أ.د. أحمد محمد وهبان

مصادر الفكر ومشروعات النهضة والإصلاح

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الصويلح3332

وبالنظر إلى الأدبيات العربية والأجنبية الصادرة خلال الخمسين عامًا الماضية حول تيارات الفكر الإسلامي “الإصلاحي التجديدي الإحيائي”، خلال القرون الثلاثة الأخيرة على الأقل دون الامتداد إلى تيارات الفكر التراثية في القرون الأسبق، يمكن ملاحظة ما يلي:

أن معظم هذه الأدبيات لا يعرض لتيارات أو روافد أو اتجاهات ولكن يتوقف عند رموز فكرية مصنفًا لها أو واصفًا أو مقومًا لمداخلها أو مشروعها (مثلاً: تربوي – اجتماعي – سياسي، أو ديني – اجتماعي، أو تقليدي – حداثي – توفيقي، أو رشيد – ضال،… إلخ). وأحيانًا قد تتداخل أو تتعدد التصنيفات لبعض الرموز، فعلى سبيل المثال وليس الحصر: هل محمد عبده مصلح ديني أم مصلح تربوي أم اجتماعي، أو هل هو إسلامي تقليدي أم إسلامي ليبرالي أم إصلاحي؟ ولماذا لا يكون سياسيًّا أيضًا؟ إن معايير تصنيف الرموز – على هذا النحو- والتي تنطلق من بعد واحد أو مدخل واحد من المداخل إلى هذه الشوامخ، وهي معايير شائعة في الدراسات عن فكر القرون الثلاثة الأخيرة. ولم تكن هي المتبعة عند تصنيف رموز أو شوامخ القرون الأسبق؛ حيث كان هؤلاء يصنفون بمذاهبهم ومدارسهم: كفقهاء، أو متكلمين أو فلاسفة أو مؤرخين… إلخ. وفي وقت كانوا جميعًا من مرجعية الإسلام، ولم يوصف أحدهم بالإسلامي، دون غيره، مهما كانت اختلافاتهم (الفقه، الفلسفة، …). إذن ما الذي حدث بعد ذلك؟ هل هي صدمة الاحتكاك بالغرب والتأثر به التي فرضت هذه الشبكة المتعددة المعايير للتصنيفات، وعلى نحوٍ أصاب النظر بالغموض والتخبط وأحيانًا العجز عن تمييز الفروق، وخاصة بعد أن أفرط الدارسون في ابتداع أنماط التصنيف لنفس الرمز أو الشامخ؟ ناهيك عن إفراطهم في اجترار نفس قائمة الرموز والشوامخ، اجترارًا، وصل في نهاية الأمر ليصبح الآن نوعًا من التكرار بدون تراكم، نمطًا من الاجترار السلبي الذي فقد الصلة بالواقع؟ فلماذا استدعاء هذه الرموز والشوامخ، ووفق تصنيفات متباينة لكل منهم، هل هذا هو توظيف الفكر المطلوب لخدمة متطلبات الواقع؟ أم أضحى توظيفًا يدّعي السعي لتحقيق التواصل والاستمرارية الحضارية في حين أنه أضحى في الواقع نوعًا من التجميد والتكرار بلا تأثير جذري حتى الآن؟

ناهيك عن تكريس التصنيفات المذهبية والقومية، في ظل تصنيف الفكر إلى: العربي، التركي، الفارسي، الأفريقي، المالاوي…

حقيقة أن للأطر المكانية والزمانية تأثيراتها، ولكن ما كان هذا هو التصنيف المتبع سابقًا وما كان يعطي لهذه العوامل أكثر مما تستحقه من وزن، على عكس الوضع الراهن حيث قفز هذا العامل في بعض الأدبيات.

ليست هذه بالطبع دعوة للتوقف عن الرجوع لتراثنا أو لإنكاره، ولكنها دعوة لإعادة القراءة من جديد على ضوء قواعد جديدة وسعيًّا نحو أهداف جديدة لابد وأن تقدم ابتداءً الإجابة على السؤال التالي: لماذا لم يتم تطبيق، أو لماذا لم ينجح تطبيق برامج الرموز والشوامخ في إصلاح حال الأمة عبر القرون الثلاثة الأخيرة؟ هل للخارج دور في هذا؟ ومن ثم، هل حاز البُعد الدولي في منظومة النماذج الفكرية للشوامخ ما يستحق أن يناله عند إعادة قراءتها؟ وهل حاز مستوى الأمة ككل – وليس مستوى الأوطان أو الأقوام فقط- محط الاهتمام؟

ومن ثم، وبالنظر في مجموعة من هذه الأدبيات التي تُقَوِّم مشروعات الرموز والشوامخ، يتضح لنا ما يلي:

أولاً: يتضح لنا أن مجال الفكر الإسلامي، وإن كان أكثر اتساعًا من مجرد الفكر عن الإصلاح والتجديد فإنه لم يسقط البعدين الآخرين: البيني والخارجي، ولكن استدعى الخارجي بقدر تأثيره على الداخلي، في حين ركز على الداخلي وقدر تأثره بالخارجي. كذلك فإن قضايا وأجندة الاهتمامات تراوحت ما بين الديني والاجتماعي والسياسي، وفق منظومات مختلفة باختلاف منظور الباحث أو الكاتب.

وهكذا، تجدر ملاحظة أن “المفهوم الواسع للإصلاح” يمزج بين الداخل والخارج في ظل معطيات القرن (الثامن عشر والتاسع عشر) يصبح مرادفًا للفكر الإسلامي بمفهوم شامل يتضمن إلى جانب قضايا أصولية – شرعية (مثل الاجتهاد ونطاق وتفسير القرآن وأسانيد صحة الحديث ومعنى ونطاق الشريعة) قضايا سياسية (أسس السلطة وحيازتها وانتقالها وشرعيتها، والعلاقة بين الدين والمجتمع والدولة والقيم الدينية والاجتماعية) وقضايا الرؤية للآخر وقواعد وقيم العلاقات الحضارية (عزلة، تفاعل، تفوق، تساوي).

ثانيًّا: أن الموقف من الغرب بعدًا أو قربًا هو المحفز للفكر لأن هذا الفكر – بتوافق الجميع – كان نتاج صدمة الاحتكاك المباشر بالغرب. فالغرب كان حاضرًا بطريقة أو بأخرى في تشخيص الأزمة، وفي معايير تصنيف اتجاهات الفكر، وفي أنماط الإصلاح المطلوبة… ولكن فيما يبدو كان هناك خلط بين: الغرب، والعالم، والاستعمار، والحداثة، والاحتلال العسكري، والغزو الثقافي والحضارة الغربية؛ فالاستعمار ليس كل الغرب، والحداثة هي الجناح المعرفي والفلسفي للظاهرة الاستعمارية، والاحتلال العسكري تخدمه أدوات متنوعة ويحقق أهدافًا متنوعة أكثر من مجرد احتلال الأرض. والخارج ليس الغرب فقط ولكن أجزاء أخرى من العالم. ناهيك عن أن تشخيص اتجاه تأثير الغرب أو الاستعمار هل باعتباره تحديًّا أمام جهود الإصلاح، أم محفزًا للنهوض ذاته بما أمدّه بكثير من العوامل المحركة؟ وهل الغرب (أو الاستعمار) هما نتاج فقدان الوحدة الإسلامية أم هو سبب في التجزئة؟ وهل تتحقق الحرية أولًا أم الإصلاح أم الوحدة؟ بعبارة أخرى، إلى جانب طبيعة الخارج، فإن أنماط العلاقة بين المجالات الثلاثة: الداخلي – البيني – الخارجي أنماط تنوعت حولها الاجتهادات بدون انتظام.

ثالثًا: ألم يغلب على قضايا الإصلاح – لدى التوجه الإسلامي- قضايا مواجهة النمط المعرفي والثقافي والفكري الحداثي بالأساس؟ وأين قضايا التغيير السياسي في مواجهة نظم الاستبداد؟ وإذا كانت التوجهات الليبرالية والقومية الحديثة قد ركزت على تلك الأخيرة، هل يعني ذلك أن هذا لا يتحقق إلا بانفصالٍ عن مرجعية الإسلام؟ كيف لا تبرز قضية الاستبداد السياسي بين أجندات الأدبيات التي قدمت القراءة في الفكر الإسلامي الحديث؟ في حين – أن قضية السلطة – هي عصب ومحور اهتمام الفقه السياسي الإسلامي في عصوره الأولى، ولو على النحو الذي أثار جدلًا حول مدى سلطوية هذا الفقه وشرعنته للملك العضود وإمارات التغلب.

كذلك إذا كان للتوجهات الإسلامية بحكم مرجعيتها أن تركز على العواقب المعرفية والثقافية والدينية للحداثة إلا أن ذلك ليس كغاية في حد ذاته ولكن لما لها من تأثيرات على المجالات السياسية والمجتمعية والاقتصادية. وفي المقابل هل الانطلاق من مرجعية غير الإسلام تستوجب التركيز بالأساس على الأبعاد المادية للإصلاح في العلاقة مع الغرب دون إعطاء الأبعاد القيمية اعتبارها؟

رابعًا: ألا يمكن القول إن الداخل، سعيًّا نحو الإصلاح أو التجديد، قد احتل الاهتمام على حساب العلاقات البينية الإسلامية- الإسلامية، ألم يتولد فكر حول هذه العلاقات لدى رموز النهضة والإصلاح بالقدر الذي يفرض نفسه على التصنيفات؟ فهل جمال الأفغاني بمفرده هو الذي اهتم بقضية الوحدة الإسلامية؟ ولماذا لم يعط هذه القضية قدرًا كافيًّا من البحث عن موضعها في منظومات أفكار ومشاريع النهضة والإحياء والحداثة؟ فعلى سبيل المثال وبالرغم من أن محمد عبده درج الاهتمام به من مدخل الإصلاح الديني والتربوي إلا أنه يمكن قراءته من منظور آخر يبرز منظومة العلاقات الدولية للأمة في فكره سواء كانت العلاقات بين كيانات الأمة التي تمت تجزئتها أو العلاقات مع الغرب.

