أ.د. أحمد محمد وهبان

:: علاقة المغرب و اسبانيا الى أين ؟ ::

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالحميد الحميد 8

محسن الندوي- مدير مجلة شؤون استراتيجية – المغرب

تاريخيا، وحتى لا ننسى، ينبغي التذكير بأقدم احتلال في العالم العربي وهو احتلال اسبانيا لمدينتين عربيتين مغربيتين هما مدينة سبتة المحتلة التي احتلها البرتغاليون عام 1415 م ثم الإسبان عام
1580 م. و مدينة مليلية المحتلة التي تم احتلالها من طرف الإسبان سنة 1497اي بعد سقوط غرناطة بحوالي خمس سنوات، بالاضافة الى احتلال اسبانيا لبعضِ الجزر المغربية الصغيرة قبالةَ الساحل الإفريقي؛ مثل بلازاس وسوبيرانيا وجزر الكناري.

جيواستراتيجيا ، على المستوى الرسمي تبدو علاقات المغرب باسبانيا على ما يرام وفقا لدبلوماسية احترام الجوار، انما في الواقع فالعلاقات شبه متوترة بين الجارتين، بسبب ملفات عديدة مشتركة بحكم الموقع الجغرافي القريب للبلدين، ثانيا بحكم المنافسة الاقتصادية في الأسواق الأوروبية، ثالثا ضرورة التعاون بين البلدين بحكم الظروف الدولية الأمنية وتجارة المخدرات عبر الدولية والهجرة السرية هذا بالإضافة إلى ورقة قضية الصحراء التي يحلو لاسبانيا ان تضغط بها في صمت ضد المغرب .

سياسيا، هناك حرب جديدة صامتة معلنة من قبل الأوساط الاسبانية المنتمية الى اليمين السياسي وتحديدا الى الحزب الشعبي ، رغم إن اسبانيا الرسمية تلتزم الصمت، هذه الحرب الجديدة الصامتة التي حملت عناوين متعددة منها وضعية مصور صحافي اسباني في المغرب بعد رفض الجهات المعنية تجديد بطاقة اعتماده وطرد مبشرين اسبان وتحريف صحافي اسباني لتقرير اوروبي حول وضعية حقوق الانسان بالمغرب وتصدير الطماطم المغربية الى اوروبا.

بل هناك من ذهب بالقول الى زعم توريط جهات عليا بالمغرب في الصلة بتجارة المخدرات والهجرة السرية،من جهة اخرى كان رد السياسيين المغاربة سريعا حينما دعا رئيس مجلس النواب المغربي إلى ضرورة فتح ملف الغازات السامة التي استعملتها اسبانيا في شمال المغرب بداية القرن العشرين. وتحديدا ما بين 1925- 1927

حيث انتقد المنصوري بشكل مباشر اسبانيا حين قال إنها لم تستطع فتح ماضيها في مجال حقوق الإنسان مثلما فعل المغرب .وأضاف مصطفى المنصوري إن هناك حملة قوية وشرسة لتشويه صورة المغرب خلال الفترة الأخيرة، مصدرها إسبانيا، مشيرا إلى تقرير اللجنة البرلمانية الأوروبية التي زارت الأقاليم الصحراوية بالمغرب، الذي تم تسريبه إلى الإعلام من طرف صحافي في جريدة “إيل باييس” حيث أكد المنصوري على ان هذا التقرير ماكان ينبغي نشره لوسائل الإعلام اقبل إقراره لرسمي من طرف البرلمان الأوروبي.

إعلاميا، وجهت صحف مغربية نقدا للتدبير المغربي للقلاقل التي يثيرها الأسبان بالإشارة إلى اعتذار الحكومة المغربية رسميا للسلطات الاسبانية عن إبعاد مبشرين اسبان “دون اشعار السفارة الاسبانية بالرباط” في الوقت الذي ارتكب فيه مسؤولون أسبان انتهاكات تجاه المغرب والتدخل بشؤونه الداخلية مثل تحركات مندوب المخابرات الاسبانية في مدينة الناظور واستقبال السفير الاسباني بالرباط لرئيس جمعية للشاذين جنسيا بالمغرب والتي يوجد مقرها بمدريد وإعلان دعمه له ولحقوقه ولجمعيته دون ان تتقدم اسبانيا بأي اعتذار ولا أي توضيح في الأمر.

خلاصة، ينبغي على اسبانيا أن تعترف رسميا بخطئها الجسيم بانتهاكات حقوق الإنسان في منطقة الريف في بداية العشرينات من القرن الماضي المتعلقة باستخدام اسبانيا المحتلة الغازات السامة ضد سكان هذه المنطقة، كما يجب عليها تعويض عائلات الضحايا عن تلكم الانتهاكات من جهة أخرى يجب على اسبانيا ان تعي جيدا بان سبتة ومليلية مدينتين عربيتين مغربيتين بالتاريخ والجغرافية ومهما طال الزمن ستتحرران من احتلالها لأنه ليس هناك احتلال في التاريخ يظل إلى الأبد

:: الازمة الصومالية ::

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالحميد الحميد 8

بدأت الحكومة الجديدة التي تشكلت في الصومال في المناداة بإقامة كيان سياسي موحد يضم أرض “الصومال الكبير” استجابة لرغبة جامحة تتأسس على مفهوم لم شمل الصوماليين الموزعين على الدول المجاورة، مما أدى إلى حرب طاحنة بينها وبين إثيوبيا عام 1964 على إقليم أوغادين.

وفي عام 1964 وقع انقلاب عسكري بقيادة الجنرال محمد سياد بري أطاح بحكم شيرماكي، وأعلن بري على الفور أن نظام حكمه يقوم على المبادئ الشيوعية وحكم البلاد بيد من حديد، وفرض سياسة القمع والشدة على كل معارضيه وساعده على ذلك الاتحاد السوفياتي.

وفي عام 1977 انفجرت مرة أخرى حرب طاحنة بين الصومال وإثيوبيا على إقليم أوغادين واحتل الصوماليون أجزاء كبيرة من إثيوبيا حتى وصلوا إلى مناطق في العمق الإثيوبي مثل هرر وبالي، ولكنهم تراجعوا تحت الضغوط الأميركية والدولية، مما أشعر المؤسسة العسكرية الصومالية بالإهانة والحرمان من النصر المؤكد، وعندها بدأ العد التنازلي لسقوط نظام سياد، الذي سقط فعلا عام 1991م بعد حرب دموية متزامنة مع مجاعة أودت بحياة الكثير، بعدها دخل الصومال في دوامة الحروب الأهلية التي أتت على الأخضر واليابس.
منذ زوال حكم سياد بري حتى الآن:

في الشمال الصومالي “الصومال البريطاني” استطاعت الحركة الوطنية الصومالية المخافظة على نوع من الاستقرار وأعلنت من طرف واحد قيام جمهورية أرض الصومال بقيادة محمد إبراهيم عقال.
أما الأجزاء الجنوبية من الصومال ومنها العاصمة مقديشو فقد سيطر عليها المؤتمر الصومالي المتحد ولكنها لم تشهد استقرارا وتواصلت الحروب الأهلية بين القبائل المتناحرة.

بدأ تدخل دولي جديد في الشأن الصومالي عام 1992 أثناء المجاعة التي عمت البلاد حيث دخلت القوات الأميركية مع مجموعة من دول أخرى تحت غطاء حماية المساعدات الإنسانية وتحولت قيادة هذه القوات إلى الأمم المتحدة عام 1993 لكن هذه القوات وبخاصة الأميركية منها تعرضت لضربات قوية من المقاومة الصومالية عند محاولتها القبض على الجنرال محمد فارح عيديد مما أجبرها على الانسحاب عام 1994 خاصة بعد الحادثة الشهيرة الخاصة بسحل بعض الجنود الأميركان في شوارع مقديشو.

وفي عام 1995 نصبت بعض الفصائل عيديد رئيسا ولكن لم ينضو الكثير من الفصائل تحت لوائه وبقي البلد دون حكومة مركزية.

أما عام 1996 فقد شهد تطورا مهما تمثل في وفاة عيديد إثر جراح بالغة أصابته أثناء إحدى المعارك بعدها تم تنصيب ابنه -الجندي السابق في البحرية الأميركية- خلفا لأبيه.

مرت السنوات حتى وصلت الأزمة الصومالية إلى عام 2000 حينما عقد مؤتمر وطني في جيبوتي نتج عنه وثيقة وطنية “دستور مؤقت” واختير على أثرها عبدي قاسم صلاد المسؤول السابق في عهد سياد بري رئيسا وتوجه إلى مقديشو في أغسطس من تلك السنة ولكن أربعة من أمراء الحرب المهمين والمتمركزين في جنوب الصومال رفضوا الاعتراف به وبحكومته الجديدة.

استمر الوضع غير مستقر إلى أكتوبرعام 2004 حيث عقد القادة الصوماليون بإثيوبيا اجتماعا اختاروا خلاله حكومة مركزية بقيادة عبد الله يوسف بديلا عن عبدي قاسم صلاد حسن.
وفي ديسمبر/كانون الأول من نفس العام أدى 27 وزيرا برئاسة محمد علي غيدي القسم في كينيا وتشكلت حكومة جديدة للصومال.
وفي فبراير/شباط 2006 عقد أعضاء البرلمان الصومالي أول اجتماع لهم داخل الأراضي الصومالية في مدينة بيدوا، ولكن ما إن حل شهر مايو 2006 حتى نشب صراع مسلح كبير بسبب التنازع من أجل السيطرة على العاصمة بين فصيلين رئيسيين الأول يطلق على نفسه اتحاد المحاكم الإسلامية والآخر يدعى التحالف لإعادة السلم ومكافحة الإرهاب، وقد حققت المليشيات التابعة لاتحاد المحاكم الإسلامية تقدما ملحوظا وسيطر على معظم مناطق الصومال لكن الصراع حتى الآن لم يحسم بصورة نهائية ولا تزال فصوله تتوالى.

أما عن التدخلات الأميركية بالصومال فمعظمها منيت غالبا بالفشل كالتالي :

منذ العام 1992 تدخلت الولايات المتحدة بشكل مباشر أو غير مباشر بالصومال، لكنها واجهت انكسارات أكثر من الانتصارات.

ففي ديسمبر 1992 أطلقت الولايات المتحدة عملية أطلقت عليها “إعادة الأمل”، قالت إن الغرض منها مساعدة ضحايا المجاعة وإعادة السلام في الصومال الممزق بسبب معارك أمراء الحرب فيه، غير أنها اضطرت للانسحاب من هناك بعد مقاومة الصوماليين لها بعنف.

وقادت واشنطن قوة دولية ضمت 38 ألف جندي بينهم 28 ألف أميركي في إطار اهتمام متزايد بمنطقة القرن الأفريقي عقب حرب الخليج الثانية عام 1991، كما كانت إدارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون تسعى لإثبات قدرة القوات الأميركية على تنفيذ مهام إنسانية.

وفي مايو/ أيار 1993 تولت الأمم المتحدة قيادة عملية حفظ السلام في إطار مهمة أطلق عليها “عملية الأمم المتحدة في الصومال” (UNOSOM. وكانت المهمة تهدف إلى تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بين الفصائل الصومالية وتوفير الأمن في الموانئ والمطارات والطرق الرئيسة لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
إلى جانب الجنود الأميركيين شاركت قوات من باكستان ونيجيريا وفرنسا وإيطاليا. غير أن العملية الدولية كسابقتها الأميركية منيت بفشل ذريع وقتل 151 جنديا أمميا.

أما الجيش الأميركي فقتل منه 30 جنديا في معارك مع قوات الجنرال محمد فرح عيديد الذي نفذ العديد من الهجمات ضد الأميركيين في جنوب مقديشو. أما أكثر الأيام دموية للقوات الأميركية في الصومال فكان الثالث من أكتوبر حيث أسقطت مروحيتان أميركيتان وانتهت بمقتل 18 جنديا سحلت جثث بعضهم في شوارع مقديشو.

وكانت الصدمة التي سببها هذا المشهد للأميركيين السبب الرئيس في إعلان بيل كلينتون سحب قواته وغادر آخر جندي أميركي الصومال في نهاية مارس/ آذار 1994. واختارت واشنطن على مدى عقد من الزمان أن تنأى بنفسها عن الصومال الذي سادته الفوضى وغاب فيه الحكم المركزي وبدا منسيا من المجتمع الدولي.
عودة الاهتمام

غير أنه عقب تفجيرات عام 1998 التي استهدفت سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا (224 قتيلا) وهجمات سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، وضعت الصومال تحت رقابة اميركية مشددة للاشتباه بإيوائها عناصر من تنظيم القاعدة.

