أ.د. أحمد محمد وهبان

نجيب محفوظ

كاتب الموضوع الأصلي: خالد الشهري 3332

نجيب محفوظ روائي مصري، هو أول عربي حائز على جائزة نوبل في الأدب. وُلد في 11 ديسمبر 1911، وتوفي في 30 أغسطس 2006 كتب نجيب محفوظ منذ بداية الأربعينيات واستمر حتى 2004 تدور أحداث جميع رواياته في مصر، وتظهر فيها ثيمة متكررة هي الحارة التي تعادل العالم. من أشهر أعماله الثلاثية وأولاد حارتنا التي مُنعت من النشر في مصر منذ صدورها وحتى وقتٍ قريب. بينما يُصنف أدب محفوظ باعتباره أدباً واقعياً ، فإن مواضيع وجودية تظهر فيه محفوظ أكثر أديبٍ عربي حولت أعماله إلى السينما والتلفزيون.
سُمي نجيب محفوظ باسمٍ مركب تقديراً من والده عبد العزيز إبراهيم للطبيب أبوعوف نجيب باشا محفوظ الذي أشرف على ولادته التي كانت متعسرة .
وُلد نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا في القاهرة والده الذي كان موظفاً لم يقرأ كتاباً في حياته بعد القرآن غير حديث عيسى بن هشام لأن كاتبه المويلحي كان صديقاً له، وفاطمة مصطفى قشيشة، ابنة الشيخ مصطفى قشيشة من علماء الأزهر وكان نجيب محفوظ أصغر إخوته، ولأن الفرق بينه وبين أقرب إخوته سناً إليه كان عشر سنواتٍ فقد عومل كأنه طفلٌ وحيد كان عمره 7 أعوامٍ حين قامت ثورة 1919 التي أثرت فيه وتذكرها فيما بعد في بين القصرين أول أجزاء ثلاثيته.
التحق بجامعة القاهرة في 1930 وحصل على ليسانس الفلسفة، شرع بعدها في إعداد رسالة الماجستير عن الجمال في الفلسفة الإسلامية ثم غير رأيه وقرر التركيز على الأدب. انضم إلى السلك الحكومي ليعمل سكرتيراً برلمانياً في وزارة الأوقاف (1938 – 1945)، ثم مديراً لمؤسسة القرض الحسن في الوزارة حتى 1954 وعمل بعدها مديراً لمكتب وزير الإرشاد، ثم انتقل إلى وزارة الثقافة مديراً للرقابة على المصنفات الفنية. وفي 1960 عمل مديراً عاماً لمؤسسة دعم السينما، ثم مستشاراً للمؤسسة العامة للسينما والإذاعة والتلفزيون. آخر منصبٍ حكومي شغله كان رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للسينما (1966 – 1971) ، وتقاعد بعده ليصبح أحد كتاب مؤسسة الأهرام
تزوج نجيب محفوظ في فترة توقفه عن الكتابة بعد ثورة 1952 من السيدة عطية الله إبراهيم، وأخفى خبر زواجه عمن حوله لعشر سنوات متعللاً عن عدم زواجه بانشغاله برعاية أمه وأخته الأرملة وأطفالها. في تلك الفترة كان دخله قد ازداد من عمله في كتابة سيناريوهات الأفلام وأصبح لديه من المال ما يكفي لتأسيس عائلة. ولم يُعرف عن زواجه إلا بعد عشر سنواتٍ من حدوثه عندما تشاجرت إحدى ابنتيه أم كلثوم وفاطمة مع زميلة لها في المدرسة، فعرف الشاعر صلاح جاهين بالأمر من والد الطالبة، وانتشر الخبر بين المعارف .
بدأ نجيب محفوظ الكتابة في منتصف الثلاثينيات، وكان ينشر قصصه القصيرة في مجلة الرسالة. في 1939، نشر روايته الأولى عبث الأقدار التي تقدم مفهومه عن الواقعية التاريخية. ثم نشر كفاح طيبة ورادوبيس منهياً ثلاثية تاريخية في زمن الفراعنة. وبدءاً من 1945 بدأ نجيب محفوظ خطه الروائي الواقعي الذي حافظ عليه في معظم مسيرته الأدبية برواية القاهرة الجديدة، ثم خان الخليلي وزقاق المدق. جرب محفوظ الواقعية النفسية في رواية السراب، ثم عاد إلى الواقعية الاجتماعية مع بداية ونهاية وثلاثية القاهرة. فيما بعد اتجه محفوظ إلى الرمزية في رواياته الشحاذ، وأولاد حارتنا التي سببت ردود فعلٍ قوية وكانت سبباً في التحريض على محاولة اغتياله. كما اتجه في مرحلة متقدمة من مشواره الأدبي إلى مفاهيم جديدة كالكتابة على حدود الفنتازيا كما في روايته (الحرافيش، ليالي ألف ليلة) وكتابة البوح الصوفي والأحلام كما في عمليه (أصداء السيرة الذاتية، أحلام فترة النقاهة) واللذان اتسما بالتكثيف الشعري وتفجير اللغة والعالم، وتعتبر مؤلّفات محفوظ من ناحية بمثابة مرآة للحياة الاجتماعية والسياسية في مصر، ومن ناحية أخرى يمكن اعتبارها تدويناً معاصراً لهم الوجود الإنساني ووضعية الإنسان في عالم يبدو وكأنه هجر الله أو هجره الله، كما أنها تعكس رؤية المثقّفين على اختلاف ميولهم إلى السلطة .
تُوفي نجيب محفوظ في بدايه 30 أغسطس 2006 إثر قرحة نازفة بعد عشرين يوماً من دخوله مستشفى الشرطة في حي العجوزة في محافظة الجيزة لإصابته بمشاكل في الرئة والكليتين. وكان قبلها قد دخل المستشفى في يوليو من العام ذاته لإصابته بجرح غائر في الرأس إثر سقوطه في الشارع .

المياه الإقليمية

كاتب الموضوع الأصلي: راكان الركف 6

المياه الإقليمية مناطق مياه البحار والمحيطات التي تمتلك دولة ما حق السيادة عليها. وتتضمن هذه الحقوق: التحكم في الصيد، والملاحة، والشحن البحري، علاوة على استثمار المصادر البحرية، واستغلال الثروات المائية الطبيعية الموجودة فيها. معظم الدول المائة والعشرين التي لها حدود على البحار قد حددت ما بين 12 ميلاً بحريًا إلى عدة أميال بحرية مياهًا إقليمية لبلدانها.

وتتضمن المياه الإقليمية لبلد ما: مياهه الداخلية وبحاره الإقليمية. وتتضمن المياه الداخلية: البحيرات، والأنهار والمياه التي تشتمل عليها المناطق الساحلية والخلجان. ويقع البحر الإقليمي لبلد ما وراء شاطئه، أو وراء حدود مياهه الداخلية.

المياه دولية ..

كاتب الموضوع الأصلي: راكان الركف 6

أعالي البحار أو المياه الدولية هي مناطق المحيطات التي تقع خارج سلطة أي دولة. وتبدأ بشكل عام بعد 200 ميل بحري (يساوي الميل البحري حوالي 1.9 كلم)، من سواحل الدول المتاخمة للمحيطات. أما مناطق المحيطات التي تمارس الدول سلطتها عليها، فتسمى المياه الإقليمية.

في القانون الدولي، تعتبر أعالي البحار مفتوحة أمام أي دولة للصيد، والسفر، والبحث. وجميع الدول لها حقوق متساوية في أعالي البحار، ويجب أن تحترم كل منها حقوق الدُّول الأخرى.

ويسمح القانون الدولي أثناء الحرب، للدول المحايدة، أن تواصل التجارة مع الدول الأخرى المحايدة، ومع الدول المتحاربة. ومع ذلك ففي مثل هذه الأوقات، يفترض ألاّ تنقل سفن الدول المحايدة التّجارة المحظورة في الحرب، (البضائع غير القانونية)، وتقرر الدول المتحاربة، المواد التي تعتبرها مهربات حرب.

وهناك جدل طويل بين الدول، حول قانون البحر. فبين عامي 1986 و1982م، أصدرت الأمم المتحدة قوانين البحر، التي قد ترضي جميع الدول. وقد أدى هذا العمل إلى إقرار اتفاقية قانون البحر عام 1982م. وقد وُقِّعت أكثر من مائة من الدول الأعضاء في منظومة الأمم المتحدة على الاتفاقية. ولا تصبح هذه الاتفاقية رسمية إلا إذا صّدقت عليها 60 دولة.

وبوجه عام، تُعطي هذه الاتفاقية الدول الحقوق القصرية في التنقيب عن البترول، والغاز حتى مسافة 350 ميلاً بحريًا (648 كم) من الشاطئ، والصيد في حدود 200 ميل بحري، (370كم) من سواحلها، وفي حدود هاتين المائتي ميلٍ بحريّ، والتي تسمى المنطقة الاقتصادية الخالصة، يكون لجميع الدول حقوق أعالي البحار الخاصة بالملاحة، والطيران، ولكن تتحكم الدول الساحلية في جميع المصادر الاقتصادية في هذه المنطقة. وتتفق معظم الدول، على عدم اعتبار حق التعدين جزءًا من الحرية البحرية، ولكن يمكن أن ينشأ هذا الحق، بمقتضى نصوص معاهدة.

ولهذا؛ لم تصبح الاتفاقية سارية إلا في عام 1994م. ومن الدول التي لم تصدق عليها: الولايات المتحدة الأمريكية وكندا. ورغم أن معظم نصوص المعاهدة هي بالفعل متبعة الآن.

العقد الأجتماعي لدى توماس هوبز

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الجنيدل 20

توماس هوبز والعقد الإجتماعي
– حياته/
ولد توماس هوبز في إنكلترا عام 1588 ودخل أكسفورد وهو في الخامسة عشرة، ومكث بها خمس سنوات يتلقى المنطق المدرسي والطبيعيات دون كبير اهتمام. ثم أخذ يطالع الآداب القديمة وبخاصة المؤرخين والشعراء.
وعمل في خدمة (بيكون) كاتماً لسره ومعاوناً له في نقل مؤلفاته إلى اللاتينية وفي سنة 1629 نشر ترجمة لتاريخ (توكيديد) حيث تبدو الديمقراطية سخيفة أشد السخف على حد قوله.
ولم يكتب شيئاً في الفلسفة حتى بلغ سن الأربعين.
سافر إلى فرنسا وأقام بها سنتين (1629- 1631) فعرف فيها مبادئ أقليدس. ولم يكن درس الرياضات من قبل. وأعجب بالمنهج القياسي وعول على إصطناعه. ثم عاد مرة أخرى إلى باريس فقوبل بالأوساط العملية الباريسية باعتباره فيلسوفاً مذكوراً.
اتضحت معالم فلسفة هوبز عام 1640 خلال نشره كتاب (مبادئ القانون الطبيعي السياسي)، بعدها بعشر سنوات نشر هوبز كتاب (لاوثيان) أو المجتمع الكنيسي والموثي مادته وصورهُ وسلطهُ. ولأوثيان هوالتنين الهائل المذكور في سِفر أيوب ويقصد به هوبز الحكم المطلق.
تأثرت فلسفة هوبز بالثورة البرجوازية في القرن السابع عشر، فمن خلالها يرى البعض إن هوبز فيلسوفاً مادياً إنكليزياً. فضلاً عن ذلك كان هوبز معلماً للملك شارل الأول، وقد دافع في كتابه المشار اليه (لاوثيان) عن الحكم المطلق وكان يؤيد بذلك حكم آل ستيوارت في إنكلترا. 1
– أراءه في العقد الاجتماعي/
يرى هوبز في كتابه (لاوثيان – التنين) إن الناس بطبعهم أنانيون تماما يلتمسون بقائهم وسلطاتهم والحصول على القوة. ولقد قال هوبز بحياة فطرية سابقة عن نشأة الجماعة، ولكنها حياة فوضى وصراع أضطر الأفراد معها على التعاقد لإنشاء الجماعة السياسية وهذا التعاقد تم فيما بينهم واختاروا بمقتضاه حاكما لم يكن طرفاً في العقد ولم يرتبط لذلك تجاههم بشئ، وخصوصاً إن الأفراد تنازلوا بالعقد عن جميع حقوقهم الطبيعية. وترتب على ذلك أن السلطان الحاكم غير مقيد بشيء وهو الذي يضع القوانين ويعدلها حسب مشيئته وانتهى إلى تفضيل النظام الملكي على النظامين الأرستقراطي والشعبي.
يرى هوبز إن مسيرة الإنسان كلها قائمة على غريزة حب البقاء ويعتقد إن من الخطأ الاعتقاد بغريزة إجتماعية تحمل الإنسان على الإجماع والتعاون. وإنما الأصل أو (الحالة الطبيعية) إن الإنسان ذئب للإنسان وإن الكل في حرب ضد الكل.
فضلاً على ذلك, ويذهب إلى القول بأن الحاجة استشعار القوة يحملان الفرد على الاستئثار بأكثر ما يستطيع الظفر به من خيرات الأرض وإن أعوزتهُ القوة لجأ إلى الحيلة، يشهد بذلك ما تعملهُ عن أجدادنا البرابرة وعن المتوحشين وماتتخذه جميعاً من تدابير الحيطة وأساليب العدوان، وما نراه في علاقات الدول بعضها ببعض، ما تصنعه الحضارة تحجب العدوان بشعار (الأدب) وأن تستبدل العنف المادي بالنميمة والإفتراء، والانتقام والقانون.
كانت تجربة الحرب الأهلية الإنكليزية عام (1640) قد جعلت هوبز يستنتج إن الناس لا يملكون القدرة على حكم أنفسهم أو الحكم الذاتي، وكان يرى أن الناس في حالتهم الطبيعية، أو كما تخيل وجودهم من غير حكومة، كانوا في حالة خصام وفوضى وهياج على الدوام في حروبهم بعضهم مع البعض الآخر ولقد عبر عن ذلك بقوله (إن الحياة في حالة الفطرة والطبيعة كانت مقفرة، كريهة، قصيرة).
لقد توصل الناس، تخلصا من الخوف المستحوذ عليهم من بعضهم البعض، ورغبة منهم في الحصول على النظام والأمن والتمتع بمزايا القانون والحق، إن نوع من الإتفاق أو العقد تنازلوا بمقتضاه عن حريتهم في العمل وأوكلوها إلى يد الحاكم. وكان من الضروري أن يملك هذا الحاكم سلطة مطلقة غير مقيدة إذ وحده يستطيع حفظ النظام

