أ.د. أحمد محمد وهبان

ابن خلدون

كاتب الموضوع الأصلي: يزيد المجاهد32

عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي (1332 – 1382م[1]) مؤرخ عربي، تونسي المولد أندلسي الأصل، ومغربي الثقافة، حيث تتلمذ في جامع القرويين ونهل من معارف الآبلي وابن مرزوق وناظر علماء البلاط المريني ولقي بفاس لسان الدين بن الخطيب الذي كان له أثر عظيم في تكوينه،[2] وخدم الدولة المرينية بالمغرب الأقصى طوال حياته،[3] يعتبر مؤسس علم الاجتماع الحديث[4] ترك تراثا ما زال تأثيره ممتدا حتى اليوم. توفي ابن خلدون في مصر عام 1406 وتم دفنه قرب باب النصر بشمال القاهرة.
ولد ابن خلدون في تونس عام 1332 (732 للهجرة) بالدار الكائنة بنهج تربة الباي رقم 34. أسرة ابن خلدون أسرة علم وأدب، فقد حفظ القرآن الكريم في طفولته، وكان أبوه هو معلمه الأول[5]، شغل أجداده في الأندلس وتونس مناصب سياسية ودينية مهمة وكانوا أهل جاه ونفوذ، نزح أهله من الأندلس في منتصف القرن السابع الهجري، وتوجهوا إلى تونس، وكان قدوم عائلته إلى تونس خلال حكم دولة الحفصيين. يتعقب بن خلدون أصوله إلى حضرموت وذكر في موسوعته كتاب العبر المعروفة باسم ” تاريخ بن خلدون ” أنه من سلالة الصحابي وائل بن حجر ولم يدعي أني يعرف كل أجداده إلى الصحابي إلا أنه أكد أنه من عرب اليمن[6]
لما دخل السلطان أبو الحسن المريني أواسط القرن الثالث عشر إلى تونس قادما من مدينة فاس بالمغرب، جلب معه نخبة من العلماء، الذين انبهر بهم ابن خلدون وأتم معهم علومه العقلية في المنطق والفلسفة وغير ذلك.[7] فقضى أغلب مراحل حياته في تونس والمغرب الأقصى وكتب الجزء الأول من المقدمة بقلعة أولاد سلامة بالجزائر، وعمل بالتدريس في جامع الزيتونة بتونس وفي المغرب بجامعة القرويين في فاس الذي أسسته الأختان الفهري القيروانيتان وبعدها في الجامع الأزهر بالقاهرة، مصر والمدرسة الظاهرية وغيرهم. وفي آخر حياته تولى القضاء المالكي بمصر بوصفه فقيها متميزا خاصة أنه سليل المدرسة الزيتونية العريقة وكان في طفولته قد درس بمسجد القبة الموجود قرب منزله سالف الذكر المسمى “سيد القبة”. توفي في القاهرة سنة 1406 م (808 هـ). ومن بين أساتذته الفقية الزيتوني الإمام ابن عرفة حيث درس بجامع الزيتونة المعمور ومنارة العلوم بالعالم الإسلامي آنذاك.
يعتبر ابن خلدون أحد العلماء الذين تفخر بهم الحضارة الإسلامية، فهو مؤسس علم الاجتماع وأول من وضعه على أسسه الحديثة، وقد توصل إلى نظريات باهرة في هذا العلم حول قوانين العمران ونظرية العصبية، وبناء الدولة وأطوار عمارها وسقوطها. وقد سبقت آراؤه ونظرياته ما توصل إليه لاحقا بعدة قرون عدد من مشاهير العلماء كالعالم الفرنسي أوجست كونت.
عدد المؤرخون لابن خلدون عددا من المصنفات في التاريخ والحساب والمنطق غير أن من أشهر كتبه كتاب بعنوان: العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، وهو يقع في سبعة مجلدات وأولها المقدمة وهي المشهورة أيضا بمقدمة ابن خلدون، وتشغل من هذا الكتاب ثلثه، وهي عبارة عن مدخل موسع لهذا الكتاب وفيها يتحدث ابن خلدون ويؤصل لآرائه في الجغرافيا والعمران والفلك وأحوال البشر وطبائعهم والمؤثرات التي تميز بعضهم عن الآخر.
اعتزل ابن خلدون الحياة بعد تجارب مليئة بالصراعات والحزن على وفاة أبويه وكثير من شيوخه إثر وباء الطاعون الذي انتشر في جميع أنحاء العالم سنة 749هجرية (1323 م) وتفرغ لأربعة سنوات في البحث والتنقيب في العلوم الإنسانية معتزلا الناس في سنوات عمره الأخيرة، ليكتب سفره المجيد أو ما عرف بمقدمة ابن خلدون ومؤسسا لعلم الاجتماع بناء على الاستنتاج والتحليل في قصص التاريخ وحياة الإنسان. واستطاع بتلك التجربة القاسية أن يمتلك صرامة موضوعية في البحث والتفكير.
• ابتكر ابن خلدون وصاغ فلسفة للتاريخ هي بدون شك أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم. أرنولد توينبي
• إن مؤلف ابن خلدون هو أحد أهم المؤلفات التي انجزها الفكر الإنساني. جورج مارسيز
• ان مؤلف ابن خلدون يمثل ظهور التاريخ كعلم، وهو أروع عنصر فيما يمكن أن يسمى بالمعجزة العربية. ايف لاكوست
• انك تنبئنا بأن ابن خلدون في القرن الرابع عشر كان أول من اكتشف دور العوامل الاقتصادية وعلاقات الإنتاج. ان هذا النبأ قد أحدث وقعا مثيرا وقد اهتم به صديق الطرفين (المقصود به لينين) اهتماما خاصا. من رسالة بعث بها مكسيم غوركي إلى المفكر الروسي انوتشين بتاريخ 21/ايلول سبتمبر 1912.
• ترى أليس في الشرق آخرون من أمثال هذا الفيلسوف. لينين
• ففيما يتعلق بدراسة هيكل المجتمعات وتطورها فإن أكثر الوجوه يمثل تقدما يتمثل في شخص ابن خلدون العالم والفنان ورجل الحرب والفقية والفيلسوف الذي يضارع عمالقة النهضة عندنا بعبقريته العالمية منذ القرن الرابع عشر. روجية غارودي
هذا غيض من فيض مما قاله بعض أقطاب الفكر الغربيين ناهيك عن المفكرين العرب والمسلمين وفيما يلي سنحاول حصر بعض المواضيع التي تناولها ابن خلدون بالبحث دون أن ندعي أننا سنوفيها حقها وكيف نستطيع ذلك وفي كل يوم نكتشف الجديد حول هذا العالم.
علم التاريخ :
لقد تجمعت في شخصية ابن خلدون العناصر الأساسية النظرية والعملية التي تجعل منه مؤرخا حقيقيا – رغم أنه لم يول في بداية حياته الثقافية عناية خاصة بمادة التاريخ – ذلك أنه لم يراقب الأحداث والوقائع عن بعد كبقية المؤرخين، بل ساهم إلى حد بعيد ومن موقع المسؤولية في صنع تلك الأحداث والوقائع خلال مدة طويلة من حياته العملية تجاوزت 50 عاما، وضمن بوتقة جغرافية امتدت من الاندلس وحتى بلاد الشام. فقد استطاع، ولأول مرة، (إذا استثنينا بعض المحاولات البسيطة هنا وهناك) أن يوضح أن الوقائع التاريخية لا تحدث بمحض الصدفة أو بسبب قوى خارجية مجهولة، بل هي نتيجة عوامل كامنة داخل المجتمعات الإنسانية، لذلك انطلق في دراسته للأحداث التاريخية من الحركة الباطنية الجوهرية للتاريخ. فعلم التاريخ، وان كان (لايزيد في ظاهره عن أخبار الأيام والدول) انما هو (في باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، لذلك فهو أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق(المقدمة). فهو بذلك قد اتبع منهجا في دراسة التاريخ يجعل كل أحداثه ملازمة للعمران البشري وتسير وفق قانون ثابت.
يقول: “فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران ونميز ما يلحقه لذاته وبمقتضى طبعه وما يكون عارضا لا يعتد به وما لايمكن أن يعرض له، وإذا فعلنا ذلك، كان ذلك لنا قانونا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار، والصدق من الكذب بوجه برهان لا مدخل للشك فيه، وحينئذ فاذا سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله مما نحكم بتزييفه، وكان ذلك لنا معيارا صحيحا يتحرى به المؤرخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلونه.”
وهكذا فهو وان لم يكتشف مادة التاريخ فانه جعلها علما ووضع لها فلسفة ومنهجا علميا نقديا نقلاها من عالم الوصف السطحي والسرد غير المعلل إلى عالم التحليل العقلاني والأحداث المعللة بأسباب عامة منطقية ضمن ما يطلق عليه الآن بالحتمية التاريخية، وذلك ليس ضمن مجتمعه فحسب، بل في كافة المجتمعات الإنسانية وفي كل العصور، وهذا ما جعل منه أيضا وبحق أول من اقتحم ميدان ما يسمى بتاريخ الحضارات أو التاريخ المقارن. “إني أدخل الأسباب العامة في دراسة الوقائع الجزئية، وعندئذ أفهم تاريخ الجنس البشري في إطار شامل.اني ابحث عن الأسباب والأصول للحوادث السياسية. كذلك قولهداخلا من باب الأسباب على العموم على الأخبار الخصوص فاستوعب أخبار الخليقة استيعابا.وأعطي الحوادث علة أسبابا.”
علم الاجتماع :
يعتبر ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع أو علم العمران البشري. وقد ذكر في كتاب مقدمة ابن خلدون: “. وهذا هو غرض هذا الكتاب الأول من تأليفنا.”، وهو علم مستقل بنفسه موضوعه العمران البشري والاجتماع، ويهدف إلى “بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى، وهذا شأن كل علم من العلوم وضعيا كان أم عقليا وأعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غريب النزعة غزير الفائدة، أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص. وكأنه علم مستبط النشأة، ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة.
لقد قاد المنهج التاريخي العلمي الذي اتبعه ابن خلدون إلى التوصل إلى علم الاجتماع، وهذا المنهج يرتكز على أن كل الظواهر الاجتماعية ترتبط ببعضها البعض، فكل ظاهرة لها سبب وهي في ذات الوقت سبب للظاهرة التي تليها. لذلك كان مفهوم العمران البشري عنده يشمل كل الظواهر سواء كانت سكانية أو ديمغرافية، اجتماعية، سياسية، اقتصادية أو ثقافية. فهو يقول في ذلك:”فهو خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة هذا العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن الكسب والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال.” ويناقش أيضا نظرية التطور لدى داروين وان لم يغص فيها. ثم يأخذ في تفصيل كل تلك الظواهر مبينا أسبابها ونتائجها، مبتدئا بإيضاح أن الإنسان لا يستطيع العيش بمعزل عن أبناء جنسه حيث: “ان الاجتماع الإنساني ضروري فالإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية. وهو معنى العمران.
يناقش ابن خلدون العمران البشري بشكل عام مبينا أثر البيئة في البشر وهو مايدخل حاليا في علم الاتنولوجيا والانثروبولوجيا، ويتطرق لأنواع العمران البشري تبعا لنمط حياة البشر وأساليبهم الإنتاجية قائلا: “ان اختلاف الأجيال في أحوالهم انما هو باختلاف نحلتهم في المعاش.” مبتدئا بالعمران البدوي باعتباره أسلوب الإنتاج الأولي الذي لا يرمي إلى الكثير من تحقيق ما هو ضروري للحياة: “.ان أهل البدو المنتحلون للمعاش الطبيعي. وانهم مقتصرون على الضروري الاقوات والملابس والمساكن وسائر الأحوال والعوائد.”
ثم يخصص الفصل الثالث من المقدمة للدول والملك والخلافة ومراتبها وأسباب وكيفية نشوئها وسقوطها، مؤكدا أن الدعامة الأساسية للحكم تكمن في العصبية. والعصبية عنده أصبحت مقولة اجتماعية احتلت مكانة بارزة في مقدمته حتى اعتبرها العديد من المؤرخين مقولة خلدونية بحتة، وهم محقون في ذلك لأن ابن خلدون اهتم بها اهتماما بالغا إلى درجة أنه ربط كل الأحداث الهامة والتغييرات الجذرية التي تطرأ على العمران البدوي أو العمران الحضري بوجود أو فقدان العصبية. كما أنها في رأيه المحور الأساسي في حياة الدول والممالك. ويطنب ابن خلدون في شرح مقولته تلك، مبينا أن العصبية نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا، ذلك أنها تتولد من النسب والقرابة وتتوقف درجة قوتها أو ضعفها على درجة قرب النسب أو بعده. ثم يتجاوز نطاق القرابة الضيقة المتمثلة في العائلة ويبين أن درجة النسب قد تكون في الولاء للقبيلة وهي العصبية القبلية . ومن هذا الباب الولاء والحلف إذ نصرة كل أحد من أحد على أهل ولائه وحلفه للألفة التي تلحق النفس في اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها بوجه من وجوه النسب، وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء. أما إذا أصبح النسب مجهولا غامضا ولم يعد واضحا في أذهان الناس، فإن العصبية تضيع وتختفي هي أيضا. . بمعنى أن النسب إذا خرج عن الوضوح انتفت النعرة التي تحمل هذه العصبية، فلا منفعة فيه حينئذ. هذا ولا يمكن للنسب أن يختفي ويختلط في العمران البدوي، وذلك أن قساوة الحياة في البادية تجعل القبيلة تعيش حياة عزلة وتوحش، بحيث لا تطمح الأمم في الاختلاط بها ومشاركتها في طريقة عيشها النكداء، وبذلك يحافظ البدو على نقاوة أنسابهم، ومن ثم على عصبيتهم.
. الصريح من النسب انما يوجد للمتوحشين في القفر. وذلك لما اختصوا به من نكد العيش وشظف الأحوال وسوء الموطن، حملتهم عليها الضرورة التي عينت لهم تلك القسمة. فصار لهم ألفا وعادة، وربيت فيهم أجيالهم. فلا ينزع إليهم أحدا من الأمم أن يساهم في حالهم، ولا يأنس بهم أحد من الأجيال. فيؤمن عليهم لأجل ذلك منت اختلاط انسابهم وفسادها. أما إذا تطورت حياتهم وأصبحوا في رغد العيش بانضمامهم إلى الأرياف والمدن، فإن نسبهم يضيع حتما بسبب كثرة الاختلاط ويفقدون بذلك عصبيتهم. . ثم يقع الاختلاط في الحواضر مع العجم وغيرهم وفسدت الانساب بالجملة ثمرتها من العصبية فاطرحت ثم تلاشت القبائل ودثرت فدثرت العصبية مدثورها وبقي ذلك في البدو كما كان. وهكذا نخلص للقول في هذا الصدد بأن العصبية تكون في العمران البدوي وتفقد في العمران الحضري.
العصبية والسلطة في مرحلة العمران البدوي
بعد أن تعرض ابن خلدون لمفهوم العصبية وأسبا وجودها أو فقدانها، انتقل إلى موضوع حساس وهام، مبينا دور العصبية فيه، ألا وهو موضوع “الرئاسة” الذي سيتطور في (العمران الحضري) إلى مفهوم الدولة. فأثناء مرحلة “العمران البدوي” يوجد صراع بين مختلف العصبيات على الرئاسة ضمن القبيلة الواحدة، أي ضمن العصبية العامة حيث: (.ان كل حي أو بطن من القبائل، وان كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام، ففيهم أيضا عصبيات أخرى لأنساب خاصة هي أشد التحاما من النسب العام لهم مثل عشير واحد أو أهل بيت واحد أو أخوة بني أب واحد، لا مثل بني العم الأقربين أو الأبعدين، فهؤلاء أقعد بنسبهم المخصوص، ويشاركون من سواهم من العصائب في النسب العام، والنعرة تقع من أهل نسبهم المخصوص ومن أهل النسب العام، إلا أنها في النسب الخاص أشد لقرب اللحمة). ومن هنا ينجم التنافس بين مختلف العصبيات الخاصة على الرئاسة، تفوز فيه بطبيعة الحال العصبة الخاصة الأقوى التي تحافظ على الرئاسة إلى أن تغلبها عصبة خاصة أخرى وهكذا.(.ولما كانت الرئاسة انما تكون بالغلب، وجب أن تكون عصبة ذلك النصاب (أي أهل العصبية الخاصة) أقوى من سائر العصبيات ليقع الغلب بها وتتم الرئاسة لأهلها. فهذا هو سر اشتراط الغلب في العصبة، ومنه تعين استمرار الرئاسة في النصاب المخصوص).
يحدد ابن خلدون مدة وراثة الرئاسة ضمن العصبية القوية بأربعة أجيال على العموم، أي بحوالي 120 سنة في تقديره.(ذلك بأن باني المجد عالم بما عاناه في بنائه ومحافظ على الخلال التي هي سبب كونه وبقائه، وبعده ابن مباشر لأبيه قد سمع منه ذلك وأخذ عنه، إلا أنه مقصر في ذلك تقصير السامع بالشئ عن المعاين له ثم إذى جاء الثالث كان حظه في الاقتفاء والتقليد خاصة فقصر عن الثاني تقصير المقلد عن المجتهد ثم إذا جاء الرابع قصر عن طريقتهم جملة وأضاع الخلال الحافظة لبناء مجدهم واحتقرها وتوهم أن أمر ذلك البنيان لم يكن بمعاناة ولاتكلف، وإنما هو أمر واجب لهم منذ أول النشأة بمجرد انتسابهم وليس بعصبية. واعتبار الأربعة من الأجيال الأربعة بان ومباشر ومقلد وهادم).وبذلك ينهي ابن خلدون نظريته المتعلقة باسلطة أثناء مرحلة (العمران البدوي) ويخلص إلى نتيجة أن السلطة في تلم المرحلة مبنية أساسا على العصبية بحيث لا يمكن أن تكون لها قائمة بدونها.
العصبية والسلطة في العمران الحضري
انطلاقا من نظريته السابقة المتعلقة بدور العصبية في الوصول إلى الرئاسة في المجتمع البدوي، واصل ابن خلدون تحليله على نفس النسق فيما يتعلق بالسلطة في المجتمع الحضري مبينا أن العصبية الخاصة بعد استيلائها على الرئاسة تطمح إلى ما هو أكثر، أي إلى فرض سيادتها على قبائل أخرى بالقوة، وعن طريق الحروب والتغلب للوصول إلى مرحلة الملك (. وهذا التغلب هو الملك، وهو أمر زائد على الرئاسة. فهو التغلب والحكم بالقهر، وصاحبالعصبية إذا بلغ رتبة طلب ما فوقها). معتمدا في تحقيق ذلك أساسا وبالدرجة الأولى على العصبية حيث أن (الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك). فهذه اذن المرحلة الأولى في تأسيس الملك أو الدولة، وهي مرحلة لا تتم إلا من خلال العصبية.
بالوصول إلى تلك المرحلة يبدأ (العمران الحضري) شيئا فشيئا وتصبح السلطة الجديدة تفكر في تدعيم وضعها آخذة بعين الاعتبار جميع العصبيات التابعة لها، وبذلك فانها لم تعد تعتمد على عامل النسب بل على عوامل اجتماعية وأخلاقية جديدة، يسميها ابن خلدون (الخلال). هنا تدخل الدولة في صراع مع عصبيتها، لأن وجودها أصبح يتنافي عمليا مع وجود تلك العصبية التي كانت في بداية الأمر سببا في قيامها، (يتراءى لنا مبدأ نفي النفي في المادية الجدلية<إضافة رابط المادية الجدلية ان وجد>). ومع نشوء يتخطى الملك عصبيته الخاصة، ويعتمد على مختلف العصبيات. وبذلك تتوسع قاعدة الملك ويصبح الحاكم أغنى وأقوى من ذي قبل، بفضل توسع قاعدة الضرائب من ناحية، والأموال التي التي تدرها الصناعات الحرفية التي التي تنتعش وتزدهر في مرحلة (العمران الحضري) من ناحية أخرى.
لتدعيم ملكه يلجأ إلى تعويض القوة العسكرية التي كانت تقدمها له العصبية الخاصة أو العامة(القبيلة) بإنشاء جيش من خارج عصبيته، وحتى من عناصر أجنبية عن قومه، وإلى اغراق رؤساء قبائل البادية بالأموال، وبمنح الإقطاعات كتعويض عن الامتيازات السياسية التي فقدوها. وهكذا تبلغ الدولة الجديدة قمة مجدها في تلك المرحلة، ثم تأخذ في الانحدار حيث أن المال يبدأ في النفاذ شيئا فشيئا بسبب كثرة الإنفاق على ملذات الحياة والترف والدعة. وعلى الجيوش ومختلف الموظفين الذين يعتمد عليهم الحكم. فيزيد في فرض الضرائب بشكل مجحف، الشئ الذي يؤدي إلى إضعاف المنتجين، فتتراجع الزراعة وتنقص حركة التجارة، وتقل الصناعات، وتزداد النقمة وبذلك يكون الحكم قد دخل مرحلة بداية النهاية، أي مرحلة الهرم التي ستنتهي حتما بزواله وقيام ملك جديد يمر بنفس الأطوار السابقة اغلتي يجملها ابن خلدون في خمسة أطوار. (. وحالات الدولة وأطوارها لا تعدو في الغالب خمسة أطوار.
• الطور الأول طور الظفر بالبغية، وغلب المدافع والممانع، والاستيلاء على الملك وانتزاعه من أيدي الدولة السالفة قبلها.فيكون صاحب الدولة في هذا الطور أسوة بقومه في اكتساب المجد وجباية المال والمدافعة عن الحوزة والحماية لا ينفرد دونهم بشيء لأن ذلك هو مقتضى العصبية التي وقع بها الغلب، وهي لم تزل بعد بحالها.
الطور الثاني طور الاستبداد على قومه والانفراد دونهم بالملك وكبحهم عن التطاول للمساهمة والمشاركة.ويكون صاحب الدولة في هذا الطور معنيا باصطناع الرجال واتخاذ الموالي والصنائع والاستكثار من ذلك، لجدع أنوف أهل عصبيته وعشيرته المقاسمين له في نسبه، الضاربين في الملك بمثل سهمه.فهو يدافعهم عن الأمر ويصدهم عن موارده ويردهم على أعقابهم أن بخلصوا إليه حتى يقر الأمر في نصابه
الطور الثالث طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشر إليه من تحصيل المال وتخليد الآثار وبعد الصيت، فسيتفرغ وسعه في الجباية وضبط الدخل والخرج، وإحصاء النفقات والقصد فيها، وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة، والامصار المتسعة، والهياكل المرتفعة، وإجازة الوفود من أشرف الأمم ووجوه القبائل وبث المعروف في أهله. هذا مع التوسعة على صنائعه وحاشيته في أحوالهم بالمال والجاه، واعتراض جنوده وادرار ارزاقهم وانصافهم في اعطياتهم لكل هلال، حتى يظهر أثر ذلك عليهم ذلك في ملابسهم وشكتهم وشاراتهم يوم الزينة.وهذا الطور آخر أطوار الاستبداد
الطور الرابع طور القنوع والمسالمة ويكون صاحب الدولة في هذا قانعا بما أولوه سلما لأنظاره من الملوك واقتاله مقلدا للماضين من سلفه. ويرى أن الخروج عن تقليده فساد أمره وأنهم أبصر بما بنوا من مجده.
الطور الخامس طور الإسراف والتبذير ويكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفا لما جمع أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه، واصطناع أخدان السوء وخضراء الدمن، وتقليدهم عظيمات الأمور التي لا يستقلون بحملها، ولايعرفون ما يأتون ويذرون منها، مستفسدا لكبار الأولياء من قومه وصنائع سلفه، حتى يضطغنوا عليه ويتخاذلوا عن نصرته، مضيعا من جنده بما أنفق من أعطياتهم في شهواتهم. وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه.أي أن تنقرض).(المقدمة) واذن فان تحليل ابن خلدون بولادة ونمو وهرم الدولة هو ذو أهمية بالغة، لأنه ينطلق من دراسة الحركة الداخلية للدولة المتمثلة في العصبية، تلك المقولة الاجتماعية والسياسية التي تعتبر محور كل المقولات والمفاهيم الخلدونية. فقد اعتمد عليها اعتمادا أساسيا في دراسته الجدلية لتطور المجتمعات الإنسانية(العمران البشري) وكأنه يبشر منذ القرن الرابع عشر بما اصطلح على تسميته في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ب (المادية الجدلية). وفي غمرة انطلاقت العلمية الرائعة الرائدة وضع إصبعة على العصب الحساس والرئيسي، وان لم يكن الوحيد في تطور (العمران البشري) ألآ وهو الاقتصاد
علم الاقتصاد :
ان النتيجة التي توصل إليها ابن خلدون في الفصل الثاني من مقدمته عند بحثه للعمران البدوي وهي:(ان اختلاف الأجيال في أحوالهم انما هو باختلاف نحلهم من المعاش) قادته بالضرورة إلى دراسة عدة مقولات اقتصادية تعتبر حجر الزاوية في علم الاقتصاد الحديث، مثل دراسة الأساليب الإنتاجية التي تعاقبت على المجتمعات البشرية، وانتقال هذه الأخيرة من البداوة إلى الحضارة، أي من الزراعة إلى الصناعة والتجارة:(.وأما الفلاحة والصناعة والتجارة فهي وجوه طبيعية للمعاش.أما الفلاحة فهي متقدمة عليها كلها بالذات.وأما الصناعة فهي ثانيها ومتأخرة عنها لأنها مركبة وعلمية تصرف فيها الأفكارو الأنظار، ولهذا لا توجد غالبا إلا في أهل الحضر الذي هو متأخر عن البدو وثان عنه).
يركز ابن خلدون على الصناعة جاعلا منها السبب الأساسي في الازدهار الحضاري:(ان الصنائع انما تكتمل بكمال العمران الحضري وكثرته. ان رسوخ الصنائع في الأمصار انما هو برسوخ الحضارة وطول أمدها). كما تناول مقولة تقسيم العمل بالتأكيد على أن(النوع الإنساني لا يتم وجوده الا بالتعاون)، لعجز الإنسان عن تلبية جميع حاجاته مهما كانت قدرته بمفرده، حيث أن (الصنائع في النوع الإنساني كثيرة بكثرة الأعمال المتداولة في العمران. فهي بحيث تشذ عن الحصر ولا يأخذها العد.(مثل) الفلاحة والبناء والخياطة والنجارة والحياكة والتوليد والوراقة والطب.) أما القيمة فهي في نظره (قيمة الأعمال البشرية):فأعلم أن ما يفيد الإنسان ويقتنيه من المتمولات ان كان من الصنائع فالمفاد المقتنى منه قيمة عمله.إذ ليس هناك الا العمل، مثل النجارة والحياكة معهما الخشب والغزل، إلا أن العمل فيهما أكثر فقيمته أكثر، وان كان من غير الصنائع فلا بد في قيمة ذلك المفاد والقنية من دخول قيمة العمل الذي حصلت به، إذ لولا العمل لم تحصل قيمتها.فقد تبين أن المفادات والمكتسبات كلها انما هي قيم الأعمال الإنسانية). ولم يغفل أيضا عن مقولة (القيمة الزائدة) وان لم يعالجها بشكل معمق عند تعرضه لصاحب الجاه:(وجميع ما شأنه ان تبذل فيه الاعواض من العمل يستعمل فيه الناس من غير عوض فتتوفر قيم تلك الأعمال عليه، فهو بين قيم للأعمال يكتسبها، وقيم أخرى تدعوه الضرورة إلى إخراجها، فتتوفر عليها، والأعمال لصاحب الجاه كبيرة، فتفيد الغني لأقرب وقت، ويزداد مع مرور الأيام يسارا وثروة). من كل ما تقدم نستطيع المجازفة والقول إن أعمال ابن خلدون وبالذات
• ويرفض ابن خلدون تدخل الدولة المباشر في الإنتاج والتجارة لما يترتب عليه من أضرار اقتصادية. فهو يرى أن حاجة الدولة لتغطية نفقاتها المتزايدة تدفعها نحو هذا التدخل ولكن النتيجة حينئذ تكون بعكس القصد. يكتب ابن خلدون “اعلم أن الدولة إذا ضاقت جبايتها بما قدمناه من الترف وكثرة العوائد والنفقات وقصر الحاصل من جبايتها على الوفاء بحاجاتها ونفقاتها، واحتاجت إلى مزيد المال والجباية، فتارة توضع المكوس على بياعات الرعايا وأسواقهم كما قدمنا وتارة بالزيادة في ألقاب (معدلات؛ أسعار) المكوس إن كان قد استحدث من قبل، وتارة بمقاسمة العمال والجباة وامتكاك (امتصاص) عظامهم، لما يرون أنهم قد حصلوا على شئ طائل من أموال الجباية لا يظهره الحسبان (المحاسبون)، وتارة باستحداث التجارة والفلاحة للسلطان على تسمية الجباية (باسم الجباية)، لما يرون التجار والفلاحين يحصلون على الفوائد والغلات مع يسارة أموالهم، وأن الأرباح تكون على نسبة رؤوس الأموال. فيأخذون في اكتساب الحيوان والنبات لاستغلاله في شراء البضائع والتعرض بها لحوالة الأسواق، ويحسبون ذلك من إدرار الجباية وتكثير الفوائد. غلط عظيم وإدخال الضرر على الرعايا من وجوه متعددة”. مما تقدم يبين لنا أن مقدمة ابن خلدون تعتبر أول موسوعة في العلوم الإنسانية، بل هي باكورة العمل الموسوعي العام قبل ظهور عصر الموسوعات بحوالي خمسة قرون
الفلسفة :
يرى ابن خلدون في المقدمة أن الفلسفة من العلوم التي استحدثت مع انتشار العمران، وأنها كثيرة في المدن ويعرفها قائلا: بأن قوما من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن الوجود كله، الحسي منه وما وراء الحسي، تدرك أدواته وأحواله، بأسبابها وعللها، بالأنظار الفكرية والأقيسة العقلية وأن تصحيح العقائد الإيمانية من قبل النظر لا من جهة السمع فإنها بعض من مدارك العقل، وهؤلاء يسمون فلاسفة جمع فيلسوف، وهو باللسان اليوناني محب الحكمة. فبحثوا عن ذلك وشمروا له وحوموا على إصابة الغرض منه ووضعوا قانونا يهتدي به العقل في نظره إلى التمييز بين الحق والباطل وسموه بالمنطق. ويحذر ابن خلدون الناظرين في هذا العلم من دراسته قبل الاطلاع على العلوم الشرعية من التفسير والفقه، فيقول: ¸وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه ولا يكبن أحد عليها وهو خلومن علوم الملة فقل أن يسلم لذلك من معاطبها•.
لعل ابن خلدون وابن رشد اتفقا على أن البحث في هذا العلم يستوجب الإلمام بعلوم الشرع حتى لا يضل العقل ويتوه في مجاهل الفكر المجرد لأن الشرع يرد العقل إلى البسيط لا إلى المعقد وإلى التجريب لا إلى التجريد. ومن هنا كانت نصيحة هؤلاء العلماء إلى دارسي الفلسفة أن يعرفوا الشرع والنقل قبل أن يمعنوا في التجريد العقلي
فلسفة ابن خلدون :
امتاز ابن خلدون بسعة اطلاعه على ما كتبه القدامى على أحوال البشر وقدرته على استعراض الآراء ونقدها، ودقة الملاحظة مع حرية في التفكير وإنصاف أصحاب الآراء المخالفة لرأيه. وقد كان لخبرته في الحياة السياسية والإدارية وفي القضاء، إلى جانب أسفاره الكثيرة من موطنه الأصيل تونس وبقية بلاد شمال أفريقيا إلى بلدان أخرى مثل مصر والحجاز والشام، أثر بالغ في موضوعية وعلمية كتاباته عن التاريخ وملاحظاته.
بسبب فكر ابن خلدون الدبلوماسي الحكيم، أرسل أكثر من مرة لحل نزاعات دولية، فقد عينه السلطان محمد بن الأحمر سفيرا إلى أمير قشتالة لعقد الصلح.[5] وبعد ذلك بأعوام، استعان أهل دمشق به لطلب الأمان من الحاكم المغولي تيمور لنك، والتقوا بالفعل.[
الفكر التربوي لدى ابن خلدون :
له مساهمة فعالة في علم التربية والذي لم يكن معروفا كعلم أكاديمي مستقل مثل اليوم، وقد عملت دراسات كثيرة حول فكرة التربوي، ويمكن إجمال أفكاره التربوية في التالي:
• أن العلم ينقسم إلى علمين علم نقلي وعلم عقلي.
• التدرج في التعليم.
• البدء بالمحسوسات والتدرج حتى الملموسات.
• يكون تعليم الصبي بداية بعض سور القرآن الكريم وبعض الأشعار حتى تقوى ملكة الحفظ.
الغرب وابن خلدون :
كثير من الكتاب الغربيين وصفوا تقديم ابن خلدون للتاريخ بأنه أول تقديم لا ديني للتأريخ، وهو له تقدير كبير عندهم. ربما تكون ترجمة حياة ابن خلدون من أكثر ترجمات شخصيات التاريخ الإسلامي توثيقا بسبب المؤلف الذي وضعه ابن خلدون ليؤرخ لحياته وتجاربه ودعاه التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا، تحدث ابن خلدون في هذا الكتاب عن الكثير من تفاصيل حياته المهنية في مجال السياسة والتأليف والرحلات، ولكنه لم يضمنها كثيرا تفاصيل حياته الشخصية والعائلية.
كان شمال أفريقيا أيام ابن خلدون بعد سقوط دولة الموحدين تحكمه ثلاث أسر: المغرب كان تحت سيطرة المرينيين (1196 – 1464)، غرب الجزائر كان تحت سيطرة آل عبد الودود (1236 – 1556)، تونس وشرق الجزائر وبرقة تحت سيطرة الحفصيين (1228 – 1574). التصارع بين هذه الدول الثلاثة كان على أشده للسيطرة ما أمكن من المغرب الكبير ولكن تميزت فترة الحفصيين بإشعاع ثقافي باهر. وكان المشرق العربي في أحلك الظروف آنذاك يمزقه التتار والتدهور.
وظائف تولاها :
كان ابن خلدون دبلوماسيا حكيما أيضا. وقد أرسل في أكثر من وظيفة دبلوماسية لحل النزاعات بين زعماء الدول: مثلا، عينه السلطان محمد بن الأحمر سفيرا له إلى أمير قشتالة للتوصل لعقد صلح بينهما وكان صديقا مقربا لوزيره لسان الدين ابن الخطيب.كان وزيرا لدى أبي عبد الله الحفصي سلطان بجاية، وكان مقربا من السلطان أبي عنان المرينىقبل أن يسعى بينهما الوشاة. وبعد ذلك بأعوام استعان به أهل دمشق لطلب الأمان من الحاكم المغولي القاسي تيمورلنك، وتم اللقاء بينهما. وصف ابن خلدون اللقاء في مذكراته. إذ يصف ما رآه من طباع الطاغية، ووحشيته في التعامل مع المدن التي يفتحها، ويقدم تقييما متميزا لكل ما شاهد في رسالة خطها لملك المغرب الخصال الإسلامية لشخصية ابن خلدون، أسلوبه الحكيم في التعامل مع تيمور لنك مثلا، وذكائه وكرمه، وغيرها من الصفات التي أدت في نهاية المطاف لنجاته من هذه المحنة، تجعل من التعريف عملا متميزا عن غيره من نصوص أدب المذكرات العربية والعالمية. فنحن نرى هنا الملامح الإسلامية لعالم كبير واجه المحن بصبر وشجاعة وذكاء ولباقة. ويعتبر ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع.
ساهم في الدعوة للسلطان أبى حمو الزيانى سلطان تلمسان بين القبائل بعد سقوط بجاية في يد سلطان قسنطينة أبى العباس الحفصى وأرسل أخاه يحيى بن خلدون ليكون وزيرا لدى أبى حمو.
وفاته :
توفي في مصر عام 1406 م، ودفن في مقابر الصوفية عند باب النصر شمال القاهرة. وقبره غير معروف. والدار التي ولد بها كائنة بنهج تربة الباي عدد 34 بتونس العاصمة بالمدينة العتيقة.
كتبه ومؤلفاته :
• تاريخ ابن خلدون، المكتبة الوقفية للكتب المصورة واسمه: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في معرفة أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر.
• شفاء السائل لتهذيب المسائل، نشره وعلق عليه أغناطيوس عبده اليسوعي.
• مقدمة ابن خلدون
• التعريف بابن خلدون ورحلاته شرقا وغربا (مذكراته).