إذن ومرة أخرى، أيمكن القول إن مفهوم الفكر السياسي باعتباره دراسة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم أو دراسة ظاهرة السلطة وتجلياتها الداخلية بصفة عامة، هو الذي صبغ الأدبيات عن الفكر الإسلامي في القرون الثلاثة الأخيرة بالرغم من أن هذه القرون هي التي شهدت بروز البعد الخارجي وتأثيراته، وهل هذا يعني استمرارًا لنفس التقاليد الإسلامية في الفكر والممارسة والناظرة للخارج على اعتبار أنه ليس إلا امتداد للداخل، مهما زاد وزن تأثيره أو اشتدت وطأته؟ وألم يحن الأوان لإعادة النظر من زاوية واتجاه آخر؟ ومن ثم، ألا يستوجب ذلك إعادة قراءة نماذجنا الفكرية في مراحل متتالية ومناطق متنوعة وعلى نحو يهدف إلى إبراز البعد الدولي في رؤاها، خاصة من حيث نمط هذا الدولي (أو الخارجي) ونمط عملية التفاعل والتأثير المتبادل بين الداخل والخارج والبيني، وعلى نحو يركز ليس فقط على مجالات التأثير وأسبابه ولكن على عملية التأثير ذاتها ونمطها واتجاهها ودرجة اختراقها وكيف تطورت. فإن نمط الهجوم على الهوامش ليس هو نمط احتلال القلب عسكريًّا، وليس نمط الاستعمار الجديد بعد الاستقلال، وهو ليس العولمة وعودة الاستعمار التقليدي أو مشروع الشرق الأوسط الكبير… إن هذه القراءة المطلوبة لتأسيس مجال فكر إسلامي دولي لن تكون افتئاتًا على رؤى هذه النماذج الفكرية أو تأويلاً لها، ولن يكون ضد خصائص منظور إسلامي للعلاقات الدولية ولكن سيكون استجابة لدواعي وأهداف الاهتمام الراهن بهذا البعد والتي لا يمكن أن تتحقق أهدافها الراهنة بدون البحث في امتداداتها السابقة والكشف عن نمط تواصلها الحضاري.

التعامل مع مصادر التراث الإسلامي لأغراض التنظير السياسي

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الصويلح3332

هذان جانب يمثل وجه لعملة واحدة لدى نماذج ثلاثة من رواد هذا المجال

فهذه الثلاثية (الأستاذين والتلميذ، الجذر وفروعه) قد أحدثوا نقلةً نوعيةً ليس في دراسة الفكر السياسي الإسلامي فحسب، بل في دراسة علم السياسة من منظور حضاري إسلامي على صعيد الجماعة البحثية المصرية والعربية للعلوم السياسية. فلقد كان اقترابهم من التراث السياسي الإسلامي – بصفة خاصة كرافد أساسي من روافد الفكر الإسلامي- اقترابًا تثويريًّا في تلك المرحلة من الجدال المتجدد حول موضع التراث في خطابات الأصالة – المعاصرة. ذلك لأنهم حولوا الاهتمام بالتراث من حالة انفعالية إلى حالة منهاجية علمية منظمة ذات ارتباطات مباشرة بواقع الأمة ومستقبلها. ومن ثم، فإن مراجعة أعمال هذه النماذج الثلاثة كان منطلقًا كافيًّا لي وفي سعيّ لأن أقدم قراءة لهم من مدخل العلاقات الدولية تبحث هذه القراءة عن قدر بروز هذا المدخل في اهتمامات هؤلاء الأساتذة والزملاء من تخصص الفكر السياسي والنظرية السياسية. ولا داعي لإعادة التذكرة هنا بأن مشروع العلاقات الدولية في الإسلام قد قام منذ بدايته على التفاعل بين هذين التخصصين وغيرهما مما جعله -كما سبق الذكر- مجالًا بحثيًّا متعدد المداخل ومن ثم، فإن تفاعلي مع هذه المجموعة من النماذج إنما يراكم على هدف هذه الدراسة، ألا وهو تجسير الفجوة بين دارسي العلاقات الدولية ودارسي الفكر والنظرية السياسية على صعيد جهود بناء رؤية إسلامية للعلاقات الدولية (سواء في أبعادها التنظيرية أو الفكرية كما سبق شرحه).

إجمالها كالآتي: إشكالية العلاقة بين النص وبين الواقع، إشكالية العلاقة بين القيمي والمادي، وإشكالية العلاقة بين الفكر والتنظير وبين الحركة. وتوضح تفاصيل أطروحات منى أبو الفضل أنها تركز على المعرفي كمدخل للفكري والنظري، وتقترب من المعرفي اقترابًا مقارنًا بين النموذج الإسلامي (التوحيدي، الرأسي) وبين النموذج الغربي (العلماني، المتأرجح) ثم تنطلق لبيان أثر خصائص هذا المعرفي على نمط وأهداف الاقتراب من مصادر التراث السياسي كمصادر للتنظير، بحثًا عن تأصيل للعلاقة بين الثابت والمتغير والعلاقة بين القيم والواقع. ومن ثم تصل منى أبو الفضل إلى شرح التمييز بين المنظور الفقهي للأحكام – باعتباره منظورًا جزئيًّا محدد الزمان والمكان- وبين المنظور الحضاري الأكثر اتساعًا وشمولاً، ومن هنا تتبلور دعوة د. منى أبو الفضل لإعادة قراءة التراث من داخل النسق المعرفي الإسلامي. سواء من أجل كشف العيوب المنهاجية لقراءات استشراقية ذات عواقب سياسية بالنسبة لفهم التاريخ وبالنسبة لفهم خصائص الأوضاع الراهنة أو سواء من أجل أن تتحقق قراءة تراث الفكر السياسي الإسلامي من منظورٍ خاصٍ به.

وهذا المنظور لا يحقق وفق رؤية د. منى أبو الفضل أهدافًا تنظيرية بحتة فقط، بل ينعكس على واقع الأمة ونسيجها الاجتماعي والفكري والعمراني، ذلك لأن الخلل في قراءة التراث ينعكس في شكل خلل يصيب فكر الأمة ويكون له مضاعفات على نسيج الفكر الاجتماعي والعمراني وعلى نحو يشل فاعليات الأمة. ومن ثم فوفق د. منى أبو الفضل: فإن وقف اجترار التراث أو تبجيله أو الافتخار به أي ما أسمته منى أبو الفضل “كسر حلقة الاجترار السلبي للتراث…” لا يتأتى إلا من خلال استنباط المنهاجية المستوعبة للأصول المرجعية الحضارية وتوظيفها في إعادة قراءة جامعة ناقدة … يجعل منها منفذًا محوريًّا في تقويم استراتيجيات التدافع والخروج لأمة تعثرت”.

معنى البطالة !؟

كاتب الموضوع الأصلي: محمد٣٢

معنى البطالة :
لا شك في أن أول سؤال منطقي يواجهنا في مطلع هذه الدراسة هو : من هو العاطل Unemployed ؟ . ،لأن هذا السؤال يبدو لأول وهلة بسيطاً ، فقد يسارع القارئ بالإجابة عنه بالقول : إن العاطل هو من لا يعمل not working . بيد أننا نبادر بالرد على هذا القارئ بالقول : إن هذا التعريف غير كاف ، بل وغير دقيق . حقاً، إن من أهم صفات العاطل أنه لا يعمل ، ومع ذلك ، فهنالك عدد كبير من الأفراد لا يعملون لأنهم ببساطه لا يقدون على العمل، مثل الأطفال والمرضى والعجزه وكبار السن والذين أحيلوا إلى التقاعد ويحصلون الآن على معاشات . فهؤلاء لا يصح أعتبارهم عاطلين ، لأن العاطلين يجب أن يكونوا قادرين على العمل . كذلك تجدر الأشاره إلى أنه من المحتمل أن يكون هناك عدد من الأفراد القادرين على العمل والذين لا يعملون فعلاً ، ومع ذلك لا يجوز أعتبارهم عاطلين لأنهم لا يبحثون عن عمل not seeking work ، مثل الطلبة الذين يدرسون في المدارس الثانوية والجامعات والمعاهد العليا ، ممن بلغوا سن العمل ( عادة ١٦ سنه ) . فهؤلاء ، رغم توافر قدرتهم على العمل لا يبحث،ن على عمل لأنهم يفضلون تنمية قدراتهم ومهاراتهم بالدراسة على النحو الذي يفيدهم مستقبلاً في الحصول على وظائف ذات أجور أعلى ، ولهذا لا يصح أدخالهم في دائرة العاطلين . كذلك هنالك بعض الأفراد القادرين على العمل ولكنهم لا يبحثون عنه لأنهم أحبطوا تماماً discouraged ، لأن جهودهم في البحث عن العمل في الفتراة الماضية لم تٌجدِ ، ومن ثم أصبحوا متشائمين وكفوا عن البحث عن للعمل . فمثل هؤلاء لا تدخلهم الإحصاءات الرسمية ضمن زمرة العاطلين . كذلك قد يوجد بعض الأفراد القادرين على العمل ولكنهم لا يبحثون على عمل لأنهم في درجة من الثراء تجعلهم في غناء عن العمل ، فهؤلاء – أيضاً – لا يعتبرون عاطلين .

ومن ناحية أخرى ، ربما يوجد عدد من الأفراد الذين يعملون فعلاً ويحصلون على أجر أو راتب ، غير أنهم مع ذلك يبحثون عن عمل أفضل وهؤلاء ، رغم أنهم سجلوا أنفسهم في مكاتب العمل كعاطلين ، لا يجوز أعتبارهم كذلك . وكذلك بعض العمال والموضفين الذين يعملون لبعض الوقت بغير أرادتهم ، ويرغبون في العمل طوال الوقت ، ولهذا فهم يبحثون عن مثل هذا العمل. ومع ذلك فأن احصاءات العمل غالباً لا تعتبر هؤلاء ضمن العاطلين حتى لو كانوا يعملون ساعه واحدة في الأسبوع ، فمثل هؤلاء يمكن تصنيفهم بأنهم في حالة نقص للتشغيل Underremployment ، ويجب أخذهم بعين الأعتبار عند وضع إحصاءات البطالة . وعليه نستنتج أنه ليس كل من يبحث عن عمل يع عاطلاً . كذلك يوجد هناك بعض الأفراد الذين لا يعملون لحة اجراء التعداد ، أو وقت إعداد إحصاء البطالة ، ولكنهم لا يصنفون ضمن دائرة البطالة ، لأن لهم وظيفة أو عمل تغيبوا عنه بصفة مؤقتة ، بسبب المرض أو الإجازة ، أو لأي أسباب شخصية أخرى .

من ذلك يتبين لنا ، أنه ليس كل من لا يعمل عاطلاً . وفي الوقت نفسة ، ليس كل من يبحث عن عمل يعد من ضمن دائرة العاطلين ، وأن دائرة من لا يعملون أكبر بكثير من دائرة العاطلين . وعموماً هناك شرطان أساسيان ويجتمعان معاً ، لتعديف العاطل بحسب الإحصاءات الرسمية ، وهما :
١- أن يكون قادر على العمل .
٢- أن يبحث عن فرصة للعمل .