وهكذا كان هوبز يدافع عن الحكم المطلق، ولكن ليس باسم الحق الإلهي للملوك، بل باسم مصلحة الأفراد وبقاء السلم. انه يجعل الحكم دنيويا ويدل على منفعته.
اعتبر هوبز من خلال مؤلفة (لوثيان – التنين) داعية الحكم العلماني المطلق وأحد أعلام أصحاب نظريات السلطة المطلقة للدولة. وكان أثره عظيماً على المفكرين اللاحقين إذ صار جميع المشتغلين بالنظريات السياسية وبعده يعدّون الحكومة نظاما خلفتة أغراض الإنسان ومصالحة.
ولم تعد الحكومة جزءاً من نفحة إلهية مقدسة إذا استثنينا عامة الناس المحترفين من علماء اللاهوت. وقد أثر هوبز تأثيراً سلبياً على من أعقبة من رجال الفكر بما ساقة من حجج تبرر السيادة المطلقة حيث أجبرهم على تنفيذ رأية في السلطة المطلقة غير المحدودة.
في هذه الفترة لابد من التمييز بين عدة مراتب في تاريخ الحكم.
أولاً: – الحالة الطبيعية، وهي بالنسبة لهوبز حالة حرب وفوضى إن الناس هنا متساوون بالطبيعة. وعن المساواة ينبثق الحذر، وعن الحذر تنشأ الحرب بين الناس. الحياة عزلة فقيرة، حيوانية وقصيرة ومفهوم العادل الجائر لا وجود له. وكذلك الملكية أيضاً. إن هوبز يقع في تناقض هنا إذ يعارض الحق الطبيعي.
ثانياً: – ومع كل هذا، يوجد حق طبيعي وقوانين طبيعية، ولكن هذه المفاهيم ليس لها عنده نفس المدلول الموجود عند منظري الحق الطبيعي يرى هوبز انه في حالة (الطبيعة) حيث يكون كل إنسان عدواً لكل إنسان، ليس هناك مكان للعمل الكادح،
لأن ثمرة ذلك غير محققة.
ونتيجة لهذا لن يكون هناك فلاحة للتربة ولا ملاحة ولا بناء مريح ولا معرفة ولا فنون ولا آداب.
ولكن الناس أحرزوا، بعد ذلك، ما في أيديهم من الخيرات بقبولهم فكرة هيمنة الحكومة بحيث أصبحوا يتقبلون تلك الحكومة ويواصلون العمل بها كأنما هناك عقد اجتماعي فيما بينهم، دون أن يكون موجودا في الواقع.
أما حق الطبيعة فانه يمت بصلة إلى غريزة البقاء.. حرية الفرد في استعمال قدرته الذاتية كما يشاء من أجل حفظ طبيعته الذاتية أي حفظ حياته الخاصة.
أما القانون الطبيعي فهو حكمة أو قاعدة عامة مكتشفة من قبل العقل. ومن أجل تأمين السلم والأمن، ليس في يد الناس وسيلة أفضل من إقامة عقد فيما بينهم ثم تسليم الدولة بالاتفاق المتبادل الحقوق التي إذا احتفظ الأفراد بها أعاقه سلم البشرية.
على كل حال، كانت حجج هوبز، من بعض الوجوه غير كافية لدعم الملوك المستبدين، لقد كره هوبز الخصام وأعمال العنف وكان دفاعه عن الحكم المطلق قائماً على الحاجة إلى هذا النظام لتوفير السلام الداخلي وطمأنينة الأفراد وسيادة القانون. قرر كذلك أن السلطة المطلقة اعتمدت على اتفاق اختياري عقلي قبلها الشعب بمقتضاه وان الحكومة المطلقة التي تخرج عن شروط هذا الاتفاق خروجاً صريحاً واضحاً يصعب تبريرها حتى وفقا لتعاليم ومبادئ هوبز. ومن هنا يختلف هوبز عن أنصار الحكم المطلق في أيامنا هذه.
يرى هوبز أن المجتمع السياسي ليس واقعة طبيعية، انه بالنسبة إليه الثمرة الاصطناعية لميثاق إرادي ولحساب مصلحي. كما ويرى أن السيادة تقوم على عقد. ومع ذلك فليس أمر عقد بين الملك ورعيته، بل بين الأفراد الذين قرروا أن يكون لهم ملك. وهو بدلاً من أن يحد السيادة يؤسسها على عقد. ثم ان العقد، في الأصل يخلق الرغبة في السلم وهذا بمثابة هم أساسي عند هوبز، في النهاية إن الواقع والهدف عند الذي يتخلى عن حقه أو يحوله ليس أمنه الشخصي في حياته وفي وسائل حفظ هذا الأمن.
هكذا تبدو الدولة كشخص (تعديدية) تكون شخصاً واحداً عندما تتمثل بإنسان واحد أو بشخص واحد.
شرط أن يتم ذلك برضى كل فرد وبصورة خاصة يرضي كل الذين يتكون منهم هذا الشخص ويرى هوبز ان الدولة مجموعة المصالح الخاصة. وعليها أن تدافع عن المواطن وهذا المواطن لا يتخلى عن حقوقه للدولة إلا من أجل حمايته والدولة تفقد مبرر وجودها إذا لم تأمن الأمن وإذا لم تحترم الطاعة. إن أي سلطة روحية لا تستطيع أن تعارض الدولة وليس بمقدور أحد أن يخدم سيدين. والملك ليس فقط أداة الدولة بكل كنيته، انه أيضاً يمسك باليد اليمنى (السيف) وباليد اليسرى عصا الأسقفية وهكذا تتثبت قدرة الدولة وأيضاً وحدتها ولا مكان للأجسام الوسيطة أو الأحزاب أو التكتلات. وحول هذه النقطة يسبق هوبز الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو.
ولا ينفك هوبز ينتقد فعل السلطات. وهو يدعم بقوة أطروحة السيادة المطلقة. ليس للملك أي قيد خارجي يحد من سلطته.
ان أخلاقية هوبز تقوم على اعتبارات منفعية. وهذه الأخلاقية ثابتة – وهي لا تدين بشيء للايمان المسيحي، ولا للولاء للملك، ولا بشيء للرغبة في حفظ المؤسسات أو المحافظة على المصالح المرتبطة بالملكية. يعتقد هوبز أنه في الدولة الأكثر تسلطاً يعرف الفرد أكمل تطوره. أنه يجد فيها مصلحته وسعادته ولذته ورفاهيته.
كانت سياسة هوبز في أعماقها عقلانية. وكانت مرتكزة على ثقافة علمية وكانت تعتبر السياسة علماً يجب تركيزه على المفاهيم العادلة وعلى التعاريف الدقيقة. وكانت فلسفته وسياسته مناوئة للأرسطية وهو يرفض الإيمان بالفكرات الفطرية الطبيعية وكان يؤكد على أهمية التعاريف والحدود والاشارات واللغة ((لو لا اللغة لما كان بين الناس دولة ومجتمع وعقد وسلم)).
كان هوبز يرفض اللجوء إلى ماهو فوق الطبيعي. وكل مؤلفاته هي محاربة ضد الأشباح وجهد للقضاء على القوى الخفية. ونهاية ((التنين)) هي في هذا الشأن ملفتة إلى أقصى حد. وربا يكمن هنا مفتاح العمل كله.
ينتقد هوبز في الفصل الأخير من كتابه هذا (لوثيان – التنين) والذي يقع تحت عنوان (مملكة الظلمات) علم الشياطين، والعزائم والرقيات والخوف من الشيطان، والأرباح التي يجنيها الكهنوت (رجال الدين) عن ذلك.
إن القلق البشري هو في أساس الدين ((إن الخشية من قوى خفية، سواء كانت وهما من الفكر أو تصوراً مأخوذاً عن العادات المقبولة عموماً)) هو الدين.
ولكن الطبيعة الإنسانية تشتمل على العقل إلى جانب الهوى. والعقل المستقيم يحمل الناس على التماس وسائل لحفظ بقائهم أفضل من التي يتوسل إليها الفرد ويجاهد وحده. والناس يستكشفون أن البلية عامة وأنه يمكن تلافيها بوسائل عامة فتبنت أول وأهم قاعدة خلقية وهي طلب السلم، فإن لم نفلح في تحقيقه وجب التوسل للحرب. وشرط السلم أن يتنازل كل فرد عن حقه المطلق في حال الطبيعة فيتنازل الأفراد عنه صراحة أو ضمناً إلى سلطة مركزية. وقد تكون فرداً أو هيئة تجمع بين يديها جميع الحقوق وتعمل الخير للشعب وتحمل الحياة السياسية محل حال الطبيعة.
هذا التعاقد يلزم وجوب الصدق والأمانة وعرفان الجميل والتسامح والإنصاف والشراكة فيما يتعذر اقتسامه، وفض الخلافات بالتحكيم. وبالجملة تلزم قواعد تلخص في العبارة المأثورة ((لا تصنع بالغير مالا تريد أن يصنع الغير بك)).
لذا كان القانون الخلقي الطبيعي إرادة الله الذي وهبنا العقل السليم وليس يكفي طاعة القواعد ظاهراً بل يجب طاعتها لذاتها والتشبع بها فإن القانون الخلقي يقيد الإنسان أمام ضميره وكل هذا معقول.
ولكن هوبز لا يصل إليه بالعدول عن الطبيعة الحسية إلى العقل السليم وليس العقل السليم مما يعترف به المذهب المادي كقوة خاصة لها قيمة خاصة.
ويجب أن تكون السلطة العامة مطلقة قوية إلى أبعد حد بحيث لا يعود الفرد بازائها شيئاً مذكوراً، ويكون واجب الخضوع المطلق، والا عدنا إلى الخصام والتنابذ.
في الواقع يمتنع حد السلطة السياسية. وهذا الحد يعني الاعتراف بالسلطة المطلقة للفرد أو الأفراد المخول إليهم حق مؤاخذة الحكومة أو خلعها. والملكية هي خير أشكال الحكومة. ومن مزاياها أن واحداً فقط قد يجاوز العدل ويسيء الحكم. وأنها تغني عن المنازعات الحزبية وتصون أسرار الدولة. أما الديمقراطية فما هي إلا أرستقراطية خطباء.
بعدها يرى هوبز دين الدولة واجب محتوم على كل مواطن. والدين بالإجمال ظاهرة طبيعية وهو ليس فلسفة ولكن شريعة لا تتحمل المناقشة بل تقضي الطاعة. وإلى هذا الحد من الإستبداد يذهب هوبز وكأنه أراد أن يدعم الحكم المطلق بأن يجعل منه حكم القانون الطبيعي.
لقد أحال ماكان واقعاً في بلاده إلى نظرية فلسفية.