الملك فيصل رحمه الله

كاتب الموضوع الأصلي: يزيد المجاهد32

فيصل بن عبد العزيز آل سعود (1324 هـ / 1906 – 13 ربيع الأول 1395 هـ / 25 مارس 1975 [1])، ملك المملكة العربية السعودية من 2 نوفمبر 1964 إلى 25 مارس 1975. هو الابن الثالث من أبناء الملك عبد العزيز الذكور من زوجته الأميرة طرفة بنت عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ.
عن حياته :
تربى في بيت جديه لأمه الشيخ «عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ» و«هيا بنت عبد الرحمن آل مقبل»، وتلقى على يديهما العلم وذلك بعد وفاة والدته وهو بعمر السته شهور.
أدخله والده الملك عبد العزيز في السياسة في سن مبكر، حيث أرسلة في زيارات للمملكة المتحدة وفرنسا مع نهاية الحرب العالمية الأولى وكان وقتها بعمر ثلاث عشرة «13» عاماً، كما رأس وفد المملكة إلى «مؤتمر لندن» بعام 1939 حول القضية الفلسطينية والمعروف بمؤتمر المائدة المستديرة.
وعلى المستوى المحلي قاد القوات السعودية لتهدئه الوضع المتوتر في عسير وذلك في عام 1922. وفي عام 1925 توجه جيش بقيادته لمنطقة الحجاز، واستطاع تحقيق النصر والسيطرة على الحجاز.
وفي عام 1926م عينه الملك عبد العزيز نائباً عاماً لجلالة الملك، كما عين في عام 1927 رئيساً لمجلس الشورى. وفي عام 1932 عين وزيراً للخارجية بالإضافة إلى كونه رئيساً لمجلس الشورى. كما أنه شارك في عام 1934 في الحرب السعودية اليمنية.
وأثناء توليه وزارة الخارجية طلب من الملك عبد العزيز قطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة وذلك بعد قرار الأمم المتحدة القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين، ولكن طلبه هذا لم يجاب.
وفي 9 أكتوبر 1953 أصدر والده الملك عبد العزيز أمراً بتعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء بالإضافة إلى كونه وزيراً للخارجية[2] وذلك بعد تعيين الأمير سعود رئيسًا للوزراء[2].
ولاية العهد واعماله فيها :
بعد وفاة والده وتسلم أخيه سعود الحكم عينه ولياً للعهد نائباً لرئيس مجلس الوزراء وزيراً للخارجية، وفي عام 1373 هـ الموافق عام 1954 أرسله الملك سعود لبعض الدول بزيارات نيابة عنه. وبعام 1376 هـ الموافق عام 1957 وقعت الأزمة المالية السعودية وكان قبلها قام الملك سعود بتسليمه بعض مهامه فأصبح مسئولًا عن المال وخزينة الدولة، وأصبح أيضا مسئولًا عن الأوضاع الخارجية للبلاد. وفي عام 1377 هـ الموافق لعام 1958 لم يستطع حل الأزمة بسبب البترول وأوامر الملك فأصبحت الدولة تستلف المال من دول الغرب وشركة أرامكو، وفي عام 1378 هـ عينه الملك سعود بالإضافة لكونه رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للمالية ووزيراً للداخلية. وفي عام 1960 ظهرت توترات شديدة بينه وبين الملك سعود واستمرت هذه التوترات حتى نهاية حكم الملك سعود الذي قرر في عام 1380 هـ بأن يسحب منه الوزارات التي يتولى مسئوليتها ويكون نائباً لرئيس مجلس الوزراء فقط، حيث سلم وزارة الخارجية إلى اللواء إبراهيم بن عبد الله السويل ووزارة الداخلية إلى الأمير مساعد بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود ووزارة المالية إلى الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود. إلا أن في عام 1382 هـ الموافق لعام 1962 قام الملك سعود بتعيينه رئيساً لمجلس الوزراء[3] وزيرًا للخارجية.
توليه الحكم :
عانى الملك سعود في سنوات حكمة الأخيرة من أمراض متعددة منها آلام بالمفاصل وارتفاع ضغط الدم وكان ذلك يستدعيه الذهاب إلى الخارج للعلاج[4]، وبسبب الأمراض واشتدادها عليه فإن ذلك جعله لا يقوى على القيام بأعمال الحكم، وإتسعت الخلافات بينها أكثر بتلك الفترة، وبسبب ذلك دعى الأمير محمد أكبر أبناء الملك عبد العزيز بعد الملك سعود وبعده إلى اجتماع للعلماء والأمراء عقد في 29 مارس 1964، أصدر فيه العلماء فتوى تنص على أن يبقى الملك سعود ملكًا على أن يقوم الأمير فيصل بتصريف جميع أمور المملكة الداخلية والخارجية بوجود الملك في البلاد أو غيابه عنها، وبعد صدور الفتوى أصدر أبناء الملك عبد العزيز وكبار أمراء آل سعود قرارًا موقعًا يؤيدون فيه فتوى العلماء وطالبوه فيه بكونه وليًا للعهد ورئيسًا للوزراء إلى الإسراع بتنفيذ الفتوى. وفي اليوم التالي اجتمع مجلس الوزراء برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء الأمير خالد بن عبد العزيز واتخذو قرارًا بنقل سلطاته الملكية إليه وذلك استنادًا إلى الفتوى وقرار الأمراء، وبذلك أصبح نائبًا عن الملك في حاله غيابه أو حضوره. وبعد صدور هذا القرار توسع الخلاف بينه وبين أخيه الملك سعود، الذي إزداد عليه المرض، ولكل تلك الأسباب إتفق أهل الحل والعقد من أبناء الأسرة المالكة إن الحل الوحيد لهذه المسائل هو خلع الملك سعود من الحكم وتنصيبه ملكًا، وأرسلوا قرارهم إلى علماء الدين لأخذ وجهه نظرهم من الناحية الشرعية، فاجتمع العلماء لبحث هذا الأمر، وقرروا تشكيل وفد لمقابله الملك سعود لإقناعه بالتنازل عن الحكم، وأبلغوه إن قرارهم قد اتخذ وإنهم سيوقعون على قرار خلعه من الحكم وإن من الأصلح له أن يتنازل، إلا أنه رفض ذلك[4].
وفي 26 جمادى الآخرة 1384 هـ الموافق 1 نوفمبر 1964 اجتمع علماء الدين والقضاة، وأعلن مفتى المملكة محمد بن إبراهيم آل الشيخ إنه تم خلع الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود من الحكم، وإنه سيتم مبايعة الأمير فيصل ملكًا، وفي يوم 27 جمادى الآخرة 1384 هـ الموافق 2 نوفمبر 1964 بويع ملكًا[3][4].
السياسة الداخلية :
في المجال الاقتصادي: عمل على الاستفادة من دخل النفط، حيث قام بمراجعة اتفاقية مناصفة الأرباح مع شركة أرامكو التي وجدها غير عادلة فطلب تعديل الاتفاقية، كما انتقلت الحكومة إلى دور المشاركة في اتفاقيات استغلال مكامن البترول إلى عدم منح امتيازات استثمارات البترول إلا لمؤسسة وطنية[3].
في المجال الزراعي: قامت وزارة الزراعة بوضع برنامج شامل للبحث عن المياه وذلك بالاستعانة بشركات استشارية عالمية، وبدأت بتنفيذ هذا البرنامج بعام 1965، كما عملت الوزارة على تحسين أساليب الزراعة وتطوير الثروة الحيوانية ومصائد الأسماك والمحافظة على الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، ووجهت المزارعين إلى تحسين إنتاجهم الزراعي من التمور، وحثت القطاع الخاص على الاستثمار في تغليف التمور وحفظها. وقامت الوزارة بمشاريع عديدة منها بناء سد وادي جازان الذي أنجز بواسطة شركات أجنبية عام 1971، وأيضًا أقامت مشروع الري والصرف في الأحساء الذي كان الهدف منه حفظ مياه العيون والآبار من الهدر، وحسن الاستفاده من المياه الزائدة، وأيضًا إقامة سدود لحجز مياه الأمطار في أبها والمجمعة وعلى وادي حنيفة قرب الرياض، كما أقامت الوزارة مشاريع زراعية في تبوك والجوف ووادي السرحان والقصيم والأفلاج ووادي بيشة ونجران. كما أوعزت الوزارة للبنك الزراعي بتقديم قروض للمزارعين والصيادين لشراء المعدات اللازمة لهم على أن تسدد على أقساط طويلة الأجل وبدون فوائد[3].
في مجال المواصلات: امتدت في عهده شبكات الطرق الحديثة التي استعانت الحكومة بشركات عالمية لتنفيذها، وتم ربط المملكة بجيرانها مثل الأردن وسوريا والعراق والكويت، كما تم الاهتمام بالطرق الزراعية التي تخدم القرى والمزارعين لتسويق منتجاتهم، كما تم التوسع في إقامة المطارات وتحسين القائم منها، وتم اقتناء طائرات نفاثة للخطوط السعودية، وتم إنشاء معهد للتدريب على الطيران المدني في جدة، كما توسعت حركة الموانئ، حيث تم توسيع ميناء جدة، وأقيمت موانئ جديدة في ينبع وجازان[3].
في المجال الصحي: تم استقدام أطباء وأعضاء الهيئة التمريضية من بلدان العالم، وقام بتأسيس مستشفى فيصل التخصصي في الرياض الذي افتتح بعام 1975، وتم التعاون مع منظمة الصحة العالمية في إعداد برامج الحكومة الصحية[3].
كما قام بوضع الخطة الخمسية عام 1390 هـ[3].
السياسة الخارجية :
اهتم بالقضية الفلسطينية، وشارك في الدفاع عن حقوق فلسطين عالميًا، وظهر ذلك واضحًا عندما خطب في عام 1963 على منبر الأمم المتحدة حيث ذكر إن الشيئ الوحيد الذي بدد السلام في المنطقة العربية هو المشكلة الفلسطينية ومنذ قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين. ومن سياسته التي اتبعها حول هذه القضية عدم الاعتراف بإسرائيل، وتوحيد الجهود العربية وترك الخلافات بدلًا من فتح جبهات جانبية تستنفذ الجهود والأموال والدماء، وإنشاء هيئة تمثل الفلسطينيين، وإشراك المسلمين في الدفاع عن القضية[3].
وعلى الرغم من الخلافات بينه وبين الرئيس المصري جمال عبد الناصر، إلا أنه بعد حرب 1967 وعقد مؤتمر القمة العربية في الخرطوم تعهد بتقديم معونات مالية سنوية حتى تزول آثار الحرب على مصر، كما أنه قرر مع عده دول عربية بقطع البترول أثناء حرب أكتوبر. كما عمل على حل الخلاف بين السعودية ومصر حول القضية اليمنية[3].
وعلى المستوى الدول الأجنبية عمل على تنمية علاقات السعودية مع فرنسا خصوصًا بعد اتجاه الحكومة هناك إلى الوقوف بصف العرب ضد إسرائيل. كما أعيد بعهده علاقات السعودية مع المملكة المتحدة بعد زيارته لها في يونيو من عام 1967، وكانت تلك الزيارة تتويجًا لإعاده العلاقة والتي قطعت بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وبدأت بالعوده تدريجيًا من عام 1963. كما زار في مايو من عام 1966 الولايات المتحدة بدعوه رسمية من الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، وقد تظاهر اليهود ضد زيارته. كما أنه كان يرفض وجود أي علاقة أو تمثيل سياسي مع الدول الشيوعية وذلك لأنه لا يريد السماح بظهور أي مبدأ يعارض الشريعة الإسلامية في السعودية.[3
اغتياله :
في يوم الثلاثاء 12 ربيع الأول 1395 هـ الموافق 25 مارس 1975 [1] قام الأمير فيصل بن مساعد بن عبد العزيز آل سعود بإطلاق النار عليه وهو يستقبل وزير النفط الكويتي عبد المطلب الكاظمي في مكتبة بالديوان الملكي وأرداه قتيلًا، وقد اخترقت إحدى الرصاصات الوريد فكانت السبب الرئيسي لوفاته. ولم يتأكد حتى الآن الدافع الحقيقي وراء حادثة الاغتيال لكن هنالك من يزعم بأن ذلك تم بتحريض الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بسبب سياسة مقاطعة تصدير البترول التي انتهجها في بداية السبعينات من القرن العشرين بعد حرب أكتوبر، وهناك من يزعم أيضاً أن القتل كان بدافع الانتقام لأخية الأمير خالد بن مساعد بن عبد العزيز آل سعود الذي قتل في منزله على يد قوات الأمن السعودية في فترة تولي الملك فيصل للحكم .

الملك فيصل رحمه الله

كاتب الموضوع الأصلي: يزيد المجاهد32

فيصل بن عبد العزيز آل سعود (1324 هـ / 1906 – 13 ربيع الأول 1395 هـ / 25 مارس 1975 [1])، ملك المملكة العربية السعودية من 2 نوفمبر 1964 إلى 25 مارس 1975. هو الابن الثالث من أبناء الملك عبد العزيز الذكور من زوجته الأميرة طرفة بنت عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ.
عن حياته :
تربى في بيت جديه لأمه الشيخ «عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ» و«هيا بنت عبد الرحمن آل مقبل»، وتلقى على يديهما العلم وذلك بعد وفاة والدته وهو بعمر السته شهور.
أدخله والده الملك عبد العزيز في السياسة في سن مبكر، حيث أرسلة في زيارات للمملكة المتحدة وفرنسا مع نهاية الحرب العالمية الأولى وكان وقتها بعمر ثلاث عشرة «13» عاماً، كما رأس وفد المملكة إلى «مؤتمر لندن» بعام 1939 حول القضية الفلسطينية والمعروف بمؤتمر المائدة المستديرة.
وعلى المستوى المحلي قاد القوات السعودية لتهدئه الوضع المتوتر في عسير وذلك في عام 1922. وفي عام 1925 توجه جيش بقيادته لمنطقة الحجاز، واستطاع تحقيق النصر والسيطرة على الحجاز.
وفي عام 1926م عينه الملك عبد العزيز نائباً عاماً لجلالة الملك، كما عين في عام 1927 رئيساً لمجلس الشورى. وفي عام 1932 عين وزيراً للخارجية بالإضافة إلى كونه رئيساً لمجلس الشورى. كما أنه شارك في عام 1934 في الحرب السعودية اليمنية.
وأثناء توليه وزارة الخارجية طلب من الملك عبد العزيز قطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة وذلك بعد قرار الأمم المتحدة القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين، ولكن طلبه هذا لم يجاب.
وفي 9 أكتوبر 1953 أصدر والده الملك عبد العزيز أمراً بتعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء بالإضافة إلى كونه وزيراً للخارجية[2] وذلك بعد تعيين الأمير سعود رئيسًا للوزراء[2].
ولاية العهد واعماله فيها :
بعد وفاة والده وتسلم أخيه سعود الحكم عينه ولياً للعهد نائباً لرئيس مجلس الوزراء وزيراً للخارجية، وفي عام 1373 هـ الموافق عام 1954 أرسله الملك سعود لبعض الدول بزيارات نيابة عنه. وبعام 1376 هـ الموافق عام 1957 وقعت الأزمة المالية السعودية وكان قبلها قام الملك سعود بتسليمه بعض مهامه فأصبح مسئولًا عن المال وخزينة الدولة، وأصبح أيضا مسئولًا عن الأوضاع الخارجية للبلاد. وفي عام 1377 هـ الموافق لعام 1958 لم يستطع حل الأزمة بسبب البترول وأوامر الملك فأصبحت الدولة تستلف المال من دول الغرب وشركة أرامكو، وفي عام 1378 هـ عينه الملك سعود بالإضافة لكونه رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للمالية ووزيراً للداخلية. وفي عام 1960 ظهرت توترات شديدة بينه وبين الملك سعود واستمرت هذه التوترات حتى نهاية حكم الملك سعود الذي قرر في عام 1380 هـ بأن يسحب منه الوزارات التي يتولى مسئوليتها ويكون نائباً لرئيس مجلس الوزراء فقط، حيث سلم وزارة الخارجية إلى اللواء إبراهيم بن عبد الله السويل ووزارة الداخلية إلى الأمير مساعد بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود ووزارة المالية إلى الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود. إلا أن في عام 1382 هـ الموافق لعام 1962 قام الملك سعود بتعيينه رئيساً لمجلس الوزراء[3] وزيرًا للخارجية.
توليه الحكم :
عانى الملك سعود في سنوات حكمة الأخيرة من أمراض متعددة منها آلام بالمفاصل وارتفاع ضغط الدم وكان ذلك يستدعيه الذهاب إلى الخارج للعلاج[4]، وبسبب الأمراض واشتدادها عليه فإن ذلك جعله لا يقوى على القيام بأعمال الحكم، وإتسعت الخلافات بينها أكثر بتلك الفترة، وبسبب ذلك دعى الأمير محمد أكبر أبناء الملك عبد العزيز بعد الملك سعود وبعده إلى اجتماع للعلماء والأمراء عقد في 29 مارس 1964، أصدر فيه العلماء فتوى تنص على أن يبقى الملك سعود ملكًا على أن يقوم الأمير فيصل بتصريف جميع أمور المملكة الداخلية والخارجية بوجود الملك في البلاد أو غيابه عنها، وبعد صدور الفتوى أصدر أبناء الملك عبد العزيز وكبار أمراء آل سعود قرارًا موقعًا يؤيدون فيه فتوى العلماء وطالبوه فيه بكونه وليًا للعهد ورئيسًا للوزراء إلى الإسراع بتنفيذ الفتوى. وفي اليوم التالي اجتمع مجلس الوزراء برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء الأمير خالد بن عبد العزيز واتخذو قرارًا بنقل سلطاته الملكية إليه وذلك استنادًا إلى الفتوى وقرار الأمراء، وبذلك أصبح نائبًا عن الملك في حاله غيابه أو حضوره. وبعد صدور هذا القرار توسع الخلاف بينه وبين أخيه الملك سعود، الذي إزداد عليه المرض، ولكل تلك الأسباب إتفق أهل الحل والعقد من أبناء الأسرة المالكة إن الحل الوحيد لهذه المسائل هو خلع الملك سعود من الحكم وتنصيبه ملكًا، وأرسلوا قرارهم إلى علماء الدين لأخذ وجهه نظرهم من الناحية الشرعية، فاجتمع العلماء لبحث هذا الأمر، وقرروا تشكيل وفد لمقابله الملك سعود لإقناعه بالتنازل عن الحكم، وأبلغوه إن قرارهم قد اتخذ وإنهم سيوقعون على قرار خلعه من الحكم وإن من الأصلح له أن يتنازل، إلا أنه رفض ذلك[4].
وفي 26 جمادى الآخرة 1384 هـ الموافق 1 نوفمبر 1964 اجتمع علماء الدين والقضاة، وأعلن مفتى المملكة محمد بن إبراهيم آل الشيخ إنه تم خلع الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود من الحكم، وإنه سيتم مبايعة الأمير فيصل ملكًا، وفي يوم 27 جمادى الآخرة 1384 هـ الموافق 2 نوفمبر 1964 بويع ملكًا[3][4].
السياسة الداخلية :
في المجال الاقتصادي: عمل على الاستفادة من دخل النفط، حيث قام بمراجعة اتفاقية مناصفة الأرباح مع شركة أرامكو التي وجدها غير عادلة فطلب تعديل الاتفاقية، كما انتقلت الحكومة إلى دور المشاركة في اتفاقيات استغلال مكامن البترول إلى عدم منح امتيازات استثمارات البترول إلا لمؤسسة وطنية[3].
في المجال الزراعي: قامت وزارة الزراعة بوضع برنامج شامل للبحث عن المياه وذلك بالاستعانة بشركات استشارية عالمية، وبدأت بتنفيذ هذا البرنامج بعام 1965، كما عملت الوزارة على تحسين أساليب الزراعة وتطوير الثروة الحيوانية ومصائد الأسماك والمحافظة على الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، ووجهت المزارعين إلى تحسين إنتاجهم الزراعي من التمور، وحثت القطاع الخاص على الاستثمار في تغليف التمور وحفظها. وقامت الوزارة بمشاريع عديدة منها بناء سد وادي جازان الذي أنجز بواسطة شركات أجنبية عام 1971، وأيضًا أقامت مشروع الري والصرف في الأحساء الذي كان الهدف منه حفظ مياه العيون والآبار من الهدر، وحسن الاستفاده من المياه الزائدة، وأيضًا إقامة سدود لحجز مياه الأمطار في أبها والمجمعة وعلى وادي حنيفة قرب الرياض، كما أقامت الوزارة مشاريع زراعية في تبوك والجوف ووادي السرحان والقصيم والأفلاج ووادي بيشة ونجران. كما أوعزت الوزارة للبنك الزراعي بتقديم قروض للمزارعين والصيادين لشراء المعدات اللازمة لهم على أن تسدد على أقساط طويلة الأجل وبدون فوائد[3].
في مجال المواصلات: امتدت في عهده شبكات الطرق الحديثة التي استعانت الحكومة بشركات عالمية لتنفيذها، وتم ربط المملكة بجيرانها مثل الأردن وسوريا والعراق والكويت، كما تم الاهتمام بالطرق الزراعية التي تخدم القرى والمزارعين لتسويق منتجاتهم، كما تم التوسع في إقامة المطارات وتحسين القائم منها، وتم اقتناء طائرات نفاثة للخطوط السعودية، وتم إنشاء معهد للتدريب على الطيران المدني في جدة، كما توسعت حركة الموانئ، حيث تم توسيع ميناء جدة، وأقيمت موانئ جديدة في ينبع وجازان[3].
في المجال الصحي: تم استقدام أطباء وأعضاء الهيئة التمريضية من بلدان العالم، وقام بتأسيس مستشفى فيصل التخصصي في الرياض الذي افتتح بعام 1975، وتم التعاون مع منظمة الصحة العالمية في إعداد برامج الحكومة الصحية[3].
كما قام بوضع الخطة الخمسية عام 1390 هـ[3].
السياسة الخارجية :
اهتم بالقضية الفلسطينية، وشارك في الدفاع عن حقوق فلسطين عالميًا، وظهر ذلك واضحًا عندما خطب في عام 1963 على منبر الأمم المتحدة حيث ذكر إن الشيئ الوحيد الذي بدد السلام في المنطقة العربية هو المشكلة الفلسطينية ومنذ قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين. ومن سياسته التي اتبعها حول هذه القضية عدم الاعتراف بإسرائيل، وتوحيد الجهود العربية وترك الخلافات بدلًا من فتح جبهات جانبية تستنفذ الجهود والأموال والدماء، وإنشاء هيئة تمثل الفلسطينيين، وإشراك المسلمين في الدفاع عن القضية[3].
وعلى الرغم من الخلافات بينه وبين الرئيس المصري جمال عبد الناصر، إلا أنه بعد حرب 1967 وعقد مؤتمر القمة العربية في الخرطوم تعهد بتقديم معونات مالية سنوية حتى تزول آثار الحرب على مصر، كما أنه قرر مع عده دول عربية بقطع البترول أثناء حرب أكتوبر. كما عمل على حل الخلاف بين السعودية ومصر حول القضية اليمنية[3].
وعلى المستوى الدول الأجنبية عمل على تنمية علاقات السعودية مع فرنسا خصوصًا بعد اتجاه الحكومة هناك إلى الوقوف بصف العرب ضد إسرائيل. كما أعيد بعهده علاقات السعودية مع المملكة المتحدة بعد زيارته لها في يونيو من عام 1967، وكانت تلك الزيارة تتويجًا لإعاده العلاقة والتي قطعت بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وبدأت بالعوده تدريجيًا من عام 1963. كما زار في مايو من عام 1966 الولايات المتحدة بدعوه رسمية من الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، وقد تظاهر اليهود ضد زيارته. كما أنه كان يرفض وجود أي علاقة أو تمثيل سياسي مع الدول الشيوعية وذلك لأنه لا يريد السماح بظهور أي مبدأ يعارض الشريعة الإسلامية في السعودية.[3
اغتياله :
في يوم الثلاثاء 12 ربيع الأول 1395 هـ الموافق 25 مارس 1975 [1] قام الأمير فيصل بن مساعد بن عبد العزيز آل سعود بإطلاق النار عليه وهو يستقبل وزير النفط الكويتي عبد المطلب الكاظمي في مكتبة بالديوان الملكي وأرداه قتيلًا، وقد اخترقت إحدى الرصاصات الوريد فكانت السبب الرئيسي لوفاته. ولم يتأكد حتى الآن الدافع الحقيقي وراء حادثة الاغتيال لكن هنالك من يزعم بأن ذلك تم بتحريض الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بسبب سياسة مقاطعة تصدير البترول التي انتهجها في بداية السبعينات من القرن العشرين بعد حرب أكتوبر، وهناك من يزعم أيضاً أن القتل كان بدافع الانتقام لأخية الأمير خالد بن مساعد بن عبد العزيز آل سعود الذي قتل في منزله على يد قوات الأمن السعودية في فترة تولي الملك فيصل للحكم .

