أ.د. أحمد محمد وهبان

عوامل قوة الدولة

كاتب الموضوع الأصلي: يزيد البريك3332


1 ـ العوامل الجغرافية ، السكانية و الاقتصادية :

1ـ1ـ العامل الجغرافي :

في رأي علماء الجغرافيا السياسية أن الطبيعة الجغرافية للدولة تشكل الركيزة الأولى في تكوين قوتها بل إن البعض منهم من أمثال راتزل قد تطرف في دعمه لهذا الرأي حيث تحدث عن نظرية المجال الحيوي و التي تقوم على عنصري المساحة و الموقع و سرعان ما تأثرت به المدرسة النازية الألمانية .

وفي الحقيقة إن تأثير العامل الجغرافي على قوة الدولة ينحصر في عوامل رئيسية ثلاث :

أ ـ حجم الرقعة الجغرافية :إن كبر حجم الدولة يمكن أن يؤثر في قوتها من ناحيتين :

ـ إن اتساع حجم الدولة يمكنها من إيواء تعداد ضخم من السكان و كذلك يعطيها وفرة و تنوع في مواردها الطبيعية إلا أن اتساع الحجم من عدم وجود تعداد سكاني يضعف من قوة الدولة .

ـ اتساع حجم الدولة قد يزيد من قوتها عن طريق إعطاءها بعض المزايا العسكرية فقد يمنحها عمقا دفاعيا كما أن السيطرة على المساحات الواسعة يصبح مشكلة خاصة مع ازدياد الكثافة السكانية .

ب ـ الموقع الجغرافي : إن موقع الدولة الجغرافي يعد من العوامل التي تمارس تأثيرا كبيرا على مدى مشاركتها في المجتمع الدولي و على قوتها و لكن مثل هذا الادعاء يقبل المناقشة .

هناك أقاليم في العالم اكتسبت بحكم موقعها أهمية إستراتيجية خاصة مما يزيد من قوتها و هذه الأقاليم تشتمل على ممرات مائية كمضيق جبل طارق ، قناة السويس ،قناة بنما . فالتحكم في هذه المنطق الإستراتيجية يعطي قوة مضبوطة للدولة التي تمارس ذلك التحكم . فعلى سبيل المثال هناك أهمية سياسية كبيرة للمواقع المطلة على البحار فهي متسع للنقل التجاري بتكاليف دون تكاليف النقل البري بكثير ، كما أن للتحرك في البحار ميزة إستراتيجية ،فمثلا الإفلات من قوات العدو في البحر أكثر يسرا عنه في البر ، و للجزر المنعزلة في البحار مزايا سياسية و إستراتيجية أظهرها أنها تشكل مراسيم للقوافل التجارية و قواعد عسكرية بحرية و جوية ذات أهمية كبرى .

ج ـ التضاريس : تتحكم التضاريس من حيث وجود الجبال و الوديان و الأنهار و السهول بطبيعة النقل و الاتصال داخل الدولة فكلما كان سهلا و ممكنا زادت درجة التجانس و الارتباط بين المواطنين ، كما أن سهولة الاتصال الطبيعي تزيد من سيطرة الحكومة على الدولة و كذلك من قدرتها على تجميع قواتها العسكرية و تحريكها في الاتجاه المطلوب .

محاضرة رقم : 05 03 ديسمبر 2007

1ـ2 ـ العامل السكاني :

إن أهمية السكان في قوة الدولة تحظى بقبول عام من علماء العلاقات الدولية و نقصد بالسكان هنا العنصر البشري ووزنه كعامل من عوامل قوة الدولة و هنا يجب أن نراعي العوامل الكمية و الكيفية في العامل الديمغرافي .

أ ـ العوامل الكمية :تتجلى أهمية العامل السكاني في تشكيل القوة العسكرية اللازمة للحرب ، كما أن بعض الدول الاستعمارية حاولت الاعتماد على مستعمراتها في توفير القدرات البشرية اللازمة لآلتها العسكرية ، كذلك تؤثر الكثافة السكانية على الأهمية العسكرية من حيث أن الدول ذات الكثافة الضئيلة هي موضوع مطامع خارجية أما الدول ذات الكثافة العالية هي مؤمنة لحد ما من هذه الأطماع ، تتجلى أيضا أهمية التعداد السكاني في المستوى الاقتصادي حيث أن العامل البشري عنصر أساسي في عملية الإنتاج كما أن السوق الاستهلاكية هي الضمان الأكيد لازدهار الإنتاج الوطني ، و من جهة أخرى يشكل الضغط السكاني عاملا فعالا من عوامل النزاع الدولي بل كثيرا ما يحاول المحللون رد أسباب التوتر الاجتماعي بشتى صوره إلى الضغط الكمي للسكان .

ب ـ العوامل الكيفية : قد يؤثر في قيمة الكم السكاني كارتفاع نسبة الإناث بالنسبة للذكور وكذلك الحال بالنسبة لسلم الأعمار فقد يتوافق تباين نسبة الشباب الذكور من العدد الكلي للسكان مع درجات القوة الاقتصادية للدولة و كذا مع درجات القوة الإستراتيجية كذلك .

درجة التجانس الاجتماعي لعناصر الكم البشري: أي تحقيق الوحدة الداخلية ترتبط بدرجات التجانس الاجتماعي .

التقدم الثقافي و الاجتماعي : السكان المثقفون و المتقدمون تكنولوجيا قادرون على تحمل مسؤوليات الدولة.

1 ـ 3 ـ العامل الاقتصادي:

رفض التجاريون التمييز بين التفوق التجاري و التفوق السياسي حيث يكون ميزان القوى مرهون بالميزان التجاري فللأوضاع الاقتصادية المقام الأول اتجاهات السياسة الخارجية للدول و يؤكد الباحثون على أن هناك ارتباط بين الحرب كظاهرة بين الدول و بين الظاهرة الاقتصادية ، فالحرب هي آثار حتمي للظاهرة الاقتصادية من حيث :

أ ـ حروب القحط:ففي الجماعات البدائية تبدو حالة القحط الناجم عن تخلف الموارد الطبيعية عن تمكين الجماعة من الاستمرار في الحياة و هكذا تبدو هذه الحالة و كأنها الوضع المحتم للحرب من أجل الاستعلاء على موارد الآخرين.

ب ـ حروب الوفرة: أما في الجماعات الصناعية فالدافع للصراع كان السعي في الحصول على المزيد من الموارد الأولية من أجل المزيد من الإنتاج.

ج ـ حروب الأسواق و التسويق : هي تلك الحروب التي تلجأ إليها الدول من أجل الحصول على الحق في أن تتاجر بحرية في منطقة معينة .

2 ـ العوامل العسكرية،التكنولوجية و التنظيمية:

2ـ 1 ـ العامل العسكري :

ينظر الكثيرون إلى درجة الاستعداد العسكري على أنه المظهر الرئيسي لقوة الدولة و يرتبط مستوى الاستعداد العسكري بعدة عوامل:

1ـ التقدم التكنولوجي في إنتاج الأسلحة و في وسائل جمع المعلومات .

2ـ القدرة على التخطيط الاستراتيجي و الذي يتفق و طبيعة مشكلة الأمن القومي التي تواجهها الدولة .

3ـ مدى كفاءة القيادات المسؤولة عن عمليات التخطيط الاستراتيجي .

4ـ مدى كفاءة التدريب و كذا مستوى القدرة القتالية للقوات المسلحة في الدولة .

5ـ مدى القدرة على حشد طاقات الدولة و إمكانياتها بالسرعة الواجبة و في الظروف التي تضطرها لإجراء تعبئة شاملة لقواتها .

محاضرة رقم : 06 10 ديسمبر2007

2 ـ 2 ـ العامل التكنولوجي:

أدخل العامل التكنولوجي ثورة كلية على العلاقات الدولية حيث أضحى أهم ميزان في العلاقات الدولية بين عالم متقدم و آخر متخلف ، كما أدخلت الثورة التكنولوجية أساليب جديدة في الإنتاج و ساهمت في زيادة القدرة الاقتصادية للدول و طورت أساليب الزراعة و ضاعفت من مردوديتها و بصفة عامة تهيأ التكنولوجيا أكفا الوسائل لاستغلال الإمكانيات الطبيعية ، المادية و البشرية المتاحة للدولة كما أن التقدم التكنولوجي يزيد من القوة العسكرية حيث أصبحت تقاس بمدى قدرة الدول في إنتاج الأسلحة و في جمع المعلومات .كما تنعكس على العامل السكاني من حيث ترقية كيفه و كذا من حيث أنها تضبط أكثر فأكثر القياسات الكمية للسكان و تساعد في عملية الإحصاء ، ومن ناحية أخرى أثر العامل التكنولوجي على الدبلوماسية و أضحت ميكانيزمات اتخاذ القرارات على مستوى الدول و المنظمات أكثر وضوحا .

2 ـ 3 ـ العامل التنظيمي:

إذا كان العامل التنظيمي يعني مباشرة المؤسسات الدستورية للدولة فإنه في الوقت نفسه يتوزع على مجموعة من المتغيرات مرتبط بالجوانب المعنوية للدولة .

أ ـ العامل الإيديولوجي : هي منظومة من التصورات و الأفكار و الأوهام و المفاهيم التي تميز مجتمع ما . و لا يجوز للمحلل إغفال العنصر الإيديولوجي كعنصر تفسيري للظواهر الدولية فالإيديولوجية هي المحرك الرئيسي للسياسات الخارجية للدول لأنها تمثل اختلاف البيئات و الأفكار و المعتقدات المؤثرة على صناعة و اتخاذ القرار .

ب ـ الروح الوطنية للدولة : الوحدة الوطنية هي تكامل الجماعة المشكلة للدولة تكاملا يسقط عنها أسباب التصادم المؤدي إلى الضعف ، و الوحدة الوطنية تتجسد أساسا في الدولة و هي الطريق المؤدي لرفع الروح المعنوية للدولة التي بدورها تشكل أحد الركائز التي ترتكز عليها قوة الدولة .