جون لوك والعقد الإجتماعي (1632- 1704)
حياته
ولد جون لوك في انكلترا عام 1632 في منطقة بالقرب من بريستول. كان أبوه محامياً خاض غمار الحرب الأهلية دفاعاً عن البرلمان / فنشأ الابن على حب الحرية، وظل متعلقاً بها إلى آخر حياته دخل أول مرة في مدرسة ((وستمنستر)) ومكث بها ستة سنين تلقى اللغات ولما بلغ العشرين دخل أكسفورد وقضى بها ست سنين يتابع الدراسات المؤدية إلى الكهنوت.
لكنه لم يهتم بالفلسفة ألا حين قرأ ديكارت وجساندي. ودرس الطب ونشر رسالة في التشريح سنة 1688 وانتخب عضواً في الجمعية الملكية. اضطره النزاع بين حزب البرلمان وتشارل الأول إلى مغادرة إنكلترا فقدم إلى فرنسا مرتين 1672، 1675 ثم ذهب إلى هولندا سنة 1683 حتى نشوب ثورة 1688 عاد إلى وطنه في السنة التالية فعرض عليه الملك الجديد السفارة لدى براند ينورغ فطلب إعفائه بسبب حالته الصحية. ثم اعتزل الخدمة وفي هذا الشطر من حياته ساهم في جميع الحركات الفكرية التي كان يضطرب بها عصره وصنف بها كتبا هي ((رسالة إلى الاكليروس)) و((خواطر في الجمهورية الرومانية)).
و((في التسامح)) و((الحكومة المدنية)) و((خواطر في التربية)). 1وكانت شهرته قد ازدادت حتى عرفت أوربا كلها أنه ينصر الحرية.
كان لوك فيلسوفا وطبيباً ينتمي إلى عائلة طهرية (بيوريتانية) ذات منشأ متواضع.
اراء في العقد الإجتماعي
ينطلق لوك من فكرة مفادها أن الإنسان يولد وعقله على الفطرة ثم تجيء خبرته فتصبح الفطرة مكونة بذلك مصدر معرفته أي أنه ينكر فطرية الأفكار في العقل الإنساني ومادام الناس يولدون بلا مورثات عقلية، فهم سواسية لا يفرق بينهم إلا نوع تربيتهم.
يعتبر لوك أحد مؤسسي المذهب الحر الجديد. فهو يعارض هوبز في تصويره الإنسان قوة غاشمة، وتصوره حال الطبيعة حال توحشي يسود فيها قانون الأقوى – ويذهب إلى أن للإنسان حقوق مطلقة لا يخلقها المجتمع، وان حال الطبيعة تقوم في الحرية، أي أن العلاقة الطبيعية بين الناس علاقة كائن بكائن حر تؤدي إلى المساواة. والعلاقة الطبيعية باقية بغض النظر عن العرف الاجتماعي، وهي تقيم بين الناس مجتمعاً طبيعياً سابقاً على المجتمع المدني وقانوناً طبيعياً سابقاً على القانون المدني.
وعلى ذلك ليس لأحد حق فيما يزعم هوبز، ولكن حقهم ينحصر في تنمية حريتهم والدفاع عنها وعن كل ما يلزم منها حقوق مثل حق الملكية وحق الحرية الشخصية وحق الدفاع عنهما.
إن لوك بعكس هوبز يرى أن الملكية الخاصة موجودة في حال الطبيعة، وانها سابقة للمجتمع المدني وهذه النظرية حول الملكية تحمل عند لوك مكانة كبيرة.
إن حق الملكية حق طبيعي يقوم على العمل ومقدار العمل لا على الحيازة أو القانون الوضعي وليس حق فيما يكسبه المرء بتعبه ومهارته ولا تصبح الحيازة حقاً إلا إذا استلزمت العمل. على أن حق الملكية خاضع لشرطين الأول أن المالك لا يدع ملكيته تتلف أو تهلك والثاني أن يدع للآخرين ما يكفيهم.
يرى لوك أن الإنسان ((الحاذق العاقل)) وليست الطبيعة، في أساس كل ماله قيمة تقريباً إذ أن الملكية الطبيعية (خيرة) ليست بالنسبة للمالك ولكن بالنسبة إلى كل البشرية. من يمتلك أرضا بعمله لا ينقص بل يزيد بالموارد المشتركة للجنس البشري. ان أكبر سعادة تقوم لا على التمتع بالملذات الكبرى بل على تملك الأشياء التي تعطي أكبر السعادات، وهو بهذا يعرف ((المتعة الرأسمالية)) على حد تعبير ((ليوستروس)). ومن أجل ضمان الملكية يخرج الناس من الحالة الطبيعية ويكونون مجتمعاً مدنياً غايته الأساسية المحافظة على الملكية، ويقول ((لوك)) كل حكومة لا غاية لها غير الحفاظ على الملكية من خلال الإرادة والتشريع لا الحكم.
إن القوانين والقضاة والشرطة هي التي يحتاج إليها الناس في حالة الطبيعة. وهذا ما تجلبه لهم الحكومة المدنية والحكم السياسي إذا هو نوع من الوديعة سلمه مالكون إلى مالكين. والحكام إداريون في خدمة الجماعة ومهمتهم تقوم على تأمين الراحة والإزهار.
يتفق لوك مع هوبز بالقول إن الحكومة الصالحة هي إحدى ذرائع العقد البشري لا يختص بها إقليم مقدس أو تورث بالتقاليد والعادات القويمة. إن الدولة قامت على أساس من عقد أو اتفاق واع بين الحاكم والمحكوم وقد التزم لوك على خلاف هوبز، جانب البرلمان ضد الملك في صراع في الأمور السياسية، وأيضاً على خلاف هوبز أن الناس في حالة الفطرة الطبيعية عقلاء حسنوا التصرف يرغبون في التعاون مع الآخرين على الرغم من أن فقدان السلطة خلق منهم القوي والضعيف. وللناس كذلك إحساس خلقي مستقل عن الحكومة ومنفصل عنها، وهم يملكون بحكم الطبيعة حقوقاً معينة لا علاقة لها بوجود الدولة مطلقاً، وهذه الحقوق هي حق الحياة والحرية والتملك
في نظريته عن سلطة الدولة والقانون، يضع لوك فكرة الإنتقال من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية والأشكال المختلفة للحكومة. وعنده إن الغرض من الدولة هو الحفاظ على الحرية والملكية اللتين تكتسبان عن طريق العمل. ومن ثم فإن الحكومة لا يجوز أن تكون تعسفية. وهذا يقسمها إلى تشريعية وتنفيذية واتحادية. وقد كانت نظريته في الدولة محاولة لتكييف النظرية مع الشكل السياسي للحكومة اللذين اتخذتا في إنكلترا نتيجة الثورة البرجوازية. إن لوك يرى الناس في حالة طبيعية ليسوا كلهم قادرين على أن يحملوا الجميع على إحترام حقوقهم الطبيعية ولايستطيع بمجهودهم الخاص حماية ما يعود إليهم أي حماية ملكيتهم لهذا إتفقوا في ما بينهم على إقامة حكومة تلزم الناس بالمحافظة على إحترام حقوق الجميع. وهكذا نشأت الحكومة بمقتضى عقد ولكنه ليس عقداً غير مشروط كما ذهب إلى ذلك هوبز.
وإنما يفرض التزامات متقابلة. فينبغي على الشعب أن يكون عاقلاً مدركا.
فالمخلوقات العاقلة وحدها تستحق الحرية السياسية.
هذا العقد يفرض على الحكومة بعض الشروط والالتزامات.
فإذا ما خرجت حكومة ما عن أحكام العقد وهددت الحقوق الطبيعية فإنه يكون من حق المحكوم في هذه الحالة أن يعيد النظر في ما أقدم عليه من خلق هذه الحكومة وله عند الضرورة القصوى أن يثور عليها.
يرى لوك إن للمحكومين أن يثوروا إذا ما سلبت السلطة الحقوق الطبيعية وخصوصاً الحرية والملكية الفردية لكن استعمال حق المقاومة في نظره لا يهدف إلى تحقيق الأماني الشعبية بل إلى الدفاع عن النظام العام.
ونظرية لوك هنا مستمدة من مصادر محافظة.
والاعتراف بحق المقاومة حر ووسيلة لحمل الأخير على التفكير تسمح بإبعاد خطر الثورة الشعبية ولاتشكل مطلقاً دعوة إلى العصيان.
إن معنى الحرية الشخصية عند لوك هو أنه ليس هناك سيادة طبيعية لأحد على الآخر. إن سلطة الأب أعطيت له لكي يربي الإبن ويجعل منه إنساناً أي كائناً حراً. فهي واجب طبيعي أكثر منه سلطة وهي مؤقتة ولا تشبه في شيء سلطة السيد على العبد، وتفقد بسوء الاستعمال والتقصير.
إن السلطة السياسية تراضي مشترك وعقد إداري، ذلك لأن أعضاء المجتمع متساوون عقلاً وحدية بخلاف الحال في علاقة الآباء والأبناء. فأساس المجتمع الحرية، والغرض من العقد الإجتماعي صيانة الحقوق الطبيعية لا محوها لمصلحة الحاكم كما يزعم هوبز، فلا يستطيع الأعضاء أن يتنازلوا إلا عمّا يتنافر في حقوقهم في حالة الاجتماع، ذلك هو حق الإختصاص. فالسلطة المدنية قضائية في جوهرها. لذلك لم تكن السلطة المطلقة الغاشمة مشروعة وإنما هي محض استعباد. والملك المستعبد خائن للعهد, والشعب في حلّ من ذلك.
إن فكرة السياسي عند لوك فكر علماني، وهو يفصل بين الزمن والروح، ويرى إن الآراء الدينية تتمتع بحق مطلق وشامل بالسماحة.
الواقع أن لوك لم يكن ثورياً رغم كونه منظراً لثورة. وكان يحذر من السيادة الشعبية كما يحذر من الملكية المطلقة، وكان همه الرئيسي النظام والأمن.
كانت فلسفة لوك بمثابة هجوم كبير على التقاليد والحكم التعسفي والسلطان الكنائسي بقدر ما كانت هذه الأشياء تدعم النظام القديم، ذلك النظام الذي هزم للمرة الأولى في عام 1640 كما هزم من جديد في عام 1688.
كانت فلسفته فلسفة الطبقة الوسطى النامية التي اصطدمت اصطداما مريراً باسرة ستيورت المالكة بالمجتمع الإرستقراطي وبرجال الدين كانت فلسفته تكافح من أجل الحصول على قدر من الحريات السياسية والاقتصادية من أجل حكومة دستورية، من أجل التسامح الديني.
كان ماعملهُ لوك هو تحويل إحدى الحوادث الهامة في التاريخ الانكليزي إلى حادثة ذات مغزى عالمي عام واستطاع بعض كبار اللوردات في إنكلترا عام 1688، بعد أن نالوا مؤازرة الكنيسة الرسمية والأعيان والتجار، أن يزيحوا ملكاً ((جيمس الثاني)) ويقيموا مكانه ملكاً آخر وفرضوا على الملك الجديد بعض الالتزامات التي نصت عليها (وثيقة اعلان الحقوق) والتي تتصل كلها بالتفسير القانوني أو الفني للدستور.
وضع لوك، بإقامته الحجة على أن البرلمان تصرف تصرفاً صائباً عند طرد جيمس الثاني، المسألة على أساس من العقل الطبيعي والفطرة الانسانية.

جان جاك روسو والعقد الاجتماعي (1712-1778)
حياته:
ولد جان جاك روسو jean – Jacques rousso في جنيف من أسرة فرنسية، احترف في أول حياته مختلف الحرف، لكنه عرف بعض الاستقرار في مدينة سافوي فاستطاع أن يتعلم الموسيقي واللاتينية والفلسفة، ثم ذهب الى مدينة البندقية حيث أصبح كاتباً لسفير فرنسا فيها وعاد إلى باريس وهو في الثالثة والثلاثين. في باريس اتصل (بريد رو) المفكر الفرنسي وكتب في موسوعته الجزء الخاص بالموسيقة.
في صيف 1749 قرأ إحدى الصحف إن أكاديمية ديجون تعرض للمسابقة هذه المسألة، هل تعاونت الفنون والعلوم على تصفية الأخلاق؟ فشرع يكتب على الفور في هذا الموضوع وقدم للأكاديمية ما كتب وأحرز الجائزة.
كان هذا هو أول الطريق الى شهرته العالمية. ثم أعلنت الأكاديمية إنها تضع للمسابقة هذا الموضوع (ما منبع تفاوت المراتب بين الناس)؟ وهل يقره القانون الطبيعي؟ فعقد العزم على الكتابة وأخرج كتابه الثاني (مقال في أصل التفاوت بين الناس)؟ وهل يقره القانون الطبيعي؟ فعقد العزم على الكتابة وأخرج كتابه الثاني (مقال في أصل التفاوت بين الناس) ولكنه لم يحصل على الجائزة ونشر الكتاب عام 1574، وبعد ثمان سنوات (1762) أخرج كتابين (العقد الاجتماعي) (في التربية) فأنكره السلطات الباريسية الكتاب الثاني وهمت بإعتقاله ففر إلى سويسرا ثم لجأ إلى النكلترا وسمع له أخيراً بالعودة على فرنسا حيث عاد وقضى بقية أيامه بحالة مضطربة.
آراءه في العقد الاجتماعي:-
يرى روسو إن الانسان طبيعي لا هو بالخير ولا هو بالشرير، وإن المساواةين الناس قد زالت بظهور الزراعة والصناعة والملكية. إن القوانين قد شرعت لتثبيت قوة الظالم على المظلوم، والناس يستطيعون تحقيق شيء من الحرية المدنية بدخولهم في تعاقد اجتماعي يجعل السيادة للمجتمع بأسره بحيث لا يجوز النزول عنها لأحد.
يفترض روسو إن الإنسان كان متوحداً في الغالب لا يعرف أهله ولعله لم يكن يعرف أولاده ولا لغة له ولا صناعة ولا فضيلة ولا رذيلة من حيث أنه لم يكن له مع أفراد نوعه أي علاقة يمكن أن تكون علاقة خلقية كان حاصلا بسهولة على وسائل ارضاء حاجاته الطبيعية ولم يصاب الا بالقليل من الأمراض قلما كان يحتاج إلى الأدوية لأن الصحة إنما تعتل بالإسراف في المعيشة وبالميول المصطنعة وما ينتج عنها من اجهاد جسمي وعقلي. يرى روسو ان الحرية هي التي تميز الإنسان أكثر من الفهم (الموجود في الحيوان إلى حد ما) ويقول ان الحيوان ينقاد لدافع الطبيعة ولكن الإنسان يرى نفسه حراً في الانقياد له أو مقاومته. ويعتقد روسو أن هوبز قد أخطأ في قوله أن حالة الطبيعة تتميز بالطمع والكبرياء، فإن هاتين العاطفتين لا تنشآن إلاّ في حالة الإجتماع، فالإنسان المتوحد كان كاملاً سعيداً لأن حاجاته قليلة.
يبدر هذا التساؤل عن كيفية خروج الإنسان من هذه الحالة؟ خرج الإنسان منها اتفاقاً بأن عرضت له أولاً اسباب طبيعة كالجدب والبرد والقيظ اضطرته إلى التعاون مع غيره من أبناء نوعه… تعاوناًموقتاً كان الغرض منه صيد الحيوان… ثم اضطرتهم الفيضانات والزلازل إلى الإجتماع بصفة مستديمة فاخترعت اللغة فتغير السلوك وبرز الحسد.
ان هذا الإجتماع بنوعيه، المؤقت والمستديم، يمثل في رأي روسو، حالة التوحش الخالية من القوانين وليس فيها ردع سوى خوف الإنتقام ولكن تطور حياة الإنسان واتساع ضروراتها أدى إلى نشوء حالة مدنية منظمة بالقوانين تثبت الملكية ويتوطد التفاوت بين الناس. وهكذا يتحول الإنسان الطيب بالطبع إلى شرير بالاجتماع.
إن الاجتماع قد أضحى ضروريا ومن العبث فضه والعودة إلى حالة الطبيعة.
وكل ما تستطيع صنعه هو أن تصلح مفاسده بأن تقيم الحكومة الصالحة وتهيئ لها بتربية المواطنين الصالحين. فمن الوجهة الأولى تعود المسألة إلى إيجاد ضرب من الإتحاد يحمى بقوة المجتمع شخص كل عضو وحقوقه ويسمح للكل وهو متحد بالكل بأن لا يخضع إلا لنفسه وبأن تبقى له الحرية التي كان يتمتع بها من قبل. لم تكن ملكية الأرض مضمونة بما فيه الكفاية. وكان لابد من تدبر وسائل جديدة لحمايتها. وقد لجأ الأغنياء إلى الحيلة للإيقاع بالفقراء وقد ابتكروا كما يقول روسو، أذكى خطة عندما قالوا للفقراء نتحد لكي نحمي الضعفاء من الظلم والجور، ونضع قوانين العدل والسلم وبدلاً من أن نستنفذ قوانا في الاقتتال نوحد أنفسنا في سلطة عليا وفق الشرائع الحكيمة… وهكذا قاد تأسيس الملكية الأرضية البشر إلى الميثاق الاجتماعي.
هذه المسألة التي يعالجها روسو في كتابه (العقد الاجتماعي) يذهب إلى أن هذا الفرض (الحريات والحقوق) ممكن التحقيق عندما تجمع الكثرة المفككة على أن تؤلف شعبا واحداً، وأن تحل القانون محل الإدارة الفردية وينزل عن نفسه وعن حقوقه للمجتمع بأكمله وهذا هو البند الوحيد للعقد الاجتماعي إذ بمقتضاه يصبح الكل متساوين في ظل القانون، والقانون ارادة الكل تقر الكلي أي المنفعة العامة وأن الشعب لا يريد إلا المنفعة العامة. فالإرادة الكلية مستقيمة دائماً ومن يأب الخضوع لها يرغمه المجتمع بأكمله.
كانت القوانين في البداية، على حد قول رسو، تفتقر إلى بعض الضوابط والمعايير الملزمة للأفراد وكان المجتمع بأسره يضمن احترامها والتقيد بها. لكن سرعان ما أوحى ضعف شكل الحكم هذا فكرة (توكيل أفراد معينين على الوديعة الخطيرة، السلطة العامة)
هكذا ظهر الولاة المنتخبون، بما أن الشعب وحَّد إرادته جمعاء في مشيئة واحدة، فيما يتصل بالعلاقات الاجتماعية، فإن كل ما وضع موضوعاً لهذه المشيئة صار للحال قانوناً أساسياً ملزماً لجميع أعضاء الدولة دونما استثناء. وهكذا نجد أن العقد الاجتماعي لا يتمخض، من منظور روسو عن تكوين المجتمع كتنظيم سياسي فحسب، وإنما يحدد أيضاً العلاقات المتبادلة بين الشعب وبين الذين انتخبهم كيما يحكموه.
لقد كان العقد أداة إرادية يتنازل به الأفراد عن حريتهم الطبيعية إلى كل فرد آخر، وأذابوا إرادتهم الفردية في إرادة عامة مشتركة واتفقوا على قبول أحكام هذه (الإرادة العامة) كأحكام نهائية قاطعة، وكانت هذه الإرادة العامة هي السلطة صاحبة السيادة، وإذا ما فهمت هذه السلطة فهما صادقا فإنها سلطة (مطلقة) و(مقدسة) ولا يمكن الخروج عليها. أما الحكومة فهي أمر ثانوي عرضي، فالملك والموظفون أو الممثلون المنتخبون ممثلون عن الشعب الذي يملك السلطة والسيادة.
إن العقد الاجتماعي عند روسو ليس عقداً بين أفراد (كما عند هوبز) ولا عقداً بين الأفراد والسلطات (كما عند لوك) فبموجب هذا العقد، كما يرى روسو، فأن كل واحد يتحد مع الكل فالعقد هو بين المجموعة بحيث يضع كل واحد شخصه وقدرته في الشراكة تحت سلطات الإرادة العامة, وسيكون كل شريك متحداً مع الكل ولا يتحد مع أي شخص بشكل خاص.
إن العقد الاجتماعي هو الشرط الضروري والملازم لكل سلطة شرعية ولكل ابرام هذا العقد يمثل في الوقت نفسه من منظور روسو مرحلة محددة من التطور التاريخي يشير إلى الانتقال من الحالة الطبيعية إلى المجتمع المدني، وان ما يخسره الإنسان من جراء العقد هو حريته الطبيعية والحق اللا محدود في كل ما يقربه وكل ما يستطيع أن يبلغه ويطوله
وما يربحه بالمقابل هو الحرية المدنية وهو تملكه لكل ما ملكته يده.
يتلخص جوهر العقد الاجتماعي على النحو الآتي، يضع كل واحد منا شخصه وكامل حقوقه تحت الأمرة العليا للمشيئة العامة وان غاية العقد الاجتماعي الحفاظ، ولا ريب على حياة المتعاقدين.
ولكن من يرغب بالحفاظ على حياته بمعونة الآخرين ملزم بالتضحية بها في سبيلهم عندما يقتضي الأمر ذلك إن الفرد إن يمنح نفسه للمجتمع، يستودعه أمواله أيضاً.
فروسو يذعن أن الميثاق الاجتماعي يجعل من الدولة مالكة أموال رعاياها كافة. غير أن الدولة التي تتقبل أموال رعاياها وممتلكاتهم لا تجردهم منها وإنما تضمن لهم تملكهم المشروع فالدولة وحدها قادرة على تحويل الإغتصاب إلى حق للتمتع على ملكية
ثم يأتي روسو على أهم جانب من جوانب نظرية وهو الجانب الذي يميزه عن النظريات الأخرى، فليس من المعقول في نظر روسو أن تتخيل عقداً يتعهد أحد الطرفين بموجبه أن يأمر، والثاني أن ينصاع، ان العقد الوحيد هو الذي يتولد عنه الحسم السياسي.
وكل عقد يحد من سلطة الشعب السائدة المطلقة يقوِّض أساس الميثاق الاجتماعي، ليس ممثلوا السلطة التنفيذية إذا كانوا قادة الشعب أو رؤساء، إنما هم موظفون عنده وهو من يعيينهم أو يسرِّحهم، ولا تقوم وظيفتهم على أساس بنود عقد محدد وإنما على أساس انصياعهم للواجب الذي تفرضه الدولة.
إن أشكال الحكم في نظر روسو ليست أكثر من أشكال تنظيمية للسلطة التنفيذية ومهما اختلفت أشكال الحكم، تبقى السلطة السيادية على الدوام. من حق الشعب، ولكن قد يعهد هذا الأخير بالسلطة التنفيذية أما إلى الجزء الأكبر من الشعب، وأما إلى عدد محدود صغير من الأشخاص، وأما إلى شخص واحد، ويطلق على الشكل الأول من أشكال الحكم اسم الديمقراطية وعلى الثاني الأرستقراطية، وعلى الثالث اسم الملكية.
اختار روسو الديمقراطية في حقبة لم تتواجد فيها الديمقراطية لا في الواقع ولا في الأفكار، وبما أن الشروط التاريخية للديمقراطية لم تكن متوفرة، وجد روسو نفسه مضطراً أما لقبول أيديولوجية اللبرالية البرجوازية التي كانت يومئذ الإيديولوجية السائدة (حرية، مساواة، ملكية) وأما بناء مدينة طوبائية لكنها في نفس الوقت عقلانية.
حاول روسو في (العقد الاجتماعي) أن يثبت إنهُ يستحيل في المجتمع الحر أن يحكم أي إنسان من قبل أي إنسان آخر، وكيف إن كل فرد هو في آن معاً رعيَّة ومواطنين، وإن السلطة الشرعية لابد أن تتبثق عن موافقة المحكومين، وإن السيادة تكمن في الإرادة العامة في اجتماع الأمة، وإن الذين يشغلون منصباً عاماً لا يؤدون مهامهم بمقتضى حقهم الخاص، أو حق موروث، وإنما بمقتضى سلطة أوكلتها إليهم، سلطة تمنح وتحسب.
الخاتمة:
هكذا نأتي الى نهاية بحثنا هذا عن العقد الاجتماعي وأبرز المنظرين فيه، بما في ذلك طرح نظرياتهم في هذا المجال، التي ظهرت خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوربا الغربية لاسيما في كل من إنكلترا وفرنسا.
فضلاً عن ذلك التركيز على الجهود التي بذلها أصحاب هذه النظريات التي كانت قياساً إلى العصر الذي عاشه كل منهم جهوداً جبارة حملت معها مخاطر شديدة. فعلاً إن هذه النظريات والأفكار لم تكن تروق لأصحاب النفوذ والسلطة المطلقة الذين رأوا فيها اختزالاً لأدوارهم وشخصياتهم وتأثيراتهم. إن هذه النظريات كانت محفزاً وملهماً لكثير من الأفكار والنظريات الفلسفية والسياسية التي ظهرت بعد انتشارها. فقد كانت مصدر الهام للثورتين الأمريكية سنة 1776 والفرنسية 1789 مثلما كانت مصدر إلهام للأحزاب التي ظهرت بعد أحداث الثورة الفرنسية وكانت مؤشراً على بداية النهاية لحكومات المطلقة التي ظلت تهيمن على مقاليد الأمور في أوربا. طيلة قرون أما بإسناد من الكنيسة أو بقوة طغيانها المدني وحده.
إن العالم الحديث وحركات التحرر مدينة بصورة مباشرة وغير مباشرة لنظريات العقد الإجتماعي التي نبهت الشعوب إلى أن لها دوراً في حياة أفرادها والكلمة الفاصلة يجب أن تقولها الشعوب لا الحكومات. ناقشت هذه النظريات لأول مرة الحق الإلهي الذي استند إليه الملوك والأباطرة في حكمهم شعوب العالم. ولأول مرة تجرأت هذه النظريات بالقول(لا أحد يملك الحق الإلهي على حياة الآخرين وإن الله لم يفوظ أحداً لكي يتحكم بمصائر ملايين البشر ويسوقهم وفق رغباته وأهوائه).
كان العقد الاجتماعي بداية اختمار فكرة الدساتير الحديثة التي قامت على أساس تمثيل الإرادة الشعبية العامة.

