من أبرز سمات التخلّف السياسي.. إذ من شأنها تغييب فكرة الترابط بين أفراد المجتمع الواحد.. وفيها تغييب لفكرة المواطنة.
وعن أزمة الشرعية قال المؤلّف: إنها ترتكز إلى السيطرة والفاعلية، والسيطرة تتمثل في قوة الإكراه المادي التي يحتكر أدواتها القائمون على السلطة، والتي لا تُستخدم إلا عند الاقتضاء، أما الفاعلية فتتمثل فيما يتوافر لقرارات السلطة داخل المجتمع من صفة النفاذ بصرف النظر عمّا ترتكز إليه من إكراه مادي… وهكذا فإن صلب الشرعية يكمن في رضاء المحكومين بهذه السلطة.
والسلطة تستمد شرعيتها من التقاليد ومن الدستور ومن كاريزمية الشخص القائم على السلطة.
وعن أزمة المشاركة قال المؤلّف: إن المشاركة علامة فارقة بين النظم المتقدمة سياسياً والنظم المتخلفة التي تمنع المحكومين من المشاركة في السلطة.. ثم يتحدث عن أزمة التغلغل وهي مقدار القدرة التنظيمية التي يعتمد عليها النظام الحاكم.. فالتغلغل يعني القدرة على الوصول إلى كافة ما يريده النظام الحاكم من المواطنين الخاضعين لحكمه.
أما أزمة التوزيع فترتبط بمدى قدرة الحكومة فيما يتصل بتوزيع المنافع والموارد بين سائر الفئات والطبقات والجماعات… سواء تمثلت هذه المنافع والموارد في الثروة أو الدخل أو الأمن أو التعليم أو الثقافة أو الخدمات الصحية.
أما عن الاستقرار السياسي وأزمته في العالم الثالث فقال المؤلّف: إن معظم البلدان في العالم الثالث تفتقر إلى الاستقرار السياسي وهو ما يجلب لها المزيد من المشكلات المضافة.
وعن أزمة تنظيم السلطة قال: إن المقصود بتنظيم السلطة هو خضوع تقاليدها وممارستها وتداولها لنظام قانوني مسبق يلتزم به الحاكمون والمحكومون.
وفي القسم الثاني من الكتاب تحدث المؤلّف عن التنمية السياسية وغاياتها- وتناول ما يراه بمثابة مؤشرات يُقاس بها مقدار التنمية السياسية في أي بلد:
1- تحقيق المساواة بين جميع مواطني المجتمع بغض النظر عن اختلاف الأصول أو الانتماءات أو الثقافة الفرعية.
2- مشاركة الجماهير في صنع القرارات من خلال النظم والمؤسسات القانونية.
3- عدم تركيز السلطة في هيئة واحدة وتحقيق الفصل بين السلطات.
4- قيام السلطة على أسس عقلانية رشيدة، بحيث يكون تقلد المواقع مكفولاً للجميع استناداً إلى معايير موضوعية.
5- نمو قدرات الجماهير على إدراك مشكلاتها الحقيقة والتعامل معها تعاملاً رشيداً.
6- تحقيق الوحدة والتكامل السياسي بين أجزاء المجتمع من خلال كفاءة نظم التنشئة السياسية، والاتفاق على الحد الأدنى من القيم السياسية مع وجود ولاء سياسي للسلطة المركزية. يقع الكتاب في (143) صفحة من القطع العادي.

لازمات السياسيه في جمهورية اليمن

كاتب الموضوع الأصلي: فهد السحيمي (245)

نهج الرئيس علي عبدالله صالح في مواجهة الأزمات السياسية

صحيفة 26سبتمبر

لا يوجد تعريف ولا يوجد تحديد لمدلول مفهوم الأزمة في معناها العام، إذ تتداخل هذه الكلمة في كل أوجه الحياة الإنسانية، ويرتبط مفهوم الأزمة بالإنسان منذ ظهوره على وجه الأرض، ومنذ قيام الأسرة أول خلية في بناء المجتمع، وفي بناء الدولة بدءاً بآدم وحواء أصل البشرية وولديهما قابيل وهابيل، فالأزمة هي: مرحلة من مراحل الصراع الإنساني من أجل الحياة والتعاون, من أجل الدفاع عن النفس، والصراع حقيقة ثابتة ومبرهن عليها في حياة الإنسان وصادقة صدق الموت في حياة البشرية، والصراع يشمل كل مجال من مجالات الحياة صراع مع النفس وصراع مع الغير، صراع ضد الطبيعة، صراع مع المرض، صراع على الموارد المادية ومقومات المعيشة والحياة، صراعات متعددة تبرز في صورة أزمات مالية وصحية واقتصادية، أزمات إنتاج وأزمات عرض وطلب، أزمات عدالة، أزمات سكانية ونمو سكاني، أزمات ثقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، أزمات حكم ومشاركة سياسية، أزمات وأزمات لا عد ولا حصر لها في كل ميدان من ميادين الحياة وبمختلف أوجهها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