مقتطفات من كتاب نهاية التاريخ لفرانسيس فوكوياما

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الشمري 20

صورة

ان نهاية التاريخ لا تعني ان تنتهي الدورة الطبيعية من الولادة والحياة والموت وان الاحداث الهامة سيتوقف وقوعها وان الصحف التي تنشرخا ستحتجب عن الصدور .. وانما يعني هذا انه لن يكون ثمة مجال لمزيد من التقدم في مجال المبادىء والانظمة الاساسية وذك لان كافة المسائل الكبيرة حقاً ستكون قد حلت————-ان ما يرضي البشر حقاً ليس الوضع المادي بقدر ما يرضيهم الاعتراف بوضعهم وكرامتهم————-ان لدى الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى والاتحاد السوفيتي اشكالا مختلفة من نظم الحكم بيد ان الحكومات في كل من الانظمة الثلاثة تبسط سيطرتها ذلك ان كلا من هذه الدول يشكل مجتمعاً سياسياً يسوده اجماع طاغ بين الناس على شرعية نظامه السياسي وفي كل دولة من هذه الدول يتفق المواطنون مع قادتهم حول مفهوم الصالح العام للمجتمع وحول التقاليد والمبادىء التي هي اساس الجماعة السياسية————-ان الافتقار الى الاجماع الفكري قد جعل حروب هذا القرن وثوراته يغلب عليها الطابع الايديولوجي ومن ثم جعلها اشد تطرفاً مما كان يمكن ان تكون عليه لولا هذا الافتقار الى الاجماع————-حتى في عصابة من اللصوص لا بد من توافر مبدأ ما من مبادىء العدالة يسمح بتقسيم الاسلاب فيما بينهم قسمة عادلة .. وعلى ذلك فان الشرعية امرٌ ضروري حتى بالنسبة لاكثر الديكتاتوريات ظلماً ووحشية————-الافتقار الى الشرعية عند الشعوب ككل لايعني ازمة في شرعية النظام ما لم تنتقل عدوى السخط وعدم الاعتراف بالشرعية اى الصفوة المرتبطة بالنظام .. خاصة الصفوة التي تحتكر ادوات القمح كالحزب الحاكم والقوات المسلحة والشرطة .. فحين نتحدث اذن عن ازمة في الشرعية داخل نظام استبدادي فإنما نعني بها ازمة في صفوف الصفوة التي يعتبر انسجامها وتضامنها شرطاً اساسياً لفعالية حكم النظام————-ان شرعية الديكتاتور قد تنبثق من مصادر عدة .. كالولاء الشخصي من جانب جيش مدلل .. او ايديولوجية محكمة تبرر حقه في الحكم————-ان الليبرالية السياسية هي قاعدوة قانونية تعترف بحريات وحقوق معينة للافراد غير خاضعة لسيطرة الحكومة مثل الحقوق المدنية وهي تعني تحرير شخص المواطن وممتلكاته من سيطرة الحكومة والحقوق الدينية وهي تعني السماح بحرية التعبير عن الآراء الدينية وممارسة العبادة والحقوق السياسية وهي تعني تحرير المواطن من سيطرة الحكومة في الامور التي لا يبدو بوضوح انها تؤثر في صالح المجتمع كله تأثيراً يحتم تدخل الدولة .. وتتضمن هذه الاخيرة حرية الصحافة باعتبارها حقاً اساسياً————-ان الديموقراطية تعني الحق المعترف به من الجميع لكافة المواطنين في ان يكون لهم نصيب في السلطة السياسية .. اي حق كافة المواطنين في الاقتراع والمشاركة في النشاط السياسي————-ان المحور الرئيسي للتاريخ هو نمو الحرية .. فليس التاريخ سلسلة عمياء من الاحداث .. وانما هو كلٌ ذو مغزى نمت فيه افكار البشرية حول طبيعة النظام السياسي والاجتماعي العادي ومضى بها الى غايتها .. وان كنا اليوم قد بلغنا مرحلة لا نستطيع معها ان نتخيل عالماً شديد الاختلاف عن عالمنا .. او طريقة ظاهرة وواضحة يصبح المستقبل بها أفضل بكثير مما نحن فيه .. فعلينا أيضاً ان نأخذ بعين الاعتبار احتمال ان يكون التاريخ قد بلغ نهايته————-المتفائل الساذج يبدو احمق حين تخيب توقعاته .. اما المتشائم الذي يثبت خطؤه فيحتفظ بهالة من العمق والجدية ولذا فإنه من الاسلم انتهاج الطريق الثاني————–العلم باعتباره ظاهرة اجتماعية لا يتطور لمجرد ان الناس يحدوهم حب استطلاع إزاء الكون .. وانما يتطور لان العلم يتيح لهم فرصة اشباع رغبتهم في الامن وفي تملك السلع المادية بصورة لا حدود لها————-ان الاحتياجات التي تخلقها المجتمع الاستهلاكي الحديث تنشأ عن غرور الانسان————-ما من دولة من دول العالم .. مهما كان نظامها السياسي .. نجحت في تحديث نفسها مع انتهاج سياسة الباب المغلق————–الرغبة الناشئة عن طبيعة الانسان , الرغبة التي يتولد عنها الوعي بالذات وواقع الانسان هي في اصلها تعبير عن الرغبة في نيل الاعتراف والتقدير وما المخاطرة بالحياة التي يبزغ بها واقع الانسان الى النور الا مخاطرة من اجل اشباع تلك الرغبة وبالتالي فان اي حديث عن مصدر الوعي بالذات هو بالضرورة حديث عن معركة حياة او موت من اجل الاعتراف والتقدير————–ان احساس الانسان بقيمته وهويته مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتقيم الآخرين له————-ان كثير  من أمثلة الاختيار البشري هي في حقيقتها مجرد حسابات عقلية لمصالح ذاتية لا تخدم غير اشباع رغبات او عواطف حيوانية

الوفاق الانجليزي الروسي عام 1905م

كاتب الموضوع الأصلي: عمر ال الشيخ5

كان هناك خلاف بين الدولتين انجلترا وروسيا على منطقة فارس فقد كانت منطقة الخليج نفوذآ انجليزي وفارس لها حدود مع روسيا وكذلك مع الخليج وكان لابد للتصدي للحطر الالماني وحصل وفاق بين انجلترا وروسيا وتم الاتفاق في عام 1907م على تقسيم فارس الى ثلاث مناطق :
1 منطقة نفوذ روسيه في الشمال
2 منطقة نفوذ انجليزيه في الجنوب
3 منطقة محايده في الوسط
وفي نفس الوقت أعترفت روسيا بحقوق انجلترا في افغانستان وكانت الاخيره لها حدود مع روسيا اي تكون تحت الحماية الانجليزيه وبالتالي تم تصفية الخلافات بين انجلترا وروسيا
وظهر للوجود معسكرين _ معسكر الوفاق الثلاثي _ اجلترا وفرنسا وروسيا ومعسكر _المحالفة الثلاثيه_ المانيا والنمسا وايطاليا
وبدأ الصراع يشتد ويحتمي حتى وصلنا إلى الحرب العالمية الثانية

الجانب السياسي في الحضارة الإسلامية

كاتب الموضوع الأصلي: حمود السمير32

جاء الإسلام رحمة للعالمين، وجاءت تعاليم الإسلام لتضمن سلامة المجتمع البشري من التفكك والضعف والانحلال، ولتضمن سعادته في الدنيا والآخرة، ولقد تمسك بها الصحابة -رضي الله عنهم- فخضعت لهم الدنيا، وأسسوا للإسلام دولة واسعة الحضارة، قوية البناء، محبة للعلوم، والتاريخ خير شاهد على ذلك. لقد وضع الإسلام نظامًا لم يكن معروفًا في أي مجتمع من المجتمعات، ولم يكن هذا النظام تطورًا طبيعيًّا أو غير طبيعى لأي نظام سابق عليه.
إن نظام الحكم الإسلامي له أسسه وقوانينه الواضحة المستمدة من القرآن الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولأهمية الحكم في الإسلام فقد اهتم الإسلام ببيان ما على الحاكم والمحكوم، فحذر الحاكم من اتباع الهوى وشهوات النفس، قال تعالى: {فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} [ص: 26]. وقال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [المائدة: 49].
وحذر الله -سبحانه- المحكوم من العصيان دون سبب مقبول شرعًا، قال تعالى:
{يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59].
وحرص الإسلام على أن يسود العدل بين جميع الناس، وحذر من الظلم وعواقبه، حتى مع غير المسلمين، قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعًا بصيرًا} [النساء: 58]. وقال رسول الله (: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) [مسلم].

خصائص النظام السياسي في الإسلام:
1- نظام عالمي:
النظام السياسي الإسلامي نظام عالمي، استمد عالميته من عالمية الإسلام ذاته، ومن صلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان، فجعل للعلماء القادرين على الاستنتاج واستخراج الأحكام الحقَّ في الاجتهاد في تفصيل الأحكام وتوضيحها بالشكل الذي يحقق أهداف الإسلام، ويدور في إطار أحكام الإسلام العامة، وقد جاءت أحكام الإسلام في أسلوبين:
الأول: أحكام تفصيلية محددة، تبين حكمها نصوص من القرآن واضحة الدلالة، لا خلاف في معناها، وأحاديث صحيحة من السنة وطرق أدائها، وهذه التعاليم لا
مجال للاجتهاد فيها بالزيادة أو النقصان مثل بعض أحكام الصلاة والزكاة والحج والمواريث وغيرها.
والثانى: أحكام جاءت من خلال الآيات التي يُختلف في تفسيرها، والأحاديث التي لم تثبت صحتها، أو ثبتت صحتها ولم يتفق العلماء فيها على معنى واحد، أو عبارة عن قواعد عامة في مجال المعاملات، وهذه من حق العلماء القادرين على الاجتهاد أن يبدوا الرأي فيها، بما يحقق مصالح المجتمع الإسلامي في زمن معين أو وضع معين، مع المحافظة على روح الشريعة، وتحقيق مقاصدها التي جاءت لمصلحة الناس.
2- المشاركة بين الفرد والمجتمع:
العلاقة بين الفرد والمجتمع في النظام الإسلامي علاقة مشاركة، فالإسلام لا يعترف بالفلسفات والمذاهب التي تجعل الفرد والمجتمع في صراع، وبعض هذه المذاهب يفضل جانب الفرد على المجتمع مثل الرأسمالية، وبعضها الآخر يفضل جانب المجتمع على جانب الفرد كما صنعت الشيوعية، أما الإسلام فهو يوازن بين الفرد والمجتمع، فهو يعترف بالمسئولية الفردية، أي مسئولية كل فرد عن أفعاله، قال تعالى: {ألا تزر وازرة وزر أخري. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 38-39]، ويشجعه على أن يتفاعل مع المجتمع، ويؤدي ما عليه تجاهه، من خير يحمله إليه، وشر يدفعه عنه، فالفرد عليه تبعات تجاه نفسه، وتجاه مجتمعه، ملزم بأدائها.
وينظم الإسلام ذلك من خلال مبدأ المسئولية الاجتماعية، وفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تعرض الرسول ( لتوضيح هذه المسئولية الجماعية من خلال المثل الذي ضربه في حديثه: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا) [البخاري].
وعلاقة الفرد بالحكومة، علاقة تعاون، فقد أعطى الإسلام الفرد حقوقه الأساسية، وألزم الحكومة باتباع القانون الرباني، وحمى الفرد من تدخل الحكومة في شئونه دون مبرر، قال تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} [ص: 26].
وربط الإسلام الفرد المسلم بضوابط أخلاقية، وفرض عليه طاعة الحكومة المسلمة التي تطبق شرع الله، وطلب منه التعاون معها والتضحية بالنفس والمال في سبيل حمايتها، قال (: (اسمعوا وأطيعوا وإن تأمَّر عليكم عبد حبشي) [البخاري].
3- الحكومة الإسلامية نابعة من المجتمع الإسلامي:
فالإسلام لا يعترف بهيئة من خارج المجتمع الإسلامي تحكم الأمة عن طريق الاستيلاء على السلطة بالقوة وحكم الشعوب بالتسلط والقهر، قال تعالى: {يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59].
فقوله تعالى: (منكم) يحدد نوعية الحاكم والحكومة، وهي أنها حكومة إسلامية منا، وليست من غير المسلمين، قال تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} [النساء: 141].
4 – التأثير المتبادل بين التعاليم والمبادئ:
نظم الحضارة الإسلامية، الخلقي منها والاقتصادي والسياسي، كل منها يؤثر في الآخر ويتأثر به، فمثلاً بدون التعاليم والمبادئ الخلقية لا يؤدى النظام الاقتصادي دوره المنشود، ويصعب الوصول إلى ما يدعو إليه من تعاون وتكافل بين الناس، كما يسهل تسرب الفساد إلى الأجهزة السياسية وغيرها.
5 – تميز نظام الحكم الإسلامي عن النظم الغربـية:
فالنظم الغربية، تقوم على أساس الخضوع لحكم الأغلبية المطلقة -صالحة كانت أم فاسدة- فهي التي تشرع وتضع القوانين، وهي التي تحكم، أما في النظام الإسلامي، فالحاكم الحقيقي هو الله سبحانه، قال تعالى: {إن الحكم إلا لله} [يوسف: 40].
وسلطة الشعب المسلم والحكومة الإسلامية محدودة بالعمل تبعًا لأوامر الله، عن رضا واطمئنان وثقة وحب ورغبة.
خصائص الدولة الإسلامية
والدولة الإسلامية تتميز بعدة خصائص منها:
1- السير وفق قانون واضح المعالم:
القرآن الكريم والسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله (، هما أساس الدستور الإسلامي، وقد يدخل في هذا الدستور من القواعد العامة أشياء غير منصوص عليها في الكتاب ولا في السنة ومع ذلك يمكن إدخالها تحت قاعدة كلية من الكتاب والسنة.
إن كل مُشَرِّع يضع القوانين التي تحمى مصالحه وتحقق أهدافه، أما في الإسلام فإن سلطة التشريع حق لله وحده، وهو لا يحابي أحدًا ولا يظلم أحدًا، ومن ثم فإن التشريع الإسلامي يتصف بالعدل، ويكره الهوى، ويتسم بالشمول.
وعلى الإنسان أن ينفذ أوامر الله سبحانه، ويحكِّم كتاب الله وسنة رسوله فيما يقع بين الناس من خلاف، قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بنهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا} [النساء: 65].
وغاية إقامة الدولة الإسلامية تنفيذ أوامر الله، وتحكيم شرعه بين الناس، ويتضح ذلك من تعريف العلماء لمنصب الخلافة أو الحكم، حيث يقولون: إن الخلافة نيابة عن النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، أي أن الحاكم المسلم أو الخليفة يقوم بمهمته نائبًا عن رسول الله ( في تبليغ أوامر الله، والعمل بها، وإلزام الناس بالعمل بها، فيما يتعلق بأمور الدين والدنيا.
2- التقوى هي أساس التفاضل بين المسلمين:
التقوى والعمل الصالح والخلق الحسن أساس التفاضل بين أبناء المجتمع المسلم، وليس السلطان أو الجاه أو المركز الاجتماعي، قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13]. وقال (: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى والعمل الصالح) [أحمد].
3- الوفاء بالعهود الداخلية والخارجية:
وهذا من الخصائص اللازمة والضرورية للدولة الإسلامية، لإقرار الأمن وتحقيق السلام والاستقرار، قال تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إنَّ الله يعلم ما تفعلون) [النحل: 91].
وهذا فرض ومنهج حياة لا تجوز مخالفته، قال تعالى: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) [الإسراء: 34]. وذلك لنشر السلام في كل أنحاء الديار الإسلامية، لقوله (: (أفشوا السلام بينكم) [مسلم]، ولا فرق في ذلك بين مسلم وذِمِّي من رعايا الدولة الإسلامية، لقوله (: (إن الله جعل السلام تحية لأمتنا، وأمانًا لأهل ذمتنا) [البيهقي].
وفي العلاقات الخارجية فالدولة الإسلامية تدعو إلى السلام، ما لم تُنْتهك حرمات الله أو يُعتدى على أرض المسلمين، قال تعالى:{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وتظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} [الممتحنة: 8-9].
أسس وقواعد الحكم في الحضارة الإسلامية
1- حق الأمة في اختيار الحاكم وتقويمه:
فالأمة صاحبة الحق في اختيار الحاكم ومبايعته، وفي الإشراف على سياسته وتصرفاته، ولها حق تقويمه إذا ابتعد عن طريق الصواب، وكل مسلم بالغ عاقل من حقه أن يشترك في بيعة الحاكم، وما يلزم في اختيار الحاكم هو اختيار أغلبية الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد وهم مجلس الشورى.
وليس من الضرورى أن يكون هناك إجماع على شخص رئيس الدولة الإسلامية، فمن المعروف تاريخيًّا أن المسلمين جميعًا لم يجمعوا على اختيار حاكم، فالذين بايعوا الخلفاء الراشدين هم أهل المدينة، وبعض المسلمين من أهل مكة.
ويُعزل الحاكم إذا ثبت عجزه وفساده، ولكن بعد أن يبذل له المخلصون من أبناء الأمة وعلمائها النصح بكل الطرق والوسائل التي ترده إلى الحق، فإن استجاب ورجع إلى الحق فلا ينبغي عزله، إلا إذا لم يستمع لنصح الناصحين وإخلاص المخلصين، وتعذر تعذرًا شديدًا إصلاح حاله، وظهر استخفافه بمصالح المسلمين، وعدم اهتمامه بما يحفظ على المسلمين حقوقهم وعزتهم وكرامتهم. وذلك بشرط القدرة على عزله دون حدوث فتنة تؤدي إلى ضرر يفوق الضرر من بقائه، فإن تأكد العجز عن عزله دون فتن مهلكة، فالصبر على ظلمه أولى.
2- الشورى:
فالشورى ركن أساسي من أركان الحكم الإسلامي، قال سبحانه: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159]، وقال أيضًا: {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى: 38]، وكان ( يستشير أصحابه كثيرًا. وكذلك كان الخلفاء
الراشدون -رضي الله عنهم- من بعده يستشيرون أهل العلم والخبرة في كل الأمور، كاختيار القواد، وتسيير الجيوش، وتوزيع الغنائم، كما كانوا يرجعون إلى الفقهاء في المسائل التي لا يجدون لها حكمًا ظاهرًا في الكتاب والسنة.
وقد كون أبوبكر -رضي الله عنه- مجلس شورى يعرض عليه أي مسألة ليس فيها نص قرآني أو نبوي صريح، وكان عمر -رضي الله عنه- يمنع كبار الصحابة من الخروج من المدينة حتى يستشيرهم عند الحاجة.
وهذه الشورى لا تكون في أمر فيه نص صريح الدلالة من كتاب الله أو سنة صحيحة، فهذه الأمور لا دخل للشورى فيها، فرسول الله كان يلتزم الشورى، ولكن في الأمور التي ليس فيها نص من كتاب الله، ولم ينزل الوحي يبين للرسول ( ما يفعله فيما وقع من المسائل، وتتحقق الشورى في مظهرين:
الأول: اختيار الحاكم المسلم القادر على القيام بالمسئولية، ومبايعته على العمل بكتاب الله وسنة رسوله (، فإن تمت البيعة كان له السمع والطاعة دون ضغط أو إكراه.
الثانى: عدم استبداد الحاكم بالسلطة، فمن حق كل مسلم أن يبدي رأيه بكل حرية، وبكل قوة في كل أمر من أمور الدولة، ومن واجب الحاكم أن يستمع إليه، ويستضىء برأيه إن كان فيه الصواب، هذا وإن كان لكل فرد أن يعبر عن رأيه فإنه لا يجب استشارة العوام في مهام الأمور، لأنهم لا يستطيعون تقدير الأمور تقديرًا صحيحًا، وإنما يستشار أهل الحل والعقد والحكمة فيمن توفرت فيهم شروط من يستشار، مثل العلم، والتقوى، والورع، وحسن التدبير، والتفكير.
وأهل الحل والعقد: هم جماعة من الأمراء والحكام -والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء في كل المصالح، الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة.
وقد ركز الإسلام على الشورى في نظام الحكم؛ لما لها من آثار طيبة على حياة الفرد والمجتمع، ومن هذه الآثار:
– أنها تتفق مع ما قرره الإسلام من احترام للفرد والاعتراف بشخصيته في إطار مصلحة الجماعة.
– أنها طريق مضمونة للوصول إلى أصح وأصوب الآراء في موضوع ما من الموضوعات التي تدخل في نطاق الشورى، وبالشورى يحترم الحاكم مشاعر المحكومين وحقوقهم؛ فهم شركاء في الحكم.
-تحفظ حقوق الشعب، وتصحح مسار الحكام، وتضمن استقامتهم وحسن تدبيرهم لأمور الدولة.
وبعد، فهذه هي الشورى الإسلامية، وهي الشورى الحقيقية التي تقوم على الحرية في إبداء الرأي، دون خوف أو إكراه.
3- العدل:
أمر الإسلام بالعدل، وجعله غاية الحكم الإسلامي وهدفه، والعدل هو: إعطاء كل ذي حق حقه كاملاً غير منقوص. وهذا العدل مسئولية الحاكم، وواجب من الواجبات المفروضة عليه، والأمة لها الحق في أن تحاسب الحاكم إذا ظلم أحدًا. ويشمل العدل كل الحقوق المتعلقة بالأرواح والأعراض والحريات والأموال، للمسلم وغير المسلم.
وتحدثت كثير من الآيات في القرآن عن العدل، وحذرت من الظلم وعواقبه، قال الله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم الله لعلكم تذكرون} [النحل: 90]، وقال رسول الله (: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) [مسلم].
ومن العدل أن يكون الناس أمام القانون سواء، فلا فرق بين شريف ووضيع، ولا غني وفقير، فالعدل يخضع له الجميع، وبذلك يكون العدل هو أساس استمرار الدول والحفاظ عليها، يقول ابن تيمية: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.
ومن أجل أن يتحقق العدل فلابد له من قوة تحميه، ولا بد أن يكون حاكمًا لا خاضعًا، ولذلك نجد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يحرص على جعل القضاء الذي يقيم العدل مستقلاً عن كل سلطة، حتى عن سلطة الحاكم، وصار ذلك مبدأ من مبادئ الحكم الإسلامي، فعندما تولى عمر الخلافة، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، عين لكل إقليم قاضيًا مستقلاً، ونظم السلطة القضائية وميزها
عن غيرها.
إن العدل يشعر المواطن بالأمن على ماله وعرضه وسائر حقوقه، ففي ظل العدل تختفي الجريمة، وينصرف كل إنسان إلى عمله، ويسهم في بناء مجتمعه وأمته، وبالعدل يجنى الإنسان ثمرة عمله وتعبه، وينطلق في ميادين التنافس الشريف في ميادين
الخير، وبالعدل تتم المساواة، ويتفاضل الناس بحسب قدراتهم وجهدهم. إن الإسلام سبق كل الذين دَعَوْا إلى العدل، وأرسى دعائمه، وقد طبق العدل أروع تطبيق في حياة المسلمين.
4- طاعة الحاكم:
طاعة الحاكم هي إحدى قواعد الحكم الإسلامي، وذلك ما دام الحاكم منفذًا لحدود الله عز وجل، وما لم يأمر بمعصية، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59].
وعلى المسلم أن يسمع ويطيع للحاكم، فيما أحب وكره، إلا أن يأمر بمعصية، فإن أمر الحاكم بمعصية فلا طاعة له، قال (: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبَّ أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) [ابن ماجه].
5- الحرية:
لقد احترم الإسلام الحرية الفردية، فلم يكره أحدًا على أن يعتنق فلسفة معينة، ولم يُرغمه على أن يعيش حياته وفق نظرية محددة، بل إن لكل فرد في الدولة الإسلامية حريته الكاملة في أن يفكر وأن يختار أسلوب حياته، وأن يعبر عن رأيه بشرط ألاَّ يَحُدَّ من حرية الآخرين.
وفي مجال العقيدة الدينية، فقد أعطى الإسلام لأفراد الدولة الإسلامية الحرية في اعتناق أية عقيدة، فمن حق أهل الكتاب الخاضعين للدولة الإسلامية أن يمارسوا شعائرهم دون أن يمنعهم من ذلك أحد، قال تعالى: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256]، وقال سبحانه: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99]. وهذه هي كلمة عمر الخالدة التي قالها لعمرو بن العاص عندما تسابق ابنه مع أحد المصريين القبط فسبقه المصري، فضربه ابن عمرو بن العاص.
فاشتكى هذا الشاب لأمير المؤمنين عمر، فاستدعى عمرًا وابنه، وأمر هذا الغلام أن يضرب ابن عمرو بن العاص أمام أبيه، وقال له: اضرب ابن الأكرمين. وقال لعمرو: متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا، وقد قرر الإسلام حريات أخرى كثيرة، مثل الحرية المدنية؛ وهي حرية الشخص في عقد العقود، وتحمل الالتزامات، وقد أقرها الإسلام لكل إنسان ما عدا الصبى والمجنون، ومن هذه الحريات؛ الحرية السياسية، وحرية التفكير، والحرية في الإسلام مشروطة بعدم التعدي على مبادئ الإسلام وعدم التعدي على حرية الآخرين.
صفات الحاكم المسلم
لقد شهدت الحضارة الإسلامية حكامًا عظامًا، أعظمهم رسول الله (، وهو القدوة في كل شيء، قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} [الأحزاب: 21].
وقد رأت الدنيا أجيالاً متتالية من الحكام المسلمين ممن اتبعوا آثار رسول الله (، وتربوا على سنته وما كان لهم في الأرض نظير، ولِمَ لا، وقد تعلموا ما قال الرسول (: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ فالإمام الأعظم الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عن رعيته) [متفق عليه]. وقد اتضح لهم أن مسئولية الحاكم عظيمة القدر؛ لأنها تتعلق بشئون الدين والدنيا، فلابد أن يكون أهلا لها بما يتوفر فيه من صفات تجعله ينهض بأعباء المسئولية على خير وجه.
ومن أهم هذه الصفات:
-اعتقاده أن السلطة تكليف وليست تشريفًا، فقد اختاره الشعب وبايعه بالرئاسة لكفاءته، وبايعه على السمع والطاعة، وجعلوه وكيلاً عنهم في حماية أمور الدين وتدبير شئون الحياة، ومن حق الشعب أن يراقبه ويحاسبه، أو يعزله إذا انحرف من خلال أهل العقد والحل. وعلى الحاكم المسلم أن يعلم أنها أمانة، وهي يوم القيامة خزي وندامة، إذا لم يؤدِّ حقها، فقد قال أبو ذر -رضي الله عنه-: يا رسول الله، ألا تستعملني (تولني إمارة)؟ فقال رسول الله (: (يا أبا ذر، إنك ضعيف إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدَّى الذي عليه فيها) [مسلم].
-أن يكون ذكيًّا فطنًا عالمًا بأحكام الدين وقواعده العامة، وبذلك يستطيع تمييز الحلال من الحرام، فهو الأمين على مصالح الأمة والراعي لها، كما ينبغى له أن يكون على أعظم معرفة بأمور الدنيا، مثل الحرب والبيع والشراء، وعقد المعاهدات وغير ذلك.
-أن يتصف بالصفات الحسنة، كالأمانة والعفة والكرم، وأن يبتعد عن كبائر الذنوب وصغائرها.
-أن يلتزم مبدأ الشورى في تدبير أمور الأمة في الأشياء التي ليس فيها نص من القرآن أو السنة، فيستشير أهل الرأي والخبرة ليستفيد من عقولهم، وليستنير بحسن تدبيرهم.
-وينبغي أن يكون سليم الحواس والأعضاء من نقص يمنع القيام بأعباء الحكم، فلا يكون له أمراض كالجنون والصمم والخرس، وفَقْد بعض الأعضاء، مثل اليدين والقدمين، وكل هذا مما يؤثر على عمله وقيامه به خير قيام، وهكذا ندرك أن الإسلام أعطى مكانة عظيمة للسياسة والحكم لما لهما من أهمية ونفع في تسيير أمور الحياة.