وتأسيساً على ذلك يجمع الاقتصاديون والخبراء – وحسب ماأوصت به منظمة العمل الدولية ILO – على تعديف العاطل بأنه : « كل من هو قادر على العمل ، وراغب فيه ، ويبحث عنه ، ويقبله عند مستوى الأجر السائد ، ولكن دون جدوى ». وينطبق هذا التعريف على العاطلين الذين يدخلون سوق العمل لأول مره ، وعلى العاطلين الذين سبق لهم العمل واضطروا لتركه لأي سبب من الأسباب .

منقول من كتاب : ” الاقتصاد السياسي للبطالة ”
تأليف : ” د. رمزي زكي “

نماذج الاستشراق التقليدي والحديث

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الصويلح3332

قد ألقت الضوء على مداخل وموضوعات إضافية لدراسة الفكر والتاريخ الإسلامي، تتجاوز الموضوعات التقليدية عن الخلافة والتعددية السياسية بل والوظيفة الجهادية، فقد امتدت إلى موضوعات أخرى ومصادر أخرى تتصل بالأفراد والجماعات، كما أن هذه القراءة نبهت إلى مدخل ثالث (إلى جانب مدخلي “لويس” وخدوري) من مداخل النظر لموضع الحرب والسلام، ليس من وظيفة الدولة الإسلامية فقط ولكن أيضًا موضعهما من الدعوة الإسلامية كوظيفة للفرد والجماعة والحاكم.

وكانت المنظومة المتكاملة للإسلام (عقيدةً ومبادىء وقيمًا)، التي قدمتها رؤية “ميشيل بوازار” عن هذه المنظومة، كانت في نظره السبب الأساسي لانتشار الإسلام بسرعة خلال القرون الأولى. وبذا، فقد قدم “بوازار” ما لم يقدمه “أرنولد” الذي اكتفى بالإشارة إلى الحماسة للرسالة وأثرها على أساليب الدعوة دون التوقف عند طبيعة الرسالة ومدى تأثير هذه الطبيعة على قبولها من عدمه.

كذلك كانت هذه المنظومة ذات تأثير أيضًا على سبل نشر الإسلام، ومن ثم عدم استخدام القوة والقسر والفرض بين هذه السبل. وفي هذا يقول “ميشيل بوازار”: إن مفهوم الإسلام عن الإنسان والجماعة والعالم ينعكس على الهدف من الحرب وعلى طريقة سير المعارك، وطرق التعامل مع الأعداء، بحيث لا تتعارض الحرب مع المبادئ الإسلامية (العدل) ومع أخلاقيات الإسلام وبالطبع مع شريعته.

حقيقةً قد يكون آخرون ،وليس “ميشيل بوازار” فقط، قد تناولوا قواعد وأحكام فقه القتال والسلم في الإسلام وأهداف وأسباب الحروب، ولكن رؤية “ميشيل بوازار” تبين أن الفقه الإسلامي للعلاقات الخارجية، وخاصة الفقه العام الكلي- المتصل بأصل رؤية الإسلام للعلاقة مع الآخرين حربًا أم سلمًا- ليس أحكامًا فقط؛ ولكنه أيضًا فكر ورؤية للعالم، يساعد فهمها على فك الاشتباك بين الاتجاهات المتقابلة حول هذا الأصل. فهو ليس حربًا فقط أو سلمًا فقط. ولكن حربًا أو سلمًا وفق الظروف، فضلًا عن نمط من أنماط الحروب دون غيرها.

ويقدم “ميشيل بوازار” في الفصل الخاص بالجهاد رؤيةً متكاملة. فيقول إن الحرب في الإسلام هي وسيلة وهدف، وهي لا تضع الشعوب بعضها أمام بعض، ولكن تضع المقاتلين في مواجهة بعضهم البعض. ولذا، فإن القتال في الإسلام- في نظر “ميشيل بوازار”- هو بشكل من الأشكال ممارسة حضارية وتعزيز للقيم الحضارية الأصيلة ومنع العدوان عليها. ونلاحظ هنا أن مقارنة “ميشيل بوازار” بين الخبرة الإسلامية والخبرات الأخرى – وخاصة في الحضارة المسيحية الغربية – تقوده إلى إقرار البون الشاسع، وليس التشابه – كما بين “أرنولد” في مقارنته بين أساليب الانتشار السلمي والاضطهاد في الخبرتين- ولهذا فهو يستدعي مستنكرًا إخراج مؤسسي القانون الدولي الأوروبي المسلمين من دائرته لاعتبارهم كفرة لا يستفيدون من قانون الحرب، وفي المقابل يعتبرون أن “الجهاد المقدس” عند المسلمين ليس إلا تعبيرًا عن تعصب المسلمين الديني. كذلك في حين يشير “ميشيل بوازار” إلى خبرة “الاستعادة” الإسبانية للأندلس التي قامت على طرد المسلمين أو قهرهم على التنصر، فهو يستدعي في المقابل خبرة الإسلام في حماية “الكتابيين” حماية إلزامية بمقتضى الشريعة، على أساس أن حقوق الإنسان غير المسلم محفوظة ومصانة بالشريعة ومالها من إلزام ديني يفوق إلزام الميثاق العالمي لحقوق الإنسان. كما يعتبر “ميشيل بوازار” مجال معاملة الأسرى من أبرز المجالات توضيحًا لانطباق منظومة القيم الإسلامية وشريعته على مجال الحرب.

ويوضح لنا ذلك التكامل بين رؤية “ميشيل بوازار” ومدخله لمنظومة الإسلام الكلية وبين رؤيته عن الحرب والسلام في الإسلام، أن مدخل “ميشيل بوازار” للإسلام – ابتداءًا- مدخل إنسانيّ حضاري يبدأ من الفرد إلى الجماعة إلى العالم . وهذا المدخل يقود “ميشيل بوازار” إلى رؤى مغايرة لتلك التي يقدمها من يبدأون من القضية الجزئية ذاتها-أي فقه الحرب والسلام ومن مدخل فقهي سياسي جزئي بالأساس. بعبارة أخرى، يقدم “بوازار” قراءة فكرية قيمية للفقه العام ولأحكام الفقه الجزئية الخاصة بالعلاقات الخارجية وقت السلم والحرب، في حين يقدم آخرون إما قراءة فقهية محضة أو قراءة قيمية محضة انطلاقًا من الرؤية الكونية للإسلام بأبعادها المعرفية والقيمية والشرعية. ومن ثم، فإن منهج “ميشيل بوازار” الذي يبين الرابطة بين رؤية الإسلام للعالم وبين موقفه من الحرب، أي المنهج الذي يبين العلاقة بين القيم كإطار مرجعي وبين الأحكام الفقهية، هو منهج قيمي واقعي بمعنى أنه يبين وسطية الإسلام – في أمور الحرب والسلام على حد سواء – باعتبارها أساس في رؤية الإسلام للعالم. فهي رؤية إنسانية من ناحية، ولكنها لاتمنع أو تحرم القوة والحرب عند الضرورة من ناحية أخرى، ولذا تنظمها لتصبح- ممارسة حضارية. ومما لاشك فيه أن هذا المنهج لا ينعكس فقط على الرؤية من القضية الكبرى (محرك العلاقات) أي الجهاد ومتى يكون السلم ومتى يكون الحرب، ولكن تنعكس بالطبع على مستويات أخرى: التقسيم للعالم، وأدوات الجهاد.

ولعلنا هنا نستحضر تحليل لأطروحات د. عبد الحميد أبو سليمان([26])، الذي قدم نقدًا للمنهاجية التقليدية الفقهية التي أسفرت عن أن الأصل هو الحرب في إطار تقسيم الدور إلى دار حرب ودار سلم، ومن ثم دعا د. أبو سليمان لمنهاجية جديدة تنطلق من المبادئ والقيم الإسلامية التي تعكس “الرؤية للعالم في الإسلام”. ناهيك بالطبع عن استدعاء منهاجية مشروع العلاقات الدولية في الإسلام الذي انطلق من الدعوة كأساس للعلاقات الدولية في الإسلام، ومن القيم (مقاصدًا وشريعة، وسننًا…) كإطار مرجعي لقراءة التاريخ والفكر والواقع، سعيًّا لتقديم مدخل حضاري إسلامي لدراسة العلاقات الدولية، وهو مدخل تقتضيه متطلبات إصلاح الأوضاع العالمية والإسلامية([27]).

ومن ثم، وفي ضوء كل ما سبق من شرح لخريطة تعدد واختلاف مدارس الفقه الإسلامي حول تأصيل العلاقات الدولية في الإسلام، وكل ما سبق أيضًا من تعليق على منهج الاستشراق الحديث بهذا الصدد أيضًا، فيجدر القول إن التأصيل للعلاقة يقودنا أيضًا إلى مستوى أكثر ثباتًا وهو المتصل بالمبادئ والأسس الحاكمة للعلاقة مع الآخر ومنظومة القيم.

السياسة الامريكية

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز الشهراني٣٢

السياسة الأمريكية (أو الحكومة الأمريكية) عبارة عن مجال دراسي في النظام الأكاديمي للعلوم السياسية. وتتم دراسته بشكل رئيسي، ولكن ليس بشكل حصري، من قبل الباحثين في الولايات المتحدة. وبالإضافة إلى السياسة المقارنة، والعلاقات الدولية والنظريات السياسية، يعد واحدًا من أربعة مجالات كبرى للعلوم السياسية التي تتم دراستها في المؤسسات الأكاديمية الأمريكية. ويركز علماء السياسة الذين يدرسون السياسات الأمريكية (والذين يطلق عليهم اسم “المتخصصون في السياسة الأمريكية”) على مجالين فرعيين للأبحاث، هما: السلوك السياسي والمؤسسات السياسية، وهناك مجال فرعي كبير ثالث هو التنمية السياسية الأمريكية (APD)، والذي يطلق عليه كذلك اسم النظرية الديمقراطية، ظهر على مدار العشرين عامًا الأخيرة. وتشتمل الاهتمامات البحثية في مجال السلوكيات السياسية الفرعي على ما يلي سلوك التصويت والرأي العام والعرق والنوع والإثنية والسياسة والحزبية. ومن بين النقاط التي تركز عليها أبحاث المتخصصين في العلوم السياسية الذين يدرسون المؤسسات السياسية الكونغرس الأمريكي (والسلوك التشريعي بشكل أكثر عمومًا)، والرئاسة، والمحاكم والعمليات القانونية، والخدمة العامة، والقانون العام، وسياسات الدولة والسياسات المحلية. ويركز الباحثون العاملون في مجال التنمية السياسية الأمريكية (APD) الفرعي على تحديد كيفية تغير السياسات الأمريكية مع مرور الوقت وما هي العوامل (المؤسسية والسلوكية) التي أدت إلى حدوث تلك التغييرات. كما تتم كذلك دراسة السياسة العامة (الخارجية والمحلية) بشكل كبير من قبل المتخصصين في السياسة الأمريكية. وفي الجامعات خارج الولايات المتحدة، تشير السياسة الأمريكية في الغالب إلى دورة في السياسة المقارنة أو دورة استطلاعية في السياسات المحلية الأمريكية من أجل العلاقات الدولية في العلوم السياسية.