وفي 2002 أقامت الولايات المتحدة قاعدتها العسكرية الوحيدة في أفريقيا بجيبوتي على بعد بضعة كيلومترات من الصومال. وفي مارس 2003 خطف ستة عملاء أميركيين من مستشفى بمقديشو رجلا من أصل يمني يشتبه بأنه من عناصر القاعدة قبل إخراجه من الصومال جوا.
وفي بداية 2006 وفي الوقت الذي كان فيه نفوذ المحاكم الإسلامية يتزايد، دعمت واشنطن تحالفا من أمراء الحرب لمواجهة صعود المحاكم التي استولت على مقديشو في يونيو 2006.

وغيرت واشنطن عقب ذلك تكتيكها، وفي ديسمبر 2006 قدمت دعما استخباراتيا للقوات الإثيوبية التي اجتاحت الصومال واستولت مع قوات الحكومة الانتقالية على مقديشو.

وفي الثامن من يناير/ كانون الثاني تدخلت القوات الأميركية مباشرة للمرة الثانية في النزاع بقصف جوي لما قالت إنه مواقع للقاعدة في جنوب الصومال.

.:. العلاقات الدولية في الحضارة الإسلامية .:.

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالحميد الحميد 8

العلاقات الدولية في الحضارة الإسلامية
قدم الإسلام للمجتمع البشرى أسسًا للحياة، تَكْفُل السلامة لهذا المجتمع، وإن اختلفت عقائد الدول وأديانها.
فنظم التعاون بين الأمم في كل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، كما قدَّم النظم المناسبة للتخفيف من ويلات الحروب، وكان ما قدمه الإسلام في مجال العلاقات الدولية هو أول تعليمات سامية في هذا المجال عرفتها البشرية.
الجانب السياسي:
شرع الإسلام نظام المعاهدات، والسفراء، وتأمين الرسل المبعوثين إلى الدول الأخرى، وكتب رسائل الدعوة لهذه الدول.
الجانب الاقتصادي:
أباح الإسلام التعامل بالعملة الفارسية والرومية في بداية الأمر؛ حتى تم إنتاج عملة إسلامية خالصة تدريجيًّا، كما سمح بالتجارة الحرة، فكان التجار غير المسلمين يدخلون بتجارتهم العالم الإسلامي، وعليهم أن يدفعوا بعض المال، وهو ما كان يعرف بالعشور، كما كان التجار المسلمون يدفعون عندما يدخلون أرضًا غير إسلامية بتجارتهم.
الجانب الاجتماعي:
أباح الإسلام للمسلمين أن يأكلوا طعام أهل الكتاب (اليهود والنصارى) من غير ما حرم الله، وأن يقدموا لهم من طعامهم. وأباح للمسلمين أن يتزوجوا من نسائهم، وأن يتعاملوا معهم ببر وصدق وعدالة، وأن يسالموهم ما لم يظهر منهم عدوان أو خيانة، وأن يكونوا منهم على حذر.

الجانب الثقافي:
أحل الإسلام للمسلمين أن يتبادلوا الثقافات مع غير المسلمين، وأن يتعلموا لغاتهم، بشرط أن يكون تبادل الثقافات بما لا يتعارض مع قواعد الشرع الإسلامي الحنيف، ولهذا وجدنا المسلمين الأوائل يتعلمون لغات غير المسلمين، لنشر الإسلام، وليأمنوا مكر أهل هذه اللغات بهم كما ترجموا كتبًا كثيرة بلغات مختلفة إلى اللغة العربية.
الحروب:
وضع الإسلام للحرب والسلم قواعد ونظمًا دقيقة، أنقذت البشرية من أهوال الصراع والدمار، وأتى الإسلام بمبادئ أخلاقية في مجال الحرب لم تعرفها البشرية من قبل.

تحيااااااتي القلبيه للجميييييييييع

من أساطير العرب .:. ابن الطفيل .:.

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالحميد الحميد 8

لا يزال تراثنا العربي القيم في المشرق والمغرب ينعم بثراء بالغ سواء في اتجاهاته الفكرية والأدبية أو من خلاله مفكريه الذين يقدمون لنا معاني أكثر شمولا من خلال أبحاثهم عن الذات والطبيعة والأخلاق والقضاء والقدر والخير والشر والجبر والاختيار وغيرها. سواء كانت تتسم بالطابع الإنساني أو الفلسفي ، أو تتعرض لما هو أبعد من ذلك ونقصد البعد الإلهي و الروحي.
ولعلنا حين نتناول أراء أهل المدينة الفاضلة يقفز إلى الذهن أسماء تتوالى أعمالهم في ملحمة تبرز مدى الثراء الذي يحظى به هذا الفكر العربي فنجد “أراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي،ورسالة المتوحد لابن باجة،وحى بن يقظان لابن طفيل ،وان كان هؤلاء يجمعون بين كل من البعد الإنساني والإلهي أو المادي والروحي في تفسيرهم لتلك المدينة الفاضلة إلا أنه وبالقياس لا يتساوى مقدار هذين البعدين فقد يقوى الأول أو يضعف ، أو يطغى أحدهما على الأخر.
فالكم الإلهي عند الفارابي يكاد يكون طاغيا بوازع انصرافه عن الدنيا ، بينما الغلبة عند ابن باجة للكم الإنساني ، لاحتفاله بالعقل والوجود المادي ،بقدر اكبر من احتفاله بالقلب والذوق، على حين نجد ابن طفيل يخطو خطوات أكبر من ذلك فهو يعبر عن رؤيته الفلسفية التي يلتقي فيها الشرع مع العقل.

ابن طفيل هو أبو بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل ولد على الأرجح في 1099 في قرية قادش بالأندلس وتوفى في مراكش في 1185 وعملة الرائع “حي بن يقظان” قصة فلسفية تتضافر فيها المجالات الطبيعية والإلهية بشكل أكثر ارتباطا من ارتباطها في الفلسفيات الأخرى .

وبشيء موجز استطاع بن طفيل أن يصل إلى حقيقة مفادها أن السعادة والشقاء في عالم الخلود رهن بالفعل الإنساني في الحياة الدنيا ، كما انه رهن بإدراك الإنسان التلقائي بوجود الله.

فقد استطاع حي بن يقظان أن يهتدي بمفرده في الجزيرة المهجورة إلى الله ، من خلال المحسوسات والتجارب التي تعرض لها.وفى هذا إعلاء للفطرة والعقل ،بلا وساطة من موروثات أو مكتسبات خارج النفس والتفكير.

هذا الفكر الأدبي ليس بالغريب على الطبيعة البشرية ولكن الظروف التي عايشها هؤلاء المفكرين ومن ضمنهم بن طفيل جعلت من هذا الفكر أداة أو وسيلة تنقذ البشر من براثن الانحلال والاضمحلال خاصة بعد سقوط دولة المرابطين بتوجهها الديني المتعصب الذي اشتد فيه نفوذ الفقهاء ورجال الدين ، وإعلاء لواء العقل في ظل دولة الموحدين وان كانت هي الأخرى رغم ثرائها الثقافي الإبداعي كانت تعانى من انحلال في الأخلاق وفوضى سياسية واجتماعية وسوء في الأحوال الاقتصادية.

ونطالع في قصة ابن طفيل مجموعة من القضايا الأخرى مثل النشوء والارتقاء ،العلاقة بين الجسد والنفس، انبثاق الفكر تلقائيا بين الرشد والضلال ، والارتفاع بهذا الفكر إلى مستوى التفكير في الخالق أمام موت الظبية التي حنت على حي بن يقظان ورعته.

وعلى غرار ما تمثله قصة حي بن يقظان الفردية في تتابعها الزمني ، فإنها تمثل تطور الإنسانية في أدوارها المتتابعة. وحياة حي بن يقظان المعبرة عن فلسفة ابن طفيل مثال للحياة الراقية لكنها تعكس ميله إلى العزلة ورفضه للعامة ، وان كان هذا ليس بالأمر الذي يجب أن تتسم به حياة البشر إلا أن أدب ابن طفيل يتميز يتعدد مستوياته التي تعبر عنها الحداثة المادية المحسوسة والأحداث المجردة ، الواقع وما فوق الواقع ، وان شئت قل الطبيعي والمرئي وما وراء الطبيعي و غير المرئي.

مما يؤسف له أن المترجمين القدماء منذ القرن السابع عشر وعدد كبير من المستشرقين المحدثين ، كانوا أكثر إنصافا من العرب القدماء في الالتفات إلى ابن طفيل وتقدير قصته الرائعة والوقوف على الآثار الكبيرة التي تركتها هذه القصة في الفكر الإنساني.

نحن أمام فيلسوفا مفكرا و قاضيا فلكيا وطبيبا أقل ما يقال عنه أنه أعظم أثار الأدب العربي وهذا ما وصفة به الكاتب الأسباني ” منتدث بيلايو”فى كتابة ” أصول الرواية”.وهذا إنما يفصح عن فردية هذا الرجل الفذة كنه أسطورة من أساطير التراث العربي.

في تعريف ابن طفيل للزمن نجده يقول عنه : هل هو شيء حدث بعد إن لم يكن وخرج إلي الوجود بعد العدم ؟. أو كان موجودا فيما سلف ولم يسبقه العدم.

عمر بن عبدالعزيز

كاتب الموضوع الأصلي: تركي المطيري36336

عمر بن عبد العزيز

(681 ـ 720 م)

ولد عمر بن عبد العزيز في حلوان بمصر، وقيل في المدينة. أبواه عبد العزيز بن مروان بن الحكم وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.
حفظ القرآن في صغره وتفقَّهَ في الدين في المدينة المنورة. حين توفي والده استدعاه عبد الملك بن مروان إلى دمشق فأقام عنده وزوّجه من ابنته فاطمة.
تولّى ولاية المدينة ثم عزل، ثم استوزره سليمان. وبعهد من سليمان تولّى الخلافة سنة 99 هجرية، وبويع له في مسجد دمشق.
وكان تعيينه الحل الوسط لحل النزاعات داخل البيت الأموي ليحافظ على ملك بني أمية. وكان أول ما قام به وقف الحروب الخاسرة ضد البيزنطيين، وحاول مصالحة الموالي الذين عانوا من سياسة الخلفاء الأمويين السابقين. وفي زمنه صار الموالي يستطيعون الوصول إلى منصب قاضٍ.
وحاول أيضاً مصالحة آل البيت، فأمر بوقف سبّ عليّ بن أبي طالب من على المنابر، وأعاد لبني هاشم أملاكهم، وخفّف الضرائب عن الموالي والفرس والنصارى، ورفع الخراج عمّن أسلم من أهل الذمة. كما حاول تعويض النصارى عن مصادرة كنيسة القديس يوحنان، إذ أعاد لهم كنيسة توما في دمشق.
كان عمر بن عبد العزيز زاهداً فلم يقرب ما تركه الخليفة السابق، وما عُرف له من ممتلكات عند استخلافه. ورفض الدوابّ والسرادقات والجواري والثياب. وأعاد هذه الأشياء إلى بيت مال المسلمين.
وكان يحرص على عدم تبذير أموال بيت مال المسلمين حتى أنه كان يقرأ القرآن على ضوء شمعة حتى لا يأخذ ثمن الزيت من بيت المال لإنارة السراج. ومما يروى عنه أنه قال لزوجته فاطمة، ابنة الخليفة التي أورثها أبوها الحلي:
“اختاري إمّا أن تردّي حليك إلى بيت المال وإمّا أن تأذني لي في فراقك”. فقالت: “بل أختارك”.
ومما يروى عنه أيضاً، انه أبطأ يوماً عن صلاة الجمعة قليلاً، فعوتب في ذلك، فقال: “إنما انتظرت قميصاً غسلته أن يجفّ”.
ازداد في فترته عدد الذين اعتنقوا الإسلام وقد أثّر هذا سلبياً على خزينة الدولة. ولم تعجب هذه السياسة بني أمية لأنهم خافوا على ملكهم من بعده.
عمر بن عبد العزيز بين فكّي التاريخ
كان عمر بن عبد العزيز عادلاً حتى إن الناس سموا هذا الخليفة العادل “الخليفة الراشدي الخامس” وذلك من كثرة عدله وحب الناس له ولأسس حكمه. كما أنه عرف بتقشفه، وباتّباعه سياسة التسامح حتى مع أعدائه وأعداء بني أمية.
وكان قد جرّد بني أمية من امتيازاتهم الخاصة، فطلبوا منه إعادتها فرفض. فدسّوا له السم وهو في دير سمعان من أرض المعرة، فأرسل له ملك الروم رئيس أساقفته ليعالجه، فرفض ذلك، واستدعى المتّهم بسمه، وسأله: “ما حملك على ما صنعت”؟ قال: “خُدِعْتُ وغرِّرْتُ” فقال عمر: “خُدعَ وغُرَّ… خَلُّوه”، وتركه حراً .
ومات عمر بن عبد العزيز، وقد حكم مدة سنتين وأربعة اشهر وعدة أيام… ولو امتدّ العمر بالخليفة الصالح مدة كافية من الزمن، فلربما كان استطاع إصلاح أحوال الدولة الأموية وإعادتها إلى ثوابت الحكم الراشدي ونشر العدل في أرجاء الدولة الإسلامية وإنصاف الموالي وأهل الكتاب.
لكنّ هذه السياسة كانت تتعارض وسياسة بني أمية فسارعوا إلى التخلّص منه بالسم.
أما وليّ العهد يزيد بن عبد الملك، فابتعد عن سياسة عمر بن عبد العزيز وعزل الولاة الصالحين، وقسا على البربر وعذّب آل موسى بن نصير وأعاد سياسة الحجاج والبطش في الناس.
لهذا ثار ضدّه الخوارج وباعوا نساء بني مهلّب، فقيل: “ضحّى بنو أميّة يوم كربلاء بالدين ويوم الـعقير بالكرم”.