الفكر السياسي المسيحي

كاتب الموضوع الأصلي: احمد العبدالقادر-32

الفكر السياسي المسيحي
بين السياسة و الفضيلة
1ـ المسيحية وعلم السياسة

لقد حدد أفلاطون موت سقراط بمعنيين : سقراط انحنى أمام القرار الذي أدانه بالموت، رفض الهرب عندما جاءته الفرصة وذلك بسبب طاعته وواجب احترامه لقوانين المدينة. من هنا إنه يظهر للجميع أن الفيلسوف هو مواطن صالح بامتياز، وأن وفاءه تجاه المدينة يصل إلى حد التضحية بحياته مقابل قرار ظالم. ولكن من خلال موقفه إنه يقول شيئا آخرا: ” إنه يجسد عظمة الحياة الفلسفية، إنه يشهد بالرقي و السمو الأخلاقي”. إن عظمة الموت عند سقراط أعطت للإنسان هيبته التي بقيت واستمرت عبر العصور.
لقد علمنا سقراط أن السياسة فن مُضاء بالفلسفة، منظم و مرتب باتجاه غايات و نهايات عقلية أو أخلاقية، يقاد بواسطة فضيلة التعقل و الحكمة. و يعلمنا أيضا أن الخير في السياسة يعتمد أولا على ناس خيّّرين و أنه لا يوجد أي نظام يمكن أن يسمح بتجاوز الفضيلة بالنسبة للقائمين عليه. بعد هذا المفهوم السقراطي سيأتي المسيحيون و يغيرون هذا الفهم، ثم يأتي المحدثون و يقومون بعكسه.
ولكن،كل التغيرات في فهم السياسة و علومها بعد المسيحية تقودنا لطرح مجموعة من الأسئلة كانت قد طرحت بأشكال متعددة منذ حدوث هذه التغيرات التاريخية: ما هي الطريقة الأفضل للتفكير بالسياسة ؟ هل نستند إلى ” الكلام السماوي” ؟ هل نبحث عن السياسة من باب الفضيلة فقط أم نطبق عليها كل تقنيات العلوم ؟ هل على العقل النظري إدارة و قيادة العملي؟ وهل يمكن أن يكون الله حاضرا دائما في السياسة؟

من أثينا إلى مكة مرورا بالقدس، مصادر ” علم السياسة ” تختلف بطبيعتها : فالمصدر الأساسي ليس أبدا أو دائما داخل العقل ولكنه أيضا داخل الوحي. فالأفكار لا تأتي دائما أو نهائيا من الإنسان الباحث عن اكتشاف العالم، إنها تأتي من الله ” الواحد” وهو صاحب السيادة و الذي يرسل للناس ويبقى محاطا بالغموض و الألغاز. العقل اليوناني ارتفع و ارتقى باتجاه السماوي الإلهي ( من الأرض باتجاه السماء)، أما العقيدة اليهودية، المسيحية و الإسلامية تنتمي ” لكلام” ينزل من الله ( من السماء إلى الأرض ).
يقول سقراط، بداية الفلسفة هي الحيرة و الدهشة والاستغراب التي تعطي الاهتزاز و الحراك للعقل، أما هي في الإنجيل و التوراة Ecritures saints أساس الإيمان أو الاعتقاد و بالتالي هي ابتعاد عما يدركه العقل أو يمكن أن يدركه إذا هي”فعل ثقة”.فالنبي إبراهيم يجسد إنسان الإيمان لأنه يخضع من غير تذمر لأوامر الله، هذا الله الذي لا يفهمه إبراهيم رغم محاولاته.أما التوراة فإنه يعلم و يبشر بمشاعر غريبة بالنسبة لليونان، إنها مشاعر الخضوع: فمن أنت، إنسان، في مواجهة أزلية و أبدية الله !!

هناك تغير أو انقلاب في الرؤى. حيث سان بول في Epitre aux corinthiens يعارض الحكمة داخل هذا العالم و خاصة التأمل أو التفكير اليوناني، فالحكمة الحقيقية، هي الحكمة الغامضة و الخفية لله. حيث سان بول يرتبط و بشكل مبكر بما هو قلب التعليم المسيحي : العمل الخارق لتجسد المسيح Incarnation،أي حكمة الله تجسدت في شخص المسيح المصلوب. مع ذلك المسيحية قامت و بسرعة باستقبال الفلسفة اليونانية و البحث الفلسفي. فالعصر الوسيط المسيحي عرف بحثا مكثفا للفلسفة و لكن تحت الرقابة، رقابة الكنيسة. والعقل احتفظ بمكانة ثانية أو مساعدة ولكنه مع ذلك بدأ يربح أهميته و استقلاليته.

في القرن الثامن عشر سان توماس حاول أن يعيد الكثير إلى الإيمان و العقيدة و إلى التعليم من خلال الوحي، وإلى الجزء الشرعي من العقل. لذلك حاول ” تصحيح” أرسطو وفق الإيمان المسيحي هذا الإيمان الذي رأته المسيحية الممثل بامتياز للحقيقة. ولكن كيف يمكن شرح هذا التغير أو التطور؟ يمكن أن نعيد هذا لسببين رئيسين يعودان إلى المنطق الداخلي في العقيدة المسيحية ( أو على الأقل للمسيحية التي شُرحت داخل الكنيسة الرومانية ). الأول: يتعلق بالوحي Révélation حيث الوحي لا يلغي العقل أو يقصيه، ثانيا: كما أن ما هو فوق طبيعي لا يلغي الطبيعي وحيث أن خالق ما فوق طبيعي هو من خلق الطبيعي. هناك معرفة عقلانية للأشياء ما فوق طبيعية وللحقائق الروحية الداخلية في الوحي. كل هذا ” التقليد” يؤكد إمكانية معرفة أكيدة و طبيعية لله و في نفس الوقت وجود قانون أخلاقي و روحي طبيعي في داخل كل إنسان. إذا يوجد حقائق عقلانية خالصة : و الباب مفتوح أمام الفلسفة. و يوجد أيضا و بالتحديد حقائق منزلة أو موحى بها و التي يسمح للعقل أن يعمقها، لاسيما باستخدام أدوات الفلسفة اليونانية.

هذه الحقوق للعقل تُفهم أو توَّضح من جهة ثانية كما يلي: بالاختلاف عن الديانة اليهودية أو عن الإسلام، المسيحية ليست دين من الأحكام، الشرائع و القوانين. فاليهود و المسلمون هم ملزمون بالخضوع و الالتزام إلى مجموعة من الأحكام المنزلة سماويا أو إلهيا، أو إلى تشريع ديني و الذي له طابع شامل يدير الحياة العامة و الخاصة على حساب المساحة الممنوحة لاستقلالية العقل. ” العهد الجديد” أو الإنجيل لا يصدر قانونا مدني، ولا قانونا جزائيا، ولا حتى قانونا دستوريا. في النتيجة، المسيحية التاريخية جوبهت بهذه المشكلة الأساسية: الوحي يسجل ثورة روحية ولكن المؤسسة الكنسية كمؤسسة أو جماعة من المؤمنين تعيش في الزمني، المسيحيون ينتمون إلى مجتمعات تاريخية و سياسية. أي موقف إذا يمكن اتخاذه تجاه النظام الزمني، التاريخ لا يتوقف، كيف يمكن الفصل بين النظام الزمني و بين النظام الروحي ؟

جيَّش العقل اللاهوتي نفسه حتى يفكر بمعنى التاريخ و العلاقات بين الكنيسة و السلطة السياسية، انطلق العقل الفلسفي ليعالج النظام الطبيعي و المستقل عن السياسة. في كل الأحوال، ظهر توتر جوهري داخل المسيحية: بين الروحي و الزمني، بين فكرة العمل من أجل الخلاص وبين فن السياسة.

ومن المعروف أن المسيحية لم توجد أو تؤسس على الأفكار، إنها أُسست على الأحداث. فالمافوق طبيعي surnaturel تم تسجيله في التاريخ، والله ظهر حتى في الحياة الأرضية الدنيوية التي يعيشها الإنسان. هذا التاريخ المقدس سيصل إلى ذروته مع الأحداث التي رافقت حياة السيد المسيح. إذا العقيدة أو الإيمان المسيحي تم تعليقه أو اعتماده كليا على صدق وصحة الأحداث التاريخية. بشكل خاص ما جرى تاريخيا ليلة ” القيامة” Pâques ” عيد القيامة عند المسيحيين”، هذا الحدث الذي يقود كل ما تبقى من المسيحية:”إذا المسيح لم يبعث أو يحيا، كتب سان بول، إذا فإن تبشيرنا بديننا عبث وبلا جدوى، وعقيدتنا هي عبث أيضا ” ( I، Corinthiens،14،15 ).
لكن حياة المسيح ذاتها ليس إلا بلوغ مغامرة طويلة، هي تخليص الإنسانية و الشعب المختار، مغامرة صيغت بفعل الحب ومن عدم الوفاء الذي وجد و استودع في ” العهد القديم” .و من وجهة نظر المسيحية، إن العهدين القديم و الجديد يعودان لتاريخ واحد متشابه حيث تنتشر عناية و تعاليم الله، الوحي يتقدم، يكتمل ويتحقق مع فعل التجسد Incarnation. ماذا يقول هذا الوحي و الذي تم تجذيره في التاريخ؟ التوراة أو الكتاب المقدس (الكتاب المقدس عند المسيحيين لا يطابق الكتاب المقدس عند اليهود، حيث الكتاب المسيحي يضم زيادة على الآخر سبعة وعشرين جزءا ضمن ” العهد الجديد”. معنى النص ليس بالتأكيد هو ذاته في كلتا الحالتين، إنه أيضا مختلف بالنسبة للمؤمنين أو الأديان الأخرى أو عند الذين لا يؤمنون لا عن طريق قناعة أو عن طريق دراسة. النقد التاريخي ساهم بتقدم المعرفة ولكنه ترك السؤال مفتوحا : هذه الكتابات هل هي موحى بها أم لا؟ من وجهة نظر مسيحية خالصة، قراءة النصوص مرتبطة بإظهار أن العهد القديم و العهد الجديد يشكلان وحدة عضوية. لهذا السبب، الآباء الكنسيون طبقوا شرحا هو بشكل جوهري رمزيا allégorique، المفسرون في العصر الحديث يصرون على التعليم الإلهي وتقدم الوحي..)، أو كما يسمى ” كتاب الكتب” هو الكتاب أو المؤلف المتنازع فيه بامتياز، و الدراسات و الملاحظات التي كرست له تشكل مكتبة ضخمة لوحدها. وفق الكنيسة الكاثوليكية، الأناجيل يجب أن تكون متناولة ضمن نطاق “الرواية” أو الحديث Tradition الذي جاء من الرسل Apôtres. و في الواقع، الكاثوليكية ليس دين في كتاب مقدس Livre ولكنها دين من الكلام المقدس Parole.

صعوبات التفسير والشرح متفق عليها، لكنها أصبحت أقل :” التوراة، يقول الأب Lagrange مؤسس المدرسة التوراتية في القدس،هو بحر من النور و أيضا من الظلام”. هذه الكتابات حيث توضح خبرة دينية تنتقل من جيل إلى آخر خلال ألف وخمسمائة عام، هي شهادة وفق الكاثوليكية على أن : الله أرسل للبشر من خلال كلامه و أفعاله، لقد ذهب للقائهم، دعاهم للارتباط به من جديد. إنه عرض تحالفه وجدد عهده، ولكن ماذا يعني هذا العهد؟ لقد أخذ أشكالا متعاقبة فهو يترجم تطورا روحيا و أخلاقيا، أو بمصطلح مسيحي، هو تقدم للوحي. المسيح يقدَّم كرسول لتحالف جديد. في كلام ساطع ولكن أيضا غامض، إنه يعلن” الخبر الجيد الجديد”: وصول مملكة الله. طبيعة هذه المملكة هي في المعنى التالي: هي ليست مملكة زمنية، بل يجب أن تكتمل في العالم الآخر. بالمقابل، في هذه اللحظة ووفق شكل قدموها، المسيح يقدم خطابين. من جهة، حكم الله هو مملكة ستأتي و إنها ستأتي قريبا ” توبوا لأن مملكة الله هي قريبة” ( إنجيل متى، الرابع، 17) و ستكتمل بالعودة المجيدة للمسيح في نهاية الزمان. ومن جهة أخرى، إنها مملكة موجودة مسبقا داخل هذا العالم ” إنها موجودة بينكم أو في داخلكم” ( إنجيل لوقا،17، 21) على شكل بذرة وضعت في قلب الإنسان.
المسيح لا يتكلم ولا يتصرف كنبي عادي وفق الكاثوليكية. إنه يشيّد بشخصه ملك الله. ووفق الوصف الإنجيلي،المسيح لا يتحدث نهائيا عن نفسه، بل هناك طابع غامض ومستتر للحديث.التفسير الكاثوليكي يراه ظهورا لإرادة تعليمية: المسيح لا يستطيع التحدث بوضوح قبل أن تتم القيامة أو الإعادة.مهما كان، علم اللاهوت الذي جاء به سان بول سيعمل من المسيح نفسه، متحدا مع الله، مخلصا للبشر، إنه مركز الوحي الإنجيلي : المسيح في شخصه هو دعوة إلى الله. في قلب الوحي المسيحي،إذا هناك اقتصاد في الخلاص أو اقتصاد الخلاص،أو يمكن أن نسميه مخطط الله على البشر: الله يدعو جميع البشر إلى الحياة السعيدة،إنها مملكة القدس الإلهية.مرسلا كذلك إلى البشر، الله يكشف عن نفسه ويكشف أعماله.إن شرح جميع هذا الكلام المقدس الموحى تم تثبيته من قبل الكنيسة بعد مناقشات متعددة وتمزقات حوله.هذا التثبيت هو علاقة قطيعة عميقة جدا مع الفكر القديم. الله،العالم،الإنسان، الحياة كلها تتغير في وضعها ومعناها:

الله، العالم، الإنسان، الحياة كلها تتغير في وضعها ومعناها: إله التوراة هو جديد بشكل جذري وفي سموه المطلق.ليس فقط إله واحد،إنه خالق،خارج عن العالم الذي أراده وشكله بنفسه.إنه مطلق أبدي. لا شيء يوجد إلا ويتبع له ويعتمد عليه. هذا الله لا شريك له و لا يشترك بشيء مع آلهة الميثولوجيا القديمة،إنه يختلف عن إله الفلاسفة اليونان الذي هو جزء من الطبيعة أو الكون ويُدرَك كأبدي. اليهودية و المسيحية بعد هذا التغير قدمتا العالم و كأنه العمل المجاني لله.الله في الكتاب المقدس التوراتي إنه شيء آخر،إنه فوق البشر و العقل البشري لن نستطيع إدراكه ولا فهمه، إنه إله كله ألغاز وغموض لأنه مختف ولا يمكن الوصول إليه.أما الله في المسيحية هو ” رب يحبنا حبا لا ينتهي، أراد الموت من أجلنا “، أي بعكس الديانات الأخرى وخاصة الإسلام حيث نحن الضحية و نموت في سبيل الله. هنا يبقى الله شيئا آخر لكنه يصبح أكثر قربا من كما تقدمه المسيحية.إنه شيء آخر بهذا القرب نفسه حيث تنتشر قداسة لا يمكن إدراكها، فالله في المسيحية لغز من المحبة.
العالم إذا تغير في حالته.إنه ليس طبيعيا أو سماويا، إنه عمل أو إنجاز لإرادة فوق طبيعية.إنه ليس أبدي،لديه الآن تاريخ.اليونان رأوا في الكون Cosmos نظاما مرتبا،متناغما، حيث الله نفسه هو جزء من هذا التناغم و الإنسان لا يشغل فيه إلا مكانا تابعا. الرؤية المسيحية هي بشكل جذري مختلفة: الترتيب و التناسق الجميل،السمو و الرقي الهندسي لهؤلاء الذين ليسوا إلا أشياء مخلوقة، وسيكون لها بداية ونهاية.العالم هو غير مقدس ويخضع للتاريخ. إذا اليهودية والمسيحية تدخلان مفهوما خطيا للزمن، على النقيض antipode من المفهوم الدائري عند اليونان.فكرة العودة الأبدية هي ” لا يمكن احتمالها” في الفكر المسيحي،وفق كلمة سان أوكستان، لأن “المسيح قد مات مرة واحدة من أجل خطايانا، وسيبعث بين الأموات،ولن يموت نهائيا” ( من كتاب La cité de Dieu، XII،17 ). إذا يوجد قبل وبعد، زمن له معنى، ماض ينطلق من الخلق إلى النهاية، ومن النهاية إلى الخلاص، ومستقبل ينطلق من الخلاص Rédemption إلى نهاية الأزمان. وفق المسيحية كل مخلوق بشري هو كائن محبوب من الله، المسيحية تعطي الإنسان شرفا ومجدا جديدا كان مجهول في العالم القديم، إلى التساوي في الخلق بين الجميع، إنها المساواة بين أطفال الله.الحالة المثالية اليونانية للحياة الفلسفية كانت محفوظة للبعض فقط، بينما الخلاص المسيحي هو مفتوح أمام الجميع. هذه النظرة المسيحية الكونية هي علاقة قطيعة مع الماضي. الحياة الدنيوية هي إذا مرتبة ومنظمة إلى نهاية تتجاوزها. الانجذاب المسيحي إلى مملكة الله يتناقض مع الحالة المثالية الوثنية القديمة، كما يتناقض مع الرؤية المثالية للحياة الفلسفية. ونعود هنا لطرح مسألة الزمني والروحي. فالروحي في المسيحية في جزء منه هو مرتبط مع الزمني.

2ـ بين الله والقيصر

في الإنجيل لا يوجد برنامج سياسي كما أنه لا يوجد في الكتب المقدسة الأخرى ” القرآن مثلا “، ولا يوجد برنامج للإصلاح الاجتماعي و الاقتصادي. فالمسيح يدعو إلى تغيير القلوب، وليس للقوانين أو المؤسسات. كما أنه “نهائيا” لم يتطرق إلى مسألة النظام أو المشاكل الأخلاقية و السياسية للحروب. الإنجيل يعتني بشكل كبير بإزالة الصورة المتعلقة بالمسيح كما عرفت في السابق. فرغم التطور الروحي الذي تشهد به النصوص التوراتية وكل كلام القديسين، الفكرة القديمة عن مسيح منتصر تبقى الأقوى في داخل المجتمع اليهودي: “المسيح سيأتي ليقوم أو يكمل مهمة سياسية ” إقامة المملكة الدنيوية لإسرائيل ” إذا وفق ظروف الزمن، سيضع نهاية للاحتلال الروماني. ولكن هذه المهمة ليست نهائيا في شيء مما حاول المسيح إكماله.
الأناجيل تبين ذلك مع محاولات جاهدة وحذرة لتحاشي عدم الإسراف أو التشتت: المسيح لم يقبل إلا في نهاية حياته أن يحيا ” كمسيح “. لقد أفشل المسيح الفخ الذي وضع له من قبل الفريسيين pharisiens،مميزا مجال عمل القيصر عن عمل الله، لقد ردَّ على الاتهامات السياسية معلنا أن مملكته “ليست من هذا العالم”.إذا المسيح يبتعد عن السياسة و بشكل عام عن جميع الشؤون الزمنية الخالصة. فإذا تحدث عن الفقر، و إذا حذر الأغنياء، هذا لأن الفقر يذهب إلى الأسوأ في مرحلة ” الطفولة الروحية”.

النقد هنا ليس نقدا اجتماعيا، بل يتم النقد لأن العالم أصبح خاضعا لحكم المعلمين المزيفين و الكاذبين و بسبب البؤس الروحي. ولكن هل الإنجيل ضمن هذا المعنى هو مخرَّب أو مدمَّر من الناحية السياسة ؟

الدين في الإنجيل، كتب جان جاك روسو: ” بعيد عن ربط قلوب المواطنين بالدولة (….)، إنه يفصلهم كبقية الأشياء الموجودة على الأرض. لم أعرف شيئا أكثر منه معارضة للروح الاجتماعية “. ( من كتاب ” العقد الاجتماعي”، الفصل الرابع، 8 ). مع ذلك يوجد وجه آخر للتعليم الإنجيلي. المسيح لا يرفض المدينة الدنيوية. بشكل عام، موقفه لم يكن غنوصيا رافضا للعالم: إنه يحاول شفاء المرضى، يتحدث عن جمال الخلق création، إنه يتحدث في كل كلامه عن الحياة و العمل في كل الأيام…،يدعو ويقول إن محبة الله هي محبة لمن حولنا جميعا أيضا. في النهاية إنه لا ينكر السياسة.
التعليم الأكثر خاصية أو الأكثر مباشرة من الناحية السياسية للإنجيل يعود إلى جملة حيث يعترف فيها بالمجال و الحقل الخاص للقيصر. الأناجيل تروي أن الفريسيين الراغبين بتعريض المسيح للخطر أرسلوا له تلامذتهم ليسألوه إذا كان مسموحا بدفع الضرائب أم لا للإمبراطور. أجاب السيد المسيح إجابة طبعت و بعمق كل التاريخ السياسي للغرب: ففي إنجيل ( متى، الجزء 22، 18 ـ 22 ) تدور القصة التالية:

” المسيح يعرف أنهم منافقون، فيرد عليهم قائلا: لماذا تضعون لي هذا الفخ ؟ دعوني أرى أموال الضريبة، ثم قدموا له درهما أو فلسا، فقال لهم: ” لمن هذا النقد الذي عليه صورة ” ؟ فقالوا: ” إنه للقيصر”. وقتها قال لهم: ” إذا أعطوا للقيصر ما هو لقيصر ولله ما هو لله “.
” أعطوا للقيصر…”، بمعنى أولي، هذه الجملة كانت انقلابا أو ثورة. إنها تطرح مبدأ غريبا على العالم اليوناني/الروماني كما أيضا على العالم اليهودي: الدين و السياسة لهما مجالات مختلفة. القاعدة الجديدة تتعارض مع كل النظام السياسي/الديني ومع كل الحكم الثيوقراطي، إنها تكسر الوحدة التقليدية للسلطة. وبمعنى آخر هذه الجملة ليست قطيعة، بل إنها تعترف بالجزء الشرعي للسياسة. هذا الشكل ربما يفتح الباب أمام صعوبات في التفسير و الشرح ولكنه يعني بوضوح أن: المسيح لا يدعو إلى التخلي عن السياسة.وفق التعليم القاسي و المتشدد للإنجيل، يرى سان بول: ” بالنسبة لنا، مدينتنا تتواجد داخل السموات، ولكن منتظرين عودة المسيح، على المسيحيين ألا يتواجدوا على هامش المدينة الزمنية”.
إذا يمكن القول أن السياسة تنتمي إلى عالم الإنسان المسيحي، وأن السلطة هي في خدمة خير لا يستطيع أن يكون هنا إلا خيرا طبيعيا. السلطة لها غايات خاصة، إنها تندرج ضمن نظام طبيعي للسياسة المرادة من قبل الله. اللاهوت السياسي الذي جاء به سان بول سيفتح الطريق أمام الفلسفة السياسية.

وفق رؤية الرسول سان بول، هذه القضايا تبقى رغم كل شيء ثانوية بالنسبة للقضايا الجوهرية: الأمل و الرجاء بما هو فوق طبيعي وعلى الأرض هو تكوين وتطوير تجمع أتباع وتلامذة المسيح كتجمع روحي. ويبقى أن المسيحي في هذا العالم هو جزء يستحوذ في نفس الوقت على المدينة الروحية و على المدينة الزمنية. علم اللاهوت لدى سان بول أظهر تفوقه ونجاحه، ولكن الصعوبات في الشرح و التفسير ازدادت مع متابعة الزمن التاريخي وتغيرات و تحولات السياق و الصيرورة الدينية، أو بمعنى آخر انتصار المسيحية على الوثنية. وهذا ما سيقود إلى طرح أسئلة في غاية الأهمية: كيف نرى هذا الانتماء الثنائي أو هذه المواطنة الثنائية في عالم أصبح رسميا مسيحي ؟ كيف يُنظَّم تاريخ المدينة الزمنية و تاريخها الروحي؟ المدينة الزمنية أو ( مجال عمل القيصر ) لديها استقلاليتها، ولكن تشارك بالنظام الطبيعي الذي أراده الله.فما هو هذا النظام الطبيعي وكيف يمكن ترتيبه وتنظيمه مع النظام ما فوق الطبيعي؟

هل الكنيسة مكلفة بمتطلبات الخلاص، وهل تدافع عن النظام الطبيعي، كيف تُنظَّم السلطة الكنسية والسلطة السياسية ؟ هذه الأسئلة تتقاطع، وتاريخية الإجابة التي أعطيت عليها هي معقدة جدا. ولكن هناك عملان مسيطران، واللذان كان في أصل و أساس تقليدين داخل الكنيسة، عمل سان أوغستان و عمل سان توماس.
فيما يتعلق بالممارسة في الميدان السياسي، هذه الممارسة حصلت على حريات مع مبدأ التمييز بين الأنظمة وهذا ظل حتى ردة الفعل الحديثة.أي منذ صعود Ascension المسيح و بانتظار عودته .هنا كيف تُرجِم مخطط الله في تاريخ البشر؟ المسيحيون الأوائل، على ما يظهر، كانوا في معظمهم مقتنعين يوشك نهاية الزمن. مع ذلك كان هناك أمل عند سان بول، لكنه أمل حذر: لا أحد يعرف تاريخ العودة لا في اليوم ولا في الساعة. لذلك دعا إلى حياة منظمة وبعيدة عن الفوضى، كل فرد فيها يملأ واجباته الاجتماعية. منتظرين عودة المسيح Parousie، التاريخ سيستمر. هذه المتابعة للتاريخ الإنساني تستدعي تفسيرا أو شرحا لاهوتيا. فالتاريخ المقدس هو في حركة سير دائم، ولكن بأي شكل؟

إذا تم تبسيط المسألة، نستطيع أن نميز أو نحدد إجابتين: من جانب، نموذج من التفسير جاء قبل سان أوغستان،يطور هذا التفسير لاهوتا زمنيا للتاريخ. العناية الإلهية تصبح واضحة ومفهومة عبر التاريخ المرئي للبشر، إنها تتجسد أو يجب أن تتجسد في تلك المدينة الدنيوية. ومن جانب آخر،التفسير الذي له تأثير وسلطة داخل الكنيسة الكاثوليكية و الذي أعطي من قبل سان أوغستان في القرن الخامس. حيث التاريخ المقدس هو ذاك المصير أو القدر الروحي للإنسانية، إنه غير مرئي. في النتيجة، الكنيسة ليست مرتبطة بأي شكل تاريخي.

إن علم اللاهوت الزمني للتاريخ أخذ أشكالا متعددة. شكله الأساسي يرتكز على رؤيا القديس يوحنا Apocalypse de ، وهي ” الألفية” Millénarisme ( وهي نظرية عند بعض المسيحيين تقول بأن المسيح سيملك الأرض لفترة زمنية قدرها ألف سنة قبل يوم قيامة الأموات ). نص يوحنا في العهد الجديد هو وصف متوقد، متوهج و مليء برموز نهاية الأزمان وهو يدور حول النظرية الألفية. هذه النظرية رفضت من قبل كبار اللاهوتيين المسيحيين، بشكل خاص سان أوغستان و الذي يقول:” إن وصف سان جان أو ” يوحنا ” يجب أن يقرأ كمجاز أو استعارة روحية، انتظار ” الألفية” هو من غير هدف لأن ولادة المسيح هي التي لها علامة البداية”.

تفسير آخر يظهر أنه أكثر ” اعتدالا” فيما يتعلق بعلم اللاهوت الزمني للتاريخ وقد تم تطعيمه بتاريخ المسيحية نفسها. ماذا تقول حقيقة هذا التاريخ المرئي؟ إنها تروي نجاحات التنصيرchristianisation. فالإمبراطورية الرومانية كانت خاضعة للدين الذي اضطهدته. هذا التاريخ ظهر كتيار في الفكر المسيحي، كظهور لإرادة الله. التقليد الشرقي رأى فيما حصل بهذه الإمبراطورية وكأنه عناية إلهية. المسيحية ارتبطت بشكل سياسي ( تحالف دائم في الشرق والذي سيحدث التحالف بين القيصر و أتباع البابوية papisme في الإمبراطورية البيزنطية).

سان أوغستان ( 354 ـ 430) رفض كل هذه التفسيرات لأنها من غير أساس حقيقي في الكتاب المقدس وتخالف تعليماته. إنه يتعارض مع نظرية ” الألفية “، ثم يفصل قدر الإمبراطورية عن قدر ومصير الكنيسة، إنه يرفض الفكرة القائلة بأن الشرور ستختفي مع الزمن. باختصار، المسيحية الأوغستينية تتمرد على كل طوباوية،فالكمال ليس من هذا العالم. ” مدينة الله ” ( 427 ـ 415 ) واحد من أهم المؤلفات التي سيطرت على الفكر في الغرب المسيحي.المؤلَّف أخذ اتساعا كبيرا، عظيم في بلاغته وبيانه، لا يشكل وحدة منظمة كليا. من جانب هو كتاب لظروف وحالات، ومن جانب آخر هو توسط أو وساطة حول قدر الإنسانية على ضوء الوحي. أما الظروف و الحالات فهي: في عام 410،القوطيون Wisigoth استولوا على ” المدينة الخالدة الأبدية” ونهبوها. النتائج كانت كبيرة: إنها نهاية عالم كان يبدو غير قابل للتدمير.