انسداد الأفق السياسي له مخاطره

كاتب الموضوع الأصلي: محمد فهد القحطاني 6

لا مفر من الاعتراف بأن الأجواء المخيمة على الشارع المصري في الوقت الراهن أصبحت تشكل إحدى العقبات التي تحول دون استعادة الرشد السياسي والسلم الأهلي، في الأجل المنظور على الأقل.

(1)

في العام الماضي كان هتاف الجماهير يجلجل في الفضاء المصري داعيا إلى إسقاط حكم العسكر، وقبل أسبوعين ذكر حازم الببلاوي رئيس الوزراء بأنه لا عودة لحكم العسكر لمصر، إلا أن بعض الأقلام انبرت ناقدة له ومستهجنة لكلامه. حتى قرأنا لمن كتب صراحة “أهلا بحكم العسكر” (المصري اليوم 9/11).

وتابعنا تنافس بعض الكتاب في ذكر مناقب العسكر وفضائلهم، ممن حاولوا إقناعنا بأن مصر باتت في أشد الحاجة إلى قدرتهم على الحسم والضبط والربط.

وتوازى ذلك مع سياق آخر أطلقه الفنانون الذين تباروا في تزيين حكم العسكر والتهليل لدورهم السياسي، حتى زايدت على الجميع مغنية مغمورة، فظهرت في لقطة احتضنت فيها حذاء الجنود (البيادة) وطبعت عليه قبلة تعبيرا عن الامتنان والعرفان.

ما حدث مع حكم العسكر تكرر مع قضية الديمقراطية والتعددية التي ظللنا نتغنى بها ونلح عليها طيلة السنوات التي خلت، واعتبرنا أن ثورة يناير/كانون الثاني 2011 علامة فارقة على الطريق المؤدى إليها، إلا أن الاقتراب من ملف تطبيق الديمقراطية أصبح مغامرة كبرى بعد عزل الرئيس محمد مرسي في بدايات يوليو/تموز الماضي.

ذلك أن الإشارة إليها أصبحت تكلف صاحبها الكثير وتطلق عليه أسراب الزنابير التي لا تفتأ تلسعه وتنهش في لحمه فضلا عن كرامته وعرضه.

الأغرب من ذلك أن مجرد التحفظ على أحد عناوين ملف الديمقراطية الذي تمثل في إصدار قانون جديد يمنع التظاهر السلمي، صار ذريعة لاتهام المتحفظين بأنهم “طابور خامس”، وهي إحدى مراتب العمالة للعدو والخيانة.

المدهش في الأمر أن ذلك حدث مع زياد بهاء الدين -نائب رئيس الوزراء وهو جزء من النظام الجديد وأحد أركان حكومته- الذي قيل إنه اعترض على إصدار القانون، وما أصاب محمد البرادعي وعمرو حمزاوي وأمثالهما ممن كانوا خصوما لحكم الإخوان وجزءا من جبهة الإنقاذ ذهب إلى أبعد مما أصاب زياد الذى يشهَّر به الآن باعتباره مشتبها فيه، في حين أن الأخيرين أدانهما الإعلام وقرر أنهما من طلائع الطابور الخامس (مذيعة التليفزيون في مساء السبت 9/11 سألت مصطفى الفقي في غمز عما إذا كان الطابور الخامس موجودا في مجلس الوزراء أم لا؟).

وفى حين ظللنا نتباهى بثورة 2011 في عامها الأول، ونعتبرها مفخرة علمت العالم درسا بليغا في الإباء والكبرياء، فإن منابر الهيستيريا الراهنة أصبحت تشير باستياء وقرف إلى تلك المفخرة، ومنهم من اعتبرها نكسة ووكسة ومسخرة، (أحدهم وصفها بأنها مؤامرة كبرى ضد مصر دبرها جواسيس الولايات المتحدة (الأهرام 7/11/2013).

أما أم الخطايا والجريمة التي لا تغتفر الآن فهي الحديث عن المصالحة الوطنية، وهى الدعوة التي أطلقت عاصفة من السعار والغضب الوحشي في أوساط بعض الكتاب ورسامى الكاريكاتير الذين اعتبروها ردة وتدنيسا لصفحة انتفاضة 30 يونيو/حزيران الماضي، وكفرا باستحقاقات الانتماء الوطني، وهو ما أدركته مذيعة السي أن أن الشهيرة كريستين أمانبور حين سألت زياد بهاء الدين في حوارها معه يوم 4/11 عما إذا كانت المصالحة قد أصبحت كلمة في مصر سيئة السمعة (قذرة في الترجمة الحرفية) فأيدها، وقال إن ذلك من نتائج الاستقطاب الحاد الذي نعاني منه.

هذه بعض قسمات المواقف التي تزخر بها مصر الآن، ولا تسأل عن لغة التعبير عنها، التي اتسمت بالهبوط والتدني في أغلب الأحوال، لكنها ظلت طول الوقت حادة وجارحة ومنحازة إلى الإبادة وتشديد القمع وإشعال الحرائق في أوسع دائرة من الساحة السياسية.

إزاء ذلك فلا غرابة إن بدت مصر من هذه الزاوية ساحة حرب يتقاتل فيها الأخوة الأعداء، وليست وطنا يظلل الجميع ويحتضنهم.

(2)

كما رأيت، فإن منسوب تسميم الأجواء بات مرتفعا للغاية في مصر، ورغم أن المزاج العام قابل للتغيير (كما رأينا بوضوح في الموقف من حكم العسكر) إلا أننا يجب ألا ننكر أن ذلك المزاج معبأ بدرجة أو أخرى ضد الحلول السياسية التي تفضي إلى المصالحة الوطنية.

وقد أسهم في ذلك عاملان، الأول أن أجندة الخطاب السياسي تغيرت باتجاه التصعيد والتسخين، إذ في حين أن الموضوع الخلافي الأساسي بدأ مطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، فإنه تطور بعد ذلك إلى دعوة لإسقاط حكم الجماعة وإخراج الإخوان من المعادلة السياسية، وانتهى معركة ضد “الإرهاب” استصحب معه دعوة إلى استئصال الإخوان من الوطن وليس من السياسة وحدها.

وبمضي الوقت صار الإرهاب هو الكلمة المفتاح لقراءة المشهد كله، إذ بعد إطلاقها فتحت الأبواب واسعة لتسويغ مختلف إجراءات الإقصاء والقمع، وتبرير انتهاكات حقوق الإنسان، التي كانت القوانين السيئة السمعة والمعادية للحريات العامة من تداعياتها.

حين أطلق المصطلح في الفضاء المصري، فإن وسائل الإعلام تلقفته وقامت بدورها في التعبئة والتحريض وتهيئة الأجواء المناسبة لكسب المعركة والقضاء على “العدو” المفترض. وذلك هو العامل الثاني الذى أسهم في تسميم الأجواء المصرية.

بكلام آخر فإن وسائل الإعلام استجابت بسرعة للتطور الذي حدث في أجندة المواجهة السياسية ووظفت قدراتها لغسل أدمغة الناس وتغييب وعيهم، وهو تشخيص أورده الفيلسوف الأميركي نعوم تشومسكي في كتابه الجديد “أنظمة القوة”، وانتقد فيه الدور السلبي الذي يقوم به الإعلام الأميركي على ذلك الصعيد، الأمر الذي ينطبق بشدة على حالتنا في مصر والعالم العربي، كما أشرت في مرة سابقة.
(3)

لست غافلا عن إخفاقات أو أخطاء وقع فيها محمد مرسي وجماعة الإخوان، وهي التي أثارت استياء الناس وغضبهم. ولم أسقط من الاعتبار أحداث العنف التي شهدها المجتمع المصري والتي تناقضت الروايات بشأن الأطراف الفاعلة فيها أو الضحايا الذين سقطوا بسببها، فتلك جوانب مهمة لا ريب، إلا أننا سنحتاج إلى وقت لكي ندرك حقائقها، لأن ما نسمعه بصددها في الوقت الراهن هو قراءة ورأي الطرف المتغلب وحده، ولن يكون بمقدورنا تقييمها على نحو يُطمأن إليه إلا إذا اطلعنا على وجهة نظر الطرف أو الأطراف الأخرى.

ثم إنني ألفت النظر إلى أن ما أنا معني به في اللحظة الراهنة هو محاولة الإجابة على السؤال كيف نتجاوز الأزمة ولماذا تتعثر الجهود الرامية إلى حلها؟ ولست بصدد تحري الخلفيات وتحديد من أخطأ ومن أصاب، علما بأن الإعلام المصري يركز على الملف الثاني ولا يكف عن تقليب صفحاته معيدا كتابة التاريخ من وجهة نظر واحدة، اعتمادا على تقارير أمنية في الأغلب، وفى تركيزه ذاك فإنه مشغول بالماضي، ومنصرف عن الحاضر والمستقبل.

في محاولة الإجابة على السؤال المتعلق بتعثر جهود حل الأزمة أزعم أن ثمة أطرافا أربعة تعارض الحل السياسي، وتحرص على استمرار انسداد الأفق، من خلال المراهنة على جدوى الحل الأمني وفاعليته.

هذه الأطراف تتمثل فيما يلى:

1- الجناح المتطرف في المؤسسة الأمنية، المنحاز إلى القمع والاستئصال، ورغم ما يتردد عن وجود أصوات داخل المؤسسة تقبل بفكرة الحل السياسي، إلا أن من الواضح أن كفة الأولين هي الراجحة، بدليل أن ما يصدر من قرارات وما يتم من إجراءات يعبر عن تلك الرؤية باستمرار.

وحسب معلوماتي فإن اتفاقا كان قد تم مع مفوضة الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون بشأن اتخاذ خطوة في هذا الاتجاه تفتح الباب للتفاهم مع بعض القيادات الموصوفة بالاعتدال ضمن تحالف الدفاع عن الشرعية، ولكن ذلك الاتفاق تم العدول عنه بعد ذلك.