ج ـ الاعتبارات المتعلقة بكفاءة الأجهزة السياسية و الدعائية و الدبلوماسية للدولة : تتوقف كفاءة الأجهزة السياسية للدولة على الاستقرار السياسي و على شكل النظام السياسي كدبلوماسية الدولة التي يقع عليها عبء تجميع هذه العوامل الطبيعية و الاجتماعية في كل واحد متكامل لكي تتحرك به في الطريق إلى تحقيق أهدافها الخارجية و ذلك بالأسلوب الدبلوماسي في زمني السلم و الحرب .

د ـ شخصية و سلوك رجل الدولة : هو عامل يقوم أحيانا بدور بارز في تقرير الأهداف القومية للدولة و شخصية القادة السياسيين ، و المسؤولين ، كما يؤثر أيضا في قوة الدولة حيث نجد أن التغير في أنماط القيادات السياسية الحاكمة ينتج في أغلب الأحيان تغيرات هامة في الاتجاهات الخارجية للدولة و في بعض الحالات يكون نفوذ القائد السياسي و تأثيره على السياسة الخارجية مطلقا .

من الجغرافيا السياسية إلى الجيوبوليتيك

كاتب الموضوع الأصلي: يزيد البريك3332

في الوقت الذي كان فيه راتزل وسبنسر يتحدثان عن الجغرافيا السياسية كان بعض الجغرافيين الألمان يتحدثون عن علم السياسات الأرضية أو ما اصطلح على تسميته بالجيوبوليتيك.

وقد بدا أنه إذا كانت الجغرافيا السياسية تنظر إلى الدولة كوحدة إستاتيكية فإن الجيوبوليتيك تعدها كائناً عضويا في حركة متطورة.

في هذه الأثناء كانت ألمانيا تعيش بعد الهزيمة التي منيت بها في الحرب العالمية الأولى، في انتكاسة قومية بسبب ما اقتطع منها من أراض كإجراءات عقابية لها من قبل المنتصرين، وتقسيم مستعمراتها بين إنجلترا وفرنسا، كما فرض عليها حصار عسكري ومالي.

وفيما بين الحربين كرَّس الجغرافيون والسياسيون الألمان جهودهم للخروج بوطنهم من محنته، وخرجت لأول مرة دورية علمية تحمل عنوان “المجلة الجيوبوليتيكية” وضمت هجيناً من الفكر الجغرافي والتاريخي والسياسي والقومي والاستعماري.

وقد صيغ هذا الفكر في قوالب علمية رفعت شعار: “لا بد أن يفكر رجل الشارع جغرافياً وأن يفكر الساسة جيوبوليتيكياً”.
وقد جاء هذا الشعار ليبرر الكم الهائل من المعلومات الجغرافية “المغلوطة” التي قدمت للشعب الألماني عن دول شرق أوربا والاتحاد السوفيتي.
كما تم توظيف نتائج بحث الجغرافيا التاريخية والآثار لتقديم معلومات عن أحقية ألمانيا في أراض وبلدان تبعد عنها مئات الأميال شرق أوربا.

وبالرغم مما قد نظنه من مهام علمية بريئة للجمعيات الجغرافية فإن دورها في خدمة التوسع الألماني كان جلياً واضحاً.

وتحت رعاية الجمعية الجغرافية الألمانية أنشئت في ميونخ عام 1924 المدرسة الجيوبوليتيكية التي رأسها الجغرافي السياسي كارل هوسهوفر.

وبجهود هذه المدرسة وبالأعداد المتواترة للدورية الجيوبوليتيكية جهّـز الجغرافيون والسياسيون الفكر الألماني بعضوية الدولة وضرورة زحزحة حدودها لتشمل أراضي تتناسب مع متطلباتها الجغرافية وتحقق ضم الأراضي التي يقطنها الجنس الآري.

وقد جاء ذلك في ظل تنامي أفكار القومية الشيفونية الممزوجة بأغراض التوسع العسكري للحزب النازي.

وقد تلقف هتلر أفكار هوسهوفر وزملائه، كما استعان بأفكار الجغرافي الإنجليزي الشهير ماكندر (الذي كانت مقالاته تترجم إلى الدورية الجيوبوليتيكية)، خاصة تلك الأفكار التي صاغ من خلالها نظريته عن “قلب الأرض”، والتي تقول فحواها: إن من يسيطر على شرق أوربا يسيطر على العالم. وتنبأ فيها بانتقال السيطرة على العالم من القوى البحرية (إنجلترا وفرنسا) إلى القوى البرية (ألمانيا والاتحاد السوفيتي).

وجاءت أفكار هتلر بدءاً من كتاب “حياتي”، ومرورا بخطبه الحماسية، لتكرس مفهوم المجال الحيوي لألمانيا Lebensraum، أي مساحتها الجغرافية اللائقة بها وبالجنس الآري، ولتمثل أبرز مقومات القومية الاشتراكية (النازية) التي تبناها.

وهكذا زاد التداخل في المفاهيم وصار الفصل صعباً بين الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك والإمبريالية.
وصعِدت الجيوبوليتيك إلى مصاف العلوم الكبرى خلال الحرب العالمية الثانية، حتى كتبت هزيمة ألمانيا نهاية لهذه المكانة.
وصار مفهوم الجيوبوليتيك بعد الحرب العالمية الثانية قرين التوظيف السيئ للجغرافيا السياسية، وهو ما أضر بتطوير الجيوبوليتيك والجغرافيا السياسية معاً.

ووصل الأمر في بعض الدول إلى منع تدريس الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك في جامعاتها؛ باعتبارهما علمين مشبوهين يسعيان إلى بذر العداء ويكرسان الأطماع القومية.