فالمؤمنون بالدين الروماني القديم يتهمون المسيحيين بكونهم مسؤولين عن هذه الكارثة التي حصلت في الإمبراطورية. سان أوغستان يمسك بريشته للرد عليهم: إنه يشير إلى ضعف روما الوثنية،ثم يتحدث عن قيم الفضائل المدنية المسيحية. في الجانب الآخر من هذا الحديث و الاختلاف، إنه يفصل قدر الإمبراطورية التي هي في خطر عن قدر الكنيسة.

بلا شك لقد كان هو أيضا مواطنا وفيا لإمبراطوريته، ولكن كمسيحي أراد أن يقول: الدين الحقيقي لا يخضع أو لا يتضامن مع السياسة بأي شكل أو أي وقت. التعمق في تأمله وتفكيره سيقود إلى علم لاهوت عام للتاريخ. علم اللاهوت الأوغستيني ” للمدينتين “، الدنيوية و الإلهية، يبين العديد من الصعوبات في التفسير ويمكن أن يفهم خطأ. سان أوغستان يستخدم تارة صيغا دقيقة، وتارة أخرى صيغا ليست كذلك، ثم يأخذ أو يعتمد كلمة “المدينة ” في معان متعددة و مختلفة. بشكل جوهري كما يظهر، إنه كمن يستخدم لوحتي مفاتيح. اللوحة الرئيسة هي القدر الروحي للإنسانية:” هناك نوعين من الحب، يكتب الأسقف Hippone في فقرة مشهورة جدا، الحبان يبنيان مدينتين. حب الذات حتى أو لدرجة ازدراء الله في المدينة الدنيوية. وحب الله لدرجة ازدراء الذات في المدنية السماوية”. الحد الذي يفصل بين المدينتين هو حد غير مرئي، هو من نظام و ترتيب الوحي. المدينة الدنيوية أو الأرضية لا تختلط مع الحقيقة الزمنية للمدينة الإنسانية، إنها الجزء الفاسد من الإنسانية. ” مدينة الله ” ليست الكنيسة المرئية، إنها تضم هؤلاء الذين اختاروا الجزء الأفضل، هؤلاء الذين، هم داخل الكنيسة ولكن أيضا من هم خارج الكنيسة يكرَّسون للحقيقة و الفضيلة. هاتان المدينتان مختلطتان بشكل كبير في هذه الحياة، كما هو حال البذرة الجيدة و الأخرى الفاسدة كما تقول الحكمة أنه لا يمكن الفصل بينهما إلا في وقت الحصاد.
أما اللوحة الثانية هي العلاقة بين المدينة الإنسانية و الكنيسة. هنا المدينة الدنيوية الأرضية تختلط مع المجتمع السياسي و المدينة الإلهية ( بشكل أكثر أو أقل ) أيضا مع الكنيسة، أي بمعنى آخر مع مجتمع المسيحيين. بهذه المعاني، المسيحي هو عضو في المدينتين. إذا كيف يمكن تنظيم ثنائية المواطنة هذه ؟
إن موقع مبدأ أوغستان واضح جدا: إنه يميز وبقوة النظام الروحي و النظام الزمني، بين مجال السلطة الكهنوتية الكنسية ومجال السلطة السياسية. لكنه يعالج هذه القضايا بشكل عام ولم يعط أية نظرية دقيقة للعلاقات بين الكنيسة والدولة. بالتأكيد هو يتمنى أن المدينة السياسية تلقَّح بالمسيحية لكنه لا يرى أية ضمانة أن هذا الحل سيطبق أو سيستمر. في النهاية سان أوغستان لا يهتم إلا بشكل بسيط بالسياسة.
يتبع في الأجزاء القادمة.
3 ـ الطبيعة و الإنسان.

في عام 430، عندما مات سان أوغستان، عالم بأكمله كان في حالة تغير، إنه عالم الإمبراطورية الرومانية ومعها عصر الهرطقة الذي لم يكن قد انتهى أيضا. ثمانية قرون فيما بعد، عندما أخذ سان توماس الأكويني ( 1225 ـ 1274 ) ريشته للكتابة ، كانت المسيحية في القرون الوسطى قد وصلت الذروة. بالإضافة لذلك ومن الجانب الآخر للأحداث: النجاح التاريخي للمسيحية الرومانية تم تأكيده وتقويته في الغرب. رغم ذلك، القرن السابع عشر كان مسرحا لأزمة فكرية لم يسبق لها مثيل. حتى هذه اللحظة، الفلسفة كانت قد أصبحت مدجنة في بعضها : فبعد ” آباء الكنيسة “، أفلاطون ومن أتى بعده اعتُبروا روادا أو سباقين وعليهم العقيدة اعتمدت ولهم افتقدت. مصير وقدر الفلسفة كان التنازل عن استقلالها ” داخل معرفة وحيدة مطلقة منظمة و مرتبة بواسطة الوحي Révélation. ترجمة أرسطو و شارحيه و مفسريه العرب في القرن الثاني عشر زعزعت هذا اليقين أو هذا الوهم. هنا انبثقت و انتشرت كرائحة البارود فلسفة جديدة وثنية، هددت بالاستيلاء على العقل و على الفكر المسيحي. حيث يظهر أن العقل تم توجيهه في مقابل أو مواجهة العقيدة.
هل كان من الواجب تقليص العقل في مواجهة أسلحة العقيدة؟ جرأة سان توماس الأكويني قامت باختيار فعل معاكس ومعارض : في خدمة العقيدة، و بالاعتماد أيضا على العقل. الأكويني يميز ما بين الأنظمة. إنه في البداية عالم باللاهوت لكنه يدرك أيضا الفلسفة. القاعدة هي سهلة و أساسية: يجب متابعة العقل و السير وراءه إلى أكبر بعد ممكن. توماس الأكويني سيعيد التفكير بالقضايا اللاهوتية مستعينا بالعقل الفلسفي وبشكل خاص بالأدوات التي حصل عليها من أرسطو. نظرتان أو اتجاهان هما مرتبطان: هذا يعني، مع احترام الاستقلالية، أن يكون هناك عمل على الاثنين، العقل والعقيدة.

الأكويني يتقدم خطوة مريحة : بين عقل يأتي من الله ووحي يأتي أيضا من الله، التوافق لا بد أن يتم بالضرورة. لم يتردد بتعنيف الوعي الديني في زمنه لأجل طيّه أو إخضاعه لمتطلبات الفكر الفلسفي.
الأكوينية، في داخل الفكر الكاثوليكي، هي المحاولة التحديثية الوحيدة التي لم تنجح أبداً كما يقول Etienne Gilson. حجر الزاوية في مشروع الأكويني هي الحكمة التي يعيدها إلى ( somme théologique): “النعمة أو الفضل لا يدمران الطبيعية و لكن يجعلانها أكثر كمالاً، أو يحملانها إلى الكمال”. النعمة، العفو، الفضل لا تتعارض مع الطبيعة لأنه، إذا ” العالم” هو سيئ، فالخلق هو جيد. الحقيقة التي أوجدت بواسطة الله لها استقلاليتها وحقيقتها، ولها أيضا قيمها الخاصة. طبيعة الإنسان، سيطرته على أفعاله، كل هذا يجعل منه شريكا بجزء من الله. التقليل أو التصغير بالمخلوق هو ازدراء للخالق، أو أن الخالق هو مخطئ. كما نرى علم اللاهوت الأكويني حول الخلق يؤسس منذ ذلك التاريخ الطويل ” إنسانية مسيحية” أو نظرية مسيحية في حقوق الإنسان.

ماذا تقول الطبيعة بالنسبة للأكويني؟ من أجل معرفة ذلك، إنه يعود لمدرسة أرسطو و التي هي الممثل بامتياز للعقل الطبيعي. الأرسطية Aristotélisme ظهرت كتهديد، و الأكويني أسكنها ووضعها في داخل الفكر المسيحي. ربما سيكون من الزيادة هنا أن نقول : إن الأكويني قام بتنصير ” أو أدخل إلى المسحية” أرسطو. دون شك توماس الأكويني أخذ الكثير من أرسطو و الذي يدعوه ” الفيلسوف”، ولكن أيضا قام بتصحيحه أو عدَّل بعض الأشياء من أجل أن يدخله في تركيب synthèse مذهبي doctrinal ( ليس بمعنى طائفي ). الأكويني يتفق مع أرسطو من أجل اعتبار كل من ينقطع عن المدينة هو خارج الإنسانية المشتركة. لكن احترامه الكبير لأرسطو لم يمنعه من كتابة : ” لا يوجد أي فيلسوف قبل مجيء المسيح، ورغم كل جهوده، استطاع أن يعرف الكثير عن الله”.
إن الفكر السياسي عند توماس الأكويني هو جزء صغير من عمله الضخم. ونستطيع أن نصنفه كفكر كلاسيكي/ مسيحي لأنه هنا كما في مكان آخر، ” القديس توماس ” ينظر إلى تنظيم و في تركيب واحد: الطبيعي و ما فوق الطبيعي. من جهة إنه يستند بشكل واسع على التقليد الكلاسيكي وبشكل خاص على أرسطو: السياسة فن، ينضم في نظام طبيعي. ومن جهة أخرى إنه ينفصل عنها لأسباب تتعلق بالعقيدة: السياسة تتركز بشكل نهائي في نظام ما فوق طبيعي.

فيما يتعلق بالقانون الطبيعي، سان توماس الأكويني يأخذ كلمة طبيعة بنفس المعنى الأرسطي، طبيعة كائن هي نهايته. طبيعة الإنسان هي قدره. القانون الطبيعي هو ما يميل الإنسان له وفق طبيعته وما هو معروف لديه بشكل طبيعي وهذا موجود و مسجل في العقل الإنساني. هذه النظرة هي ضمن خط الفلسفة الكلاسيكية، ويمكن وضعها ضمن التقليد المسيحي. القانون الطبيعي يقول سان أوغستان بعد سان بول:” هو قانون متموضع داخل قلب الإنسان، ولا شيء يستطيع مسحه”. الأكويني يقدم روايته و رؤيته الأكثر اكتمالا داخل مذهب القانون الطبيعي. القانون الطبيعي يشارك القانون الأبدي ولكن ضمن ما تستطيعه أو تقدر عليه الطبيعية الإنسانية. من أجل أن يكون الإنسان متجه نحو نهايته ما فوق طبيعية، من الواجب إعطائه قانونا آخرا و الذي يشارك وفقه بطريقة سامية في القانون الأبدي : إنه قانون الوحي، بمعنى آخر، وفق شكله الأكمل و المنجز، إنه القانون الإنجيلي. ما هو هذا القانون الطبيعي؟
سان توماس الأكويني يميز بين المبادئ المشتركة أو الأولى، الثابتة التي لا تتغير، الشاملة و التي يعرفها الجميع، و المبادئ الخاصة أو الثانية و التي هي معرضة للمتغيرات و التحولات المرتبطة بالظروف وهي غير معروفة لدي الجميع. المبادئ الأولى للقانون الطبيعي لا يمكن برهنتها،إظهارها أو إثباتها فهي حقائق بحد ذاتها. هذه التعاليم أو المبادئ هي للعقل العملي ( المتعلق بالفعل الإنساني )، هي المبادئ الأولى الجلية و المفهومة ( مثال : الكل أكبر من الجزء ) وهذا للعقل العلمي. في أساس السلوك الأخلاقي كما في المعرفة، هناك حقائق عقلية. ولكن ما هي هذه الحقائق؟
الحقيقة الأولى، عليها تؤسس كل المبادئ و القواعد الأخرى للقانون الطبيعي وهي : يجب البحث وعمل الخير وتجنب الشر. الخير الذي نتحدث عنه وهو الذي يحمل إليه الإنسان بشكل طبيعي. الأكويني يميز ثلاثة نماذج من الرغبة أو الميل الطبيعي. أولا، الإنسان هو كائن، وبما أنه كذلك، فهو يهدف إلى الحفاظ على نفسه.ثانيا، الإنسان هو حيوان، وبما أنه كذلك، فهو يميل للاتحاد مع الذكور و الإناث ويعتني بالصغار الخ… ثالثا، الإنسان هو حيوان عاقل، وبالتالي هو مدفوع للبحث عن الحقيقة و العيش في مجتمع ثم تجنب السرقة والقتل و احترام والديه الخ… كل هذه المبادئ العامة تضاف على مفاهيم أخرى ” ثانية” وهي نتائج قريبة.
المبادئ الثانية تحاول أن تكون قوانين طبيعية و لكن ليس لديها الحقيقة الفورية كما هو في المبادئ المشتركة وتطبيقها يمكن أن يتغير كما تتطلب الأوضاع و الحالات. توماس الأكويني يؤكد دائما : أن المبادئ الأولى هي حاضرة في قلب الإنسان دائما، بينما المبادئ الثانية يمكن أن تمحى من القلب الإنساني بسبب العادات أو الدعاية أو الفساد. ينتج من تحليل القانون الطبيعي أن هذا القانون لا يقدم سوى معايير عامة للسلوك الإنساني، إنه القاعدة الأولى العقلانية للبشر، لكنه ليس نهائيا قاعدة كافية. لا بد إذا من أن يتناسق أو يتشكل مع قانون آخر، إنه القانون الإنساني.
في السياسة، حدد توماس الأكويني سؤالا هاما: ماذا يمكننا أن نطرح حول النظام الذي ترتبط أو تدمج به السياسة؟ فيما يتعلق بالنظام الطبيعي، توماس الأكويني يطور بشكل جوهري بعض المواضيع الأرسطية: أولا، البعد المشترك ما بين الجماعات في الحياة الإنسانية. الإنسان هو اجتماعي بالطبيعة، شخصيته يتوجب عليها الكثير للذين بمصطلح حديث سندعوهم ” مجتمعه التشاركي”، فهذه الشخصية لا تكتمل إلا داخل مجتمعها، إلا في حالات خاصة. يقول الأكويني : ” من بين كل الأشياء المطلوب من الإنسان عملها، وهو الأكثر ضرورة، هم الآخرون المشتركون معه في الإنسانية”. ثانيا، الطابع النوعي للتجمع أو المجتمع السياسي. المجتمع الأول الذي ينتمي إليه الإنسان هو العائلة، إنها ضرورية له بالمطلق، لكنها لا تكفي بحد ذاتها. المجتمع السياسي هو العمل أو الصنعة الأكثر تمامية للعقل العملي الإجرائي.
ثالثا،الطابع أو الصفة الطبيعية للسلطة السياسية و المكان المركزي لمسألة النظام السياسي. المدينة هي مركبة من أجزاء متغايرة. سلطة واحدة هي ضرورية لترعى خير الجميع و تحافظ على وحدتهم. كما المدينة، السلطة السياسية هي في طبيعة الأشياء. الشكل الذي هي ممارسة ومنظمة من خلاله هو الموضوع المركزي للفلسفة السياسية. رابعا، تعرف غايات ونهايات السياسة من خلال وصولها إلى الخير المشترك. المدينة هي أكبر من حاصل مجموع أجزائها، خير المدينة هو شيء آخر يختلف عن مجموع الأشياء الخاصة، إنه خير مشترك.
نظرية الخير المشترك هنا، هي المشاركة الرئيسة الشخصية لتوماس الأكويني. الموضوع مع ذلك هو شائك وصعب لأن التناغم بين هذه الأشكال و الصيغ المبعثرة ليس منطلقا من الذات. الجوهري، يظهر أنه يحمل إلى ما يلي: الخير المشترك هو خير الجميع ولكنه غير منفصل عن خير الأشخاص. الخير المشترك هو أرقى و أسمى من الخاص و الشخصي كما هو الحال في أن الكل هو أسمى من الجزء. لكن هذا الكل ليس كيانا مميزا، يفضَّل على المواطنين، الخير المشترك ليس خير منفصل يبعد و ينحي المواطنين. الخير المشترك أو المنفعة المشتركة ليس خير أو منفعة لأنه في خدمة مجموعة من الأشخاص : فكل واحد يحصل على حياة بالاشتراك مع الآخرين، حياة منظمة مرتبة، كل واحد يحصل على المشاركة في عمل ومهمة مشتركة. رؤية الأكويني حول الخير المشترك يمكن أن تعرَّف، كما يظهر، بالشكل التالي: شكل أو طريقة في الوجود بالاشتراك بشرف في الحياة الجديدة، أي بالحياة الكريمة الشريفة وذات الفضيلة للجمهور أو الجميع. ومن أجل إقامة هذه الحياة الجديدة، سان توماس الأكويني يحدد في De Regno ثلاثة شروط ضرورية أو واجبة: على الجمهور”أن يكون ضمن وحدة المدينة من أجل السلام”، ” أن يدار و يحكم و يوجه نحو السلوك الجيد”، و أخيرا، ومن ” خلال التطبيق الحكومي، يجب أن يكون هناك كميات كافية من الثروات من أجل حمل الجمهور إلى الحياة الكريمة”. إن المنفعة المشتركة الزمنية هي غاية السياسة ضمن النظام الطبيعي. هذه الغاية هي ذاتها منظمة ومرتبة إلى نهاية أخيرة حيث على الكنيسة القيام بذلك. لكن هذا يجب ألا ينقص من استقلالية السياسة، ” الحق السماوي الإلهي الناتج عن الرعاية والعناية لا يدمر أو يهدم الحق الإنساني الناتج بدوره عن العقل الطبيعي”. إذا ما فوق الطبيعي لا يدمر الطبيعي بل يرعاه، و الرعاية السماوية لا تدمر الطبيعية بل هي إكمال وتتمة لها، والله لا يدمر الإنسان لأن الإنسان جزء من الله
4ـ القوانين بين السماء والأرض.

إن التنظيم الواقع والمجسد للمجتمع يبين ويوضح القانون الإنساني. هذا القانون يجب أن يستند دائما ويشتق من القانون الطبيعي. هذه القاعدة لا يمكن المساس بها، و لكن لا تطبق بأي مكان بشكل ميكانيكي، بل يجب أن تضم خاصتين: الأولى هي أن القانون الإنساني له صفات و طبائع خاصة، هو قانون وضعي عندما القانون الطبيعي يكون قانونا أخلاقيا. إنه يميَّز لأنه لا يتعلق إلا بالنظام الخارجي وهو يتلاءم مع الإجبار أو الإرغام. القانون الوضعي لا يتم خلطه مع القاعدة الأخلاقية. الخاصة الثانية : الفعل السياسي هو بطبيعته خاص و جائز أو محتمل. العقل الإجرائي أو العملي عليه أن يحصل على النتائج من المبادئ العامة داخل الظروف و الشروط النوعية في حالة واقعة مجسدة. القسر أو الإرغام الحاصل من أجل الوصول للخير و المنفعة يمكن أن يحدث شرا أكثر من الخير. هنا سان أوكستان لاحظ أن القانون الزمني عليه التسامح مع بعض الشر. ويؤكد سان توماس ذلك بالقول :”إن على السياسة أن تلتزم بمبدئها محدثة أقل شر ممكن”.
إن طروحات سان توماس حول هذا الموضوع أشعلت جدلا ونقاشا كبيرا. الصعوبة الأساسية تأتي من أن سان توماس يحدد شيئين أساسيين مهمين : الأول، أن البشر يجب أن يحكموا،ولكن أن يحكموا ضمن نطاق وحدود المنفعة المشتركة،هذا يعني من جهة أخرى أن يحكموا من قبل أناس خيّرين. هنا سان توماس يتبع أرسطو ولكن تفكيره أكثر تشددا و انغلاقا. أما في كتابه De Regno،إنه يأخذ ويضم التقسيم الأرسطي للأنظمة الستة، ولكن يعود وبسرعة ليشدد التحليل حول هذا الموقف: الملكية من جهة، الأشكال المختلفة من الطغيان من جهة أخرى.

مصطلح ” الملك” يجب أن يفهم ويدرك بمعنى يتعلق بجنس الكلمة ونوعها وشموليتها: إنه يشير إلى شخصية واحدة في مجموعة وربما يكون أميرا، إمبراطورا أو رئيسا شريطة أن يحكم للخير و المنفعة المشتركة.إذا فقدت هذه الشخصية غاية السياسة التي هي الخير المشترك و التي هي تشترط شرعيته وشرعية سلطته، فهي ليست شخصية زعيم أو قائد، إنها تصبح شخصية طاغية. الطغيان يمكن أن يمارس من قبل مجموعة صغيرة أو من قبل الشعب نفسه وخاصة عندما المجموع يحكم ويضطهد أقلية صغيرة. سان توماس ينظم في نفس الفئة كل الأنظمة الفاسدة. في الخلاصة، يوجد بشكل أساسي نموذجين من الأنظمة: الأنظمة المنتظمة و الحسنة، والأنظمة الغير منتظمة و السيئة. والقاعدة يتم الحصول عليها من القانون الطبيعي. الشيء الثاني الذي يحدده سان توماس، الذي يجب أو ينبغي كما جاء في كتابه ( somme théologique ) ، أن الجميع لديهم جزء في الحكم أو الحكومة. إنه يلتزم بمبادئه العامة. يدعو إلى تفادي كل الطغيان والأنظمة الطاغية و بكل أشكالها، وعلى الفعل السياسي أن يُمارَس بالشراكة. في النهاية السياسة وفق سان توماس هي : ” فن أفضل الممكن”.
المسيحية أعطت وجودا لمجتمع له قدر ومصير شامل: إنه الكنيسة. الكنيسة هي مجتمع من المؤمنين مفتوح ومن غير تمييز لجميع البشر. إنها مؤسسة،أنشئت مع تكليف الرسل والمبشرين،وقد بنيت و أصبحت مركزية بشكل متدرج. المجتمع الكهنوتي أصبح مجتمع حقوق، من خصائصه وجود مؤسسة تراتبية، إنها المؤسسة الكهنوتية. إذا كيف تم تنظيم العلاقات بين الكنيسة ( كمجتمع وكمؤسسة ) و بين السلطة السياسية ؟
خلال القرون الثلاثة الأولى، المسيحيون احتفظوا بموقف يطابق المذهب أو الطريقة المثبتة من قبل سان بول:احترام مطلق الإمبراطورية،مقاومة الأنظمة التي تحمل ضررا للمعتقد بالله الحقيقي.لكن الدين المسيحي الذي هو أقلية و مضطهَدة أصبح في القرن الرابع الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية،ثم فيما بعد الدين المجمع عليه تقريبا في الغرب أثناء العصور الوسطى. القضية و السؤال العملي للعلاقات بين السلطة الزمنية و السلطة الروحية تطرح بطرق مختلفة: لا يعني نهائيا الحفاظ على استقلال الروحي في مواجهة متطلبات السلطة الزمنية ولكن مصالحة أولوية الروحي و أسبقيته مع استقلالية الزمني.
بشكل آخر،لا يعني نهائيا معارضة بين حقوق الله و مع القيصر الوثني، ولكن تعريف الحقوق والواجبات للقياصرة المسيحيين وعلاقتهم مع الكنيسة.إذا هو افتتاح لتاريخ طويل للعديد من الإثارات لها أوجه متعددة. ثلاث أفكار عامة يمكن فصلها هنا : استمرار وديمومة ثنائية السلطة، الغموض في الأنظمة تحت شكل النزعات في الأهلية و الاختصاص،الغموض في الأنظمة تحت شكل تقليدية الدولة وصرامتها.

مبدأ ثنائية السلطة لم يكن موضعا للنقاش.المجتمع المسيحي تمت إدارته وحكمه بنوعين من سلطات القضاء المنفصلة، وفق شرعيتين متمايزتين للقوانين. إذا وجد بشكل دائم سلطتان قضائيتان مختلفتان في طبيعتهما. حاول الباباوات دائما إخضاع السلطة السياسية لكنهم لم يستطيعوا ذلك نهائيا.المؤسسة السياسية و المؤسسة الكهنوتية تبقيان غير مرتبطتين. هذا الانفكاك أدى إلى خصوصية الغرب القروسطي، إذا ما قورن بالمناطق الأخرى في العالم، العالم الإسلامي و الإمبراطورية البيزنطية.
من جانب آخر،العلاقات بين السلطتين طُبعَت على مر تاريخ العصر الوسيط بالنزعات و الخصومات حول الاختصاص و الأهلية. وهمُ عالم مسيحي قائم بشكل دائم،فكرة المسيحية حيث الاختلاط بين السياسي و الديني، المقارنة عند سان أوغستان بين المسيحية و ” مدينة الله”، كل هذا سيعبر الحدود. المسيحية القروسطية كانت نظاما سياسيا/دينيا له رأسين،فيما بعد سيستمر بمنافسة طويلة ونزاع أطول بين الكهنوت Sacerdoce و بين الإمبراطورية.
في وقت من الأوقات، ” شارلمان ” حاول توحيد المسيحية الغربية تحت سلطته الخاصة والتي في نفس الوقت هي زمنية وروحية ( حيث اعتبر نفسه زعيما دينيا محاولا أخذ جزء من السلطة الداخلية للكنيسة ). فيما بعد في القرن السادس حتى السابع عشر،حاول الباباوات بجهد كبير إقامة تفوقهم السلطوي. روما مَنحت حق تجاوز وعزل الأباطرة، وذلك للسلطتين الروحية ممثلة بالكنيسة والزمنية ممثلة بالسلطة السياسية ولكن تحت وصاية الكنيسة. هذا التنافس بين السلطتين سيدور في النهاية وبشكل إجباري باتجاه تقوية سلطة الملوك.في نهاية العصر الوسيط، الملكية الوطنية تم فرضها كشكل سياسي. الغموض في الديني والسياسي لم يتوقف : الدين بقي صاحب سلطة ونفوذ في القرن السابع و الثامن عشر،و منظرو الملكية المطلقة سيستندون في تنظيرهم إلى نظرية الحق الإلهي. بعد الإمبراطورية القسطنطينية،وبعد الإمبراطورية القروسطية، الملكية الوطنية ( على الطريقة الفرنسية ) ادعت الاختيار و العناية الإلهية.
في العصر الوسيط وبعد ذلك، النزاعات استمرت في بعض الأحيان كنزاعات عائلية.مجتمع المؤمنون اختلط بالمجتمع السياسي مع قوة وصرامة الدولة.فالكنيسة تُعَلّم كما كانت تفعل دائما، مع حرية اختيار العقيدة ولكنها عمليا أو إجرائيا على أرض الواقع لم تتناغم مع ما تزعم به. فكرة ” الجمهورية” المسيحية وبعدها الأمة المسيحية بررت تجييش وتحريك السلطة السياسية في خدمة وحدة العقيدة. ” اليد الزمنية العلمانية ” ضربت الانشقاقات أو الانفصال عن الكنيسة الرومانية و الهرطقيات. فقوة القيصر كانت مستخدمة في خدمة شؤون الله. فكرة ” الدين يجب أن يكون حرا” هي ” خطأ إلحادي أو من الزندقة” كما جاء في كتاب Bossuet (السياسة مستمدة من الكتب المقدسة، الجزء السابع 1709 ).
الصيغة ( لاهوتي / سياسي ) كانت سلطوية. وتمت ترجمتها على شكل اضطهاد ديني، وتسببت بعد محاولات” الإصلاح” بحروب أهلية خطيرة. هذه الحروب الدينية و الاضطهاد الذي تلاها ساهمت بشكل كبير في تطور الفكر السياسي الحديث. ردة الفعل كانت بعد هذه الحروب كالتالي : الدين يقسم ويفرق، السلطة السياسية تضطهد الدين، في النتيجة الدين يجب أن يبعد عن السياسة. الكنيسة الكاثوليكية، و التي اعتقدت أنها نجحت بأن أصبحت كنيسة الدولة، وُجدت من الآن فصاعدا في موقع دفاعي.
المحدّثون Modernes التزموا الصراع ضد السلطة السياسية للكنيسة الكاثوليكية وقد وصلت النتيجة إلى النجاح. الكاثوليكية فقدت في بلاد ” الكنيسة اللاتينية” موقعها كدين للدولة، الكنيسة الرومانية أجبرت على ترك موقعها الزمني، المبدأ الحديث للتحييد الديني للدولة أصبح القاعدة العامة،المجتمعات تعلمنت أو تحول المجال الكنسي إلى دنيوي Sécularisation . متضررة داخل مواقعها الزمنية،وفي إمبراطوريتها الروحية، ضحية أيضا في بعض الأحيان للسياسة المعادية للدين ( اضطهاد الثورة الفرنسية لها )، أو كما في ألمانيا كما تسمى Kulturkampf ، السياسة ” المعادية للكهنوتية” في الجمهورية الثالثة الفرنسية، الكنيسة تمسكت على طول القرن التاسع عشر وبعد ذلك أيضا بالارتباط بالنموذج الماضي: المسيحية أو المدينة الكاثوليكية بمعنى آخر النظام السياسي / ديني.
الأشياء بدأت بالتبدل مع بابا الفاتيكان Pie الثاني عشر( انتخب في عام 1939). يوحنا الثالث و العشرون تابع التغيير، وتم تكريس التطور من قبل مجلس الفاتيكان الثاني ( 1962 ـ 1965 ). مقياس التغيير كان في غاية الحساسية ومتنازع فيه. النصوص الرومانية هي في الكثير من الأحيان صعبة في الشرح و التفسير وذلك بسبب عمومية العديد من الصيغ و الأشكال،وبسبب أيضا الممارسة التقليدية للتيار ” التوفيقي” Concordisme بين الكتب المقدسة و نتائج التقدم العلمي ( كما يحصل في الإسلام اليوم ). مع ذلك، يظهر أنه و بشكل أكيد أن النصوص التصالحية تطبع وتؤشر إلى تبدل و تغير مهم في المذهب. أي تبدل و أي تغير؟
الكنيسة أُبعدت عند النموذج السياسي القروسطي. المثالي السياسوـ ديني للمسيحية، مقارنة ومشابهة المجتمع السياسي بالمجتمع الديني، نظرية السلطتان، مع صرامة الدولة و الدعوة إلى الزمني تم التغيير، الدنيوي و العلماني يبدو أنها مصطلحات قابلة للحياة ، فعاشت و استمرت. التجديد الأساسي بالنسبة للتعليم التقليدي يتعلق بالحرية الدينية و الذي يكرس كرامة البشر وحريتهم : لا أحد لأسباب دينية يجبر على التصرف ضد عقيدته أو يمنع من ممارستها.الكنيسة من الآن فصاعدا هي جزء من هذه الثقافة الحديثة والتي هي الجوهر الأكثر قوة ووضوحا لكرامة الشخصية الإنسانية. إذا الكنيسة تم فصلها عن نموذج أخذته وورثته عبر التاريخ. أما بالنسبة للمبادئ الأساسية تبقى وفية لتعليمها التقليدي. ولكن ماذا يقول هذا التعليم في النهاية ؟
5 ـ بين مملكتين.