مفهوم العقد الاجتماعي عند روسو

كاتب الموضوع الأصلي: مشاري الجنيدل 20

تقديم
إن مساءلة الفكر الحداثي انطلاقا من استحضار مختلف المساهمات الفلسفية التي أثثت سياق ومجال اشتغاله يفرض علينا بالضرورة الوقوف على محطة أساسية من تاريخ الفلسفة السياسية الحديثة، يتعلق الأمر بالجديد الذي أدخله جون جاك روسو في مجال على المجال النظري في البحث السياسي.
يعتبر جتن جاك روسو من أبرز ممثلي عصر الأنوار والاتجاه المساواتي إلى جانب مجموعة من الباحثين والفلاسفة أمثال فولتير، مونتيسكيو، ديدرو ودالامبير…إذ يجسد جان جاك روسو من خلال أعماله الرائدة الفيلسوف المهموم المشغول بمشاكل عصره والمنخرط انخراطا فعالا في النقاشات السياسية المتجددة الرهانات والانتظارات التي تسعى الحكومات الحديثة إلى تحقيقها ؛ حيث وجه النقد اللاذع الى مختلف الظروف التي كانت تعيشها فرنسا وأوروبا قبل الثورة الفرنسية، الأمر الذي أكسب كتاباته صفة الراهنية بحيث تحضر الروح الفكرية لجون جاك روسو في التحليل السياسي للفلسفة المعاصرة مع جون راولز وإيمانويل كانط هذا الأخير الذي اعترف في مناسبات عديدة بفضل جون جاك روسو على تفكيره السياسي بحيث يقول:” مضى زمن كنت أعتبر البحث عن الحقيقة وحده كاف لأن يكون شرف الإنسانية؛ وكنت أحتقر الإنسان العادي الذي لا يعرف شيئا؛ وقد دفعني روسو على الطريق المستقيم؛ لقد تلاشى هذا الحكم الأعمى وتعلمت احترام الطبيعة الإنسانية، ولقد اعتبرت نفسي أقل فائدة بكثير من العامل البسيط، إذ لم أعتبر أن فلسفتي من الممكن أن تساعد البشر على إثبات حقوقه الإنسانية” .
وإذا علمنا كذلك بأن انطلاقة التنوير هي فرنسية استطعنا مسك خيوط مقدار التأثير الذي مارسه روسو إلى جانب العديد من المفكرين من خلال العمل على نشر الأفكار التي تساير قيم الحرية والتقدم والمساواة والإخاء محدثين بذلك شرارة تجسدت واقعيا وعمليا في حدث الثورة الفرنسية التي عبرت في جوهرها عن دعوات الإنسانية المناهضة لسلطة القهر والاستبداد.
موضوع هذه الورقة هو الحداثة السياسية عند جون جاك روسو، وهذا الجانب يهتم بالطريقة التي بلور بها روسو أطروحته حول العقد الإجتماعي الذي يشكل الصيغة المثلى لبناء المجتمع الحديث، الأطروحة التي ساقها روسو في كل كتاباته. سنعمل من خلال هذه الورقة المتواضعة كشف الخيوط الناظمة لأطروحة جان جاك روسو، وموقفه من الحداثة السياسية من خلال محاولة الإجابة على العديد من الأسئلة من قبيل: ما هي ملامح الحداثة السياسية عند جان جاك روسو؟ وما هو الجديد الذي جاءت به نظرية جان جاك روسو حول العقد الاجتماعي بالمقارنة مع ما كان سائدا في عصره؟ وما هو التأثير الذي أحدثته نظربته السياسية في المجتمع الغربي على الكتابات السياسية؟
وعلى أمل الإنفتاح على مقاربات أخرى لهذا الموضوع نتقدم بالشكر الجزيل للدكتور مصطفى حنفي على سعيه لإنارة دروبنا نحو البحث العلمي الجاد وعلى مجهوده المتواصل من أجل ترسيخ قيم البحث العلمي في صفوف الطلبة.
I- نبذة تاريخية عن حياة جان جاك روسو(1712-1778).
هناك رأي يقول بأن فلسفة أي فيلسوف ما هي إلا انعكاس لحياته وبيئته ونوع ثقافته، وإذا كان من غير الحكم التسليم بهذا الرأي دون مناقشة، إلأ أنه لدينا على الأقل في جان جاك روسو وفلسفته دليلا واضحا يؤكد هذا الرأي إلى حد كبير، حيث أن دراسة الظروف والملابسات التي اكتنفت حياة هذا الفيلسوف وطبيعة البيئة التي نشأ فيها وأنواع الفلسفات والعلوم التي شكلت ثقافته، توضح بلا شك الكثير من المهمة في فلسفته وتكشف النقاب عن حقيقة موقفه من الفكر السياسي الحديث.
ولد جان جاك روسو أبرز ممثلي الاتجاه المساواتي وفلاسفة الأنوار من أسرة يهودية برجوازية ذات أصول فرنسية في مدينة جنيف، انخرط في مشاكل الحياة منذ طفولته المبكرة، حيث توجه تحت إكراه أبيه إلى تعلم الصناعة منذ الثللثة عشرة من عمره لدى رب عمل قاس وشديد، فغادر روسو المدينة هربا منه وهو في السادسة عشرة من عمره، فأخذ يمنهن شتى الحرف في سويسرا وإيطاليا، وبعد ثمان سنوات تعرف في (سافوي) على سيدة ثرية يسرت له شيئا من الاستقرار المادي، فاستطاع تكوين نفسه، حيث تعلم الموسيقى والألسنة وقرأ كتب الفلاسفة وبعد خمس سنين قصد باريس ثم غادرها إلى البندقية، وعاد إلى باريس وهو في الثالثة والثلاثين؛ وأخذ يتردد على العديد من المفكرين خاصة ديدرو .
وخلال رحلته الفكرية الخالدة أعطى جان جاك روسو للبشرية عديدا من المؤلفات، كان أولها مقالته(إميل Emile) وهي المقالة التي أهلته للفوز بالجائزة الأولى لأكاديمية دينجون وكانت المسابقة حول عنوان:” هل أدى تقدم العلوم والفنون إلى فساد الأخلاق أو إلى إفسادها ؟”؛ ونشر بعد ذلك كتاب تحت عنوان مقال في أصل التفاوت بين البشر discours sur l’origine de l’ inégalités parmi les hommesوكتب مجموعة من المقالات الأخرى التي كانت تعبر عن أفكار فرد من الشعب عرف طفولة بئيسة وشباب ضائع حتى أن أفكاره ظهرت وكأنها ثورة ضد قيم مجتمع متبرج لا يهتم إلا بملذاته، وربما كان هذا هو السبب في أنه أصبح مفكر ثورة

II- منزلة جون جاك روسو في فلسفة الأنوار.
إن فلسفة جان جاك روسو ومواقفه السياسية لا تنفصل عن السياق التاريخي للقرن الثامن عشر؛ فقد شكل إلى جانب مجموعة من المفكرين تيارا فلسفيا يعنى بإحلال المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية أمام جبروت الحكم المطلق وأما الوصاية التي تفرضها الكنيسة على الإنسان ؛ إذ أن الخيط الرابط الذي يجمع الأدبيات الأنوارية هو التنظير للفكر البرجوازي ولنظامه الذي بدأ يتبلور شيئا فشيئا، إذ أن معظم فلاسفة الأنوار قد وضعوا صوب اهتماماتهم نقد وتقويض دعائم النظام الفيودالي الذي سيطر على الحياة العامة في جميع المستويات الاقتصادية والسياسية .
وتبرز هذه الملاحظة في طبيعة الأبحاث التي أنجزها مفكرو الأنوار، وكذا المقالات التي نشروها في هذا الإطار، والتي تؤكد بأن البراديغم الذي تحكم في الإنتاجات الفكرية والأدبية لعصر الأنوار؛ هو نقد النظام الفيودالي وما يرتبط به من تنظيمات سياسية ودينية واقتصادية.
إذ أن جان جاك روسو عندما يعلن في كتاباته بأن الحالة الطبيعية هي مرحلة ذهبية في حياة الإنسان بما تمثله من رغبة في الحياة، والحرية وبساطة العيش، إنما يعكس موقفه الرافض والمتشاءم إزاء الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية التي تميز المجتمع الفرنسي خلال القرن 18.
ساهمت الأوضاع المتدهورة إذن والموجهة بتأثير جبروت الحكم المطلق وسيطرة الفكر الكنسي الدوغمائي في حدوث ردود فعل عدة دفعت فلاسفة الأنوار على اختلاف مشاربهم، إلى النقد الجذري للأوضاع القائمة التي تتميز بالركود والرتابة؛ الأمر الذي سيجد التعبير الأساس عنه في اخر المطاف مع اندلاع الثورة الفرنسية سنة1789. .
تكمن أهمية النظرية السياسية عند روسو كونها نظرية منفتحة نابضة بأوضاع المجتمع وأزماته على الرغم من أن العديد من الباحثين يعتبرون نظريته السياسية تعتبر نظرية “يوتوبية” إلا أنها على المستوى الفلسفي تعتبر نظرية حبلى بالمشاريع والمواقف السياسية مثل الديموقراطية، والاقتراع العام…حيث شكل كتاب العقد الاجتماعي بإجماع الباحثين المثل السياسي الأعلى في تسويغ بنود الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن غداة قيام الثورة الفرنسية .
ومن نالفل القول أن فلسفة الأنوار تختلف باختلاف الفلاسفة والمفكرين، إلا أنها مع ذلك تتكامل على المستوى التطبيقي العملي، ولعل حدث الثورة الفرنسية أبرز مثال معبر على ذلك.