عثمان بن ارطغرل

كاتب الموضوع الأصلي: تركي المطيري36336

القائد عثمان بن أرطغرل.. مؤسس الدولة العثمانية

إن دراسة تاريخ القادة وزعماء الأمة نتعرف من خلالها على سنن الله وعوامل نهوض الدول وأسباب سقوطها، وإليك سيرة قائد مؤسس آخر لخلافة إسلامية.
في عام 656ه-/1258م غزا المغول بقيادة هولاكو بغداد عاصمة الخلافة العباسية، وكانت الأحداث عظيمة، والمصائب جسيمة، وكان الخطب عظيم والحدث جلل، والأمة ضعيفة ووهنت بسبب ذنوبها ومعاصيها، فهتك المغول الأعراض، وسفكوا الدماء، وقتلوا الأنفس، ونهبوا الأموال، وخربوا الديار، وفي تلك الظروف الصعبة والوهن المستشري في مفاصل الأمة ولد عثمان مؤسس الدولة العثمانية، وهنا معنى لطيف ألا وهو بداية الأمة في التمكين هي أقصى نقطة من الضعف والانحطاط تلك هي بداية الصعود نحو العزة والنصر والتمكين، إنها حكمة الله وإرادته ومشيئته النافذة، فالعثمانيون كانوا قبائل تركمانية تعيش في كردستان، وتزاول حرفة الرعي، عند بداية القرن 7ه- / 13م.
– الجانب التربوي من مولد عثمان:
مولد عثمان مؤسس الدولة العثمانية، مثَّل بداية الأمة في التمكين، فتاريخ مولده هو أقصى نقطة من الضعف والانحطاط للأمة المسلمة، وبداية الصعود نحو العزة والنصر والتمكين للمرحلة الجديدة في تاريخ الأمة، إنها حكمة الله وإرادته ومشيئته النافذة، فقد بدأت قصة التمكين للدولة العثمانية مع ظهور القائد عثمان الذي ولد في عام سقوط الخلافة العباسية في بغداد، فعلى أهل الحق ألا يستعجلوا موعود الله- عز وجل- لهم بالنصر والتمكين، فلا بد من مراعاة السنن الشرعية والسنن الكونية، ولا بد من الصبر على دين الله عز وجل: ﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ (محمد: من الآية 5)، فالله- سبحانه وتعالى- إذا أراد شيئًا هيأ له أسبابه وأتى به شيئًا فشيئًا بالتدرج لا دفعة واحدة، ولا شك أن الله تعالى قادر على أن يُمكن لعباده المستضعفين في عشية أو ضحاها، بل في طرفة عين قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40)﴾ (النحل).
– الصفات القيادية في عثمان:
عندما نتأمل في سيرة عثمان الأول تبرز لنا بعض الصفات المتأصلة في شخصيته كقائد عسكري، ورجل سياسي، ومن أهم هذه الصفات: الشجاعة التي خاض بها الحروب بنفسه ضد الجيوش الصليبية، فظهرت منه بسالة وشجاعة أصبحت مضرب المثل عند العثمانيين، كما وصفه المؤرخون بأنه كان حكيمًا؛ فقد ناصر وتحالف مع السلطان علاء الدين سلطان سلاجقة الروم ضد النصارى، وساعده في افتتاح جملة من مدن منيعة، وعدة قلاع حصينة، ولذلك نال رتبة الإمارة من السلطان السلجوقي علاء الدين صاحب دولة سلاجقة الروم، ومن صفاته أيضًا صبره في فتوحاته ونشره للدعوة الإسلامية في الإمبراطورية البيزنطية منطلقًا من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)﴾ (آل عمران).
وكان للقائد عثمان جاذبية إيمانية فتأثر كثير من القادة البيزنطيين بشخصية عثمان ومنهجه الذي سار عليه حتى امتلأت صفوف العثمانيين منهم، وانخرطت الجماعات الإسلامية تحت لواء الدولة العثمانية كجماعة (غزيا روم) أي غزاة الروم، وجماعة (الإخيان) (أي الإخوان) وجماعة (حاجيات روم) أي حجاج أرض الروم.
ومن صفاته العدل، فقد ولاَّه والده أرطغرل القضاء في مدينة قره جه حصار بعد الاستيلاء عليها من البيزنطيين في عام 684ه-/1285م، فحكم لبيزنطي نصراني ضد مسلم تركي، فاستغرب البيزنطي وسأل عثمان: كيف تحكم لصالحي وأنا على غير دينك؟ فأجابه عثمان: بل كيف لا أحكم لصالحك، والله الذي نعبده، يقول لنا: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) )النساء: من الآية 58)، وكان هذا العدل الكريم سببًا في اهتداء الرجل وقومه إلى الإسلام، كما استخدم العدل مع رعيته وفي البلاد التي فتحها، فلم يعامل القوم المغلوبين بالظلم أو الجور أو التعسف أو التجبر، أو الطغيان، أو البطش في عام 684ه-/1285م.
الوفاء صفة الحاكم المسلم، فكان عثمان من الحكام المسلمين شديدي الاهتمام بالوفاء بالعهود، متمسكًا بقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ (الإسراء: من الآية 34)، فعندما اشترط أمير قلعة “أولوباد” البيزنطية حين استسلم للجيش العثماني، ألا يمر من فوق الجسر أي عثماني مسلم إلى داخل القلعة التزم بذلك وكذلك من جاء بعده.
كان عثمان متجردًا في فتوحاته، فلم تكن أعماله وفتوحاته من أجل مصالح اقتصادية أو عسكرية أو غير ذلك، بل كان فرصة تبليغ دعوة الله ونشر دينه.
– ومن صفاته أيضًا:
حبه لأهل الإيمان وبغضه لأهل الكفر والعصيان، وحبه العميق للجهاد في سبيل الله والدعوة إليه، وكانت شخصية عثمان متزنة وخلابة بسبب إيمانه العظيم بالله تعالى واليوم الآخر، ولذلك لم تطغ قوته على عدالته، ولا سلطانه على رحمته، ولا غناه على تواضعه، وأصبح مستحقًّا لتأييد الله وعونه.
قالوا عنه:
يقول الدكتور محمد علي الصلابي: “إن عثمان أكرمه الله تعالى بالأخذ بأسباب التمكين والغلبة، وهو تفضل من الله تعالى على عبده عثمان، فجعل له مكنة وقدرة على التصرف في آسيا الصغرى، من حيث التدبير والرأي وكثرة الجنود والهيبة والوقار، لقد كانت رعاية الله له عظيمة ولذلك فتح له باب التوفيق، وحقق ما تطلع إليه من أهداف وغاية سامية. لقد كانت أعماله عظيمة بسبب حبه للدعوة إلى الله، فقد جمع بين الفتوحات العظيمة بحد السيف، وفتوحات القلوب بالإيمان والإحسان، فكان إذا ظفر بقوم دعاهم إلى الحق والإيمان بالله تعالى، وكان حريصًا على الأعمال الإصلاحية في الأقاليم والبلدان التي فتحها، فسعى في بسط سلطان الحق والعدالة، وكان صاحب ولاء ومحبة لأهل الإيمان، مثلما كان معاديًا لأهل الكفران.
وصفه المؤرخ أحمد رفيق في موسوعته (التاريخ العام الكبير) بقوله: “كان عثمان متدينًا للغاية، وكان يعلم أن نشر الإسلام وتعميمه واجب مقدس، وكان مالكًا لفكر سياسي واسع متين، ولم يؤسس عثمان دولته حبًّا في السلطة وإنما حبًّا في نشر الإسلام”.
ويقول أوغلو: “لقد كان عثمان بن أرطغرل يؤمن إيمانًا عميقًا بأن وظيفته الوحيدة في الحياة هي الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وقد كان مندفعًا بكل حواسه وقواه نحو تحقيق هذا الهدف”.
– الدستور الذي سار عليه القائد عثمان بن أرطغرل:
كانت حياة القائد عثمان، مؤسس الدولة العثمانية، جهادًا ودعوة في سبيل الله، وكان علماء الدين يحيطون بالأمير ويشرفون على التخطيط الإداري والتنفيذ الشرعي في الإمارة، ولقد حفظ لنا التاريخ وصية عثمان لابنه أورخان وهو على فراش الموت، وكانت تلك الوصية فيها دلالة حضارية ومنهجية شرعية سارت عليها الدولة العثمانية، وهي يمكن أن تكون منهجًا لكل حاكم.
– الوصية الأولى: يا بني: إياك أن تشتغل بشيء لم يأمر به الله رب العالمين، وإذا واجهتك في الحكم معضلة فاتخذ من مشورة علماء الدين موئلاً”، إنها دعوة إلى الالتزام بشرع الله في كل صغيرة وكبيرة، وبحيث يكون حكم الله وأمره مهيمنًا على كل شيء قال تعالى: (إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (40)) (سورة يوسف). إن عثمان يوصي ابنه كحاكم من بعده لدولة إسلامية أن يتقيد بحكم الله في أعماله؛ لأنه يعلم أن إقامة حكم الله من خلال الحاكم المسلم عهد وميثاق.
– الوصية الثانية: يا بني: أحط من أطاعك بالإعزاز، وأنعم على الجنود، ولا يغرنك الشيطان بجندك وبمالك، وإياك أن تبتعد عن أهل الشريعة.
إن من أعظم صور الذكر أن يتذكر العبد فضل الله عليه، فيستشعر أن فضل الله عليه عظيم؛ فيتواضع ويعدل ويذكر ويشكر، وهكذا كانت وصية عثمان لابنه، يحذره فيها من الشيطان ومسالكه ومداخله، ويدعوه إلى الاحتراز من كيده.
– الوصية الثالثة: يا بني: إنك تعلم أن غايتنا هي إرضاء الله رب العالمين، وأن بالجهاد يعم نور ديننا الآفاق كلها، فتحدث مرضات الله جل جلاله.
إن عثمان الأول كان يرى أن نشر دين الله في الآفاق من وسائله الجهادُ في سبيل الله تعالى، وأن الغاية العليا للجهاد في سبيل الله هي إعلاء كلمة الله؛ لتحقيق عبادته وحده لا شريك له، ومن أجل هذه الغاية انطلق عثمان الأول بجنوده وشعبه مجاهدًا في سبيل الله، ولقد عمل العثمانيون بهذه النصيحة والوصية، فعملوا على إزالة كل العوائق التي تمنع الناس من سماع دعوة الله تعالى التي جاءت لتعطي الناس أكمل تصور للوجود والحياة وبأرقى نظام لتطويرها، ولقد جاهدت الدولة العثمانية في سبيل الله تعالى وفتح الله على يديها دولاً وشعوبًا لا زال الإسلام باقيًا فيها حتى الآن؛ مثل: دول البلقان، وعملت على حماية شعوب المسلمين من هجمات النصارى الغاشمة، فكانت سببًا في بقاء الشمال الإفريقي على إسلامه ودينه وعقيدته، وكانت عاملاً مهمًّا في حماية الأراضي المقدسة من البرتغاليين ومن دخل تحت لوائهم من النصارى، إلى غير ذلك من الأعمال الجليلة.
– الوصية الرابعة: يا بني: لسنا من هؤلاء الذين يقيمون الحروب لشهوة حكم أو سيطرة أفراد، فنحن بالإسلام نحيا وللإسلام نموت، وهذا يا ولدي ما أنت له أهل.
إن هذه الوصية تبين طبيعة تكوين الدولة العثمانية عن غيرها من الدول، فالغاية التي قامت من أجلها إنما هي الدفاع عن الإسلام ورفع رايته في مشارق آسيا الصغرى، والقضاء على الدولة البيزنطية التي كانت تهدد المسلمين في ديارهم، ومن ثم أطلق على زعيم هذه الدولة الناشئة القائد عثمان لقب “الغازي”، أي المجاهد في سبيل الله، هذه الوصية الخالدة هي التي سار عليها الحكام العثمانيون في زمن قوتهم ومجدهم وعزتهم وتمكينهم.
– الوصية الخامسة : اعلم يا بني، أن نشر الإسلام، وهداية الناس إليه، وحماية أعراض المسلمين وأموالهم، أمانة في عنقك سيسألك الله- عز وجل- عنها.
لقد آمن عثمان الأول أن حماية أعراض المسلمين وأموالهم أمانة في عنق الحاكم المسلم، وأن يكون ذلك بإشراف الحاكم المسلم، كما فهم عثمان الأول أن دين الإسلام دين دعوة مستمرة لا تتوقف، وأن من أهداف الدولة الإسلامية دفع عجلة الدعوة ليصل نور الإسلام إلى كل إنسان، رأى أن مسئوليته الأساسية هي القيام بوظيفة الدعوة ونشرها في أرجاء الأرض، وربط السياسة الخارجية بالأسس الدعوية العقدية، قبل بنائها على الأسس المصلحية النفعية، فاهتم بأمر الدعوة إلى الله على المستوى الخارجي بإدخال الناس في دين الإسلام.
– الوصية السادسة: يا بني، إنني أنتقل إلى جوار ربي، وأنا فخور بك بأنك ستكون عادلاً في الرعية، مجاهدًا في سبيل الله؛ لنشر دين الإسلام.
– الوصية السابعة: يا بني، أوصيك بعلماء الأمة، أَدِمْ رعايتهم، وأكثر من تبجيلهم، وانزل على مشورتهم، فإنهم لا يأمرون إلا بخير، إذا واجهتك في الحكم معضلة فاتخذ من مشورة علماء الدين موئلاً.
كان عثمان على صلة متينة بكبار العلماء والفقهاء وكبار الصالحين في عهده، وكثيرًا ما يجلس الساعات الطوال بين أيديهم ويتلقى مواعظهم ويستفيد من علمهم، ويشاورهم في أمور الدولة؛ ولذلك أمر ابنه الأول أورخان أن يجعل من العلماء مجلس شورى له في معضلات الأمور، وأن ينزل على رأي العلماء، وفي هذا الإرشاد امتثال لأمر الله واقتداء برسول الله: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)) (سورة آل عمران)، وكأن عثمان رحمه الله يرى أن الشورى ملزمة للحاكم، وهكذا نرى عثمان يسبق كثيرًا من العلماء والمفكرين المعاصرين في ذهابه إلى أن الشورى ملزمة، ويأمر ابنه بالنزول عند رأي العلماء؛ لكونهم لا يأمرون إلا بخير.
إن وصية عثمان لابنه باحترام العلماء أصبحت منهجًا سار عليه حكام الدولة العثمانية، وهذا يدل على التزام العثمانيين بشرع الله تعالى؛ لأن الشريعة أعطت اعتبارًا للعلماء، ولقد ساهمت الشورى في بناء الدولة العثمانية، وكان الحكام العثمانيون يجعلون من الشورى خير سبيل لتحقيق الغاية، حتى إن السلطان محمد الفاتح قام بتشكيل مجلس استشاري لأمور الدولة.
– الوصية الثامنة: يا بني، إياك أن تفعل أمرًا لا يرضي الله عز وجل، وإذا صعب عليك أمر فاسأل علماء الشريعة، فإنهم سيدلونك على الخير.
– الوصية التاسعة: واعلم يا بني أن طريقنا الوحيد في هذه الدنيا هو طريق الله، وأن مقصدنا الوحيد هو نشر دين الله، وأننا لسنا طلاب جاه ولا دنيا.
– الوصية العاشرة: يا بني، ليس في الدنيا أحد لا يخضع رقبته للموت، وقد اقترب أجلي بأمر الله جل جلاله أسلمك هذه الدولة وأستودعك المولى، عز وجل، اعدل في جميع شئونك.
– وصاياه لأبناء الأمة:
علُّوا الدين الإسلامي الجليل بإدامة الجهاد في سبيل الله، أمسكوا راية الإسلام الشريفة في الأعلى بأكمل جهاد. اخدموا الإسلام دائمًا؛ لأن الله، عز وجل، قد وظف عبدًا ضعيفًا مثلي لفتح البلدان. اذهبوا بكلمة التوحيد إلى أقصى البلدان بجهادكم في سبيل الله، ومن انحرف من سلالتي عن الحق والعدل حرم من شفاعة الرسول الأعظم يوم المحشر.
هذه الوصية الخالدة هي التي سار عليها الحكام العثمانيون في زمن قوتهم ومجدهم وعزتهم وتمكينهم، فاهتموا بالعلم وبالمؤسسات العلمية وبالجيش، وبالمؤسسات العسكرية، وبالعلماء واحترامهم، وبالجهاد الذي أوصل فتوحاتهم إلى أقصى مكان وصلت إليه رايته جيش مسلم.
رحم الله عثمان:
ترك عثمان الأول الدولة العثمانية وكانت مساحتها تبلغ 16.000 كيلو متر مربع، واستطاع أن يجد لدولته الناشئة منفذًا على بحر مرمرة، واستطاع بجيشه أن يهدد أهم مدينتين بيزنطيتين في ذلك الزمان وهما: أزنيق وبورصة.