د. عمر عثمان سعيد العمودي

الأزمة السياسية
يقال دائماً في الأزمات السياسية: ان أساس الأزمة يبدأ بخلاف وتباين بين طرفين أو أكثر وأن الخلاف قد يتطور إلى صراع صراع إرادات والصراع إلى مشكلة والمشكلة بدورها قد تتحول إلى أزمة إذا عجزت الأطراف المعنية في التوصل إلى حل أو قرار بشأنها، وأن الأزمة قد تتحول كذلك إلى مجابهة والمجابهة إلى قتال أو حرب لا تحمد عقباها، وأن نجاح النظام السياسي المعرض أكثر من غيره لا للضرر والخسارة في احتواء وتجاوز هذه الأزمة هو برهان مادي على رشادة وحصافة ومرونة هذا النظام وقدرته في الدفاع عن مصالح وأهداف بلاده العليا، ولكل أزمة سياسية أو نزاع سياسي سمة عامة بالنسبة لمجال هذا النزاع وأبعاده المحلية والدولية، كما أن لكل نزاع حجماً معيناً صغيراً أو كبيراً وله كذلك حدود وأبعاد متفاوتة بحسب مكوناته وعناصره وما يرتبط به من ظروف وتعقيدات قديمة ومستجدة.
وصناع الأزمات من القادة والحكام هم في الغالب من أنصار ممارسة الضغوط والمناورات السياسية وسياسة القوة مع الغير ويتطلعون إلى تحقيق أهداف سياسية وقومية لبلدانهم والرفع من شأن بريقهم السياسي ومكانتهم السياسية انطلاقا من استغلالهم لبعض الظروف الملائمة لسياساتهم وأحيانًا من منطلق وافتراض أن الطرف الآخر لا يرغب في الصراع وغير قادر أو غير مؤهل لتبعات المواجهة وماهو أكثر من المواجهة إذا تفاقمت الأمور وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وللأزمات السياسية وظهور الأزمات السياسية مصادر كثيرة ترتبط بتغيرات الظروف في البيئة المحلية والإقليمية والدولية، وبخلافات النخب والصفوات السياسية في الداخل، وبتناقضات القوى السياسية الداخلية والقوى السياسية الداخلية والقوى السياسية الخارجية وفي إطار وخلفيات نقص وقصور وضعف قدرات وفعاليات النظام السياسي ورموزه القيادية.
توازن وتكامل شخصية الرئيس علي عبدالله صالح
عندما يلقى الدارس والمتابع السياسي نظرة تحليلية بانورامية على عهد الرئيس علي عبدالله صالح بدءً من تسلمه لدفة الحكم والقيادة في البلاد في 17 يوليو عام 1978م إلى ذكرى احتفال الشعب اليمني اليوم بها 17/7/2006م وما تم بين هذين التاريخين المجيدين من أحداث ومواقف وقرارات وتطورات وإنجازات كبرى في اليمن على صعيد الأمن والاستقرار والنظام وفي مجال الإصلاح والتحديث والوحدة والتنمية والديمقراطية وبناء اليمن الحديث والمعاصر، وبروز الرئيس علي عبدالله صالح كزعيم وقائد تاريخي ورمز لروح الشعب اليمني وكمجدد لهويته وتطلعات هذه الحيوية الوثابة نحو العزة والتقدم والقوة ونحو العلم والنور والإيمان، يتبادر إلى ذهنه فورا وبلا شك ولا ريب أكثر من سؤال حول هذه المرحلة البالغة الأهمية والتميز في تاريخ اليمن السياسي الراهن: فكيف كانت نظرة هذا الرجل إلى نفسه ومسؤولياته وقدراته القيادية عند تسلمه مهام الحكم والقيادة السياسية في يوليو عام 1978م وفي تلك الظروف البالغة التصعيد والتأزم والإضراب على كافة الأصعدة وعلى كافة المجالات؟ هل كانت معالم الطريق والمعوقات واضحة له؟ هل كان صاحب رسالة وخطة وأهداف ووسائل محددة المعالم ويسعى إلى تحقيقها لخدمة الوطن والشعب والصالح العام مسلحا بالإيمان والثقة في الله وتوفيقه ونصره؟ وكيف كانت نظرة الغير له ولقيادته لليمن على المستويين الداخلي والخارجي؟ ثم كيف تصدى لمعالجة المشاكل والأزمات والتحديات التي واجهت عهده في هذه الفترة وهذه المرحلة على مستوى الداخل وعلى مستوى العلاقات الخارجية الإقليمية والدولية؟
تميزت واتسمت التقييمات والتحليلات السياسية المبكرة لخصائص شخصية الرئيس علي عبدالله صالح في السنوات الأولى من حكمه بجانب كبير من السطحية والتسرع، وقد نلمس بعض العذر لأصحابها نظرا لأن شخصية الرئيس علي عبدالله صالح قبل تسلمه مهام وأمانة ومسؤولية الحكم كانت بعيدة عن الأضواء السياسية والضجيج الدعائي فقد كان هذا الرجل الذي خرج من قلب السواد الأعظم من الشعب وبحكم السن والمنصب بعيدا عن منصة الحكم وبريقها السياسي، وقد انحصرت أكثر جهوده كابن من أبناء ثورة سبتمبر وجندي مناضل ومقاتل في صفوف الجيش اليمني الأبي، وفي خدمة الوطن وعبر معارك تثبيت الثورة والنظام الجمهوري ضد مؤامرات وهجمات أعدائه في الداخل والخارج.
وعندما نتحدث عن الخصائص والصفات المتضررة لهذه الشخصية في مجال الحرب والسلم والإدارة وفي مجال البناء والإصلاح والعمران وما يضاف إلى ذلك من قدرات بيولوجية وذهنية التي نراها هبة من الله فإن الحديث في هذا المقام والمجال لا يقوم على أساس دعائي لشخصه ولكن من واقع واستقراء نضاله المجيد والطويل وعلى أساس المهام والمسؤوليات الصعبة التي اضطلع بها والمواقف والقرارات والتحولات التاريخية التي ارتبطت بقيادته والمشاكل والتحديات والأزمات التي واجهها داخلياً وخارجياً ونجح في تجاوزها على مدى من الزمن يناهز الثلاثة عقود، وهي التي تعطي لنا الحق في وصف هذه الشخصية القيادية بأنها شخصية متوازنة ومتكاملة، وخلاصة سماتها وأبعادها كما نرى ونستنتج تتركز في المعالم العامة الآتية:
– توصف الزعامة التاريخية بأنها مزيج من هبة الله والاستعداد الفطري البيولوجي والفكري، وزعامة الرئيس علي عبدالله صالح تندرج بلا تحفظ تحت هذا الوصف على المستوى الشخصي القيادي وعلى مستوى التوفيق والعناية الإلهية.
– تمثل مرابطة واعتصامات مئات الألوف من أبناء الشعب اليمني في ميدان السبعين بالعاصمة وميادين عامة أخرى في اليمن في نهاية يونيو وبداية يوليو من هذا العام 2006م المطالبة باستمرار قيادته ودوره لمصلحة البلاد والصالح العام دليلا قاطعا على صفة التوحد والتواصل العضوي بين القائد والشعب والمحبة الشديدة المتبادلة بينهما وهو ما نسميه في الفقه السياسي بظاهرة الكاريزما أو القيادة الكاريزماتية.
– للرئيس علي عبدالله صالح صفة الإنسان العربي الأصيل والعربي الأصيل يحب الخير للناس كما يحبه لنفسه ويكره الشح والبخل ولا يخشى الفقر، يكره الكذب ولا يعد بما لا يفعل، لا يهلع من الخوف ولا يرتعد من القضاء والأجل فكل شيء لديه بيد الله وإرادة الله.
– يتمسك ولا يتراجع عن دوره في الدفاع عن الوحدة والحرية والديمقراطية وسيادة القانون والأمن والنظام.
– يرفض أن يبني مكانته وهيبته في الحكم على أساس إثارة الرعب والترهيب والمطاردات لخصومه، وهو لا يقبل استخدام الضعف والقهر المادي الشرعي والمشروع إلا في مواجهة أعداء الوحدة ودعاة الفتنة والخارجين على القانون.
– عرف بالحزم والصبر وبعد النظر في إدارته لشؤون الدولة، وبالحوار والتسامح والعقل المفتوح مع المؤيدين والمعارضين ومع الأصدقاء والأعداء.
– هو كغيره من الزعماء التاريخيين صاحب رأس هادئة، لا كرب ولا وجوم في كل الظروف وحتى في أعتى الأزمات والمواقف.
نماذج مختارة لبعض الأزمات السياسية:
وفي حديثنا المختصر عن المشاكل والأزمات السياسية التي واجهت عهد الرئيس علي عبدالله صالح في السنوات الماضية على الصعيد الداخلي وفي علاقة اليمن بالدول الأخرى يهمنا أن نلقي بعض الضوء على نهجه وأسلوبه الخاص في هذا المجال وهو بلا شك تعبير صادق عن تكامل وتوازن شخصية هذا الإنسان وقدراته القيادية ونجاحه في إدارة الأزمات، وسوف نكتفي بالنماذج المحددة التالية:-
1- أزمات ومشكلات التحديث والتنمية:
تظهر هذه الأزمات بوجه عام في دول العالم الثالث في مرحلة التحديث والإصلاح أو التنمية بأوجهها وأضلاعها الثلاثة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وأساس ظهورها في هذه المجتمعات هو ما يحدث من تغيرات في البيئة المجتمعية وما يرتبط بذلك من خلاف بين النخب السياسية، وتباينات بين أنصار القديم والحديث والمعاصر، ومن تناقضات أيضا بين قوى الداخل وقوى الخارج، وأهم هذه المشكلات والأزمات وباختصار شديد هو:
– أزمة الشرعية أو أزمة بناء الدولة ومؤسساتها وكيف يتحقق لها المشروعية والشرعية، وكيف تطاع وتنفذ قوانينها ونظمها بالوجوب أو الرضا أو بهما معا.
– أزمة بناء الأمة وتعرف أيضا بأزمة الهوية، فكيف يمكن صنع المواطن الجديد العقلاني المزود بالعلم والمعرفة العصرية، المواطن المحب لبلاده الواعي بقضاياه والمدافع عنها، المواطن الإيجابي المعطاء.
– أزمة المشاركة السياسية: وتدور حول كيفية تنظيم الصراع السلمي على السلطة والقوة السياسية وكيف يمارس المواطن حريته السياسية وحقه في المشاركة في مختلف شئون بلاده السياسية والإدارية وعلى أساس من المساواة وتكافؤ الفرص للجميع.
– أزمة التوزيع: وترتبط بكيفية توزيع الدخل القومي والثروة القومية على أساس العدالة الاجتماعية، وحق كل أبناء البلاد وكل أجزاء البلاد في الحصول على نصيبهم العادل من الخدمات الاجتماعية والثقافية وسائر المنافع الأخرى.
– أزمة التغلغل والاختراق: وتدور حول كيفية إيجاد الإدارة المتطورة الفاعلة والحكم الفاعل القادر على الامتداد والتغلغل الإداري والسياسي إلى كل أنحاء البلاد.
وتمثل قدرة النظام السياسي على التكيف والبقاء والتطور وعلى احتواء وتجاوز هذه المشكلات برهانا على نجاحه ووصوله إلى مرحلة الاستقرار القائم على الشرعية والعقلانية، وبلادنا كما نرى ونجزم بقيادة الرئيس المؤسس علي عبدالله صالح وحكومته الرشيدة قد قطعت شوطا كبيراً في مسيرتها التنموية الكبرى وصولا إلى حل وتجاوز هذه المشكلات وهذه المعضلات.
2- أزمة الوحدة اليمنية:
الوحدة هي بالنسبة للشعب اليمني قضية مصيرية وغاية من غاياته الكبرى، وقد ناضل وجاهد في سبيلها عقوداً طويلة ضد الاستعمار وسياساته القائمة على مبدأ فرق تسد، وضد ظلم الإمامة المستبدة وقد حقق هذه الغاية في 22 مايو عام 1990م بقيام دولة الوحدة اليمنية دولة الديمقراطية والتقدم والرخاء، وعندما تهددت هذه الوحدة وتمددت قوى الفتنة عام 1994م بذلت قيادة الرئيس علي عبدالله صالح جهودا مضنية مع رموزها بأمل إصلاحهم وإبعادهم عن قوى التآمر الخارجي على اليمن حفاظا على الوحدة وعلى مكاسب الشعب اليمني وموارده وحفاظاً على دماء أبنائه الزكية الغالية قبل كل شيء، وعندما عمد المتآمرون على الانفصال عن دولة الوحدة اليمنية وهددوا ماديا وعسكرياً ركائز ومؤسسات الدولة اليمنية تم حسم الأمر معهم عسكريا تحت شعار الشعب اليمني القائل: الوحدة أو الموت وتحقق النصر على الانفصاليين ومن يقف خلفهم في 7 يوليو عام 1994م.
3- أزمة جزيرة حنيش وتوابعها:
كان العدوان الاريتري المفاجئ على جزر حنيش اليمنية في 15 ديسمبر عام 1995م عملا من أعمال الابتزاز السياسي والانتهازية السياسية الممقوتة والبغيضة، فقد كان ذلك العدوان على اليمن حربا بالوكالة،وقد سعت حكومة أريتريا إلى استثمار ظروف اليمن التالية على حرب الانفصال وآثارها السلبية على مجمل الأوضاع اليمنية – سعت – إلى تطويع الإرادة اليمنية لخدمة مصالحها القومية ومصالح الجهات السياسية التي وقفت خلفها في ذلك العدوان.
وانطلاقاً من حق اليمن الثابت مادياً وتاريخياً في تلك الجزر فقد حددت القيادة اليمنية خيار الحل السياسي أولاً مع ورود الخيار العسكري وعدم استبعاده عند الضرورة، وفي الوقت الذي تختاره بإرادتها الذاتية وبدون أن تدفع إليه من الغير وفي الوقت الذي تحدده وتختاره، وارتبط الموقف اليمني في معالجة تلك الأزمة بالحكمة والصبر وعدم الاندفاع إلى مغامرة غير محسوبة قد تجر البلدين والشعبين المتجاورين إلى دوامة صراع طويل لا تحمد عقباه، ولعبت السياسة اليمنية والدبلوماسية اليمنية دورا فاعلا ومتميزا على كافة المحاور الإقليمية والدولية، وختم المسار السياسي والدبلوماسي اليمني القائم على الحكمة والتروي والعقلاني بعودة تلك الجزر إلى الوطن الأم في نوفمبر عام 1999م.
4- حل مشاكل الحدود بين اليمن وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية:
وقد التزمت اليمن تجاه معالجة وحل هاتين المشكلتين بالنهج الواقعي المرن والمسؤول والملتزم بالحقوق الوطنية في إطار الرغبة في السلام العادل للجميع وفي ظل شعار ومبدأ «لا ضرر ولا ضرار» وقد حلت مشاكل الحدود مع هذه الدول الشقيقة، مع عمان في عام 1992م، ومع السعودية في يونيو عام 2000م، وقد تحولت منافذ الحدود بين اليمن وهذه الدول الشقيقة إلى جسور ومعابر وطيدة للتواصل الفاعل والتعاون الإيجابي المتطور في كل المجالات وعلى كل الأصعدة.
5- اليمن ومشاكل ما يسمى بالإرهاب الدولي:
أثيرت ضجة كبيرة وحرب نفسية في أيام ضرب أمريكا لقواعد تنظيم القاعدة في أفغانستان وفي أعقاب غزو أمريكا لافغانستان عام 2001م مباشرة حول اليمن وأشيع وقتها أن هناك أوكاراً وبؤراً لتنظيم القاعدة في اليمن وقيل حينذاك: ان التشدد الديني والإرهاب في اليمن قد يصبح سيد الموقف وأن هذه البلاد على وشك الدخول في حرب أهلية بين أبنائها، وأن أمريكا في طريقها إلى توجيه ضربة عسكرية إلى مناطق تواجد ووجود هذه القوى في اليمن، وقد عالجت القيادة السياسية اليمنية هذه المشكلة وما يرتبط بها من لبس وملابسات ودعايات وتهديدات بالحكمة والمرونة والحوار والتحركات السياسية الفاعلة على مستوى اليمن ومع الإدارة الأمريكية والدول الحليفة لها والدول السائرة في فلكها، ونجحت بتفوق وامتياز في إبعاد مخاطر ما يسمى بالإرهاب الدولي عن اليمن وفي تجنيب الشعب اليمني أخطار التهديدات العسكرية وما يرتبط بكل هذه الأبعاد من دعايات وتشويهات مغرضة وضارة بأمن واستقرار اليمن وبجهود ومساعي حكومتها الرشيدة الرامية إلى إبراز صورة اليمن الجديد للعالم الخارجي، اليمن المحب للسلام والتعاون والصداقة جميع الدول لسلام الجميع وخير الجميع.