وثمة محاولة أخرى قامت بها بعض الأطراف وثيقة الصلة بالسلطة قطعت بدورها شوطا في ذلك الاتجاه، وثم طلب منها بعد ذلك صرف النظر عن الموضوع.

2- دعاة الفاشية في أوساط النخبة، وأعنى بهؤلاء غلاة العلمانيين وأغلبية المثقفين المحترمين والتيار الغالب بين الكتاب والصحفيين، وبعض هؤلاء لهم رصيد من الكتابات والتصريحات التي دافعوا فيها عن الدولة المدنية وعن قيم الديمقراطية المتمثلة في التعددية والتداول والقبول بالآخر، لكنهم انقلبوا على كل ما قالوا به في السابق، وأصبحوا يقودون طوابير المهللين والمنشدين الرافضين للمصالحة الوطنية والداعين إلى الإقصاء وإلغاء الآخر، كما وجدناهم يتصدرون مواكب الداعين إلى حكم العسكر والهاتفين باسم الفريق السيسي رئيسا، حتى دون انتظار لإجراء الانتخابات.

3- أركان نظام مبارك والمنتفعون به، وهؤلاء هم الذين تولى ذلك النظام رعايتهم طوال ثلاثين عاما، بل أربعين لأنهم ظهروا في ظل نظام السادات.

وخلال تلك الفترة فإنهم اكتسبوا نفوذا كبيرا في القرى، وحققوا مكاسب مالية هائلة، وظفوا جانبا منها في إسقاط حكم الإخوان سواء من خلال دعم بعض الحركات الاحتجاجية، وتحريض المنابر الإعلامية (التليفزيون بوجه أخص)، ولا يزال هؤلاء وهؤلاء يقومون بدورهم في التحريض والهجوم الشرس على الأصوات الداعية إلى الحل السياسي.

4- القوى الإقليمية التي سارعت إلى مساندة النظام الجديد، وهي التي لا تعرف غير الحلول الأمنية في التعامل مع الناشطين والمعارضين بين شعوبها.

ذلك أن تلك الأطراف تعتبر أن نجاح ثورة يناير في مصر يشجع الحراك الحاصل في محيطها، ومن ثم يهدد أنظمتها، ولذلك فإنها تعتبر استمرار السياسة الأمنية في مصر خطوة مهمة في سعيها للدفاع عن نفسها وإحكام سيطرتها على جبهتها الداخلية.

وفيما علمت فإن بعض تلك الدول أبلغت مصر صراحة بأن استمرار مساعدتها الاقتصادية لمصر مرهون بتمسكها بسياساتها الأمنية الراهنة، وأن المصالحة الداخلية من شأنها أن تؤثر سلبا على تدفق تلك المعونات.

لم أذكر بعض المنابر الإعلامية كمعطل للحل السياسي، ليس فقط لأنني سبق أن أشرت إلى خطورة الدور الذى أدته في إشاعة التسميم، ولكن الأهم من ذلك أنى أعتبرها بوقا وصدى لتلك الأطراف الأربعة.

4)

الأزمة التي نحن بصددها متعددة الأوجه، ذلك أنها لم تؤد إلى تسميم الأجواء المصرية فحسب، ولم تؤد إلى تشويه الإدراك العام وتحويل الاختلاف السياسي إلى اقتتال أهلي فقط، وإنما أيضا لأنها أفرزت نتيجتين خطيرتين إضافيتين هما: استدعاء الدولة الأمنية، ومصادرة فكرة الحل السياسي.

هذا فضلا عن إشغال الرأي العام بعناوين ملف الإخوان على نحو صرفهم عن التركيز على مستقبل الوطن، رغم أن مشكلة الإخوان فرع ومستقبل الديمقراطية في مصر هو الأصل السياسي، ولست أريد أن أقلل من شأن مشكلة الإخوان، لأنني أعتبرها مهمة حقا، لكنني أزعم أن مستقبل الديمقراطية هو الأهم.

وفى كل الأحوال فإن مفتاح حل المشكلتين لا بد أن يمر بالسياسة، في حين يظل الحل الأمني بمثابة “القفل” الحقيقي الذي يسد الأفق ولا يفتحه.

ثم إنني أستغرب عدم إدراك كثيرين خطورة استمرار رفض المصالحة وإغلاق الأفق السياسي، وتأثير ذلك على استدعاء العنف وتشجيعه.

وما يضاعف من الاستغراب والدهشة أننا بتنا بحاجة إلى بذل جهد لإثبات هذه البديهية التي باتت من مسلمات العصر، وغدت نهاية حتمية لكل صراع.
بقلم:فهمي هويدي
المصدر: الجزيرة

العلاقة بين التأصيل الفقهي والتأصيل الحضاري

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الصويلح3332

إن تأصيل العلاقات الدولية (الخارجية) بين الأمة الإسلامية والعالم ليست قضايا الحرب والسلام فقط؛ ولكنها أكثر اتساعًا لتضم -بحكم الرؤية القرآنية- قضايا أخرى تتصل بالمجال الحضاري الإنساني بصفة عامة، حيث تتداخل وتتشابك وتتقاطع أبعاده وموضوعاته (مثل التعارف، العمران، التدافع…). وبالمثل، فإن الاقتراب من هذه القضايا الحضارية – بأوسع معانيها- لا يكون من خلال مستوى الأحكام الفقهية فقط، والتي تتصل في معظمها بوقائع وبزمان ومكان محدد، ولكن يتم الاقتراب منها أيضًا من مستويات أكثر كلية وهي المقاصد والسنن والقيم والمفاهيم انطلاقًا من التأسيس العقدي (الرؤية الكلية).

ولهذا، فإن رؤية فكرية عن تغير أحوال الناس وكيفية إدارتها تستدعي فقه الواقع على ضوء الرؤية الكلية الإسلامية ليس من أجل أحكام فقهية جديدة فقط، تتصل بجزيئات محددة مطلوب الحكم أو الفتوى فيها، ولكن من أجل تقديم رؤية كلية فكرية عن “الأحوال” من مداخلها: الداخلية، والبينية والخارجية. ومن ثم، فإن ما يمكن وصفه بـ”المسار الفكري الحضاري الممتد والمترابط الحلقات” لا يقل أهمية عن المسار الفقهي الشرعي الممتد المترابط الحلقات أيضًا؛ لأن الفكر ليس مجرد فقه الأحكام -كما سبق التنويه- وأن كلاهما لا ينفصل عن الآخر. ولهذا سنجد -كما سنرى لاحقًا- أن المدخل الفقهي هو واحد بين عدد من مداخل دراسة الفكر الإسلامي.

بعبارة أخيرة: فإن حالة أزمة الفكر الإسلامي المعاصر، وخاصة من حيث استقطابها بين ثنائية ما يسمى اتجاهات تقليدية (ترفض أن تأخذ تأثيرات الغرب في حسبانها) من ناحية، وبين اتجاهات حديثة (تتكيف مع أو ترضخ لضغوط الواقع ومن ثم تفرز مجرد خطابات اعتذارية أو تبريرية أو دفاعية)، من ناحية أخرى، هذه الحالة الاستقطابية الحادة تتطلب استجابة بنائية تتجاوز الاتجاهين السابقين بحيث لا تحكم الواقع أو تقتحمه ولكن تعتبره لفهمه ثم لتغييره انطلاقًا من قواعد وأسس ومبادئ الرؤية الإسلامية الكلية وأحكامها العامة، وليس من منطلق قواعد قوانين الغرب المستحكم حتى ولو باسم الحاجة لاجتهاد جديد ومعاصر يستجيب لتحديات ضغوط الواقع. إن هذه الاستجابة البنائية – المشار إليها- لا تقوم في فراغ أو من خصائص اللحظة الراهنة، ولكنها لابد وأن تعي وتتدبر تطور المسار الحضاري للفكر الإسلامي بأوسع معانيه المجسِد لرؤية العالم الإسلامية والعاكس لخصائص الثقافة والحضارة الإسلامية والمعبر عن مدارس الفقه الإسلامي والتفسير الإسلامي للتاريخ، وهذا الفكر الحضاري ليس الفكر الفقهي فقط كما أن الاهتمام بهذا الفكر الحضاري هو ترجمة لتوسيع نطاق الشريعة إلى ما هو أكثر من الأحكام الفقهية. تلك الأحكام – والتراث الضخم الذي يرتبط بها – هي من الأهمية بمكان بحيث لا يجب الخوض فيها دون تبصر ورؤية تقود إلى شطط الإسقاط لكونها تاريخية أو تقود إلى فوضى التأويلات أو تقود على العكس إلى الجمود خوفًا من التجاوز.

إن استكشاف هذا المسار الحضاري للفكر الإسلامي إنما هو نتاج الإطار النظري والمدخل المنهاجي والإطار المرجعي لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام، والذي أصَّل له د. سيف الدين عبد الفتاح في جزئين من أجزاء مشروع العلاقات الدولية في الإسلام. (الجزء الأول من هذين الجزئين هو: المداخل المنهاجية للتعامل مع المصادر الإسلامية التأسيسية لرؤية إسلامية للعلاقات الدولية، والجزء الثاني هو: البناء المعرفي المنهاجي النظري الفكري الذي قدم من خلاله مدخل القيم لدراسة العلاقات الدولية في الإسلام)، وكلا الجزئين يمثل تأصيلاً علميًّا أكاديميًّا إسلاميًّا من مدخل الرؤية للعالم والمقاصد والسنن والمفاهيم وليس الفقه فقط.

وبناء عليه، فإن الاهتمام بالمسار الفكري الحضاري الإسلامي يحقق ثلاثة أهداف تربط بين النظرية والفكر والواقع، وتربط بين الأصول والفكر والواقع، وتربط بين الفقه والفكر والواقع، وأخيرًا: تربط بين الحركة والفكر والواقع (تاريخًا وراهنًا). وهذه الأهداف هي من ناحية: بيان كيفية تأثير النموذج الإرشادي الإسلامي (الرؤية للعالم، والنموذج المعرفي) على الخصائص الكلية للفكر الإسلامي. فمهما تنوعت روافده ومداخله عبر التاريخ يظل هناك رابط وسمات مشتركة. ومن ناحية ثانية: تجسير الفجوة لدى البعض بين التنظير للعلاقات الدولية من منظورات علم العلاقات الدولية وبين التنظير من منظور إسلامي على اعتبار الأخير ليس إلا تراثًا فقهيًّا وتاريخيًّا. ومن ناحية ثالثة: التدبر في أوضاع الواقع الراهن لا تكتمل – من رؤية إسلامية- بدون تسكينها في مسار تطور تاريخ هذه الأوضاع وتاريخ الفكر المرتبط بها.