لقد قدم علم السياسة تفسيرات متعددة لفهم السياسة منذ العصور القديمة وحتى الآن،أو ما يمكن أن نسميه نماذج التفسير و الفهم للسياسة.هذه النماذج تقسم منهجيا إلى ثلاثة: تفسير القدماء ( خاصة الفلاسفة اليونان)، ثم التفسير والفهم (المسيحي) و أخيرا التفسير الحديث. ربما يكون هذا المنهج في التقسيم عرضة للنقد وهذا حق الجميع دون أدنى شك، ولكن عدم التطرق للتفسير من قبل ( الكنيسة الشرقية) أو رأي الأديان الأخرى في منطقتنا أو بمعنى أخر استبعادها عن منهج فهم السياسة، هذا يعود إلى رؤية أولية نستطيع القول من خلالها أن هؤلاء لم يدخلوا سوق إنتاج المفاهيم السياسية بصفتهم منتجين،و إنما لهذه الدقيقة هم من المستهلكين لهذه المفاهيم،الشروح و التفسيرات. أو بمعنى آخر أيضا، الإسلام كان هو الحل منذ ألف سنة، ومازال في نظر المسلمين هو الحل بعد انقضاء الألف سنة رغم أن كل شيء قد تغير حتى الله ( بمعنى النظرة إليه وفهمه) وفي قوانينه الاقتصادية والاجتماعية والإنسان في اختراعه لأديان ومعتقدات جديدة (سياسية وحتى عقائدية).
كنا قد تحدثنا في نهاية الجزء الرابع من ” المسيحية وعلم السياسة” عد طرح قضايا تتعلق بالحرية الدينية و أن الكنيسة أصبحت جزءا من الثقافة الحديثة، ثم أن الكنيسة لم تعد ذاك الموروث التاريخي الذي يشكل عبئا على المؤمنين أو غير المؤمنين بالمسيحية. تبقى الإجابة على السؤال الذي طرح سابقا : إذا انطلقنا من الخطاب “السياسي” للكنيسة، إلى أين يقودنا المذهب السياسي لهذه الكنيسة وخاصة ” الرومانية” منها؟
ثلاث أطروحات يمكن مناقشتها ضمن هذا الإطار:
أولا ـ النظام السياسي و النظام الروحي يجب ألا نخلط بينهما و ألا نفصلهما:
من جانب، و بالتطابق مع الحكمة الإنجيلية، مجال السلطة السياسية و مجال السلطة الروحية هما مجالان مختلفان. يوجد زوايا متعددة يمكن النظر منها للقدر الإنساني، كما كتب سان توماس، مع كل واحد الوسائل و الغايات الخاصة به. الدولة لها قوانينها، الكنيسة لديها قوانينها أيضا. لكل مهنته. ” في الميدان الخاص بهما، المجتمع السياسي والكنيسة هما مستقلان الواحد عن الآخر” ( Gaudium et spes, 76.3). ومن جانب آخر، الرسالة الدينية للكنيسة لا تتحدد بقطاع واحد خارج الوجود الإنساني، إنها تضم كل الإنسان. المسيحي يبقى دائما مسيحي، يجب ألا يعيش بشكل مزدوج أو بنسختين، بمعنى أن يكون مؤمنا يوم الأحد، وإنسان من غير عقيدة بقية أيام الأسبوع. ضمن هذا المعنى،الكنيسة عليها عمل الكثير حتى تكّون أو ” تنفخ” روحا مسيحية في كل مجالات العمل الإنساني، أيضا ضمن هذا المعنى لا يمكنها أن تبقى غير مختلفة عن النظام السياسي و الاجتماعي حتى ولو أن هذا الأخير يتفق أو لا مع متطلبات الشخص أو الأشخاص.” إنه غير مقبول،ويخالف الإنجيل، الإدعاء بتحديد الدين ضمن الفضاء الخاص بالشخص. إنه سيكون من التناقض أن ننسى بعده السياسي و الاجتماعي”. ( جان بول II ، مدريد، 13 حزيران 1993).
كيف يمكن الذهاب مع هاتين الرؤيتين؟ نموذج المصالحة أو التصالح يمكن، كما يظهر، أن يكتب كالتالي: لا يوجد مشروع سياسي مسيحي أو برنامج سياسي مسيحي، ولكن يوجد مبادئ سياسية مسيحية. الكنيسة ليس لديها حلول مجسدة واقعة أو تقنيات سياسية لتقدمها، ” إنها لا تقترح أنظمة أو برامج سياسية واقتصادية، أنها لا تظهر كمرجع عند هؤلاء أو الآخرين، شريطة أن تكون الكرامة الإنسانية واجبة الاحترام و على أن يكون لهذه الكرامة و الشرف الإنساني الفضاء و المتسع الضروري لتكملة مهمتهما داخل هذا العالم”. (جان بول،المرجع السابق،الصفحة 41).
موضوع المذهب أو النظرية الاجتماعية للكنيسة لا يكون من أجل تعريف نموذج سياسي/اجتماعي،أو” طريق ثالث” بين الرأسمالية الليبرالية و الجماعية الماركسية collectivisme marxiste ، ولكن هو تثبيت لمبادئ و توجهات، مؤسسة على الوحي Révélation وعلى القانون الطبيعي.

ضمن هذا المعنى أو الاتجاه، لا يوجد ” سياسة مسيحية”، ولكن يوجد ” متطلبات مسيحية في السياسة”. مع ممارسة و تطبيق الحل، الأفضل سيكون ” تعاون صحيّ وسليم ” بين الكنيسة والدولة، آخذين بالاعتبار بعض الظروف. ( Gaudium et spes, 76.3 ).
ثانيا ـ السياسة هي ” فن نبيل”:

السياسة هي فن لأنها في نفس الوقت مخصصة لغايات جوهرية و تابعة لظروف زمنية و مكانية. ولكن ما هي هذه الغايات؟ وفية لتقليدها و بشكل خاص لسان توماس، الكنيسة تذكر بشكل دائم بثلاثة مبادئ أساسية:
1 ـ السلطة السياسية هي خدمة، موجه إلى للخير المشترك وبشكل قاطع إلى خير الأشخاص.السياسة ليس شيء آلي ميكانيكي، لا تختزل إلى تقنيات، إنها فعالية أخلاقية تأخذ على عاتقها ظروف الحياة المشتركة و العمل، مستندة إلى الحرية و جوهر ومعنى المسؤولية، وضمن معنى الكمال الإنساني. المرجع هو خير موضوعي، إنه الإنسان الكامل، وليس جزء من الإنسان. حيث أن الإنسان البدائي حصل عليه.
2 ـ النظام السياسي يجب أن يحترم بل يرتقي ويرتفع بالبعد ” التجمعي” للحياة الإنسانية. مجتمع منظم جيدا ليس تراكم agrégat من الأفراد المعزولين تحت سلطة الدولة. بل يضم مستوى وسطي ” وساطة”، إنه تجمعات مشاركة كل وفق مقياس معين. هذه ” الأجسام الوساطة ” لها أشكال مختلفة: العائلات “وهي الخلايا الأولى و الحيوية للمجتمع”، البلديات، الجمعيات و المنظمات، النقابات..الخ على أن تكون جميعها من تجمعات مختلفة من الأشخاص، هذه التجمعات تهدف لتحقيق فضيلة الاتصال و الارتباط الاجتماعي القوي وفي نفس الوقت تسمح لكل فرد بأخذ جزء ناشط وفعال من الحياة المشتركة. داخل الدولة، ” الأجسام الواسطة” و الأشخاص، توزيع المهارات و الكفاءات يجب أن يخضع لمبدأ التناوب الذي وضعه Pie XI في عام 1931،بشكل دائم يتم تكراره : سلطة القرار يجب أن تمارس على أكبر قدر ممكن من قبل الناس. خير الإنسان يتطلب أن يكون هذا الإنسان لديه مسؤولياته، و أن يكون فاعلا مسؤولا، وليس موضوع أو شيئا سلبيا.
3 ـ الثابت في كرامة الإنسان لديه بعد سياسي/اجتماعي. تنظيم المجتمع يجب بطريقة لا تقلب العلاقات و الوسائل في النهاية: حيث أن الدول وجدت من أجل الإنسان و ليس الإنسان موجود من أجل الدولة، الملكية وجدت أيضا من أجل الإنسان وليس العكس،العمل أو الاستهلاك هما في خدمة الإنسان وليس الإنسان في خدمتهما، العلوم التقنية و التكنولوجيا هي منظمة و موجهة لخير الإنسان وليس العكس. الكنيسة تنبذ كل التفسيرات التي تُخضع الوجود الإنساني لمتطلبات جزئية أو إخضاعية كما في اتجاه économisme أو technicisme. الاتجاه أو المذهب الاجتماعي للكنيسة ولد مع Rerum Navarum ( 1891) حيث Léon XIII تحدث عن الظرف القائم للتكتلات العمالية. اليوم، القائمون على العقيدة يلتزمون أو يرتبطون قبل كل شيء باللامساواة التي توجد في هذا العالم. ” القضية الاجتماعية هي اليوم عالمية” ( Paul VI ،Populorum Progressio ،1967، المدخل).
الكنيسة تدعو إلى تطور وتنمية جوهرية و التي لا تفصل الاقتصاد عن الإنسانية و أن تحقق متطلبات و حقوق جميع الأشخاص. أن يكون لديك و أن تملك هذا شيء مهم ولكن على أن يكون ذلك في خدمة الكائن الإنساني.

بناءا على هذه المبادئ، الكنيسة تطلق العديد من التقييمات و الأحكام فيما يتعلق بالأنظمة لكنها لم تقف أبدا لصالح هذا أو ذاك الشكل من الحكم. في مواجهة الديمقراطية الليبرالية، الكنيسة تبين في نفس الوقت انتقادات و تقييمات لصالح هذه الديمقراطية. يجب التمييز هنا: القائم على العقيدة” يقدر” النظام الديمقراطي كضامن لمشاركة المواطنين في اختياراتهم السياسية، حيث يظهر مثل الليبراليين دعاة حقوق الإنسان، لكن أيضا يطعن في ديمقراطية مطلقة و كل ليبرالية راديكالية : إرادة الشعب لا تعود لها الشرعية الوحيدة في القرار، أيضا إرادة الفرد ليست الوحيدة التي تبرر مسيرة الحياة. المعيار الأساسي هو احترام الخير المنشد أو المقصود. الإرادة الإنسانية ليست صاحبة سيادة، العقل الإنساني ليس هو مقياس و قاعدة الأشياء. هنا يكون دائما “حجر عثرة” pierre d’achoppement بين الفكر الكاثوليكي و الفكر الحديث ( على الأقل في صيغته النقية الخالصة ).
الكنيسة تطرح العديد من المبادئ و التوجهات. تدعو أولئك الذين يمارسون مهنة السياسة و الذين اختاروها إلى هذه المبادئ. و المهم أولا، هي المعطيات الأخلاقية: أن لا يكون الشعب كتلة من البشر، أن يكون رجال السياسة أصحاب ثقة ويسعون نحو الكمال، أن يكون قلقهم الأول هو الخير المشترك. و المهم ثانيا، الأهلية و الجدارة أو العلم و المعرفة بالحكم وظروفه و حالاته الخاصة أي بمعنى آخر ” الانتباه و الحذر”. المسيحيون مدعوون لإعطاء القدوة و المثال. بما أنهم مواطنون، عليهم التصرف ليس باسم الكنيسة أو بإقحامها ولكن باسمهم الخاص ( في الفعل المجسد و الواقع، التعددية السياسية هي شرعية). بشكل آخر للقول، الكنيسة تنسب إليها التمييز أو التفريق الذي قام به Jacques Maritain بين ” التصرف كمسيحي” و ” التصرف بالمسيحية”. استلهام المسيحية يجب أن يكون حاضرا بشكل دائم ولكن لا يوجد برنامج سياسي مسيحي.
ثالثا ـ السياسة لديها حدودها لكن التاريخ مفتوح للفضيلة والعفو.
الذي نستطيع أن نتأمله من السياسة هو بالطبيعة موجود لكنه لم يتحقق. نظام السياسة لن يكون لديه نهائيا قيما مطلقة، الرجاء أو الأمل المسيحي هو في جانب آخر أو أبعد من السياسة، بل أبعد من الزمن.ضمن نظامها الخاص، السياسة نذرت نفسها لعدم الكمال. إذا وجدت ” بنىً للخطيئة ” ، لا يوجد أنظمة سماوية.( جان بولII). في نهاية المطاف، كل شيء يعتمد على الإنسان و الإنسان منقسم في داخله لأن طبيعته مجروحة بالخطيئة. الشر داخل الإنسان، ” الصراع ضد قوى الظلام والجهل تمر خلال كل التاريخ عبر الإنسان” وهذا سيستمر إلى نهاية الأزمان” أما المدينة الكاملة ليست من هذا العالم.
من جانب آخر وبشكل غير مرئي، الفضيلة موضوعة في التنفيذ داخل التاريخ و ” المملكة” Royaume بالحرف الكبير، هي مسبقا موجودة فوق هذه الأرض. المدينتان مختلطتان بشكل خفي أو غامض في هذا العالم. لهذا السبب، إذا كان من الواجب التمييز بعناية التقدم الإنساني نحو أو بتدرج باتجاه ” حكم المسيح”، هذا التقدم هو مع ذلك مرتبط في جزء منه مع ” المملكة ” ضمن مقياس حيث ” يأنس” humanise الحياة المشتركة للبشر. ( Gaudium et spes, 39.2). هذه ” الخميرة ” الإنجيلية تقرب الإنسان من الله (ونعتقد أن جميع الأديان تحتاج لهذه الخميرة)، إنها تقرب أيضا البشر من بعضهم أو فيما بينهم.
كذلك الكنيسة الكاثوليكية تجهد لتمسك بطرفي السلسلة، و أن تقدم ما عليها في المدينتين. إنها تعلم في نفس الوقت عدم كفاية العالم وعظمة الخلق، أسبقية الروحي و استقلالية السياسة، السير الغامض للتاريخ المقدس و فضائل النظام الطبيعي، ثم ضرورة وجود السلطة. المذهب الكاثوليكي يتناقض مع كل راديكالية أو مع كل طوباوية سياسية، إنه راديكالي في دعوته للأشخاص، إنه يقول بحكمة القانون الطبيعي. البعدان لا يتعارضان، الفضيلة والنعمة تعلي و ترفع الطبيعة، لكن تنظيمهما هو في حالة تجاذب وتقلب بين القطبين. أو ( بشكل مبسط) : الذي يجسده سان أوغستان و الذي تجسد من خلال سان توماس. التوتر بين المدينتين هو موضوع تعايش أو جوهر مشترك في الفكر الكاثوليكي.
6ـ تحرير الإرادة.
من يقرأ الفلسفة السياسية الحديثة يرى أنها ليست متجانسة. مع ذلك نحن نصنف مجموعة من علماء السياسة أو المفكرين في مجالاتها و كأنهم في خانة أو مجموعة واحدة، كما هو الحال مع كارل ماركس،مونتسيكيو،ميكيافليي…، علما أن بينهم تناقضات كثيرة، إذا ما هو سبب هذا التصنيف ؟
في النظرة أو الوهلة الأولى، وحدة الفلسفة السياسية الحديثة تعود لنفس الرفض: الحداثة ترفض تقاليد الماضي وكأنها شؤم أو غير واقعية. أكثر عمقا، هذا الرفض يستند على أشياء مشتركة نستطيع أن ندعوها روح الحداثة و التي تعمل في اتجاه : انعتاق الإرادة. فكرة الانعتاق يمكن أن يكون مفكر فيها بشكل معتدل أو آخر متطرف. تاريخ الفلسفة السياسية الحديثة يظهر بشكل واسع و كأنها تعميق للإرادة الانعتاقية هذه. في مجريات هذا التاريخ، الحالة الجديدة تعود أو تخص العقل. هذه الحالة تتميز بعدة عناوين أو أشكال. أولا، الروح الحديثة تؤكد استقلال العقل في معنى واحد أكثر راديكالية من الفلسفة الكلاسيكية أو بالأحرى من الفلسفة الكلاسيكيةـ المسيحية. استقلالية العقل الحديث لا تعني فقط رفض مبدأ السلطة ( و بالتالي رفض السلطة السياسية و الدينية )، إنها تعني أيضا رفض مبدأ الغائية. الإنسان ليس نهائيا جزءا من نظام يتجاوزه( الكون عند اليونان) Cosmos، الخلق وفق لمسيحية Création، ليس موجها أو منظما نهائيا إلى نهاية هي في طبيعته، إنه إنسان مستقل. إن تعرج الروح الحديثة يقود الاقتراح التالي: الإنسان هو سيد، إنه سيد العقل، الضمير و الإدراك. التقليد يجب أن يكون إذا مطعون فيه لأنه يضع الفرد في حالة من التبعية، إنه يمنعه من بلوغ رشده.
هذا العقل المستقل بشكل كبير وجذري هو، ثانيا، فاتح أو غاز. العقل عند القدماء و عند المسيحيين كان هدفه الحياة الشخصية: العقل يجب أن يسمح لكل منا بالسيطرة على أهوائه و أن يقود حياته بالتطابق مع طبيعته كحيوان عاقل. العقل الحديث يغير الاتجاه: إنه يرتبط بالعالم الخارجي و يمتد لتغيير ظروف الإنسان. أنه متقد بواسطة روح التحرر و الانطلاق و التي تهدف في نفس الوقت السيطرة على الطبيعة اليونانية و على العلم و التقنية، ثم السيطرة على المجتمع عبر تنظيمه بشكل عقلاني. مغامرة كبيرة وجديدة تفتح، إنها المغامرة الخارجية، التي تبدل أو تغير المغامرة الداخلية. العالم منظم، إنه قابل للتطويع أكثر مما اعتقدنا في السابق، وحرية الإرادة الإنسانية أصبحت أكثر كبرا. ” العالم الطبيعي هو للاقتحام” يقول باكون وديكارت،” الإنسان يجب أن يصبح سيدا و مالكا”، أما ماركس فيدعو لولادة عالم جديد. تحت شكل أقل أو أكثر راديكالية أو أقل أو أكثر اعتدالا، الروح الحديثة تمتد لإعادة التفكير في العالم من أجل تغييره. يتبع ذلك أن الفارق التقليدي بين النظرية و التطبيق سيصبح أقل بروزا و تضعف معالمه. المعرفة هي سلطة، إنها تعد بعصر جديد لظروف الإنسان.
ثالثا، هذا الاتجاه الجديد للعقل يعني ما يلي: من جانب العقل الحديث هو فاتح أو غاز،ومن جانب آخر هو عقل خادم. العقل يعطي القدرة على تغيير الأشياء الخارجية، إنه يمتد حتى يترك إدارة الأشياء الداخلية. بشكل آخر للقول، يوضع في خدمة حرية أكثر فأكثر ليس لها حدود، إنه يترك المجال أمام الرغبات الإنسانية. الروح الحديثة فرغت بشكل متدرج فكرة الطبيعة الإنسانية من كل جوهر و نختم الفكرة بالقول: الطبيعة هي حرية نقية صافية، تُبنى داخل و بواسطة التاريخ أو تُبنى كما يراها كل فرد ويفهمها. تحت شكلها النقي الخالص أو شكله الراديكالي، الفكر الحديث يعتبر الإنسان كخالق لنفسه. بمعنى آخر الإرادة تمحي الطبيعة. العقل يبادر بالفعل، إنه بذلك يشكل أداة و يدير الوسائل وفق القوة أو الاستطاعة الإنسانية، استطاعة يجب أن تستخدم من أجل إعادة الحياة أكثر مدة أو طولا، و أكثر راحة، أكثر غنى ممكن، أو استطاعة وقوة يبحث عنها بحد ذاتها.
بالمقارنة مع الكلاسيكيين، الحديثون يطلبون في نفس الوقت أقل أو أكثر من العقل: من جانب هم يرتقون به و من جانب آخر ينزلون به.في النتيجة،النتائج هي معكوسة: من الآن فصاعدا يوجد مجتمع أو نظام اجتماعي وفق العقل ولكن لا يوجد حياة وفق العقل.
السياسة بذلك تغير من طبيعتها. الثورة الحديثة تعني أن السياسة تتجاوز السلطة السماوية و السلطات اللاهوتية. بعمق أكثر، المشروع الحديث يعني أن السياسة تتوقف عن أن تكون فنا لتصبح بذلك تقنية أو تكنيكا. التعريف النهائي للسياسة يترك المكان لتعريف أداتي Instrumentale. موضوع السياسة وفق التقاليد كان العمل من العيش الجيد للإنسان، موضوع السياسة وفق الفلسفة الحديثة هو التنظيم و بشكل عقلاني للعالم الاجتماعي في خدمة الانعتاق الإنساني. بالنسبة للكلاسيكيين، السياسة تبقى بشكل ضروري بجانب العقل، وعند الحديثين، المشكلة السياسية لديها حل عقلي. هذا الحل هو مؤسساتي. الفلسفة الحديثة لا ترتبط نهائيا بفضائل الفاعلين، إنها تعتمد على فضائل النظام.
الفلسفة السياسية أيضا تغير من طبيعتها ومن خلال إستراتيجية. الفلسفة لا تفعل سوى توضيح السياسة، لديها دعوة للحكم. إرادة عقلنة السياسة بشكل كبير تبرر سياسة جديدة للفلسفة: الكتابات الحديثة لديها،بشكل عام، طابع نضالي. التحليلات هي أيضا برامج أو بيانات. اللغة المزدوجة التي يستخدمها الحديثون بشكل مستمر ليس لديها نهائيا نفس المعنى كما عند ” اليونان”. إنها لا تهدف لوقاية و صيانة الرأي و الفلسفة، بل تهدف لفتح الآفاق أمام الرأي و لنشر الفلسفة. اللغة المزدوجة هي باطنية ésotérique من أجل الدوران على الرقابة و النقد، وهي ظاهرية exotérique من أجل الإقناع من غير تصادم. فالمشاريع الكبرى تحتاج مناورات كبرى.
في التفاصيل بشكل مؤكد الأشياء أكثر تعقيدا بكثير. في البداية تاريخ الفكر ليس تماما هو مستقيم. فكرة التجذير radicalisation المتدرج للفكر الحديث لم يتم استغراقها إلا تحت مجموعة تحفظات ( ميكيافلي هو أكثر راديكالية من مونتسكيو). فيما بعد الفلسفة السياسية الحديثة ستقسم في تيارات مختلفة. إما، نبسطها مجددا فنقول: من جانب الليبراليين ( بالمعنى الواسع) من أجل انعتاق الأفراد أو حريتهم المستقلة تمر عبر الوضع في التنفيذ تقنيات تحافظ على الحرية؛ من جانب آخر الانعتاق من التاريخ السماوي الإلهي حتى يكون انعتاق الإنسانية داخل و بواسطة التاريخ، والسياسة ستزود بالتقنيات من أجل التحرر. إنهما وجها الحداثة. في الأصل، يوجد الثورة الأخلاقية مصنوعة بكل معرفة بالوقائع بواسطة الرائدين الكبيرين للفلسفة السياسية الحديثة: ( نيكولاس ميكيافلي) و ( توماس هوبز).
كتاب”الأمير” الذي وضعه ميكيافلي ( 1513) ينتمي إلى شكل أدبي تقليدي : ” مرايا الأمراء”. هذا الكتاب يأخذ مكانه في سلسلة طويلة ضمن المؤلفات حول فن الحكم. ولكن إذا كانت القربة “الزجاجة” قديمة فإن النبيذ هو جديد. الذي يطوره ميكيافلي ( 1469 ـ 1527)، من غير أن يرفع نبرة الصوت، هي مجموعة من الوصايا والتي بما أنها وصايا للحكم : ” لأن البشر إما أن يدمروا بعضهم وإما أن يتلاطفوا “، لأنهم يذهبون إلى الثأر لأقل الأسباب ( الفصل الثالث)، ” إنه من المؤكد أن يخافوك الناس أكثر مما يحبوك” (الفصل السابع عشر)، ” يجب أن يكون الأمير متصنعا بشكل كبير ومنافقا أيضا” ( الفصل الثامن عشر). في النتيجة بماذا ينصح ميكيافلي؟

إنه ينصح الملك بأن يأخذ بوسائل الطاغية. تحت ريشته، وفي جميع الأحوال في كتاب “الأمير”، التمييز القديم يُمحى لأن عالم الأخلاق أو عالم ميكيافلي هو نقيض للعالم الأخلاقي لأفلاطون،أرسطو و سان توماس. العلاقات بين السياسة، الخير والشر تغيرت في معناها، كما تغيرت في معنى الكلمات المتعلقة “بالفضيلة” و “الحكمة”. التعليم الواضح والمعلن عند ميكيافلي هو تهذيب الأخلاق وفق الضرورة : الشر هو ضروري في السياسة و هذه الضرورة مبررة.
ميكيافلي هو مفكر جرئ،حاذق و أيضا لغزي مبهم. كيف نشرح أخطاءه الظاهرة و الواضحة جدا، وتناقضاته أيضا التي نجدها في نصوصه؟ كيف ينصح “الأمير”، حيث يأخذ وجهة نظر الملكية ـ الطاغية؟ ما هي آخر كلمة لرجل باعترافه الخاص مارس الفن الذي أوصى به الأمير وهو ” النفاق و التصنع”: ” منذ بعض الوقت لا أقول نهائيا ما أفكر وأعتقد به، و لا أعتقد نهائيا بما أقول” ( رسالة كتبت في 17 أيار 1521 إلى Guichardin)؟ جرأة ميكيافلي تذهب،كما يظهر، أبعد من تعليمه المبين: المشروع الميكيافلي هو مشروع لقلب وتدمير العالم الكلاسيكي ـ المسيحي، لا يهدف فقط إلى تقويض الدور السياسي للكنيسة، إنه يهدف لتغيير وبشكل جذري التعاليم التي تدير وتحكم البشر. هذا الذي يظهر أو يقدم كمستشار للأمير هو في الواقع المُعلّم الخفي للأمراء الجدد. إنه المربي أو المنشئ لفضاء جديد لرجال السياسة. ميكيافلي يهدف ” لحكومة غير مباشرة” للبشر كما يرى ( Harvey ) من خلال تدخل عدد قليل من أولئك الذي لديهم القدرة على متابعة تعاليمه حتى النهاية. البشر العاديون غير قادرين لسماعه بشكل حقيقي أو حتى أن يأخذوا بشكل جدي ما يقوله بوضوح. هؤلاء هم الجبناء،إنهم لا يتجرؤوا، إنهم لا يفهموا هؤلاء الذين يتجرؤون. إنهم مدعوون ليكونوا مخدوعين. في الفصل الخامس عشر من “الأمير”، ميكيافلي يبين بشكل دائم الجديد في خطوته: ” لكن قصدي هو كتابة شيئا مفيدا لمن يسمعه. كثيرون تخيلوا جمهوريات و ملكيات لم تتم نهائيا رؤيتها أو معرفتها بشكل حقيقي.
في الواقع،هناك بعد كبير بين الشكل الذي نعيش والشكل الذي يجب أن نعيش”. ميكيافلي يعارض ” الأشياء التي تخيلناها” و ” الأشياء التي تبدو حقيقية”، بمعنى آخر تحليل الفلسفة الكلاسيكية و الفلسفة الكلاسيكيةـ المسيحية. فكر أفلاطون و من جاء بعده هو غير واقعي، إنه أسس على فكرة خاطئة بشكل كبير: الإنسان منظم و مرتب بواسطة دعوته إلى الحياة وفق الفضيلة. في الواقع،البشر هم كليا شيء مختلف. إنهم أشرار و محرومون من النهايات الطبيعية. ينبغي إذا إعادة التفكير في موضوع السياسة منطلقين من أهداف تكون بشكل حقيقي متابعة و ملاحقة من قبل الإنسان. ميكيافلي يقلص أو يخفض بعزم و ترو قواعد الفعل السياسي. النظام الأفضل عند الكلاسيكيين هو وهم. النجاح العملي يفرض أن نأخذه” بالحقيقة الفعلية للأشياء”.

ما هي إذا أهداف السياسة كما يقدمها أو يراها ميكيافلي خاصة في كتابه ” الأمير” ؟ وهل هي في خدمة الأمير ـ الطاغية ؟ وهل حقيقة ميكيافلي لم يقل كلمة واحدة خلال خمسة وعشرين فصلا من الكتاب عن الخير العام في تمييزه عن خير الملك ؟ هذا ما سنراه لاحقا مع دراسة الفكر السياسي عند ميكيافلي.