الأزمة السياسية المغزى والمضمون

كاتب الموضوع الأصلي: فهد السحيمي (245)

هذا البحث نشر بصحيفة الإتحادى الدولية فى يوم 25أبريل 1995

الأزمة السياسية المغزى والمضمون
الهيكلة وأزمة القيم ومشكلات الإندماج والشرعية
يحي ابن عوف

هذا البحث العلمي يمكن من خلاله تصور حلول لمشكلة السودان الأيديولوجية والتي يعانى منها آلاف المواطنين أملا أن يعيد طرح القضية بالصورة العلمية التي تتمثل في المفهوم الشامل للأزمة السياسية والتي تتضمن نظريا الأتي :
مشكلات مواجهة الظروف الجديدة التي لم يعهدها النظام من قبل فالأزمة الدستورية في الدولة الرومانية على سبيل المثال أدت إلى ظهور دكتاتورية مؤقتة أو أزمة النظام السياسي الفرنسي في عهد الجمهورية الرابعة أدت آلي ظهور ديجول هذا الموقف يمكن أن يكون نتيجة زيادة كمية المدخلات السياسية اكثر مما تستطيع المؤسسات استيعابه أو نتيجة لموقف جديد لم تواجهه المؤسسات من قبل فالأزمة الدستورية التي شهدها السودان في أواخر عهد نميري لازال يشهدها حتى الآن والتي تمثلت في غياب الهيكلية للمؤسسات المساعدة في نظام الحكم على المستوى الإداري والقضائي وخلافه من المؤسسات القائمة ويمكن تعريف الأزمة من وجهة نظر أخرى في موقف يقود إلى رفع درجة التوتر بين المتغيرات لنسق مفاجئ يدخل في التحليل الأخير إلى تغيير في العلاقات القائمة بينها أو الدور النسبي لها هذا التحليل للازمة السياسية يسوقنا إلى سؤال مهم جدا هو ما هي الأزمات التي تواجهها البلدان المتخلفة أولى هذه المشاكل هي مشكلة الهوية أو تحديد الذات وتتناول هذه المشكلة معظم المشاكل اجتماعية اكثر حداثة والإنتقال من القرية إلى المدنية والتعامل مع القطاعات الحضرية في المجتمع بما يتضمنه ذلك من تغير في الولاءات والقيم والأنماط السلوكية كما تـثير هذه الأزمة قضية صهر الأولويات الإقليمية والقبلية والسلالية في موقع الولاء القومي وبعبارة أخرى لابد أن يتحدد نطاق المجتمع سياسيا فالدولة العصرية تقوم على الاعتراف بشكل معين بالمجتمع السياسي بحيث يكون ولاء المواطن للدولة القومية وليس لقبيلة معينة أو لمجموعة عرقية أو عنصرية داخل الكيان السياسي للدولة وأزمة تحديد الذات هي المشكلة الأولى التي تواجهها العديد من البلدان وتتضح هذه الأزمة بصورة واضحة في السودان ذلك البلد المتعدد الأجناس والأعراق والجماعات ذات الأصول الحضارية والدينية المتباينة ويمكن أخذ الحرب الأهلية الدائرة في السودان كمثال حي لأزمة تحديد الذات حيث أن كيان الدولة السودانية تتهدده هذه الحرب سواء في الحاضر أو المستقبل أما المشكلة التي تلي مشكلة الذات هي مشكلة التوزيع Distribution problems وهى تعنى دور الحكومة في توزيع الثروة ومدى تدخلها في عملية التوزيع هذه حيث تتطور هذه الأزمة في الدول النامية وخاصة السودان في زيادة حدة التفاوت في الدخول بين النخبة الاقتصادية والجماهير حيث يلتقي هنا علم السياسة بعلم الإقتصاد لأن القرارات السياسية ذات طابع توزيعي وأن أزمة التوزيع تشير على وجه التحديد إلى تلك القرارات والسياسات بتخصيص وتوزيع الثروات والموارد حيث يثور الصراع هنا في عملية التوزيع بين الإعتبار ألفني والاقتصادي وهو أن يكون التوزيع على أسس تتعلق بنوع العمل والإعتبار الاجتماعي والأيديولوجي الذي يفرق الإلتزام بمفهوم العدالة الإجتماعية في التوزيع تسوقنا مشكلة التوزيع إلى مشكلة أخرى اكثر جدلية وهى مشكلة التشريع Legitimacy problem وتعنى خلق سلطة ذات سند شرعي يتمثل في قبول المواطن في الدولة لهذه السلطة باعتبار أنها السلطة الوحيدة الممثلة للكيان السياسي وأزمة الشرعية ترتبط بأزمة تحيد الذات وهو التعبير السياسي والقانوني لشكل الحكم والسلطة التي يتقبلها المجتمع الجديد وقد تحدد إطاره الاجتماعي وولاء المواطن فيه لمصدر واحد يتم قبوله على أنه المثل للسلطة السياسية فقضية الشرعية تـثار في أي علاقة سياسية بمعنى مدى شرعية أولئك الذين بيدهم السلطة وإتخاذ القرار وتتوفر الشرعية عندما يشعر المواطن بأنه يخضع للقانون والسلطة لأن ذلك واجبه إزاء السلطة الواجب الخضوع لها حتى وإن كان لا يوافق على كل ما تقوم به من إجراءات وتنشا أزمة الشرعية أثناء إحلال المؤسسات الجديدة محل المؤسسات القديمة وهذا ما حدث تماما في السودان الآن مما خلق الفجوة بين المواطن الذي يرفض وبشدة كل القوانين المطروحة على الساحة السياسية والقانونية مما أضفى على الحكومة صفة الدكتاتورية والتعسفية في إجبار المواطن بل وإخضاعه لها بالتعذيب والقهر الخ

تسوقنا مشكلة الشرعية إلى مشكلة التغلغل penetration problem وهذه تتمثل في مدى قدرة المؤسسات على التغلغل في الاطار الاجتماعى والاقتصادى المحيط بها وتنفيذ السياسات والقرارات الحكومية ويتضمن ذلك السيطرة الفعلية على إقليم الدولة بما يشمل من جمع للضرائب ووضع الخطط للتنمية الاقتصادية ومدى تواجد السلطة المركزية في الأقاليم وممارستها لسلطاتها إلى جانب تنفيذ السياسة الحكومية في تلك الأقاليم بمعنى أن البرامج التي تتضمنها السياسة العامة لن تكن مجرد خطط أو مشروعات على الورق وإنما سيتم تحولها إلى واقع ملموس ويتطلب ذلك وجود جهاز أدارى كفء وقادر على التنفيذ إلى أن يتغلغل العمل الحكومي والإدارة العامة في نسيج المجتمع ويصل إلى المناطق الريفية وتصبح الحكومة مؤسسة محسوسة وقادرة على فرض سياستها وتوصيلها إلى أعماق المجتمع
تلي ذلك مشكلة المشاركة والاندماج participation problem وهنا لابد أن نشير إلى المشاكل المترتبة على إزدياد حجم الراغبين في المشاركة السياسية ونوعية هذه المشاركة نتيجة لعملية التعبئة الإجتماعية فمثلا ما هي القوى الراغبة في المشاركة في العملية السياسية وما هي الأثار المترتبة على ذلك من حيث قدرة المؤسسات السياسية على استيعابها وما هي نوع المطالب الجديدة وأثارها على العملية السياسية من حيث المدخلات والمخرجات ثم ما هي القوى أو النخب التي ترغب النخبة الحاكمة في إشراكها في صنع القرار
أن أزمة المشاركة لا تعنى بالضرورة خلق مجتمع ديمقراطي بالمعنى الغربي تعدد التجمعات والمصالح المختلفة لكن تعنى حل أزمة المشاركة عن طريق التنظيم الجماهيري الذي يستوعب المصالح المختلفة وفى هذه الحالة يكون لأسلوب المشاركة هو لتعبئة ذات مضمون سيأسى واجتماعى وهذا يؤدى إلى الاندماج هو في مفهومه الشامل أقوى صورة من صور الوحدة وأكثر أبعاد عملية التقارب بين الشعوب تكاملا وشمولية فالواقع أن ما يميز عملية الاندماج عن عملية التوحيد لا يعدو أن يكون نقلا لفكرة الولاء من مجتمع سيأسى معين إلى صورة جديدة أما الاندماج فهو مستقل عن عملية الولاء وإن كان يؤدى إليها في الأمد الطويل وجوهر الانتماء هو إلغاء التناقض في مظاهر التعبير عن الوجود الاجتماعي ولذلك فالاندماج يمكن أن يوصف بأنه القوة التي تعبر عن نفسها في تفاعل مستمر يبدأ من أضعف الدرجات وينتهي إلى أقواها وهو من خلال تلك المراحل المتعددة من التنقل بين الضعف والقوة التي قد ترتبط أو لا ترتبط بالتوحيد وتعتبر أزمة إدارة الدولة وأزمة المشاركة والاندماج وسيلة إلى خلق نوع من التوافق بين مختلف القطاعات التي تضغط على الحكومة في صورة مطالب معينة وقدرة الجهاز الحكومي على التجاوب مع هذه المطالب معينة وقدرة الجهاز الحكومي على التجاوب مع هذه المطالب وتنفيذها ويمكن التطرق إلى هذه الأزمة على ثلاث مستويات
أ- العلاقة بين مختلف أجهزة الحكم ومؤسساته من حيث توضيح الدور الذي تؤديه الأجهزة الحكومية المختلفة في مجال تنفيذ السياسة العامة والعلاقات المتبادلة بين هذه المؤسسات

ب- العلاقات التفاعلية بين مختلف الجماعات والتنظيمات التي تشكل مطالب أو ضغوط على الحكومة
ج- العلاقة بين الجماعات التي تطالب وبين الأجهزة الحكومية التي تستحق وتستجيب لهذه المطالب أما إذا أردنا تعديد مظاهر الاندماج فهو يتخذ عدة مظاهر منها الاندماج الحضارى بمعنى أن المجتمع الذي يشمل جماعات ذات أصول حضارية أو قبلية مختلفة لابد وأن يحقق اندماجا بين مختلف هذه الجماعات والتغلب على النـزاعات الإقليمية أو اللامركزية وبناء سلطة مركزية موحدة بمعنى أن الاندماج يجب أن يحقق الوحدة الوطنية رغم اختلاف العناصر الحضارية أو الأصول العرقية لمجموع السكان في الدولة
ثانيا الاندماج القيمى وتنصرف هذه القيم إلى تحقيق أهداف معينة أي أن الاندماج في القيم بين أجزاء المجتمع يعنى أنه في أي مجتمع يوجد صراع قيم كما توجد أساليب حل لهذا الصراع وإذا أخذنا السودان والذي يتميز بالتغير السريع والجذري في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الجماعات والفئات المختلفة في المجتمع نأخذ الصراعات الحزبية بين الأحزاب الكبرى والتي تشكل نمط التفاعلات السياسية على مستوى الساحة حيث أن غياب الهيكلية المؤسسية يؤدى إلى ضعف الأساليب لحل هذه الصراعات فالقدرة الاندماجية لهذا المجتمع ليست متطورة كما ذكرت آنفا بالحد الذي يتناسب وأنواع صراع القيم الذي يشهده المجتمع .

نظامنا المعرفي و أسباب التخلف الحضاري

كاتب الموضوع الأصلي: فهد السحيمي (245)

نظامنا المعرفي و أسباب التخلف الحضاري
د. ليلى بيومي | 7/10/1427

يمثل النظام التعليمي والمعرفي في أي مجتمع من المجتمعات الآلية الأهم والمرتكز الأبرز الذي ترتكز عليه الأجيال في ثقافتها وتنمية مداركها ويمثل ذلك النظام حجر الأساس في تحديد مستوى القدرة على التطبيق الفعلي للمعلومات النظرية المدروسة عبر سني التعليم , ويعتبر المنهج الإسلامي هو أول المناهج دافعية للإيجابية وتشجيعا للتطبيق للمعلومات المتعلمة , يقول ابن مسعود رضي الله عنه : ” لم نكن نتعلم القرآن كتعلمكم ذلك , إنما كنا نتعلم عشر آيات بعشر آيات فإذا حفظناها وعملنا بها تعلمنا عشرا أخر ” و يقول أحد السلف ” هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا رحل ” ومنهج الإيجابية التعليمية وتطبيق النموذج المعرفي الناجح كما أنه سبيل التقدم والنمو فهو أيضا الوصفة المثلى للتأخر والتخلف إذا أهمل أو أسيء تنفيذه , وهو للأسف ما تشتكي منه معظم دولنا الإسلامية .