صمويل هانجتون ونظرية ونظرية صدام الحضارات في ميزان الجابري

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الملحاوي704

دت مقولة “ نهاية التاريخ” لصاحبها فرانسيس فوكوياما الساحة الفكرية السياسية حتى ظهور مقولة “صدام الحضارات” على يد صموئيل هنتنغتون والتي انتزعت الأضواء من فوكويوما ونظريتة في “نهاية التاريخ”. والأسباب التي دعت إلى سطوع نجم هنتنجتون وأطروحته حول صدام الحضارات ليست أسبابا تتعلق بالقوة والحجية المعرفية وتماسك البناء النظري. بل أنها تعني بكل بساطة التحول الذي طرأ على السياسة الأمريكية في هذه المرحلة التي يقودها اليمين المتطرف أو( النيوليبراليون)
ومن البدهي أن أي فكر أو فلسفة لا يمكن أن يوجد ويحيا في فراغ.بل هو يعبّر بالضرورة عن إيدلوجية جماعة أو شريحة أو طبقة معينة أو حتى شعب. فإن نظرية “صدام الحضارات” قد جاءت معبرة تماماً عن التوجه الجديد للنيوليبرالين في أمريكا وناطقة أمينة ومرافقة للتحول المرحلي الذي إتضحت ملامحهُ في الفترة الأخيرة، وقد كانت مقولة نهاية التاريخ في فترة ما هي المعبر الحقيقي عن سياسة النيوليبراليين في أمريكا. وسوف نكون مضطرين في أماكن متعددة في هذه المقالة من عقد المقارنات بين صدام الحضارات ونهاية التاريخ عندما يكون ذلك ضرورياً.
والحقيقة أن مقولة (نهاية التاريخ) لم تعّمر أكثر من خمس سنوات حيث انزوت وتوارت لصالح مقولة (صدام الحضارات).
إن مقولة نهاية التاريخ كانت تتنبأ بنهاية الأنظمة الشمولية وكافة الأنظمة الشيوعية والاشتراكية، وتنبأت بحتمية انتصار النظام الليبرالي وتسيدّه وتفرّده كنظام سياسي واقتصادي وحيد في المستقبل. أي أن نهاية التاريخ ستكون نهاية ليبرالية بشكل حتمي.
والواقع أن الأحداث الدراماتيكية التي حصلت بعد صدور كتاب فوكوياما نهاية التاريخ، أكدت النبوءات التي جاء بها فوكويوما. أو أن السياسة الأمريكية إتخذت من مقولة “نهاية التاريخ” إنجيلاً وبرنامج عمل لها وقامت برسم خططها على هدي هذه المقولة. أو ربما أنها مهدت لسياستها بالترويج لها نظرياً على شكل نظرية “نهاية التاريخ”. والواقع أن كل الفروض السابقة هي بالتالي تصب بنتيجة واحدة.
ويبدو أن النيوليبراليين تنبهوا فجأة إلى أمر خطير في مقولة نهاية التاريخ، هذا الأمر هو المصير المحتوم الذي تسير نحوه الأنظمة غير الليبرالية في العالم. أي أن انهيارها حتمي.
ولا يحتاج إلى حروب وحملات عسكرية. وبالتالي فإن الميزانية الأمريكية الضخمة للتسلح والتي بلغت مئات المليارات تصبح غير مبررة على الإطلاق، لماذا تصرف مئات المليارات لمحاربة أنظمة هي بالأساس أنظمة متهافتة تسير نحو موتها المحتوم أي أن (نهاية التاريخ) في جزء منها تبعث على الاطمئنان على مستقبل أمريكا الليبرالية باعتبارها تتحدث عن الأنظمة غير الليبرالية وكأنها أصبحت حتماً في ذمة الماضي
وهكذا جاءت نظرية صدام الحضارات لكي تتلافى هذا النقص الخطير وتصور الصراع بأنهُ لا زال حاضراً ومستقبلاً وتنذر بخطر المواجهة والحرب وتدعو صراحة إلى الاستعداد والاستنفار للدفاع عن النموذج الحضاري الأمريكي الليبرالي، وهكذا يصبح تخصيص أموال فلكية للتسليح له ما يبرره، وقد ضرب هنتنجتون على وتر حساس عندما صور الخطر القادم خطراً أخضر (إسلامي ) في أغلبه.
ومن الملاحظ أن هنتنغنتون قد نشر مقالتهُ في مجلة (شؤون خارجية) الأمريكية عام 1993 وهي مجلة معروفة بقربها من مراكز صنع القرار بالولايات المتحدة الأمريكية.
يعتقد الجابري أن مقولة (صدام الحضارات) من حيث مستواها الفكري والمعرفي لا تتناسب ومكانة هنتنجتون العلمية ومنهجيته العالية. وهي على صعيد المستوى الفني من أردأ ما أنتج هنتنجتون من فكر. مما يشي بأنها قد كتبت باستعجال كبير وبقصدية واضحة أو بتكليف مباشر من الإدارة الأمريكية. فالأفكار تتكرر وتتدافع والشواهد تتداخل في غير نظام والتحليل مضطرب والاستدلال متهافت والأمثلة تعّج بالمغالطات. كل ذلك يدل على أن المبدأ الذي يحكم النص هو المبدأ المعروف (الغاية تبرر الوسيلة).
ومن أهم عيوب النظرية اللجوء إلى التعميم وإصطناع الغموض، والقفز من قضية إلى أخرى ومن مثال إلى مثال آخر بمناسبة وبدون مناسبة وذلك هو أسلوب المغالطة كما هو معروف في المنطق.
بعد سلسلة من الاستدلالات المبررة ينتهي هنتجنتنون بأن الصراع القادم لن يكون أيدلوجياً أو اقتصاديا باعتبار أن هذين الصراعين قد انتهيا بإنهيار المعسكر الاشتراكي. وأن الصراع القادم سيكون حضارياً، والصراعات الرئيسية في السياسة الدولية ستنشب بين مجموعة من الحضارات المخلتفة وستكون حدود التوتر الفاصلة بين تلك الحضارات هي خطوط المعارك الكبرى في المستقبل.
وهنتنجتون يخلص إلى أن الصراع المستقبلي سيكون بين ثلاث حضارات رئيسية الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية والحضارة الغربية. ومع أن أرنولدتوينبي مؤرخ الحضارات الشهير قد شخص ثماني حضارات لا زالت قائمة وحية وفاعلة هي (الحضارة الغربية، الكونفوشية، واليابانية، والإسلامية، الهندية، السلاجقية والأرثوذوكسية والأمريكية اللاتينية، (وربما) الحضارت الإفريقيه )
فإن هنتنغنتون ينطلق من مقولة توينبي لكي يقرر بشكل تعسفي غير مبرر استبعاد كافة الحضارات في صراعها مع الغرب والإبقاء على الحضارة الصينية والإسلامية فقط. فيقول أن اليابان قد أصبح جزءً من
الغرب سياسياً وتكنولوجياً، والشعوب السلافية هي جزء من أوروبا وهي تقترب من الغرب وترغب في الاندماج فيه مثلها مثل أمريكا اللاتينية. أما الهند فهي تتراجع عن تراث نهرو وتعود إلى الهندوسية وستعاني من التمزق الداخلي بسبب وجود طوائف وأقليات متناحرة مما يجعلها خارج دائرة الصراع مع الغرب لإنشغالها بالصراع الداخلي أما أفريقيا فهو لا يدخلها في الحساب بسبب عبارة تويبيني (ربما) . ولا يبقى إلاّ على الحضارة الصينية والإسلامية و هو يعتقد أن هاتين الحضارتين هما حضارتين طامحتين فهما تسعيان إلى التحديث والعصرنة ولكنهما ترفضان النموذج الغربي، وهكذا سيكون الصراع بينهما وبين الغرب.
إن هنتنجتون يستعمل معايير مختلفة في تصنيف الحضارات فهو مثلاً جعل من الحضارة اللاتينية والغربية حضارتان مختلفتان مع أنهما تشتركان في الدين واللغة والثقافة والتراث والتاريخ وهو لا يعتمد الدين كأساس في تصنيف الحضارات إلا في حالة الحضارة الإسلامية فقط. وإلا لكان اعتبر الحضارة اللاتينية والغربية حضارة واحدة وأعتبر الحضارة الهندية والصينية واليابانية حضارة واحدة تدين بالبوذية. هنا نجده مغرضاً في تصنيفه للحضارات فتارة يعتمد الدين وتارة يعتمد الهوية الثقافية وتارة يعتمد ما أسماه بالوعي الحضاري،ولكنهُ بالنهاية يلجأ إلى عملية ترقيع فكري متعدد لنظريته ليصل في النهاية إلى النتيجة المسبقة التي أراد الوصول لها أو التي كلفته الإدارة الأمريكية الوصول لها وهي وضع الحضارة الصينية والإسلامية كحضارتين معاديتين للحضارة الغربية والواقع أن هذا التصنيف على أساس الحضارات هو تصنيف زائف ومضلل تماماً , فنحن نعلم أن هناك صراعا داخل الحضارة الواحدة أهم وأعمق من كل الصراعات المدعاة وهو الصراع الطبقي والذي شكل التاريخ الحديث بشكل رئيسي فالثورة الصينية عام 47 كانت ثورة داخل الحضارة الواحدة ولكنها كانت تحمل في طياتها الصراع الطبقي بين المستغل والمستغل.