سيادة الدوله على غير المسلمين

كاتب الموضوع الأصلي: يزيد البريك3332

أ – نتائج البحث :
وأهم النتائج وبعض الحقائق التي توصل إليها الباحث في هذه الدراسة ما يلي :
1 – إن وصف المؤمنين يخص الذين اعتقدوا عن جزم وصدقوا بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيته (من خلقه للخلق أجمعين، وتدبيره لهم وقضائه وقدره فيهم وحقه عليهم في العبودية بجميع صورها)، وبملائكته، وبجميع رسله، وبجميع كتبه، وباليوم الآخر. وما فيه من الجزاء الحق لكل عمل بشري .. وبعد بعثة الرسول الخاتم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تحقق هذا الوصف فيمن آمنوا برسالته وبما جاء من شريعة متممة للشرائع السابقة في إطار وحدة الدين الإسلامي. وسمى الله تعالى هؤلاء مسلمين منذ القدم لتسليم حياتهم له وحده.
2 – وغير المسلمين يطلق عليهم كافرين ومشركين، سواء بإنكارهم رأسا لتلك الأسس الإيمانية؛ أو باعتقادهم المكفر. وهم يشملون من لهم كتاب منزل ثم حرفوه من اليهود والنصارى بجميع طوائفها ويطلق عليهم أهل الكتاب، ومن لهم شبهة كتاب منزل من المجوس والصابئين، ومن ليس لهم كتاب منزل، ويطلق على الفريقين جميعا مشركين، ويدخل في عدادهم الملحدون والباطنيون والبهائيون والقاديانيون وكل من يعتنق معتقدا مكفرا، والمرتد عن دين الإسلام إلى أي دين آخر، أو إلى لا دينية. أما المنافقون رغم الكفر بباطنهم وجلاء علامات النفاق فيهم، فبانتمائهم الظاهر للإسلام يعاملون حسب الظاهر كمسلمين، مع وجوب الحذر من خطر النفاق وإسداء النصح لهم بأسلوب حكيم.
3 – والأصل في علاقات المسلمين بغيرهم هو السلم والمسامحة. ولا يغير العلاقة السلمية إلا ما يطرأ عليها من اعتداء غير المسلمين على نحو مباشر أو غير مباشر على حرية الدعوة، أو أحد المسلمين فوق أي شبر من الوطن الإسلامي. أما علاقة المسامحة فثابتة تحت أي ظرف من الظروف. وهي ترتكز على : الإيمان الثابت بأن الدين عند الله الإسلام، واعتبار ما سواه باطلا مع إظهار التميز في الشخصية الإسلامية، وعدم إكراه غير المسلمين على اعتناق الإسلام بأي وجه من الوجوه، مع وجوب عرضه عليهم دعوة وتبليغا، وتمكينهم من ممارسة تعاليم دينهم، وعدم سب ما يعبدون على أن لا يمسوا بالشعور العام.
4- ويلتزم المسلمون في علاقاتهم الإنسانية – ومن ضمنها العلاقة بغيرهم – بالمبادئ الخلقية الثابتة الواضحة المنتهية، أهمها: التكريم، والرحمة، والمحبة، والعدل، والمساواة، والمعاملة بالمثل، والتمسك بالفضيلة، والحرية، والتسامح، والتعاون، والوفاء.
5 – تتسع مجالات التعامل الاجتماعي بين المسلمين وغيرهم فيما لا يمس باعتزاز المسلمين بأحقية دينهم وتميز عبودياتهم وأخلاقهم وشخصياتهم الإسلامية، ولا يمثل سبيلا لغير المسلمين عليهم؛ فإن ذلك من الولاء المحرم. ويرغب المسلمون في تقديم ما يدعم حسن المعاملة والمعايشة مع غيرهم من الصلة والعطاء المالي والمعنوي، كما يرغب في قبول هداياهم من الأشياء المباحة أصلا، وتجوز الاستعانة بهم فيما يعود بالنفع على الطرفين، وتحل مأكولاتهم غير الذبيحة لشرك متأصل في معتقدهم، كذا ومشروباتهم إذا خلصت من مادة محرمة من الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير وما يلحق به، وما أهل لغير الله به. كذا استعمال أدواتهم وأوانيهم بعد غسلها احتياطا. والخاص بأهل الكتاب لقربهم من الأسس الإيمانية الصحيحة وبالتالي إلى قلوب المسلمين تحل للمسلمين ذبيحتهم والمصاهرة مع نسائهم.
6 – يعامل الكافر بسبب الارتداد عن الإسلام بالإصرار ودونما شبهة معاملة الخائنين على الأمة والنظام فيقتل كفرا بعد استتابته مدة كافية، وتحفظ بمثل هذا الحق دول العالم قديما وحديثا في معاملتها للخونة على الشعب والنظام.
7 – لقد أنزل الله الإسلام ليكون هداية للناس أجمعين في كل مناحي حياتهم، وأن تتسيد فيها تعاليمه ونظمه. وبعد الناس عن الإسلام ومفارقتهم له لا يعني إلا المزيد من التعاسة والشقاء. وتحت ظل سيادة الإسلام وحدها تجد البشرية خلاصها وسعادتها الحقيقية، وأعظم مظاهر السيادة أن تكون الولاية بأيدي المسلمين، وتكون الشريعة هي مصدر لتشريعاتهم وسياساتهم، وبذلك تصبح الدولة إسلامية حقا.
8 – تتميز الدولة الإسلامية عن غيرها: بانبنائها على دين الله، وهدفها الرئيسي إقامة الدين وسياسة الدنيا على ضوئه تحقيقا لمصالح الناس والعدالة المطلقة بينهم وصولا إلى سعادة الدارين، وتقيد سلطاتها بمسئولية أمام الأمة عن طريق ممثليها وبالشورى في تنفيذ مطالب الدين فيما لم يرد بشأنه نص قطعي الدلالة، وتمسكها بالمثل العليا الثابتة المحددة، ومرونتها والشكل والأسلوب تمكينا للأمة من اختيار ما هو أصلح حسب تطور متطلبات الزمان.
9 – وسيادة شريعة الإسلام مطلقة لا يقتصر وجوب تحقيقها على الأوضاع الطبيعية؛ بل كذلك في الأوضاع الاستثنائية. وهي الحالات الطارئة على الفرد أو المجتمع من المحتم مواجهتها بالأحكام الاستثنائية؛ دفعا للضرر ورفعا للحرج عن المكلفين، على أن يكون الأخذ بالأحكام الاستثنائية أو الرخص بدلا من الأحكام الأصلية أو العزائم على نحو يقره الشرع، مع وجوب بذل قصارى الجهد الدؤوب للعودة إلى الأوضاع الطبييعية. والأمة المسلمة حلت بها الأوضاع التي جعلتها في حالات استثنائية بالنسبة لسيادة الشريعة، الأمر الذي تطلب الاعتراف بشرعية مظاهر الولاية الناقصة بسبب الوراثة أو الاستيلاء، أو ملاءمة الشروط المطلوبة أو قيام دولة إسلامية قطرية مقام الخلافة الإسلامية العالمية، أو قيام دويلات المسلمين القومية، كذلك تطبيق ما أمكن من أحكام الشريعة.
10 – ولاتخاذ سياسة مناسبة حيال كل موقف يتخذه الناس من دعوة الإسلام وأصحابها تقرر في الفقه الإسلامي تقسيم العالم إلى ثلاث ديار: ديار الإسلام التي تشمل في الوقت الحاضر البلاد التي تحت سلطان المسلمين سواء طبقت فيها أحكام الإسلام الاجتماعية أم لا على تكييف جمهور العلماء، كذلك مناطق المسلمين التي تحت سلطان غير المسلمين ما داموا يستطيعون إقامة حكم من أحكام الإسلام بأمان 0 مثل الشعائر والأحوال الشخصية – على تكييف أبي حنيفة. ودار العهد وهي البلاد التي يتخذ أهلها موقفا مسالما من دعوة الإسلام والمسلمين، وتتمثل في الوقت الحاضر في أغلب دول العالم لما بينها وبين دول العالم الإسلامي من عهد الأمان، سواء تم ثنائيا أو بالتزامها بميثاق الأمم المتحدة. ودار الحرب وهي التي يتخذ أهلها موقفا محاربا من دعوة الإسلام والمسلمين. وواقع تجزئة مناطق دار الإسلام بين دويلات قومية قطرية وعدم تأسيس سياستها على أساس من المصالح الإسلامية يحولان دون وجود موقف موحد بين حكوماتها من اعتبار بعض الدول غير المسلمة دار الحرب مثل: إسرائيل، والاتحاد السوفيتي، والتي ثبت تظاهرهما على المسلمين.
11- والمواطنة في الدول الإسلامية تتسع للمسلمين بإسلامهم وولائهم لجماعة المسلمين وغير المسلمين بولائهم للدولة الإسلامية. والفريقان جميعا يشكلان مجتمعا إسلاميا يجريان حياتهم الاجتماعية على النظام العام الإسلامي. وتنقطع المواطنة بما يعد خروجا على جماعة المسلمين بالارتداد عن الإسلام وتفضيل تقديم الولاء لدولة الحرب على دولة الإسلام بالنسبة للمسلمين، وبإعطاء الولاء لدولة الحرب وهتك حرمات العهد بالنسبة لغير المسلمين.
12 – جميع المواطنين في الدولة الإسلامية مكرمون على حد سواء من حيث إنسانيتهم كوضع طبيعي ومنحة ربانية، وخضوع الجميع حكاما ومحكومين لنظام العام الإسلامي لا يخل بمبدأ الحرية الدينية التي يجب إعطاؤها لغير المسلمين بتمكينهم من ممارسة عباداتهم وكل ما يلزمها من العناية بدور العبادة، وتعاطي كل ما يعتقدون حله في دينهم، وتنظيم أحوالهم الشخصية ويقف المسئولون في الدولة أمام الجميع موقف المسئولية عن توفير حقوقهم المشروعة.
13 – يشترك جميع المواطنين في التمتع بحقوق المواطنة على أساس المساواة (لغير المسلمين ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين)، إلا ما تتطلبه ضرورة احترام الخصوصيات الدينية، كما أن غير المسلمين يستثنون من الخضوع للشريعة في أمورهم الدينية. فيتمتع الجميع بحق الحماية على النفس وما يتبعها من مال وأهل وعرض من أي اعتداء، وحق توفير مقومات الحياة الكريمة، وحق العمل والكسب والتنقل الحر لتسخير طاقاتهم الإيجابية، وفرص التوظيف في الدولة، والمشاركة في تسيير دفة أمورها مع اختصاص المسلمين بمناصب الولاية سواء في السلطة التشريعية أو التنفيذية أو القضائية أو العسكرية.
14 – وحقوق المواطنين في الدولة الإسلامية وجدت ضماناتها في صميم الدين الإسلامي فتحظى باستقرارها في النفوس استقرار الإيمان بتعاليم الإسلام ذاتها. كما تحظى بالثبات ثبوت المقررات الشرعية التي لا تتبدل، وبتواصي المسلمين بعضهم البعض بالتزام الواجب الديني في هذا الخصوص وإزالة ما يعترض طريقه. ومصداقية ذلك محفوظة في مواقف العلماء والصالحين من أبناء الأمة طوال تاريخ التعايش بين المسلمين وغيرهم.
15 – والأجانب في الدولة الإسلامية هم غير المسلمين الذين لا يرغبون في الإقامة الدائمة على أرضها. وفي تسميتهم بالمستأمنين إشعار بتأكيد توفير الأمان لهم مدة إقامتهم فيها، ولا يقتصر ذلك على الحماية من ظلم المواطنين، بل أيضاً نصرتهم على من يحاربونهم من غير المسلمين ما داموا داخل الوطن الإسلامي. ولدخول المسلمين أرض الدولة الإسلامية بأمان أمر يسير للغاية. وذلك بوجود العلاقة السلمية بين دولتهم والدولة الإسلامية أو بتأمين من أي مواطن مسلم لهم ولو بغير طلب منهم، وتم شفهيا، دون اشتراط موافقة المسئولين في الدولة على ذلك. وتصح ذمة مواطن واحد طرديا ذمة جميع المواطنين من أدناهم إلى أعلاهم. وتحديد مدة إقامة الأجانب يتوقف على اعتبار المصلحة الذي يرجع إلى المسئولين. ويطبق على الأجانب قانون الدولة الإسلامية فيما يتعلق فقط بحقوق العباد من الحدود وغيرها عند الإمام أبي حنيفة، كذلك الحدود المتعلقة بحقوق الله عند جمهور العلماء، وللدولة خيار في الأخذ بأي من الرأيين طبقا للمصلحة القائمة والمعتبرة.
16 – يشترك جميع المواطنين في بناء الدولة وتحقيق الرفاهية العامة من خلال التزامات مالية ومعنوية مع التنوع فيما تغلب عليه الصفة الدينية فالمواطنون المسلمون هم المسئولون أساسا عن حماية المواطنين والدفاع عن الوطن بموجب وجوب الجهاد، وإنما يشارك القادرون على القتال فقط من المواطنين غير المسلمين سواء على نحو غير مباشر بدفع قدر يسير من المال بدل الحماية، أو على نحو مباشر بالانضمام في القوات الأمنية دفاعا عن الوطن وحماية للأمن لا جهادا. وعلى المسلمين إخراج زكاة أموالهم النامية بشروطها التي تراعي عدم الإجحاف بأرباب الأموال وعدم الحيف بحق الفقراء. وعلى غير المسلمين دفع الخراج؛ أي ضريبة الثروة الزراعية في مقابل العشر على المسلمين، ويستوي الجميع في سائر الالتزامات المالية التي لا تغلب عليها الصفة الدينية كجمارك ورسوم.
17 – وكل دولة غير إسلامية توصف بالدولة الواقعية سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة؛ وذلك لعدم انبناء خططها وسياستها على هدى من شريعة الله تبارك وتعالى، من خلال نصوصها ومبادئها العامة واعتبارات إسلامية في تقدير المصالح. والوضع الغالب في الدول الواقعية كالآتي: في الدول التي تحت سلطان المسلمين تقرر دستوريا كفالة حقوق جميع المواطنين على أساس من المساواة وتكافؤ الفرص بما فيها حرية العقيدة والعبادات في إطار النظام القائم، ولشمولية الحياة الدينية والعبادة في الإسلام يواجه المسلمون الحدود النسبية التي فرضها الحكام حسب سياستهم. وفي الدول ذات أغلبيات مسلمة يحكمها أقليات غير مسلمة تتعرض الأغلبية المسلمة للحرمان من الحقوق حتى من توفر الأمن على حياتهم كمسلمين، حيث سياسة الحكومة المعادية للإسلام والرامية إلى القضاء على المسلمين، أو تحجيمهم على افضل تقدير. ومما يزيد الطين بلة تحالف الطوائف غير المسلمة فيها على المسلمين في كثير من الأحيان، وفي الدول التي تحكمها أغلبيات غير مسلمة تميل معاملتها للأقليات على وجه العموم إلى التفرقة، غير أن نصيب الأقليات المسلمة أسوأ من غيرها حيث التشريد والحرمان مع التفاوت في الشدة بهذا الترتيب التصاعدي : دول ذات أغلبيات كتابية – دول ذات أغلبيات وثنية – دول ذات أغلبيات شيوعية. ومن الملحوظ ان لسبق تعاون الدول مع بعض المستعمرين الغربيين على المسلمين دخل في سوء معاملتها للأقليات المسلمة. وأن التعايش السلمي بين الأقليات الموجودة متحقق على وجه معقول، على أن التعايش بين الأقليات الكتابية والمسلمة أفضل منه بين الأقليات الوثنية والمسلمة.
18 – من حيث الشكلية وضعت الدول الواقعية بعض النصوص التشريعية المتمثلة في الدستور أو القانون كضمان لحقوق المواطنين، وبالخصوص ما يتعلق بحرية العقيدة والعبادة، ولكن مصداقية هذا الضمان التشريعي وفعاليته يتوقفان على مدى التزام الدولة بتشريعاتها، من خلال سياستها التنفيذية والسلطة القضائية. كما أن للبعد الإيماني دخل في ذلك؛ ففي الدول الشيوعية كانت ضمانات حقوق المواطنين من أصحاب الديانات – وبالخصوص المسلمون – معدومة لإلحادها وسياستها المبنية على الخدعة وتبرير الوسيلة. وفي الدول التي تتبنى النظام الديمقراطي يبدو هذا الضمان ماثلا إلى حد ما مع التفاوت حسب موقف حكوماتها من التسامح الديني. وكان ضمان حرية العقيدة والعبادة أقوى في الدول التي يحكمها المسلمون منه في الدول الأخرى؛ حيث وضع في ذلك اعتبار ديني فوق اعتبار سياسي.
19 – الأصل أن كل مسلم يلتزم أحكام الإسلام كاملا ودون استثناء إلا بسبب طارئ يقره الشرع. بيد أن الوضع الراهن في أغلب البلاد المسلمة أنها لا تبني سياستها على سيادة الشريعة فينتج القصور الواضح في كثير من مجالات الالتزام الإسلامي، أهمها المجال السياسي والقانوني والاقتصادي؛ فأصبح المطلوب من المسلمين أفرادا وجماعات – وفي مقدمتهم العلماء والزعماء – رفع مستوى التزامهم بتعاليم الإسلام في المجالات التي لا يتوقف تطبيقها على قوة القانون والسلطة السياسية، كذلك السعي المستمر بكل الوسائل الصالحة لتحقيق سيادة الشريعة في الدولة.
20 – والمسلمون في البلاد غير المسلمة يلتزمون جميع أحكام الإسلام ديانة. والأحكام التي تتوقف قضاء على القانون والسلطة معلقة إلى حين حصولهم على السلطة أو قانون يسمح لهم بذلك، مع التأكيد على وجوب العمل المضني حفاظا على كيانهم الإسلامي وتعاملهم مع سائر المواطنين بها من أهل الديانات الأخرى على أساس وضعهم كمستأمنين – فيجب تلافي المساس بأمن غيرهم على أنفسهم وأهليهم وأموالهم وأعراضهم بأي وجه من الوجوه. ويتعاونون فيما بينهم على منع وقوع العدوان من غيرهم وحصول الإنصاف من أي ظلم وقع على أحدهم، دون اللجوء إلى القتال ما داموا مستأمنين قانونا ولم يكن العداء رسميا من سياسة الدولة، إلا ما يلزم الدفاع عن النفس، ويجوز تقديم ما يعود بالنفع عليهم وعلى غيرهم إلى الدولة، أو ما لا يضرهم بمخالفته الصارخة للشريعة على الأقل، سواء يتمثل في الالتزامات مالية أو أدبية، على أن يحتفظوا بعدم الرضا بطريق هؤلاء ومنهج حياتهم. وإذا فرض عليهم وضع يستوجب الموازنة بين الأضرار المتوقعة يجوز لهم اختيار أخف الضررين وأدنى الشرين، وإن كان في ذلك عدول عن الأحكام الأصلية إلى الأحكام الاستثنائية. وهذا أمر متوقع الحدوث للمسلمين المقيمين بين أهل بلد يتخذون – موقفا محاربا منهم. ولعدم عقد الأمان بين الطرفين لا يلتزم المسلمون تأمين أهل الحرب على أنفسهم وأموالهم. ومع هذا لا يحل لهم الاعتداء إلا إذا اعتادوا عليهم عملا بمبدأ المعاملة بالمثل { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } [سورة البقرة آية 194].
21 – من الثابت تاريخيا وواقعيا أن المسلمين أقدر الناس على التعايش السلمي والإيجابي مع المخالفين لهم في الدين ما داموا ملتزمين بإسلامهم الحنيف، ونظرا لطبيعة التبادل بين الأطراف المتعايشة يكون مستوى هذا التعايش متماشيا مع مدى تحقق سيادة الإسلام في المجتمع.
ب – المقترحات:
وفي ضوء النتائج المذكورة يقترح ما يلي :
أ – لما كان المسلمون اليوم في وضع لا يحسد له – بسب المؤامرات الخارجية على البلاد المسلمة، وتسيد النظام الأجنبي بها، وهيمنة غير المسلمين ونظامهم على المسلمين في البلاد غير المسلمة – كانت القوة الدافعة إلى التعايش السلمي والبنائي بين الأمم المختلفة الديانات ضعيفة، فينتج من ذلك فساد في العلاقات الإنسانية يتفاوت مداه من بلد لآخر { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } (وورد التأكيد على هذا الموضوع في سورة الحج آية 40) فالسبيل الأساسي الوحيد للارتفاع بالبشرية من هذا الفساد هو استرداد قوة الإصلاح والسلام المتمثلة في الأمة المسلمة مكانتها الطبيعية بين الأمم.
2 – وعودة هذه القوة السلمية إلى مكانتها الطبيعية لم ولن تكون بالصدفة ولا بالمنحة من غيرها. فليس هناك من سبيل إلا العمل الجماعي على رفع نوعيتها عن طريق بناء شخصية المسلمين الإسلامية المتكاملة الجوانب تكامل جوانب الإسلام نفسه وتبني مشروع التربية على شمولية الإسلام وشمولية الحياة على مستوى التصور والتطبيق والوسائل إلى هذا التطبيق. ولا ينبغي أن يترك وسط من أوساط الحياة الاجتماعية إلا وفيه سعي لإيجاد الاتجاه الإسلامي من أجل توجيهه إسلاميا بالتدرج.
3- ضرورة المزيد من الاهتمام بوضع المسلمين عامة والواقعين منهم في محنة الأغلبيات أو الأقليات على الخصوص، سواء من خلال البحوث العلمية أو المواقف السياسية أو المساعدات: مادية ومعنوية، من المسلمين في البلاد المسلمة تحسينا لوضعهم، ودفعا لمسيرتهم في بناء الأفراد إسلاميا من أجل تحقيق حياة إسلامية بإذن الله تعالى.
والله حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الرابط http://www.dorar.net/book_end/9803