جماعات الضغط

كاتب الموضوع الأصلي: احمد العبدالقادر-32

جماعة التأييد هي جماعة أو منظمة تحاول جاهدةً التأثير على الحكومة، ولكنها لا تمتلك سلطة بها. ويمكن تكوين جماعة لتأييد قضية واحدة، والذي يكون أحيانًا ردًا على حدث أو تهديد واحد وقع. في بعض الحالات، تدخل المبادرات المؤيدة في الأساس من جماعات التأييد لاحقًا ضمن النظام باعتبارها من العناصر المهمة للحياة المدنية (مثلاً، التعليم العالمي أو تنظيم الأطباء – انظر أدناه لمزيد من التفاصيل). ويمكن تشكيل جماعات تمثل مصالح واسعة النطاق لمجموعة من الأفراد بهدف إفادتهم على مدى فترة زمنية مطولة وبطرق عديدة، ومن أمثلة ذلك منظمات المستهلكين والروابط المهنية والنقابات المهنية واتحادات نقابات العمال.

الأنشطة[عدل]توجد أنواع متعددة للغاية من جماعات التأييد، وذلك بناءً على أنشطتها الأكثر وضوحًا.

منظمات مكافحة التشهير تصدر ردودًا أو انتقادات على الازدراءات الحقيقية أو المزعومة من أي نوع (تتضمن الكلام أو العنف) الصادرة من فرد أو مجموعة ضد فئة معينة من الشعب تم تأسيس المنظمة لتمثيلها.
المجموعات الرقابية التي يهدف تأسيسها إلى مراقبة أو تقييم الأفعال أو وسائل الإعلام من خلال منافذ متعددة، وذلك في كل من الحكومة والشركات. ويمكنها أيضًا إعداد قواعد بيانات بالشخصيات والمؤسسات والمنتجات والأنشطة لتقديم تغطية وتقييم لقيمة أو مدى قابلية استمرار مثل هذه الكيانات في الديموغرافيات المستهدفة.
جماعات الضغط السياسي عبارة عن لوبي لتغيير القانون أو الإبقاء على قانون معين، وتمول الشركات الكبرى جماعات ضغط سياسي مهمة للغاية ومؤثرة على المشرعين، مثلاً في الولايات المتحدة وفي المملكة المتحدة حيث ظهر اللوبي لأول مرة. وتمتلك بعض جماعات الضغط السياسي موارد مالية ضخمة تحت تصرفها. وينظم عمل اللوبي لإيقاف أسوأ الانتهاكات التي يمكن أن تتطور إلى فساد. في الولايات المتحدة، تميز دائرة ضريبة الدخل بوضوح بين الضغط السياسي والتأييد.[5]
توفر صناديق الدفاع القانوني تمويلاً للدفاع القانوني عن، أو اتخاذ الإجراء القانوني ضد، الأفراد أو الجماعات ذات الصلة باهتماماتهم الخاصة أو الديموغرافيا المستهدفة. وعادةً ما يصحب ذلك تقديم واحدة من جماعات التأييد المذكورة أعلاه صديق المحكمة إذا كانت القضية المعرضة للخطر تخدم مصالح كل من صندوق الدفاع القانوني وجماعات تأييد أخرى.
الأنواع[عدل]يمكن تصنيف المنظمات على غرار عناصر التجارة الثلاثة: أصحاب العمل والعاملين والمستهلكين.

تمثل منظمات أصحاب الأعمال مصالح مجموعة من الشركات في نفس المجال.
تدعم المنظمات المهنية أو العمالية المصالح المهنية والاقتصادية لعمال مهنة أو مجال أو تجارة معينة، وذلك عبر التفاعل مع الحكومة وتجهيز حملات إعلانية أو ترويجية أخرى للعامة. وستقدم مثل هذه الجماعات أيضًا خدمات للأعضاء، مثل الدعم الوظيفي والتدريب والأنشطة الاجتماعية المنظمة.[6] وتختلف هذه الأهداف عن أهداف الجهاز التنظيمي لـمهنة مستقلة، الذي يمنح التراخيص ويراقب ممارسيها بهدف تلبية مصالح العامة.[7] ولا تتعامل مؤسسة التأييد بشكل مباشر مع أصحاب الأعمال مثلما يفعل اتحاد نقابة العمال.
تؤسس منظمات المستهلكين لحماية الناس من تعسف المؤسسات وتعزيز الممارسات التجارية العادلة وإنفاذ حقوق المستهلكين.
التأثير[عدل]في معظم الديمقراطيات الليبرالية، تميل جماعات التأييد إلى استخدام البيروقراطية باعتبارها قناة التواصل الرئيسية للتأثير – لأنه هنا تكمن قوة اتخاذ القرارات في الديمقراطيات الليبرالية. وتهدف جماعات الضغط هنا إلى محاولة التأثير على أحد أعضاء السلطة التشريعية لدعم قضيتهم من خلال التصويت بقرار لصالحهم في المجلس التشريعي. وعمومًا، يقتصر الوصول إلى قناة التواصل هذه على الجماعات الداخلية (المطلعة على الأسرار الداخلية)، مثل الشركات الكبرى واتحادات النقابات العمالية – هذا ومن غير المحتمل أن تتمكن الجماعات الخارجية (غير المطلعة على الأسرار الداخلية) من مقابلة الوزراء أو غيرهم من الأعضاء البيروقراطيين لمناقشة الأمور السياسية معهم. وما ينبغي استيعابه بشأن الجماعات المؤثرة على البيروقراطية هو أن “العلاقة الجوهرية هنا [في البيروقراطية] غالبًا ما تكون بين كبار البيروقراطيين ومصالح المؤسسات التجارية أو الصناعية الرائدة”. وهذا يدعم الرأي القائل بأن الجماعات التي تمتلك موارد مالية ضخمة تحت تصرفها ستكون أقدر بشكل عام على التأثير على عملية اتخاذ الحكومة للقرارات. وترجع المزايا التي تختص بها المؤسسات التجارية الضخمة بشكل أساسي إلى حقيقة كونها من كبار المنتجين في اقتصاد دولهم، وبالتالي، فإن مصالحهم مهمة بالنسبة للحكومة؛ نظرًا لأن إسهاماتهم في الاقتصاد مهمة. وفقًا لجورج مونبيوت، تعزز تأثير الشركات التجارية الكبرى نتيجة “السهولة البالغة التي تستطيع من خلالها الشركات نقل الإنتاج والاستثمار في الاقتصاد العالمي”.[8] وهذا يشير إلى أنه في هذا العالم المتطور باستمرار، تلعب الشركات الكبرى دورًا كبيرًا في التأثير على البيروقراطية، وبالتالي، عملية اتخاذ الحكومة للقرارات.

يمكن أن تؤثر جماعات التأييد أيضًا في المجتمع عن طريق تشكيل ضغط سياسي. وتستطيع الجماعات التي تمتلك موارد اقتصادية ضخمة تحت تصرفها توظيف أعضاء محترفين في الضغط السياسي لمحاولة فرض تأثيرهم على المجتمع. ومن أمثلة هذه الجماعات المنظمة المدافعة عن البيئة “السلام الأخضر” (Greenpeace)؛ وتستعين منظمة السلام الأخضر (هي منظمة يزيد دخلها عن 50 مليون دولار) بالضغط السياسي لكسب الدعم السياسي لحملاتها. وتثير مشكلات بيئية بهدف ترجمتها إلى سياسات، مثل حث الحكومة على استخدام الطاقة البديلة وإعادة التدوير.

علاوة على ذلك، يمكن أن تستخدم جماعات التأييد الفرع القضائي من الحكومة في التأثير. وفي الدول حيث يستحيل على المحاكم الاعتراض على التشريعات، مثل المملكة المتحدة، تكون جماعات الضغط محدودة التأثير. ولكن، في الدول التي لديها دساتير مدونة، مثل الولايات المتحدة، يكون تأثير جماعة الضغط أكبر بكثير. على سبيل المثال، في عام 1954 مارست الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين (NAACP) ضغوطًا سياسية على مجلس توبيكا للتعليم، حيث جادلت بأن التفرقة في التعليم بناءً على العرق ليست أمرًا دستوريًا. ونتيجة الضغط الجماعي من الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين، قضت المحكمة العليا بالإجماع بأن التفرقة العنصرية في التعليم ليست دستورية بالفعل، وأن مثل هذه الممارسات محظورة. وهذا مثال حديث على كيفية تأثير جماعات الضغط على الفرع القضائي في الحكومة.

يمكن أن تؤثر جماعات التأييد أيضًا على الأحزاب السياسية. والطريقة الرئيسية التي تتبناها الجماعات للقيام بذلك هو من خلال تمويل الحملات الانتخابية. على سبيل المثال، في المملكة المتحدة، كثيرًا ما تمول الحملات الانتخابية لأحزاب المحافظين من الشركات الكبرى، حيث تعكس العديد من حملات هذه الأحزاب مصالح الشركات. كذلك، كانت حملة إعادة انتخاب جورج دبليو بوش في عام 2004 أغلى حملة انتخابية في تاريخ أمريكا وكانت ممولة بشكل أساسي من الشركات الكبرى والمصالح الصناعية التي مثلتها إدارة بوش في الحكومة. وبالعكس، كثيرًا ما تمول الأحزاب اليسارية من الاتحادات العمالية المنظمة – عند تأسيس حزب العمل لأول مرة، كان ممولاً في الغالب من اتحادات النقابات العمالية. وفي الواقع، كثيرًا ما يكون تأسيس الأحزاب السياسية ناتجًا عن ضغط جماعي، مثلاً، تأسس حزب العمل في المملكة المتحدة نتيجة حركة اتحاد نقابة العمال الجديدة التي مارست ضغطًا سياسيًا من أجل حقوق العمال.

بالإضافة إلى ذلك، تستطيع جماعات التأييد التأثير من خلال القنوات المنفصلة عن الحكومة أو الهيكل السياسي، مثل وسائل الإعلام وعبر تنظيم حملات الرأي العام. وستستخدم جماعات الضغط بعض الأساليب، مثل الاحتجاج وتقديم عرائض والعصيان المدني في محاولة للتأثير على الديمقراطيات الليبرالية. وستستعين عمومًا بأسلوبين مميزين عند محاولة التلاعب بوسائل الإعلام – إما ستلجأ إلى حقيقة كونها غير مطلعة على الأسرار الداخلية وتستغل عدم قدرتها على الوصول إلى قنوات التأثير الأخرى لكسب التعاطف أو ربما ستلجأ إلى جدول أعمال أكثر أيديولوجية. تقليديًا، كانت اتحادات النقابات العمالية من أوائل الأمثلة على هذه الجماعات؛ والتي كانت تدعى العضلة “الصناعية”. وتقوم اتحادات النقابات العمالية بحملات في شكل أعمال صناعية ومسيرات للمطالبة بحقوق العمال، وقد نجحت هذه الحملات في كسب المزيد من اهتمام الإعلام والتعاطف مع قضيتهم. في الولايات المتحدة، حازت حملة الحقوق المدنية على معظم شهرتها من العصيان المدني الذي قامت به؛ حيث يقوم الأمريكان من أصل إفريقي ببساطة بالتمرد على قوانين التمييز العنصري ليواجهوا العنف ورد الفعل العنصري من الشرطة والأمريكان البيض. وهكذا، تقوم بإذاعة هذا العنف والعنصرية في جميع أرجاء العالم لتظهر للعالم كيف هي “الحرب” العنصرية غير المتعادلة في أمريكا. وبفضل حملة الحقوق المدنية، استؤصلت العنصرية الراسخة في الولايات المتحدة تقريبًا، لدرجة أن يتولى رئاسة أمريكا الآن رئيس أمريكي من أصول إفريقية.

برز تأثير جماعات التأييد أيضًا في الهيئات فوق القومية التي ظهرت مع العولمة. الجماعات التي تمتلك بالفعل هيكلاً عالميًا، مثل مؤسسة “السلام الأخضر” التي تستطيع التكيف مع العولمة بشكل أفضل. على سبيل المثال، توجد مكاتب لمؤسسة “السلام الأخضر” في أكثر من 30 دولة ويبلغ دخلها السنوي 50 مليون دولار. واستطاعت مثل هذه الجماعات تأمين طبيعة تأثيرها من خلال اكتساب مكانتها كمنظمات غير حكومية (NGOs)، ويراقب العديد منها أعمال الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي من مكاتبها الدائمة في أمريكا وأوروبا. يمكن أن تمارس الصناعات فوق القومية ضغطًا جماعيًا بعدة طرق: “من خلال الضغط السياسي المباشر من قِبل الشركات الكبرى والهيئات التجارية الوطنية وجمعيات “القمة”، مثل المائدة المستديرة للصناعيين الأوروبيين”.

جماعات التأييد المؤثرة[عدل]شهد التاريخ العديد من جماعات التأييد المهمة، ويمكن اعتبار بعضها يعمل بديناميكيات مختلفة والأفضل وصفها بأنها حركات اجتماعية. وإليك بعض الجماعات البارزة التي تعمل في أجزاء متفرقة من العالم:

لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، جماعة الضغط الأمريكية الإسرائيلية، التي وصفتها جريدة نيويورك تايمز بأنها “اللوبي الأكثر تأثيرًا على العلاقات الأمريكية مع إسرائيل.”[9]
الاتحاد الطبي البريطاني، الذي تشكل خلال اجتماع ضم 50 طبيبًا في عام 1832 لمشاركة المعرفة؛ وأدت ممارسته للضغط السياسي إلى إصدار القانون الطبي لسنة 1858 وتشكيل المجلس الطبي العام الذي يضم أطباء مسجلين ومنظمين في المملكة المتحدة حتى يومنا هذا.[10]
حملة نزع السلاح النووي، التي أيدت الحد من انتشار الأسلحة النووية ونزع السلاح النووي من جانب واحد في المملكة المتحدة منذ عام 1957، والتي أصبح شعارها الآن رمز السلام الدولي.[11]
مركز أمان السيارات، منظمة أسست في عام 1970 وتهدف إلى تقديم نصائح للمستخدمين عن سلامة وجودة السيارات في الولايات المتحدة.[12]
التحالف المعني بسياسات المخدرات، الذي يتمثل هدفه الأساسي في إنهاء “الحرب على المخدرات” التي شنتها أمريكا.[13]
مؤسسة الحدود الإلكترونية، هي مؤسسة غير ربحية وقانونية للدفاع عن الحقوق الرقمية ومقرها الولايات المتحدة.
لوبي الطاقة (Energy Lobby)، مصطلح شامل يعبر عن ممثلي شركات النفط والغاز والفحم والمرافق الكهربائية الكبرى التي تحاول التأثير على السياسات الحكومية في الولايات المتحدة.
المائدة المستديرة للخدمات المالية، هي منظمة تمثل اللوبي المصرفي.
منظمة السلام الأخضر، هي منظمة تأسست في عام 1970 تحت اسم لجنة إيقاف التغيير المناخي (Don’t Make a Wave Committee) لإيقاف تجارب الأسلحة النووية في الولايات المتحدة.[14]
جمعية البندقية الوطنية، هي منظمة تأسست في نيويورك عام 1871 لحماية حقوق مالكي البنادق.[15]
منظمة أوكسفام، هي منظمة تأسست في عام 1942 في المملكة المتحدة تحت اسم “لجنة أكسفورد للإغاثة من المجاعة”.[16]
جمعية بنسلفانيا للتحرير من العبودية، التي تأسست في فيلادلفيا في عام 1775 بهدف القضاء على العبودية في الولايات المتحدة.[17]
منظمة أناس من أجل المعاملة الأخلاقية للحيوانات، هي منظمة للدفاع عن حقوق الحيوانات تركز في الأساس على معاملة الحيوانات في مزارع المصانع وفي تجارة الملابس والمختبرات والصناعة الترفيهية.[18]
الجمعية الملكية لحماية الطيور، تأسست في مانشستر في عام 1889 للدعاية ضد “التجارة الوحشية في ريش الطيور لتصنيع قبعات النساء”.[19]
نادي سييرا، الذي تأسس عام 1892 للمساعدة في حماية سلسلة جبال سييرا نيفادا.[20]
تحالف أوقفوا الحرب، هي منظمة تناهض الحرب على الإرهاب وتضمنت مسيرة ضمت ما بين 750 ألفًا إلى مليوني شخص في لندن في عام 2003.[21]
جمعية المطالبات بحق اقتراع المرأة، التي سعت إلى إثبات حق المرأة في الاقتراع من خلال ممارسة الضغط المباشر والإضراب عن الطعام في الفترة من 1865-1928 في المملكة المتحدة.[22]
جمعية قاطني الحدائق السكنية الفرعية المتحدة(ARPRA)، التي تأسست في عام 1986 لتمثيل المقيمين في الحدائق السكنية في نيوساوث ويلز، أستراليا.
حركة مدارس الأحد، التي تأسست حوالي عام 1751 للترويج لفكرة التعليم العام في المملكة المتحدة.[23]
التوري، الذي تأسس في عام 1678 لمقاومة قانون الإقصاء البريطاني وتطور إلى واحد من أوائل الأحزاب السياسية المعروفة الآن باسم حزب المحافظين.[24]
الفساد والنشاط غير القانوني[عدل]في بعض الحالات، أدينت جماعات تأييد بممارسة نشاط غير قانوني. وتتضمن أبرز الأمثلة:

فضيحة الضغط السياسي لجاك أبراموف الخاصة بالفساد والضغط السياسي الاحتيالي على شركات قمار الأمريكيين الأصليين[25]
اتفاق التسوية مع شركات التبغ الأمريكية الذي عقد بين النواب العامين في 46 ولاية وأكبر أربع شركات تبغ أمريكية؛ حيث وافقت على دفع 206 مليار دولار على مدى أول خمس وعشرين سنة من إبرام الاتفاق.[26]:25
المجموعات المناهضة[عدل]يوجد عدد من جماعات التأييد المتعارضة حول بعض القضايا الخلافية، وتتوفر لديها في بعض الأحيان موارد مختلفة للغاية:

|حركة مناصرة الإجهاض (Pro-choice movement) ضد حركة أنصار الحياة (Pro-life movement) (سياسة الإجهاض في الولايات المتحدة)
حملة تكلم (SPEAK campaign) ضد [[الجماعة المؤيدة للتجارب المعملية (Pro-Test) (التجارب على الحيوانات في المملكة المتحدة)
جمعية السيارات (The Automobile Association) ضد جمعية المشاة (Pedestrians’ Association) (الآن “شوارع نابضة بالحياة (Living Streets)” (سلامة الطريق في المملكة المتحدة منذ عام 1929)
معهد التبغ ضد العمل بشأن التدخين والصحة (تشريعات مكافحة التدخين)
جماعة فلاينج ماترز (Flying Matters) ضد جماعة بلاين ستيوبيد (Plane Stupid) (سياسة الطيران في المملكة المتحدة منذ عام 2007)
المزايا والحوافز[عدل]تتمثل النظرية العامة المتبعة في أنه ينبغي جذب الأفراد للانضمام إلى إحدى جماعات المصالح ببعض أنواع المزايا.[27] وتشير المشكلة المعروفة باسم مشكلة الراكب الحر إلى مدى صعوبة ضم أعضاء إلى جماعة ذات اهتمامات خاصة عندما يكون من الممكن بالفعل جني الثمار دون الحاجة إلى المشاركة. على سبيل المثال، ستناضل جماعة مصالح مكرسة جهودها لتحسين معايير الزراعة من أجل الهدف العام لتحسين الزراعة لجميع المزارعين، حتى لهؤلاء الذين ليسوا أعضاء بها. وبالتالي، لا يوجد حافز حقيقي للمشاركة في جماعة المصالح ودفع الرسوم إذا كان المزارع سيحصل على الفائدة بأي حال.[28] وتحتاج جماعات المصالح إلى الحصول على رسوم ومشاركات من أعضائها حتى تتمكن من تحقيق برنامجها. وبينما سيستفيد كل إنسان من العيش في بيئة أنظف، ففي المقابل، لا تتلقى جماعة المصالح المعنية بحماية البيئة مساعدة مالية من جميع سكان العالم.John R. Wright. Interest Groups and Congress, Lobbying, Contributions, and Influence. Longman. صفحات 19–21. ISBN 0-02-430301-1. اطلع عليه بتاريخ 2010-10-16. </ref>

المزايا المالية الانتقائية هي مخصصات غالبًا ما تقدم في صورة معونات مالية. على سبيل المثال، إذا قدمت جماعة مصالح ميزة مالية لأحد أعضائها، فإنها يمكن أن تمنحها في شكل خصومات على السفر أو وجبات مجانية في مطاعم معينة أو اشتراكات مجانية في المجلات أو الصحف أو الدوريات.[28] وتميل العديد من جماعات المصالح التجارية والمهنية إلى تقديم هذا النوع من المزايا لأعضائها. أما مزايا الاهتمامات المشتركة الانتقائية فهي نوع آخر من المزايا المقدمة لأعضاء جماعات المصالح أو الأعضاء المحتملين. وتتضمن هذه الحوافز بعض المزايا، مثل “المشاركة في نشاط جماعي وإحساس العضوية الجماعية والتوافق والمكانة الناتجة عن العضوية والمرح والمخالطة الاجتماعية والحفاظ على التمايز الاجتماعي، وغيرها”.[29] وحافز التكافل هو أحد الحوافز حيث تكون مزايا المشاركة في الجماعة اجتماعية وناتجة عن فعل الانتماء.

جدير بالذكر أن الحوافز التعبيرية هي نوع أساسي آخر من الحوافز أو المزايا المقدمة لمن يصبحون أعضاء في جماعات المصالح. من المرجح أن الناس الذين انضموا إلى جماعة مصالح بسبب مزاياها التعبيرية قد انضموا ليعبروا عن قيم أيديولوجية أو أخلاقية يؤمنون بها. وبعضها يتضمن حرية التعبير أو الحقوق المدنية أو العدالة الاقتصادية أو المساواة السياسية. وللحصول على هذه المزايا، سيدفع الأعضاء ببساطة المقابل، وذلك بالتبرع بوقتهم أو أموالهم للشعور بالرضا عن طريق التعبير عن قيمة سياسية. علاوة على ذلك، لا يهم إذا حققت جماعة المصالح هدفها أم لا؛ حيث سيستطيع هؤلاء الأعضاء القول بأنهم ساعدوا في عملية محاولة تحقيق هذه الأهداف، وهذا هو الحافز التعبيري الذي حصلوا عليه من البداية.[30] وكثيرًا ما تكون جماعات المصالح هذه التي تعتمد على المزايا أو الحوافز التعبيرية جماعات مناصرة للبيئة والجماعات التي تزعم أنها تمارس ضغطًا سياسيًا من أجل الصالح العام.

هناك بعض الاهتمامات الخاصة بالسياسات العامة التي لا تدركها أو تعالجها أي من الجماعات على الإطلاق، وتسمى هذه الاهتمامات الاهتمام الخفي.

الرؤى النظرية[عدل]بذل الأكاديميون جهدًا كبيرًا في محاولة تصنيف كيفية عمل جماعات الضغط، وخصوصًا فيما يتعلق بوضع السياسة الحكومية.

يهيمن على المجال العديد من مدارس الفكر المختلفة:

1. النظرية التعددية: تعتمد هذه النظرية على استيعاب فكرة أن جماعات الضغط تعمل بالتنافس مع بعضها البعض ولها دور رئيسي في النظام السياسي. وتفعل ذلك من خلال العمل كعامل توازن لتركيزات القوة المفرطة.

ومع ذلك، تعكس نظرية التعددية هذه (وضعها بشكل أساسي الأكاديميون الأمريكيون) نظامًا سياسيًا أكثر انفتاحًا وتجزئةً يشبه النظام المطبق في بعض الدول، مثل الولايات المتحدة. وفي ظل النظرية التعددية الجديدة، تطور مفهوم المجتمعات السياسية الذي يشبه كثيرًا شكل الحكومة البريطانية
2. النظرية التعددية الجديدة: تعتمد هذه النظرية على مفهوم المجتمعات السياسية، من حيث إن جماعات الضغط وغيرها من الجهات المماثلة منظمة حول إدارة حكومية وشبكة جماعات العملاء. ويتعاون أعضاء هذه الشبكة معًا خلال عملية وضع السياسات.

3. هيمنة جماعات المصلحة: تحظى بعض جماعات الضغط السياسي بدعم من شركات خاصة، والتي يمكن أن يكون لها تأثير كبير على التشريعات.

استخدام الوسائط الاجتماعية[عدل]تشير دراسة نشرت في بداية عام 2012 إلى أن جماعات التأييد ذات التوجهات السياسية والأيديولوجية المختلفة العاملة في الولايات المتحدة تستخدم الوسائط الاجتماعية في التفاعل مع المواطنين يوميًا. وقامت الدراسة بمسح 53 جماعة، والتي اكتشفت أنها تستخدم العديد من تقنيات الوسائط الاجتماعية لتحقيق أهداف سياسية ومؤسسية. وكان موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك اختيار جميع الجماعات ما عدا جماعة واحدة؛ وقد صرحت هذه الجماعات أنها تستخدمه في التواصل مع المواطنين. كذلك، كان تويتر منتشرًا بين جميع الجماعات ما عدا جماعتين، وقد ذكرت هذه الجماعات أنها تستخدم تويتر. ومن الوسائط الاجتماعية الأخرى المستخدمة اليوتيوب ولينكد إن وويكيس وفليكر وجومو وديجو وتمبلر وفورسكوير وأيدنتكا وبيكاسا وفيميو. وذكرت الدراسة، “بينما شككت بعض الجماعات في مدى قدرة الوسائط الاجتماعية على التغلب على عقبات الروابط الضعيفة والفجوات بين الأجيال، فإن الغالبية العظمى من الجماعات ترى الوسائط الاجتماعية على أنها ضرورية في أعمال التأييد المعاصرة وتثني على أهميتها في إرساء الديمقراطية.”

انظر أيضًا[عدل]تمويل الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة]
سياسات العملاء
سياسات الهوية
اللوبي في الولايات المتحدة
منظمة غير حكومية (NGO)
الجماعات الضاغطة في المملكة المتحدة

الدوله واشكالها

كاتب الموضوع الأصلي: احمد العبدالقادر-32

الدولة[عدل]تعتبر الدولة الأساس الذي يقوم عليه النظام السياسي لأي بلد.. ولابد لقيام الدولة الاعتراف لها بالشخصية القانون التي يترتب على ثبوتها أن تكون الدولة أهلاً لاكتساب الحقوق ولتحمل الالتزامات، وهذه الشخصية القانونية تستقل عن مجموعة الأفراد المكونين لها، كما تستقل عن أشخاص الحكام الذين يزاولون مهام السلطة فيها.. كما يترتب على الاعتراف للدولة بالشخصية القانونية أن لا يترتب على تغيير شكل الدولة أو نظام الحكم فيها، أو تغيير أشخاص الحكام تعطيل نفاذ القوانين التي أصدرتها الدولة قبل التغيير، كما لا يترتب على ذلك المساس المعاهدات والاتفاقات والالتزامات التي ارتبطت بها الدولة، ولا المساس بحقوقها تجاه الدول الأخرى.[1]

الدولة: هي مجموعة من الأفراد يمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدد ويخضعون لتنظيم سياسي معين، وهي شخص معنوي يرمز إلى شعب مستقر على إقليم معين حكاما ومحكومين بحيث يكون لهذا الشخص سلطة سياسية ذات سيادة، وللدولة ثلاث أركان وهي[2]:

الشعب: هو مجموعة من الأفراد يعيشون معا كمجتمع واحد على إقليم الدولة ويرتبطون بها برابطة قانونية سياسية (هي رابطة الجنسية) يترتب عليها خضوعهم لقوانينها مقابل تمتعهم بحمايتها، لا يؤثر في ركن الشعب أن يتكون من مجموعة من الأفراد يختلفون في الأصل أو الدين أو اللغة ما داموا يقيمون بشكل دائم ومستمر على إقليم الدولة ويرتبطون بها برابطة ولاء.
الاقليم: هو رقعة محددة من الأرض يقيم عليها شعب الدولة على وجه الدوام والاستقرار ويمارسون نشاطهم فوقها وعلى ذلك لا يمكن أن تتكون الدولة من القبائل الرحل المتنقلة لأن مثل هذه القبائل لا تقطن بصفة مستمرة ودائمة على رقعة جغرافية محددة.
السلطة السياسية: يلزم لقيام الدولة وجود سلطة عليا حاكمة يخضع لها الشعب وتمارس الهيئة الحاكمة سلطتها باسم الدولة، ولا يشترط أن تتخذ الهيئة الحاكمة شكلا سياسيا معينا كالملكيات أو الجمهوريات ما دامت هذه الهيئة الحاكمة تمارس سلطتها علي الإقليم الذي تحكمه.
أشكال الدول[عدل]يتساءل البعض عن القانون الذي ينظم شكل الدولة ألا هو القانون الدستوري ويعرف بمجموعة القواعد القانونية الأساسية التي تحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها والسلطات العامة فيها وتنظم العلاقات بينها وتبين كذلك الحقوق والحريات.. يقسم فقهاء القانون الدستوري الدول من حيث الشكل إلى: دول موحدة (أو بسيطة) ودول مركبة.. ويقوم هذا التقسيم على أساس التركيب السلطة السياسية للدول، وما إذا كانت السلطة موحدة أم أنها سلطات متعددة.. فالدول الموحدة أو البسيطة تكون السلطة فيها موحدة مما يؤدي إلى وحدة القانون فيها لا إلى تعدده، أمما الدول المركبة فتكون السلطة فيها مركبة، أي تتعدد السلطات فيها، وهذا يؤدي بالتالي إلى تعدد القانون لا إلى وحدته.. وسوف نعرض لدراسة أشكال الدول، فنبدأ بدراسة الدول الموحدة أو البسيطة، ثم نعرض بعد ذلك لدراسة الدول المركبة، وأخيراً نبين الشكل الاتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة[1].