III- الإرهاصات الأولى لفكرة المجتمع المدني عند جون جاك روسو.
يمثل مقال جون جاك روسو “أصل التفاوت بين البشر” المفتاح الأساسي لفهم نظريته الاجتماعية والسياسية؛ ذلك أنه لا يمكن أن نناقش أفكار العقد الاجتماعي إلا إذا استوعبنا الأفكار الواردة في المقال السابق الذر، ذلك أن الأفكار الواردة فيه هي وحدها الكفيلة بكشف الخيوط الناظمة للنظرية الروسوية في السياسة والاجتماع.
ينطلق جون جاك روسو في فلسفته من أطروحة الحالة الطبيعية السابقة لظهور القوانين والدولة، وهو يؤكد منذ البداية على أن مرحلة الطبيعة هي مرحلة افتراضية فقط؛ على اعتبار أنها لا يمكن أن تصبح واقعية أو خيالية لأن الشواهد والوثائق التاريخية، لم تكشف عن وجو مرحلة تاريخية بهذه التسمية ” حالة الطبيعة”؛ لكن على الرغم من ذلك فإن الانطلاق من هذه المرحلة يبقى ضروريا لإبراز كيفية الانتقال من حالة إلى أخرى.
يقول جون جاك روسو” إن البشر في حالة ليسوا لا صالحين ولا أشرارا، إذ لا تجمع بينهم أية علاقة أخلاقية أو واجبات مشتركة”، وهنا يتعارض مع هوبس الذي يعتقد بأن الإنسان الطبيعي شرير بطبعه لأنه لا يمتلك أي فكرة عن الخير والشر مفطور على تحقيق رغباته وتلبية شهواته .
لكن في المقابل يرى جون جاك روسو أن الإنسان بطبيعته بسيط يحب ذاته ويدافع عن مصالحه، وفي نفس الوقت يتعاطف مع الآخرين، فالإنسان شعوريا ووجدانيا، يسعى للاجتماع بغيره من الناس، لأن الناس في حالة الطبيعة خيرون لا يوجد فيهم المكر والخداع وروح العدوان والغدر الذي تحدث عنه هوبس، حيث كان الناس في حياة الطبيعة محكومين بالطبيعة البشرية التي هي ضد الشرور وضد تسلط أحد على أحد، أما الشرور والمفاسد فهي لا تنتمي إلى الطبيعة البشرية بل هي من فعل المدنية والتقدم، وبفضل الملكية الخاصة .
كان الإنسان في مرحلة الطبيعة يتميز بالحرية التي تسمح له بتحقيق كل أهدافه بدون قيد أو شرط يكبل إرادته، حيث يؤكد روسو في كتابه أصل التفاوت بين البشر على ” أن أفراد المجتمع قد عاشوا أحرارا وصالحين طالما قنعوا بكوخهم البسيط، واكتفوا بلباس الجلود ثيابا وبالريش زينة ؛ أي طالما لم ينشغلوا إلا بالأعمال التي في مقدور فرد واحد القيام بها، لكن ما أن راودت الإنسان حاجة إلى أن يؤازره أخر حتى اختفت المساواة وظهرت الملكية وغدا العمل ضروريا”.
يعصف الاجتماع البشري إذن في نظر روسو بالحياة الخيرة للإنسان ويدخلها في دواليب التدهور والانحطاط ، وفي هذه المرحلة يبدأ التفاوت والاستغلال على اعتبار أن المجتمع والاجتماع يتأسس على المصلحة الخاصة وليس على المصلحة العامة، وبالتالي فإن تضارب المصالح من شأنه أن يِؤدي إلى الصراعات ويسبب في التناقضات.
أدى ظهور الملكية إذن إلى نزوع الجنس البشري نحو التدهور، يقول روسو: ” إن أول من سيج أرضا وقال هذا ملك لي، ووجد أناسا يصدقونه كان المؤسس الحقيقي للمجتمع المدني” لكن ليس المجتمع المدني بالمعنى الذي نتداوله حاليا لكن التجمع الإنساني.
يذهب روسو إلى اعتبارا الملكية عامل سلبي في تاريخ الإنسانية إذ أن ملكية الأرض تولد اللامساواة ويؤدي إلى صراع المصالح والاستغلال والعبودية .
والحقيقة أن هذا المقال ” أصل التفاوت بين البشر” قد ألهم مجموعة من الباحثين والمفكرين الماركسين للبحث في أصل التفاوت والتمايز الطبقي ذلك أن روسو يدعو ضمني إلى نوع من الملكية الجماعية للأرض وعدم تقسيمها على شكل ملكيات ،ذلك أن التقسيم هو السبب الأساسي في حدوث التفاوت بين البشر .
مما يؤدي إلى حدوث نوع من التلاقي بين روسو والماركسية على مستوى المبادئ العامة ، وذلك في سياق النظر إلى الملكية لوسائل الإنتاج من منظور سياسي تاريخي له تأثير كبير على نوعية العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع الواحد.
ولعل أبرز تعبير عن الأفكار السياسية لجون جاك روسو هو كتابه ” في العقد الاجتماعي du contrat social ” الذي يعنى فيه بالبحث عن مبادئ الحق السياسي ويوضحها على ضوء المعلومات المتوفرة والتي تصب أساسا في التنظير لمجتمع متماسك سياسيا عن طريق القيام بنوع من التعاقد، إذ لم يكن جان جاك روسو يهدف إلى تفكيك الأشكال والتنظيمات السياسية التي أفرزها التاريخ لكن ما يؤطر توجهه العام هو البحث في ما يجب أن يوجد فعلا؛ من هنا اتسم فكره السياسي بالبناء المتواصل حيث يقول” إنني أستهل كلامي في موضوعي دون البرهان على أهميته. وإذا ما سألني أحدهم أأنا أمير أم مشرع حتى أكتب في السياسة؟ لأجبت بأنني لا هذا ولا ذاك ومن أجل ذلكأكتب في السياسة. ولو كنت أميرا أو مشرعا لما أضعت وقتي في قول ما يجب فعله. كنت أفعله أو كنت أسكت”
ولقد تمت الإشارة إلى أن روسو قد وجه انتقادات لاذعة للعلاقات الاجتماعية القائمة في مقالته في اللامساواة,لكن يمكن القول إن موقفه السياسي بقي في النهاية واحدا,فهو يقول في مطلع كتابه في اللامساواة:”لقد ولد الإنسان حرا,لكنه كبل بالأصفاد في كل مكان “وينهي هذا الكتاب بإقامة معارضة بين العقد الاجتماعي وقوانين اللامساواة القائمة فعلا.
إن الحق أساسا مصدره هو الحرية,وحيث أن النظام الاجتماعي ليس هبة الطبيعة للإنسان-كما يرى روسو-لذلك فالحرية المنبثقة من الطبيعة البشرية لابد وان تصبح من سمات الحالة الاجتماعية,لذلك لا يمكن لأي حكم أن يقوم على حق الأقوى,إذ أن القوة طاقة جسدية لا تؤدي إلى الحق,لذلك فالأساس الذي يقوم عليه الحق هو الاتفاق والميثاق فعن هذا الاتفاق ينشا المجتمع.لذلك فان العقد الاجتماعي-بالنسبة لروسو-هو الشرط الأساسي لكل سلطة تريد أن تكون شرعية,وهذا يدل على انتقال التطور التاريخي من حالة الطبيعة إلى المجتمع المدني” إن ما يخسره الإنسان من جراء العقد الاجتماعي,هو الحرية التي كان يتمتع بها في الطبيعة والحق اللامحدود…وما يربحه بالمقابل هو الحرية المدنية, فيكتسب بذلك الحرية الأخلاقية ,ذلك إن الخضوع للشهوة عبودية,والانصياع للقانون الذي الزمنا أنفسنا به حرية” فكيف يتم الانتقال من مرحلة الطبيعة إلى مرحلة المدنية؟
يتلخص جوهر العقد الاجتماعي على النحو التالي” يضع طل واحد منا شخصه وكامل طاقاته تحت الإمرة العليا للإرادة العامة، ويعامل كل عضو على أنه جزء لا يتجزأ من الكل”؛ إذ يجد الفرد نفسه ملزما على أن يتنازل عن حريته الطبيعية، وأن يتفق مع باقي أفراد المجتمع، حيث يستبدل حريته الطبيعية بالحرية المدنية ؛ ذلك أن غاية العقد الاجتماعي هو السهر على الحفاظ على حياة المتعاقدين والدفاع عن حقوقهم أمام بطش الغير,يقول روسو:”إن كل قانون لم يصادق عليه الشعب شخصيا هو بحكم اللاغي وما هو بقانون”فالقانون هو تعبير عن الإرادة العامة للأفراد.ومن ثمة فكل قانون لا يأخد هذه الحقيقة ,فهو قانون استعبادي واستبدادي.فالإرادة العامة –حسب روسو-مستقيمة ولا تنزع إلا إلى المنفعة العامة والصالح العام11.وبالتالي فالإرادة العامة هي تلك الهيئة التي يتنازل الفرد بموجبها على جزء من حقوقه المكتسبة في حالة الطبيعة ليحفظ الجزء الأكبر منها في مرحلة المجتمع المدني,لدلك فهي نتاج للاتفاق بين أفراد المجتمع.
إن جون.جاك.روسو وبنزعته الفردية يرفض نظام الأحزاب,ذلك ان صراع المصالح الخاصة لا يشكل في رأيه القوة التي تحدد الإرادة العامة,فالأحزاب كهيئة تمثيلية لا تساهم في بلورة الإرادة العامة,وانما على العكس,تعمل دون تجليتها12 والملاحظ إن هذه المحاكمة التي يبديها روسو تقوم على تصور طوباوي للحياة السياسية.أما السلطة السيادية-في نظر روسو-فهي واحدة لا تتجزا وهي ملك للشعب الذي لا سيادة لأحد سواه,والحرية والمساواة هما المبدآن الموجهان للإرادة العامة.وفي هذا الإطار ينتقد روسو نظرية مونتسكيو في تقسيم السلطات,فالإرادة العامة هي التي تتخذ القرارات ذات الأثر العام,أي القوانين.ويتجلى عمل السلطة التنفيذية في كونها المتصرفة بالقوة العامة ,وهي التي تتكفل بتنفيذ القوانين,إذ أن كل عقد يحد من سلطة الشعب المطلقة يقوض أساس الميثاق الاجتماعي.فروسو يضع ثقته الكاملة في الأفراد الذين لا تحركهم سوى المصلحة المشتركة,وواضح هنا أن روسو يتحدث عن دولة مثالية لا أساس لها في الواقع العيني.لقد بنا روسو منهجه العقلاني الصرف حول النظام السياسي بشكل مثالي,وهذا يتعارض-كما اشرنا-مع النظام السياسي القائم .ولقد لقيت اراء روسو السياسية انتقادات من طرف مجموعة من المفكرين تتمحور حول هدا الجانب بالذات-الجانب المثالي-بالإضافة إلى جوانب أخرى متعددة كمدى مشروعية هذه النظرية في تحقيق دولة الحق والقانون,أي هل يمكن نظرية للحق من خلال مبدأ الإرادة العامة التي لا تحمل في طياتها أية ضمانات قانونية.
إن المجتمع الذي يهدف روسو إلى بلورته هو مجتمع عديم الشكل,فهو لا يعرف أي تنظيم اجتماعي ولا يعدو كونه مجموعة من الأفراد أو تجمعا إنسانيا فارغ المحتوى,وبدون إطار سياسي يضبط العلاقات بين الأفراد.
وتبرز قيمة وراهنيه أعمال جون جاك روسو في كونها فتحت أفقا جديدا للتفكير في الشؤون السياسية للمجتمعات المعاصرة التي تسعى إلى الاستفادة من البنود الإيجابية التي يحققها العقد الاجتماعي على مستوى الاجتماع و الأخلاق والسياسة، ولعل هذا الاعتبار هو ما جعل الفكر الكانطي في جوانب كثيرة منه حبيس بالروح الروسوية إذ يحدد في كتابه أسس ميتافيزيقا الأخلاق مجموعة من القواعد الأخلاقية المؤسسة للفعل السياسي والقانوني يمكن أن نجملها في ثلاثة صيغ:
– ” اعمل دائما بحيث يكون في استطاعتك أن تجعل من قاعدة فعلك قانونا كليا للطبيعة”
– ” اعمل دائما بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص الآخرين كغاية لا كمجرد وسيلة”
– ” اعمل دائما بحيث تكون إرادتك باعتبارك كائنا ناطقا هي الإرادة المشرعة الكلية”
هذه القواعد إذن هي بمثابة قانون لتحقيق الاستقلالية على مستويات متعددة تضفي نوعا من الشرعية على الأخلاق الإنسانية لكن سواء كانت هذه الأخلاق مستقلة عن ظروف التطبيق أو وفق ما يعبر عنه كانط ذات بعد كلي صالح للجميع، فإنه مما لا شك فيه أن تقرير هذا القانون على مقتضى قاعدة الكلية يبدو وثيقا بهذا المبدأ، وكأنه تطبيق للفكرة التي دافع عنها روسو في الاستدلال على مبدأ العدالة في العقد الاجتماعي ؛ وذلك بالمعنى الذي تكون فيه الحرية هي نفسها” طاعة القانون الذي يعينه الإنسان لنفسه” .
نفس الموقف يؤكده جون راولز في حديثه عن نظرية العدالة، بحيث ينطلق هذا الأخير من أن هدف العدالة هو ما ينبغي أن تحققه ائتلاف مؤسسات المجتمع الإنساني؛ فالناس لا يمكن إلا أن يجتمعوا لأن في اجتماعهم تحقيق النفع الفردي والعمومي، وراولز يفترض في هذا الصدد حالة مثالية وفطرية قصوى ينعتها بالوضعية الأصلية حيث يتوجه فاعلون مفترضون حياديون ونزيهون من أجل تأسيس مجتمع يسعى الى الجمع بين أفراد يقبلون شرط العيش الجماعي، وهذا القبول هو الحالة التي سيكون عليهاالمجتمع.