تكنوقراطية ..

كاتب الموضوع الأصلي: راكان الركف 6

التكنوقراطية[1] (أو التقنقراطية) كلمة اصلها يوناني من كلمتين هما تِكني τέχνη “فني وتقني” وكراتُس κράτος “سلطة وحكم”، وباعتبارها شكلا من أشكال الحكومة، تعني حرفيا حكومة التقنية ويقال حكومة الكفائات.

التقنقراطية حركة بدأت عام 1932 في الولايات المتحدة، وكان التقنقراطيون يتكونون من المهندسين والمعماريين والاقتصاديين المشتغلين بالعلوم ودعوا إلى قياس الظواهر الاجتماعية ثم استخلاص قوانين يمكن استخدامها للحكم على هذة الظواهر وإلى أن اقتصاديات النظام الاجتماعي هي من التعقيد بحيث لا يمكن أن يفهمها ويسيطر عليها رجال السياسة ويجب أن تخضع إدارة الشئون الاقتصادية للعلماء والمهندسين، وكانت هذه الدعوة نتيجة طبيعية لتقدم التكنولوجيا.

التقنقراط هم النخب المثقفة الأكثر علما وتخصصا في مجال المهام المنوطه بهم، وهم غالباً غير منتمين للأحزاب. والتقنقراط كلمة مشتقة من كلمتين يونانيتين: التقانة (التكنولوجيا): وتعني المعرفة أو العلم ،وقراطية (كراتس) وهي كلمة اغريقية معناها الحكم، وبذلك يكون معنى تقنقراط حكم الطبقة العلمية الفنية المتخصصة المثقفة.

الحكومة التقنقراطية هي الحكومة المتخصصة في الاقتصاد الصناعة والتجارة، غالبا تكون غير حزبية فهي لا تهتم كثيرا بالفكر الحزبي والحوار السياسي.

كليبتوقراطية ..

كاتب الموضوع الأصلي: راكان الركف 6

الكلِبتوقراطية هو مصطلح يعني نظام حكم اللصوص. وهو نمط الحكومة الذي يراكم الثروة الشخصية والسلطة السياسية للمسؤولين الحكوميين والقلة الحاكمة، الذين يكونون الكربتوقراط، وذلك على حساب الجماعة، وأحياناً دون حتى ادعاءات السعي إلى خدمتهم. واللفظ مركب من مقطعين يونانيين؛
أولهما “كلبتو” (Κλεπτο) بمعنى لص، وثانيهما “قراط” (κρατ) بمعنى حُكم.

وعادة ما يكون نظام الحكم في تلك الحكومات في الأصل ديكتاتوريًا أو استبداديًا، ومع ذلك فقد تظهر الكليبتوقراطية في بعض النظم الديموقراطية التي انزلقت إلى الأوليجاركية (حكم القلة).