في حديث لصاحب شركة البرمجة العالمية ” ميركروسفت ” بيل غيتس قال – منتقدا نظام التعليم الأمريكي _ : (إن المدارس الأميركية باتت بالية، ومدارسنا الثانوية حتى عندما تعمل وتدار على النحو المخطط له، لا تستطيع أن تدرس التلاميذ ما ينبغي أن يحصلوا عليه من معرفة في عالم اليوم، وتدريب قوة عمل المستقبل في مدارسنا الثانوية بوضعها الراهن أشبه بمحاولات تدريس تلاميذنا علوم أجهزة الكمبيوتر الحديثة باستخدام الأجهزة التي ظهرت قبل خمسة عقود، جرى تصميم مدارسنا على نحو يجعلها قادرة على تلبية احتياجات القرن الواحد والعشرين، فإننا سنحد وربما نحطم، قدرات ملايين الأميركيين سنوياً).

فإذا كان هذا هو حال التعليم في الولايات المتحدة التي يعتبرها العالم أفضل نظم التعليم العالمية من ناحية التطبيق المعرفي والتقني فكيف يكون حال التعليم عندنا ، وكم هو بحاجة ملحة لإنقاذ روحه، أو ما بقي منها بعد؟!.
نحن لا نشك أن منهجنا الإسلامي التعليمي المعرفي هو أفضل المناهج وأعظمها على الإطلاق ولكن هذا المنهج السامي العظيم يفتقر في بلادنا للتطبيق والتنفيذ , إلا أننا في الواقع الحسير قد حاولنا التشبه بالغرب ونبذنا منهجنا الرائع ثم فشلنا في التشبه بإيجابيات النظم المعرفية والتعليمية الغربية وسقطنا في هوة عميقة من التخلف العقيم ..!!

إننا كثيراً ما نسمع في بلادنا العربية عن تطوير مناهج التعليم، ولكن ذلك كله يتحول ، مثل غيره من دعوات الإصلاح والتطوير، إلى جعجعة بلا طحين، يكثر الحديث فيها وعنها، من دون أن تجري ترجمتها على أرض الواقع إلى أفعال ملموسة، ربما لعدم توفر الرغبة والإرادة الصادقتين والجادتين، وربما لعدم توفر القدرة والإمكانية على ذلك أيضاً.
فمدارسنا وجامعاتنا مكتظة بأعداد ضخمة من الطلاب، تفوق قدرتها وطاقتها على الاستيعاب، والميزانيات المخصصة للتعليم، والثقافة عموماً، هي الأقل والأفقر قياساً إلى بقية دول العالم النامية وليس المتقدمة، كماليزيا التي تخصص 18% من ميزانيتها لتطوير التعليم والمناهج، على سبيل المثال لا الحصر، أما عن المستوى المادي والاجتماعي للمعلم عندنا، فحدث ولاحرج، ويكفي للمقارنة أن نذكر أن متوسط المرتب السنوي للمدرس في ألمانيا أو اليابان هو 50 ألف دولار سنوياً، بينما متوسط المرتب السنوي للمدرس في البلاد العربية الغنية هو 5 آلاف دولار، وفي البلاد العربية الفقيرة ألف دولار.

أساليب التعليم لدينا قديمة وبالية، أما أساليب التعليم الحديثة، في الدول الأخرى، فإنها تهتم على نحو متكامل بتنمية الفرد تنمية متوازنة في المجالات المعرفية المختلفة، مع الاهتمام بالبحوث والدراسات، مع ضرورة وجود مراكز خاصة لها، بما يساعد على إنتاج قوى عاملة مؤهلة ومدربة، يمكنها الحصول على فرصتها في العمل والحياة، وليس البطالة والتعطل.

وفي معايير التنمية يعتبر التعليم أحد العناصر الحاسمة في تحديد مستقبل أي مجتمع، فجوهر التنمية هو بناء البشر وتطوير قدراتهم بما يمكنهم من أن يصبحوا قوى كفؤة ودافعة للتقدم والتطور. وكلما ازداد الاهتمام بتطوير العملية التربوية والتعليمية، من حيث المحتوى والأدوات، كلما أصبح المجتمع أكثر قدرة على التعامل مع معطيات العالم المتغير بسرعة مدهشة.

والنمو الاقتصادي يعتمد الآن، بكل فروعه على نوعية المعلومة. وبات منتجو المعلومات يحتلون في السنوات الأخيرة، أهمية ومكانة تفوقان أهمية ومكانة منتجي السلع المادية. وأضحت صناعة الاتصالات وأجهزتها تتبوأ مكان الصدارة في الحياة الاقتصادية الدولية.

تحذير من الأمم المتحدة

أول تقرير مفصل نشره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP حذر من خطورة تدني مستوى التعليم في العالم العربي، مؤكداً أنه على الرغم من الجهود التي بذلها العالم العربي في ميدان التربية والتعليم منذ منتصف القرن العشرين، أي بعد استقلال معظم الدول العربية، لازال مستوى التعليم دون معدل معظم البلدان النامية. فنسبة الأمية بين البالغين، وإن انخفضت من 60% إلى 43% في منتصف التسعينات، فإن التقرير يرى أنها عادت للارتفاع وأن العالم العربي دخل القرن الحادي والعشرين بعبء أكثر من 60 مليون أمي، غالبيتهم من النساء. ومن المتوقع ألا يستطيع العالم العربي القضاء على أمية الرجال قبل 2025، أما بالنسبة للنساء، فسوف لن يكون ذلك قبل 2040.
فقد رفعت الدول العربية نسبة الملتحقين بالمراحل التعليمية الثلاث، الابتدائي والمتوسط والعالي، من 31 مليون في الثمانينات إلى 56 مليون عام 1995، كما يعد العالم العربي أفضل من بعض الدول النامية فيما يتعلق بنسبة الدخل القومي العام الذي ينفق على التعليم.
وارتفع الإنفاق على التعليم في الدول العربية من 18 مليار دولار عام 1980 إلى 28 مليار دولار عام 1995. ولكن هذه الطفرة في نفقات التعليم بدأت تتراجع مع اعتماد العديد من الدول العربية برامج إصلاح هيكلي أدت إلى تخفيض الإنفاق على الخدمات العمومية.
ويرى التقرير أن الأنظمة التربوية العربية تفتقر إلى التنوع والى الجودة التي تسمح للطالب باقتناء المعرفة الضرورية للإبداع، والقادرة على مساعدة الدول العربية على الخروج من دوامة التخلف. وما هو أخطر في نظر معدي التقرير كون هذا النقص في جودة التعليم قد يهمش العالم العربي ويجعله عاجزا على مواكبة التطورات التكنولوجية والمعلوماتية في العالم.

وتقارير التنمية الإنسانية العربية تدق الناقوس

التقارير المتوالية للتنمية الإنسانية في الدول العربية لا تكف عن المطالبة بتقليص “الفجوة في المعرفة” التي تعاني منها هذه الدول عن طريق رؤية إستراتيجية قائمة على حرية الرأي والتعبير والتنظيم وضمانها بالحكم الصالح، ونشر التعليم وتطويره وتوطين العلم وبناء قدرات البحث العلمي، والتحول نحو نمط إنتاج المعرفة وتأسيس نموذج معرفي عربي أصيل.

وحسب هذه التقارير فإن الثقافة العربية في أوجها كانت هي المثال الذي كانت تحتذي به الثقافات الأخرى، قبل أن يضربها التخلف الثقافي في الوقت الذي تبرز فيه ثقافة عالمية جديدة.
وحالة المعرفة بشقيها من نشر للمعرفة وإنتاجها تعتريها في الدول العربية تنشئة قد تكبح الفكر، ويتهمها الكثيرون بالتذبذب بصورة تؤثر سلبا على عملية نمو الاستقلال والثقة بالذات والكفاءة الاجتماعية، والقدرة على التفكير، خاصة لدى الأطفال؛ وهو ما يجعلهم يعتادون منذ صغرهم على كبح التساؤل والاكتشاف والمبادرة.

ورغم ما حققته الدول العربية من توسع كمي في مجال التعليم على مدى النصف الثاني من القرن الماضي، إلا أن وضع التعليم ما زال متواضعا مقارنة بإنجازات دول أخرى، حتى في العالم النامي. والمشكلة الأخطر في التعليم في البلدان العربية هي تردي نوعيته، وهذا يقوض أحد أهم أهدافه الأساسية، وهو تحسين نوعية الحياة وإثراء قدرة المجتمعات.

ورغم انتشار الفضائيات فإن نسبة وسائل الإعلام لعدد السكان هي الدنيا في العالم العربي قياسا بالمستوى العالمي، كما أن أكثر من 70% من قنوات التلفاز العربية -وعددها نحو 1200 قناة- تخضع لإشراف الدولة التي تملك أيضا وكالات الأنباء، ونتيجة لذلك فإن أكثرية نشرات الأخبار والمواد الإعلامية المذاعة هي نشرات رسمية وسلطوية الطابع وهزيلة المضمون، وتكاد تقتصر على الأنباء الرسمية وأنشطة كبار رجال السياسة، وقلما تحمل معلومات أو أخبارا تغذي المعرفة النافعة للناس، أو تهم أغلبيتهم أو تعنى بشئونهم، وهو أمر لا يساعد على توسيع مداركهم ووعيهم أو تكوين وجهة نظر حيال الأحداث الجارية، سواء كانت قضايا وطنية أو إقليمية أو دولية.

تراجع الترجمة والبحث العلمي

ورغم أن الترجمة تعتبر من القنوات الهامة لنشر المعرفة والتواصل مع العالم؛ فإن حركة الترجمة العربية ما زالت ضعيفة، فمتوسط الكتب المترجمة لكل مليون شخص من العرب كان في السنوات الأولى من الثمانينيات يساوي 4.4 كتابا؛ أي أقل من كتاب واحد كل سنة، بينما بلغ 519 كتابا في المجر، و920 كتابا في إسبانيا.

والبحث العلمي في الدول العربية يعاني، هو الآخر، من شح الإنتاج، وضعف في مجالات أساسية، وشبه غياب في حقول متقدمة، مثل المعلوماتية والبيولوجيا الجزئية، ويعاني البحث العلمي أيضا من انخفاض الإنفاق عليه وغياب الدعم المؤسسي وعدم توافر البيئة العلمية المواتية لتنمية العلم وتشجيعه وانخفاض عدد المؤهلين للعمل في مجاله.

أما عملية ترويج نتائج البحث والتطوير فتواجه صعوبات وعقبات أساسية بسبب ضعف الروابط بين مؤسسات البحث والتطوير وقطاعات المجتمع الإنتاجية وقصور ملحوظ في ممارسة النشاطات الابتكارية، وبقي الجزء الأكبر من الإنجازات البحثية والتطويرية والإبداعية التي تتم في مؤسسات البحث والتطوير العربية غير مكتمل من حيث الوصول إلى حيز الاستثمار.

إن هناك 371 باحثا ومهندسا فقط من بين كل مليون مواطن في الدول العربية بالمقارنة مع المعدل العالمي وهو 979 لكل مليون. كما أن 1.6% من السكان العرب لديهم إمكانية استخدام الإنترنت بالمقارنة مع 69% في بريطانيا و79% في الولايات المتحدة. وهناك 18 جهاز كمبيوتر لكل ألف شخص عربي مقابل 78 جهاز كمبيوتر لكل ألف شخص في العالم.

وقد نجم عن البيئة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الطاردة تنامي ظاهرة هجرة العقول العربية، ويقدر عدد الجامعيين العرب المهاجرين إلى أوروبا وأمريكا عام 1995/1996 بـ75 ألفا، وكان عدد الأطباء العرب المهاجرين بين العامين 1998 و2000 حوالي 15 ألف طبيب.