وفي نهاية المطاف، فإن هذه المتابعة لتطور مسار الفكر الحضاري الإسلامي يساعد على صياغة خطاب إنساني إسلامي معاصر يمثل تجسيرًا للفجوة بين خطاب الصراع والانقسام الذي يعبر عنه “خطاب الفسطاطين” الذي هو ترجمة معاصرة لخطاب تقسيم الدارين، ولكن بدون روحه، وبين خطاب الاستسلام والإذعان الذي يعبر عنه خطاب ثقافة السلام والتسامح والذي يرتدي زي الاعتذار والدفاع. بعبارة أخرى، فإن فهم تطور مسار الفكر الحضاري الدولي بقدر ما يساهم على فهم أسباب الاستقطاب الثنائي وحدته بقدر ما يساعد أيضًا على فهم السبيل للتغلب عليه وكسر اجتراره السلبي، ومن ثم إنتاج خطاب إنساني إسلامي معاصر. وهذا الخطاب الجديد يقدمه التيار الرئيسي السائد في الجماعات الوطنية وعلى صعيد أرجاء الأمة ويجب تفعيله وتشغيله باعتباره أسلوبًا بنائيًّا نحو التغيير الداخلي ونحو مواجهة العدوان والاعتداء الخارجي وباعتباره أيضًا استجابةً فاعله في مواجهة تحديات الواقع الراهن، سواء المتصلة بكل من الظروف الهيكلية أو البيئية الثقافية على حد سواء. فلا يمكن الفصل بين هذين النمطين من التحدي عند تصميم الاستجابة البنائية. فعلى سبيل المثال: ما يسمى الأبعاد الخارجية “للتطرف الإسلامي” أو ما يسمى الامتدادات الخارجية للحركات الإسلامية الجهادية أو ما يسمى “الإرهاب العالمي” لا يمكن تفسيره –وليس تبريره- بأسباب ثقافية (مردها القراءة الخاصة لموقف الإسلام من غير المسلمين) فقط أو بأسباب هيكلية فقط (مردها أوضاع الاستبداد والظلم الداخلي والخارجي ضد المسلمين دينًا وقيمًا ونظمًا وتاريخًا وقضايا)، فإن الجانبين متصلان ويغذي كل منهما الأخر. إن النماذج الفكرية والتاريخية المتنوعة -عبر مسار الفكر الحضاري للدول- لابد وأن تقدم لنا الدلالات على هذه الرابطة وتأثيرها على نمط الخطابات -الفقهية والفكرية والسياسية- خلال المراحل الزمنية المختلفة.

: دوافع ومبررات منظور حضاري إسلامي لدراسة العلاقات الدولية

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الصويلح3332

إن إسهامات الدراسات والعلوم الإسلامية في مجال العلاقات الدولية في الإسلام إسهامات زاخرة ووافرة وتعود إلى ما قبل تأسيس علم العلاقات الدولية (وهي الدراسات التي انبنى على جزء كبير منها

مخرجات مشروع العلاقات الدولية في الإسلام([1]))، ولكن الإشكالية المثارة هنا حول “منظورات حضارية مقارنة”، إنما تتصل بمجال علم العلاقات الدولية الحديث الذي أسسته منظورات غربية، وهو العلم الذي يمر بأزمة مراجعة استدعت التساؤل حول آفاق منظورات حضارية مقارنة. إذن إذا كانت هذه هي الغاية والهدف؛ فمن ثم لابد وأن تنطلق الدوافع والمبررات – في جزء ركين منها- من حالة هذا العلم لبناء منظور حضاري، وكذلك كان لابد وأن تجد المبررات منطقها، في جانب كبير منها، من أدلة وحجج أكاديمية من داخل العلم والتخصص، وذلك في مواجهة الانتقادات المختلفة التي تراكمت منذ إعداد مشروع العلاقات الدولية في الإسلام وخلال تنفيذه وخلال مناقشة مخرجاته من ناحية، والتي تراكمت أيضًا من ناحية أخرى خلال تدريسه وخلال تفعيله في تطبيقات بحثية متعددة (كما سنرى لاحقًا)؛ ذلك لأن مشروع العلاقات الدولية في الإسلام لم يكن إلا بمثابة البنية التحتية لبناء منظور حضاري مقارن لدراسة العلاقات الدولية.

ومن جوانب أهمية هذا الموضوع: العلاقة بين: طبيعة النسق المعرفي، والمنظورات المنبثقة عنه أو منه، والأطر النظرية والمفاهيمية، وقدر تأثرها بالمنظورات؛ ومن ثم ضرورة تحديد الاختلافات بين النسق المعرفي الإسلامي والنسق المعرفي الغربي ودلالة هذه الاختلافات بالنسبة للأبعاد المقارنة بين “منظور غربي” لدراسة العلاقات الدولية و”منظور إسلامي” لهذا المجال… تأسيسًا على تحليل المصطلح.

ولا يقتصر الأمر على العلاقات الدولية بل نجد هذا التوجه بارزًا في كافة فروع العلوم الإنسانية التي عالجت بوضوح الإشكاليات العامة المنهاجية وأثر اختلاف الأنساق المعرفية على المنظورات المقارنة الغربية والإسلامية، كما تتضمن هذه المصادر تعريفًا ببعض الأبعاد النظرية المتصلة بدراسة هذه الاختلافات في كافة فروع العلم([2]).

إن الحديث عن “الدوافع” هو حديث عن هموم القائمين على عملية البناء والمهتمين به أي هو حديث من المفترض أن يكون ذاتيًّا ومن الداخل نحو الخارج والداخل أيضًا، أما الحديث عن المبررات فهو حديث من الداخل أحيانًا ومن الخارج في أحيان أخرى، وهو يتجه للخارج بالأساس.

والحديثان ضروريان منذ بداية خبرتي في البحث والتدريس: فلقد تصدرت مقدمة مشروع العلاقات الدولية عناوين: الدوافع، والمنطلقات، كما تصدرت محاضرات التدريس عناوين مناظرة. ولكن لماذا؟

من ناحية؛ ونظرًا لأن الغاية هي تأسيس قواعد منظور إسلامي باعتباره أحد منظورات علم العلاقات الدولية الذي ننتمي إلى تخصصه في إطار مقارن مع منظوراته الأخرى، فلن تتحقق الفائدة من بناء منظور إسلامي منفصل أو منعزل دون أن نؤسس لأطر مقارنة تحقق التفاعل مع غيره.

هذا، ويجدر القول إن الطلبة النابهين والمتميزين في قاعات الدرس وكذلك بعض الأساتذة المهتمين تساءلوا كثيرًا عن مغزى وأسباب تركيزى على تدشين المبررات من داخل العلم ابتداءً؟

لماذا يبدو أن الدفاع عن شرعية ومشروعية المنظور قد غلب على تطوير المحتوى وتشغيله على مستوى النظريات، وما المؤشرات التي ستثبت مصداقية وتنافسية هذا المنظور مع المنظورات الأخرى من العلم؟ والإجابة على التساؤل الأول هي أن دوافع البناء لا تنفصل عن مبرراته؛ فهي متكاملة، والإجابة على السؤال الثاني هي أن عملية بناء منظور ليست قضية أو مهمة فردية وتستغرق ربما ما يقرب من الجيل زمنيًّا، ولذا يظل متزامنًا النقد من الخارج مع استمرار عملية البناء، وتزداد العملية صعوبة بالنسبة لمنظور ينبثق من نسق معرفي مغاير للنسق الذي يفرز المنظورات المهيمنة – ولو المتنافسة والمتضادة فيما بينها.

المشاركة السياسية ..

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العليوي499


المشاركة السياسية في أي مجتمع هي محصلة نهائية لجملة من العوامل الاجتماعية الاقتصادية والمعرفية والثقافية والسياسية والأخلاقية؛ تتضافر في تحديد بنية المجتمع المعني ونظامه السياسي وسماتهما وآليات اشتغالهما، وتحدد نمط العلاقات الاجتماعية والسياسية ومدى توافقها مع مبدأ المشاركة الذي بات معلماً رئيساً من معالم المجتمعات المدنية الحديثة، المجتمعات التي أعاد العمل الصناعي وتقدم العلوم والتقانة والمعرفة الموضوعية والثقافة الحديثة بناء حياتها العامة وعلاقاتها الداخلية، على أساس العمل الخلاق، والمبادرة الحرة، والمنفعة والجدوى والإنجاز، وحكم القانون، في إطار دولة وطنية حديثة، هي تجريد عمومية المجتمع وشكله السياسي وتحديده الذاتي.

بعبارة أخرى، المشاركة السياسية مبدأ ديمقراطي من أهم مبادئ الدولة الوطنية الحديثة؛ مبدأ يمكننا أن نميز في ضوئه الأنطمة الوطنية الديمقراطية التي تقوم على المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، من الأنظمة الاستبدادية، الشمولية أو التسلطية التي تقوم على الاحتكار. مبدأ يقيم فرقاً نوعياً بين نظام وطني ديمقراطي قوامه الوحدة الوطنية، وحدة الاختلاف والتنوع والتعارض الجدلي، ونظام شمولي أو تسلطي قوامه التحاجز الاجتماعي والحرب الأهلية الكامنة التي يمكن أن تنفجر عنفاً عارياً وتدميراً ذاتياً في أي وقت. مبدأ سياسي وأخلاقي يقيم فرقاً نوعياً بين الحرية والاستبداد.