وكذلك الصراع الأيديولوجي داخل الحضارة الأوروبية نفسها ممثلاً بالثورة الفرنسية في أوضح صوره والثورات في بريطانيا وأسبانيا وإيطاليا وألمانيا، وكذلك الثورة الروسية، وأن كافة الحضارات شهدت داخلها صراعات كثيرة إما طبقية أو أيديولوجية، كل هذا يسكت عنهُ هنتنغتون ويتجاهله في شطط ومغالطة منهجية من أجل التركيز على الصراع الحضاري فقط والذي يخدم التوجه الجديد لمن يقفون خلف هذه النظرية.
ويتحول هنتنغتون إلى ربط الكتل الاقتصادية بالكتل الحضارية فإن ما يجمع بين الكتل الاقتصادية اليوم هو اشتراكهم في حضارة واحدة، ويضرب أمثلة على ذلك، وهي بالتأكيد أمثلة انتقائية مختارة بشكل تعسفي، مثل السوق الأوروبية المشتركة وكذلك (الصين، هونج كونج تايوان سنغافورة) وهو يهمل إهمالاً متعمداً مثلاً لماذا لم تقم سوق مشتركة بين الدول العربية وهو يستند أيضاً على مجموعة منظمة التعاون الاقتصادي التي تشكل عشر دول إسلامية، ( لاحظ أنه يعود هنا لاعتبار الدين كمعيار وليس الحضارة).
ومن الملاحظ أن هنتنغتون لا يستعمل الدين كمقياس في تصنيف الحضارات إلاّ عندما يتعلق الأمر بالإسلام فقط. ومع أن هنتنغتون يتكلم بإسهاب عن صدام الحضارات المختلفة مثل الصدام بين المسيحية الشرقية والغربية والصراع بين الغرب والحضارة الكونفوشية في الصين، وكذلك الصراع مع الهند وأوروبا الشرقية والصراع مع الحضارة الأمريكية اللاتينية وروسيا. إلاّ أننا نراه يلجأ بأسلوب يقترب من السذاجة والتلاعب باللغة والألفاظ إلى التقليل من شأن كافة الصراعات. مثل قوله عن الهند أن هذه الحضارة ستكون مشغولة بصراعاتها الداخلية وسوف لن تشكل خطراً على الغرب وكأن الحضارة الإسلامية ليس فيها صراعات داخلية وحروب (أنظر الشطط المنهجي) أو أن الحضارة الأمريكية اللاتينية هي قريبة من النموذج الغربي وهي في طريقها إلى الإندماج مع الحضارة الغربية عما قريب، وهو يتناسى ويتجاهل هرولة العديد من الدول الإسلامية وأوضحها تركيا نحو الغرب ومحاولة الانخراط في الحضارة الغربية. الواقع أن هنتنغتون يقع في مطب السذاجة واللجوء إلى الحيل هنا وهناك من أجل الوصول إلى النتيجة التي وضعها نصب عينية مقدماً وهي الترويج وإبراز جانب الصراع بين الغرب والإسلام وهنا التوجه لا يخدم سوى توجهات النيوليبراليين في أمريكا. ويتجلّى هذا التنظير المغرض في أوضح صوره حين يصل هنتنغتون إلى الهدف النهائي من نظريته والتي يصوغها في عبارات تفوح منها رائحة الأدلجة والأغراض السياسية المكشوفة وهي بيت القصيد في كل ما قاله هنتنغتون:
• إن الاختلاف بين الحضارات حقيقة واقعة وأن الصراع بين الحضارت سيحل محل الصراع الأيديولوجي وغيره من أشكال الصراع الأخرى .
• أن المحور البارز في السياسة الدولية سيكون الغرب وما عداه وأن البؤره المركزية للصراع العالمي سيكون بين الغرب والحضارتين الكونفوشية والإسلامية .
ثم ينتقل هنتنغتون بعد كل المغالطات السابقة التي ساقها إلى الحديث عن الاحتياطات الضرورية الواجب على الغرب أن يتخذها على المدى القريب والبعيد (وهذا هو الجزء الأهم والهدف من النظرية بكاملها).
يقول أنه يتوجب على الغرب أن يعمل على تحقيق أكبر قدر من التعاون والوحدة بين مكونات حضارته الأوروبية الأمريكية وأن يعمل في الوقت نفسه على إدماج أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية في حضارته وأن يعمل على تعزيز التعاون مع روسيا واليابان وعدم الإقدام على تخفيض الأسلحة حفاظاً على التفوق العسكري على الرابطة الكونفوشية والإسلامية والتي يجب وضع حدود لتوسعها العسكري مع استغلال الخلافات بين الدول المكونة لهذه الرابطة، وعلى المستوى البعيد فيجب على الغرب أن يحافظ على قوته الاقتصادية والعسكرية اللازمة لحماية أمنه وحضارته. وفي الوقت نفسه يسعى إلى تحجيم وقهر هذه الحضارات وأن يسعى إلى احتواء هذه الحضارات عن طريق اختراقها من الداخل ومن الخارج.
والحقيقة أن هنتنغتون يتكلم عن الخطر الإسلامي بصفته هو الخطر الأهم والأخطر والذي يتمثل (بالإرهابيين الإسلاميين). وربما أن إقحام الحضارة الصينية الكونفوشية في نظريته كعدو للغرب كان من باب التموية والتغطية والألاعيب لكي لا ينكشف الهدف الحقيقي من هذه النظرية وهو الترويج لسياسة النيوليبراليين المتصهينين في معاداة الإسلام وحضارة الإسلام. ومع أن هنتنغتون صور هذا الصراع والصدام كأمر حتمي وحلّ وحيد لا مفرّ منه إلاّ أن الجابري يكشف هذه الحيلة التي لجأ إليها هنتنغتون ويقدم بدلاً منها بدائل محتملة لمستقبل العالم بعيداً عن الصراع والصدام ولا يخفى على أحد أن الترويج للصراع والصدام هو بالأساس يبرر الإبقاء على تطوير القوى العسكرية وبالتالي ضرورة صرف ما يلزم من الأموال في سبيل ذلك. علماً أن أمريكا لديها ميزانية تسليح هي الأضخم في العالم والتي تجاوزت النصف ترليون دولار وهي تدفع من أموال الشعب الأمريكي التي كان من المفترض أن تذهب لصرفها على التعليم والصحة والضمان الاجتماعي والواقع أن الجابري يطرح بديلاً موضوعياً لنظرية صدام الحضارات يتمتع بحجية عالية وتماسك فكري أكثر من نظرية هنتنغتون وهو بالتأكيد ليس مغرضاً مثل هنتنغتون في السعي إلى تأجيج الصراع في العالم وجعل العالم أكثر شحونة وخطراً. وتتلخص مثلاً في المشروع الذي قدّمه غراهام فولر المسمى حوار الحضارات في ثلاث أمور: 1- مراجعة القيم والمفاهيم الغربية لجعلها تتلاءم أكثر مع التطورات الجديدة. 2- ترك العالم الثالث يسلك طريقه نحو التحديث. كل حسب الطريقة التي يختارها والتعامل بصورة إيجابية مع الدول التي تحقق تقدماً اقتصاديا في الإطار الغربي. 3- مساعدة الدول التي لا تستطيع تحقيق مثل ذلك التقدم حتى لا تجر النظام العالمي إلى مواجهة بين الغرب وغيره من الأنظمة.
ومع أن المشروع السابق لا زال ينطلق من نفس المنطلق وهو أن المستقبل سيشهد قيام أيدلوجيا معادية للغرب إلاّ أنهُ يدعو إلى الحوار وليس إلى الصدام والحروب.
والجابري يورد أدلة تؤكد أن ما يحرك الغرب في سياساته ليس الدوافع الحضارية بل أن المصالح هي التي تحرك الغرب وسياساته المستقبلية. وهو يقول (الغرب مصالح ولا شيء غير المصالح. والغرب لا يخاف من أي جهة دولية إلاّ بالقدر الذي تهدد مصالحه(
هكذا يفسّر الجابري العدوان الثلاثي على مصر 1956، وانقلاب الغرب على الدول الإسلامية بعد قطع النفط في 1973، وإطاحة الغرب بمصدق في إيران في الخمسينات الذي حاول استرجاع الثروة النفطية إذن ما يحرك الغرب هو المصالح. وبرأينا أن هذه الفرضية أكثر حجبة من فرضية صدام الحضارات المغرضة.
والجابري ينهي نقده لنظرية صدام الحضارات بالتركيز على الصراع الطبقي بدل الصراع الحضاري ويعتقد أن الصراع الطبقي بين المستغِلين والمستغَلين، بين الأسياد والعبيد هو الذي سيهيمن على مستقبل العالم. وهو يتجاوز صراع الحضارات وحتى حوار الحضارات إلى ما أسماه ( حوار النقابات مع أصحاب المؤسسات) وأن أي شيء عداه هو عبارة عن ذر الرماد في العيون.