ولعل أهم أسباب التخلف المعرفي في العالم العربي ترجع إلى وضع الحريات وحقوق الإنسان في الدول العربية مقارنة بدول العالم. فالقمع والتهميش في معظم البلدان العربية أسهما في قتل الرغبة في الإنجاز والسعادة والانتماء، ومن هنا ساد الشعور باللامبالاة والاكتئاب السياسي؛ ومن ثم ابتعاد المواطنين عن المشاركة في إحداث التغيير المنشود. وبسبب غياب التنافس والتداول تخضع المؤسسات العلمية في أحيان كثيرة للإستراتيجيات السياسية ، وتتقدم مقاييس الولاء في الاختيار للإدارة والترقية بدلا من الكفاءة والمعرفة، وأدى التقييد على البحث والإبداع العلمي إلى تكبيل العقول وإخماد جذوة المعرفة وقتل حوافز الإبداع في غالب الدول الإسلامية والعربية.

مستوى جامعاتنا العلمي متواضع

وقد أكدت أبحاث عديد من العلماء على الأثر القوي للتعليم على الإنتاج وعلى التطور الاقتصادي والتقدم التقني، فخلف كل مظاهر التقدم التقني والاقتصادي تكمن جهود العلماء الباحثين في مختبراتهم. فمؤسسات البحث العلمي تلعب دورا مهما في تطوير الإنشاءات، وضمان نجاح التخطيطات الاقتصادية وتصحيحها وتقييمها. كما تؤدي البحوث إلى حدوث اكتشافات علمية تؤثر في طبيعة فهم الإنسان ونظرته إلى العالم وفي كشف مناطق جديدة من المعلومات والاحتمالات التطبيقية التي تتحول إلى وسائل وأدوات تكنولوجية للإنتاج والمواصلات وغيرها.

فالبحث العلمي هو استنباط للمعرفة، وتطوير لمنتج، وتخلف البحث العلمي في القطاع الصناعي أو الاجتماعي أو غيره يحول دون تطوير هذه القطاعات والتغلب على مشاكلها؛ وبالتالي فإنه لا يمكن مع هذا التخلف تطوير تكنولوجيات أو تحسين مستويات هذه القطاعات ولا النهوض بها ولا إنتاج الثروات.

إن الاستقلالية التكنولوجية، وإخضاع هذه المعارف وتطويرها رهين بالبحث العلمي وسياسة واستثمار الموارد البشرية، والجامعات بما تضمه من مخابر البحث، وورش التجريب ومدرجات التدريس تعد من أهم وسائل إعداد الطاقة البشرية وصقلها، وتنمية مهاراتها بالعلم والمعرفة والتدريب.

يلاحظ بعض الباحثين أن جامعاتنا لا تقر سياسات البحث العلمي، ولا تحدد أهدافًا إستراتيجية على المدى القصير ولا على المدى الطويل ولا المتوسط، ولا تضم البرامج السنوية للجامعات برامج بحوث بالمفهوم العالمي إلا نادرا، وغالبا ما تكون مشاريع البحوث المنجزة من تلقاء مبادرة فردية أو مجموعات بحث صغيرة.

فهذه الجامعات لم تكن مجالا للبحث العلمي قط. فقد انهمكت بعد حصول بلداننا على الاستقلال في تكوين الكوادر من أطباء وحقوقيين ومدرسين ورجال إدارة؛ ليحلوا محل الكوادر الاستعمارية، واستمرت هذه الوضعية ردحا من الزمن، وبعد ذلك عند دخول هذه الدول فيما يسمى بالتقويم الهيكلي الاقتصادي الذي أملاه صندوق النقد الدولي، قلت الاعتمادات المالية والنفقات الاستثمارية في التعليم وفي سائر القطاعات. فبدأت ظاهرة بطالة الخريجين التي ما زلنا نعانيها: طوابير من المتعلمين والكفاءات معطلة عن الإنتاج، لا تتاح لها فرصة القيام بدور منتج، مشلولة مهمشة، رغم الحاجة الوطنية الملحة إلى المتعلمين كافة وفي سائر التخصصات.

خلل في أركان المعرفة

وإذا كانت المعرفة منتَج اجتماعي واقتصادي معا، فإن ممانعات المعرفة أو منشطاتها في المجتمع العربي ترتبط بالسياق الاجتماعي الثقافي السائد.

وبالنظر في أركان مجتمع المعرفة، نعرف لماذا يقف المجتمع العربي ممانعا وعائقا أمام تأسيسها في فضائنا العربي. وهذه الأركان هي: حرية الرأي والتعبير، نشر وتعميم التعليم وردم الفجوة المعلوماتية، إنتاج المعرفة وتوظيفها بكفاءة في النسيج المجتمعي، وأخيراً إبداع نموذج معرفي ذي خصوصية ثقافية.

والاختلال في الأركان السابقة في الحالة العربية معروفة ومتفق عليه إلى جانب بعض مظاهر الخلل في الأداء السياسي، وسيادة السلطة الأبوية وقيم المحافظة في التنشئة العربية. وتخلف التعليم العربي وضعف الإنفاق على البحث العلمي، واستيراده عوضا عن إنتاجه يسم الحالة المعرفية العربية، حيث يسود الكم على الكيف في التعليم العربي، وتقف معدلات الأمية المرتفعة حائلا دون الانخراط في مجتمع المعرفة، وخاصة مع تدني نسب الالتحاق بالمراحل الأعلى من التعليم النظامي مقارنة بالمعدلات العالمية.
ويعتبر التعليم أهم أدوات عبور خط التقسيم الرقمي وتخطي الفجوة الرقمية، والتي يمكن تحديد موقعها من أسس أركان إقامة مجتمع المعرفة الأربعة التي هي: اتصال و إعلام، ثقافة مجتمع المعرفة وعلومه وأركانه، رأس مال بشري، ثم مستوى تعليم راق.

وربما كانت سيادة العقلية التلقينية، والقائمة على الحفظ والاجترار والتكرار في مؤسسات التعليم العربي من أهم عوامل إجهاض الدخول إلى مجتمع المعرفة الذي يشجع في المقابل الحوار والإبداع، والتعلم الذاتي، وثقافة السؤال. ويحتاج إنتاج المعرفة إلى وجود ثقافة معرفية متميزة في المجتمع تساندها وتشجعها وتبرز وتحترم قدرات التفكير والإبداع والسؤال والتأمل والبحث.

أهمية الإدارة الأهلية لمؤسسات التعليم

حينما تتاح الفرصة للمجتمع أن يؤسس مؤسسات أهلية يديرها بنفسه، فإنها في الغالب الأعم تكون أعلى كفاءة في الأداء، وأرقى نوعا في النتائج، وخذ في ذلك مثلا المدارس والمستشفيات الأهلية في بعض البلاد العربية، مقارنة بنظائرها الحكومية، فإنها في أغلب الأحوال تفوقها تنظيما وأداء ونتائج، حتى أصبحت المدرسة الحكومية في أكثر البلاد العربية عنوانا للفوضى، وتدني المستوى التعليمي، وضعف الخريجين منها، وأصبحت المدرسة الأهلية عنوانا لأضداد ذلك، وينطبق الأمر ذاته على المستشفيات والمؤسسات الصحّية، فكأنما هذه المؤسّسات إذن نهضت في أداء مهامها لما تحررت من ربقة الدولة، وتكفل بها المجتمع، وكأنما كانت الدولة هي العائق دون نهضتها.

والعقول المفكرة من أبناء الأمة تظل عاطلة أو تكاد عن الابتكار والريادة، ضئيلة الفاعلية في تحريك الواقع والتأثير فيه، وذلك حينما تكون تحت رعاية الدولة، وضمن مؤسساتها، وفي نطاق خططها وتوجيهاتها، فإذا ما تحررت منها، وهاجرت إلى فضاء خارجي، ظهر تفوقها وإبداعها في مجال العلم النظري، وتأثيرها وفعاليتها في مجال التنمية الواقعية، ووصلت في ذلك إلى أعلى درجات العلم والعمل، وذلك هو المفتاح الأساسي من مفاتيح النهضة، وليس أدل على ذلك من أن الجوائز والتقديرات العلمية العالمية، إنما حصلت عليها تلك العقول العربية، التي هاجرت من بلادها، التي تديرها الدولة الحديثة إلى البلاد الغربية، وكأنما إدارة تلك الدولة الحديثة، هي التي كانت تعيقها عن الإبداع، فلمّا تحررت منها أبدعت.

حركه حماس

كاتب الموضوع الأصلي: فهد السحيمي (245)

حركة “حماس” :

“حماس” هو الاسم المختصر لـ”حركة المقاومةالاسلامية”، وهي حركة مقاومة شعبية وطنية تعمل على توفير الظروف الملائمة لتحقيق تحرر الشعب الفلسطيني وخلاصه من الظلم وتحرير أرضه من الاحتلال الغاصب ، والتصدي للمشروع الصهيوني المدعوم من قبل قوى الاستعمار الحديث .

وحركة “حماس” حركة جهادية بالمعنى الواسع لمفهوم الجهاد،وهي جزء من حركة النهضة الإسلامية، تؤمن أن هذه النهضة هي المدخل الأساسي لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وهي حركة شعبية إذ أنها تعبيرعملي عن تيار شعبي واسع ومتجذر في صفوف أبناءالشعب الفلسطيني والأمة الاسلامية يرى في العقيدة والمنطلقات الاسلامية أساساً ثابتاً للعمل ضد عدو يحمل منطلقات عقائدية ومشروعاً مضاداً لكل مشاريع النهوض في الأمة، وتضم حركة “حماس” في صفوفها كل المؤمنين بأفكارها ومبادئها المستعدين لتحمل تبعات الصراع ومواجهة المشروع الصهيوني.

——————————————————————————–

شعار الحركة :

يتكون شعار الحركة من صورة لمسجد قبة الصخرة تعلوها خارطة صغيرة لفلسطين ، ويحيط بصورة القبة علمان لفلسطين رُسم كل منهما على صورة نصف قوس ، ليظهرا وكأنهما يحتضنان القبة، وقد كتب على العلم الأيمن عبارة “لا إله إلا الله “، فيما كتب على العلم الأيسر عبارة “محمد رسول الله”، ويتعانق في أسفل القبة سيفان يتقاطعان عند قاعدة القبة ثم يفترقان مكونين إطاراً سفلياً للقبة .

وقد كتب تحت الصورة كلمة فلسطين ، فيما كتبت عبارة “حركة المقاومة الإسلامية – حماس” على شريط تحت الصورة .

وترمز صورة المسجد وعبارات “لا إله إلا الله” “محمد رسول الله” لإسلامية القضية ، وعمقها العقائدي ، فيما تشير الخارطة إلى موقف حركة “حماس” الثابت من أن الصراع يدور لتخليص >

كل فلسطين بحدودها الانتدابية من نير المحتل ، ورفض الحركة لحصر القضية في الأراضي المحتلة عام 1967.

أما السيفان فهما يرمزان للقوة والنبل كما كانا دائماً في العقل العربي ، وحركة “حماس” التي تخوض صراعاً مع محتل لا يراعي أي قيمة تتمسك في صراعها بقيم النبالة والشرف ، وتوجه قوتها نحو خصمها الحقيقي دون لين أو انحراف .

——————————————————————————–

النشأة والتطور :

وزعت حركة المقاومة الاسلامية “حماس” بيانها التأسيسي في 15كانون الأول /ديسمبر 1987، إلا أن نشأة الحركة تعود في جذورها إلى الأربعينات من هذا القرن، فهي امتداد لحركة الاخوان المسلمين،وقبل الاعلان عن الحركة استخدم الاخوان المسلمون اسماءً أخرى للتعبير عن مواقفهم السياسية تجاه القضية الفلسطينية منها “المرابطون على أرض الاسراء” و”حركة الكفاح الاسلامي” وغيرها.