ثورة يوليو 1952 في مصر

كاتب الموضوع الأصلي: صفوان زامل80

تعد ثورة ‏23 يوليو حدثا بارزا ليس في تاريخ مصر الحديث وحسب، بل في تاريخ الأمة العربية التي كانت معظم دولها ترزح تحت وطأة الاحتلال الأجنبي، فقد كانت ثورة يوليو هي الشعلة التي ألهبت حركات التحرر والاستقلال في الدول العربية، وانتقلت شرارتها الي كل أرجاء العالم الثالث الذى انتفض للمطالبة بحريته، ودفاعا عن تحرره من المستعمرين الغاشمين.
وقد ساهم فى نجاح الثورة التأييد الشعبي الجارف الذى اكتسبته من ملايين الفلاحين، وطبقات الشعب العاملة.
وبعد نجاح الثورة وحصولها على التأييد الشعبي الكبير بدأت مسيرة طموحة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية غيرت وجه الحياة علي أرض مصر، خاضت خلالها معارك كثيرة في الداخل والخارج، وأرست ثوابت راسخة للعمل الوطني، وقواعد صلبة لمسيرة تنموية حمل لواءها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر.
ورغم التحديات الكثيرة التى اعترضت طريق الثورة، فأنها أثبتت قدرتها علي تصحيح مسارها ومسيرتها، آخذة فى الاعتبار تطور الأوضاع الإقليمية والدولية، ومدركة لحركة التاريخ.
وتمكنت الثورة من تحقيق انجازات شتى فى مجالات مختلفة على الصعيد الداخلي ابرزها تأميم قناة السويس وبناء السد العالي، وعلى الصعيد الإقليمى والدولي برزت مصر كأحدى القوى الفاعلة فى النظام الدولى السائد آنذاك، فكانت من مؤسسي مجموعة دول عدم الانحياز، ومنظمة الوحدة الافريقية، ورائدة حركات التحرر الوطني وداعمة لجهود الاستقلال ليس فى العالم العربي فحسب، بل فى القارة الأفريقية أيضا.
ولعبت قيادة الثورة دورا رائدا في تشكيل حركة عدم الانحياز مما جعل لها وزن ودور ملموس ومؤثر على المستوى العالمي ووقعت صفقة الاسلحة الشرقية عام 1955 والتي اعتبرت نقطة تحول كسرت احتكار السلاح العالمي كما دعت الى عقد اول مؤتمر
لتضامن الشعوب الافريقية والاسيوية في القاهرة عام 1958 .

التاريخ السياسي لجنوب السودان

كاتب الموضوع الأصلي: صفوان زامل80

تاريخ جنوب السودان لا يعرف عنه إلاَّ القليل قبل عام 1820.. وبدأ كثير من الأوروبيين رحلاتهم لاكتشاف منابع النيل.. خلال فترة الحكم التركي قبل عام 1885عيّن الخديوي «حاكم مصر» بعض الأوروبيين كمديرين للاستوائية لخدمة أغراضه ومد نفوذه وقد اشتهرت فترة الحكم التركي وفترة حكم المهدية 1885 – 1899 بغارات جلب الرقيق التي قام بها بعض الأوروبيين والمصريين وأهل شمال السودان مما نجم عنه شعور زائد بالكراهية وولّد خوفاً شديداً تجاه الشماليين.. بالطبع فقد حُرِّمت تجارة الرقيق بعد الفتح المصري الإنجليزي عام 1899. من ناحية الدين والمعتقدات فأغلبية سكان شمال السودان يعتنقون الدين الإسلامي أما معظم سكان الجنوب فلا دينيين وقد بدأت الارساليات المسيحية عملها في الجنوب منذ عام 1848وتم زيادة نشاطها وتنظيمه بعد الفتح في عام 1899 وقد سمح لكل من الإرسالية الكاثوليكية والإرسالية البروتستانية بالعمل التبشيري في جنوب السودان مع تكليفها بمسؤولية نشر التعليم بين أبناء وبنات الجنوب بل وقدّمت لها إعانات مالية من الحكومة بدءاً من عام 1927.

يعد التاريخ السياسي لجنوب السودان من الملفات المهمة لفهم طبيعة السودان الخاصة، حيث تضافرت مجموعة من العوامل علي تقسيم السودان معنويًا قبل أن تصبح حدوديًا في القرن التاسع عشر عندما استعمرت بريطانيا السودان مع مصر. قامت السياسات الاستعمارية علي اظهار الاختلافات الإثنية واللغوية والعرقية والدينية، وفرقت المملكة المتحدة في التعامل مع الجنوب والشمال في قضايا أهمها التعليم، فبدأت تظهر الاختلافات الثقافية وساد اعتقاد لدي الأوساط المسيحية في الجنوب أن الشماليين هم تجار رقيق. وبعد جلاء القوات بريطانيا وانفصال السودان عن مصر طالب الجنوبيون أن يكون لهم نظام خاص لهم داخل الدولة السودانية الموحدة، وهو الأخذ بنظام الفدرالية، ولكن الحكومة رفضت الاقتراح معللة إنه يؤدي إلى انفصال الجنوب كتطور طبيعي. في أغسطس 1955 تمرد بعض أعضاء الفرقة الجنوبية من الجيش السوداني بإيعاز من المملكة المتحدة ضد الشمال، حيث كانت هناك شكوك لدي الجنوبيين على سياسات وزارة إسماعيل الأزهري التي تشكلت في يناير من نفس العام. وفي عام 1958 وبعد تولي إبراهيم عبود للسلطة قامت الحكومة العسكرية باتباع سياسة التذويب بالقوة مع الجنوبيين، وأدي ذلك إلى مطالبة الأحزاب الجنوبية وعلي راسهم “حزب سانو” باستقلال الجنوب، كما تم تشكيل حركة أنانيا التي بدأت عملياتها العسكرية في عام 1963، وبعد الشد والجذب تم بحث تسوية سلمية للصراع، حيث عقد مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965. وفي عام 1972 تم توقيع اتفاقية أديس أبابا والتي أعطت للإقليم الحكم الذاتي في إطار السودان الموحد، إلا أنه في يوليو وسبتمبر من عام 1983 أصدر الرئيس جعفر نميري عدة قرارات أطاحت بالاتفاق منها تقسيم الإقليم إلى ثلاثة أقاليم ونقل الكتيبة (105) وبعض الجنود إلى الشمال وإتهام قائدها كاربينو كوانين بإِختلاس أموال، كما تم إرسل قوات لإخضاعها فأدي ذلك إلى هروبها إلى الادغال الاستوائية لتصبح فيما بعد نواة لجيش الرب، فكلفت الحكومة العقيد جون قرنق بتأديب الكتيبة، إلا أنه أعلن انضمامه إلى المتمردين مؤسسًا الحركة الشعبية لتحرير السودان ولها جناح عسكري عبارة عن جيش، وأعلن إن هدف الحركة هو “تأسيس سودان علماني جديد” قائم على المساواة والعدل الاقتصادي والاجتماعي داخل سودان موحد، وقام برفع شعارات يسارية فحصل علي دعم من إثيوبيا وكينيا خصوصًا الرئيس الإثيوبي منغستو هيلا ميريام.

وبعد الإطاحة بنظام جعفر نميري عبر انتفاضة شعبية عام 1985 كان هناك أمل في التوصل إلى اتفاق مع الحركة، ولكنه فشل بعد اجتماع رئيس الوزراء الجديد الصادق المهدي مع قرنق بعام 1986. وفي نوفمبر من عام 1988 تم إبرام اتفاق بين قرنق ومحمد عثمان الميرغني في أديس أبابا والذي نص على تجميد قرارت سبتمبر 1983، ولكن هذا الاتفاق لم يأخذ طريقه إلى التنفيذ بعد انقلاب يونيو 1989 بقيادة عمر البشير والتي تبنت شعار “الجهاد الإسلامي” ضد القوى الجنوبية مستعينة بتسليح مليشيات تدعى قوات الدفاع الشعبي، وحققت الحكومة عددة انتصارات عسكرية.

وفي أغسطس 1991 وبعد سقوط نظام منغستو في إثيوبيا وانشقاق الحركة الشعبية، حاولت الحكومة الاستفادة من هذا الانشقاق فأجرت الاتصال منفردة مع لام أكول بوثيقة عرفت باسم “وثيقة فرانكفورت” والتي وقعت في يناير من عام 1992، إلا أن الحكومة السودانية أنكرتها بعد ذلك. وفي مايو 1992 وتحت رعاية الرئيس النيجيري إبراهيم بابنجيدا أجريت الجولة الأولى للمفاوضات في أبوجا، ثم الجولة الثانية في مايو من عام 1993، ولكن لم تسفر هذه المفاوضات عن شيء. وتضاعفت الجهود الدولية من خلال “منظمة الإيغاد” إلى أن تم توقيع اتفاق اطاري يسمي “بروتوكول ماشاكوس” وذلك في يوليو من عام 2005 والذي أعطى للجنوب حكم ذاتي لفترة انتقالية مدتها 6 سنوات، وحق تقرير المصير وفرصة للجنوبيين لتفكير في الانفصال، كذلك أعطى الفرصة في بناء مؤسسات الحكم الانتقالية كنوع من الضمانات. وفي 9 يناير 2005 وقعت الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا، والذي نصت بنوده على:
حق تقرير المصير للجنوب عام 2011.
اجراء انتخابات عامة علي كافة المستويات في مدة لا تتجاوز عام 2009.
تقاسم السلطة بين الشمال والجنوب.
تقاسم الثروة.
إدارة المناطق المهمشة بين الشمال والجنوب.
الترتيبات الأمنية.

تم الاستفتاء على تقرير المصير في 9 يناير 2011 وصوت الجنوبيون باكتساح للانفصال

مذبحة قانا ١٩٩٦

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العسكر 20

مذبحة قانا (18 أبريل 1996)، وردود الفعل العربية والدولية

أ. الموقف الإسرائيلي

في الثامن عشر من أبريل، وفي اليوم الثامن للعدوان الإسرائيلي، قامت إسرائيل بأكثر العمليات الإرهابية اتساعاً ووحشية، ضد مدنيين عزل، ورجال مقاومة، يمارسون حقهم الطبيعي، والمشروع، في الدفاع عن بلدهم. فقد ارتكبت القوات الإسرائيلية مذبحة جديدة، ضد المدنيين في جنوبي لبنان، راح ضحيتها أكثر من مائة قتيل، وجرح نحو 105 آخرين[1]، بعد هجوم مركز بالمدفعية، على معسكر للنازحين من قرى الجنوب اللبناني، في مقر كتيبة تابعة لدولة فيجي Fiji ” “، تعمل ضمن قوات حفظ السلام الدولية. كما أدى القصف، أيضاً، إلى مصرع 4 جنود من الكتيبة الفيجية. وأكّد تيمور جوكسيل، المتحدث باسم القوات الدولية في لبنان، أن قائد الكتيبة الفيجية، اتصل بالقيادة الدولية، للإبلاغ عن قصف عنيف لموقعه، وطلب ضرورة التحرك الفوري، لوقف القصف الإسرائيلي المجنون. وهرعت سيارات الإسعاف إلى الموقع، لإجلاء الضحايا. وطلبت قيادة القوات الدولية مساعدة الوحدات المختلفة. وهكذا، أصبحت مذبحة قانا وصمة عار جديدة على جبين إسرائيل، التي لم تجِد سوى مقر للأمم المتحدة، للقيام بقصفه بضراوة بالغة.