صمويل هانجتون ونظرية ونظرية صدام الحضارات في ميزان الجابري

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الملحاوي704

دت مقولة “ نهاية التاريخ” لصاحبها فرانسيس فوكوياما الساحة الفكرية السياسية حتى ظهور مقولة “صدام الحضارات” على يد صموئيل هنتنغتون والتي انتزعت الأضواء من فوكويوما ونظريتة في “نهاية التاريخ”. والأسباب التي دعت إلى سطوع نجم هنتنجتون وأطروحته حول صدام الحضارات ليست أسبابا تتعلق بالقوة والحجية المعرفية وتماسك البناء النظري. بل أنها تعني بكل بساطة التحول الذي طرأ على السياسة الأمريكية في هذه المرحلة التي يقودها اليمين المتطرف أو( النيوليبراليون)
ومن البدهي أن أي فكر أو فلسفة لا يمكن أن يوجد ويحيا في فراغ.بل هو يعبّر بالضرورة عن إيدلوجية جماعة أو شريحة أو طبقة معينة أو حتى شعب. فإن نظرية “صدام الحضارات” قد جاءت معبرة تماماً عن التوجه الجديد للنيوليبرالين في أمريكا وناطقة أمينة ومرافقة للتحول المرحلي الذي إتضحت ملامحهُ في الفترة الأخيرة، وقد كانت مقولة نهاية التاريخ في فترة ما هي المعبر الحقيقي عن سياسة النيوليبراليين في أمريكا. وسوف نكون مضطرين في أماكن متعددة في هذه المقالة من عقد المقارنات بين صدام الحضارات ونهاية التاريخ عندما يكون ذلك ضرورياً.
والحقيقة أن مقولة (نهاية التاريخ) لم تعّمر أكثر من خمس سنوات حيث انزوت وتوارت لصالح مقولة (صدام الحضارات).
إن مقولة نهاية التاريخ كانت تتنبأ بنهاية الأنظمة الشمولية وكافة الأنظمة الشيوعية والاشتراكية، وتنبأت بحتمية انتصار النظام الليبرالي وتسيدّه وتفرّده كنظام سياسي واقتصادي وحيد في المستقبل. أي أن نهاية التاريخ ستكون نهاية ليبرالية بشكل حتمي.
والواقع أن الأحداث الدراماتيكية التي حصلت بعد صدور كتاب فوكوياما نهاية التاريخ، أكدت النبوءات التي جاء بها فوكويوما. أو أن السياسة الأمريكية إتخذت من مقولة “نهاية التاريخ” إنجيلاً وبرنامج عمل لها وقامت برسم خططها على هدي هذه المقولة. أو ربما أنها مهدت لسياستها بالترويج لها نظرياً على شكل نظرية “نهاية التاريخ”. والواقع أن كل الفروض السابقة هي بالتالي تصب بنتيجة واحدة.
ويبدو أن النيوليبراليين تنبهوا فجأة إلى أمر خطير في مقولة نهاية التاريخ، هذا الأمر هو المصير المحتوم الذي تسير نحوه الأنظمة غير الليبرالية في العالم. أي أن انهيارها حتمي.
ولا يحتاج إلى حروب وحملات عسكرية. وبالتالي فإن الميزانية الأمريكية الضخمة للتسلح والتي بلغت مئات المليارات تصبح غير مبررة على الإطلاق، لماذا تصرف مئات المليارات لمحاربة أنظمة هي بالأساس أنظمة متهافتة تسير نحو موتها المحتوم أي أن (نهاية التاريخ) في جزء منها تبعث على الاطمئنان على مستقبل أمريكا الليبرالية باعتبارها تتحدث عن الأنظمة غير الليبرالية وكأنها أصبحت حتماً في ذمة الماضي
وهكذا جاءت نظرية صدام الحضارات لكي تتلافى هذا النقص الخطير وتصور الصراع بأنهُ لا زال حاضراً ومستقبلاً وتنذر بخطر المواجهة والحرب وتدعو صراحة إلى الاستعداد والاستنفار للدفاع عن النموذج الحضاري الأمريكي الليبرالي، وهكذا يصبح تخصيص أموال فلكية للتسليح له ما يبرره، وقد ضرب هنتنجتون على وتر حساس عندما صور الخطر القادم خطراً أخضر (إسلامي ) في أغلبه.
ومن الملاحظ أن هنتنغنتون قد نشر مقالتهُ في مجلة (شؤون خارجية) الأمريكية عام 1993 وهي مجلة معروفة بقربها من مراكز صنع القرار بالولايات المتحدة الأمريكية.
يعتقد الجابري أن مقولة (صدام الحضارات) من حيث مستواها الفكري والمعرفي لا تتناسب ومكانة هنتنجتون العلمية ومنهجيته العالية. وهي على صعيد المستوى الفني من أردأ ما أنتج هنتنجتون من فكر. مما يشي بأنها قد كتبت باستعجال كبير وبقصدية واضحة أو بتكليف مباشر من الإدارة الأمريكية. فالأفكار تتكرر وتتدافع والشواهد تتداخل في غير نظام والتحليل مضطرب والاستدلال متهافت والأمثلة تعّج بالمغالطات. كل ذلك يدل على أن المبدأ الذي يحكم النص هو المبدأ المعروف (الغاية تبرر الوسيلة).
ومن أهم عيوب النظرية اللجوء إلى التعميم وإصطناع الغموض، والقفز من قضية إلى أخرى ومن مثال إلى مثال آخر بمناسبة وبدون مناسبة وذلك هو أسلوب المغالطة كما هو معروف في المنطق.
بعد سلسلة من الاستدلالات المبررة ينتهي هنتجنتنون بأن الصراع القادم لن يكون أيدلوجياً أو اقتصاديا باعتبار أن هذين الصراعين قد انتهيا بإنهيار المعسكر الاشتراكي. وأن الصراع القادم سيكون حضارياً، والصراعات الرئيسية في السياسة الدولية ستنشب بين مجموعة من الحضارات المخلتفة وستكون حدود التوتر الفاصلة بين تلك الحضارات هي خطوط المعارك الكبرى في المستقبل.
وهنتنجتون يخلص إلى أن الصراع المستقبلي سيكون بين ثلاث حضارات رئيسية الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية والحضارة الغربية. ومع أن أرنولدتوينبي مؤرخ الحضارات الشهير قد شخص ثماني حضارات لا زالت قائمة وحية وفاعلة هي (الحضارة الغربية، الكونفوشية، واليابانية، والإسلامية، الهندية، السلاجقية والأرثوذوكسية والأمريكية اللاتينية، (وربما) الحضارت الإفريقيه )
فإن هنتنغنتون ينطلق من مقولة توينبي لكي يقرر بشكل تعسفي غير مبرر استبعاد كافة الحضارات في صراعها مع الغرب والإبقاء على الحضارة الصينية والإسلامية فقط. فيقول أن اليابان قد أصبح جزءً من
الغرب سياسياً وتكنولوجياً، والشعوب السلافية هي جزء من أوروبا وهي تقترب من الغرب وترغب في الاندماج فيه مثلها مثل أمريكا اللاتينية. أما الهند فهي تتراجع عن تراث نهرو وتعود إلى الهندوسية وستعاني من التمزق الداخلي بسبب وجود طوائف وأقليات متناحرة مما يجعلها خارج دائرة الصراع مع الغرب لإنشغالها بالصراع الداخلي أما أفريقيا فهو لا يدخلها في الحساب بسبب عبارة تويبيني (ربما) . ولا يبقى إلاّ على الحضارة الصينية والإسلامية و هو يعتقد أن هاتين الحضارتين هما حضارتين طامحتين فهما تسعيان إلى التحديث والعصرنة ولكنهما ترفضان النموذج الغربي، وهكذا سيكون الصراع بينهما وبين الغرب.
إن هنتنجتون يستعمل معايير مختلفة في تصنيف الحضارات فهو مثلاً جعل من الحضارة اللاتينية والغربية حضارتان مختلفتان مع أنهما تشتركان في الدين واللغة والثقافة والتراث والتاريخ وهو لا يعتمد الدين كأساس في تصنيف الحضارات إلا في حالة الحضارة الإسلامية فقط. وإلا لكان اعتبر الحضارة اللاتينية والغربية حضارة واحدة وأعتبر الحضارة الهندية والصينية واليابانية حضارة واحدة تدين بالبوذية. هنا نجده مغرضاً في تصنيفه للحضارات فتارة يعتمد الدين وتارة يعتمد الهوية الثقافية وتارة يعتمد ما أسماه بالوعي الحضاري،ولكنهُ بالنهاية يلجأ إلى عملية ترقيع فكري متعدد لنظريته ليصل في النهاية إلى النتيجة المسبقة التي أراد الوصول لها أو التي كلفته الإدارة الأمريكية الوصول لها وهي وضع الحضارة الصينية والإسلامية كحضارتين معاديتين للحضارة الغربية والواقع أن هذا التصنيف على أساس الحضارات هو تصنيف زائف ومضلل تماماً , فنحن نعلم أن هناك صراعا داخل الحضارة الواحدة أهم وأعمق من كل الصراعات المدعاة وهو الصراع الطبقي والذي شكل التاريخ الحديث بشكل رئيسي فالثورة الصينية عام 47 كانت ثورة داخل الحضارة الواحدة ولكنها كانت تحمل في طياتها الصراع الطبقي بين المستغل والمستغل.
وكذلك الصراع الأيديولوجي داخل الحضارة الأوروبية نفسها ممثلاً بالثورة الفرنسية في أوضح صوره والثورات في بريطانيا وأسبانيا وإيطاليا وألمانيا، وكذلك الثورة الروسية، وأن كافة الحضارات شهدت داخلها صراعات كثيرة إما طبقية أو أيديولوجية، كل هذا يسكت عنهُ هنتنغتون ويتجاهله في شطط ومغالطة منهجية من أجل التركيز على الصراع الحضاري فقط والذي يخدم التوجه الجديد لمن يقفون خلف هذه النظرية.
ويتحول هنتنغتون إلى ربط الكتل الاقتصادية بالكتل الحضارية فإن ما يجمع بين الكتل الاقتصادية اليوم هو اشتراكهم في حضارة واحدة، ويضرب أمثلة على ذلك، وهي بالتأكيد أمثلة انتقائية مختارة بشكل تعسفي، مثل السوق الأوروبية المشتركة وكذلك (الصين، هونج كونج تايوان سنغافورة) وهو يهمل إهمالاً متعمداً مثلاً لماذا لم تقم سوق مشتركة بين الدول العربية وهو يستند أيضاً على مجموعة منظمة التعاون الاقتصادي التي تشكل عشر دول إسلامية، ( لاحظ أنه يعود هنا لاعتبار الدين كمعيار وليس الحضارة).
ومن الملاحظ أن هنتنغتون لا يستعمل الدين كمقياس في تصنيف الحضارات إلاّ عندما يتعلق الأمر بالإسلام فقط. ومع أن هنتنغتون يتكلم بإسهاب عن صدام الحضارات المختلفة مثل الصدام بين المسيحية الشرقية والغربية والصراع بين الغرب والحضارة الكونفوشية في الصين، وكذلك الصراع مع الهند وأوروبا الشرقية والصراع مع الحضارة الأمريكية اللاتينية وروسيا. إلاّ أننا نراه يلجأ بأسلوب يقترب من السذاجة والتلاعب باللغة والألفاظ إلى التقليل من شأن كافة الصراعات. مثل قوله عن الهند أن هذه الحضارة ستكون مشغولة بصراعاتها الداخلية وسوف لن تشكل خطراً على الغرب وكأن الحضارة الإسلامية ليس فيها صراعات داخلية وحروب (أنظر الشطط المنهجي) أو أن الحضارة الأمريكية اللاتينية هي قريبة من النموذج الغربي وهي في طريقها إلى الإندماج مع الحضارة الغربية عما قريب، وهو يتناسى ويتجاهل هرولة العديد من الدول الإسلامية وأوضحها تركيا نحو الغرب ومحاولة الانخراط في الحضارة الغربية. الواقع أن هنتنغتون يقع في مطب السذاجة واللجوء إلى الحيل هنا وهناك من أجل الوصول إلى النتيجة التي وضعها نصب عينية مقدماً وهي الترويج وإبراز جانب الصراع بين الغرب والإسلام وهنا التوجه لا يخدم سوى توجهات النيوليبراليين في أمريكا. ويتجلّى هذا التنظير المغرض في أوضح صوره حين يصل هنتنغتون إلى الهدف النهائي من نظريته والتي يصوغها في عبارات تفوح منها رائحة الأدلجة والأغراض السياسية المكشوفة وهي بيت القصيد في كل ما قاله هنتنغتون:
• إن الاختلاف بين الحضارات حقيقة واقعة وأن الصراع بين الحضارت سيحل محل الصراع الأيديولوجي وغيره من أشكال الصراع الأخرى .
• أن المحور البارز في السياسة الدولية سيكون الغرب وما عداه وأن البؤره المركزية للصراع العالمي سيكون بين الغرب والحضارتين الكونفوشية والإسلامية .
ثم ينتقل هنتنغتون بعد كل المغالطات السابقة التي ساقها إلى الحديث عن الاحتياطات الضرورية الواجب على الغرب أن يتخذها على المدى القريب والبعيد (وهذا هو الجزء الأهم والهدف من النظرية بكاملها).
يقول أنه يتوجب على الغرب أن يعمل على تحقيق أكبر قدر من التعاون والوحدة بين مكونات حضارته الأوروبية الأمريكية وأن يعمل في الوقت نفسه على إدماج أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية في حضارته وأن يعمل على تعزيز التعاون مع روسيا واليابان وعدم الإقدام على تخفيض الأسلحة حفاظاً على التفوق العسكري على الرابطة الكونفوشية والإسلامية والتي يجب وضع حدود لتوسعها العسكري مع استغلال الخلافات بين الدول المكونة لهذه الرابطة، وعلى المستوى البعيد فيجب على الغرب أن يحافظ على قوته الاقتصادية والعسكرية اللازمة لحماية أمنه وحضارته. وفي الوقت نفسه يسعى إلى تحجيم وقهر هذه الحضارات وأن يسعى إلى احتواء هذه الحضارات عن طريق اختراقها من الداخل ومن الخارج.
والحقيقة أن هنتنغتون يتكلم عن الخطر الإسلامي بصفته هو الخطر الأهم والأخطر والذي يتمثل (بالإرهابيين الإسلاميين). وربما أن إقحام الحضارة الصينية الكونفوشية في نظريته كعدو للغرب كان من باب التموية والتغطية والألاعيب لكي لا ينكشف الهدف الحقيقي من هذه النظرية وهو الترويج لسياسة النيوليبراليين المتصهينين في معاداة الإسلام وحضارة الإسلام. ومع أن هنتنغتون صور هذا الصراع والصدام كأمر حتمي وحلّ وحيد لا مفرّ منه إلاّ أن الجابري يكشف هذه الحيلة التي لجأ إليها هنتنغتون ويقدم بدلاً منها بدائل محتملة لمستقبل العالم بعيداً عن الصراع والصدام ولا يخفى على أحد أن الترويج للصراع والصدام هو بالأساس يبرر الإبقاء على تطوير القوى العسكرية وبالتالي ضرورة صرف ما يلزم من الأموال في سبيل ذلك. علماً أن أمريكا لديها ميزانية تسليح هي الأضخم في العالم والتي تجاوزت النصف ترليون دولار وهي تدفع من أموال الشعب الأمريكي التي كان من المفترض أن تذهب لصرفها على التعليم والصحة والضمان الاجتماعي والواقع أن الجابري يطرح بديلاً موضوعياً لنظرية صدام الحضارات يتمتع بحجية عالية وتماسك فكري أكثر من نظرية هنتنغتون وهو بالتأكيد ليس مغرضاً مثل هنتنغتون في السعي إلى تأجيج الصراع في العالم وجعل العالم أكثر شحونة وخطراً. وتتلخص مثلاً في المشروع الذي قدّمه غراهام فولر المسمى حوار الحضارات في ثلاث أمور: 1- مراجعة القيم والمفاهيم الغربية لجعلها تتلاءم أكثر مع التطورات الجديدة. 2- ترك العالم الثالث يسلك طريقه نحو التحديث. كل حسب الطريقة التي يختارها والتعامل بصورة إيجابية مع الدول التي تحقق تقدماً اقتصاديا في الإطار الغربي. 3- مساعدة الدول التي لا تستطيع تحقيق مثل ذلك التقدم حتى لا تجر النظام العالمي إلى مواجهة بين الغرب وغيره من الأنظمة.
ومع أن المشروع السابق لا زال ينطلق من نفس المنطلق وهو أن المستقبل سيشهد قيام أيدلوجيا معادية للغرب إلاّ أنهُ يدعو إلى الحوار وليس إلى الصدام والحروب.
والجابري يورد أدلة تؤكد أن ما يحرك الغرب في سياساته ليس الدوافع الحضارية بل أن المصالح هي التي تحرك الغرب وسياساته المستقبلية. وهو يقول (الغرب مصالح ولا شيء غير المصالح. والغرب لا يخاف من أي جهة دولية إلاّ بالقدر الذي تهدد مصالحه(
هكذا يفسّر الجابري العدوان الثلاثي على مصر 1956، وانقلاب الغرب على الدول الإسلامية بعد قطع النفط في 1973، وإطاحة الغرب بمصدق في إيران في الخمسينات الذي حاول استرجاع الثروة النفطية إذن ما يحرك الغرب هو المصالح. وبرأينا أن هذه الفرضية أكثر حجبة من فرضية صدام الحضارات المغرضة.
والجابري ينهي نقده لنظرية صدام الحضارات بالتركيز على الصراع الطبقي بدل الصراع الحضاري ويعتقد أن الصراع الطبقي بين المستغِلين والمستغَلين، بين الأسياد والعبيد هو الذي سيهيمن على مستقبل العالم. وهو يتجاوز صراع الحضارات وحتى حوار الحضارات إلى ما أسماه ( حوار النقابات مع أصحاب المؤسسات) وأن أي شيء عداه هو عبارة عن ذر الرماد في العيون.