اولاً : دوافع النشأة :

نشأت حركة المقاومة الاسلامية “حماس” نتيجة تفاعل عوامل عدة عايشها الشعب الفلسطيني منذ النكبة الاولى عام 1948 بشكل عام، وهزيمة عام 1967 بشكل خاص وتتفرع هذه العوامل عن عاملين أساسيين هما : التطورات السياسية للقضية الفلسطينية وما آلت إليه حتى نهاية عام1987، وتطور الصحوة الاسلامية في فلسطين وما وصلت إليه في منتصف الثمانينات .

ا- التطورات السياسية للقضية الفلسطينية :

أخذ يتضح للشعب الفلسطيني أن قضيته التي تعني بالنسبة إليه قضية حياة او موت ، وقضية صراع حضاري بين العرب والمسلمين من جهة والصهاينة من جهة أخرى، أخذت تتحول الى قضية لاجئين فيما بعد النكبة ، أو قضية إزالة آثار العدوان، والتنازل عن ثلثي فلسطين فيما بعد هزيمة عام 1967، الأمر الذي دفع الشعب الفلسطيني ليمسك زمام قضيته بيده، فظهرت م.ت.ف وفصائل المقاومة الشعبية.

ولكن برنامج الثورة الفلسطينية الذي تجمع وتبلور في منظمة التحرير الفلسطينية تعرض في الثمانينات الى سلسلة انتكاسات داخلية وخارجية عملت على إضعافه وخلخلة رؤيته. وكانت سنوات السبعينات قد شهدت مؤشرات كثيرة حول إمكانية قبول م.ت.ف بحلول وسط على حساب الحقوق الثابتة لشعبنا وأمتنا وخلافاً لما نص عليه الميثاق الوطني الفلسطيني ، وتحولت تلك المؤشرات إلى طروحات فلسطينية واضحة تزايدت بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد ، والاجتياح الصهيوني لجنوب لبنان ثم محاصرة بيروت عام 1982.

وكان هذا الحصار أكبر إهانة تتعرض لها الأمة بعد حرب عام 1967، رغم الصمود التاريخي للمقاومة الفلسطينية فيها ، إذ تم حصار عاصمة عربية لمدة ثلاثة أشهر دون أي رد فعل عربي حقيقي ، وقد نتج عن ذلك إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية وخروجها من لبنان، الأمر الذي عزز الاتجاهات الداعية للتوصل إلى تسوية مع العدو داخل المنظمة .

وتضمنت طروحات التسوية التنازل عن قواعد أساسية في الصراع مع المشروع الصهيوني وهي:

1-الاعتراف بالكيان الصهيوني وحقه في الوجود فوق أرض فلسطين .

2-التنازل للصهاينة عن جزء من فلسطين، بل عن الجزء الأكبر منها.

وفي مثل هذه الظروف التي لقيت استجابة من قيادات منظمة التحرير الفلسطينية ، تراجعت استراتيجية الكفاح المسلح،كما تراجع الاهتمام العربي والدولي بالقضية الفلسطينية. وكانت معظم الدول العربية تعمل على تكريس مفهوم القطرية بنفس فئوي بشكل مقصود او غير مقصود، وذلك من خلال وترسيخ المفاهيم القطرية، خاصة بعد أن اتخذت الجامعة العربية قراراً في قمة الرباط عام 1974 باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني .

وبعد نشوب الحرب العراقية – الإيرانية أصبحت قضية فلسطين قضية هامشية عربياً ودولياً، وبموازاة ذلك كانت سياسة الكيان الصهيوني تزداد تصلباً بتشجيع ومؤازرة من الولايات المتحدة الامريكية التي وقعت معه معاهدة التعاون الاستراتيجي في عام 1981 الذي شهد أيضاً إعلان ضم مرتفعات الجولان السورية المحتلة وتدمير المفاعل النووي العراقي .

وفيما كانت الدول العربية تتعلق بأوهام الأمل الذي عقدته على الادارات الامريكية المتعاقبة ، كان التطرف الصهيوني يأخذ مداه مع هيمنة أحزاب اليمين على سياسة وإدارة الكيان، وكانت سياسة الردع التي تبناها الكيان الصهيوني منذ عقود هي السياسة التي لا يتم الخلاف عليها، لذلك نفذت بعنجهية عملية حمام الشط التي قصفت فيها مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس في أكتوبر عام 1985. ولقيت هذه الاعمال دعماً وتشجيعاً كاملين من قبل الادارة الامريكية التي عقدت عليها الآمال العربية بتحقيق طموحات القمم المختلفة !!

وعلى الصعيد الدولي كانت الولايات المتحدة قد تقدمت خطوات واسعة بعيداً عن الاتحاد السوفيتي في فرض إرادتها وهيمنتها، ليس على المنطقة فحسب بل وعلى العالم بأسره، حيث كانت المشاكل المتفاقمة يوماً إثر يوم داخل الاتحاد السوفيتي تتطلب منه الالتفات الى الوضع الداخلي فأنتج التركيز الشديد على ذلك تراجع اولويات الادارة السوفيتية وانسحابها التدريجي من الصراعات الاقليمية وترك الساحة للامريكان، وقد انتهى الدور السوفياتي في المنطقة بصورة لم تتوقعها الحكومات العربية وغالبية الفصائل الفلسطينية وألحق أضراراً بموقفها السياسي من الصراع.

ب- محور الصحوة الاسلامية :

شهدت فلسطين تطوراً واضحاً وملحوظاً في نمو وانتشار الصحوة الاسلامية كغيرها من الاقطار العربية، الأمر الذي جعل الحركة الاسلامية تنمو وتتطور فكرة وتنظيماً، في فلسطين المحتلة عام1948، وفي أوساط التجمعات الفلسطينية في الشتات وأصبح التيار الاسلامي في فلسطين يدرك أنه يواجه تحدياً عظيماً مرده أمرين اثنين :

الأول : تراجع القضية الفلسطينية الى أدنى سلم أولويات الدول العربية .

الثاني : تراجع مشروع الثورة الفلسطينية من مواجهة المشروع الصهيوني وإفرازاته إلى موقع التعايش معه وحصر الخلاف في شروط هذا التعايش.

وفي ظل هذين التراجعين وتراكم الآثار السلبية لسياسات الاحتلال الصهيونية القمعية الظالمة ضد الشعب الفلسطيني، ونضوج فكرة المقاومة لدى الشعب الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها، كان لا بد من مشروع فلسطيني اسلامي جهادي، بدأت ملامحه في أسرة الجهاد عام 1981 ومجموعة الشيخ أحمد ياسين عام 1983 وغيرها .

ومع نهايات عام 1987 كانت الظروف قد نضجت بما فيه الكفاية لبروز مشروع جديد يواجه المشروع الصهيوني وامتداداته ويقوم على أسس جديدة تتناسب مع التحولات الداخلية والخارجية، فكانت حركة المقاومة الاسلامية “حماس” التعبير العملي عن تفاعل هذه العوامل .

وقد جاءت حركة المقاومة الاسلامية “حماس” استجابة طبيعية للظروف التي مر بها الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة منذ استكمال الاحتلال الصهيوني للارض الفلسطينية عام 1967.

وأسهم الوعي العام لدى الشعب الفلسطيني، والوعي المتميز لدى التيار الاسلامي الفلسطيني في بلورة مشروع حركة المقاومة الاسلامية الذي بدأت ملامحه تتكون في عقد الثمانينات . حيث تم تكوين أجنحة لأجهزة المقاومة، كما تم تهيئة القاعدة الجماهيرية للتيار الاسلامي بالاستعداد العملي لمسيرة الصدام الجماهيري مع الاحتلال الصهيوني منذ عام 1986.

وقد أسهمت المواجهات الطلابية مع سلطات الاحتلال في جامعات النجاح وبيرزيت في الضفة الغربية والجامعة الاسلامية في غزة، في إنضاج الظروف اللازمة لانخراط الجماهير الفلسطينية في مقاومة الاحتلال ، خاصة وأن سياساته الظالمة ، وإجراءاته القمعية وأساليبه القهرية قد راكمت في ضمير الجماهير، نزعة المقاومة والاستبسال في مقاومة الاحتلال .

ثانياً: التطور

وكان حادث الاعتداء الآثم الذي نفذه سائق شاحنة صهيوني في 6 كانون الأول/ديسمبر1987، ضد سيارة صغيرة يستقلها عمال عرب وأدى الى استشهاد أربعة من أبناء الشعب الفلسطيني في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين، إعلاناً بدخول مرحلة جديدة من جهاد شعبنا الفلسطيني، فكان الرد باعلان النفير العام. وصدر البيان الأول عن حركة المقاومة الاسلامية “حماس” يوم الخامس عشر من ديسمبر 1987 إيذاناً ببدء مرحلة جديدة في جهاد الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني الغاشم ، وهي مرحلة يمثل التيار الاسلامي فيها رأس الحربة في المقاومة .

وقد أثار بروز حركة “حماس” قلق العدو الصهيوني، وإستنفرت أجهزة الاستخبارات الصهيونية كل قواها لرصد الحركة وقياداتها، وما أن لاحظت سلطات الاحتلال استجابة الجماهير للاضرابات ،وبقية فعاليات المقاومة التي دعت لها الحركة منفردة منذ انطلاقتها، وصدور ميثاق الحركة، حتى توالت الاعتقالات التي استهدفت كوادر الحركة وأنصارها منذ ذلك التاريخ .

وكانت اكبر حملة اعتقالات تعرضت لها الحركة آنذاك في شهر أيار /مايو 1989، وطالت تلك الحملة القائد المؤسس الشيخ المجاهد أحمد ياسين .

ومع تطور أساليب المقاومة لدى الحركة التي شملت أسر الجنود الصهاينة. في شتاء عام 1989 وابتكار حرب السكاكين ضد جنود الاحتلال عام 1990 جرت حملة اعتقالات كبيرة ضد الحركة في ديسمبر/1990 ، وقامت سلطات الاحتلال بإبعاد أربعة من رموز الحركة وقيادييها، واعتبرت مجرد الانتساب للحركة جناية يقاضى فاعلها بأحكام عالية !

ودخلت الحركة طوراً جديداً منذ الاعلان عن تأسيس جناحها العسكري كتائب الشهيد عز الدين القسام في نهاية عام 1991 وقد أخذت نشاطات الجهاز الجديد منحى متصاعداً، ضد جنود الاحتلال ومستوطنيه، وفي ديسمبر 1992 نفذ مقاتلو الحركة عملية أسر الجندي نسيم توليدانو، قامت على إثرها السلطات الصهيونية بحملة اعتقالات شرسة ضد أنصار وكوادر الحركة، واتخذ رئيس وزراء العدو الاسبق اسحاق رابين قراراً بابعاد 415 رمزاً من رموز شعبنا كأول سابقة في الابعاد الجماعي، عقاباً لحركة حماس . وقدم مبعدو حركتي “حماس” والجهاد الاسلامي نموذجاً رائعاً للمناضل المتشبث بأرضه مهما كان الثمن، مما اضطر رابين إلى الموافقة على عودتهم بعد مرور عام على ابعادهم قضوه في العراء في مخيم مؤقت في مرج الزهور في جنوب لبنان.

لم توقف عملية الابعاد نشاط حركة “حماس” ولا جهازها العسكري حيث سجل العام1993معدلاً مرتفعاً في المواجهات الجماهيرية بين أبناء الشعب الفلسطيني وجنود الاحتلال الصهيوني، ترافق مع تنامي الهجمات العسكرية ضد جنود الاحتلال ومستوطنيه، وفي أعقاب تنامي موجة المقاومة الشعبية فرض العدو إغلاقاً مشدداً على الضفة الغربية وقطاع غزة في محاولة للحد من تصاعد المقاومة .