اصول مبادئ الحرب

كاتب الموضوع الأصلي: عبدالعزيز العسكر 20

أصول مبادئ الحرب

بدأت وقائع الحرب والقتال وتطورت عبر خمسة عصور متتالية، هي:

أولاً: العصر البدائي

دار الصراع والقتال في المجتمعات البدائية، من أجل البقاء واستمرار الحياة، في ظروف، كانت بالنسبة إلى الإنسان الأول غامضة ومجهولة ومخيفة.

فقد كانت ظواهر الطبيعة، كالبرق والرعد وعدوان الوحوش وموارد معيشته، همه الدائم، فكانت حياة الإنسان الأول أشد ما تكون حاجة إلى الأمن وإلى الدفاع عن مصالحه وموارده المحدودة. ومع وجود المجتمعات الأولى، اتضحت ظاهرة إغراء القوة، التي تتلخص في أن المجتمع يبدأ طبيعياً في استغلال القوة من أجل أمنه وحماية وجوده. فإذا ما اشتدت هذه القوة ونمت، وزادت متطلبات الأمن والحماية، سعت إلى العدوان على الآخرين.

هذا ما خرج به الباحثون عن استجابة المجتمعات لغرائز ودوافع أولية إلى جانب ما تعلمته من أساليب بدائية وكوارث البيئة التي عاشتها ومحاكاتها لتلك الأساليب التي تمثلت في الاختفاء والانقضاض والمطاردة والفرار، وهكذا.

يرى كثير من علماء النفس والاجتماع، أن الغرائز الطبيعية للإنسان كانت ومازالت هي المحرك والدافع الرئيسي إلى إثارة الحرب، كما يصل بعضهم إلى الربط بين الدوافع والغرائز وبين أسباب الحرب ومبادئها، فيذكرون أن النفس المؤسسة على غريزة الصراع تشكل الدافع العام إلى مبدأ الهجوم، وأن المحافظة على النفس المتولدة من غريزة حب البقاء تشكل الدافع الاقتصادي للحرب، كما تؤدي إلى مبدأ الأمن، وتؤدي هذه النظرة إلى ضرورة توافق مبادئ الحرب مع الغرائز والدوافع الإنسانية الطبيعية، وأن تعمل تلك المبادئ على تقويم الدوافع والغرائز، بما يحقق سلوكاً إيجابياً نحو تحقيق الأهداف.

ثانياً: العصر القديم

يضم هذا العصر التاريخ العسكري للإمبراطوريات العظمى القديمة المصرية والصينية والبابلية، والحيثية، والآشورية، والفارسية، والإغريقية، والرومانية، والبيزنطية؛ ويمتد لأكثر من ثلاثين قرناً ترسخت خلالها المبادئ الأساسية لفن الحرب، من أهمها النموذج المباشر والنموذج غير المباشر، يتسم الأول منها بإرادة القضاء على الخصم بسرعة، بواسطة المعركة، وبأعمال هجومية تندفع فيها القوة بهدف وبعمق، إلى أن ينهزم الخصم المعادي، وكان نجاح الهجوم يتوقف على قوة صدمة الكتلة المهاجمة، أما النموذج الثاني فكان يعمد أولاً إلى تفتيت الخصم واستنزافه مادياً ونفسياً، ثم تأتي المعركة إجراءً بسيطاً أخيراً، للإجهاز على العدو، ويرجع نجاح نموذجي الحرب هذين، إلى أسباب جغرافية وبيئية ونفسية، أوجدت توافقاً للغربيين مع الحرب المباشرة، وللشرقيين مع الحرب غير المباشرة.

ظهر كثير من أنباء حروب هذين النموذجين، في كتب الإنجيل والملاحم الأسطورية للهندوس وبعض أعمال الصينيين … وغيرهم، مما وفر لمحة عارضة لفن الحرب ومبادئها في العصر القديم، ولكنها قليلة الفائدة من الناحية الموضوعية، وقد بينت سجلات موقعة قادش، معلومات دقيقة تفيد كيفية استخدام مبادئ الهجوم وتطبيقها، والدفاع، والمفاجأة، والأمن، وخفة الحركة، والمناورة لدى الجانبين.

يعتبر كتاب فن الحرب الذي وضعه “صن تزو” المفكر الصيني، في القرن الخامس قبل الميلاد، أقدم المصادر العسكرية الوثيقة الصلة بمبادئ الحرب، وكانت مبادئ الحرب تظهر وتتضح معالمها، تبعاً ونتيجة لعبقريات القادة القدامى، وممارستهم العملية التطبيقية في ميادين القتال، وهكذا ارتبط فن الحرب بأسماء بعض القادة البارزين. وهناك عوامل عديدة أثرت على القادة القدماء، ووجهتهم في أثناء مرحلة تحديد وتطبيق أساليب القتال ومبادئ الحرب، ومن أهم العوامل طبيعة النظم السياسية والاجتماعية القائمة، وطبيعة وخصائص البيئة، ومسرح العمليات، ونوعية وتكوين العدو، وخصائص أساليبه القتالية، وغير ذلك من عوامل جوهرية.

إن العصر القديم قد وفر مصادر عديدة ومتنوعة، تمثلت أساساً في عمليات وحروب الأقدمين، التي حفظتها سجلات ومراجع متنوعة، أمكن، بدراستها وتحليلها، استنباط أصول مبادئ الحرب الرئيسية، وخاصة مبادئ الحشد، والاقتصاد في القوى والأمن، والمفاجأة، والمرونة، والمناورة، والتعاون.

ثالثاً: العصر الوسيط

يمتد هذا العصر من بداية القرن الخامس حتى نهاية القرن السادس عشر، ويعرف هذان القرنان وما بينهما في التاريخ الأوروبي بالقرون الوسطى أو القرون المظلمة، وفيها هبط فن الحرب إلى أدنى مستوى له، واختفت مبادئ الحرب الحقيقة، بفعل عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية على وجه الخصوص، فبعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، تفتتت أوروبا إلى عدة ممالك إقطاعية، دارت بينها حروب دائمة، أدت إلى انقسام الممالك إلى إمارات مستقلة، تجزأت بدورها إلى إقطاعيات صغيرة مستقلة نسبياً، يسودها نظام طبقي إقطاعي، وقد امتلكت كل إمارة وإقطاعية قوة عسكرية خاصة بها للدفاع عن مصالحها. وبذلك أدت تداعيات النظام السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي إلى ظهور قوات مؤقتة محدودة العدد ضعيفة الإعداد والتدريب، ولم يكن بمقدورها خوض عمليات كبيرة طويلة الأمد أو بعيدة المدى.

مع ظهور النظام النقدي، أمكن للحكام الاستغناء عن جمع فلاحي الإقطاعيات، لقاء أموال يدفعها إليهم أصحاب الإقطاعيات، وصار في مقدور الحكام تكوين قوات من جنود محترفين مأجورين وتسليحهم بقدر ما تسمح به الموارد المالية، وصار للاعتبارات الاقتصادية المالية، الدور الأكبر في توجيه فن الحرب. فمن ناحية كان الحاكم يعتبر أن جيشه الخاص هو رأسمال مكلف، ينبغي المحافظة عليه، وكانت قوات الطرفين تتجنب الالتحام المباشر، وتتفادى الدخول في مصادمات دامية حاسمة، ومن ناحية أخرى كان شعار القوات المستأجرة “حيث النقود يكون الوطن”، وكانت تتصف بقلة الانضباط وبضعف المعنويات والأخلاق، وكان انتقالها للعمل من جانب إلى الجانب المضاد أمراً عادياً، وعلى رغم هذا الإهدار الشامل للأسس وقواعد ومبادئ فن الحرب، فإن حروب هذا العصر قد امتدت لفترات أطول من أي عصر، ويرجع ذلك إلى أن القوات المأجورة كانت تتعمد إطالة الحرب، تجنباً للبطالة.

اكتشف استخدام البارود في أوروبا في القرن الثالث عشر، ولكن البنادق لم تظهر إلا في السادس عشر، وعند استخدام هذه الأسلحة في القتال ازدادت الخسائر، بدرجة لم تكن معهودة في ذلك العصر، ولجأت الجيوش إلى حل المشكلة بأساليب سلبية، أدت إلى الاعتماد، بدرجة كبيرة/ على التحصينات والقلاع والخنادق، وبذلك فإن الوضع الدفاعي أصبح هو السائد في الحرب، وكانت النتيجة المباشرة، للتقدم التقني في السلاح، نتيجة عكسية تماماً، إذ ظهرت إستراتيجية دفاعية تقابلها إستراتيجية حصار بطيئة، وعجز فن الحرب عن استعادة الأساليب الهجومية خفيفة الحركة في معارك هذا العصر.

وفي ذلك العصر الذي غابت فيه شمس الحضارة الأوروبية وفنها الحربي، أشرقت شمس الحضارة الإسلامية وفنها الحربي، وجاءت أقوى الفتوحات، التي مرت على تاريخ الجنس البشري، فلقد أجتاح المسلمون الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية البيزنطية، وتوغلوا شرقاً حتى التقوا بالصينيين واندفعوا غرباً إلى شمال أفريقيا، ثم تجاوزوا البحر المتوسط، وعبروه إلى بلاد الأندلس حتى وصلوا وسط فرنسا، وصارت الحضارة الإسلامية أكبر وأرقى الحضارات في هذا العصر، ولم يكن هذا الاجتياح الإسلامي اجتياحا، وحشياً همجياً، ولكن مداً حضارياً شاملاً. فلم يحل القرن الثامن الميلادي حتى كانت للدولة منظمات تعليمية تنتشر في كل أرجاء العالم المستعرب، وفي إطار هذه النهضة، أصدر علماء المسلمين مؤلفات عسكرية عظيمة القيمة بعثت أرقى مفاهيم فن الحرب القديم، وارتقت بها بفضل التجربة العسكرية الإسلامية الفردية، وأكدوا في مؤلفاتهم مبادئ الحشد والأمن والمعنويات والمرونة والشؤون الإدارية والمخادعة والمفاجأة.

على رغم أن أغلب الأوروبيين ينكرون فضل الحضارة الإسلامية عليهم، فإن ذلك الفضل ثابت ومؤكد، حيث نجد أن المؤلفات العسكرية الإسلامية قد أضاءت العصور الأوروبية المظلمة، وسدت الفجوة بين العصر القديم وعصر النهضة اللاحق، ووصلت بينهما، إذن الواقع أن فن الحرب الإسلامي قد أفاد بشكل مباشر، من احتكاكه وصراعه مع فن الحرب الفارسي، وفن الحرب البيزنطي اللذين كانا صاحبي التراث العريق لفنون الحروب السابقة. ومن ثم، فإن فن الحرب الإسلامي الجديد، قد عكس مفاهيم ومبادئ الحرب الشرقية والغربية الإسلامية على حد سواء.

رابعاً: عصر النهضة

بدأت النهضة الأوروبية بنهضة فكرية، كان للمسلمين الفضل الأول فيها، وقد أفرزت هذه النهضة الفكرية مفاهيم أساسية عامة، وقال مفكرو عصر النهضة إن الإنسان يستطيع، بسلاح العقل، أن يغزو ويدمر فكرة الصدفة والحظ في الحياة.

كان نيقولا مكيافيللي، السياسي الفلورنسي، أول من طبق هذه المفاهيم بعمق على ظاهرة الحرب، لأن كارثة غزو فرنسا لبلاده عام 1494م، دفعته إلى البحث عن أسباب الهزيمة، وعن كيفية تفاديها مستقبلاً، وقد اعتمد في بحثه على مؤلفات المؤرخين الرومان القدامى، وعلى تجربته السياسية، وعلى تحليله الفعلي للأحداث السابقة والجارية، وانتهى بحثه إلى نظريات ومبادئ ضمنها كتابه فن الحرب في عام 1512م، الذي أوقفه على المسائل العسكرية، واعتنى فيه برسم برنامج إيجابي للإصلاح العسكري، وأوجد مكيافيللي القواعد والمبادئ السليمة، وجعل دراسة الحرب علماً اجتماعياً. واعتبر أول مفكر عسكري أوروبي حديث، وفصلها عن الاعتبارات المعنوية، وربطها ربطاً وثيقاً بالنظريات والأحوال الاقتصادية والسياسية والقانونية والاجتماعية، ووضع الأصول، التي يقوم على أساسها التفهم العقلي والتحليل النظري للحرب وللمسائل العسكرية.. بعد أن كانت الحرب تعتبر فناً يعتمد على موهبة القائد، صارت بعد ميكيافيللي علماً وفناً معاً.

استخدام منهج البحث العلمي التحليلي، الذي أوجده ميكافيللي، توصل المفكرون العسكريون الأوائل في عصر النهضة، إلى وجود ظواهر وإجراءات عسكرية، أدى استخدامها المتكرر في المعارك والحروب القديمة إلى تحقيق انتصارات تاريخية عظيمة. وقد شكلت المفاهيم، التي تضمنتها تلك الظواهر والإجراءات، الأصول الأولية الأساسية لمبادئ الحرب في العصر القديم، وإن لم تصنف على هيئة مبادئ حرب حتى ذلك الوقت، ولكن المفكرين قد استنبطوا أصول بعض مبادئ الحرب، كالحشد والاقتصاد في القوى، من انتصار إيبامفيداس بتشكيله المائل، في موقعة ليفكترا، وأصول مبادئ المناورة والتعاون والمطاردة، من انتصار الإغريق في موقعة بيدنا، وأصول مبدأ مرونة التشكيل وتوافقه مع خصائص الأرض، ومن انتصارات قيصر في موقعة فارسالوس، أكدوا مبادئ المناورة وخفة الحركة والمفاجأة والحشد، وكان ذلك حتى عام 48 ق.م.

جاءت الخطوة الأولى، لإحياء فن ومبادئ الحرب، بفضل جوستاف أدولف ملك السويد (1610ـ1632م)، الذي ابتدع تنظيمات وأساليب قتالية جديدة، مبنية أساساً على نوعية السلاح، ثم تتابعت الخطوات بفضل أعمال بعض المفكرين.

في عام 1740م اعتلى فردريك عرش بروسيا. وسرعان ما نبذ أساليب الحرب الموضوعية البطيئة وحرب الحصار، التي كانت شائعة في ذلك الوقت، وأعاد تنظيم جيشه وبناء تكتيكاته، وتبنى التشكيل المائل، وطوره بما يناسب نوعية القوات وخصائصها القتالية وتسليحها، وبذلك أمكنه استخدام وتطبيق مبادئ الحشد والاقتصاد في القوى، والمناورة وخفة الحركة والتعاون بكفاءة، مكنته من تحقيق انتصارات عديدة باهرة وحاسمة، على قوات متفوقة عددياً، وقد بين مبادئه بعد ذلك في كتابه المبادئ العامة للحرب.