وفي الوقت عينه، الذي تمت فيه مذبحة قانا، قامت الطائرات الإسرائيلية بقصف مدينة النبطية اللبنانية، والقرى المحيطة بها. وتركز القصف في منازل المدينة، مما أدى إلى تدمير منزلين تدميراً كاملاً، ومقتل 11 مواطن، بينهم تسعة من أسرة واحدة، وأربعة أطفال، منهم طفل، عمره ثلاثة أيام، وجرح 6 أفراد آخرين.

كما أطلقت القوات البحرية الإسرائيلية 25 صاروخاً على الطريق الساحلي، المؤدي إلى صيدا، مما أدى إلى تعطيل حركة السير في مداخل المدينة الشمالية. وفي الوقت الذي اشتعلت فيه النيران في موقع قانا، والذي امتلأ بالدماء، عرض التليفزيون الإسرائيلي مشاهد لعشرات الدبابات، من نوع “ميركافاMerkava”، وهي تدخل المنطقة المحتلة في جنوبي لبنان. وقد ادعت إسرائيل، في البداية، أن القصف المدفعي، جاء نتيجة خطأ في حسابات أفراد وحدة المدفعية. ولكن أكد شهود عيان (كما جاء بعد ذلك في مذكرة الأمم المتحدة)، أن طائرة إسرائيلية، كانت تدير نيران المدفعية، مما يدل على أن القصف كان متعمداً، وأن “مذبحة قانا” كانت مخططة، وهي إحدى سمات السياسة الإسرائيلية بدءاً من مذبحة دير ياسين، وحتى مذبحة صبرا وشاتيلا، مروراً بأسلوب حرب الاستنزاف، ضد الجبهة المصرية؛ إذ كانت تقصف مدن القناة، حتى تضطر القيادة العسكرية المصرية إلى تخفيف وطأة قصفها للمواقع العسكرية الإسرائيلية.

وأيّاً كانت التبريرات الإسرائيلية، فإن مجرد قصف معسكر، يرفع علم الأمم المتحدة، هو جريمة ضد العالم أجمع، وليس ضد لبنان أو حزب الله فقط.

ب. موقف حزب الله

رد مقاتلو حزب الله على المذبحة، بقصف شمالي إسرائيل، برشقات جديدة من صواريخ الكاتيوشا. مما أسفر عن إصابة امرأة إسرائيلية بجروح، وحدوث خسائر مادية، في إحدى قرى منطقة الجليل(‘إذاعة بيروت، في 18 أبريل 1996.

ج. أحداث المذبحة، كما رواها بعض النّاجين منها

(1) قال الشيخ سعد بلهاس، وهو مواطن من الجنوب اللبناني: “في ثانية واحدة، فقدتُ كل شيء. لقد فقدتُ 14 من أبنائي وأحفادي وزوجتي، في ثانية واحدة. لا أرغب في الحياة، أبلغوا الأطباء، أن يتركوني أموت. تلك كانت كلمات هذا المواطن، الذي لجأ هو وعائلته إلى مواقع القوات الدولية، في بلدة قانا، التي شهدت المذبحة الإسرائيلية. وقال بلهاس، الذي أصيب بشظية في صدره، أثناء قيام المصورين بالتقاط الصور له: “كفى. اذهبوا إلى مقر القوات الدولية والتقطوا الصور لأشلاء الضحايا، التي التصقت بالجدران”.

(2) أمّا حسين شوقي، المواطن اللبناني فيقول: “لقد كان بين ذراعَي طفل، ومات بسبب اندفاع شظية في جسده. لقد كنا نسير على أيادٍ وأرجل ورؤوس متناثرة في كل مكان من موقع القوة الدولية. إننا لن ننسى أبداً هذا الإرهاب الإسرائيلي”.

(3) أمّا المواطن اللبناني، محمد شوقي، الذي فقَد والدته وإخوته الستة، فيقول: “عندما سقطت القذيفة الأولى، انهار الجدار علينا، وطار رأس سيدة، كانت تقف إلى جواري. كما تحول رجل، إلى يساري، إلى كومة أشلاء. لقد شاهدت أمي وإخوتي الستة يُقتلون”.

(4) أمّا فاطمة إسماعيل، فتقول: “لقد كنت أجري كالمجنونة، بحثاً عن طفلي، في حين كانت قدماي منغمستين في برك من الدماء”.

(5) ويقول فادي جابر، وهو يبكي: “سقطت سيدة، إلى جواري، مغشياً عليها، فمددت يدي، لكي أسند رأسها، فسقط مخّها في يدي”.

(6) أمّا أحد ضباط القوة الدولية فقد قال، وهو يقوم برفع بقايا اللحم البشري: “إن كل ما يحدث هنا، هو بشع، ولا أستطيع أن أصف مدى بشاعته”. قالها الضابط الدولي، قبل أن يجهش بالبكاء.

(7) وذكر مدير أحد المستشفيات في لبنان، أن لديه 4 أطفال، لا تُّعرف أسماؤهم، ولا يُعرف آباؤهم، ومن ثمّ، فقد أطلقنا عليهم حروفاً بدل الأسماء: الطفل أ، الطفل ب، والطفل ج. أمّا الطفل الرابع، فسميناه طفل الهليوكوبتر، لأن إحدى الطائرات العمودية، تسببت بقطع إحدى ساقيه، وأصبح في غيبوبة. وهم جميعاً أقرب إلى الموت منهم إلى الحياة.

(8) أحد عناصر الإسعاف، الذي رفع الأنقاض في قانا، قال: “لقد شاهدت أكواماً من أشلاء الضحايا. واستحال التمييز، بسبب اختلاط الأشلاء. مما أدى إلى أن نقوم بتعبئتهم في أكياس من النايلون، ووضعهم في سيارات للنقل. أما الجرحى منهم، فهم مجموعة من الأطفال، الذين اختفى أهلهم تماماً، ولعلهم تطايروا مع الأشلاء، التي تطايرت”.

ثانيا: المواقف وردود الفعل، الدولية والعربية والإسرائيلية، إزاء أحداث قانا

وضح للعالم، بعد هذه المذبحة، أن هذا العنف الوحشي، الذي تعرض له اللبنانيون، لا يمكن أن يبرره سقوط بعض صواريخ الكاتيوشا، تطلقها عناصر حزب الله على شمالي إسرائيل؛ لأن ما فعلته إسرائيل، لم يكن سوى انتقام وحشي، ودموي، ضد شعب بريء، لا يريد سوى استعادة الجزء المحتل من أرضه.

1. الموقف الدولي

أ. الموقف الأمريكي

دعا الرئيس الأمريكي، بيل كلينتون، جميع الأطراف لوقف إطلاق النار، فوراً. وطلب من وزير خارجيته، وارن كريستوفر، التوجه إلى المنطقة للعمل على وقف القتال. وأشارت المصادر الأمريكية إلى أن دينيس روس، المنسق الأمريكي لعملية السلام، هو في طريقه إلى المنطقة، تمهيداً لزيارة كريستوفر.

ب. الموقف الفرنسي

وجّه الرئيس الفرنسي، جاك شيراك، نداءً رسمياً إلى إسرائيل، بضرورة الاستجابة لوقف إطلاق النار. كما اجتمع وزير الخارجية الفرنسي مع شيمون بيريز، لبحث إعادة الهدوء إلى لبنان. وفي هذا الإطار، تم الاتفاق على لقاء شيراك كلينتون، في موسكو، في 19 أبريل، من أجل التنسيق بين البلدين، لوقف القتال في لبنان.

ج. الموقف الروسي

انتقد يفجيني بريماكوف Yevgeny Primakov، وزير خارجية روسيا، إسرائيل. وأعرب عن قلقه لتدهور الوضع في لبنان، مشيراً إلى أنه على اتصال مع المسؤولين في فرنسا ولبنان وسورية، لمحاولة إيجاد حل للأزمة.

2. الموقف العربي

أ. الموقف العربي بشكل عام

أثبتت عمليات “عناقيد الغضب”، القصور الكبير على الجانب العربي، وهو ما مكّـن إسرائيل من تحقيق هدفها، إضافة إلى ضعف قوة الضغط العربي على المجتمع الدولي، لتوضيح وجهة النظر العربية، تجاه وضع حرب الإبادة الإسرائيلية في الحسبان، قـبل اتخاذ المجتمع الدولي لموقفه المتواطئ، بالتغاضي أو الصمت عمّا تفعله إسرائيل في لبنان. ناهيك من غياب القوة الاقتصادية العربية، أو العجـز عن اسـتخدام عوامل قوّتها الاستخدام الأمثل في مصلحة القضايا العربية، مما سمح للبعض بالحديث عن الشـرق أوسطية، بدلاً من الحديث عن سوق عربية، تتعامل مع التكتلات الاقتصادية الدولية، من موقف القوة والمساواة، فضلاً عن فقْد سلاح النفط العربي لقوته الضاغطة، التي حققت أقصى أثر لها، في أعقاب حرب 1973، بعد أن استوعبت دول الغرب هذا الدرس.

وهكذا، أصبح الطريق مفتوحاً أمام إسرائيل، لممارسة كل أنواع الصلف والقتل، من دون رادع من المجتمع العالمي، ولا ردود فعل قوية، ومؤثرة، من الطرف العربي.