وفي/فبراير/ 1994 أقدم مستوطن ارهابي يهودي يدعى باروخ غولدشتاين على تنفيذ جريمة بحق المصلين في المسجد الابراهيمي في الخليل مما أدى لاستشهاد نحو 30 فلسطينياً وجرح نحو100 آخرين برصاص الارهابي اليهودي.

حجم الجريمة وتفاعلاتها دفعت حركة “حماس” لاعلان حرب شاملة ضد الاحتلال الصهيوني وتوسيع دائرة عملياتها لتشمل كل اسرائيلي يستوطن الارض العربية في فلسطين لارغام الصهاينة على وقف جرائمهم ضد المدنيين الفلسطينيين العزل.

اليوم تقف حركة “حماس” كقوة أولى في مواجهة المشروع الصهيوني، وهي رغم الحملة الشاملة المعادية التي تعرضت لها ما زالت القوة الرئيسية التي تحفظ للقضية الفلسطينية استمرارها وتمنح الشعب الفلسطيني وجميع أبناء الأمة العربية والاسلامية وأحرار العالم ثقة بامكانية التصدي للمشروع الصهيوني الذي يعيش منذ بداية التسعينات عصره الذهبي، وأملاً بامكانية هزيمته وتدميره بإذن الله .

——————————————————————————–

الصراع مع الصهيونية في فكر “حماس” :

تعتقد حركة “حماس” أن الصراع مع الصهاينة في فلسطين صراع وجود فهو صراع حضاري مصيري لا يمكن انهاؤه إلا بزوال سببه، وهو الاستيطان الصهيوني في فلسطين واغتصاب أرضها وطرد وتهجير سكانها.

وترى حركة “حماس” في الدولة العبرية مشروعاً شمولياً معادياً لا مجرد كيان ذي أطماع اقليمية، وهو مشروع مكمل لأطماع قوى الاستعمار الحديث الرامية للسيطرة على مقدرات الأمة وثرواتها ومنع قيام أي تجمع نهضوي في صفوفها عن طريق تعزيز التجزئة القطرية وسلخ الأمة عن جذورها الحضارية وتكريس الهيمنة الاقتصادية والسياسية والعسكرية وحتى الفكرية عليها .

وتشكل الدولة العبرية وسيلة فعالة لكسر التواصل الجغرافي بين دول المركز العربي، وأداة استنزاف لمقدرات الأمة وجهودها ، كما أنها رأس الحربة في ضرب أي مشروع نهضوي.

ولئن كانت فلسطين هي ساحة المواجهة الرئيسية مع المشروع باعتبارها قاعدة انطلاقته ومحطة استقراره، فإن مخاطر وتحديات المشروع الصهيوني تتسع لتشمل كل الدول الإسلامية، وتعتقد حركة “حماس” ان الخطر الصهيوني كان منذ نشأته تهديداً لجميع الدول العربية وعمقها الاستراتيجي الدول الاسلامية، غير أن سنوات التسعين شهدت تحولات ضخمة أبرزت هذا الخطر الذي لن يتوقف عند حدود .

وترى “حماس” أن خير طريقة لإدارة الصراع مع العدو الصهيوني، هي حشد طاقات الشعب الفلسطيني، لحمل راية الجهاد والكفاح ضد الوجود الصهيوني في فلسطين بكل السبل الممكنة، وإبقاء جذوة الصراع مشتعلة، لحين استكمال شروط حسم المعركة مع العدو من نهوض الأمة العربية والاسلامية واستكمال أسباب القوة وحشد طاقاتها وإمكاناتها وتوحيد إرادتها وقرارها السياسي. والى أن يتحقق ذلك ، وإيماناً بقدسية فلسطين ومنزلتها الاسلامية، وإدراكاً لأبعاد ومخاطر المشروع الصهيوني في فلسطين، فإن “حماس” تعتقد أنه لا يجوز بحال من الاحوال التفريط بأي جزء من أرض فلسطين، او الاعتراف بشرعية الاحتلال الصهيوني لها، وأنه يجب على أهل فلسطين ، وعلى جميع العرب والمسلمين ، إعداد العدة لقتال الصهاينة حتى يخرجوا من فلسطين كما هجروا إليها .

——————————————————————————–

العمل العسكري في برنامج “حماس”:

تمثل الدولة العبرية مشروعاً مناهضاً لكل مشاريع النهضة العربية والإسلامية، إذ لولا حالة الانحطاط والتردي الحضاري التي تمر بها الأمة لما استطاع الصهاينة تحقيق حلمهم بإقامة دولتهم فوق أرض فلسطين ، وهي حقيقة يدركها الصهاينة ويعبرون عنها بمعارضتهم قولاً وفعلاً لأي برنامج من شأنه أن يضيف جديداً للقدرات العربية والإسلامية ، إذ يرون أن محاولة النهوض العربية والإسلامية تشكل خطراً استراتيجياً على اسرائىل. كما يؤمن الصهاينة أن توحد القوة العربية أو اتحادها على قاعدة مشروع نهضة شامل من شأنه أن يشكل الخطر الأساسي على الدولة العبرية، وهو إيمان دفع قادة الدولة منذ نشأتها إلى العمل على التحول من كيان غريب وشاذ داخل المحيط العربي والاسلامي إلى جزء منه بفعل الاقتصاد وهو ما يفسر إصرار أنصار التسوية على تسويق مشاريع تحت عباءة الاقتصاد .

من هنا يمكن فهم دور العمل العسكري في مشروع حركة ” حماس ” ، فالعمل العسكري يشكل الوسيلة الاستراتيجية لدى الحركة من أجل مواجهة المشروع الصهيوني ، وهو – في ظل غياب المشروع العربي والاسلامي الشامل للتحرير – سيبقى الضمانة الوحيدة لاستمرار الصراع وإشغال العدو الصهيوني عن التمدد خارج فلسطين.

كما أن العمل العسكري في بعده الاستراتيجي يشكل وسيلة الشعب الفلسطيني الأساسية للإبقاء على جذوة الصراع متقدة في فلسطين المحتلة، والحيلولة دون المخططات الاسرائيلية الرامية لنقل بؤرة التوتر إلى انحاء مختلفة من العالمين العربي والاسلامي.

كذلك فإن العمل العسكري يعتبر أداة ردع لمنع الصهاينة من الاستمرار في إستهداف أمن الشعب الفلسطيني ، وهو ما أثبتته سلسلة الهجمات البطولية التي نفذتها الحركة رداً على جريمة الأرهابي باروخ غولدشتاين ضد المصلين في المسجد الابراهيمي .

كما إن من شأن مواصلة هذا النهج وتصعيده الضغط على الصهاينة لارغامهم على وقف ممارساتهم المعادية لمصالح وحقوق أهلنا في الضفة الغربية وقطاع غزة .

وترى حركة “حماس” أن إندماج اسرائيل في المنطقة العربية والاسلامية من شأنه تعطيل أي مشروع نهضوي للأمة،حيث تهدف اسرائيل إلى إستثمار ضعف الأمة أمام اسرائيل المدعومة من قبل الولايات المتحدة ومنظومتها الحضارية من أجل إنجاز مشروع التسوية الهادف في جوهره إلى ربط اقتصاديات الدول العربية وإمكاناتها المختلفة بمنظومة جديدة عمادها اسرائيل.

إن مقاومة حركة “حماس” للاحتلال ليست موجهة ضد اليهود كأصحاب دين وإنما هي موجهة ضد الاحتلال ووجوده وممارساته القمعية . وهذه المقاومة ليست مرتبطة بعملية السلام في المنطقة كما تزعم الدولة العبرية وانصار التسوية السياسية الجارية على اساس الخلل القائم في موازين القوى، فالمقاومة بدأت قبل انعقاد مؤتمر مدريد. والحركة ليست لها عداوة او معركةمع اي طرف دولي، ولا تتبنى مهاجمة مصالح وممتلكات الدول المختلفة، لأنها تعتبر ان ساحة مقاومتها ضد الاحتلال الصهيوني تنحصر داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة ،وحينما هدد المسؤولون الصهاينة بنقل المعركة مع “حماس” خارج حدود الاراضي المحتلة حذرت حماس السلطات الصهيونية من خطورة الاقدام على مثل هذه الخطوة، وهو ما يؤكد حرص الحركة على عدم توسيع دائرة الصراع .

وتستهدف حركة “حماس” في مقاومتها للاحتلال ضرب الاهداف العسكرية، وتحرص على تجنب ان تؤدي مقاومتها الى سقوط مدنيين. وحتى في بعض الحالات التي سقط فيها عدد من المدنيين في أعمال المقاومة التي تمارسها الحركة، فانها قد جاءت من قبيل الدفاع عن النفس والرد بالمثل على المذابح الارهابية التي ارتكبت بحق المدنيين الابرياء من الشعب الفلسطيني كما حدث في مذبحة الحرم الابراهيمي في مدينة الخليل، حيث قتل الفلسطينيون وهم يؤدون الصلاة داخل المسجد على أيدي المستوطنين وقوات الاحتلال. ولتأكيد حرصها على تجنب التعرض للمدنيين من كلا الجانبين، طرحت حركة “حماس” مراراً مبادرات انسانية تقوم على توقف الطرفين عن إستهداف المدنيين وإخراجهم من دائرة الصراع، ولكن الصهاينة رفضوا هذه المبادرة وتجاهلوها بشكل يؤكد طبيعتهم الارهابية وعدم حرصهم على حقن دماء ابناء الشعب الفلسطيني الأبرياء.

فحركة “حماس” تحرص بشدة على أن تراعي في أنشطتها ومقاومتها للاحتلال الاسرائيلي تعاليم الإسلام السامية وقواعد حقوق الانسان والقانون الدولي ، وهي لا تقوم بمقاومتها المشروعة رغبة في القتل او سفك الدماء كما يفعل الصهاينة .

——————————————————————————–

موقف حركة “حماس” من التسوية السياسية :

لقد اكدت حركة “حماس” مراراً انها ليست ضد مبدأ السلام فهي مع السلام وتدعو له وتسعى لتحقيقه، وتتفق مع جميع دول العالم على أهمية ان يسود ربوع العالم اجمع، ولكنها مع السلام العادل الذي يعيد الحقوق للشعب الفلسطيني ويمكنه من ممارسة حقه في الحرية والعودة والاستقلال وتقرير المصير. والحركة ترى ان الاتفاقات التي تم التوصل اليها حتى الآن ، لا تلبي طموحات الشعب الفلسطيني ولا تستجيب للحد الأدنى من تطلعاته. فهي اتفاقات غير عادلة، وتلحق الظلم والضرر بشعبنا، وتكافئ الجانب المعتدي على إعتدائه وتعترف له بحقه فيما استلبه من الآخرين، وهي محاولة لاملاء وفرض شروط الطرف المنتصر ومطالبة المظلوم بالتنازل عن حقوقه. وسلام ظالم بهذه المواصفات الظالمة لا يكتب له النجاح او الحياة طويلاً .

كما أن مبدأ التسوية السياسية أياً كان مصدرها، او أيا كانت بنودها، فإنها تنطوي على التسليم للعدو الصهيوني بحق الوجود في معظم أرض فلسطين، وما يترتب عليه من حرمان الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني، من حق العودة، وتقرير المصير، وبناء الدولة المستقلة. على كامل الارض الفلسطينية، وإقامة المؤسسات الوطنية. وهو أمر لا ينافي فقط القيم والمواثيق والأعراف الدولية والانسانية ،بل يدخل في دائرة المحظور في الفقه الاسلامي ، ولا يجوز القبول به. فأرض فلسطين أرض اسلامية مباركة اغتصبها الصهاينة عنوة، ومن واجب المسلمين الجهاد من أجل استرجاعها وطرد المحتل منها .