الدولة البسيطة (أو الموحدة).[عدل]تعني الدولة البسيطة أو الموحدة: الدولة التي تكون السيادة فيها موحدة، فتظهر الدولة كوحدة واحدة، وتكون السلطة فيها واحدة، ويكون شعبها وحدة بشرية متجانسة، واقليم موحد.. ولا يؤثر في اعتبار الدولة البسيطة اتساع رقعة اقليمها، أو اتصال وانفصال أراضي اقليمها، كما لا يؤثر في اعتبار الدولة بسيطة أو موحدة شكل نظام الحكم فيها ملكياً كان أو جمهورياً، فالدولة الموحدة قد تكون ملكية كالأردن، ويمكن أن تكون جمهورية كمصر ولبنان. ومن أمثلة الدول الموحدة معظم دول العالم: كفرنسا، وبلجيكا، وجمهورية مصر العربية، والأردن، والعراق، ولبنان، وغالبية الدول العربية.

ومن أهم مظاهر الدولة البسيطة أو الموحدة ما يلي:

وحدة سلطات الدولة: تتميز الدولة البسيطة أو الموحدة بالبساطة في تركيب السلطة السياسية فيها ومن هنا سميت بالدولة البسيطة تمييزاً لها عن الدولة المركبة أو المعقدة التركيب. وتمثل وحدة السلطة السياسية في وحدة سلطات الدولة الثلاث: السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، التي تمارس اختصاصاتها وفقاً لأحكام الدستور فيها.. فالسلطة التشريعية موحدة وتتولى سن القوانين التي يخضع لها جميع أفراد الدولة للفصل في منازعتهم..
وحدة الدستور والتشريعات: فالدولة البسيطة أو الموحدة تخضع لدستور واحد يسري على أجزاء الدولة، ويحدد السلطات العامة الثلاث واختصاصاتها وعلاقاتها ببعض.. كما تخضع لتشريعات واحدة تخاطب جميع مواطني الدولة المقيمين على اقليمها..
وحدة الاقليم ووحدة الجنسية، فإقليم الدولة البسيطة أو الموحدة يخضع في جميع أجزائه: الأرضية، والمائية، والجوية لسيادة الدولة.. كما أن جنسية مواطني الدولة البسيطة أو الموحدة جنسية واحدة يخضع لها جميع المواطنين المقيمين على إقليم الدولة ويتم اكتساب هذه الجنسية وفق معايير موحدة.
وحدة السلطة الحكومية: من مظاهر الدولة البسيطة أو الموحدة وحدة السلطة الحكومية.. ولا يؤثر في وحدة السلطة الحكومية كون الدولة تختار في توزيعها لاختصاصات بين نظام المركزية الإدارية أو اللامركزية الإدارية.. فالمركزية واللامركزية الإدارية يتعلقان بكيفية توزيع الوظائف الإدارية في الدولة ولا يتعلقان بنظام الحكم السياسي في الدولة أو بماشرة الوظيفة السياسية، وهما بالتالي لا يمسان وحدة الدولة السياسية التي تعتبر السمة الأساسية للدولة البسيطة أو الموحدة، حيث يبقى هناك دستور واحد وتشريعات واحدة وسلطة حكومية واحدة، وسلطات عامة واحدة: تشريعية كانت أم تنفيذية أم قضائية[3]..
الدول المركبة (أو الاتحادية).[عدل]يقصد بالدول المركبة: اتحاد دولتين أو أكثر بحيث يخضع لسلطة سياسية مشتركة.. وتتخذ الدول المركبة أشكلاً متعددة تختلف من حيث الضعف أو القوة تبعاً لنوع الاتحاد بين الدول الداخلة فيه، فقد يتخذ الاتحاد شكل الاتحاد الشخصي الذي يعتبر أضعف الاتحادات، يليه الاتحاد التعاهدي، ثم الاتحاد الفعلي أو الحقيقي، وأخيراً الاتحاد المركزي حيث تتحول الدول أو الأقاليم أو الإمارات الداخلة فيه إلى دولة اتحادية أو مركزية.. وإذا كانت الدول الداخلة في كل من الاتحاد الفعلي أو الاتحاد التعاهدي تحتفظ بشخصيتها الدولية، فان هذه الدول تفقد شخصيتها الدولية في الاتحاد المركزي أو الدولة الاتحادية.

أولاً – الاتحاد الشخصي[عدل]يقوم الاتحاد الشخصي على اتحاد دولتين أو أكثر بحيث تخضع الدول الداخلة في الاتحاد لحكم شخص واحد سواء كان ملكاً أو رئيساً للجمهورية مع احتفاظ كل من الدول الداخلة في الاتحاد باستقلالها الخارجي وشخصيتها الولية، ويكون لكل منها استقلالها الداخلي ونظام حكمها ودستورها الخاص وسلطاتها العامة المستقلة من تشريعية وتنفيذية وقضائية.. ومن أهم الآثار التي تترتب على قيام الاتحاد الشخصي:

خضوع الاتحاد لرئاسة شخص واحد: فالمظهر الوحيد المميز للاتحاد الشخصي هو وحدة رئيس الدولة، وهذا يجعل منه اتحادً موقوتاً، إذ يزول الاتحاد بمجرد اختلاف شخص رئيس الدولة.. وفي هذه الحالة يمارس رئيس الاتحاد الشخصي سلطاته لا بصفته رئيساً للاتحاد وانما يمارسها بصفته رئيساً لإحدى الدول الداخلة في الاتحاد، ويمارسها تارة أخرى بصفته رئيساً لدولة أخرى في الاتحاد، فهي شخصية لها دور مزدوج أو متعدد بتعدد الدول الداخلة في الاتحاد.
لا يتولد عن الاتحاد الشخصي نشأة دولة جديدة: حيث تستقل كل دولة من الدول الداخلة في الاتحاد الشخصي بسياستها الخارجية، أي يكون لها سياستها الخارجية الخاصة بها، وتمثيلها الدبلوماسي الخاص ومعاهداتها الخاصة، كما تستقل كل دولة بمسؤوليتها الدولية عن تصرفاتها القانونية.
احتفاظ الدول الداخلة في الاتحاد الشخصي باستقلالها الداخلي، فيكون لها دستورها الخاص، ونظامها السياسي، وسلطاتها العامة المستقلة من تشريعية وتنفيذية وقضائية.. كما يبقى رعاياها محتفظين بجنسيتهم المستقلة، ويعد رعايا كل دولة داخلة في الاتحاد أجانب بالنسبة للدول الأخرى المكونة للاتحاد.. وقد وردت اشارات في بعض الدساتير العربية على الاتحاد الشخصي، من أمثلها: ما تضمنه الدستور المصري لعام 1923 الذي يفيد إمكانية قيام الاتحاد الشخصي بين مصر وغيرها من الدول، وهو نص المادة (47) التي كانت تقضي بأنه: “لا يجوز للملك أن يتولى مع ملك مصر، أمور دولة أخرى بغير رضاء البرلمان”.. وما نص عليه القانون الأساسي للعراق الصادر عام 1925 في المادة (24) منه على أنه: “لا يحق للملك أن يتولى عرشاً خارج العراق …”[4].
ثانياً – الاتحاد التعاهدي[عدل]ينشأ الاتحاد التعاهدي نتيجة معاهدة تبرم بين دول كاملة السيادة وتتفق فيما بينها على تنظيم علاقاتها الاقتصادية والثقافية والعسكرية وغير ذلك من العلاقات التي تربطها ببعضها البعض، والاتفاقية التعاهدية أو ما يسمى بصكّ الاتحاد لا توجد دولة جديدة وإنّمــا تنشئ علاقة اتحادية بين مجموعة من الدول نحتفظ بموجبها كل دولة بسيادتها واستقلالها وحاكمها وحكومتها وبنظامها السياسي وتمتلك حـــقّ الانسحاب من الاتحاد، ويوجد بموجب معاهدة التحالف أو صكّ الاتحاد مؤتمر أو جمعية عمومية لرعاية وتنظيم شؤون الاتحاد تتألف من مندوبين عن حكومات الدول الأعضاء الذين يمثلون دولهم في اجتماعات الجمعية، وينتهي الاتحاد التعاهدي إمّــا بانفصال الدول الأعضاء وانحلال الاتحاد، أو زيادة تماسكها وترابطها ودخولها في اتحاد فدرالي عوضاً عن الاتحاد الكونفدرالي ، ومثالاً على ذلك: (مجلس تعاون دول الخليج).

ثالثاً – الاتحاد الفعلي (أو الحقيقي)[عدل]يتكون الاتحاد الفعلي (أو الحقيقي) من اتحاد دولتين أو أكثر في اتحاد دائم أو مؤقت مع خضوع جميع الدول الداخلة في الاتحاد لرئيس دولة الاتحاد، حيث لم تعد الشخصية الدولية للدول الأعضاء في الاتحاد قائمة وإنما تتبلور في شخصية قانونية جديدة هي دولة الاتحاد التي تباشر لوحدها مظاهر السيادة الخارجية.. ويترتب على قيام الاتحاد الفعلي فقدان الدول الداخلة فيه شخصيتها الدولية – بخلاف الاتحاد الشخصي – وتصبح هذه الدول دويلات أو ولايات أو أقاليم، وتنشأ شخصية دولية جديدة هي شخصية دولة الاتحاد المركزي التي تتمتع وحدها بكافة مظاهر السيادة الخارجية: كالتمثيل الدبلوماسي، وابرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وإعلان الحرب بين الاتحاد وأي دولة أجنبية.. في حين تعتبر الحرب التي تقوم بين أعضاء الاتحاد حرباً أهلية لا حرباً دولية[5]..

رابعاً – الاتحاد المركزي (أو الدولة الاتحادية): وأيضاً يسمى الاتحاد الفدرالي[6][عدل]يقصد بالاتحاد المركزي (الفدرالي[7]): اندماج عدة دول في دولة واحدة بحيث تفقد الدول الأعضاء شخصيتها الدولية، وتصبح هذه الدول بعد قيام الاتحاد دويلات أو ولايات أو إمارات، وتنشأ شخصية دولية جديدة هي شخصية دولة التحاد المركزي التي تتولى جميع الاختصاصات الخارجية باسم جميع الأعضاء في الاتحاد، كما تتولى جانبا من الشؤون الداخلية لدويلات أو ولايات أو إمارات الاتحاد.. وينشأ الاتحاد المركزي نتيجة تقارب الشعوب من الناحية التاريخية والحضارية والثقافية، أو الشعور بالحاجة للاتحاد، ويستند هذا الاتحاد إلى دستور اتحادي وليس إلى معاهدة دولية. من أهم مظاهر الدولة الاتحادية أ – في المجال الخارجي: تبدو مظاهر الدولة الاتحادية في المجال الخارجي من خلال تمتع الاتحاد بشخصية دولية واحدة هي التي تقرر لدولة الاتحاد.. ذلك أن القانون الدولي لا يعرف في تعامله إلا دولة الاتحاد وسلطاتها، فهي وحدها التي لها الشخصية الدولية دون الدويلات أو الولايات أو الإمارات المكونة لها.. ويترتب على ذلك ما يلي:

يكون للدولة الاتحادية وحدها الانفراد بممارسة السيادة في المحيط الدولي كإعلان الحرب، ومباشرة التمثيل الدبلوماسي، وابرام المعاهدات، وتحمل المسؤولية الدولية عن نتائج أفعال سلطتها وهيئاتها الاتحادية والمحلية على السواء..
ان اقليم الدولة الاتحادية يتكون من مجموعة أقاليم الولايا أو الإمارات الأعضاء المكونة للاتحاد.. فالسلطة الاتحادية تمارس اختصاصاتها مباشرة على أقاليم الولايات أو الإمارات الأعضاء، فتقوم بتنفيذ قوانينها وقراراتها بصورة مباشرة دون حاجة لتوسط سلطات الولايات أو الإمارات، وبدون النظر للحدود الجغرافية لأقاليمها، وهكذا تقوم الدولة الاتحادية على اقليم موحد يمثل الكيان الجغرافي للدولة الاتحادية في مواجهة العالم الخارجي.
ان جنسية الدولة الاتحادية هي جنسية واحدة (الجنسية الاتحادية) وهي تعبير عن وجود شعب واحد في هذه الدولة وهو الشعب الاتحادي.. وتختلف الجنسية الاتحادية عن الرابطة التي تربط الفرد بالولاية أو الإمارة أو ما يسمى بالتابعية المحلية أو المواطنة التي تمثل انتماء سكان الولايات أو الإمارات إلى دويلاتهم أو اماراتهم، وذلك على عكس الأمر في الاتحادات التعاهدية حيث تتعدد الجنسيات بتعدد الدول الأعضاء..
ب – في المجال الداخلي ان الدويلات أو الولايات أو الإمارات الأعضاء في الدولة الاتحادية لا يكون لها الشخصية القانونية الدولية، إلا أنها بالمقابل لا تفقد جميع أو كل مظاهر السيادة الداخلية وإنما تتمتع ببعضها ويتمتع ببعضها الآخر الدولة الاتحادية.. وتبدو مظاهر الوحدة في الدولة الاتحادية في المجال الداخلي من خلال ما يلي:

الدستور الاتحادي: فالدستور الاتحادي في الدولة الاتحادية هو القاعدة القانونية العليا والأساس القانوني الذي تقوم عليه الدولة الاتحادية.. ومن هنا يحظى الدستور الاتحادي بأهمية سياسية وأخرى قانونية في دراسة الدولة الاتحادية، وتتمثل الأهمية السياسية في أن الولايات أو الإمارات لن تقدم على الانضمام إلى دولة الاتحاد ما لم تكن متيقنة أن الدستور الاتحادي سيضمن لها مصالحها الذاتية.. وتبدو الأهمية القانونية للدستور الاتحادي في أنه الأساس القانوني للدولة الاتحادية ككل..
توزيع الاختصاصات بين الحكومة الاتحادية والولايات أو الإمارات الأعضاء: حيث يعتبر مثل هذا التوزيع للاختصاصات من الخصائص المميزة للدولة الاتحادية، إذ لا يمكن القول بوجود هذه الدولة إذا كان أحد الطرفين ينفرد بمباشرة جميع الاختصاصات.

مفهوم السياده ومظاهرها ..

كاتب الموضوع الأصلي: احمد العبدالقادر-32

يستخدم السياسيون والإعلاميون كلمة “السيادة” في كثير من خطاباتهم وتحليلاتهم، فما مفهومها وكيف نشأت وما مظاهرها؟!! يجيب هذا المقال عن هذه الأمور بإيجاز.

بداية لابد من الإشارة إلى أن قيام الدولة المعاصرة بأركانها الثلاثة: الشعب، والإقليم، والسلطة السياسية، يترتب عليه تميزها بأمرين أساسيين؛ الأول: تمتعها بالشخصية القانونية الاعتبارية، والأمر الثاني: كون السلطة السياسية فيها ذات سيادة[1]، ولأهمية السيادة في الدول فقد جعلها البعض الركن الثاني من أركان الدولة[2].

ومن المهم تعريف السيادة وبيان مظاهرها؛ لأمرين؛ الأول: أهمية بيان المصطلحات السياسية وتطبيقاتها في الدولة الإسلامية، الأمر الثاني: كون السيادة “أساس التفرقة بين دار الحرب ودار الإسلام” [3]، والحديث هنا من خلال خمسة أفرع.

الفرع الأول: تعريف السيادة لغة:

السيادة لغة: من سود، يقال: فلان سَيِّد قومه إذا أُريد به الحال، وسائِدُ إذا أُريد به الاستقبال، والجمع سَادَةٌ [4]، ويقال: سادهم سُوداً سُودُداً سِيادةً سَيْدُودة استادهم كسادهم وسوَّدهم هو الـمسُودُ الذي ساده غيره فالـمُسَوَّدُ السَّيّدُ.

والسَّيِّدُ يطلق على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم ومُحْتَمِل أَذى قومه والزوج والرئيس والمقدَّم، وأَصله من سادَ يَسُودُ فهو سَيْوِد، والزَّعامة السِّيادة والرياسة[5].

وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: “السيد الله تبارك وتعالى”[6]، وقال صلى الله عليه وسلم: “أَنَا سَيِّدُ الناس يَوْمَ الْقِيَامَةِ”[7].

وخلاصة المعنى اللغوي للسيادة أنها تدل على المُقدم على غيره جاهاً أو مكانة أو منزلة أو غلبة وقوة ورأياً وأمراً، والمعنى الاصطلاحي للسيادة فيه من هذه المعاني.

الفرع الثاني: تعريف السيادة اصطلاحاً:

عرفت السيادة اصطلاحاً بأنها: “السلطة العليا التي لا تعرف فيما تنظم من علاقات سلطة عليا أخرى إلى جانبها”[8].

وعرفت بأنها: “وصف للدولة الحديثة يعني أن يكون لها الكلمة العليا واليد الطولى على إقليمها وعلى ما يوجد فوقه أو فيه”[9].

وعرفت أيضاً بأنها: “السلطة العليا المطلقة التي تفردت وحدها بالحق في إنشاء الخطاب الملزم المتعلق بالحكم على الأشياء والأفعال”[10].

والتعريفات السابقة متقاربة, ولعل أشملها لمفهوم السيادة هو التعريف الأخير؛ لوصفه السيادة بأنها: سلطة عليا ومطلقة, وإفرادها بالإلزام وشمولها بالحكم لكل الأمور والعلاقات سواء التي تجري داخل الدولة أو خارجها.

الفرع الثالث: نشأة مبدأ السيادة في الفكر الغربي:

السيادة بمفهومها المعاصر فكرة حديثة نسبياً مرت بظروف تاريخية، حيث كان السائد أن الملك أو الحاكم يملك حق السيادة بمفرده، ثم انتقلت إلى رجال الكنيسة فكانت سنداً ودعماً لمطامع البابا في السيطرة على السلطة، ثم انتقلت إلى الفرنسيين ليصوغوا منها نظرية السيادة في القرن الخامس عشر تقريباً أثناء الصراع بين الملكية الفرنسية في العصور الوسطى لتحقيق استقلالها الخارجي في مواجهة الإمبراطور والبابا, ولتحقيق تفوقها الداخلي على أمراء الإقطاع[11].

وارتبطت فكرة السيادة بالمفكر الفرنسي “جان بودان” الذي أخرج سنة 1577م كتابه: الكتب الستة للجمهورية، وتضمن نظرية السيادة[12].

وفي 26 أغسطس 1879م صدر إعلان حقوق الإنسان الذي نص على أن السيادة للأمة وغير قابلة للانقسام ولا يمكن التنازل عنها، فأصبحت سلطة الحاكم مستمدة من الشعب, وظهرت تبعاً لذلك فكرة الرقابة السياسية والقضائية لتصرفات السلطة التنفيذية[13].

وقد قرر ميثاق الأمم المتحدة مبدأ المساواة في السيادة بأن تكون كل دولة متساوية من حيث التمتع بالحقوق والالتزام بالواجبات مع الدول الأخرى الأعضاء في الأمم بغض النظر عن أصلها ومساحتها وشكل حكومتها، إلا أن الدول الخمس العظمى احتفظت لنفسها بسلطات, ناقضة بذلك مبدأ المساواة في السيادة[14]، وقد حل محل كلمة السيادة في العرف الحديث لفظ استقلال الدولة[15].

بالتالي فالظروف التي نشأت بسببها نظرية السيادة وغيرها من النظريات ليست كالظروف التي مرت بها الدولة الإسلامية، فلا يمكننا أن نأتي بتلك النظريات ونطبقها بكل ما فيها على الدولة الإسلامية, أو أن نُعد عدم وجودها لدينا نقصاً، فقد توجد لدينا الفكرة ولكن بشكل آخر، أو لا توجد أصلاً استغناءً عنها بأنظمة وقواعد عامة في الشريعة الربانية ليست عندهم.

الفرع الرابع: السيادة في الدولة الإسلامية:

بعد معرفة مفهوم السيادة ونشأتها، بقي معرفة من يملك السيادة في الدولة الإسلامية، هل الحاكم أو الأمة أو غيرهم، حيث ذهب البعض أن السيادة تكون للأمة واستدل بالنصوص التي تخاطب الأمة بمجموعها وبمبدأ الشورى في الإسلام[16].وهذا مردود لأمرين: الأول: لأنه يعني إمكان التنازل عن السيادة، والثاني: لأن السيادة سلطة غير مقيدة.

فالأدلة الشرعية حددت الإطار العام لكافة التصرفات سواء أكانت صادرة من الحكام أم المحكومين؛ فالكل خاضع لها وملزم بطاعة أحكامها، فالشريعة حاكمة لغيرها ولا يجوز تجاوزها أو إلغاؤها أو تبديلها أو تعديلها[17].

يقول تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ}[18]، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا}[19]، ويقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا}[20]، وقال صلى الله عليه وسلم: “السيد الله تبارك وتعالى”[21].

فالسيادة في الدولة الإسلامية لله عز وجل, فالتشريع له وحده سبحانه, وهذه السيادة متمثلة في شريعته كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والدولة إنما تستمد سيادتها من خلال التزامها بالأحكام الشرعية وتنفيذها لها وللأمة بعد ذلك حق تولية الإمام ومحاسبته وعزله ومراقبة السلطة الحاكمة في التزامها حدود الله وليس لها ولا للسلطة الحاكمة الحق في العدول عن شريعة الله[22].

“فلا عبادة إلا لله. ولا طاعة إلا لله ولمن يعمل بأمره وشرعه، فيتلقى سلطانه من هذا المصدر الذي لا سلطان إلا منه. فالسيادة على ضمائر الناس وعلى سلوكهم لله وحده بحكم هذا الإيمان. ومن ثم فالتشريع وقواعد الخلق، ونظم الاجتماع والاقتصاد لا تتلقى إلا من صاحب السيادة الواحد الأحد.. من الله.. فهذا هو معنى الإيمان بالله.. ومن ثم ينطلق الإنسان حراًَ إزاء كل من عدا الله، طليقًا من كل قيد إلا من الحدود التي شرعها الله، عزيزًا على كل أحد إلا بسلطان من الله”[23].

وقد ذهب البعض إلى تقسيم السيادة إلى قسمين أحدهما: السيادة المطلقة وهي لا تكون إلا لله عز وجل، والثاني: السيادة النسبية وهي تكون للأمة ضمن حدود أحكام الشريعة الإسلامية[24].

ولعل الأنسب أن يقال: إن السيادة لشريعة الله, وهذا لا يسلب الأمة الحق في التخريج على أصول الشريعة والاجتهاد في تطبيق أحكامها على النوازل، وبالتالي فالسيادة لله وحده, أما سلطة الحكم فهي مفوضة إلى الأمة تمارسها في حدود السيادة[25].

“فإذا كانت بعض الدول الحديثة تعتز بأنها تلتزم بسيادة القانون والتمسك بالدستور، فإن الدولة الإسلامية تلتزم بالشرع، ولا تخرج عنه, وهو قانونها الذي يلزمها العمل به والرجوع إليه، حتى تستحق رضوان الله وقبول الناس. وهو قانون لم تضعه هي، بل فرض عليها من سلطة أعلى منها، وبالتالي لا تستطيع أن تلغيه أو تجمده إلا إذا خرجت عن طبيعتها ولم تعد دولة مسلمة”[26].

فنظرية السيادة في الإسلام ليس لها الطابع السلبي الذي عُرفت به نظرية السيادة بوجه عام؛ لكون الدولة الإسلامية لا سيادة فيها على الأمة لفرد أو طائفة؛ فالأساس الذي تبني عليه نظامها هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, وبهذا تتجاوز نظرية السيادة في الإسلام المشكلات والتناقض التي وقعت فيها نظرية السيادة الغربية[27].

فـ”السيادة العليا والسلطان المطلق هو لما جاء من عند الله – عز وجل – لا غير، وإن المنازعة في ذلك كفر وشرك وضلال”[28].

الفرع الخامس: مظاهر السيادة في الدولة:

بعد الحديث عن مفهوم السيادة ونشأتها فمن المهم بيان مظاهرها، وللسيادة مظهران:

الأول: المظهر الخارجي: ويكون بتنظيم علاقاتها مع الدول الأخرى في ضوء أنظمتها الداخلية، وحريتها في إدارة شئونها الخارجية، وتحديد علاقاتها بغيرها من الدول وحريتها بالتعاقد معها، وحقها في إعلان الحرب أو التزام الحياد.

والسيادة الخارجية “مرادفة للاستقلال السياسي, ومقتضاها عدم خضوع الدولة صاحبة السيادة لأية دولة أجنبية, والمساواة بين جميع الدول أصحاب السيادة، فتنظيم العلاقات الخارجية يكون على أساس من الاستقلال”[29]، وهي تعطي الدولة الحق في تمثيل الأمة والدخول باسمها في علاقات مع الأمم الأخرى[30].

ومما ينبغي الإشارة إليه أن هذا المظهر لا يعني أن تكون سلطتها عليا، بل المراد أنها تقف على قدم المساواة مع غيرها من الدول ذات السيادة، ولا يمنع هذا من ارتباطها وتقييدها بالتزامات أو معاهدات دولية مع غيرها من الدول[31].

الثاني: المظهر الداخلي: ويكون ببسط سلطانها على إقليمها وولاياتها، وبسط سلطانها على كل الرعايا وتطبيق أنظمتها عليهم جميعاً، لكن الدولة الإسلامية ولما تتميز به من سماحة, ووفقاً للأحكام الشرعية تمنح الذميين حق تطبيق أحكامهم الخاصة في جانب حياتهم الأسرية، إلا أن هذا لا يكون امتيازاً لهم ولا يُقيد أو يحُد من سلطان الدولة أو سيادتها، ويكون قابلاً للاسترداد[32]، فلا ينبغي أن يوجد داخل الدولة سلطة أخرى أقوى من سلطة الدولة[33].

وينبغي أن تكون سلطة الدولة على سكانها سامية وشاملة، وألا تعلو عليها سلطة أخرى أو تنافسها في فرض إرادتها[34].

وكلا المظهرين في الدولة مرتبط بالآخر، فسيادتها الخارجية هي شرط سيادتها الداخلية[35].

وهذه المظاهر للسيادة سواء أكانت في الخارج أم الداخل أقرها الإسلام وفقاً للأحكام الشرعية[36]، فعلى صعيد السيادة الخارجية ينبغي أن تكون للدولة الإسلامية هيبتها ومكانتها بين الدول وألا تتبع أو تخضع لغيرها، قال تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}[37]، “أي: في الدنيا بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية, وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة… وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على أصح قولي العلماء, وهو المنع من بيع العبد المسلم للكافر لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال”[38]. فالآية تحرم منح الكافر أية سلطة على المسلم، فكيف الحال إن تسلطت دولة كافرة على دولة مسلمة!!

ومسألة تطبيق الأحكام الإسلامية على المسلمين والذميين أينما وجدوا ما هي إلا مظهر من مظاهر سيادة الدولة الإسلامية على رعاياها[39].

وعلى صعيد السيادة في الداخل فقد جاءت النصوص التي تحث على طاعة الله ورسوله وولاة الأمر والنهي عن الخروج عن طاعته، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}[40].

وقيد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الخروج بغياب مظهر من مظاهر سيادة الأحكام الشرعية وهو إقامة الصلاة، بقوله: “ستكون أُمراءُ فَتَعْرِفُونَ وتُنْكِرُون, فمن عرف بَرِئَ, ومن أَنْكَرَ سَلِمَ, ولَكِن من رَضِيَ وَتَابَعَ. قَالُوا: أَفَلا نُقَاتِلُهُمْ قال: لا ما صَلَّوْا”[41]، ودل الحديث “أنه لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق ما لم يغيروا شيئاً من قواعد الإسلام”[42]، “وإنما منع عن مقاتلتهم ما داموا يقيمون الصلاة التي هي عنوان الإسلام حذراً من هَيْجِ الفتن واختلاف الكلمة وغير ذلك مما يكون أشد نكاية من احتمال نُكْرِهِمْ والمصابرة على ما يُنْكِرُونَ منهم”[43].

وعن أنس بن مالك قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُغِيرُ إذا طلع الفجر, وكان يَسْتَمِعُ الأذان, فإن سمع أذانًا أمسك وإلا أغار”[44]، ودل الحديث على أن الأذان شعار لدين الإسلام لا يجوز تركه، فلو أن أهل بلد أجمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه، وفيه دليل على أن مجرد وجود المسجد في البلد كاف في الاستدلال به على إسلام أهله وإن لم يسمع منه الأذان[45].

مما سبق يتضح أن ظهور شعائر الإسلام وأحكامه وخاصة الصلاة والأذان هي جزء من مظاهر السيادة الداخلية في الدولة الإسلامية، ‘وليس المراد بقيام الصلاة أداء أفراد من الناس لها, بل المراد أن تكون جزءًا من عمل الإمام'[46].

فتعريفات الفقهاء لدار الإسلام والضوابط التي وضعوها تشير إلى مظاهر السيادة الداخلية في الدولة الإسلامية.

وتنقسم الدول من جهة السيادة إلى قسمين:
o القسم الأول: دول ذات سيادة كاملة لا تخضع ولا تتبع في شؤونها الداخلية أو الخارجية لرقابة أو سيطرة من دولة أخرى، ولها مطلق الحرية في وضع دستورها أو تعديله.

o القسم الثاني: دول منقوصة السيادة لا تتمتع بالاختصاصات الأساسية للدولة لخضوعها لدولة أخرى أو تبعيتها لهيئة دولية تشاطرها بعض الاختصاصات, كالدول التي توضع تحت الحماية أو الانتداب أو الوصاية وكالدول المستعمرة[47].

وهذا الاستقلال أو التبعية لا يؤثران على وجود الدولة الفعلي[48]، وهو ليس تقسيماً مؤبداً بل هو قابل للتغيير والتبديل تبعاً لتغير ظروف كل دولة[49].

وخلاصة ما سبق أن السيادة في الدولة الإسلامية لله تعالى متمثلة في شريعته، فهي تختلف عن غيرها من الدول, فسيادتها بسيادة شرع الله فيها وتطبيقها لأوامره في كافة شئونها، وإن أي تدخل لتعطيل الأحكام الشرعية سواء كان من جهة في داخل الدولة أو خارجها، هو إخلال بالسيادة في الدولة الإسلامية.