ويمكن القول إن المشاركة السياسية هي التعبير العملي عن العقد الاجتماعي الطوعي، لا في مفهومه فحسب، بل في واقعه العملي أيضاً، إذ تعيد المشاركة السياسية إنتاج العقد الاجتماعي وتؤكده كل يوم؛ أي إنها تعيد إنتاج الوحدة الوطنية وتعزها كل يوم، وهذه أي الوحدة الوطنية من أهم منجزات الحداثة، ولا سيما الاعتراف بالحقوق الناجمة عن الاعتماد المتبادل بين مختلف الفئات الاجتماعية وإسهام كل منها في عملية الإنتاج الاجتماعي على الصعيدين المادي والروحي، نعني الإنتاج والاستهلاك والتوزيع والتبادل. وهي، من ثم، تعبير عملي عن المواطنة، أي عن صيرورة الفرد، من الجنسين بالتساوي، عضواً في الدولة الوطنية متساوياً، بفضل هذه العضوية، مع سائر أفراد المجتمع وأعضاء الدولة في جميع الحقوق المدنية والحريات الأساسية. ويمكن القول إن المشاركة السياسية هي جوهر المواطنة وحقيقتها العملية، وهي التي تحدد الفارق النوعي بين الرعايا والمواطنين وبين الامتيازات والحقوق. ذوو الامتيازات، في كل عصر وفي كل نظام، لم يكونوا مواطنين، بل رعايا. وذوو الامتيازات اليوم ليسوا مواطنين، بل هم رعايا وموالون وعبيد، فمن يظن نفسه سيداً على جماعة من العبيد هو أكثر منهم عبودية. وذوو الاميتيازات اليوم ليسوا وطنيين، لأن الوطنية تتنافى مع الامتيازات على طول الخط. والنظام الذي يقوم على الامتيازات وتسلسل الولاءات ليس نظاماً وطنياً بأي معنى من المعاني. الوطنية هنا مرادفة لكلية المجتمع وعمومية الدولة وسيادة الشعب، وليست حكم قيمة أو صفة أخلاقية. المواطنون فقط هم ذوو الحقوق المدنية، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي يعترف بها الجميع للجميع بحكم العقد الاجتماعي، ويصونها القانون الذي يعبر عن هذا العقد.

وثمة علاقة لا تخفى بين الحق والحرية، إذ يتجسدان معاً في الملكية شكلاً ومضموناً[1]؛ فلا تنفصل حقوق الفرد في مجتمع من المجتمعات عن حريته. وكلما انتُقصت حقوق الفرد انتُقصت حريته، والعكس صحيح. لذلك ينبغي البحث في حرية المرأة ومدى مشاركتها في الحياة العامة من خلال ما نالته من الحقوق، والبحث في حقوق المرأة من خلال ما تتمتع به من حرية. وأيٌّ من الحق والحرية يصلح أن يكون أساساً للتفكير في المشاركة السياسية، بما هي الوسيلة السلمية للتعبير عن المصالح المشروعة لهذه الفئة الاجتماعية أو تلك.

الفرد، من الجنسين، هو الأساس الطبيعي للمجتمع المدني، و المواطن، من الجنسين أيضاً، هو الأساس السياسي، المدني، للدولة الحديثة، الدولة الوطنية / القومية؛ لذلك يبدو لزاماً على من يبحث في موضوع المشاركة السياسية أن يدرس مدى تحرر الأفراد من الروابط الطبيعية، أو الروابط الأولية، روابط الجماعات ما قبل الوطنية وما دون الوطنية، كالعائلة الممتدة والعشيرة والطائفة والجماعة العرقية وما إليها، مما يؤلف عوالم (جمع عالَم) المجتمع التقليدي وكسوره المتناثرة والمتحاجزة، أي التي تعيش داخل أسوارها، وتقيم فيما بينها حواجز عشائرية أو عرقية أو دينية أو مذهبية، وتكتسي لديها السياسة طابعاً دينياً، إيمانياً ودوغمائياً، ويكتسي الدين طابعاً سياسياً، تبريرياً وذرائعياً.

ولعل حضور المقدس، الذي حدد وضعية الفرد بوجه عام ووضعية المرأة بوجه خاص، في “مجتمعات الكتاب”[2]، ومنها المجتمع السوري، حضوراً طاغياً في الحياة الاجتماعية والسياسية، ولا سيما في مجال السلطة، مرتبط أوثق ارتباط وأشده بسيادة العلاقات والروابط الطبيعية، روابط الدم والنسب والعقيدة، بين الأفراد والجماعات من جهة، وبشدة التبعية للطبيعة وآلام الاستقلال عنها ومحاولة السيطرة عليها من جهة أخرى[3]. فبقدر ما ترتدي السلطة طابع القداسة، الناجم عن تحوير مصدرها، ترتدي العلاقات الاجتماعية والسياسية طابعاً أبويا (بطريركياً) تجعل من الفرد كائناً امتثالياً عاجزاً ومتواكلاً ومعجباً بالورود التي تخفي قيوده، وتغل عقله ويديه. بل إن سيادة العلاقات الطبيعية والروابط الأولية هي التي تفسر قداسة السلطة، سواء كان التعبير عن هذه القداسة مباشراً، كما كان في العصور القديمة والوسطى، أو غير مباشر، كما هي حال المجتمعات المتأخرة في الأزمنة الحديثة، المجتمعات التي لا تزال تقدِّس الحاكم وتسبغ عليه جميع صفات الآلهة، فتغلب لديها عبادة “الأب القائد” على عبادة الإله الواحد. ورائز ذلك في كل زمان ومكان هو مدى انعتاق الفرد من براثن التقليد، ومقدار العمل البشري الخلاَّق في عمليات تغيير أشكال الطبيعة وإنتاج الثروات المادية والروحية، بالتلازم الضروري، ونسبته إلى العناصر الطبيعية.

ومن ثم، فإن المشاركة السياسية، مشروطة بالانتقال من “الجماعة الطبيعية” إلى الجماعة المدنية، من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث، مجتمع الشغل والإنتاج والمصالح المختلفة والمتباينة والتنافس الخلاق والاعتماد المتبادل، أي إنها مرتبطة بالاندماج الوطني أو الاندماج القومي والانتقال من التشظي والتناثر إلى الوحدة، وحدة الاختلاف، ومن الملة إلى الأمة، بالمعنى الحديث للكلمة، وهو غير المعنى المتداول في الخطاب الثقافي والسياسي العربي حتى اليوم، والانتقال من ثم من وضعية ما قبل الدولة الوطنية إلى الدولة الوطنية بثلاثة أركانها: الأرض (الوطن) والشعب والسلطة السياسية[4].

وللاندماج الوطني، كما هو معلوم عاملان أساسيان: أولهما العمل والإنتاج الاجتماعي، أي قدرة المجتمع على إنتاج حياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية وإعادة إنتاجها بحرية، والثاني هو الدولة السياسية أو الدولة الوطنية التي يتساوى في عضويتها جميع أفراد المجتمع، بلا استثناء ولا تمييز. فليس بوسع العمل، مجرداً ومشخصاً، أن ينظر إلى الفرد إلا بوصفه منتجاً للقيمة، بغض النظر عن الجنس والدين والانتماء العرقي وسائر التحديدات الذاتية الأخرى، وليس بوسع الدولة بما هي تجريد العمومية أن تنظر إلى الفرد وأن تتعامل معه إلا بصفته مواطناً؛[5] بهذين العاملين: العمل والدولة[6]، تتنحى عن علاقات العمل، وعن العلاقات السياسية خاصة، جميع تحديدات الأفراد ومحمولاتهم، سوى القدرة والمهارة والكفاية العلمية، على صعيد العمل، والتزام القانون والوفاء بالالتزامات والمسؤوليات التي تلقيها المواطنة على عاتق الفرد، على صعيد الدولة. ولعل تمييز عمل النساء من عمل الرجال، وتفاوت الأجور بينهما، لقاء الأعمال المتساوية، كان في بدايات الثورة الديمقراطية امتداداً لنظرة المجتمعات التقليدية الآخذة في النمو والتقدم إلى المرأة وإلى الطفل أيضاً، ولم يكن ناجماً عن طبيعة العمل، خالق القيمة وجميع القيم، وخالق السياسة والمشاركة السياسية.

ومن البديهي أن المشاركة السياسية، في زمان ومكان محددين، تتوقف على معنى السياسة وقيمتها ومدى حيويتها وعقلانيتها، في المجتمع المعني، أي على نحو ما تفهمها مختلف الفئات الاجتماعية، وعلى القيمة التي تمنحها لها هذه الفئات، وعلى مدى إدراجها في تحديد ذواتها، لا على نحو ما تفهما وتعقلها النخبة فقط. والفرق بين هذين المستويين أشبه ما يكون بـ “فرق الكمون” الذي يولد الطاقة والحركة. فحين يكون الأمر مقصوراً على نخبة لا تزال حداثتها وعقلانيتها موضع شك تغدو أفضل المبادئ والنماذج النظرية بلا قيمة عملية. ومن ثم، فإن عنصر التحديد الحاسم هو النظر إلى السياسية، إما على أنها شأن عام، وصفة ملازمة للمواطنة، أي على أنها علم إدارة الشؤون العامة بوصفها علاقات موضوعية، أو “علم الدولة”؛ وإما على أنها شأن من شؤون النخبة، وجملة من الأهداف والمطالب والتطلعات والرغبات الذاتية، وهو المعنى الغالب على السياسة في بلادنا حتى اليوم، إذا صرفنا النظر، هنا فقط، عن مقاصدها الأساسية التي كشفت عنها الدراسات الأنتروبولوجية والتاريخية، أعني “الغنيمة والعشيرة والعقيدة”، بتعبير الجابري[7].

وتجدر الملاحظة أن مفهوم المشاركة السياسية مفهوم حديث، وافد على الثقافة العربية، وعلى الفكر السياسي خاصة، ولم يتبياً بعد، ولم يستوطن؛ أي إن الثقافة العربية لم تتمثل هذا المفهوم وما يتصل به من المفاهيم الحديثة، وتعيد إنتاجها وفق معطيات الواقع وحاجات المجتمع. بل إن جل ما فعلته، حتى يومنا، هو غمس هذه المفاهيم في مستنقع التقليد، ومحاولة تكييفها مع “التراث”، أو إعادة إنتاجها فيه، بحسب ما يرغب محمد عابد الجابري وغيره من التراثويين، من دون أن تدرك أنها تعزز التقليد، وتحد من القدرة التنويرية والتحريرية والتوليدية والإجرائية لهذه المفاهيم، إن لم تخصها.

بوجيز القول، لا يمكن الحديث عن مشاركة سياسية إلا في نطاق مجتمع مدني حديث ودولة وطنية حديثة لا تبدو لمواطنيها من الداخل سوى بصفتها دولة حق وقانون، لا دولة حزب، ولا دولة نخبة ولا دولة طغمة ولا دولة عشيرة، ولا دولة طائفة أو جماعة دينية، ولا دولة جماعة عرقية[8]، وإلا فنحن إزاء بوادر وإرهاصات عسى أن تكون ذاهبة إلى المستقبل. لذلك يميل الكاتب إلى القول: ليس لدينا بعد سوى ضرب من مشاركة سياسية سلبية تتجلى في التأييد السلبي، أو القبول التام، وفي المعارضة السلبية أو الرفض التام، لا مشاركة سياسية إيجابية وخلاقة للجنسين على حد سواء. إذ للمشاركة السياسية الإيجابية رائزان: الأول هو مشروعية المعارضة وقانونيتها، والثاني هو مشاركة المرأة في الحياة السياسية على قدم المساواة مع الرجل.