ب. الموقفان، المصري والسعودي

بعث الرئيس حسني مبارك برسالتين إلى الرئيس الأمريكي، بيل كلينتون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، شيمون بيريز، في إطار الجهود المصرية المكثفة، لاحتواء الوضع المتفجر في لبنان. تناولت الرسالتان تطورات الأوضاع في لبنان، وتصعيد العنف في المنطقة، وضرورة التدخل السريع لوقف العلميات العسكرية الإسرائيلية ضد لبنان، لتهدئة الأوضاع، وإنقاذ مسيرة السلام.

وفي الوقت نفسه، تسلم الرئيس مبارك رسالة من خادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبدالعزيز، عاهل المملكة العربية السعودية، خلال استقباله الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي، الذي صرح بأنه جرى، خلال المقابلة، استعراض نتائج اجتماع مجلس الجامعة العربية، حول لبنان، والعدوان الإسرائيلي المستمر ضد الشعب اللبناني. وأكد الأمير سعود الفيصل، أن الحل الأمثل، هو تطبيق قرار مجلس الأمن الرقم (425). ودان الوزير السعودي قيام إسرائيل بضرب المدنيين، ووصفه بأنه تصعيد خطير للموقف. وأعلن أن المملكة تتحرك، على كافة المحاور، من أجل وقف إطلاق النار، كما أنها لا تمانع في عقد مؤتمر قمة عربي.

وأعلن وزير الخارجية المصري، عمرو موسى، أن مقتل المدنيين دليل على خطر الموقف. وقال إن مصر، بصفتها الدولة العربية العضو في مجلس الأمن، تساند المطلب اللبناني بإصدار قرار، يلزم إسرائيل بدفع تعويضات إلى لبنان عن الدمار الذي لحق به. كما أكد أن استخدام العنف بهذا الشكل، وضرب المدنيين، يخرجان عن أي نظام قانوني، ويُعَدّان خرقاً للقانون الدولي وحقوق الإنسان.

ج. الموقف اللبناني، والمقترحات لحل الأزمة المتصاعدة

أمّا الموقف اللبناني، فقد جاء واضحاً على لسان رفيق الحريري، رئيس وزراء لبنان، حين قال: “إن الدولة اللبنانية، لا تستطيع منع حزب الله من العمل المسلح، لأنه يمثل المقاومة ضد الاحتلال. فمثل هذا التصرف، فيما لو تم، يعني أن الحكومة، ستجعل الوضع مريحاً لسلطة الاحتلال الإسرائيلي “. كما أوضح رئيس الوزراء اللبناني ـ الذي يقود سياسة أعمار بلاده ـ أن الاحتلال هو مبرر المقاومة. وكل من الطرفين يعطي للآخر مبرراً للوجود، وإنه من الصعب القضاء على مقاومة وطنية، في ظل احتلال عسكري. أمّا إذا انسحبت إسرائيل، فسيتحمل لبنان مسؤولية تجريد المقاومة من السلاح، وضمان أمن المنطقة. فالواقع أن لبنان يرفض الخيار المطروح عليه، وهو إمّا الاستمرار في تلقي ضـربات إسرائيل، أو الدخول في حرب أهلية، من خلال القتال مع حزب الله ونزع سلاحه. ويتناسى أصحاب هـذا الخيار، أن لبنان، في ظل الظروف، التي يعيشها، يعتقد أن إسرائيل تعمل لتحقيق عدة أهداف، من أجل خلق فتنة داخلية، وضرب مسيرة إعادة بناء لبنان، من طريق تدمير المؤسسات والمرافق، وإصابة النشاط الاقتصادي بالشلل، إضافة إلى خلق مناطق خالية من السكان، وزيادة الأعباء، التي تواجهها الحكومة.

وعن حزب الله، يقول رفيق الحريري: إن حزب الله أصبح الرابح، دائماً، في معركته ضد إسرائيل، مستثمراً حالة الاستياء العامة بعمليات التدمير، التي تقوم بها القوات الإسرائيلية. والدليل على ذلك، أنه استطاع أن يجند، منذ عام 1982، عناصر عديدة، كما استمد مشروعيته السياسية من واقع كسبه لموقعه المميز، إزاء كل التنظيمات اللبنانية.

وعن “عناقيد الغضب” يقول رئيس الوزراء اللبناني: ” إن ” عناقيد الغضب ” زادت من الحقد والكراهية، في نفوس الشعب اللبناني، تجاه إسرائيل. وهو أمر سينعكس، سلباً، على التعايش، في المستقبل، بين البلدين”.

لقد بات واضحاً، لدى الشعب اللبناني، أن العدوان الإسرائيلي، يستهدف لبنان بأسره، في سيادته على أرضه، وفي حقه في مياهه، كما يستهدف دوره المستقبلي في المنطقة. وإن العمليات العسكرية الإسرائيلية، ضد المنشآت المدنية والاقتصادية اللبنانية، دليل ساطع على هذا التوجه الإسرائيلي، بل إن هذا العدوان، قد أتى بنتائج، عززت الوحدة الوطنية، والمناعة الداخلية، في مواجهة العدوان. وأصبح الشعار، الذي يرفعه اللبنانيون، بكل طوائفهم وفئاتهم: ” لا أمن لشمالي إسرائيل، إلا بالانسحاب من جنوبي لبنان “.

ويؤكد الحريري، أن حل هذه المشكلة، يكمن في ثلاثة أمور:

(1) الأمر الأول

وقف إطلاق النار، من الفور. وتطبيق “اتفاق التفاهم”، الذي توصل إليه حزب الله وإسرائيل، بواسطة واشنطن، عام 1993، وهو المعروف باسم “اتفاق الكاتيوشا”، الذي يقضي بعدم ضرب المدنيين في الجانبين.

(2) الأمر الثاني

هو البدء في تنفيذ قرار مجلس الأمن، الداعي إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الشريط المحتل في جنوبي لبنان. فـإذا طبقت إسرائيل قرار مجلس الأمن الرقم (425)، وانسحبت من لبنان، فإن الجيش اللبناني، سيكون مسؤولاً عن ضمان الأمن في الجنوب اللبناني.

(3) الأمر الثالث

هو استئناف المفاوضات بين إسرائيل، من جانب، وسورية ولبنان، من جانب آخر، من أجل التوصل إلى اتفاق سلام شامل في المنطقة؛ فسرعة الاتفاق على الانسحاب من الجولان وجنوبي لبنان، ستوقف المقاومة المسلحة على نحو ما تؤكده الدولة اللبنانية نفسها.

وعن الموقف الأمريكي، قال الحريري: إنه من الواضح، أن إسرائيل في عدوانها هذا، لم تتحرك من فراغ. ولكنها حصلت على تأييد أمريكي غير محدود لعملياتها في لبنان. وقد ظهر ذلك واضحا في التصريحات الأمريكية، التي ألقـت اللوم على لبنان وسورية، من دون أي حسبان لحقيقة استمرار إسرائيل في احتلال الأراضي اللبنانية، ولا لحجم الفعل الإسرائيلي، الذي يتعدى، بأي معيار، مواجهة عنف حزب الله، لكي يوقع الإرهاب والعنف الشاملين على الشعب اللبناني كله. كما أن الموقف الأمريكي، المنحـاز تماماً إلى إسرائيل، في مجلس الأمن، يثبت أن هناك اتفاقاً مسبقاً على هذا العدوان. ويؤيد ذلك عدم بدء التحرك السياسي الأمريكي، من أجل وقف إطلاق النار، إلا بعد مذبحة قانا، وبعد مرور ثمانية أيام من القصف الإسرائيلي المستمر، ضد مدن الجنوب اللبناني وقراه.

3. الموقف الإسرائيلي

بعد اجتماع طارئ لمجلس الوزراء الإسرائيلي، اعترف شيمون بيريز، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بأن قصف المدنيين اللبنانيين خطأ مؤسف. وحمّل حزب الله مسؤولية سقوط ضحايا من المدنيين. وادعى أن الحزب، قام بإطلاق صواريخ الكاتيوشا، من قاذف بالقرب من معسكر قانا، مما دفع القوات الإسرائيلية إلى قصف المنطقة. وأكد بيريز أن العمليات العسكرية، ستستمر في لبنان، حتى تتوقف هجمات حزب الله بصواريخ الكاتيوشا.

وذكرت إذاعة إسرائيل، أن الاجتماع أعطى الضوء الأخضر لبيريز، للتفاوض من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار في لبنان.

وقال بيريز في مؤتمر صحفي، في تل أبيب: “إذا لم يمنع السوريون واللبنانيون هجمات حزب الله، فإنهم سيتسببون بكارثة للبنان”. ورداً على تعليق حول مقتل تسعة مدنيين من عائلة واحدة، في مدينة النبطية، من جراء القصف الإسرائيلي، قال بيريز: “كان ينبغي أن تكون المدينة خالية من سكانها. وزعم أن القوات الإسرائيلية، تقصف المنازل، التي يطلق حزب الله منها صواريخ الكاتيوشا، وأن القوات الإسرائيلية، لا تقصف المباني كيفما اتفق”.

ورداً على ادعاءات بيريز، نفى حزب الله وجود قواعد له بالقرب من قانا، أو بالقرب من قيادة القوات الدولية في لبنان.

ثالثاً: مجلس الأمن ومذبحة قانا

تقدمت مصر إلى مجلس الأمن بقرار، باسم المجموعة العربية. وأصرت على ضرورة اتخاذ المجلس موقفاً إيجابياً، وفورياً، لوقف هذه الاعتداءات. في حين أكد مندوب لبنان لدى الأمم المتحدة ضرورة طرح مشروع القرار، الذي تقدمت به مصر، للتصويت في مجلس الأمن. وأوضح أن لبنان طلب عقد اجتماع عاجل للجمعية العامة للأمم المتحدة، لبحث العدوان الإسرائيلي.

وشهدت أروقة مجلس الأمن ضغوطاً دولية متزايدة، للدعوة إلى وقف إطلاق النار في لبنان. بينما ذكرت مصادر دبلوماسية أمريكية، أن واشنطن ستحاول تعطيل أي إجراء للمجلس. كما أبدى مندوبا روسيا وبريطانيا تحفظهما من المشروع العربي، المطالب بإدانة إسرائيل، لأنه لم يشر إلى هجمات حزب الله على شمالي إسرائيل.