عندما قامت الثورة الفرنسية، كانت الأفكار العسكرية كثيرة، وتوافرت القوة المادية والمعنوية اللازمة، وجاء نابليون بونابرت فاستخدمها في حروب متتالية، استغرقت نحو ربع قرن 1796ـ1815م عرفت باسم الحروب النابوليونية، وقد كشفت هذه الحروب عن فن ومبادئ حرب جديدة تماماً.

وبينما أظهرت الحروب النابوليونية مبادئ الحرب المناسبة لنموذج الإستراتيجية المباشرة الباحثة عن المعركة، فإن الحرب الأهلية الأمريكية بعد ذلك 1861ـ 1865م أظهرت مبادئ حرب مختلفة تناسب نموذجاً إستراتيجياً، يمزج بين الاقتراب المباشر وغير المباشر، وقد جاء ذلك النموذج ومبادئه، نتيجة للأبعاد الشاسعة لمسرح الحرب الأمريكية، ولضخامة أحجام جيوشها، ولنوعية تسليحها، ولطابع أهدافها السياسية، فضلاً عن التأثر بمبادئ الحرب المكتسبة من الهنود الحمر، ومن حرب الاستقلال.

ظهرت الحروب الأوروبية، خلال النصف الثاني من القرن التاسع، عدة حقائق، منها:

1. أن المدرسة العسكرية النابوليونية صارت المدرسة الأم، والمصدر الأول لمبادئ الحرب الحديثة، لجميع الدول الأوروبية.

2. أن عهد الملك القائد قد ولى، وأن زمن الاعتماد المطلق على موهبة وعبقرية القائد الأوحد قد انتهت.

3. اعتمد تحديد واستخدام وتطبيق مبادئ الحرب، على عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية مادية ومعنوية/ نفسية.

خامساً: العصر الحديث

عند بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914م، كانت مبادئ الحرب مفاهيم عامة غير محددة أو مصنفة تماماً، وكان يلفها كثير من الغموض والتعميم، وحتى انتهاء الحرب في عام 1919م، لم تكن أي قوة من قوى العالم المسلحة قد اتخذت قائمة رسمية بمبادئ الحرب، وكان عقم مبادئ الحرب في أغلب مراحل الحرب العالمية، قد أدى إلى انتكاس فن الحرب وهبوطه إلى مستوى حرب المواقع الثابتة، وعانت الأمم المتقاتلة كوارث أليمة، وخسائر جسيمة، لم يكن لها نظير في التاريخ العسكري كله، مما شحذ همم الباحثين والمفكرين العسكريين، ودفعهم دفعاً إلى إعادة النظر والبحث وتصنيف مبادئ الحرب المناسبة لمعطيات ومتغيرات الحرب المعاصرة.

ظهر بعد ذلك “فوللر” بصفة أعظم مفكر وباحث عن مبادئ الحرب، وكانت قائمة مبادئ الحرب، التي استنبطها “فوللر” من مراسلات نابليون، واختبرها في الحرب، أول قائمة مبادئ حرب بريطانية، ومن ثم ظهرت في قواعد خدمة الميدان البريطانية لأول مرة عام 1920م.

في عام 1920م ظهرت أول قائمة مبادئ حرب رسمية أمريكية، وفي فرنسا ظهرت قائمة الحرب، التي استنبطها “فوش” من الحروب النابوليونية، أما الاتحاد السوفييتي، الذي كان بدأ ظهوره عام 1917م، فقد تبنى مبادئ الحرب الروسية القيصرية المستمدة أصلاً من المدرسة النابوليونية.

وفي تطور لاحق بعد ذلك، ظهرت مبادئ عقلانية تدعو إلى استخدام مناهج علمية من أجل اكتشاف وتحديد قوانين العلم العسكري ومبادئ فن الحرب، غير أن الاتحاد السوفييتي تطرف، دون سواه، في إتباع ذلك المذهب من منطلقات ماركسية، لينينية، على رغم أن تلك المذاهب العقلانية لم تحدث أي تعديل جوهري يعتد به في مبادئ الحرب النابوليونية.

على أن التطور الجوهري الحقيقي في مجال فن ومبادئ الحرب، إنما حدث بفضل فوللر، وليدل هارت، وديجول، الذين استخدموا المنهج، من خلال دراسة وتحليل الحرب العالمية الأولى، والتطور في التسليح ومعدات القتال، إلا أن العقلية العسكرية البريطانية المحافظة، وسياسة العزلة الأمريكية، والخلافات السياسية الفرنسية الداخلية، ودكتاتورية الحكم الستاليني، قد حالت دون استفادة بريطانيا، وفرنسا، والاتحاد السوفييتي من هذه النظريات في الوقت المناسب، بينما تلقفها القادة الألمان، وعالجوها نظرياً وعملياً، إلى أن بلوروا نظرية ومبادئ الحرب الخاطفة، واستعدوا بها لخوض الحرب العالمية الثانية.

كانت الحرب العالمية الثانية، بمثابة معمل اختبار وتطوير لقوائم مبادئ الحرب الرسمية، التي تبنتها مختلف الدول على أسس نظرية، تاريخية، والتي لم تكن قد اختبرت صحتها بعد، كما كانت معياراً لتقويم النظريات العسكرية، التي ظهرت بين الحربين العالميتين، ولقد أثبت سير نتائج العمليات العسكرية صحة وسلامة مكونات قوائم مبادئ الحرب، ولم تطرأ عليها سوى تعديلات طفيفة بناء على خبرات القتال المكتسبة، أما مفاهيم مبادئ الحرب، وأساليب استخدامها وتطبيقها، فلقد تعرضت لتعديلات جوهرية بفضل القوات الألمانية التي علمت العالم أساليب وتكتيكات الحرب الخاطفة والتي ارتقت نوعياً بفن ومبادئ الحرب. وقبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية، استخدم السلاح النووي، لأول مرة في التاريخ في هيروشيما وناجازاكى، وكان ذلك إيذاناً ببدء عهد عسكري جديد.

انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بامتلاك السلاح النووي، حيث اعتنقت نظرية “عقيدة” الردع الجسيم إلى أن لحق الاتحاد السوفييتي بها عام 1949م، وانشغل الفكر العسكري العالمي بنظريات ومبادئ الحرب النووية الجديدة المحتملة، حيث تصور المفكرون العسكريون في الخمسينيات والستينيات أن الحرب العالمية النووية الثالثة سوف تبدأ وتنتهي بالضربات النووية الصاروخية، وأن تلك الضربات، سوف تتضمن وتجسد، تلقائياً، مبادئ الهجوم، والحشد، والمناورة، وخفة الحركة، وغيرها، وأن مبدأ الاقتصاد في القوى ينبغي حذفه إذ يتحتم استخدام جميع القوى، منذ الضربة الأولى، وأن مبدأ الأمن صار يتركز حول تأمين الأهداف والمراكز السياسية، وصار مبدأ المفاجأة الإستراتيجية أول وأهم المبادئ على الإطلاق، وصار السلاح الصاروخي النووي هو السلاح الرئيسي.

بوصول القوة النووية المتضادة إلى حالة التوازن النووي، قدرت تلك القوى أن نظرية الردع الجسيم لن تؤدي إلا إلى انتحار متبادل، ومن ثم سعى الفكر العسكري، إلى وضع نظريات تستهدف تحديد حجم الدمار الشامل المتبادل في الحرب المحتملة، وذلك بالتحكم في وسائل الصراع، حيث ظهرت نظريات الردع المتدرج، والرد المرن، ونظريات أخرى متعددة في مجال نظم التسليح التقليدية، مثل الدفاع المتحرك، التي زادت من الاعتماد على القوات والأسلحة التقليدية.

نظراً لعدم ضمان التحكم التام في مستوى وسائل الصراع النووي، بقيت احتمالات الحرب النووية الشاملة قائمة، ولحل هذه المعضلة، اتجه الفكر العسكري الغربي إلى الاعتماد على تفوقه التكنولوجي، في شل وتحجيم القدرات النووية لدى حلف وارسو، وإحباط تفوقه العددي في الأسلحة التقليدية. فجاءت بادرة الدفاع الإستراتيجي المعروفة، باسم حرب الكواكب، وظهرت في الجانب الأمريكي نظرية “الحرب/ المعركة الجوبرية” وأجيال الأسلحة الذكية، وفي المقابل ظهرت في الجانب السوفييتي نظرية “مجموعة المناورة التعبوية السوفيتية”، وبذلك سادت لدى الشرق والغرب فكرة المعركة العميقة، الرامية إلى سرعة الوصول إلى عمق العدو، بدون قتال، ما أمكن، والاتصال بإحتياطياته وقواته، والانتشار بين أهدافه، ومن ثم تتفادى التعرض لضربات نووية، ومع سرعة حسم القتال في العمق، كان يتوقع تحقيق هدف الحرب قبل أن تتصاعد إلى مواجهة نووية شاملة. أي أن العمليات سوف تجرى بصورة تقليدية، تحت ظروف احتمال استخدام الأسلحة النووية، وبذلك عادت مبادئ الحرب التقليدية ومصدرها التاريخي إلى موقع الصدارة

السويد

كاتب الموضوع الأصلي: خالد الشهري 3332

السويد هي إحدى الدول الإسكندنافية الواقعة في شمال أوروبا. تمتلك السويد حدوداً برية مع النرويج من الغرب وفنلندا من الشمال الشرقي، وحدوداً بحرية مع كل من الدنمارك وألمانيا وبولندا إلى الجنوب وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وروسيا إلى الشرق. ترتبط السويد أيضاً بالدنمارك بجسر – نفق عبر أوريسند.
السويد هي ثالث أكبر دولة في الاتحاد الأوروبي من حيث المساحة (450,295 كم2) ويبلغ عدد السكان نحو 9.4 مليون نسمة السويد منخفضة الكثافة السكانية عند 21 نسمة لكل كيلومتر مربع (53 لكل ميل مربع)، لكن الكثافة تزداد في النصف الجنوبي من البلاد. حوالي 85 ٪ من السكان يعيشون في المناطق الحضرية، ويتوقع ارتفاع هذه الأرقام تدريجياً كجزء من عملية التمدن الحالية ستوكهولم عاصمة السويد هي أكبر مدينة في البلاد (عدد سكانها 1.3 مليون نسمة في منطقة العاصمة و2 مليون في المنطقة الحضرية الكبرى).
برزت السويد كدولة موحدة خلال العصور الوسطى. وفي القرن السابع عشر، وسعت الدولة أراضيها لتشكل إمبراطورية السويد. نمت الإمبراطورية لتصبح إحدى أكبر القوى بشمال أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر. آخر الحروب التي خاضتها السويد بشكل مباشر كانت في عام 1814، عندما أجبرت السويد النرويج بالوسائل العسكرية على عقد اتحاد شخصي استمر حتى عام 1905. منذ ذلك الحين، والسويد في سلام وتتبنى سياسة عدم الانحياز في السلم والحياد في زمن الحرب.
تتبع السويد نظاماً ملكياً دستورياً بنظام برلماني واقتصاد متطور. كما أنها تحتل المرتبة الأولى في العالم في مؤشر الإيكونوميست للديموقراطية والسابعة في مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية. السويد عضو في الاتحاد الأوروبي منذ 1 يناير عام 1995، وهي عضو في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية .
لا يزال العمر الحقيقي لمملكة السويد مجهولاً، حيث يعود ذلك إلى إشكالية اعتبار السويد أمة مع ظهور سفير وحكمهم لسفيلاند أو مع توحيد سفير وغوتار من غوتالاند تحت حكم تاج واحد. في الحالة الأولى أول ما ذكرت السويد تحت حكم قائد واحد كان في العام 98 من قبل تاسيتوس، لكنه من المستحيل معرفة كم المدة التي كانت بها البلاد على تلك الشاكلة. رغم ذلك عادة ما يبدأ المؤرخون تسلسل ملوك السويد منذ توحيد سفيلاند وغوتالاند تحت حكم إيريك المنتصر وابنه أولوف سكوتكونونغ في القرن العاشر. تعرف تلك الأحداث بتوحيد السويد رغم أن العديد من المناطق المشكلة للبلاد حالياً لم تكن جزءاً منها.
أما من سبق ذلك من الملوك فلا توجد حولهم مصادر تاريخية موثوقة، حيث يذكرون على نحو أسطوري أو شبه الأسطوري. كثير من هؤلاء الملوك مذكور في ساغات عديدة التي تمتزج مع الميثولوجيا الإسكندنافية.
كان الملك غوستاف الأول آخر من استخدم لقب ملك السويد والقوط، حيث أصبح اللقب ملك السويد والقوط والوينديين في الوثائق الرسمية. حتى بدايات العقد الثاني من القرن العشرين، روست جميع القوانين في السويد بعبارة “نحن، ملك السويد والقوط والوينديين”. استخدم هذا اللقب حتى عام 1973 الملك الحالي للسويد، كارل السادس عشر غوستاف، أول ملك يعلن رسمياً “ملك السويد” من دون ذكر شعوب أخرى في لقبه.
استخدم مصطلح ريكسداغ لأول مرة في أربعينيات القرن السادس عشر، على الرغم من أن أول الجلسات التي شارك فيها ممثلون من مختلف الفئات الاجتماعية لمناقشة وتحديد الشؤون التي تؤثر على البلاد ككل جرت في أوائل 1435، في بلدة أربوغا خلال الجمعيات في 1527 و1544، في عهد الملك غوستاف فاسا تم استدعاء ممثلي الشعب من الطبقات الأربعة (رجال الدين وطبقة النبلاء وسكان المدن والفلاحون) للمرة الأولى أصبح النظام الملكي وراثياً عام 1544.
كانت السلطة التنفيذية من الناحية التاريخية مشتركة بين الملك والمجلس الملكي من النبلاء حتى عام 1680، تلاها حكم ملكي مطلق أطلقته حالة البرلمان حينها. بعد الفشل في حرب الشمال العظمى تم عرض النظام البرلماني في 1719، تلاه ثلاث أنواع مختلفة من الملكية الدستورية في 1772 و1789 و1809. منحت الأخيرة العديد من الحريات المدنية. يبقى الملك رسمياً ولكن رمزياً قائداً للدولة مع واجبات احتفالية.
تألف ريكسداغ الطبقات من حجرتين. في عام 1866 أصبحت السويد ملكية دستورية ببرلمان من مجلسين، حيث ينتخب المجلس الأول بصورة غير مباشرة من قبل الحكومات المحلية، أما المجلس الثاني فينتخب انتخاباً مباشراً في انتخابات وطنية كل أربع سنوات. في عام 1971 أصبح الريكسداغ غرفة واحدة. كانت السلطة التشريعية (رمزياً) مشتركة بين الملك والبرلمان حتى عام 1975. الريكسداج (البرلمان) هو الذي يتحكم بالضرائب السويدية.
تمتلك السويد تاريخاً من المشاركة السياسية القوية لأناس عاديين من خلال “الحركات الشعبية” وأبرزها اتحادات النقابات والحركة المسيحية المستقلة وحركة الاعتدال والحركة النسائية ومؤخراً حركات قراصنة الملكية الفكرية والرياضية.
تقود السويد حالياً الاتحاد الأوروبي في مجال الإحصاءات من حيث قياس المساواة في النظام السياسي وفي نظام التعليم صنف تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين السويد في عام 2006 بوصفها البلد رقم واحد من حيث المساواة بين الجنسين .