وبناءً على ذلك، فقد رفضت الحركة مشروع شولتز وبيكر ونقاط مبارك العشر وخطة شامير ومسيرة مدريد -واشنطن. وتعتقد “حماس” أن أخطر مشاريع التسوية التي طرحت حتى الآن هي مشروع اتفاق “غزة – أريحا اولاً” الذي تم التوقيع عليه في واشنطن بتاريخ 13/سبتمبر/1993م بين الكيان الصهيوني و قيادة م.ت.ف، ووثيقة الاعتراف المتبادل بين الطرفين وما تلاها من اتفاقات حملت اسماء القاهرة وطابا وغيرها ، وتأتي خطورة هذه الاتفاقات ليس فقط من مضمونها المقر بشرعية السيادة الصهيونية على جميع أنحاء فلسطين ، وتطبيع العلاقات الصهيونية العربية ، وإطلاق يد الهيمنة الصهيونية على المنطقة فحسب، بل تأتي الخطورة من رضا وموافقة طرف فلسطيني، وإن كان لا يمثل الشعب الفلسطيني تمثيلاً حقيقياً. لأن ذلك يعني إغلاق الملف الفلسطيني، وحرمان الشعب الفلسطيني، من حق المطالبة بحقوقه المشروعة، او استخدامه الوسائل المشروعة للحصول عليها، فضلاً عن تكريس حرمان معظم الشعب الفلسطيني من العيش فوق أرضه ووطنه،وما يترتب على ذلك من نتائج قد لا يقتصر تأثيرها على الشعب الفلسطيني فحسب، بل يتعدى ذلك الشعوب العربية والاسلامية .

ونظراً لخطورة التسوية المطروحة حالياً، فقد تبنت الحركة موقفاً يقوم على النقاط التالية :

1 – توعية الشعب الفلسطيني بخطورة التسوية، والاتفاقات الناجمة عنها.

2 – العمل على تكتيل القوى الفلسطينية المعارضة لمسيرة التسوية والاتفاقات الناجمة عنها، والتعبير عن موقفها في الساحات الفلسطينية والعربية والدولية.

3 – مطالبة القيادة المتنفذة في م.ت.ف بضرورة الانسحاب من المفاوضات مع الكيان الصهيوني، والتراجع عن اتفاق غزة – اريحا الذي يهدد وجود شعبنا في فلسطين والشتات، في الحاضر والمستقبل .

4 – الاتصال بالدول العربية والاسلامية المعنية، ومطالبتها بالانسحاب من المفاوضات ، وعدم الاستجابة لمؤامرة تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني،والوقوف الى جانبنا في مواجهةالعدو الصهيوني ومشروعه.

——————————————————————————–

الموقف من القوى الفلسطينية :

1- ترى “حماس”أن ساحة العمل الوطني الفلسطيني تتسع لكل الرؤى والاجتهادات في مقاومة المشروع الصهيوني، وتعتقد أن وحدة العمل الوطني الفلسطيني غاية ينبغي على جميع القوى والفصائل والفعاليات الفلسطينية العمل من أجل الوصول اليها .

2 – تسعى “حماس” الى التعاون والتنسيق مع جميع القوى والفصائل والفعاليات العاملة على الساحة، انطلاقاً من قاعدة تغليب القواسم المشتركة ومساحات الاتفاق على مواقع الاختلاف.

3 – تسعى “حماس” لتعزيز العمل الوطني المشترك، وترى أن أية صيغة للعمل الوطني الفلسطيني المشترك، يجب أن تقوم على أساس الالتزام بالعمل على تحرير فلسطين، وعدم الاعتراف بالعدو الصهيوني، او اعطائه حق الوجود على أي جزء من فلسطين.

4 – تعتقد “حماس” أنه مهما بلغت الخلافات في وجهات النظر أوتباينت الاجتهادات في ساحة العمل الوطني، فإنه لا يجوز بحال من الاحوال، لكائن من كان، أن يستخدم العنف او السلاح، لفض المنازعات او حل الاشكالات، او فرض الآراء والتصورات داخل الساحة الفلسطينية.

5 – تدافع “حماس” عن قضايا الشعب الفلسطيني من غير تمييز على أساس ديني أو عرقي أو فئوي، وتؤمن بحق الشعب الفلسطيني، بكل فئاته وطوائفه في الدفاع عن أرضه وتحرير وطنه، وتؤمن بأن الشعب الفلسطيني شعب واحد بمسلميه ومسيحييه .

——————————————————————————–

الموقف من سلطة الحكم الذاتي:

ترى حركة المقاومة الإسلامية “حماس” أن “سلطة الحكم الذاتي” ليست أكثر من إفراز من إفرازات اتفاقات التعايش مع العدو الصهيوني وتؤمن الحركة أن الصهاينة وافقوا على إقامة هذه السلطة لتحقيق مجموعة من أهدافهم الآنية والبعيدة .

فالسلطة المدعومة بنحو 30 ألف مسلح يشكلون جهاز شرطة خاص متعدد المسميات مطالبة بتنفيذ التزامتها التي تعهدت بها في الاتفاقات ، وفي مقدمة هذه الالتزامات التصدي لعمليات المقاومة وضرب فصائلها ، وأضعافها بحجة حماية مسيرة التسوية واتفاقات السلطة مع إسرائلي

كما أن السلطة بصورتها المرتهنة لاتفاقات أوسلو تشكل ستاراً من شأنه اضفاء نوع من الشرعية على الاحتلال وممارساته ، فعندما وافقت السلطة – مثلاً – على شق طرق التفافية للمستوطنين فهي إنما منحت الاستيطان الصهيوني شرعية قانونية .

إن حركة “حماس” تؤمن أن الصهاينة حاولوا تجنب مواجهة الحركة وبرنامجها الجهادي عبر الاختباء خلف سلطة الحكم الذاتي ، وتدرك الحركة أن انشغال الحركة في مواجهة عسكرية مع سلطة الحكم الذاتي يحقق هدفاً هاماً للصهاينة ويلبي جزءاً من طموحاتهم ، وقد انعكس هذا الادراك على مواقف حركة “حماس” التي تجنبت بكل حزم الانجرار لصراع مع السلطة رغم ممارسات السلطة القمعية وتعدياتها على حقوق الإنسان في مناطق الحكم الذاتي والتي بلغت حد اغتيال المجاهدين واطلاق الرصاص على المصلين واعتقال المئات من أبناء الشعب الفلسطيني بحجة تأييدهم لفصائل المقاومة الفلسطينية ، وتعريض المعتقلين لأبشع صنوف التعذيب مما أدى إلى وفاة عدد من المعتقلين جرّاء التعذيب.

إن حركة “حماس” ترى في اتفاقات أوسلو صيغة مضللة لتصفية القضية الفلسطينية ، وتوفير الأمن للصهاينة على حساب حقوق الشعب الفلسطيني ، غير أنها تتمسك بمعارضة هذه الاتفاقات وتعمل على اسقاطها بالوسائل الشعبية والجماهيرية ، دون التعرض للسلطة ورموزها بالعنف ، وتؤمن الحركة أن مصير السلطة ومشروعها السياسي الفشل والانحسار في الشق الأمني لاتفاقات أوسلو .

——————————————————————————–

موقف “حماس من أصحاب الديانات السماوية الأخرى:

تؤمن حركة “حماس” أن الإسلام هو دين الوحدة والمساواة والتسامح والحرية، وهي حركة ذات أبعاد انسانية حضارية، لا تعادي إلا من ناصب الأمة العداء، وترى حركة “حماس” أن العيش في ظل الإسلام هو الجو الأمثل للتعايش بين أهل الديانات السماوية، والتاريخ خير شاهد على ذلك.

وتسترشد الحركة بقوله تعالى {لا إكراه في الدين}، وقوله جل وعلا {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}.

من هذه المنطلقات تحترم حركة “حماس” حقوق أهل الديانات السماوية الأخرى، وتعتبر المسيحيين الموجودين على ارض فلسطين شركاء في الوطن تعرضوا لنفس الممارسات التي تعرض لها اخوانهم المسلمين من سلطات الاحتلال سواء بسواء، وشاركوا في مواجهة الاحتلال والتصدي لاجراءاته العنصرية، فهم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني لهم كامل الحقوق وعليهم كامل الواجبات.

——————————————————————————–

الموقف من حركات التحرر الأخرى:

وكحركة مقاومة تواجه الاحتلال والعنصرية الاسرائيلية، فإن حركة حماس تتعاطف مع قضايا التحرر العالمي وتؤيد التطلعات المشروعة للشعوب الساعية للتحرر والتخلص من الاحتلال وسياسة التفرقة والعنصرية، وقد تضامنت “حماس” مع نضال شعب جنوب افريقيا ضد التفرقة العنصرية ورحبت بإنهاء الوضع العنصري الظالم الذي كان سائداً هناك.

——————————————————————————–

العلاقات الخارجية :

1 – تؤمن “حماس” بأن اختلاف المواقف حول المستجدات لا يحول دون اتصالها وتعاونها مع أي من الجهات التي لديها الاستعداد لدعم صمود ومقاومة شعبنا للاحتلال الغاشم ..

2 – حركة “حماس” غير معنية بالشؤون الداخلية للدول ولا تتدخل بسياسات الحكومات المحلية.

3 – تعمل “حماس” على تشجيع الحكومات العربية والاسلامية على حل خلافاتها وتوحيد مواقفها إزاء القضايا القومية، لكنها ترفض أن تقف مع طرف واحد ضد الآخر، أو أن تكون طرفاً في أي محور سياسي ضد محور آخر .

4 – تؤمن “حماس” بالوحدة العربية والاسلامية وتبارك أي جهد يبذل في هذا المجال .

5 – تطلب “حماس” من جميع الحكومات والأحزاب والقوى العربية والاسلامية أن تقوم بواجبها لنصرة قضية شعبنا ودعم صموده ومواجهته للاحتلال الصهيوني، وتسهيل عمل حركتنا لإعانتها في أداء مهمتها .

6 – تؤمن “حماس” بأهمية الحوارمع جميع الحكومات والأحزاب والقوى الدولية بغض النظر عن عقيدتها او جنسيتها أو نظامها السياسي، ولا مانع لديها من التعاون مع أي جهة لصالح خدمة قضية شعبنا العادلة وحصوله على حقوقه المشروعة، أو تعريف الرأي العام بممارسة الاحتلال الصهيوني، وإجراءاته اللاإنسانية ضد شعبنا الفلسطيني .

7 – “حماس” لا تعادي أحداً على أساس المعتقد الديني او العرق، ولا تناهض أي دولة أو منظمة ما لم تمارس الظلم ضد شعبنا، أو تناصر الاحتلال الصهيوني في ممارساته العدوانية ضد أبناء شعبنا.

8 – تحرص “حماس” على حصر ساحة المواجهة مع الاحتلال الصهيوني في فلسطين، وعدم نقلها الى أي ساحة خارجية .

9 – تتطلع حركة”حماس” الى الدول والمنظمات والهيئات الدولية، وحركات ا لتحرر العالمية للوقوف الى جانب قضية شعبنا العادلة، وإدانة الممارسات القمعية لسلطات الاحتلال المخالفة لقواعد القانون الدولي وحقوق الانسان، وتكوين رأي عام عالمي ضاغط على الكيان الصهيوني لإنهاء إحتلاله الغاشم لأرضنا ومقدساتنا .