الاستبداد المحدث القائم على تسلسل الولاءات وعلى الامتيازات، لا على الحقوق وحكم القانون، يساوي بين الرعايا في توزيع هداياه التي أهمها القمع و الخوف واليأس، ويساوي بين الأفراد من الجنسين على أنهم لا شيء، ولا يقبل بأي نوع من المعارضة، لا من داخل بنيته ولا من خارجها، لأنه يقوم على احتكار الحقيقة واحتكار الوطنية، وعلى الاحتكار الفعال لجميع مصادر السلطة والثروة والقوة. فالمعارضة في جميع النظم الاستبدادية، الشمولية منها والتسلطية مؤثمة ومكفرة ومخونة. والحيف الواقع على المرأة حيف مضاعف يجعل منها عبدة العبد ومستغَلة المستغَل (بفتح الغين)، وموضوعاً لقهر من هو موضوع للقهر والاضطهاد والذل، فقد كان الاستبداد على مر العصور ولا يزال إهانة للكرامة البشرية.

ومنذ صار تحرر المرأة ومشاركتها في الحياة العامة، ولا سيما في الحياة السياسية، رائزاً من روائز التحضر والتمدن والتقدم الاجتماعي، راح الكتاب والباحثون العرب ينبشون في ثنايا التاريخ البعيد والقريب، كعلماء الآثار، بحثاً عن نسوة شاركن في الغزوات والحروب أو في صدها، أو كانت لهن مجالس يؤمها الرجال، أو شاركن في مقاومة الاستعمار الحديث، ورفعن راية الحرية والاستقلال، أو كن من أعلام الثقافة والاستنارة قديماً وحديثاً، أو قدن مظاهرات احتجاج على تعسف المستعمرين، كتلك التي وصفها حافظ إبراهيم، في مصر، أو التي يتحدث عنها “أنصار المرأة” في سورية، وجعلوا من شجرة أو عدة شجيرات غابة، ومن زهرة أو عدة زهرات ربيعاً، فأنتجوا نوعاً من ثقافة افتخارية وتبريرية في آن؛ ولم يلتفتوا إلى حقيقة أن تلك الاستثناءات تؤكد القاعدة، أي تؤكد دونية المرأة واضطهادها وهامشيتها في المجتمع. ولم يدر في خلد أحدهم أن الجماعات البشرية تتراخى في التزام المعايير الاجتماعية، والأخلاقية منها خاصة، في أوقات الحروب والكوارث الطبيعية، فتشارك النساء كالرجال سواء بسواء في الدفاع عن الوجود فحسب، كما تتراخى المعايير كذلك في المراحل الانتقالية، وليس ذلك، في نظر الكاتب، من قبيل المشاركة السياسية، بمعناها الحديث، من قريب أو من بعيد؛ فإن التراخي في المعايير شيء واستقرار الحياة الاجتماعية والسياسية على التعاقد والمشاركة والتسامح واعتراف الجميع بحقوق الجميع وحرياتهم شيء آخر.

على أن التراخي في المعايير الذي يسم المراحل الانتقالية يمهد السبيل للتغيير الاجتماعي؛ بقدر ما تتوفر قوى التغيير على القوة والنفوذ والجذرية والمثابرة، وبقدر ما تعبر عن مصالح جذرية لمختلف الفئات الاجتماعية، ولو بدرجات متفاوتة، وبقدر ما تنفتح الثقافة على آفاق كونية وإنسانية وتقوم بوظيفتها التنويرية والتحريرية، وتنفتح التربية على معطيات الحداثة ومبادئها وقيمها ومناهجها.

تعيش سورية منذ خمس سنوات مرحلة انتقالية، أبرز سماتها ظهور نوع من معارضة جديدة خرجت في معظمها من البنى الأيديولوجية المتخشبة التي لا تزال تجثم على صدر الحياة السياسية، ولا تزال هذه المعارضة الوليدة تحمل كثيراً من رواسب تلك البنى. ويمكن القول إن في سورية اليوم معارضين مشوشي الوعي لم يتمكنوا بعد من التوافق على رؤية وطنية ديمقراطية عامة تنبع من حاجات المجتمع وضرورة الخروج من النظام الشمولي إلى نظام وطني ديمقراطي، فلا تزال الطريق طويلة حتى يتحولوا إلى حركة معارضة شعبية، مدنية وسلمية، كانتفاضة الأرز في لبنان أو حركة كفاية في مصر. ولعل مثل هذه الحركة هي صمام الأمان الممكن من انفجار المجتمع واضطراب الأمن وسيادة الفوضى.

ومعظم السوريين الذين كانوا يمانعون تعليم البنات، على سبيل المثال، انتقلوا من الممانعة إلى التحفظ، ثم إلى التسامح، ثم إلى الإقبال والحماسة، فتراجعت نسبة الأمية بين النساء بوتائر متسارعة، وصار الآباء يفاخرون ببناتهم المتفوقات والمؤهلات علمياً مفاخرتهم بأولادهم الذكور. وقل مثل ذلك في موقف المجتمع من عمل المرأة[9]. ولم يعد سفرها في سبيل التحصيل العلمي أو في سبيل العمل أمراً مستهجناً جداً. بل إن موقف المجتمع بدأ يتزحزح شيئاً فشيئاً من مشاركة المرأة في التمثيل والغناء والرقص وارتياد البلاجات والمسابح، ومن الزواج المدني في حدود ضيقة جداً، وصار للفتاة بعض الحرية في اختيار شريك حياتها، ولا يخلو الأمر من مد وجزر في جميع هذه الميادين. وهذا كله ناتج من تراخي المجتمع في التزام المعايير التقليدية، بحكم المرحلة الانتقالية التي تعيشها سورية، مرحلة الانتقال الصعب والمتعثر من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث.

ويمكن القول بثقة: إن المرأة السورية تتمتع اليوم بحق التعليم وحق العمل، قانونياً وعملياً، بغض النظر عن تدني معدلات الادخار والاستثمار وندرة فرص العمل وتنامي الفقر والبطالة. وهذان، حق العمل وحق التعليم، محرزان أساسيان وشرطان ضروريان لنيل بقية الحقوق، وشرطان ضروريان لمشاركتها في الحياة السياسية أيضاً. على أن حقوق المرأة لا تتجذَّر ولا تستقر إلا في كنف الحرية وبكفالة القانون، وإلا فإنها تظل سطحية وهشة وقابلة للانتكاس والتراجع، ولا تتحول إلى مهماز لتقدم المجتمع؛ فإن الإفقار المتزايد ومصادرة الحريات الأساسية، على نحو ما يجري في سورية، يجعل من هذه الحقوق المكتسبة شكلاً بلا مضمون، كالنظام السياسي ذاته. آية ذلك أن تعلم المرأة ومشاركتها في العمل على قدم المساواة مع الرجل لم يسفرا حتى اليوم عن أي تغيير أو تعديل يذكر في شرطها الاجتماعي والإنساني أو في القوانين التي تحط من إنسانيتها وتنتقص من أهليتها القانونية[10]، بل إن عمل المرأة، خاصة في الريف والبادية حيث تقوم بجميع الأعمال، يضيف أعباء جديدة إلى أعبائها وشقاء إلى شقائها، إلا في القليل والنادر مما يومئ إلى المستقبل.

الاعتراف المبدئي والنهائي بحق الاختلاف ومشروعية المعارضة السياسية التي تعبر عن المصالح الجذرية للفئات الاجتماعية المختلفة، وتمكين المرأة من المشاركة في الحياة العامة أسوة بالرجل رائزان أساسيان من روائز المشاركة السياسية، وشرطان ضروريان لحياة سياسية سليمة.

الاسلام فوبيا ..

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العليوي499

معاداة الإسلام (إنجليزية:إسلاموفوبيا Islamophobia) أو رهاب الإسلام هو لفظ حديث نسبيا يشير إلى الإجحاف والتفرقة العنصرية ضد الإسلام والمسلمين، مثير للجدل يُعَرفه البعض على أنه تحيز ضد المسلمين أو شيطنة المسلمين. لوحظ استخدام المصطلح منذ عام 1976 لكن استعماله بقي نادراً في الثمانينات وبداية التسعينات من القرن العشرين. ثم انتشر المصطلح انتشراً سريعاً بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001 ..

* انتقل مصطلح إسلاموفوبيا بمعنى الخوف من الإسلام من اللغة الأنجليزية إلى لغات العالم المختلفة بدون استثناء. يعود أول تأريخ لهذا المصطلح إلى سنة 1987[1]. أول محاولة تعريف هذا المصطلح ترجع إلى عام 1997 عندما حدد البريطاني رونيميد تروست (Runnymede Trust(في تقريره Islamophobia: A Challenge for Us All “الإسلاموفوبيا كالخوف غير محدد للإسلام، وبالتالي الخوف الذي قد يخلق الكراهية تجاه كل أو معظم المسلمين”.
وأول من استعمل اللفظ عند الكتّاب الفرنسيّين ماليه إميل Mallet Emile في مقال بعنوان “ثقافة ووحشية” نشره في جريدة Le Monde الفرنسية سنة 1994، إذ تحدّث عن “صنف من الإسلاموفوبيا الزّاحفة”. وقد اتخذه صهيب بن الشيخ، في سنة 1998، عنواناً لباب من أبواب كتابه Marianne et le Prophète (ص:171).[2] ثمّ وجدت هذه العبارة استخداما دوليا كبيرا، وخاصة من جانب الجماعات الإسلامية المحافظة[3]، مباشرة بعد الهجمات الارهابية على مركز التجارة العالمي في 11 أيلول / سبتمبر 2001.[4] أصبحت بعض الجماعات الإسلامية، على الاخص الجهادية والدعوية السلفية، تستغل المصطلح التعميمي، لذر الرماد في العيون وأعطاء انطباع انه لامبرر للخوف من ممارساتهم التي مارسوها تحت خيمة الإسلام وسببت ردود الفعل السلبية، وكانه ليس هناك مبرر على الإطلاق استدعى نشوء هذه الظاهرة ..

* يستخدم علماء الاجتماع كفيلهلم هايتماير مصطلح الإسلاموفوبيا جنبا إلى جنب مع ظواهر مثل العنصرية وكراهية الأجانب ومعاداة السامية أو حتى “ظاهرة” كراهية مجموعات من الناس كما هو الحال أن تكون في موقف سلبي من عامة الشعب المسلم ومن جميع الأديان والرموز الدينية، وممارسات الشعائر الإسلامية ..