جون رولز وأزمة العدالة في المجتمع الأمريكي

كاتب الموضوع الأصلي: محمد الشمري 20

صورة

كانت الحرب العالمية الثانية أهمّ التجارب وأعمقها في حياة جون رولز المولود سنة 1921 في مدينة بالتيمور في ولاية ميريلاند والمتوفى سنة 2002 في مدينة ليكسنغتون في ولاية ماساتشوستس الأميركية. كانت الحرب إعلاناً عن عمق أزمة العدالة في الوجدان البشري. أن يحسم العنف الخلاف يعني أن أيّ نظرية للعدالة أعلنت استقالتها من التأثير والعمل. لا غرابة إذن أن يعود رولز ليبحث عن نظرية في العدالة مجدداً. هذه ليست الصورة كلّها بالتأكيد إذ كانت أميركا في الخمسينات والستينات تعضجّ بسؤال العدالة أيضاً.
التمييز العنصري وحقوق الأقليات وحركات الحقوق المدنية المختلفة كانت تدفع في اتجاه تأزيم سؤال العدالة في المجتمع الأميركي كذلك. عاد رولز الحائز إجازة في الفلسفة من جامعة برنستون سنة 1943 إلى الجامعة ذاتها ليكمل دراسته الأكاديمية في فلسفة الأخلاق ويحوز الدكتوراه سنة 1950. ولم يتأخر كثيراً في تقديم تصوّره للعدالة منجزاً بعد سبع سنوات من حصوله على الدكتوراه مقالته المشهورة «العدالة إنصافاً» التي ستتحول لاحقا إلى كتابه الأشهر «نظرية في العدالة». وفي هذه المقالة أعلن رولز أنه ينتمي إلى نظرية العقد الاجتماعي في مقابل نظريات النفع والحدس السائدة في أميركا آنذاك. نظرية العقد الاجتماعي تؤسس لمفهوم العدالة على حالة تعاقد افتراضية تمت وتتم بين أفراد المجتمع. العدالة تتحقق في شروط هذا التعاقد وفي الالتزامات التي يفرضها على أطرافه وفي التمظهرات المؤسّسية التي يفترض أنها تضعه محلّ التطبيق.
لا بد من التأكيد على أن نظرية رولز في العدالة سياسية وليست أخلاقية وما يعني أموراً كثيرة منها: أن هذه النظرية لا تهدف إلى تحديد الخير من الشر أو كيف يعامل الناس بعضهم البعض الآخر بقدر ما تهدف إلى وضع المبادئ التي يجب أن تقام عليها البنية الأساسية السياسية للمجتمع. المقصود بالبنية الأساسية هنا مجموعة المؤسسات الأولية التشريعية والاقتصادية ودستور البلاد والتعليم إلخ. هذه البنية هي موضوع نظرية رولز للعدالة. أمر آخر هو أن نظرية العدالة لدى رولز ليست استنباطاً منطقياً من مسلّمات أخلاقية معيّنة بل نتيجة اتفاق افتراضي بين أفراد المجتمع ينطلق من رغبة كل فرد في تحقيق نفعه الشخصي. في مدخل كتابه «الليبرالية السياسية» يطرح رولز أن التحدي الأكبر أمام الليبرالية السياسية هو مدى قدرتها على توفير البيئة لمواطنين من مرجعيات دينية وفلسفية وأخلاقية متناقضة للعيش في فضاء واحد بشكل عادل. الليبرالية السياسية لدى رولز كما في كتابه «العدالة إنصافاً» تبدأ من حقيقتين: الأولى: التعددية المعقولة بمعنى أن يقبل الجميع التفكير في المختلف أيضاً حين يفكّر في الشأن العام أي أن تعدد والمذاهب الشمولية وتنوّعها هو صيغة دائمة للمجتمع الديمقراطي الثانية: في الديمقراطية تُفهم السلطة السياسية كسلطة المواطنين الأحرار المتساوين كجماعة مشتركة.
إذا كانت نظرية العدالة غير مستنبطة من مقدمات فلسفية فكيف يمكن تأسيسها؟ يستخدم رولز ما يسمّيه بمنهج الموازنة التأملية Reflective Equilibrium وهو منهج يقوم على تقديم بناء نظريّ معيّن يتحدى وينافس البناءات النظرية المطروحة على الساحة. يقول رولز: إنه يقدم تركيبة متناسقة من المبادئ والأفكار قادرة على تقديم مستوى من العدالة أعلى من أي نموذج مطروح على الساحة. هذه المنهجية تجعل عمله قائماً على حوار المذاهب الفلسفية المطروحة في الساحة. المنافسون الكبار لرولز هنا هما مذهبا النفعية ومذهب الحدس. لهذا الغرض يبدأ تأسيسه لنظرية العدالة كفيلسوف عقد اجتماعي في حالة افتراضية يسميها حالة الموقف الأصلي. في هذا الموقف يجتمع ممثلون افتراضيون للمجتمع لوضع مبادئ تحكم تجمّعهم. هؤلاء الأفراد يقبعون خلف ما يسمّيه حجاب الجهل. الأفراد خلف حجاب الجهل يعرفون أنهم ينتمون إلى أعراق ومذاهب وأجناس وطبقات اقتصادية مختلفة كلاًّ منهم لا يعرف تحديداً إلى ماذا ينتمي. هو يعلم أن هذه الجماعة فيها فقير وغني ورجل وامرأة وأبيض وأسود لكنّه لا يعلم إلى أيّ من هذه الجماعات تحديداً ينتمي. يراهن رولز على أن هؤلاء منطلقين من تفكير كل فرد منهم في مصلحته الخاصة سيصلون إلى ما يسمّيه بمبادئ العدالة التي تعبّر عن الصيغة الخاصة التي يقدمها كمعادلة معيّنة تحقق الإنصاف. الأفراد خلف حجاب الجهل سيختارون المعادلة الأكثر أماناً. المعادلة التي ستجعلهم في وضع مقبول لو كانوا ضمن الطبقات الأدنى اقتصادياً أو الأقليات الأقل عدداً. هذان المبدءان هما كالآتي بحسب الصيغة الأخيرة:
المبدأ الأول:
لكلّ شخص حق كامل في جملة من الحريات الأساسية المتساوية. جملة الحريات هذه متسقة مع جملة حقوق مساوية للجميع.
المبدأ الثاني:
اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية يجب أن تضبط بشرطين: الأول أن تربط بمناصب ووظائف مفتوحة للجميع تحت شروط تساوي الفرص الثاني أن تكون هذه اللامساواة في مصلحة أفراد المجتمع الأقل انتفاعاً.
تلك المبادئ تشتغل كضوابط لعمل مؤسسات البنية الأساسية للمجتمع ولا كأهداف تسعى المؤسسات إلى تحقيقها. في النهاية تقوم هذه المؤسسات بدور إجرائي يسعى إلى توفير بيئة منصفة عادلة للأفراد والمجتمع. من عوامل انتشار هذه النظرية وتأثيرها أنها قدّمت معادلة تدرك طبيعة التفاوت والتباين بين الأفراد والجماعات واختلاف مرجعياتهم الدينية والعرقية والاقتصادية وفي الوقت ذاته تعمل على جعل هذا التفاوت والتمايز عادلاً ومنصفاً. هذه النظرية تكفل حداً أساسياً ثابتاً من الحقوق والحريّات لا يمكن التنازل عنها ثم تفتح بعد ذلك الباب خارج مؤسسات البنية الأساسية للمجتمع للتفاوت والتمايز. الإنصاف هنا حالة تجعل المنافسة والاختلاف والتنوع والتفاوت تتمّ وفق شروط تنصف الجميع. ولّدت هذه النظرية ردود فعل واسعة فبحسب «غوغل الأكاديمي» تمت الإحالة على كتاب رولز الأساسي في أكثر من أربعة وخمسين ألف عمل أكاديمي إلى الآن.

صدام حسين التكريتي

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الموسى 333

صدام حسين عبد المجيد التكريتي (28 أبريل 1937- 30 ديسمبر 2006)رابع رئيس لجمهورية العراق في الفترة ما بين عام 1979م وحتى 9 أبريل عام 2003م , وخامس حاكم جمهوري للجمهورية العراقية. ونائب رئيس الجمهورية العراقية بين 1975 و1979.

سطع نجمه إبان الانقلاب الذي قام به حزب البعث – ثورة 17 تموز 1968 – والذي دعى لتبني الأفكار القومية العربية والتحضر الاقتصادي والاشتراكية. ولعب صدام دوراً رئيسياً في انقلاب عام 1968م والذي وضعه في هرم السلطة كنائب للرئيس اللواء أحمد حسن البكر وأمسك صدام بزمام الأمور في القطاعات الحكومية والقوات المسلحة المتصارعتين في الوقت الذي اعتبرت فيه العديد من المنظمات قادرة على الإطاحة بالحكومة. وقد نمى الاقتصاد العراقي بشكل سريع في السبعينات نتيجة سياسة تطوير ممنهجه للعراق بالإضافة للموارد الناتجة عن الطفرة الكبيرة في أسعار النفط في ذلك الوقت وصل صدام إلى رأس السلطة في العراق حيث أصبح رئيساً للعراق عام 1979 م بعد أن قام بحملة لتصفية معارضيه وخصومه في داخل حزب البعث وفي عام 1980 م دخل صدام حرباً مع إيران استمرت 8 سنوات من 22 سبتمبر عام 1980م حتى 8 أغسطس عام 1988م.وقبل أن تمر الذكرى الثانية لانتهاء الحرب مع إيران غزا صدام الكويت في 2 أغسطس عام 1990.والتي أدت إلى نشوب حرب الخليج الثانية عام 1991م.

ظل العراق بعدها محاصراً دولياً حتى عام 2003 م حيث احتلت القوات الأمريكية كامل أراضي الجمهورية العراقية بحجة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل ووجود عناصر لتنظيم القاعدة تعمل من داخل العراق حيث ثبت كذب تلك الادعاءات بل إن السبب هو النفط . قبض عليه في 13 ديسمبر عام 2003م في عملية سميت بالفجر الأحمر. تم بعدها محاكمته بسبب الجرائم التي اتهم بها وتم تنفيذ حكم الإعدام عليه في 31 ديسيمبر عام 2006 م