فنلندا و الدين

كاتب الموضوع الأصلي: خالد الشهري 3332

يحدد الدستور الفنلندي النظام السياسي. تعرف فنلندا بأنها ديمقراطية تمثيلية بنظام برلماني نصف رئاسي، لكنه حالياً أقرب الرئاسة غير التنفيذية ذات المهام التشريفية فقط. بصرف النظر عن السياسة على مستوى الدولة، فإن المقيمين يستخدمون أصواتهم في الانتخابات البلدية وانتخابات الاتحاد الأوروبي. وفقا للدستور، رئيس فنلندا هو رأس الدولة والمسؤول عن السياسة الخارجية (و يستثنى منه شؤون الاتحاد الأوروبي) وذلك بالتعاون مع مجلس الوزراء. القوى الأخرى التي تقع بيد الرئيس تشمل القائد العام للقوات المسلحة وإصدار المراسيم والتعيين. يجري انتخاب الرئيس بتصويت مباشر لولاية تدوم ست سنوات وبحد أقصى من ولايتين متتاليتين. الرئيس الحالي هي تاريا هالونن (الحزب الديمقراطي الاجتماعي). يمارس البرلمان ذو الغرفة الواحدة والمكون من 200 عضو السلطة التشريعية العليا في فنلندا. يجوز للبرلمان أن يغير القوانين والدستور، وطلب استقالة مجلس الدولة وتجاوز حق النقض الرئاسي كما لا تخضع أعماله للمراجعة القضائية. تستمع لجان البرلمان إلى العديد من الخبراء وتعد التشريعات. يستخدم التصويت النسبي في دوائر متعددة المقاعد لانتخاب البرلمان لمدة أربع سنوات. رئيس البرلمان حالياً ساولي نيينيستو (حزب الائتلاف الوطني). يمتلك مجلس الوزراء (مجلس الدولة الفنلندي) معظم الصلاحيات التنفيذية. يرأسه رئيس وزراء فنلندا ويضم وزراء آخرين والمستشار العدلي. يعود تشكيل الوزارة إلى الأغلبية البرلمانية ويمكن استخدامه تصويت بحجب الثقة لتعديلها. رئيس الوزراء الحالي هي ماري كيفينييمي (حزب الوسط). منذ بدء الاقتراع العام في عام 1906، سيطر على البرلمان حزب الوسط (الاتحاد الزراعي السابق) وحزب الائتلاف الوطني والحزب الاشتراكي الديمقراطي والتي تحظى بدعم متساوي تقريباً وتمثل 65-80 ٪ من الناخبين. بعد 1944، كان الشيوعيون عاملاً للأخذ بالحسبان لعقود قليلة. تتنوع مواطن القوة النسبية للأحزاب قليلاً في الانتخابات، لأن الانتخابات نسبية من مناطق متعددة الأعضاء، لكن هناك بعض النزعات الجلية ذات المدى الطويل. تجرى انتخابات منفصلة في منطقة أولند ذاتية الحكم حيث كان حزب ليبراليون لأولند أكبر حزب في انتخابات 2007.

أزمة الصواريخ الكوبية

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الموسى 333

أزمة الصواريخ الكوبية (تسمى في روسيا أزمة الكاريبي، (بالروسية: Карибский кризис) أو Karibskiy krizis، وتعرف في كوبا بـأزمة أكتوبر) هي مواجهة ما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي المتحالف مع كوبا في أكتوبر 1962 ضمن أحداث الحرب الباردة. وتقارن أزمة الصواريخ الكوبي بـحصار برلين كواحدة من أشد المواجهات خلال الحرب الباردة، وتعتبر هذه الأزمة أقرب أزمة كادت أن تؤدي لقيام الحرب النووية.

في أغسطس 1962 وفي أعقاب عدة عمليات فاشلة للولايات المتحدة لإسقاط النظام الكوبي (غزو خليج الخنازير وعملية النمس) شرعت حكومتا كوبا والاتحاد السوفيتي في بناء قواعد سرية لعدد من الصواريخ النووية متوسطة المدى (MRBMs وIRBMs) في كوبا، والتي تعطي الإمكانية من ضرب معظم أراضي الولايات المتحدة. بدأ هذا العمل بعد نشر صواريخ ثور IRBM في بريطانيا ضمن مشروع إميلي سنة 1958 ونشر صواريخ جوبيتر IRBM في إيطاليا وتركيا سنة 1961، حيث أصبح بهذا لدى أمريكا المقدرة على ضرب موسكو بأكثر من 100 صاروخ ذي رأس نووي.

فاقت تلك الأزمة مع أزمة حصار برلين كلاً من أزمة السويس وحرب 67 اللتين تعتبران إحدى أكبر المواجهات في الحرب الباردة إلا أن تلك الأزمتين اقتربتا جدًا من المواجهة النووية وهي أيضا أول واقعة موثّقة لخطر تدمير متبادل مؤكد (MAD) جري مناقشتها باعتبارها عاملاً حاسمًا في الاتفاقيات الكبرى للتسليح الدولي. بدأت الأزمة في 8 أكتوبر 1962، ووصلت ذروتها في 14 أكتوبر عندما أظهرت صور استطلاع التقطت من طائرة التجسس الأمريكية لوكهيد يو-2 عن وجود قواعد صواريخ سوفيتية نووية تحت الإنشاء في كوبا.

فكرت الولايات المتحدة في مهاجمة كوبا عن طريق الجو والبحر، ثم استقر الرأي بعمل حظر عسكري عليها. فأعلنت الولايات المتحدة أنها لن تسمح بتسليم أسلحة هجومية لكوبا، وطالبت السوفيت تفكيك أي قواعد صواريخ مبنية أو تحت الإنشاء في كوبا وإزالة جميع الأسلحة الهجومية. ولم تكن إدارة كينيدي تتوقع أن يستجيب الكرملين لمطالبهم، وتوقعت حدوث مواجهة عسكرية بين الدولتين. أما على الجانب السوفيتي فقد كتب الزعيم نيكيتا خروتشوف في رسالة إلى كنيدي بأن “حظر الملاحة في المياه الدولية أوالمجال الجوي” يشكل “عملاً من أعمال العدوان تدفع البشرية إلى هاوية حرب صواريخ نووية عالمية”.

رفض السوفيت علنًا جميع المطالب الأمريكية، ولكن عبر قنوات سرية من الاتصالات بدأت اقتراحات لحل الأزمة.

انتهت الأزمة في 28 أكتوبر 1962، عندما توصل كلّ من الرئيس الأمريكي جون كينيدي وأمين عام الأمم المتحدة يو ثانت إلى اتفاق مع السوفيت لإزالة قواعد الصواريخ الكوبية شريطة أن تتعهد الولايات المتحدة بعدم غزو كوبا وأن تقوم بالتخلص بشكل سري من الصواريخ البالستية المسماة بجوبيتر (PGM-19 Jupiter) وثور (PGM-17 Thor).

أزال السوفييت بعد أسبوعين من الاتفاق جميع أنظمة الصواريخ ومعدات الدعم، وتم تحميلها على ثماني سفن تابعة لهم في الفترة من 5 إلى 9 نوفمبر. وبعدها بشهر أي في 5 و6 ديسمبر حملت القاذفة السوفيتية اليوشن-28 على ثلاث سفن شحن إلى روسيا. وانتهى رسميًا الحظر على كوبا يوم 20 نوفمبر 1962 في الساعة 6:45 مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة. بعد أحد عشر شهرًا من الاتفاق وفي سبتمبر 1963 تم إبطال مفعول جميع الأسلحة الأمريكية في تركيا. ثم حدث كنتيجة لمفاوضات إضافية إنشاء الخط الساخن بين موسكو وواشنطن.

وفي أول خطاب له عن تلك الأزمة، أطلق كينيدي في 22 أكتوبر 1962 إنذاره الرئيسي:

«ستكون سياسة هذه الأمة إزاء أي صواريخ نووية تنطلق من كوبا ضد أي دولة في النصف الغربي هجوما على الولايات المتحدة، وستكون ردة الفعل الانتقامية كاملة على الاتحاد السوفيتي»وقد شمل هذا الخطاب على خطوط سياسية رئيسية أخرى، بدأت بـ:

«لوقف هذا الحشد العدواني سنحجر وبصرامة على جميع المعدات العسكرية العدائية التي يجري شحنها إلى كوبا. جميع السفن المتجهة إلى موانئ كوبا والقادمة من أي جهة كانت إذا وجد أنها تحتوي على شحنات من أسلحة عدوانية فسنعيدها. هذا الحَجْر سوف يتم توسعته إذا اقتضت الضرورة ليشمل أنواعًا أخرى من البضائع والمنقولات. نحن لا نريد أن نمنع أي ضرورات إنسانية وفي هذا الوقت بالذات كما حاول السوفيت فعله عندما حاصروا برلين عام 1948.»أمر بتكثيف الرقابة، وأشاد بالتعاون من وزراء خارجية منظمة البلدان الأمريكية. وقال:”أمرنا الجيش للتحضير لجميع الاحتمالات، وإنا على ثقة من أن مصلحة كل من الشعب الكوبي والفنيين السوفييت في تلك المواقع، أن يعرفوا الأخطار التي ستصيب جميع الأطراف إذا استمر التهديد.” وقد قدم طلب لاجتماع عاجل في منظمة البلدان الأمريكية ومجلس الأمن للنظر في هذا الموضوع

الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمة الله ( اقوال )

كاتب الموضوع الأصلي: نواف الموسى 333

في نظرته للمستقبل[عدل]«عشنا وعاش أجدادنا على التمر واللبن وسنعود لهما»
«هل تري هذه الأشجار .. لقد عاش آبائي و أجدادي مئات السنين على ثمارها و نحن مستعدون أن نعود للخيام و نعيش مثلهم و نستغني عن البترول , إذا استمر الأقوياء و انتم في طليعتهم في مساعدة عدونا علينا»
في القضية الفلسطينية
اليهود في مدينة القدسفي قصر الاليزيه في باريس وقبيل نشوب حرب 1967 بأيام قليلة، جرى حوار بين الجنرال ديغول وفيصل بن عبد العزيز كالتالي:-

الجنرال ديغول: « يتحدث الناس أنكم يا جلالة الملك تريدون أن تقذفوا بإسرائيل إلى البحر، وإسرائيل هذه أصبحت أمراً واقعاً، ولا يقبل أحد في العالم رفع هذا الأمر الواقع، »
فيصل بن عبد العزيز « يا فخامة الرئيس أنا أستغرب كلامك هذا، إن هتلر احتل باريس وأصبح احتلاله أمراً واقعاً، وكل فرنسا استسلمت إلا أنت انسحبت مع الجيش الإنجليزي، وبقيت تعمل لمقاومة الأمر الواقع حتى تغلبت عليه، فلا أنت رضخت للأمر الواقع، ولا شعبك رضخ، فأنا أستغرب منك الآن أن تطلب مني أن أرضى بالأمر الواقع، والويل يا فخامة الرئيس للضعيف إذا احتله القوي وراح يطالب بالقاعدة الذهبية للجنرال ديجول أن الاحتلال إذا أصبح واقعاً فقد أصبح مشروعا. »
الجنرال ديغول« يا جلالة الملك يقول اليهود إن فلسطين وطنهم الأصلي وجدهم الأعلى إسرائيل ولد هناك، »
فيصل بن عبد العزيز« فخامة الرئيس أنا معجب بك لأنك متدين مؤمن بدينك، وأنت بلا شك تقرأ الكتاب المقدس، أما قرأت أن اليهود جاءوا من مصر غزاة فاتحين، حرقوا المدن وقتلوا الرجال والنساء والأطفال، فكيف تقول أن فلسطين بلدهم، وهي للكنعانيين العرب، واليهود مستعمرون، »
الجنرال ديغول« لكنهم يقولون إن أباهم ولد فيها، »
فيصل بن عبد العزيز« غريب، عندك الآن مائة وخمسون سفارة في باريس، وأكثر السفراء يولد لهم أطفال في باريس، فلو صار هؤلاء الأطفال رؤساء دول وجاءوا يطالبونك بحق الولادة في باريس فمسكينة باريس، لا أدري لمن ستكون؟ »
و قال الملك فيصل في خطبته الأخيرة : « أيُها الإخوة المسلمون :إن القدس الشريف يناديكم ويستغيثكم لتنقذوه من محنته ومما أُبتلي به ، فماذا ننتظر وإلى متى ننتظر ومقدساتنا وحرمتنا تنتهك بأبشع صورة فماذا يخيفنا هل نخشى الموت ؟ ، وهل هناك موته أفضل وأكرم من أن يموت الإنسان مجاهداً في سبيل الله ، نريدها غضبة ونهضة إسلامية لا فيها قومية ولا عنصرية ولا حزبية ، إنما دعوة إسلامية، دعوة إلى الجهاد في سبيل ديننا وعقيدتنا دفاعاً عن مقدساتنا وحرمتنا وأسال الله سبحانه وتعالى ، أن يكتب لي الموت شهيداً في سبيله ، ارجوا أن تعذروني إذا أرتج علي ، فإنني حينما أتذكر حرمنا الشريف ومقدساتنا تنتهك وتستباح وتمثل فيها المفاسد والمعاصي والانحلال الخلقي فإنني أدعو الله مخلصاً إذا لم يكتب لنا الجهاد وتخليص هذه المقدسات ألا يبقيني لحظةً واحدة على الحياة »
في إيقاف تصدير البترول إلى أمريكا يقول وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كسينجر في مذكراته أنه عندما التقى الملك فيصل في جدّه، عام 1973 م، في محاوله لإثنائه عن وقف ضخ البترول، رآه متجهما ً، فأراد أن يستفتح الحديث معه بمداعبه

هنري كيسنجر يقول: إن طائرتي تقف هامدة في المطار بسبب نفاد الوقود ، فهل تأمرون جلالتكم بتموينها، وانأ مستعد للدفع بالأسعار الحرة ؟ ! . يقول كيسنجر: فلم يبتسم الملك، بل رفع رأسه نحوي.

فيصل بن عبد العزيزيقول « وأنا رجل طاعن في السن، وأمنيتي أن أصلي ركعتين في المسجد الأقصى قبل أن أموت, فهل تساعدني على تحقيق هذه الأمنية؟!»
من قراراته إيقاف تصدير النفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية – صدر في بيان عن الديوان الملكي السعودي في عهد الملك فيصل بتاريخ 22 رمضان 1393هـ،

« نظراً لازدياد الدعم العسكري الأمريكي لاسرائيل, فإن المملكة العربية السعودية, قررت ايقاف تصدير البترول للولايات المتحدة الأمريكية لاتخاذها هذا الموقف .»[