صمويل هانجتون ونظرية ونظرية صدام الحضارات في ميزان الجابري

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الملحاوي704

دت مقولة “ نهاية التاريخ” لصاحبها فرانسيس فوكوياما الساحة الفكرية السياسية حتى ظهور مقولة “صدام الحضارات” على يد صموئيل هنتنغتون والتي انتزعت الأضواء من فوكويوما ونظريتة في “نهاية التاريخ”. والأسباب التي دعت إلى سطوع نجم هنتنجتون وأطروحته حول صدام الحضارات ليست أسبابا تتعلق بالقوة والحجية المعرفية وتماسك البناء النظري. بل أنها تعني بكل بساطة التحول الذي طرأ على السياسة الأمريكية في هذه المرحلة التي يقودها اليمين المتطرف أو( النيوليبراليون)
ومن البدهي أن أي فكر أو فلسفة لا يمكن أن يوجد ويحيا في فراغ.بل هو يعبّر بالضرورة عن إيدلوجية جماعة أو شريحة أو طبقة معينة أو حتى شعب. فإن نظرية “صدام الحضارات” قد جاءت معبرة تماماً عن التوجه الجديد للنيوليبرالين في أمريكا وناطقة أمينة ومرافقة للتحول المرحلي الذي إتضحت ملامحهُ في الفترة الأخيرة، وقد كانت مقولة نهاية التاريخ في فترة ما هي المعبر الحقيقي عن سياسة النيوليبراليين في أمريكا. وسوف نكون مضطرين في أماكن متعددة في هذه المقالة من عقد المقارنات بين صدام الحضارات ونهاية التاريخ عندما يكون ذلك ضرورياً.
والحقيقة أن مقولة (نهاية التاريخ) لم تعّمر أكثر من خمس سنوات حيث انزوت وتوارت لصالح مقولة (صدام الحضارات).
إن مقولة نهاية التاريخ كانت تتنبأ بنهاية الأنظمة الشمولية وكافة الأنظمة الشيوعية والاشتراكية، وتنبأت بحتمية انتصار النظام الليبرالي وتسيدّه وتفرّده كنظام سياسي واقتصادي وحيد في المستقبل. أي أن نهاية التاريخ ستكون نهاية ليبرالية بشكل حتمي.
والواقع أن الأحداث الدراماتيكية التي حصلت بعد صدور كتاب فوكوياما نهاية التاريخ، أكدت النبوءات التي جاء بها فوكويوما. أو أن السياسة الأمريكية إتخذت من مقولة “نهاية التاريخ” إنجيلاً وبرنامج عمل لها وقامت برسم خططها على هدي هذه المقولة. أو ربما أنها مهدت لسياستها بالترويج لها نظرياً على شكل نظرية “نهاية التاريخ”. والواقع أن كل الفروض السابقة هي بالتالي تصب بنتيجة واحدة.
ويبدو أن النيوليبراليين تنبهوا فجأة إلى أمر خطير في مقولة نهاية التاريخ، هذا الأمر هو المصير المحتوم الذي تسير نحوه الأنظمة غير الليبرالية في العالم. أي أن انهيارها حتمي.
ولا يحتاج إلى حروب وحملات عسكرية. وبالتالي فإن الميزانية الأمريكية الضخمة للتسلح والتي بلغت مئات المليارات تصبح غير مبررة على الإطلاق، لماذا تصرف مئات المليارات لمحاربة أنظمة هي بالأساس أنظمة متهافتة تسير نحو موتها المحتوم أي أن (نهاية التاريخ) في جزء منها تبعث على الاطمئنان على مستقبل أمريكا الليبرالية باعتبارها تتحدث عن الأنظمة غير الليبرالية وكأنها أصبحت حتماً في ذمة الماضي
وهكذا جاءت نظرية صدام الحضارات لكي تتلافى هذا النقص الخطير وتصور الصراع بأنهُ لا زال حاضراً ومستقبلاً وتنذر بخطر المواجهة والحرب وتدعو صراحة إلى الاستعداد والاستنفار للدفاع عن النموذج الحضاري الأمريكي الليبرالي، وهكذا يصبح تخصيص أموال فلكية للتسليح له ما يبرره، وقد ضرب هنتنجتون على وتر حساس عندما صور الخطر القادم خطراً أخضر (إسلامي ) في أغلبه.
ومن الملاحظ أن هنتنغنتون قد نشر مقالتهُ في مجلة (شؤون خارجية) الأمريكية عام 1993 وهي مجلة معروفة بقربها من مراكز صنع القرار بالولايات المتحدة الأمريكية.
يعتقد الجابري أن مقولة (صدام الحضارات) من حيث مستواها الفكري والمعرفي لا تتناسب ومكانة هنتنجتون العلمية ومنهجيته العالية. وهي على صعيد المستوى الفني من أردأ ما أنتج هنتنجتون من فكر. مما يشي بأنها قد كتبت باستعجال كبير وبقصدية واضحة أو بتكليف مباشر من الإدارة الأمريكية. فالأفكار تتكرر وتتدافع والشواهد تتداخل في غير نظام والتحليل مضطرب والاستدلال متهافت والأمثلة تعّج بالمغالطات. كل ذلك يدل على أن المبدأ الذي يحكم النص هو المبدأ المعروف (الغاية تبرر الوسيلة).
ومن أهم عيوب النظرية اللجوء إلى التعميم وإصطناع الغموض، والقفز من قضية إلى أخرى ومن مثال إلى مثال آخر بمناسبة وبدون مناسبة وذلك هو أسلوب المغالطة كما هو معروف في المنطق.
بعد سلسلة من الاستدلالات المبررة ينتهي هنتجنتنون بأن الصراع القادم لن يكون أيدلوجياً أو اقتصاديا باعتبار أن هذين الصراعين قد انتهيا بإنهيار المعسكر الاشتراكي. وأن الصراع القادم سيكون حضارياً، والصراعات الرئيسية في السياسة الدولية ستنشب بين مجموعة من الحضارات المخلتفة وستكون حدود التوتر الفاصلة بين تلك الحضارات هي خطوط المعارك الكبرى في المستقبل.
وهنتنجتون يخلص إلى أن الصراع المستقبلي سيكون بين ثلاث حضارات رئيسية الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية والحضارة الغربية. ومع أن أرنولدتوينبي مؤرخ الحضارات الشهير قد شخص ثماني حضارات لا زالت قائمة وحية وفاعلة هي (الحضارة الغربية، الكونفوشية، واليابانية، والإسلامية، الهندية، السلاجقية والأرثوذوكسية والأمريكية اللاتينية، (وربما) الحضارت الإفريقيه )
فإن هنتنغنتون ينطلق من مقولة توينبي لكي يقرر بشكل تعسفي غير مبرر استبعاد كافة الحضارات في صراعها مع الغرب والإبقاء على الحضارة الصينية والإسلامية فقط. فيقول أن اليابان قد أصبح جزءً من
الغرب سياسياً وتكنولوجياً، والشعوب السلافية هي جزء من أوروبا وهي تقترب من الغرب وترغب في الاندماج فيه مثلها مثل أمريكا اللاتينية. أما الهند فهي تتراجع عن تراث نهرو وتعود إلى الهندوسية وستعاني من التمزق الداخلي بسبب وجود طوائف وأقليات متناحرة مما يجعلها خارج دائرة الصراع مع الغرب لإنشغالها بالصراع الداخلي أما أفريقيا فهو لا يدخلها في الحساب بسبب عبارة تويبيني (ربما) . ولا يبقى إلاّ على الحضارة الصينية والإسلامية و هو يعتقد أن هاتين الحضارتين هما حضارتين طامحتين فهما تسعيان إلى التحديث والعصرنة ولكنهما ترفضان النموذج الغربي، وهكذا سيكون الصراع بينهما وبين الغرب.
إن هنتنجتون يستعمل معايير مختلفة في تصنيف الحضارات فهو مثلاً جعل من الحضارة اللاتينية والغربية حضارتان مختلفتان مع أنهما تشتركان في الدين واللغة والثقافة والتراث والتاريخ وهو لا يعتمد الدين كأساس في تصنيف الحضارات إلا في حالة الحضارة الإسلامية فقط. وإلا لكان اعتبر الحضارة اللاتينية والغربية حضارة واحدة وأعتبر الحضارة الهندية والصينية واليابانية حضارة واحدة تدين بالبوذية. هنا نجده مغرضاً في تصنيفه للحضارات فتارة يعتمد الدين وتارة يعتمد الهوية الثقافية وتارة يعتمد ما أسماه بالوعي الحضاري،ولكنهُ بالنهاية يلجأ إلى عملية ترقيع فكري متعدد لنظريته ليصل في النهاية إلى النتيجة المسبقة التي أراد الوصول لها أو التي كلفته الإدارة الأمريكية الوصول لها وهي وضع الحضارة الصينية والإسلامية كحضارتين معاديتين للحضارة الغربية والواقع أن هذا التصنيف على أساس الحضارات هو تصنيف زائف ومضلل تماماً , فنحن نعلم أن هناك صراعا داخل الحضارة الواحدة أهم وأعمق من كل الصراعات المدعاة وهو الصراع الطبقي والذي شكل التاريخ الحديث بشكل رئيسي فالثورة الصينية عام 47 كانت ثورة داخل الحضارة الواحدة ولكنها كانت تحمل في طياتها الصراع الطبقي بين المستغل والمستغل.
وكذلك الصراع الأيديولوجي داخل الحضارة الأوروبية نفسها ممثلاً بالثورة الفرنسية في أوضح صوره والثورات في بريطانيا وأسبانيا وإيطاليا وألمانيا، وكذلك الثورة الروسية، وأن كافة الحضارات شهدت داخلها صراعات كثيرة إما طبقية أو أيديولوجية، كل هذا يسكت عنهُ هنتنغتون ويتجاهله في شطط ومغالطة منهجية من أجل التركيز على الصراع الحضاري فقط والذي يخدم التوجه الجديد لمن يقفون خلف هذه النظرية.
ويتحول هنتنغتون إلى ربط الكتل الاقتصادية بالكتل الحضارية فإن ما يجمع بين الكتل الاقتصادية اليوم هو اشتراكهم في حضارة واحدة، ويضرب أمثلة على ذلك، وهي بالتأكيد أمثلة انتقائية مختارة بشكل تعسفي، مثل السوق الأوروبية المشتركة وكذلك (الصين، هونج كونج تايوان سنغافورة) وهو يهمل إهمالاً متعمداً مثلاً لماذا لم تقم سوق مشتركة بين الدول العربية وهو يستند أيضاً على مجموعة منظمة التعاون الاقتصادي التي تشكل عشر دول إسلامية، ( لاحظ أنه يعود هنا لاعتبار الدين كمعيار وليس الحضارة).
ومن الملاحظ أن هنتنغتون لا يستعمل الدين كمقياس في تصنيف الحضارات إلاّ عندما يتعلق الأمر بالإسلام فقط. ومع أن هنتنغتون يتكلم بإسهاب عن صدام الحضارات المختلفة مثل الصدام بين المسيحية الشرقية والغربية والصراع بين الغرب والحضارة الكونفوشية في الصين، وكذلك الصراع مع الهند وأوروبا الشرقية والصراع مع الحضارة الأمريكية اللاتينية وروسيا. إلاّ أننا نراه يلجأ بأسلوب يقترب من السذاجة والتلاعب باللغة والألفاظ إلى التقليل من شأن كافة الصراعات. مثل قوله عن الهند أن هذه الحضارة ستكون مشغولة بصراعاتها الداخلية وسوف لن تشكل خطراً على الغرب وكأن الحضارة الإسلامية ليس فيها صراعات داخلية وحروب (أنظر الشطط المنهجي) أو أن الحضارة الأمريكية اللاتينية هي قريبة من النموذج الغربي وهي في طريقها إلى الإندماج مع الحضارة الغربية عما قريب، وهو يتناسى ويتجاهل هرولة العديد من الدول الإسلامية وأوضحها تركيا نحو الغرب ومحاولة الانخراط في الحضارة الغربية. الواقع أن هنتنغتون يقع في مطب السذاجة واللجوء إلى الحيل هنا وهناك من أجل الوصول إلى النتيجة التي وضعها نصب عينية مقدماً وهي الترويج وإبراز جانب الصراع بين الغرب والإسلام وهنا التوجه لا يخدم سوى توجهات النيوليبراليين في أمريكا. ويتجلّى هذا التنظير المغرض في أوضح صوره حين يصل هنتنغتون إلى الهدف النهائي من نظريته والتي يصوغها في عبارات تفوح منها رائحة الأدلجة والأغراض السياسية المكشوفة وهي بيت القصيد في كل ما قاله هنتنغتون:
• إن الاختلاف بين الحضارات حقيقة واقعة وأن الصراع بين الحضارت سيحل محل الصراع الأيديولوجي وغيره من أشكال الصراع الأخرى .
• أن المحور البارز في السياسة الدولية سيكون الغرب وما عداه وأن البؤره المركزية للصراع العالمي سيكون بين الغرب والحضارتين الكونفوشية والإسلامية .
ثم ينتقل هنتنغتون بعد كل المغالطات السابقة التي ساقها إلى الحديث عن الاحتياطات الضرورية الواجب على الغرب أن يتخذها على المدى القريب والبعيد (وهذا هو الجزء الأهم والهدف من النظرية بكاملها).
يقول أنه يتوجب على الغرب أن يعمل على تحقيق أكبر قدر من التعاون والوحدة بين مكونات حضارته الأوروبية الأمريكية وأن يعمل في الوقت نفسه على إدماج أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية في حضارته وأن يعمل على تعزيز التعاون مع روسيا واليابان وعدم الإقدام على تخفيض الأسلحة حفاظاً على التفوق العسكري على الرابطة الكونفوشية والإسلامية والتي يجب وضع حدود لتوسعها العسكري مع استغلال الخلافات بين الدول المكونة لهذه الرابطة، وعلى المستوى البعيد فيجب على الغرب أن يحافظ على قوته الاقتصادية والعسكرية اللازمة لحماية أمنه وحضارته. وفي الوقت نفسه يسعى إلى تحجيم وقهر هذه الحضارات وأن يسعى إلى احتواء هذه الحضارات عن طريق اختراقها من الداخل ومن الخارج.
والحقيقة أن هنتنغتون يتكلم عن الخطر الإسلامي بصفته هو الخطر الأهم والأخطر والذي يتمثل (بالإرهابيين الإسلاميين). وربما أن إقحام الحضارة الصينية الكونفوشية في نظريته كعدو للغرب كان من باب التموية والتغطية والألاعيب لكي لا ينكشف الهدف الحقيقي من هذه النظرية وهو الترويج لسياسة النيوليبراليين المتصهينين في معاداة الإسلام وحضارة الإسلام. ومع أن هنتنغتون صور هذا الصراع والصدام كأمر حتمي وحلّ وحيد لا مفرّ منه إلاّ أن الجابري يكشف هذه الحيلة التي لجأ إليها هنتنغتون ويقدم بدلاً منها بدائل محتملة لمستقبل العالم بعيداً عن الصراع والصدام ولا يخفى على أحد أن الترويج للصراع والصدام هو بالأساس يبرر الإبقاء على تطوير القوى العسكرية وبالتالي ضرورة صرف ما يلزم من الأموال في سبيل ذلك. علماً أن أمريكا لديها ميزانية تسليح هي الأضخم في العالم والتي تجاوزت النصف ترليون دولار وهي تدفع من أموال الشعب الأمريكي التي كان من المفترض أن تذهب لصرفها على التعليم والصحة والضمان الاجتماعي والواقع أن الجابري يطرح بديلاً موضوعياً لنظرية صدام الحضارات يتمتع بحجية عالية وتماسك فكري أكثر من نظرية هنتنغتون وهو بالتأكيد ليس مغرضاً مثل هنتنغتون في السعي إلى تأجيج الصراع في العالم وجعل العالم أكثر شحونة وخطراً. وتتلخص مثلاً في المشروع الذي قدّمه غراهام فولر المسمى حوار الحضارات في ثلاث أمور: 1- مراجعة القيم والمفاهيم الغربية لجعلها تتلاءم أكثر مع التطورات الجديدة. 2- ترك العالم الثالث يسلك طريقه نحو التحديث. كل حسب الطريقة التي يختارها والتعامل بصورة إيجابية مع الدول التي تحقق تقدماً اقتصاديا في الإطار الغربي. 3- مساعدة الدول التي لا تستطيع تحقيق مثل ذلك التقدم حتى لا تجر النظام العالمي إلى مواجهة بين الغرب وغيره من الأنظمة.
ومع أن المشروع السابق لا زال ينطلق من نفس المنطلق وهو أن المستقبل سيشهد قيام أيدلوجيا معادية للغرب إلاّ أنهُ يدعو إلى الحوار وليس إلى الصدام والحروب.
والجابري يورد أدلة تؤكد أن ما يحرك الغرب في سياساته ليس الدوافع الحضارية بل أن المصالح هي التي تحرك الغرب وسياساته المستقبلية. وهو يقول (الغرب مصالح ولا شيء غير المصالح. والغرب لا يخاف من أي جهة دولية إلاّ بالقدر الذي تهدد مصالحه(
هكذا يفسّر الجابري العدوان الثلاثي على مصر 1956، وانقلاب الغرب على الدول الإسلامية بعد قطع النفط في 1973، وإطاحة الغرب بمصدق في إيران في الخمسينات الذي حاول استرجاع الثروة النفطية إذن ما يحرك الغرب هو المصالح. وبرأينا أن هذه الفرضية أكثر حجبة من فرضية صدام الحضارات المغرضة.
والجابري ينهي نقده لنظرية صدام الحضارات بالتركيز على الصراع الطبقي بدل الصراع الحضاري ويعتقد أن الصراع الطبقي بين المستغِلين والمستغَلين، بين الأسياد والعبيد هو الذي سيهيمن على مستقبل العالم. وهو يتجاوز صراع الحضارات وحتى حوار الحضارات إلى ما أسماه ( حوار النقابات مع أصحاب المؤسسات) وأن أي شيء عداه هو عبارة عن ذر الرماد في العيون.

غاندي

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز محمد333ساس

موهانداس كرمشاند غاندي (بالإنجليزية:Mohandas Karamchand Gandhi)؛ (2 أكتوبر 1869 – 30 يناير 1948) كان السياسي البارز والزعيم الروحي للهند خلال حركة استقلال الهند. كان رائداً للساتياغراها وهي مقاومة الاستبداد من خلال العصيان المدني الشامل، التي تأسست بقوة عقب أهمسا أو اللاعنف الكامل، والتي أدت إلى استقلال الهند وألهمت الكثير من حركات الحقوق المدنية والحرية في جميع أنحاء العالم. غاندي معروف في جميع أنحاء العالم باسم المهاتما غاندي (بالسنسكريتية : महात्मा المهاتما أي ‘الروح العظيمة’، وهو تشريف تم تطبيقه عليه من قبل رابندراناث طاغور، [1] وأيضاً في الهند باسم بابو (بالغوجاراتية : બાપુ بابو أي “الأب”). تم تشريفه رسمياً في الهند باعتباره أبو الأمة؛ حيث أن عيد ميلاده، 2 أكتوبر، يتم الاحتفال به هناك كـغاندي جايانتي، وهو عطلة وطنية، وعالمياً هو اليوم الدولي للاعنف.

قام غاندي باستعمال العصيان المدني اللاعنفي حينما كان محامياً مغترباً في جنوب أفريقيا، في الفترة التي كان خلالها المجتمع الهندي يناضل من أجل الحقوق المدنية. بعد عودته إلى الهند في عام 1915، قام بتنظيم احتجاجات من قبل الفلاحين والمزارعين والعمال في المناطق الحضرية ضد ضرائب الأراضي المفرطة والتمييز في المعاملة. بعد توليه قيادة المؤتمر الوطني الهندي في عام 1921، قاد غاندي حملات وطنية لتخفيف حدة الفقر، وزيادة حقوق المرأة، وبناء وئام ديني ووطني، ووضع حد للنبذ، وزيادة الاعتماد على الذات اقتصادياً. قبل كل شيء، كان يهدف إلى تحقيق سواراج أو استقلال الهند من السيطرة الأجنبية. قاد غاندي أيضا أتباعه في حركة عدم التعاون التي احتجت على فرض بريطانيا ضريبة على الملح في مسيرة ملح داندي عام 1930، والتي كانت مسافتها 400 كيلومتر. تظاهر ضد بريطانيا لاحقاً للخروج من الهند. قضى غاندي عدة سنوات في السجن في كل من جنوب أفريقيا والهند.

وكممارس للأهمسا، أقسم أن يتكلم الحقيقة، ودعا إلى أن يفعل الآخرون الشيء ذاته. عاش غاندي متواضعا في مجتمع يعيش على الاكتفاء الذاتي، وارتدى الدوتي والشال الهنديين التقليديين، والذين نسجهما يدوياً بالغزل على الشاركا. كان يأكل أكلاً نباتياً بسيطاً، وقام بالصيام فترات طويلة كوسيلة لكل من التنقية الذاتية والاحتجاج الاجتماعي.